Полный текст (2 523 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
هدي النبي ﷺ في صلاة الليل
قال المؤلف: [وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر في ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها) ، وعنها ﵂ قالت: (في كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ ، وانتهى وتره إلى السحر) متفق عليهما.
] وهنا تبين لنا أم المؤمنين ﵂ عن كيفية صلاة الوتر إذا كان أكثر من ركعة، فتقول: إنه ﷺ كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر بخمس، إذاً: كان قيامه ثماني ركعات، أضف إليها الخامسة تكون ثلاث عشرة ركعة، ثم بينت لنا كيفية وتره، أنه ما كان يجلس في الخمس ركعات إلا في الركعة الأخيرة، وتقدم لنا في بيان كيفية الوتر بأكثر من ركعة أن له فيها حالتين أو ثلاث حالات: إن شاء سلم من كل ركعتين، على أن قيام الليل والوتر شيء واحد، صلاة الليل والوتر من (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة أوترت له ما قد صلى) .
الحالة الثانية: أن يفصل بين قيام الليل في التهجد وبين الوتر، فإن أوتر بواحدة عقب صلاته فلا إشكال، وإن أوتر بأكثر من واحدة بثلاث أو بخمس أو بسبع، فإن الثلاث عند الجمهور ليس لها إلا صورة واحدة إذا جمع الثلاث معاً، وهي: أن يكبر ويصلي الركعات الثلاث، ولا يجلس في الثانية، ويجلس في الأخيرة ويتشهد ويسلم، ما عدا ما أخذ به الأحناف من أنه إذا أوتر بثلاث يجلس في الثانية ولا يسلم، ثم يقوم ويأتي بالركعة الثالثة فيتشهد ويسلم.
وعند الفقهاء اصطلاح: الثلاث مفرقة أو مجموعة؟ فالأحناف يجمعونها بسلام واحد، والجمهور يفرقونها أو يجمعونها بتشهد واحد.
إذاً: الأحناف يصلون الثلاث بتشهدين وسلام، ولا يفصلون ركعة الوتر عن الشفع قبله، والجمهور إن صلوا ثلاثاً صلوا بدون تشهد بعد الثانية، وجمعوها نسقاً واحداً، وتشهدوا في الثالثة وسلموا.
هنا أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها تبين لنا صلاة الوتر الخامسة، وقد ميزت صلاة الوتر عن قيام الليل (يصلي من الليل: ثلاث عشرة ركعة، يوتر منهن) أي: من الثلاث عشرة ركعة يوتر بخمس، إذاً: ليس الكل وتراً، وليس الكل تهجداً، فجعلت التهجد ثمانياًً، وقد تقدم حديثها: (ما زاد في رمضان ولا غيره عن ثمان ركعات، يصلي ركعتين لا تسل عن حسنهن وطولهن ... ) وذكرت الثمان مستقلة.
ثم هي تذكر لنا الوتر بخمس قالت: (لا يجلس فيهن) أي: فهن خمس ركعات متواليات، يقرأ ويركع ويرفع، ويسجد سجدتين، ثم يقوم للركعة الثانية، يقرأ ويركع ويرفع ويسجد سجدتين، ثم يقوم للثالثة ولا يجلس للتشهد، وهكذا الرابعة، وفي الخامسة يجلس فيتشهد ويسلم.
هذه هي الصورة التي ساقتها أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها.
ويتفق العلماء على أنه يجوز لنا إذا أوترنا بخمس أن نجلس في الرابعة، نأتي بالأولى ثم الثانية ثم الثالثة بدون جلوس، ونجلس في الرابعة نتشهد التشهد الأوسط ولا نسلم، ثم نقوم للخامسة ونتشهد ونسلم، فإذا كان في السبع ركعات جاء أيضاً بست ركعات متوالية، إن شاء جلس في السادسة وتشهد وقام، ثم أتى بالسابعة وتشهد وسلم، وإن شاء لم يجلس في السادسة، بل يأتي بالسبع ركعات متوالية حتى يأتي إلى السابعة فيتشهد ويسلم، وهكذا يذكرون في التسع ركعات، إن شاء جلس في الثامنة، ثم قام ولم يسلم، ثم جاء بالتاسعة وتشهد وسلم.
هذه الصور التي جاءت، وعلى هذا تكون صلاة الوتر فوق ثلاث لك فيها ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن تصلي ركعتين ركعتين وتسلم في كل ركعتين، ثم توتر بواحدة.
الحالة الثانية: أن تجمع الخمس أو السبع أو التسع بتشهد واحد في الأخير وتسلم.
الحالة الثالثة: أن تجلس في الشفع الذي قبل الوتر، فإن كان الوتر خمساً جلست في الرابعة وقمت، وإن كان الوتر سبعاً جلست في السادسة وقمت، وإن كان الوتر تسعاً جلست في الثامنة وقمت، ثم جئت بكامل العدد من خامسة أو سابعة أو تاسعة وتشهدت وسلمت.
هذه صور صلاة الوتر إذا زادت عن ثلاث، وهذا باتفاق.
ولكن الخلاف فقط فيما إذا كان يوتر بثلاث، والجمهور على أنها صورتان فقط، يفصل الركعة عن الركعتين، أو يجمعهما بتشهد واحد، ولكن الأحناف ليس عندهم فصل وصلاة ركعة واحدة، بل يصليها مجموعة، ويتشهد في الثانية، ويقوم ويأتي بالثالثة ويتشهد ويسلم، وهذه الصورة ورد فيها النهي عن تشبيه الوتر بصلاة المغرب.
стр. 772
هدي النبي ﷺ في صلاة الوتر
قال المؤلف: [وعنها ﵂ قالت: (من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ ، وانتهى وتره إلى السحر) متفق عليه.
] لاحظوا -يا إخوان- هنا الفسحة والرخصة والتخفيف، تقدم في أول الباب (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة) ، أي: بعد قيامه الليل، وتقدم: (إن الله قد زادكم صلاة هي خير لكم من حمر النعم ما بين العشاء وطلوع الفجر) فبين ﷺ وقت الوتر من بعد صلاة العشاء مباشرة إلى أن يطلع الفجر، فجعل الليل بكامله وقتاً للوتر، وهنا ربما يتساءل إنسان: أي الأوقات أو أي أجزاء هذا الوقت أفضل؟ تقدم البيان مما جاء عنه ﷺ من مجموع الأحاديث وفي وصية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أوصاني خليلي بثلاث -وذكر منها-: أن أوتر قبل أن أنام) إذاً: هذا وتر أبي هريرة في أول الليل.
وجاء الخلاف بين عمر وبين أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، فكان أبو بكر لا ينام حتى يوتر، وكان عمر يؤخر الوتر إلى آخر الليل، فقالوا: من خشي فوات الوتر في آخر الليل فليوتر في أوله، ويأخذ بالعزيمة، ومن أيقن من نفسه أو غلب على ظنه أنه سيستيقظ في آخر الليