← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

مشروعية التخفيف في سنة الفجر قال ﵀: [وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان النبي ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح، حتى إني أقول: أقرأ بأم الكتاب؟!) ] متفق عليه. لم يأخذ من رواتب النافلة حيزاً في البحث عند الفقهاء، ولا نصوصاً عند العلماء؛ كركعتي الفجر والوتر، أما ركعتا الفجر فتقدم قول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (إن النبي ﷺ ما كان أشد تحرياً لصلاة كركعتي الفجر) ، وتقدم أيضاً: (صلوا ركعتي الفجر ولو طاردتكم الخيل) فهذه نصوص في التأكيد عليها , وكذلك ما جاء عنه ﷺ أنه حافظ عليها في الحضر والسفر، وتقدم في قصة بلال أنه قال له: (اكلأ لنا الفجر) فما أيقظهم إلا حر الشمس، فارتحلوا عن ذلك الوادي، فأمر ﷺ بلالاً بأن يؤذن للصلاة، فأذن ثم صلى ركعتي الفجر، ثم أقام وصلى الفريضة، وكذلك جاء في الحديث: (من فاتته ركعتا الفجر حتى صلى الصبح فليركعهما بعد طلوع الشمس) ، وكذلك جاء إقراره ﷺ لمن صلاهما بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الفجر، فقد جاء عنه ﷺ أنه لما انصرف من صلاة الصبح وجد رجلاً يصلي، فأخذ بيده وقال: (آلصبح أربعاً؟ فقال: يا رسول الله! هذه ركعتا الفجر فاتتني فأنا أصليهما، فقال: إذاً: لا بأس) وهكذا ما يتعلق بالفرائض. ثم جاءت الكيفية وما يتبعها، فنجد هنا أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها تبين لنا أن النبي ﷺ كان يخففهما، وتبين من هذه الصورة قولها: (حتى إني لأقول: أقرأ بأم الكتاب؟) أي: هل قرأ بأم الكتاب أم لم يقرأ؟! ومن المعلوم أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ولكنها رضي الله تعالى عنها تبين لنا إلى أي مدى كان هذا التخفيف، وسيأتي النص بأنه كان يقرأ بـ (قل يأيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) يعني: ليس مجرد الفاتحة فقط بل ومعها سورة أخرى، ولكن لو تأملنا موقع ركعتي الفجر هاتين مع صلاته ﷺ بالليل -وهما من آخر ما يصلي، كان يقوم الليل إلى أن يوتر قبل الفجر ثم يؤذن ثم يصلي الركعتين- لوجدنا النسبة بينهما بعيدة جداً، ولهذا عندما نقارن بين صلاته ﷺ بالليل وما وصفته به أم المؤمنين بنفسها تقول: (كان ﷺ يصلي أربعاً لا تسل عن حسنهن وطولهن) ، وفي الحديث أنه (كان يقرأ الفاتحة ثم يقرأ البقرة، والنساء وآل عمران، ثم يركع نحواً من ذلك، ثم يرفع نحواً من ذلك، ثم يسجد نحواً من ذلك) ، وذكرت الركعة كلها في أركانها نحواً من ذلك، فكم تستغرق الركعتان من قيام الليل؟ فإذا جئنا إلى ركعتي الفجر بـ (قل يأيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) وجدناها إلى جانب صلاة الليل كالصفر على الشمال، شيء بسيط جداً. إذاً: قول أم المؤمنين عائشة ﵂: (يخفف) ليس معنى ذلك التخفيف الذي يخرج الصلاة عن قواعدها أو يخل بصحة الصلاة، ولكنه تخفيف في القراءة مع الطمأنينة في الصلاة بأكملها، لكن بالنسبة إلى صلاته ﷺ ليلاً تكون خفيفة جداً، بدليل أنه يجتزئ بهاتين الخفيفتين عن هذه النافلة التي شدد فيها، وهذا له نظير: في منصرفه ﷺ من عرفات نزل ليريق الماء، فصب عليه أسامة الوضوء، فقال: (توضأ ولم يسبغ الوضوء) ، هذا الحديث كثر فيه كلام الفقهاء منهم من يقول: إنه غسل يديه واستنجى فقط، والآخر يقول: إنه غسل مرة مرة واحدة، ولكن نحن نعلم بأن إسباغ الوضوء واجب فقد قال ﷺ : (ويل للأعقاب من النار) ، وإسباغ الوضوء ينقسم إلى قسمين: قسم يترك خللاً؛ لأن الرسول ﷺ قال: (ويل للأعقاب) لما رأى في أعقابهم لمعاً -أي: بياضاً لم يصبه الماء - فكان هذا نقصاً في الوضوء، ومن عدم إسباغ الوضوء أيضاً أن يتوضأ مرة مرة؛ لأن السنة جاءت بالوضوء ثلاث مرات، ونعلم بأنه لو توضأ مرة مرة فغسل كامل العضو المطلوب فإن هذا الوضوء تصح به الصلاة؛ لأنه ﷺ توضأ مرة مرة ثم قال: (هذا الوضوء الذي لا يقبل الله صلاة بغيره) ، يعني: بأقل منه، ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: (هذا وضوء من قبلنا) ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وقال: (هذا وضوئي ووضوء أمتي) ، فعرفنا أن أقل ما يجزئ غسلة، ووضوء الأمم قبلنا غسلتان، ووضوءنا الكامل ثلاث غسلات ما عدا المسح فإنه لا يكرر. ويقول النووي: لو تكرر المسح لشابه الغسل، وأصبح الماء على الشعر كأنه غسل. إذاً: قول الراوي: (لم يسبغ الوضوء) ، مثل قول أم المؤمنين هنا: (حتى أقول: أقرأ بأم الكتاب أم لم يقرأ؟) ، والجواب عمن يقول: إن عدم إسباغ الوضوء ينصرف إلى الوضوء اللغوي، أن نقول: لا، لأن نص الحديث: (لم يسبغ) لا يقال في الوضوء اللغوي أسبغ أو لم يسبغ؛ لأن الذي يقال فيه: إسباغ هو الوضوء الذي تصح به الصلاة، فلما قال: (لم يسبغ الوضوء) فهمنا أن هذا الوضوء المذكور مما من شأنه أن يوصف بالإسباغ، وما لا يوصف بالإسباغ لا ينفى عنه، وهذه قاعدة -كما يقولون عند الأصوليين وعلماء المنطق- تسمى: (العدم والملكة) ، أي: لا ينفى الشيء عما لا يتصف به. فإذا قلت: هذا العمود لا يسمع، ولا يبصر، كان هذا خطأ؛ لأنه ليس من شأنه أن يسمع أو يبصر حتى تقول: لا يسمع ولا يبصر، فكذلك غسل اليدين والاستنجاء، والوضوء اللغوي لا يقال: فيه إسباغ، فلا تحمل كلمة (وضوء) عليه، ولكن الذي يقال فيه إسباغ: هو الوضوء الذي تقع به الصلاة. إذاً: هناك اقتصر واكتفى بالوضوء مرة مرة، وعندما جاء مزدلفة توضأ وأسبغ، إذاً: الوضوء الأول كان معتمداً أم لا؟ البعض قال: غير معتمد، ولكن الصحيح أنه معتمد وقالوا: لأن النبي ﷺ يذكر الله على جميع أحيانه، فلما أراق الماء وانتقض الوضوء , وهو سيذكر الله وخاصة في تلك اللحظات: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] أي: في طريق المشعر الحرام، فهي موضع لذكر الله، فكره أن يذكر الله على غير وضوء، ونظير ذلك ما ثبت عنه ﷺ أنه مر بسباطة قوم -السباطة: هي موضع القمامة- فوقف يبول وهو قائم، فمر رجل عليه وسلم، فلم يرد ﵇، حتى إذا جاء إلى جانب جدار تيمم ثم رد السلام على الرجل وقال: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهارة) لكن هذه الطهارة ليست طهارة صلاة؛ لأنه في الحضر، وحكمه وجوب الوضوء بالماء، ولكن التيمم هنا للتخفيف. ننتقل إلى حديث ركعتي الفجر، وقول أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (حتى أقول -في نفسي- أقرأ بأم الكتاب أم لا؟) ومعلوم أنه كان يقرأ، ولكن ليس بترسل ولا بتمهل، ولم يقرأ معها من طوال السور كما يقرأ في صلاة الليل.

стр. 737

ما يقرأ في ركعتي الفجر من السور قال ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ) رواه مسلم] . هذا من فقه المؤلف ﵀ حيث أورد لنا قول عائشة الذي يمكن أن يشكك في عدم قراءة الفاتحة، فيأتينا بعده مباشرة بأنه ﷺ ما كان يقرأ الفاتحة فقط، بل يقرأ الفاتحة ومعها تارة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] وتارة: بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، فإذا كان يقرأ بهاتين السورتين فهل يترك الفاتحة ويقرأ بهاتين السورتين أم قطعاً نقول: إنه يقرأ بفاتحة الكتاب ثم يقرأ بهاتين السورتين؟ نقول: قطعاً أنه يقرأ في كل ركعة الفاتحة وإحدى هاتين السورتين. إذاً: رداً لما عساه أن يقع في الذهن من قول أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، نقول: نعم قد قرأ ولم يقتصر على الفاتحة فقط، بل قرأ معها بسورتين قصيرتين، في كل ركعة سورة، وهنا يرد السؤال: السنة أن تقرأ في كل يوم في ركعتي الفجر مع الفاتحة في الأولى (قل يا أيها الكافرون) ، ومع الفاتحة في الركعة الثانية (قل هو الله أحد) ، وهذا له نظير، ففي ركعتي الطواف السنة أن تقرأ بسورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، وكذلك في الوتر تقرأ في الأولى: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] ، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] ، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] . إذاً جاءت سورة الإخلاص مع سورة الكافرون في الوتر في آخر الليل، وجاءت أيضاً مع سورة الإخلاص في ركعتي الفجر في أول النهار، وجاءت سورة الكافرون مع سورة الإخلاص عقب الطواف، فمن مجموع هذه الحالات يرى البعض -وهو رأي سديد-بأن حياة الأمة وصلب الإسلام وصميمه إنما هو بتوحيد الله، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] لكي يظل الإنسان على طريق مستقيم من القيام بعبادة الله وحده، والإقرار لله بالوحدانية، كان يأتيه هذا التذكير يفتتح يومه صباحاً بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:١-٢] ، أي: تلك الأصنام التي تعبدونها أنا أرفضها، ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ﴾ [الكافرون:٤] أي: عبادتكم التي تؤدونها أنا لا أعبدها: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:٣] ، ولا أنتم بمصلين ولا صائمين كما أصلي وأصوم: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] ، انفصال وتميز، تميزت الأمة عن غيرها في منهجها وعلاقتها بربها، فإذا جاءت الركعة الثانية جاءت سورة الإخلاص، فالسورة الأولى جاءت بإفراد الله بالعبادة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] والسورة الثانية: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] تفرد الله سبحانه بالوحدانية في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، فتصبح وأنت تعلن هذا الأمر: وهو إفراد الله بالعبادة، وتوحيده سبحانه في أسمائه وصفاته، مؤمناً وافياً، تعلنها في الصباح وتبني حياتك اليومية عليها، وهكذا في آخر اليوم عندما تسلم نفسك للنوم، وتنتهي من جميع أعمالك، والوتر أوله من بعد العشاء إلى طلوع الفجر، فإذا أوترت بعد العشاء وأنهيت النهار بهذا المعنى، وبه استقبلت الليل، وكذلك هناك أنهيت الليل، وبه استقبلت النهار فتكون موحداً بين ليلك ونهارك: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧] وهذا كما قالوا في المناسبة في فجر يوم الجمعة: الغالب أن يقرأ فيها بسورتي السجدة والإنسان، ويقول ابن تيمية ﵀: شرعت قراءة هاتين السورتين في هذا اليوم؛ لأن يوم الجمعة هو اليوم الذي فيه تقوم الساعة، وجاء في الموطأ في ذكر فضائل يوم الجمعة في آخره قال: وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة بسمعها يوم الجمعة بعد الفجر خوفاً من قيام الساعة، فالحيوانات تصيخ بسمعها بعد الفجر، وتتذكر هذا اليوم، ونحن أولى؛ لأن الحيوانات والجمادات والسموات والأرض عرضت عليهن الأمانة فأبينها، وحملها الإنسان، فهو أولى من أن يشفق من الساعة، وخاصة من اليوم الذي جاء التحديد من أنها ستأتي فيه وهو يوم الجمعة. إذاً: قراءة السجدة و (هل أتى على الإنسان) مناسبتان لصلاة الصبح في يوم الجمعة؛ ليتذكر الإنسان بنفسه أن أول خلقه كان من تراب ثم نطفة ثم. إلخ وقصة السجود وعدم السجود، وليتذكر أنه لم يكن شيئاً مذكوراً، فيهما قصة حياة الإنسان ومآله يوم القيامة، ليتأهب ولا ينسى مبدأه، ولا يغفل عن معاده، وكذلك: (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) تناسبان صباح الإنسان ومساءه.

стр. 738

الشبهة الواردة فيما يتعلق بالطواف بالبيت وتقبيل الحجر الأسود نحن نبدأ طوافنا بالتكبير عند استلام الحجر مع تقبيله، ونحن نقبل الحجر ونطوف حول الكعبة وهي من الحجارة، ألم تكن مصيبة العرب في الجاهلية هي تعظيم الأصنام؟ فبعض أمراض القلوب يقول: كيف تعيبون على المشركين تكريم أصنامهم التي من حجارة أو ذهب أو خشب، وأنتم تأتون تقبلون الحجر وتطوفون حول الحجارة؟ ما الفرق بينكم وبينهم؟ يعني: هل حجارتكم أفضل من حجارتهم؟ وهذه كما يقال: شبهة رهيبة جداً؛ لأن أعداء الإسلام دخلوا على ضعاف النفوس بهذه الشبهة، وقالوا: تلك وثنية في الدين، وأقول وللأسف: بعض المشايخ -أول ما طرق سمعي شيء من الفقه، ونحن صغار في المدارس الابتدائية- من كبار العلماء في منطقته، جاء إلى الحج ولم يستلم الحجر، فأخبرني بعض من كان معه، وقال لي: سله، فسألته لماذا لم تقبل الحجر؟ فقال: هل صحيح أن النصوص فيه صحيحة؟ قلت: إذا كان مثلك يسأل في هذا فما بال العوام؟! أما رأيت الملايين من الناس يستلمونه، وأنت وحدك تنفرد في ترك ذلك؟! قال: لم أقتنع بصحة الحديث، فماذا تقول لمثل هذا؟ وكتبت كتابات في ذلك مثل: وثنية الإسلام، وكتبت ردود عليه: لا وثنية في الإسلام، ويأتون بأشياء بعيدة عن صلب الموضوع، ونحن عندنا أمران: الأمر الأول: أن الإسلام استسلام، إذا أمرنا الله أن نقبل حجراً قبلناه طاعة لله، لا تعظيماً للحجر، وإذا أمرنا أن نقبل شجراً قبلناه طاعة لله، لا تعظيماً للشجر، فنحن كما وجهنا الله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] ، وقد بين الله ذلك على لسان الملهم المحدث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وبكل جرأة يرشد العالم عليها حينما جاء يقبل الحجر قال: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع -يعني: لا أرجو فيك خيراً، ولا أرهب منك ضراً، سواء قلنا: نزل من الجنة فهو حجر أو كان من جبل أبي قبيس فهو حجر -ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) وهنا لنعلم ولنتأكد ولتكن قاعدة في كل الأمور التي ترتفع عن مستوانا: عمر هل عمل بهذا المعقول الذي عنده أم أنه ألغاه؟ ألغاه، لماذا؟ لما هو أصدق وما هو آكد وأعلم. فمن لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٤-٥] جاء وقبله، إذاً عنده من العلم ما ليس عندي، وعنده ما يعتمد عليه، وأنا ملزم باتباعه، فـ عمر قبل الحجر استسلاماً وتأسياً واقتداء بمن هو أعلم منه وهو رسول الله ﷺ ، فإذا أمرنا رسول الله ﷺ بأمر، أو أمرنا المولى في كتابه بأمر، وعقولنا لم ترتفع إلى مستواه، ولم تدرك معناه؛ نلغي العقل، ونعطيه إجازة، ونمضي في الطريق الذي لا مرية فيه ولا شك. الأمر الثاني، وهو الجانب الأصولي: عندما تطوف تبدأ تقبل الحجر، ثم تطوف بالحجارة المرصوصة، وتأتي تصلي ركعتي الطواف خلف المقام: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] وتقرأ: (قل يأيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) ، فأنت تأتي وتصلي لمن؟ لله؛ إذاً: لا وثنية، عندما تجعل الركعتين خلف مقام إبراهيم لله، ومن هو إبراهيم؟! قال تعالى عنه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠] ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥] ، إذاً: أنا مقتد بإبراهيم ولم أعبد الأصنام، بمجرد ما تتجه للصلاة خلف مقام إبراهيم، فإذا كنت في هذه الصلاة تعلنها: (يا أيها الكافرون) يا عباد الأصنام! حجارة أو ذهباً أو خشباً أو ما شابه ذلك، ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:٢] فتعظيمكم للأصنام والحجارة هذا شرك لأنكم لم تؤمروا به، وتقبيلي للحجر عبادة لأنني أمرت بها، لكم دينكم مع أصنامكم، ولي دين مع ربي، وتأتي بعد ذلك بسورة الإخلاص، ومعنى ذلك أعلنها: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] هل بعد هذا من ادعاء شبهة وثنية في تقبيل الحجر أو الطواف بالبيت؟ لا والله، ومقام إبراهيم فيه آيات بينات، وهي آثار القدم، يقول الفخر الرازي: أقدام إبراهيم في الحجر آية لوحدها، قال تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران:٩٧] ، فجعل مقام إبراهيم آيات، وموضوع المقام أن القدمين غاصت في الحجر وعملت فيه، قال: نعم، عندما يكون الحجر صلباً، ثم تأتي بمثقل، فإذا بحدود الحجر تلين ويغوص فيها المثقل، وبقية الحجر بقيت على ماهيتها، إذاً: موضع القدمين في ليونتهما وانطباع القدم فيها آية، وبقاء بقية الحجر صلباً آية؛ لأن الليونة لو وقعت عليها جميعها يمكن أن يقال: هذا عامل كيماوي أو عامل سحري. ، نحن نعلم إذابة الحجر والنحت على الحجارة كيف يكون، بالألفونيا مع النشادر، تسحق بمقدار معين أو متساو ثم تحطها، هذه الكتابات التي على الرخام عملها يكون بتغطية صفحة الرخام بالشمع ثم تأخذ الريش، وتكتب ما تريد بأي نوع من الكتابة، فتحفر الشمعة حتى ينكشف الرخام، ثم تملي هذا المحفور بالألفونيا مع النشادر بمقادير متساوية، ثم تقطر عليها من حمض الكبريت، فإذا به يتفاعل ويأكل الرخام تحته، فإذا انتهى إلى العمق الذي تريد صببت عليه الماء فيتوقف عن التفاعل، ثم تزيل الشمع بعد ذلك، فتخرج الرخامة مكتوباً عليها بأحسن ما يكون، ما حفرت باليد وإنما صنع لها مواد كيماوية، فلو أن الحجر كله ذاب يمكن أن يقال: هذه مادة كيماوية أكلته، لكن لا، البعض يلين وينطبع فيه القدم، والبعض يبقى على حجريته، إذاً: فما لان الحجر إلا بقدرة الله، فهذه آية، وقد وجدنا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٧٤] ، فإذا كان الأمر كذلك فنحن نقول: لا وثنية. ونرجع ونقول: إن القراءة للفاتحة في ركعتي الفجر ثابتة بهذا الحديث، وقراءة السورتين والمداومة عليهما ربط بين حياة الإنسان العملية، وبين عقيدته فيما بينه وبين الله، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 739

كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع [٣] من النوافل التي حث الشارع على المداومة عليها صلاة الليل التي هي أفضل الصلوات بعد الفريضة، ولا يداوم عليها إلا المجاهدون الصابرون، الطامعون بما عند الله سبحانه من الرضا والنعيم المقيم، وما من عبد داوم على قيام الليل إلا أظهر الله ذلك في جوارحه وعلى صفحة وجهه، وكان ممن يناديه الله في كل ليلة ليتوب عليه ويغفر له.

стр. 740

مشروعية الاضطجاع بعد صلاة ركعتي الفجر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن) رواه البخاري. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه] . هذه المسألة لها عند الأئمة ﵏ منزلة من حيث المنهج في البحث فيها، فقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (أنه ﷺ ، كان إذا صلى ركعتي الفجر -أي: قبل الفريضة- اضطجع على شقه الأيمن) وهذا حديث صحيح متفق عليه. بعدما ساق المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث من فعله ﷺ -والفعل قد يكون خاصاً به- جاء بالحديث الذي يعم الأمة بصيغة الأمر: (إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع) هذه صيغة من صيغ الأمر، والأمر يقتضي الوجوب. ومن خلال هذين الحديثين نجد الخلاف عند العلماء، ونجد منهج البحث: أولاً: من حيث الفكرة نجد من السلف من يقول بذلك ويفعله، ومنهم -وهم الأكثر- من لا يقول بذلك وينكره، وجاء عن ابن مسعود أنه قال: (ما بال أحدكم إذا صلى ركعتين تمعك كما يتمعك) وذكر حيواناً من الحيوانات يضرب به مثل الخسة، ولا حاجة لذكره، وهذا مبالغة في الإنكار.

стр. 741

تقسيم أفعال النبي ﷺ إلى جبلية وتشريعية ونجد الأئمة ﵏ تتبلور عندهم المسائل الخلافية؛ لأنهم ﵏ يأخذون النصوص ويمحصونها ويجمعون أطرافها، وينظرون ما هي النتيجة، فما وصل إلى الأئمة الأربعة يكون هو خلاصة ما وجد وقيل من خلاف أو وفاق قبلهم. فنجد عند الشافعي أنه يستحب فعل ذلك، ونجد عند الحنابلة كذلك الاستحباب، ونجد عند غيرهم من ينكرها بالكلية كالأحناف، ومنهم من يفصل وهم المالكية فيقولون: إن فعلها استناناً كره، وإن فعلها جبلة فلا بأس، وسنرجع إليها إن شاء الله. وقد أبعد ابن حزم ﵀ فأوجبها، قال: يجب ويتعين على الإنسان ما لم يكن به عذر أن يضطجع على شقه الأيمن، وإذا لم يضطجع فصلاته باطلة، ثم قال: إذا كان مريضاً لا يستطيع أن يضطجع على الأيمن لا يضطجع على الأيسر؛ لأنه لا يجزئه، ولكن ويومئ إيماء.

стр. 742

أفعال النبي ﷺ الجبلية قول مالك: من فعلها جبلة، ما معنى الجبلة؟ الجبلة: الفطرة، وهي طبيعة خلق الإنسان، فمثلاً: الإنسان من جبلته وتكوينه ومن فطرته التي فطره الله عليها أن يأكل إذا جاع ويشرب إذا عطش، وينام إذا تعب، فهنا قالوا: إن أفعال النبي ﷺ تنقسم إلى قسمين: جبلي وتشريعي. والتشريعي ينقسم إلى خمسة أقسام، والجبلي كونه يأكل يشرب ينام يأتي النساء؛ لأنه كان يفعل هذه الأشياء بالجبلة والفطرة قبل أن يوحى إليه، ولأن هذه الأفعال يفعلها المسلم وغير المسلم لا بتشريع ووحي ولكن بطلب الحاجة إلى الحياة، هذه هي الجبلة، فأعماله ﷺ تنقسم إلى قسمين أساسيين، وقسم ثالث يدور بين الجبلة والتشريع.

стр. 743

أفعال النبي ﷺ التشريعية أما التشريع: فبيانه ﷺ لما أجمل من كتاب الله، وحكم البيان حكم المبين، جاء قوله سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] لا ندري كيف نصلي! ولا كم نزكي! فلما صعد المنبر، واستقبل القبلة، وكبر وقرأ وركع، ورفع من الركوع، ونزل القهقرى بظهره حتى وصل إلى الأرض، وسجد في أصل المنبر، وسجد السجدتين، ثم صعد المنبر وفعل كذلك حتى تشهد، ثم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فهذا بيان منه لركن من أركان الإسلام، فيكون هذا البيان حكمه كحكم هذا الركن. وكذلك الزكاة، بيّن ﷺ أن من ملك عشرين مثقالاً وحال عليها الحول ففيها الزكاة وهي ربع العشر، ومن ملك مائتي درهم من الفضة وحال عليها الحول ففيها العشر، وبين لأصحاب الأنعام أن من ملك أربعين شاة سائمة طوال العام ففيها شاة، إلى مائة وعشرين ففيها شاتان، ثم بعد ذلك في كل مائة شاة، وبين لأهل الإبل أن في كل خمس من الإبل شاة إلى عشرين، فإذا وصلت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض إلى ست وثلاثين، وأنصبة الإبل مسلسلة، وأصحاب البقر في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة. إذاً: بيانه ﷺ للواجب في كتاب الله حكمه حكم المبين، فمثلاً: من الأعمال التي تدور بين الجبلة والتشريع في يوم عرفة، قال: (خذوا عني مناسككم) فطفنا كما طاف، وسعينا كما سعى، ووقفنا كما وقف من حيث الزمان والمكان، وأفضنا من عرفات إلى المشعر الحرام، ونزلنا إلى وادي محسر وأسرعنا، وجئنا إلى منى فرمينا ونحرنا وطفنا الإفاضة، ورجعنا فمكثنا في منى الأيام الثلاثة، وأخذنا عنه النسك، ولكن لما كان يوم عرفات: (والحج عرفة) رأيناه ﷺ لم ينزل عن ظهر راحلته، جاء إلى عرفة قبل الزوال فنزل بالوادي تحت شجرة أراك، فلما زالت الشمس اغتسل وجاء إلى المسجد فخطب وصلى، ثم جاء إلى الموقف ووقف عند الصخرات، وظل على راحلته حتى غربت الشمس. وهنا يقال: هل السنة أن نقف في عرفات على الراحلة؛ لأنه قال: (خذوا عني) أم أنه وقف على الراحلة لأمر جبلي لا للتشريع؟ وما هي الجبلة؟ أنه أرفق به وأريح له. فبعضهم يقولون: وقوفه على الراحلة أمر خارج عن حدود الحج. وهو: لما أراد الحج بعث إلى القبائل: (إني حاج، فمن أراد أن يوافيني، فليوافني وليحج معي) ، فتوافدت القبائل إما إلى المدينة ورافقوه، وربما تلاقوا في مكة أو في الطريق، فهؤلاء الذين قدموا ليروا رسول الله أين يطلبونه في عرفات؟ اختار مكاناً معلماً وهو عند الصخرات، حتى إذا أتى آت يبحث عن رسول الله ﷺ يشار إليه من بعيد أنه ذاك الذي عند الصخرات واقف على راحلته. إذاً: فعله هذا دائر بين هذا وهذا، وليس واجباً على كل إنسان أن يقف على راحلته أو على سيارته.

стр. 744

تحقيق الخلاف في حكم الاضطجاع بعد ركعتي الفجر عندما صلى رسول الله ﷺ صلاة الفجر وبعدها اضطجع، هل هذه الضجعة تابعة للسنة فنتأسى به فيها، أم أنه فعلها لمطلب الجبلة عنده ﷺ ؟ يقول الشوكاني: فيها خمسة أقوال: من الأقوال التي جاءت فيها: أنه ﷺ كان يقوم الليل، وإلى متى يمتد قيامه؟ كما تبين أنه قال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الفجر فليصل ركعة توتر له ما قد صلى) ، وكان ﷺ يقوم الليل، ثم يوتر، ثم يضطجع حتى يأتيه المؤذن، ثم يقوم يصلي كما جاء في حديث أم المؤمنين: (كان ينام حتى ينفخ، ثم يقوم فيصلي، فأقول له: أتصلي وقد نمت ولم تتوضأ؟ فيقول: يا عائشة! تنام عيناي ولا ينام قلبي) أي: أنه ﷺ جعل النوم مظنة انتقاض الوضوء؛ لأنه قال: (العين وكاء السه) والسه: حلقة الدبر، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء، فالنائم يخرج منه الريح وهو لا يدري، لكن إذا كان القلب مستيقظاً فإنه إذا حدث منه حادث أدركه، ومن هنا كان لا يتوضأ لنومه. وكان أبو موسى الأشعري عندما كان في الكوفة أميراً عليها يقيل في المسجد بعد صلاة الظهر، وكان عنده إخوانه، فإذا جاء وقت العصر أيقظوه، فيقول لهم: أسمعتم شيئاً أو شممتم شيئاً؟ فيقولون: لا، فيقوم يصلي. أي: أنه لم يخرج منه شيء. والفقهاء يقولون: من قعد متمكناً ثم نعس وهو على تلك الحال فلا وضوء عليه، وجاء في الحديث: (إنما الوضوء على من نام مضطجعاً) ، والمالكية يقولون: إذا نام وهو راكع فلا وضوء عليه، وإذا نام وهو ساجد فعليه وضوء؛ لأنه وهو راكع متوازن، وحافظ لتوازنه، فإذا خرج منه شيء أدركه، أما الساجد فإنه ينام ولا يدرك شيئاً. فهنا تقول عائشة رضي الله تعالى عنها عنه إنه كان يقوم الليل، فإذا كانت نهاية الليل في طول القيام فإنه يحتاج إلى راحة، فقالوا: تلك الضجعة للارتياح بعد قيام الليل، من قال: إن كل من قام الليل فتعب فاضطجع فلا مانع، لكن هل اضطجاعه سنة أو اضطجاعه جبلة؟ والله لا تقدر أن تحكم بشيء، أقول للإخوة: ارجعوا في هذه المسألة إلى كلام الشوكاني في نيل الأوطار، فقد روى هناك حديثاً عن أم المؤمنين عائشة - أعتقد أنه الفيصل في القضية - تقول: (كان ﷺ يصلي ركعتي الفجر، فإن كنت مستيقظة جلس يحدثني، وإن كنت نائمة اضطجع) ، ومن هنا أجمع العلماء -ما عدا ابن حزم فيما انفرد به -على أن هذا الاضطجاع ليس بواجب، ويختلفون هل هو مباح أو مكروه أو سنة أو جبلة. ولكن وجدنا من ينقل عن الخلفاء الراشدين الأربعة النهي عن فعلها، ومن ينقل عن بعض السلف كـ ابن عمر أنه كان يفعلها، ومنهم من يروي أنه كان لا يفعلها. والخلاف موجود على هذا النحو المتقدم، فمن فعلها جبلة فلا بأس، لكن لا يكون ذلك في المسجد فيؤذي الناس، ويأخذ مكان ثلاثة أو أكثر، لأنه لا ضرر ولا ضرار، فإذا في بيته، وكان البيت قريباً من المسجد فكيفما شاء، أما في المسجد فإن فعلها يكون فيه تضييق على الناس، والله أعلم. فعله ﷺ على منهج البحث العلمي دائر بين الجبلة والتشريع، ووجدنا ترجيح جانب الجبلة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أنه تارة يحدثها، وتارة يضطجع. أما حديث الأمر الموجه للأمة: (فليضطجع) وجدنا أن هذه صيغة أمر، وصيغة الأمر تقتضي الوجوب مالم تجد صارفاً، ووجدنا حديث عائشة ﵂ فيه الصارف عن الوجوب، بأنه ﷺ لم يداوم عليه، وإنما كان يفعله تارة ويتركه أخرى، فانتفى الوجوب بصيغة الأمر الموجه للأمة. والله تعالى أعلم.

стр. 745

صفة صلاة الليل قال المؤلف: [وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى) متفق عليه. وللخمسة -وصححه ابن حبان - بلفظ: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) وقال النسائي: هذا خطأ] . في سياق هذا الحديث الأول: (صلاة الليل مثنى مثنى) معروف في اللغة أن (مثنى مثنى) معدول عن اثنين اثنين، مثنى وثلاث ورباع وخماس وسداس معدول بها عن الأصل، ولذا يقولون: إنها ممنوعة من الصرف للوصفية والعدل. والمراد هنا: (مثنى مثنى) أي: كل ركعتين معاً، ويتفق العلماء على هذا الحديث، وربما وقع خلاف في الزيادة، ونريد أن نجعل البحث في مطلق صلاة الليل دون التعرض للوتر؛ لأن الوتر له بحث مستقل. البحث الآن في مطلق قيام الليل وهو التهجد، لنعرف كيف يقوم الليل من وفقه الله سبحانه لذلك! ثم ننتقل من صلاة الليل إلى صلاة النهار، فقيل: الحديث المذكور كان جواباً لسؤال، سأله رجل: كيف أصلي الليل يا رسول الله؟! قال: (صلاة الليل مثنى مثنى) أي: ركعتين ركعتين، ولهذا قالوا: لا ينبغي لأحد أن يزيد في صلاة الليل عن ركعتين دون أن يسلم.

стр. 746

قياس صلاة النهار على صلاة الليل ولنأت إلى صلاة النهار، وقد جاءت الزيادة فيه هنا (صلاة الليل والنهار) جاء ابن خزيمة والنسائي وقالا: هذا غير صحيح، أي: إضافة (والنهار) ، على أن هذه الإضافة غير صحيحة، فبعض العلماء جاء وقال: (صلاة الليل) ، مفهوم ذلك كيف تكون صلاة النهار؟ هذا الجواب وارد، فقالوا: إن لم تصح زيادة: (والنهار) ، ونقتصر على قوله ﷺ : (صلاة الليل مثنى مثنى) وقفنا عند الصحيح، فما حكم صلاة النهار؟ فقوم قالوا: مفهوم المخالفة صلاة الليل خلاف صلاة النهار، وصلاة النهار خلاف صلاة الليل، يعني: صلاة النهار أربعاً أربعاً، أو ركعتان أنت مخير فيها، فيقولون: مفهوم المخالفة: أنه ترك صلاة النهار ولم يتعرض لها، وإنما نص الحديث على صلاة الليل، فنحن نعمل الحديث نصاً في صلاة الليل، ونذهب نجتهد في مفهوم المخالفة في صلاة النهار؛ فإن شئنا جعلناها مثنى، وإن شئنا جعلناها أربعاً أربعاً، وقد جاءت النصوص: (من صلى أربعاً قبل الظهر وأربعاً بعدها. الحديث) (رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً) فهل هي مفرقة أم مجموعة؟ بل هي مطلقة لم يأت نص يبين حالها، فقوم قالوا: نقيسها على صلاة الليل، ونجعلها مثنى مثنى، وتكون كل صلاة النهار مثنى مثنى لا بالنص الزائد: (والنهار) ، ولكن قياساً على صلاة الليل. إذاً: منهج البحث العلمي هنا: قوم قالوا بالقياس دون الاعتماد على الزيادة: (والنهار) والقياس معتمد. وآخرون قالوا: لا، هذا نص خاص بصلاة الليل، فهي مقيدة بمثنى مثنى، والنهار نحن غير ملزمين لا بأربع ولا بركعتين ركعتين. ولنأت إلى التفصيل عند الأئمة ﵏، فعند الإمام أبي حنيفة ﵀، لك أن تصلي الأربع ركعات مجموعة، والأئمة الثلاثة يقولون: الأولى أن تفرقها كما فرقت صلاة الليل؛ لمرجحات كثيرة؛ لأن القاعدة في المسائل الخلافية إذا لم يوجد نص يرفع الخلاف، ولم يوجد ما يرجح أحد الجانبين من النصين بحثنا عما يرجح الخلاف من بعيد، قالوا: إذا صليتها أربعاً بدأت بتكبيرة الإحرام، وجلست في الثانية وقرأت التشهد الأول وقمت، وفي الرابعة تشهدت ودعوت وسلمت، فحصلت الأربع الركعات بتكبيرة واحدة، وسلام واحد، وتشهد كامل واحد، فإذا صليتها مفرقة كانت كل ركعتين بتكبيرة إحرام وتشهد كامل، وتسليم ودعاء مع التشهد، ويمكن دعاء الاستفتاح أيضاً، وإذا كانت مفرقة فهي أكثر لذكر الله، فمن هنا قالوا: الأولى والأرجح أن تصلى مفرقة. وجماعة وسعوا قليلاً وقالوا: ما دام أنها مثنى مثنى، وجاء في النهار صلاة أربع مجملة، فنحافظ على مثنى مثنى في الليل، وأما في النهار فيكون ممنوعاً صلاة ركعة وتسليمة، أو ثلاث ركعات وتسليمة، أو ست ركعات وتسليمة، لأن غاية ما جاء به النص أربعاً، والنص الآخر: (مثنى مثنى) ويقاس عليه، فليس عندنا نص يفيد أن نتطوع بست ركعات في تسليمة واحدة، فإذا تجنبنا الركعة الواحدة المفردة في النهار والثلاث والست بسلام واحد كان كل صورة بعد ذلك إما أربع كما جاء في سنة الظهر والعصر، وإما اثنتان كما جاء في صلاة الليل، هذا خلاصة ما يقال في صلاة الليل والنهار.

стр. 747

فضل صلاة الليل قال المؤلف: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أفضل الصلاة بعد الفريضة: صلاة الليل) أخرجه مسلم] . هذا فيه بيان المفاضلة في النوافل، ونحن نعلم بأن صلاة الليل نافلة، والنص الكريم يقول: ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء:٧٩] نافلة للنبي ﷺ من قوله: (لك) وبقية المسلمين هل تكون لهم نافلة أم تطوعاً منهم؟ يقول علماء التفسير في التدقيق في هذه المسألة: إن قيام الليل بالنسبة للنبي ﷺ نافلة، والنافلة بمعنى: الزيادة، لماذا كانت صلاة الليل زيادة بالنسبة للنبي ﷺ ؟ قالوا: لأنه صلوات الله وسلامه عليه قد غفر ما تقدم له من ذنبه وما تأخر، وصلاة الفريضة قد تنقص في حق الأمة، فجاء قوله: (انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فاجبروا بها فريضته) ، فريضة الأمة كأفراد من حيث هم محتملة للنقص، فإذا وقع نقص في فريضة جبر من النافلة، وقد تستغرقها، ولكن بالنسبة للنبي ﷺ هل يحتمل في فريضته نقص يحتاج إلى جبران؟ لا، إذاً: صلاته كاملة، فالتطوع الذي سيكون منه سيتوفر له كاملاً، وهل هذا يكون لغيره؟ لا، إذاً: التنصيص القرآني: ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء:٧٩] لأنه ﷺ لا يحتاج إلى تلك النافلة في جبران فريضته، بينما آحاد الأمة يحتاجونها، فقد لا تسلم تلك النافلة. وهنا يرشدنا ﷺ أن أفضل الصلاة بعد الفريضة هي صلاة الليل، وصلاة الليل تجمع عدة مسائل أو صفات تؤهلها وتجعلها فعلاً أفضل صلوات بعد الفريضة: أولاً: ما يلحق الإنسان فيها من مشقة؛ لأن صلاة الليل يرى كثير من العلماء أنها لا تعتبر تهجداً إلا إذا كانت بعد نوم، أما إذا كان سهران وما جاءه نوم حتى الساعة الثالثة أو الثانية والنصف بعد نصف الليل وقال: أصلي، فهو لم يتهجد بعد نوم، وما كلفته، لكن إذا كان نائماً مستغرقاً في النوم، وفي حاجة إلى هذا النوم، ويقهر نفسه ويغالب غريزته، ويجتذب نفسه من فراشه، ويتوضأ ويصلي، كان هذا عملاً فيه جهاد كبير، وهنا يصادف قيام الليل الثلث الأخير من الليل، وفيه الحديث النبوي: (إذا كان ثلث الليل الآخر ينزل ربنا إلى سماء الدنيا فينادي: هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من داع فأجيبه؟) ، في هذه اللحظات المولى يتودد إلى عباده، فالذي يصلي من الليل يصادف تلك اللحظات التي فيها النداء من الله سبحانه، إذاً: تصادفه من حيث الزمن والملابسات من تجلي المولى سبحانه لعباده، وتدل على شدة الرغبة في الخير، وكذلك أيضاً الناس نيام، فهذا قام من ليله، بينما الآخرون مستغرقون في نومهم، وفرق بين من ينعم في نومه وبين من ينعم بمناجاة ربه. كان ابن عمر ﵁ ينتهز نوم الناس في القيلولة فيقوم ويصلي، ويقال عنه: يحيي القيلولة؛ وإن كان قد جاء الحديث أن نومة القيلولة تعين على قيام الليل، وابن عمر رضي الله تعالى عنه له قصة ودافع في ذلك، قال ﷺ : (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل) ، فقد جاء أنه رأى رؤيا، حيث رأى نفسه على حافة النار، فسمع منادياً يقول: (لن تراع! لن تراع) أي: لا تخف، فنجا منها، وقبلها كان يقول في نفسه كما يعبر هو: (كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح التفت لأصحابه وقال: هل رأى أحد منكم من رؤيا؟) ، فمن كان يرى رؤيا قصها على رسول الله ﷺ فيعبرها له، وقال ﷺ : (الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، يراها الرجل الصالح أو ترى له) وهذه النسبة جاءت كما يأتي: واحد من ستة وأربعين، قالوا: إن مدة الوحي كانت قسمين: وحي بالرؤى، ووحي بالملك، فالوحي الذي كان بالرؤى مدة وجوده ﷺ يتعبد في غار حراء، كان يرى الرؤيا ليلاً فتأتي صباحاً كفلق الصبح، كأنه يقرؤها من كتاب، ثم جاءه الوحي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] قالوا: كم كانت مدة الوحي بالملك؟ ثلاث وعشرون سنة، ثلاث عشر سنة في مكة وعشر سنوات في المدينة، وستة أشهر بالنسبة للسنة كم؟ النصف، اضربها في اثنين، كل سنة نصفين، فهنا الوحي المباشر ثلاثة وعشرون في اثنين فتكون ستة وأربعين جزءاً من النبوة، فمدة الرؤيا بالنسبة لمدة الوحي نصف سنة من ثلاث وعشرين سنة، فتكون النسبة صحيحة. وهكذا الرؤيا الصادقة أو الرؤيا الصالحة كثير من الناس يرى الرؤيا فيصبح يراها موجودة في الفعل، أو من الغد أو قريب من هذا الباب فيقول ابن عمر: (كنت أقول: إن من يرى رؤيا صالحة يكون عنده شفافية في روحه، ويكون عنده نور في بصيرته، فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله ﷺ ، قال: فرأيت أني على حافة النار أو جب فيه النار، فجاء ملك أو قال شخص: لن تراع لن تراع، فقصصتها على حفصة، فقصتها لرسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل) ، فأخذ العلماء من هذا أن قيام الليل ينتج عنه النجاة من النار؛ لأنه رأى أنه على حافة النار، والرسول أرشده إلى ما ينجيه منها، فما كان يترك قيام الليل بعد ذلك حتى زاد قليلاً فكان يحيي القيلولة زيادة في الخير وحرصاً عليه.

стр. 748

المفاضلة بين ركعتي الفجر وصلاة الليل إذاً: أفضل الصلاة بعد الفريضة -يعني: أفضل النوافل- صلاة الليل، وعندنا حديث أنه ما كان رسول الله ﷺ أشد تحرياً لصلاة بعد الفريضة من سنة الفجر والوتر، فهل تكون صلاة ركعتي الفجر آكد من صلاة الليل؟ الآكد شيء، والفرضية شيء، والفضيلة شيء، فكما قالوا: الخصوصية لا تقتضي التفضيل، فمثلاً: زيد بن ثابت قال فيه رسول الله عليه وسلم: (أفرضكم زيد) ومعاذ بن جبل أعلمهم بالحلال والحرام، أبو عبيدة أمين هذه الأمة، هذه خصائص لأشخاص وأفراد، فهل تخصيصهم بهذه الخصائص فضلهم على أبي بكر وعمر؟ ما فضلوا عليهم. فهنا خصيصة صلاة الليل تبعد عن صلاة النهار، وليس معنى ذلك أنها أفضل مما أكد عليه ﷺ ، أو يقال: هذه سنة راتبة مرتبطة بفريضة فهي تدعو إليها، أما قيام الليل فليس براتب، وليس مربوطاً بفريضة، إنما هو عبادة مستقلة؛ ولهذا عظم شأنها، وفضلت في الأجر على غيرها، والله تعالى أعلم.

стр. 749

كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع [٤] لقد جاءت الأحاديث في بيان فضل صلاة الوتر، فالوتر حق على كل مسلم أن يصليها كيفما شاء ركعة أو ثلاث ركعات أو خمس، ويبدأ وقتها من بعد صلاة العشاء إلى قبيل طلوع الفجر، ومن كل الليل أوتر رسول الله من أوله وأوسطه وآخره؛ فكان في الأمر توسيع على عباد الله المؤمنين، ولشدة حرصه ﷺ على صلاة الوتر شرع لمن نام عنها أو نسيها أن يصليها إذا أصبح أو ذكر.

стр. 750

صلاة الوتر وما جاء فيها من الأحاديث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فيقول المؤلف ﵀: [وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (الوتر حق على كل مسلم، من أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل) رواه الأربعة إلا الترمذي، وصححه ابن حبان، ورجح النسائي وقفه] . جاء هذا الحديث عن أبي أيوب مرفوعاً هنا، وعند غيره موقوفاً على أبي أيوب، وأبو أيوب نستبعد أن يجعلها حقاً أو غير حق اجتهاداً من عنده؛ لأن (حق) هنا بمعنى واجب، فيبعد أن يكون أبو أيوب قد أوجب شيئاً من عنده؛ ولذا يقول العلماء: وإن جاء موقوفاً فإن الموقوف في حكم المرفوع، ولا سيما إذا جاءت رواية مرفوعة إلى النبي ﷺ ، والحق الواجب اللازم الثابت. وقول أبي أيوب رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (الوتر حق على كل مسلم) اللفظ هنا للجنس، فيشمل كل مسلم ومسلمة، وقد ذكر البخاري ﵀ أن النبي ﷺ صلى من الليل ما شاء الله، ثم أيقظ عائشة رضي الله تعالى عنها، وقال: (قومي فأوتري) . إذاً: (على كل مسلم) هذا للجنس، فإذا ذكر الرجال دخلت النسوة تبعاً للرجال، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] أي: بواو الجماعة للذكور في الأمر بالصلاة والزكاة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٧٨] لم يقل: عليكن، فعلم بأن النسوة تبع للرجال في مواطن التشريع.

стр. 751

صرف حكم الوتر من الوجوب إلى السنية قوله: (الوتر حق) : إلى هنا لو لم يأت بقية الحديث لكان هذا الجزء من هذا الحديث يوجب ويعين فرضية الوتر وأحقيته على كل فرد، أي: ليس واجباً كفائياً، بل على كل مسلم في ذاته، ولكن وجدنا سياق الحديث: (الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل) الخمس الثلاث الواحدة كلها وتر، فكيف يكون حقاً ويترك فعله إلى ما يحبه الإنسان؟! إن آخر الحديث يرد الكيفية إلى فعل ما يحبه الإنسان، وهنا شبه نافذة لمبادئ الخلاف، فكلمة: (حق على كل مسلم) ، من تمسك بها قال: الوتر حق واجب، وقد جاء في بعض الأحاديث أن رجلاً جاء إلى عمر وقال: إن في الشام رجلاً يقال له: أبو محمد، يقول: إن الوتر واجب، فقال: كذب أبو محمد، الوتر ليس بواجب، وسيأتي النص عن علي رضي الله تعالى عنه: ليس بواجب كالصلاة أو كالفريضة، ولكن سنه رسول الله ﷺ . فأول الحديث يقول: (الوتر حق) وفي آخر الحديث: (من أحب أن يوتر بخمس بثلاث بواحدة فليفعل) ، فلما أُسند الأمر إلى ما يحبه الإنسان تخلخل رابط الحق والوجوب، وأصبح واجباً مخلخلاً؛ لأن فيه اختياراً الإنسان، ولو كان واجباً حتماً لما ترك الاختيار للإنسان في كيفية الأداء. ولكن كمنهج علمي: الذين يقولون بأنه حق قالوا: نحن لم ننازع في الكيفية، فليوتر على أي صفة شاء، وعليه أن يوتر بما يشاء، فذلك متروك له. إذاً: مجال الخلاف قائم، ماذا فعل المؤلف إزاء ذلك؟ وقبل أن ننتقل للأثر بعده لنرى الحكمة والفقه في إيراد النصوص في الباب الواحد، وأنها لم تكن عفوية، ولكنها مقصودة لبيان الحكم من سياق اللفظ أو من خلال المعنى بين السطور. في قوله ﷺ : (من شاء أن يوتر بخمس فليفعل) ، كيف يصلي الخمس؟ ليس عندنا صلاة خمس ركعات أبداً، أكثر صلاة عندنا أربع، وهنا نزل إلى واحدة، فكيف يصلي الخمس؟ وكيف يصلي الثلاث؟ سيأتي تفصيل ذلك عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وعن غيره. وقد جاءت الروايات في الوتر بعدد زيادة عن الخمس: بسبع أو بتسع، وجاء بالفعل من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عند البخاري ﵀ لما بات عند خالته ميمونة قال: فبات النبي ﷺ وأهله بطول الوسادة، ونمت في عرضها، الوسادة طويلة، فنام النبي ﷺ على طولها، ونام هو في عرضها الذي هو سمكها، أي: نام ابن عباس على طرف الوسادة. قال: حتى إذا كان منتصف الليل -وفي بعض الروايات-: ثلث الليل، قام النبي ﷺ إلى شن فتوضأ، ثم أخذ ثوباً، ثم قام يصلي، ففعلت كما فعل، أي: قام يصلي مع النبي ﷺ ، فأخذ يفتل شحمة أذنه، قالوا: في هذا تنبيه للصبي حتى لا ينام، وتشجيع له على عمله، ومؤانسة له. والرواية الأخرى يقول فيها: قمت عن يساره، فمد يده من وراء ظهره وأخذ برأسي وأدارني إلى يمينه، فهنا بينوا موقف المأموم المنفرد من الإمام إن كان واحداً، فيكون عن يمينه لا من ورائه ولا عن يساره. وبالمناسبة وخاصة ونحن بالمدينة المنورة، ونشاهد الصلاة في المسجد النبوي أثناء الموسم، فنحتاج إلى هذه الصورة، فـ ابن عباس قام للصلاة عن يسار النبي ﷺ ، ظناً منه أن الأيمن أفضل، فترك الأيمن لرسول الله ولم يقف متيامناً على رسول الله، فوقف في اليسار على أن الأيمن أفضل، ولكن السنة أن يكون الإمام بمثابة السترة للمأموم، فأخذ ابن عباس من يساره بعد أن كبر في الصلاة، وأداره إلى يمينه، وهنا مالك ﵀ قال: تصح الصلاة أمام الإمام عند الضرورة، نحن نشاهد المصلين هنا أثناء الموسم يتقدمون الإمام، ونجد البعض أو الكثير يعترض على ذلك ونقول: مصيب من وجه، وغير مصيب من وجه آخر. واستدلال مالك ﵀ بهذه الصورة قال: إن الجهات بالنسبة إلى الإمام أربعاً: أمام وخلف ويمين ويسار، فوجدنا الخلف هو موقف المأمومين إن كانوا عدداً، واليمين موقف المأموم إن كان فرداً، إذاً: لا موقف في أمام ولا يسار، لكن ابن عباس لما قام ووقف عن يساره وليس بموقف، كبر ودخل في الصلاة، ولم يرفض النبي ﷺ ما وقع من صلاة ابن عباس في اليسار وهو في غير موقفه، ولكن صححه وأخذه وجعله في الموقف الصحيح وهو الأيمن، فيقول مالك: الجزء الذي وقع من ابن عباس في غير موقفه اعتد به رسول الله ﷺ ، وعذره لعذر الجهالة؛ لأن المكان متسع وابن عباس لم يعرف ذلك، فصحت صلاته وهو قائم في اليسار، لأنه أوقع جزءاً من الصلاة في جهة اليسار، ثم أكملها في الموقف الصحيح، فإذا جاء إنسان ووقف أمام الإمام وهو في غير موقف نظرنا: إن كان لعذر لضيق المكان وعدم التمكن صحت الصلاة وصح الاقتداء، وإذا كان يوجد مكان ولكنه قصر وترك محل الوقوف عن اليمين أو الخلف وجاء أمام الإمام فلا حق له في ذلك.

стр. 752

الصور والكيفيات لصلاة الليل مع الوتر لما ذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنه قيام النبي ﷺ ذكر لنا ثلاث عشرة ركعة، وهنا يأتي الكلام في حديثنا الذي معنا: (من أحب أن يوتر بخمس) والعدد لا مفهوم له، أي: ولو بسبع ولو بتسع، كيف يصلي الوتر خمساً أو ثلاثاً أو سبعاً أو تسعاً؟

стр. 753

الصورة الأولى: التسليم في كل ركعتين يتفق العلماء -تقريباً- على أنه إن شاء صلى كل ركعتين وسلم، على ما سيأتي لـ ابن عمر أنه ﷺ كان يسلم كل ركعتين، وفي بعض الروايات: (وربما أمر ببعض حاجته) وبعض الروايات قال: (بعد كل ركعتين قام وشاص فاه بالسواك) يعني: يفصل بين كل ركعتين بالسلام وبالكلام، وربما استاك ما بين كل ركعتين، فإذا ما أتم شفعاً أربعاً أو ستاً أو ثماناً قام وجاء بركعة واحدة صارت هي الخامسة أو السابعة أو التاسعة وتم الأمر، هذه صورة مثنى مثنى ويوتر بواحدة، سواء أتم إلى خمس أو سبع أو تسع.

стр. 754

الصورة الثانية: عدم الجلوس للتشهد والتسليم حتى يتم خمساً أو سبعاً . الصورة الثانية: يقوم في الخمس ركعات، ولا يجلس في مثنى مثنى، ويجلس في الشفع الأخير، والشفع الأخير من الخمس هو الرابعة، فيتشهد التشهد الأوسط ويقوم، ثم يأتي بالخامسة ويجلس، ثم يتشهد ويسلم. وإذا كان في سبع ركعات يقوم ست ركعات، ولا يجلس في مثنى مثنى، وفي آخر ركعة من الست يجلس ويتشهد التشهد الأوسط ويذكر الله، ثم يقوم ويأتي بالسابعة ويجلس ويتشهد ويسلم. وكذلك في تسع يجلس في الثامنة ويتشهد التشهد الأوسط، ثم يقوم يصلي التاسعة، ثم يجلس فيتشهد التشهد الكامل ويسلم، وهكذا ذكروا في كيفية صلاة الوتر بخمس أو بسبع أو بتسع. وأذكر لـ ابن حزم صورة أخرى وهي: أن يصلي الخمس تباعاً لا يجلس أبداً إلا في الأخير مرة واحدة، ويتشهد ويسلم، وكذلك السبع والتسع.

стр. 755

خلاف العلماء في وتر الثلاث بقي عندنا الوتر بثلاث كيف يصليها؟ يأتي البحث مطولاً في الثلاث أكثر من غيرها، تارة يأتي السياق بأنه ﷺ صلى الوتر ثلاثاً، لا يجلس في الثانية، إنما يأتي بثلاث سرداً، كما تقدم عن ابن حزم في الركعة الخامسة والسابعة والتاسعة، فيصلي ثلاث ركعات، فيجلس في الثالثة ويتشهد ويسلم، ولكن غالب ما أثر عنه ﷺ أنه يفصلهما، فيصلي ركعتين ويسلم منهما، ثم يأتي بالثالثة فيما بعد ويسلم لها. وهذه الركعات الثلاث عند الفقهاء موصولة أم مفرقة؟ الخلاف في هذه بين الأحناف والجمهور، فالأحناف يرون أن الوتر بثلاث موصولة، يجلس في الثانية يتشهد ولا يسلم، ثم يقوم ويأتي بالثالثة يتشهد ويسلم، لكن الجمهور واجهوا الأحناف بقوله ﷺ : (لا تشبهوا الوتر بالمغرب) أي: في الكيفية: كون الإنسان يجلس في الثانية ويتشهد التشهد الأول، ثم ينهض ويأتي بالثالثة، ويتشهد التشهد الكامل ويسلم، هذه صورة المغرب سواء بسواء. استدل الأحناف بحديث أم المؤمنين عائشة ﵂ في حديثها: (ما زاد رسول الله صلى الله وسلم في رمضان ولا في غيره عن ثماني ركعات، يصلي ركعتين لا تسل عن حسنهن وطولهن. ثم يوتر بثلاث) ، لكنها لم تفصّل لنا كيفية هذه الثلاث، وقال الأحناف: لم نجد ثلاثاً إلا كصفة المغرب، ولم نجد صلاة ركعة واحدة منفردة من الصلوات. وهناك الخلاف هل تصح الصلاة ركعة واحدة؟ جاء عن بعض السلف أنه قال: لا توجد صلاة ركعة واحدة، فأخذ بذلك الأحناف، ولكن أجيب عن ذلك بأن هناك من كان يقول في قصر الصلاة الرباعية تقصر إلى ركعتين، فصلاة السفر ركعتان، قالوا: صلاة الخوف تقصر عن صلاة السفر فتكون ركعة واحدة، فقال القائل كما ينقل ابن دقيق العيد: لم نجد صلاة ركعة واحدة، يعني: في الفريضة، لا في حضر ولا في سفر، ولا حتى في صلاة الخوف، وجميع صلاة الخوف الواردة عن النبي ﷺ ركعتان، بأنه يقسم الجيش قسمين، فإن كان العدو اتجاه القبلة صفوا صفين وراء النبي ﷺ ، فصلى بالصف الذي يليه ركعة ثم جلسوا، ثم قام الصف الثاني الذي كان في الحراسة فصلى، ونهض الصف الأول للحراسة من أمامه، فإذا ما صلى ركعتين مفرقتين على الصفين جلس، وقام كل صف ليتم لنفسه، ثم سلم بهم جميعاً، وقد صلى الجميع ركعتين. وإذا كان العدو في غير القبلة قسم الجيش قسمين: قسم يتجه إلى العدو حراسة، وقسم يصلي خلف النبي ﷺ إلى القبلة، فإذا صلى بالصف الذي وراءه ركعة يذهب إلى الحراسة، ويأتي ذاك الصف الذي كان في الحراسة فيأتي ويصف خلف النبي إلى القبلة، ويصلي به الركعة الثانية، فإذا ما أتم ﷺ لنفسه ركعتين، وكان لكل نصف من الجيش ركعة، أتم كل ركعته الباقية وسلم. وعلى هذا فلم نجد في صلاة الخوف ركعة واحدة، وقد بحث هذه المسألة والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في قصر الصلاة في السفر، وأطال في هذه المسألة إطالة طويلة جداً. يهمنا الآن هل توجد ركعة واحدة في الصلاة أم لا، نحن أمامنا نص صحيح صريح، (فإذا خشي أحدكم الصبح فليصل ركعة واحدة) ، فهذا نص، وقوله: (ركعة) التاء هنا علامة الوحدة، كما تقول: أكلت تمرة، لو قلت: أكلت تمراً، لكان شيئاً كثيراً لا ندري كم هو، لكن إذا قلت: أكلت تمرة تفاحة برتقالة، فهي واحدة، التاء يقال لها: تاء الوحدة، فجاءت مؤكدة بالعدد، (ركعة واحدة) . إذاً: وجدنا في التطوع ركعة واحدة، وهي ركعة الوتر، وهي محل الخلاف، إذاً: لا يقوم للأحناف إزاء هذا الحديث ما يستدلون به من أنه لم توجد صلاة ركعة واحدة. والجمهور يقولون لهم: لا مانع أن نصلي الوتر بثلاث، ولكن مفرقة، أو أنكم لا تجلسون في الثانية حتى لا تشبهوه بالمغرب. إذاً: قول أبي أيوب: (الوتر حق على كل مسلم) كان هذا الجزء من الحديث موجباً للوتر، ولكن ما جاء بعده: (فمن شاء أن يوتر بخمس. بثلاث. بواحدة فليفعل) خلخل قاعدة الوجوب، وجعل فيها مجالاً للخلاف، وللبحث في ذلك. نجد من فقه المؤلف أنه يسوق لنا بعده حالاً حديث علي رضي الله تعالى عنه.

стр. 756

القول بسنية الوتر عن علي بن أبي طالب قال المؤلف: [وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (ليس الوتر بحتم كهيئة المكتوبة، ولكن سنة سنها رسول الله ﷺ رواه الترمذي وحسنه، والنسائي والحاكم وصححه] . انظروا الأسلوب يا جماعة! فرق بين لفظ: (الوتر ليس بحتم) ، وبين لفظ: (ليس الوتر بحتم) ، فالتقديم والتأخير له سر بلاغي؛ لأن علياً رضي الله تعالى عنه يريد أن ينفي الحتمية، لا يريد أن ينفي الوتر، فلما ذكر المؤلف حديث أبي أيوب: (الوتر حق ... ) وفيه ابتداء إيجاب الوتر، أعقبه بحديث علي بنقيض هذا الإيجاب: (ليس) ، فيكون أول ما يطرق السمع في هذا الموضوع عن علي هو عامل النفي؛ ليرد حالاً عامل الإيجاب في حديث أبي أيوب سواء كان مرفوعاً أو موقوفاً: (ليس الوتر بحتم) الحتم: الواجب، وأمر حتم محتم بمعنى واجب، فـ علي يقول: (ليس الوتر بحتم كهيئة المكتوبة) يعني: نزل عن مستوى المكتوبة، فهل يكون نزوله مجرد زحزحته عن الوجوب أم ألغي بالكلية؟ إذاً: كلام علي هنا زحزحته عن مرتبة الوجوب إلى ما يليها. قال: (ولكن سنة سنها رسول الله) هذا استدراك حتى لا يظن إنسان أنه غير موجود فقال: (ولكن سنة سنها رسول الله ﷺ إذاً: سنة رسول الله قريبة من الواجب الحتمي، ولكن هنا ليست بذلك. وقد تعرضنا مراراً إلى أن السنة قد تأتي بالواجب في الأوامر والمنهيات، وتستقل بذلك، وإن كانت السنة إنما هي بالدرجة الأولى لبيان ما نزل إليه، وقد وجدنا في السنة المطهرة تحريم الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها، وهذا تحريم، والتحريم ليس بهين، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣] لم يقل: الخالة ولا العمة، ولكن بمقتضى نص النبي ﷺ يحرم الجمع بينهن، اللهم إلا الشيعة فإنهم لا يأخذون بذلك، ولا يهمنا هذا، وعلى هذا نهى ﷺ ، ونهيه فيما يتعلق بالتحريم قطعي وليس في ذلك شك. فقد تأتي السنة بالفرض وبالمحرم وبالمكروه والمندوب والمباح على أحكام التكليف الخمسة. وقوله: (سنة سنها رسول الله) ؛ هذا اصطلاح فقهي أصولي في زمن علي رضي الله تعالى عنه، وليس أمراً جديداً جاء به علماء الأصول، فهناك فرض وهناك سنة وهناك مندوب وهذا موجود يتكلم به علي، وقد جاء الحديث الصحيح عنه صلوات الله وسلامه عليه بذلك، جاء في قيام رمضان حيث قال: (إن الله افترض عليكم صيامه، وأنا سننت لكم قيامه) ، فهو ﷺ بجانب فرض الصيام سن القيام. وهل للمسلم اختيار في أن يأخذ بسنة رسول الله أو لا يأخذ؟ لا. الواجب على المسلم أن يحرص على سنة رسول الله ﷺ ؛ لأن من فرط في السنة ربما يأتي التفريط ويسحب إلى الواجب، فإذا ما حافظ على السنة النبوية كان أحرى أن يحافظ على الواجب، وهنا قد تأتي السنة وتترك الخيار للمكلف فتكون للندب، فيكون الأمر فيها أهون من غيرها، كما جاء: (صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب، ثم قال: لمن شاء) فهنا سنها وترك المشيئة والخيار للناس، وليست كالوتر. ويدل أيضاً قوله ﷺ : (الوتر حق) بعد أن صرف عن الوجوب على أن الوتر آكد من غيره من النوافل الأخرى، وتقدم لنا حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما كان ﷺ أشد تحرياً للنوافل من ركعتي الفجر والوتر) . ثم تأتي النصوص الأخرى: (يا أهل القرآن! أوتروا، فمن لم يوتر فليس منا) وهذه أحاديث الوعيد التي ينقسم العلماء عندها إلى فريقين: فريق يقول بالوجوب، فإن قوله (ليس منا) وعيد شديد، والآخرون يقولون: أحاديث الوعيد تمرر كما جاءت ولا تفصل؛ لأنها كلما أبقيت على إجمالها كانت أشد في الوعيد والزجر.

стр. 757

قيام الليل فضائله وأحكامه قال المؤلف: [وعن جابر بن عبد الله ﵄: (أن رسول الله ﷺ قام في شهر رمضان، ثم انتظروه من القابلة ولم يخرج، وقال: إني خشيت أن يكتب عليكم الوتر) رواه ابن حبان. وعن خارجة بن حذافة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، قلنا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الوتر، ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر) رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الحاكم وروى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه] . بعدما أورد المؤلف ﵀ ما يشبه الخلاف أو التعارض، أو ما يشبه الوجوب الذي صرف بصارف، جاء بهذين الحديثين أيضاً، وهما أصرح في الدلالة على صرف حديث: (الوتر حق) عن الوجوب من غيرهما. فذكر أن النبي ﷺ قام من الليل في رمضان، وقام معه بعض الناس، ثم لم يقم فيما بعد، ثم انتظروا، ثم خرج عليهم في صلاة الصبح وقال: (خشيت أن أخرج عليكم؛ فتفرض عليكم صلاة الوتر) ، والصحيح في الحديث أنه قال: (خشيت أن تفرض عليكم) يعني: صلاة الليل، وهذا الذي عليه الجمهور، والمؤلف ساقه على هذه الصيغة: (خشيت أن يكتب عليكم الوتر) . إذاً: لم يكتب إلى الآن، وإلى الآن لم يكتب، والذي يهمنا في تصحيح السياق وما ساقه المؤلف في قيام الليل، بأن النبي ﷺ قام من رمضان فصلى، وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تفرش له حصيراً عند باب الحجرة في الروضة، فصلى ليلة ثلاث وعشرين، فانتبه من كان في المسجد، فجاءوا وصلوا خلف النبي صلى الله عليه سلم؛ لأنهم كانوا يقومون رمضان أوزاعاً، كما جاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (سن لنا رسول الله ﷺ قيام رمضان) وجاء الحديث المتقدم ذكره: (إن الله فرض عليكم صيامه، وسننت لكم قيامه) ، فكانوا يصلون ما تيسر لهم أوزاعاً، قال أبو هريرة: (فكان الأمر كذلك حتى قبض ﷺ ، وكان زمن أبي بكر، وجزءاً من خلافة عمر) ، ثم جمعهم عمر على إمام واحد؛ هذا تتمة الموضوع. لكن هنا فيما ذكره المؤلف ﵀: صلى أناس بصلاته ليلة ثلاث وعشرين، ثم قام ودخل البيت، وفي ليلة أربع وعشرين لم يقم، في ليلة خمس وعشرين قام، وكان الناس قد سمعوا بما صلى خلف رسول الله من الناس فاجتمعوا، فصلوا بصلاته، قيل: هي الثانية وقيل: في الثالثة، أو أن الناس صلوا العشاء ولم يقوموا من أماكنهم ينتظرون مجيء رسول الله ﷺ ليصلي فيصلوا جميعاً بصلاته، فنظر ﷺ فإذا المسجد مليء بالناس، فقال: (يا عائشة! ما بال الناس! ألم يصلوا العشاء؟ قالت: بلى، ولكنهم ينتظرون لتخرج لتصلي فيصلوا بصلاتك، كما صلى بصلاتك من قبل أناس، وقد تسامعوا بذلك، قال: أوفعلوا؟!! اطوي عنا حصيرك، ولم يقم تلك الليلة، فانتظروا واستطالوا الانتظار، فأخذوا بعض الحصباء وحصبوا الباب، وكان من الساج، فلم يسمع لهم ولم يخرج، حتى خرج لصلاة الصبح وهم في انتظاره، قال: والله ما خفي علي صنيعكم البارحة، وما نمت بحمد الله غافلاً، ولكن خشيت أن أخرج إليكم، فتفرض عليكم فتعجزوا) إذاً: ما هو الذي يفرض عليهم الوتر أم قيام الليل؟ قيام الليل. مسألة: كيف يخشى أن تفرض عليهم وقد سمع في حديث فرضيتها: (هي خمس وهي خمسون) ؟ وقد جاء عنه: (خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة) ، فلو كان الوتر أو قيام الليل واجباً لصارت ستاً، هو يعلم أنها لم تفرض، فكيف يقول ذلك؟ قال العلماء: خشي أن يفرض عليهم قيام رمضان في الليل جماعة فقد يعجزون، وقد جاء أن أفضل قيام رمضان في البيت لمن يقوى على ذلك ما لم تعطل المساجد من التراويح؛ لأن قيام رمضان في المساجد أصبح شعاراً للمسلمين، ولا ينبغي أن يعطل أبداً، فإذا كان الفرد بذاته حافظاً لكتاب الله، وأراد أن يقوم في بيته فهو أفضل له، وقد شاهدت والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في أول أمره يصلي العشاء مع الإمام ويخرج، ويصلي التراويح على سطح بيته، ثم في الآونة الأخيرة قبل وفاته بثلاث أو أربع سنوات سألته: كنت أراك تصلي التراويح في البيت، هأنت الآن تصليها مع الجماعة في المسجد، ألحديث أنس: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) ؟ قال: لا، قلت: لماذا إذاً؟ قال: كنت في أول الأمر نشيطاً بنفسي أصلي دونما كسل، ولكن مع الكبر، ومع هذا الوقت إن صليت وحدي ربما تكاسلت، فأصلي مع الجماعة أتقوى بحضوري معهم، وعلى هذا تصح صلاة قيام الليل منفردة، وتصح جماعة، وتصح في البيت، وهي أفضل لمن توفرت فيه شروطها، وتسن في المسجد كما صلى رسول الله ﷺ بالبعض، وصلاها عمر رضي الله تعالى عنه، وأوجد لها إمامين يتناوبان، وإماماً ثالثاً للنساء أعجل في القراءة، ويأتي بحثها مستقلاً. فقالوا: هو يعلم ﷺ أن الصلوات خمس، ولذلك لما أتى ضمام بن ثعلبة وسأل الصحابة فقال: (أين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ قالوا: ذاك الأبيض المتكئ... قال: آلله أرسلك؟ قال: اللهم نعم، قال: أسألك بالله الذي خلق السماوات والأرض، وأرسل من كان قبلك أفرض الله علينا خمس صلوات؟ قال: اللهم نعم -ثم سأله عن رمضان، وسأله عن الزكاة- ثم قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على ذلك ولا أنقص) وذهب إلى قومه، فما بات واحد من أهله إلا وقد أعلن إسلامه، وقالوا: ما وجدنا سفيراً أشد وأكبر بركة على قومه منه. فقوله: (لا أزيد على ذلك ولا أنقص) ، وقوله ﷺ بعده: (أفلح إن صدق) يفيد أن الصلوات الخمس ليس فيها زيادة، قالوا: الذي خيف منه أن تفرض جماعة، كما أنهم ينتظرون النبي ﷺ يخرج ليصلي بهم جماعة، وما عدا ذلك فلا. ولذا قالوا: لما أمن عمر من أن تفرض لانقطاع الوحي سنها جماعة، على ما سيأتي تفصيله في محله إن شاء الله. الشاهد: أنهم جلسوا وانتظروا، وكان يصلي قبل ذلك، واتفق العلماء على أنه ما كان يشعر بصلاتهم خلفه، وليس ذلك ببعيد؛ لأنه ﷺ حينما يكبر في الصلاة لا ينتبه لغيرها، ولا يشغله عنها شاغل، وإن كان ليس غافلاً في صلاته عما حوله؛ لأنه جاء عنه: (إني لأدخل في الصلاة على نية الإطالة، فأسمع بكاء الطفل فأخفف رحمة بالأم، لما أعرف من وجدها عليه) إذاً قالوا: كيف أقرهم على الصلاة خلفه؟ قالوا: لم يشعر بهم، ولا مانع في ذلك. يهمنا تصحيح الحديث الذي يقول: (خشيت أن أخرج إليكم، فيكتب عليكم الوتر) والصحيح: (أن تفرض عليكم فلا تستطيعوها) لكن المؤلف يريد أن يقول: (خشيت أن يكتب عليكم الوتر) ، ليستدل على أنه لم يكتب، ولم تأت كتابته، وهذا يرد على حديث: (الوتر حق) إذاً: حق لم يكتب كما قال علي: (ليس كالصلاة) .

стр. 758

فضل صلاة الوتر قوله ﷺ : (إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم) . ثم يأتي بهذا الحديث وله دلالة من جهتين: الجهة الأولى: (إن الله أمدكم) والمدد يكون زيادة عن الأصل، كمدد الجيش. (أمدكم بصلاة) ولم يقل: (أوجب عليكم صلاة) يعني: هي مدد زيادة في الأجر وفي العمل، وفرصة أخرى فيها متسع لكم (هي خير لكم من حمر النعم) فإذا كان الأمر موكولاً إلى: (خير لكم من حمر النعم) ، فالذي يريد حمر النعم يهتم بها، والذي لا يريد فلا حرج. إذاً: هذا الحديث يدل من جانب على أن الوتر ليس بواجب، وإنما هي صلاة أمدنا الله بها. الناحية الثانية: بيان فضل الوتر، بأن الوتر من صلاها فهي خير من حمر النعم، وما هي حمر النعم؟ أين أهل نجد أو أهل البوادي أو أهل الإبل أين العمانيون؟ حمر النعم هي نوع من الإبل العمانية أو مثلها، تأتي في لون فيه احمرار، وهي جميلة الشكل، فارهة القوام، وهي أحسن أنواع الإبل. ولما كان المخاطبون أهل إبل خوطبوا بما هو أحب شيء إليهم، واليوم تخاطبهم فنقول: خير من أجمل القصور، وخير من أحسن السيارات، ولكن التعبير النبوي الكريم، لا يأتي تعبير أحسن منه ولو تطورت الحياة حتى يصل الناس إلى غزو الفضاء وغيره، فحمر النعم هي الزينة وهي الجمال، وهي المتعة، وهي التي تقر لها العين، أما غيرها فقد يخشى الإنسان منها. فحمر النعم إذا رأيتها في الصحراء وهي تقطع الفضاء، وهي في رشاقتها كما يقال: تسر النظر، وتشرح الصدر، ويطمئن إليها صاحبها، وهذا خير ما يتطلع إليه الإنسان صاحب الحلال. فالرسول ﷺ كما قال: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) ، وهذا منه ﷺ ترغيب في الوتر، وبيان لأجره وفضله. والله أعلم. قال المؤلف: [وعن عبد الله بن بريدة ﵁ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا) أخرجه أبو داود بسند لين، وصححه الحاكم، وله شاهد ضعيف عن أبي هريرة ﵁ عند أحمد. ] تقدم مثل هذا اللفظ، وتقدم معه ما يبين ذلك الحق: (فمن شاء أن يوتر بخمس. بثلاث. بواحدة فليفعل) ، وهنا أعاده المؤلف مرة أخرى بعد هذا البيان: (الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا) . هذه الأحاديث التي فيها: (ليس منا من فعل كذا، ليس منا من فعل كذا) تترك على عمومها، كما قالوا: أحاديث الزجر والوعيد لا تشرح ولا تفسر، وبإجماع المسلمين كلمة: (ليس منا) لم تخرجه عن نطاق الإسلام، حاشا وكلا، ولكن (ليس منا) أي: من خيارنا، وليس على مستوانا، وليس على ما نحن عليه من التزام الفرائض والنوافل. إذاً: (ليس منا) : أي: من المجموعة التي تحافظ على هذا الباب الخير، ويكون الصارف على هذا المعنى تلك النصوص الأخرى التي صرفت نصوص الوجوب إلى الندب، ومعلوم أن من ترك مندوباً لم يخرج عن الإسلام، بل إجماع المسلمين -ما عدا بعض الفرق- أن من وقع في كبيرة لا يخرج عن الإسلام؛ لأنه يترك إلى المشيئة، بخلاف المعتزلة والخوارج الذين يكفرون بالكبائر، والمعتزلة لا يجرءون أن يكفروا في الدنيا، وأهل السنة والجماعة مجمعون على أن لا تكفير بذنب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء:٤٨] ، فما دون الشرك متروك لمشيئة الله سبحانه. إذاً: فقد اتفقنا على أن الوتر ليس فرضاً كفرض الصلاة، كما قال علي رضي الله تعالى عنه: (ولكنه سنة سنها رسول الله) ، فمن ترك سنة لا يكون ترك الإسلام. إذاً: هذا من أحاديث الوعيد التي تمر كما جاءت.

стр. 759

كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع [٥] لقد سن النبي ﷺ قيام الليل لهذه الأمة، وما منعه من جمع الناس في المسجد إلا خشية أن يفرض عليهم، ولذا فإنه لما جاء عمر بن الخطاب ﵁ بعد انقطاع الوحي، قام بجمع الناس على إمام واحد في المسجد، فصارت صلاة القيام سنة تؤدى جماعة في المسجد إلى يومنا هذا، وصارت شعاراً للمسلمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 760

شرح حديث عائشة في بيان عدد ركعات صلاة الليل الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فيقول المؤلف ﵀: [وعن عائشة ﵂ قالت: (ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً، قالت عائشة: قلت: يا رسول الله! أتنام قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة! إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) متفق عليه، وفي رواية لهما عنها: (كان يصلي من الليل عشر ركعات ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة ركعة) ] . هذا الحديث قد تميز بموضوع مستقل، بمعنى: أنه يدخله العلماء في مباحث صلاة التراويح، وذلك لقولها رضي الله تعالى عنها: (في رمضان ولا في غيره) ومعلوم صلاة رمضان أنها صلاة التراويح. والحديث حول هذا النص الصحيح يتناول الكيفية والكمية، فإذا وقفنا على تلك الكيفية والكمية انتقلنا إلى ما عليه التراويح، وما أخذته من مراحل وتطور في هذا المسجد النبوي الشريف إلى نهاية عهد التشريع والتطبيق العملي من الخلفاء الراشدين رضوان الله تعالى عليهم.

стр. 761

أهمية اتباع النبي في كيفية صلاة التراويح تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما زاد - (ما) هنا نافية- رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، وإلى هذا الحد كأنه يقال: لا زيادة في التطوع ليلاً في رمضان ولا شعبان ولا شوال على ثمان ركعات، هذا هو النص في الكمية، ولكن هل بقي الأمر على ذلك؟ نأتي إلى الكيفية: (يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن) ، لماذا لا أسأل؟ لأنه فوق ما تتصور من الإجابة، ومما تتوقع أن يصليهما رسول الله ﷺ . فهذه ثمان ركعات: أربع وأربع؛ (ثم يصلي ثلاثاً) فيكون المجموع إحدى عشرة ركعة، (ثم يصلي ركعتي الفجر) فيكون ذلك ثلاث عشرة ركعة. الثلاث لم تبين لنا كيفيتها، ولكن في الثمان ذكرت التطويل والحسن. يأتي في حديث أنس وغيره عنها رضي الله تعالى عنها أنه كان يقرأ قائماً في الركعة الأولى البقرة والنساء وآل عمران، أو يقرأ البقرة أو آل عمران، ثم يركع نحواً من ذلك، ثم يرفع نحواً من ذلك، ثم يسجد ويقول: سبحان ربي الأعلى نحواً من قيامه، ثم يجلس ويحمد الله، ويسأله نحواً من قيامه، ثم يسجد ويقول: سبحان ربي الأعلى نحواً من اعتداله. وتقول في قراءته: (ما مر بآية مغفرة إلا سأل، وما مر بآية عذاب إلا استعاذ) وهكذا تبين القراءة ترتيلاً وسؤالاً وتأملاً واستعاذة. يقول ابن حجر: إن هذه الكيفية لتعطي الركعة ما يعادل ساعتين، ولعله يقضي الليل كله في هذه الثمان ركعات. نحن نأتي إلى قولها: (ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره) ، فبعض الإخوة يأخذون الحديث يقسمونه قسمين: قسم يأخذون به، وقسم يهملونه، ويقولون: لا تراويح إلا ثماني ركعات؛ لحديث عائشة: (ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره) لكن لفظ: (عن حسنهن وطولهن) أين ذهبت؟ قال: هذه ذهبت مع رسول الله فيقال: سبحان الله! أنتم تأخذون ذلك سنة، وتمنعون الزيادة، لماذا؟ فإذا كنتم تريدون تطبيق السنة وفعلتم ذلك، فكان يكفي منكم أربع ركعات بدلاً عن ثمان، وهي خير من عشرين وثلاثين وأربعين ركعة على النحو الموجود الآن، لكن تعجزون عن ذلك، والسلف رضوان الله تعالى عليهم لهم مع التراويح مشوار طويل، لكن يهمنا في هذا النص أن نبين للإخوة خطأ التمسك بجزء من ظاهر هذا النص، وترك الجزء الثاني مع أنه نص لا يتجزأ؛ لأن الكيفية تابعة للأصل، وكما يقال: (الحال يأتي لبيان صاحبه) ، فيقال: صلوا ثمان ركعات لكن على الحال التي فعلها ﷺ ، لا تأخذ ثمانية وتجعلها تقليداً وليست كالأصل، والسلعة الأصيلة لا يمكن أن تجارى بسلعة تقليدية لها. إذاً: لا حجة لمن تمسك بثمان ركعات في رمضان، ثم نقول مرة أخرى: هل يا ترى عندما اقتصرتم على الثمان ركعات في رمضان، هل داومتم عليها بقية السنة؟ لا أدري ما الجواب فالجواب عندهم! لأنها تقول ﵂: (في رمضان ولا في غيره) وقيام الليل يقول بعض العلماء: كان فرضاً عليه ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء:٧٩] وقد عرفنا معنى (نافلة لك) ، فكان يداوم على ذلك. إذاً: من أخذ بالثمان على تلك الكيفية وداوم عليها في رمضان وغيره فجزاه الله خيراً، لكن يترك الصلاة طوال السنة، ويأتي إلى رمضان فيأخذ العدد فقط ويترك الكيفية، فهذا أخذ بالنقيضين. إذاً: هذا الحديث لا مستند لأحد فيه.

стр. 762

الدليل على أن النبي لم يكن يقتصر في الليل على ثمان ركعات ثم نأتي مرة أخرى لحديث عائشة بنفسها، وهو عندكم في منتقى الأخبار، وشرحه الشوكاني ﵀؛ تقول أم المؤمنين عائشة: (ما صلى رسول الله ﷺ العشاء قط، وما دخل بيتي إلا وصلى أربعاً أو ستاً) . كلمة: (ما صلى وما دخل) تدل على الاستمرار، أي أنه كان يصلي أربع ركعات أو ست ركعات عندما يدخل بيتها بعد صلاة العشاء، ثم بعد ذلك من منتصف الليل أو ما يقاربه، يقوم فيصلي الركعات الثمان، فإذا جئنا وجمعنا مجموع ذلك وجدنا أنها أكثر من ثمان. ولها حديث آخر قالت فيه: (كان يفتتح قيام الليل أو صلاة الليل بركعتين خفيفتين) ، كأنها تمرين، ثم يدخل في الإطالة، وفي بعض رواياتها: (ثلاث عشرة ركعة) وست بعد صلاة العشاء مباشرة، إذاً: كم تكون؟ تسع عشرة ركعة، ثم ركعتان خفيفتان كم تكون؟ إحدى وعشرين ركعة، فجمع عمر الناس على إحدى وعشرين ركعة! فالذين يعيبون على عمر يقولون: ابتدعها عمر، لا والله، عمر لم يبتدعها، ولكن استنها من رسول الله ﷺ .

стр. 763

لمحة تاريخية لصلاة التراويح منذ عهد النبي ﷺ إلى العصر الحاضر وإذا تركنا هذا جانباً وجئنا إلى المنهج أو السيرة التاريخية وسبق أن كتبنا في ذلك من عشرات السنين، رسالة التراويح أكثر من ألف عام في مسجد النبي ﵇؛ رداً على أولئك الذين يقتصرون على الثمان في رمضان، ويدعون الناس إليها، ولا تكون في أنفسهم، والذي يتبين من دارسة هذا الموضوع تاريخياً نعلم جميعاً أن مبدأ التشريع ومصدره من سيد الخلق ﷺ ، ماذا كان موقفه وعمله ﷺ في التراويح؟ وماذا كان عمل خلفائه الراشدين رضوان الله تعالى عليهم؟ وإلى متى استقر الأمر عند علماء الأمة؟ نجد ابتداء حديث أبي هريرة الذي تقدم التنويه عنه: (إن الله قد فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه) وجاء الحديث: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) قام رمضان لم يحدد ولم يعين، ثم عموم صلاة رسول الله، نجد القرآن الكريم يقول: ﴿قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾ [المزمل:٢-٣] سبحان الله! ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل:٥] إلى آخره، فالقرآن في قيام رسول الله، وتكليفه بقيام الليل لم يحدد له عدد الركعات، وترك الأمر إليه (نصفه أو ثلثه أو زد عليه) سبحان الله العظيم! إذاً: لا يوجد تحديد في الآيات. وحديث أبي هريرة يبين لنا أن الأمر في بدايته كان للترغيب، ولرغبة أصحاب رسول الله ﷺ في الخير بادروا، فكانوا يقومون رمضان فرادى، ثم بعد ذلك وجد قراء يقرءون، وفي المسجد جماعات، وكان العامة أو الناس يصلون أوزاعاً وراء من يقرأ القرآن، وكانوا يتبعون حسن الصوت فيصلون وراءه، إذاً: كانت التراويح في الطور الثاني تقام جماعة مع من يقرءون القرآن، ويتبع الناس من كان أحسن الناس صوتاً، استمر الأمر كذلك، وقد جاء عن النبي ﷺ في فعله.

стр. 764

صلاة التراويح في عهد النبي ﷺ ويروي المروزي، وهو أوسع من جمع في قيام الليل، عن النبي ﷺ عدة صور: منها: أنه خرج على أناس يصلون خلف أناس يقرءون، فقال: ما بال هؤلاء؟ قالوا: قوم ليس معهم قرآن يصلون خلف من معه قرآن، وذلك في رمضان، وهناك رواية تقول: (فسكت وترك) ، ورواية تقول: (أحسنوا) ، وفي رواية: (ونعم) ! ونأتي مرة أخرى أنه ﷺ في حديث عائشة قال: انصبي لي حصيراً يا عائشة على باب الحجرة، فنصبت حصيراً على باب حجرته، فصلى العشاء ودخل البيت، ثم قام من نصف الليل فصلى وصلى وراءه من كان في المسجد، ثم كذلك من الليلة الثانية، فتسامع الناس وجاءوا وصلوا وراءه أكثر مما كانوا بالأمس، وتختلف الرواية في أنه حدث ذلك في ليلتين أو ثلاث، أو ليلة واحدة، وأخيراً صلى العشاء وخرج ثم نظر إلى المسجد وهو غاص بالناس. تقول عائشة: كاد المسجد أن لا يحمل أهله، فقال: ما بال الناس يا عائشة؟ قالت: ينتظرون خروجك، لقد تسامعوا بصلاتك وصلاة أقوام خلفك البارحة، فجاءوا ينتظرون ليصلوا بصلاتك كما صلى أولئك، فقال: اطوي عنا حصيرك. ثم أصبح وقال لهم (والله ما بت بحمد الله غافلاً ليلتي هذه، وما خفي علي صنيعكم، ولكني خشيت أن أخرج إليكم فتفرض عليكم) . إذاً: ما منعه من الخروج إليهم إلا خشية أن تفرض، وهذا يتضمن تقرير الصلاة جماعة. ثم يأتي حديث أنس مرة أخرى، يقول أنس: (صمنا مع النبي ﷺ فما قام بنا نصف الشهر، ثم لما كان ليلة ثلاث وعشرين قام بنا، وصلى بنا إلى ثلث الليل، ولم يقم أربعاً وعشرين، فلما كان ليلة خمس وعشرين صلى بنا، ولم يقم ليلة ست وعشرين، فلما كان ليلة سبع وعشرين قام بنا وأيقظ أهله، وصلى إلى ثلثي الليل. فقلنا يا رسول الله! هلا نفلتنا بقية ليليتنا؟ قال صلوات الله وسلامه عليه: من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له بقية ليلته) . وهنا في الليلة الأولى قام إلى ثلث الليل، وفي الثانية إلى نصفه، وفي الثالثة إلى ثلثيه، ولم يرد لنا عدد ركعات الصلاة، ولكن عرفنا زيادة الزمن، فهل يا ترى كانت تلك الزيادة هي عدد ركعات أم أنها تطويل في القراءة؟ الله تعالى أعلم، إنه اجتهاد زائد عما قبله. وجاء أيضاً: (كان ﷺ إذا دخلت العشر شد المئزر، وطوى فراشه، وأيقظ أهله) أي: يجتهد في العشر الأواخر أكثر مما كان يجتهد في العشرين قبلها، وبأي نوع يكون الاجتهاد هل بزيادة الركعات أم بتطويل القراءة؟ الله أعلم، لكن هناك زيادة في العبادة في العشر الأواخر. وهنا لما كان منه ﷺ أنه صلى بمن خلفه دون أن يشعر بهم، وفي بعض الروايات: (فشعر بنا فخفف الصلاة، فقلنا: أشعرت بنا؟ قال: نعم، وهذا الذي حملني على ما صنعت) ، وفي بعض الروايات جاء: (وهو لا يشعر بنا) ، وهو لا يقر على باطل، فلو أن صلاة التراويح جماعة في المسجد باطلة لا تجوز ما أقره الله على ذلك، ثم باختياره قام ليلة ثلاث وخمس وسبع وأيقظ أهله، هذا في عهده ﷺ .

стр. 765

صلاة التراويح في عهد أبي بكر ﵁ ثم بعد ذلك جاء عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ولم يأت تجديد لصلاة القيام. وكلنا يعلم أن خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه كانت خلافة كفاح وجهاد في تثبيت الدعوة؛ لأن كثيراً من الأعراب قد نكثوا العهد، وهناك من ادعى النبوة، فقام الصديق رضي الله تعالى عنه لقتال المرتدين حتى يثبتوا على دين الله، فما كان عنده متسع فيما يسمى بتشريع جديد. ولكن في خصوص التراويح يروي لنا ابنه عنه قوله: (كنا نقوم رمضان ونتكئ على العصي من طول القيام، ثم ننقلب ونتعجل الخدم خشية الفلاح) يعني: خشية السحور، فكان هنا تطويل! فكانوا يقومون الليل حتى يعتمدوا على العصي، ويرجعون إلى البيوت يتعجلون السحور مخافة الفجر، إذاً: هل نقدر هذا التطويل أنه عدد ركعات زائدة أم أنه تطويل في القراءة؟ إن الاتكاء على العصي ليوحي بتطويل القراءة لا بعدد الركعات، فهذا طور قد مضى.

стр. 766

صلاة التراويح في عهد عمر بن الخطاب ﵁ ثم جاء عهد عمر رضي الله تعالى عنه، فخرج ذات ليلة ووجد الناس يصلون أوزاعاً، فقال: لو جمعت الناس على إمام واحد لكان خيراً، ثم استدعى القراء، واستقرأهم، فكان منهم البطيء ومنهم السريع، فأمر البطيء بأن يقرأ بخمس وعشرين آية في الركعة، والسريع أن يقرأ ثلاثين آية في الركعة، وأمرهم بصلاة عشرين ركعة. فكان في عهد أبي بكر تطويل في القيام حتى وصل إلا الاتكاء على العصي، وفي عهد عمر يشق على الناس الاستمرار في ذلك، وهو الذي يقول في صلاة الفريضة: (لا تبغضوا الله إلى خلقه، يقوم أحدكم في الصلاة فيطول؛ فيمل الناس؛ فيكرهون) ، هكذا يقول رضي الله تعالى عنه. إذاً: ليس من هديه إطالة القراءة وطول القيام حتى يمل الناس، فعوض طول القراءة بأن جعل القراءة ثلاثين أو خمساً وعشرين آية في الركعة الواحدة، وأمرهم أن يصلوا عشرين ركعة. وهناك نصوص جاءت عن أبي بن كعب وغيره أنها: ثمان ركعات عشر ركعات بدون تحديد، وهذا قد انقضى أمره، فلما جاء عمر وجمعهم على إمام واحد، جعل إمامين للرجال يتناوبان، وإماماً للنساء، وفي عهد أبي بكر تقول عائشة رضي الله تعالى عنها: (كنا نأخذ الصبية من الكتاب يصلون بنا قيام رمضان، ونصنع لهم القلية) ، وهي نوع من الطعام. إذاً: كان هناك تغيير، ومعلوم أن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها لم تأخذ الصبيان وتجعلهم أئمة للنسوة في المسجد، فبيتها أولى بهذا، ولأن في زمن عمر جعل إماماً للنساء يعجل بهن الصلاة؛ ليرجعن إلى بيوتهن، وإماماً للرجال يتناوب مع زميله للرجال على نحو ما تقدم من قراءة ثلاثين أو خمس وعشرين آية.

стр. 767

صلاة التراويح في عهد عمر بن عبد العزيز واستمر الأمر على ذلك إلى أن جاء عهد عمر بن عبد العزيز ﵁، وهو على رأس المائة، فماذا كان الحال؟ بلغت التراويح في هذا المسجد إلى ست وثلاثين ركعة، وما الذي أوصلها؟ أوصلها ما يأتي: بعض الناس يكتب أشياء لا تدخل العقل منها: كان الأمير له أربعة أبناء، وكان كل ولد يصلي بكذا وكذا كلام لا دخل له أبداً. والصلاة سميت: تراويح؛ لأنهم كانوا يستريحون بعد كل أربع ركعات، وكان عند أهل مكة فرصة في تلك الترويحة، فيقوم النشيط منهم ويطوف بالبيت سبعاً، ويصلي ركعتين سنة الطواف، ثم تبدأ الترويحة الثانية، فأهل المدينة لم يكن عندهم طواف، فما كانت عندهم فرصة يساوون بها أهل مكة في هذه المنافسة، فنظروا فجعلوا الطواف مقام ركعتين، وسنة الطواف ركعتين، فهذه أربع ركعات بين كل ترويحة من التراويح، والعشرون فيها أربع ترويحات. فجاء أهل المدينة وقالوا: عوضاً عن الطواف نزيد ركعتين، وعوضاً عن ركعتي الطواف نزيد ركعتين، فأربع ركعات ما بين الترويحات أصبحت ست عشرة ركعة، تضم مع العشرين الأساسية فتصير ستاً وثلاثين ركعة، ولذا يقول المالكية: لا ينبغي لأهل قطر من الأقطار أن يفعلوا ذلك؛ إنها خصوصية لأهل المدينة، لأن أهل المدينة وحدهم هم الذين لهم الحق في أن ينافسوا أو يتسابقوا مع أهل مكة. فعلى هذا عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه جعل التراويح ستاً وثلاثين ركعة.

стр. 768

صلاة التراويح في عهد الدولة الفاطمية واستمر الأمر إلى أن جاء الفاطميون وأزالوا هذه الزيادة، وبقوا على عشرين ركعة في مكة، وألغوا الزيادة في المدينة، وبقيت العشرون على ما هي عليه، إلى أن جاء القرن السادس الهجري، وجاء أبو زرعة -وهو الإمام المحدث المشهور، وكان قد تولى إمامة المسجد النبوي الشريف- وعرف ما كانت عليه التراويح سابقاً، فلم يرد أن يزيد فيما لم يكن سابقاً، ولم يرد أن يميت ما كان موجوداً من قبل، فأتى بالست عشرة ركعة مع العشرين، ولكن جعلها في آخر الليل طيلة رمضان.

стр. 769

صلاة التراويح في عهد الدولة العثمانية إلى وقتنا الحاضر واستمر الحال إلى عهد الدولة العثمانية، ويحدثنا من أدركها يقول: كانوا ينادون على المنارة الست عشرية، وبعضهم يرسل أشخاصاً بالسعف في الطرقات يطوفون في المدينة يعلمون الناس بوقت الست عشرة ركعة. ثم جاء العهد الحاضر، فنقصت الست عشرة ركعة إلى عشر ركعات، وجعلت في العشر الأخيرةمن رمضان فقط، وهو القيام الموجود حتى اليوم. وعلى هذا أخذت التراويح في هذا المسجد النبوي تتدرج من مطلق قيام: (وسننت لكم قيامه) (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) ثم جاء بعد ذلك: ثمان ركعات، ثم جاء بعد ذلك: عشرون ركعة، ثم جاء بعد ذلك: ست وثلاثون ركعة، ثم رجعت إلى عشرين ركعة وست عشرة ركعة مفصولة، ثم رجعت الست عشرة ركعة إلى عشر ركعات، والله أعلم.

стр. 770

التحذير من جعل عدد ركعات التراويح موضعاً للخلاف والنزاع والذي يهمنا في هذا أيها الإخوة: أنه لا ينبغي لإنسان أياً كان هو بما تبادر عنده أن يجعل عدد ركعات التراويح موضع خلاف ونزاع بين المسلمين، فإن كنت تريد أن تصلي ثماني ركعات فكما تريد، أو تريد أن تصلي أربعاً فكما تريد، ولا اعتراض على أحد في ذلك، لأنه تطوع. تريد أن تصلي مائة ركعة فلا مانع، وكان عثمان ﵁ أحياناً يقوم الليلة كاملة بركعة واحدة، فلا مانع، ولا حصر لعدده، اللهم إلا الجماعة للإمام الراتب بأن ذلك أصبح شعاراً خاصاً برمضان، وللإمام الذي عينه الإمام أي: أن يصلي ويحافظ على هذه السنة التي تناقلها الناس أربعة عشر قرناً، وما دب الخلاف إلا في هذا القرن الأخير، والله أسأل أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه. أما حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما زاد رسول الله ﷺ لا في رمضان ولا في غيره على ثمان ركعات) ، فهل من المعقول أو الإنصاف أو المنهج العلمي، أو الأمانة العلمية، أن نقتصر على حديث عدد ثمان ركعات ونترك كل ما عداه من الصفات، أو نترك كل الآثار أو النصوص التي وردت في الموضوع؟ ليس هذا بإنصاف، وليس هذا بأمانة، والله أسأل أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه. قالت عائشة: (قلت: يا رسول الله! تنام قبل أن توتر؟) . وكان من حقه وقد تورمت قدماه، قالت: (فنام، ثم قام فأوتر، فصلى ثلاثاً) . عائشة تعلم بأن من نام مضطجعاً عليه أن يتوضأ، فلما نام قالت: (تنام قبل أن توتر؟) أي: والوقت قريب، وسترجع مرة أخرى تتوضأ، قال: (يا عائشة! إن عيني تنامان وقلبي لا ينام) يعني: لو نمت لم ينتقض وضوئي، ولو انتقض لعلمت ذلك، وهذا من خصائص الأنبياء صلوات الله عليهم، وفي بعض رواية ابن عباس: (وكذلك الأنبياء) . وهنا صلى ثلاثاً على أي كيفية صلى ركعتين ثم واحدة منفردة، أم أنه صلى ثلاث ركعات مجموعة بسلام واحد؟ الأحناف أخذوا بكلمة (ثلاث) فجعلوها شبيهة بالمغرب، والجمهور فرقوا فجعلوها ركعتين ثم ركعة، وأخذوا بحديث: (لا تشبهوا الوتر بالمغرب) ، وحديث أم المؤمنين هنا مجمل، وجاء تفصيله في غيره وعليه أخذ الجمهور. (صلى ثلاثاً) ، فهنا ثلاث مع ثمان كان المجموع إحدى عشرة ركعة، وركعتان يفتتح بهما صلاة الليل أو ركعتي الفجر كان المجموع ثلاث عشرة ركعة، وكما قلنا: كان يصلي ست ركعات في أول الليل، وثلاث عشرة ركعة في آخره يكون المجموع تسع عشرة ركعة، وركعتان خفيفتان، فيكون المجموع إحدى وعشرين ركعة. ولما ذكرت ذلك للشيخ ابن باز ﵀ قال: هذا تلفيق في العدد، قلت: يا شيخ! تلفيق خير من تبديع، عندما نقول: إن عمر لفق العدد التلفيق هذا هو مجموعة أحاديث موجودة، فنعم الحل، بدلاً من أن نقول: إنه ابتدع ما لم يفعله رسول الله ﷺ ، إذاً: له أصل من السنة وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، فهل أصحاب الثمان أخذوا بهذه الست والأربع أيضاً؟ لا أعتقد أنهم يأخذون بها.

стр. 771

هدي النبي ﷺ في صلاة الليل قال المؤلف: [وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر في ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها) ، وعنها ﵂ قالت: (في كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ ، وانتهى وتره إلى السحر) متفق عليهما. ] وهنا تبين لنا أم المؤمنين ﵂ عن كيفية صلاة الوتر إذا كان أكثر من ركعة، فتقول: إنه ﷺ كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر بخمس، إذاً: كان قيامه ثماني ركعات، أضف إليها الخامسة تكون ثلاث عشرة ركعة، ثم بينت لنا كيفية وتره، أنه ما كان يجلس في الخمس ركعات إلا في الركعة الأخيرة، وتقدم لنا في بيان كيفية الوتر بأكثر من ركعة أن له فيها حالتين أو ثلاث حالات: إن شاء سلم من كل ركعتين، على أن قيام الليل والوتر شيء واحد، صلاة الليل والوتر من (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة أوترت له ما قد صلى) . الحالة الثانية: أن يفصل بين قيام الليل في التهجد وبين الوتر، فإن أوتر بواحدة عقب صلاته فلا إشكال، وإن أوتر بأكثر من واحدة بثلاث أو بخمس أو بسبع، فإن الثلاث عند الجمهور ليس لها إلا صورة واحدة إذا جمع الثلاث معاً، وهي: أن يكبر ويصلي الركعات الثلاث، ولا يجلس في الثانية، ويجلس في الأخيرة ويتشهد ويسلم، ما عدا ما أخذ به الأحناف من أنه إذا أوتر بثلاث يجلس في الثانية ولا يسلم، ثم يقوم ويأتي بالركعة الثالثة فيتشهد ويسلم. وعند الفقهاء اصطلاح: الثلاث مفرقة أو مجموعة؟ فالأحناف يجمعونها بسلام واحد، والجمهور يفرقونها أو يجمعونها بتشهد واحد. إذاً: الأحناف يصلون الثلاث بتشهدين وسلام، ولا يفصلون ركعة الوتر عن الشفع قبله، والجمهور إن صلوا ثلاثاً صلوا بدون تشهد بعد الثانية، وجمعوها نسقاً واحداً، وتشهدوا في الثالثة وسلموا. هنا أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها تبين لنا صلاة الوتر الخامسة، وقد ميزت صلاة الوتر عن قيام الليل (يصلي من الليل: ثلاث عشرة ركعة، يوتر منهن) أي: من الثلاث عشرة ركعة يوتر بخمس، إذاً: ليس الكل وتراً، وليس الكل تهجداً، فجعلت التهجد ثمانياًً، وقد تقدم حديثها: (ما زاد في رمضان ولا غيره عن ثمان ركعات، يصلي ركعتين لا تسل عن حسنهن وطولهن ... ) وذكرت الثمان مستقلة. ثم هي تذكر لنا الوتر بخمس قالت: (لا يجلس فيهن) أي: فهن خمس ركعات متواليات، يقرأ ويركع ويرفع، ويسجد سجدتين، ثم يقوم للركعة الثانية، يقرأ ويركع ويرفع ويسجد سجدتين، ثم يقوم للثالثة ولا يجلس للتشهد، وهكذا الرابعة، وفي الخامسة يجلس فيتشهد ويسلم. هذه هي الصورة التي ساقتها أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها. ويتفق العلماء على أنه يجوز لنا إذا أوترنا بخمس أن نجلس في الرابعة، نأتي بالأولى ثم الثانية ثم الثالثة بدون جلوس، ونجلس في الرابعة نتشهد التشهد الأوسط ولا نسلم، ثم نقوم للخامسة ونتشهد ونسلم، فإذا كان في السبع ركعات جاء أيضاً بست ركعات متوالية، إن شاء جلس في السادسة وتشهد وقام، ثم أتى بالسابعة وتشهد وسلم، وإن شاء لم يجلس في السادسة، بل يأتي بالسبع ركعات متوالية حتى يأتي إلى السابعة فيتشهد ويسلم، وهكذا يذكرون في التسع ركعات، إن شاء جلس في الثامنة، ثم قام ولم يسلم، ثم جاء بالتاسعة وتشهد وسلم. هذه الصور التي جاءت، وعلى هذا تكون صلاة الوتر فوق ثلاث لك فيها ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن تصلي ركعتين ركعتين وتسلم في كل ركعتين، ثم توتر بواحدة. الحالة الثانية: أن تجمع الخمس أو السبع أو التسع بتشهد واحد في الأخير وتسلم. الحالة الثالثة: أن تجلس في الشفع الذي قبل الوتر، فإن كان الوتر خمساً جلست في الرابعة وقمت، وإن كان الوتر سبعاً جلست في السادسة وقمت، وإن كان الوتر تسعاً جلست في الثامنة وقمت، ثم جئت بكامل العدد من خامسة أو سابعة أو تاسعة وتشهدت وسلمت. هذه صور صلاة الوتر إذا زادت عن ثلاث، وهذا باتفاق. ولكن الخلاف فقط فيما إذا كان يوتر بثلاث، والجمهور على أنها صورتان فقط، يفصل الركعة عن الركعتين، أو يجمعهما بتشهد واحد، ولكن الأحناف ليس عندهم فصل وصلاة ركعة واحدة، بل يصليها مجموعة، ويتشهد في الثانية، ويقوم ويأتي بالثالثة ويتشهد ويسلم، وهذه الصورة ورد فيها النهي عن تشبيه الوتر بصلاة المغرب.

стр. 772

هدي النبي ﷺ في صلاة الوتر قال المؤلف: [وعنها ﵂ قالت: (من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ ، وانتهى وتره إلى السحر) متفق عليه. ] لاحظوا -يا إخوان- هنا الفسحة والرخصة والتخفيف، تقدم في أول الباب (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة) ، أي: بعد قيامه الليل، وتقدم: (إن الله قد زادكم صلاة هي خير لكم من حمر النعم ما بين العشاء وطلوع الفجر) فبين ﷺ وقت الوتر من بعد صلاة العشاء مباشرة إلى أن يطلع الفجر، فجعل الليل بكامله وقتاً للوتر، وهنا ربما يتساءل إنسان: أي الأوقات أو أي أجزاء هذا الوقت أفضل؟ تقدم البيان مما جاء عنه ﷺ من مجموع الأحاديث وفي وصية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أوصاني خليلي بثلاث -وذكر منها-: أن أوتر قبل أن أنام) إذاً: هذا وتر أبي هريرة في أول الليل. وجاء الخلاف بين عمر وبين أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، فكان أبو بكر لا ينام حتى يوتر، وكان عمر يؤخر الوتر إلى آخر الليل، فقالوا: من خشي فوات الوتر في آخر الليل فليوتر في أوله، ويأخذ بالعزيمة، ومن أيقن من نفسه أو غلب على ظنه أنه سيستيقظ في آخر الليل فليجعل الوتر في آخر ليله. فهنا تبين لنا أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنه من كل الليل أوتر رسول الله، من أوله من أوسطه من ثلثه من ثلثيه من آخره، ثم انتهى وتره إلى السحر، يعني: فعل الوتر في أجزاء من الليل مختلفة للبيان، ثم استقر وتره إلى السحر، وعلى هذا يجوز إيقاع الإنسان الوتر بأي جزء من الليل حسب ما تيسر له، من أوله من أوسطه من آخره. وتقدم لنا السائل الذي سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها في ثلاث مسائل منها: (متى كان وتر رسول الله ﷺ ؟ فقالت: من كل الليل أوتر رسول الله من أوله من أوسطه من آخره، فقال: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة) وعلى هذا لا تحديد في جزئية الزمن لصلاة الوتر، وإنما الإنسان هو الذي يحدد لنفسه بحسب ما يتيسر له. أما إذا تساءلنا عن الأفضل، وكانت كل الأجزاء عندنا سواء، كإنسان يستطيع أن يوتر أول الليل، أو نصف الليل، أو آخر الليل، فالكل عنده سواء، فهذا نقول له: الأولى أن يكون وترك سحراً؛ لأنها تذكر أنه كان آخر أمره ﷺ في الوتر وقت السحر، ولماذا خص وقت السحر؟ لأننا جميعاً نعلم بأن تلك الساعة هي ساعة المناجاة، وساعة الزلفى والإنابة، وساعة القرب إلى الله ، كما جاء في الحديث: (إذا كان ثلث الليل الآخر ينزل ربنا إلى سماء الدنيا فينادي فيقول: هل من سائل فأعطيه؟! هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟) إذاً: تلك اللحظات هي أقرب وأرجى للاستجابة، وقبول العبادة، والتوفيق إلى ما يحبه الله . لكن إذا خاف الإنسان أن تفوته تلك الساعة فليؤمن نفسه بالصلاة في أول الليل، وسيأتي البحث بعد هذا فيما لو أوتر أول الليل عزيمة وحزماً، ثم وفقه الله وأعانه وقام بعد ذلك ماذا يفعل؟ وهو البحث بين قوله ﷺ : (اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً) وبين قوله: (لا وتران في ليلة) وسيأتي بهما المؤلف ﵀. يهمنا أولاً: تحديد وقت الوتر، ومتى يكون هو الأفضل؟

стр. 773

كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع [٦] أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل، وقد حث على هذه الصلاة سيدنا محمد ﷺ بقوله وفعله، ومن فعله أنه كان يقوم الليل بأربع ركعات، ثم بأربع أخرى، ثم يختم ذلك بثلاث يوتر بها، ويختم قيام الليل بذلك، وعلى الرغم من حضه ﷺ على الوتر إلا أنه نهى عن الإتيان بها أكثر من مرة في الليلة، كما دعا إلى أن يكون الوتر آخر صلاة العبد من الليل.

стр. 774

الترغيب في قيام الليل والتحذير من تركه الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فيقول المؤلف ﵀: [وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا عبد الله! لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل) متفق عليه. ] تأملوا يا إخوان هذا الأسلوب! هذا أسلوب عتاب، أم أسلوب ممازحة، أم أسلوب ترغيب، أم أسلوب ترهيب؟ كيف نصنف هذا الأسلوب النبوي الكريم؟: (يا عبد الله! لا تكن مثل فلان) هل فلان هذا اسم جنس أم شخص معين؟ (فلان) كناية عن شخص من بني آدم، فهل يراد به شخص بعينه علم من حاله ﷺ أنه كان يقوم الليل وترك أو أراد ﷺ أن يجرد شخصية ينبه بها عبد الله بن عمرو بن العاص؟ ابن حجر ﵀ يقول: قوله: (لا تكن مثل فلان) لم أقف على اسم هذا (فلان) في طريق من طرقه، هكذا يقول ابن حجر في فتح الباري، وهو مؤلف الكتاب. وبعضهم يقول: إن فلاناً هذا أمر رمزي، لا تكن كشخص من الأشخاص يقوم ويترك، مثل الآية الكريمة: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ [النحل:٩٢] هل هناك امرأة بالفعل نقضت غزلها، أم هذا من باب العموم، أن الذي يعمل عملاً ويشرك فيه أو يرجع فيه كالتي تغزل الغزل ثم ترجع وتفك الغزل هذا إلى صوف منثور؟ لا أعتقد أن امرأة ستفعل هذا بالذات، ولكن يكون هذا على سبيل المثال في نقض العمل بعد إبرامه، والله تعالى أعلم. ولكن يقولون: من الأدب النبوي الذي نتعلمه: لعله يعلم شخصاً بعينه، ولكنه لم يسمه ستراً عليه؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان يعلم من بعض الناس بعض الأفعال، ولكن لم يسمهم، ويخطب ويقول: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا) ، من هم هؤلاء؟ لا حاجة لنا بمعرفتهم. وكما جاء في رواية الموطأ: (عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يخطب يوم الجمعة، فدخل رجل وعمر يخطب، فقال: ما هذا يا فلان؟ -رواية الموطأ هكذا ما سمت أحد- قال: والله ما زدت أن سمعت الأذان فتوضأت فجئت، فقال: والوضوء أيضاً؟!) يعني: تأخرت في المجيء ولم تغتسل! خطآن ارتكبتهما! بعض الروايات تسمي الشخص هذا الذي دخل، فيكون عدم تسميته كما يقال: حتى لا ينسب إليه هذا التقصير، وهو ليس من أهل التقصير. ولكن هنا: (لا تكن مثل فلان) هذه ملاطفة ومداعبة، وحث وترغيب في العبادة، بالإشادة أو التنويه أو العتاب، فلان هذا ما هو شكله وما هو وصفه؟ (كان يقوم الليل ثم ترك) ، فهل ترضى لنفسك يا عبد الله أن تقوم الليل فترة ثم تترك؟! ويقف عند هذا العلماء ويقولون: بم نستفيد من هذا الحديث في مشروعية قيام الليل، أواجب هو أم سنة؟ يقول بعض العلماء: كان قيام الليل في أول الأمر واجباً، ثم شق عليهم فنسخ الوجوب إلى الندب عندما فرضت الصلوات الخمس، طيب! الصلوات الخمس فرضت في مكة، والذي يهمنا أنه لا فرض بعد الصلوات الخمس، ويقولون: هذا الحديث دليل على أن قيام الليل ليس بواجب؛ لأنه لو كان فلان هذا الذي ترك قيام الليل ترك واجباً، فهل يكون موقف النبي ﷺ ممن انتهك واجباً مجرد أن يقول: (لا تكن مثل فلان) ؟ لا. هذا الحديث يدل على الترغيب في قيام الليل، والأحاديث الواردة في الحث على قيام الليل عديدة، ولكن والله -يا إخوان- إن الإنسان ليذكر هذا الحديث وهو في غاية من الاستحياء، ومن العجب أيضاً أن يكون التفريط من طلبة العلم! يقول أحمد ﵀: (عجبت لطالب العلم ليس له ورد من ليله!) ؛ لأن قيام الليل هو أكبر غذاء للإنسان، اللهم إلا إذا كان يقوم من الليل بدراسة، في تفسير في حديث في فقه، بما يجد نفسه منشرحاً إليه، وكما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما سأله رجل: (ماذا أصنع في رمضان: أقرأ القرآن أم أصلي القيام؟ قال له: إنما أنت مرتاد لنفسك -يعني: تسيمها المرعى- فحيثما استجابت معك فارعها) . إن كانت تستجيب معك برغبة وبإمعان واستفادة في القراءة فاقرأ، وإن كانت تستجيب معك في الصلاة والمناجاة والخشوع والركوع والسجود فصل، وهكذا يقال لطالب العلم. وقد جاء أن رجلاً جاء إلى ابن المسيب وقال: ألا تكن مثل آل فلان يحيون القيلولة ويقيمون الليل! قال: دع عنك بني فلان، والله لتعلم مسألة في الفقه خير من عبادة آل فلان. إذاً: مجال القربى والزلفى إلى الله واسع، لكن لابد أن تكون هناك ساعة عبادة لا في العلوم الأساسية خاصة الفقه، الفقه له قساوة وشدة، وله أيضاً طلاوة وحلاوة، لكن ما كل إنسان يقوى على مكابدته، فلابد له من ساعة يذكر الله فيها، يأخذ آيات من كتاب الله يقرؤها ويتلوها ويتمعن فيها، وقد سبق أن الخليفة عثمان ﵁ كان يقوم الليل كله، وأقول: والله! لو أن إنساناً شرح الله صدره، وأنار قلبه، وأخذ الفاتحة ليالي عديدة ما أدى واجبها، ويقول عنها علي رضي الله تعالى عنه: (لو شئت أن أكتب حمل بعير على سورة الفاتحة، لفعلت) ، ومن أراد أن يعرف حقيقة أمرها فليأخذ مقدمة تفسير الفخر الرازي على الفاتحة، ولينظر كم أخرج منها من مئات وآلاف المسائل والأبواب! أيها الإخوة! قيام الليل كل بحسبه، لو أن إنساناً عامياً لا يقرأ ولا يكتب، ثم استيقظ من ليله واستغفر ربه، وسأل الله فله أجر عظيم، كما جاء في الحديث: (ما من إنسان يتعار من الليل فيذكر الله ويستغفره إلا كان له من الأجر كذا وكذا) نسأل الله تعالى أن يشرح صدورنا، وأن ينير قلوبنا، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه. فلابد للإنسان من ساعة يخلو فيها مع الله، كما قال عمر لجليسه: (اجلس بنا نؤمن ساعة) وهل كانوا غير مؤمنين؟ لا. المراد: نجدد الإيمان، نقوي الصلة بالله، نجدد الرغبة بأن نتذاكر فيما بيننا، سواء آية، أو حديثاً، أو مسألةً، أو نتذكر اليوم الآخر إلى غير ذلك. تلك الساعات تغذي الروح، وترطب القلوب التي قست فأصبحت كالحجارة أو أشد قسوة، وليس لها دواء ولا شفاء إلا بذكر الله ، وليس الذكر مجرد إطلاق اللسان بأي حالة من الحالات: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١] بأي حالة من الحالات.

стр. 775

شرح حديث: (أوتروا يا أهل القرآن) قال ﵀: [وعن علي قال: قال رسول الله ﷺ : (أوتروا يا أهل القرآن! فإن الله وتر يحب الوتر) رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة] .
следующие страницы →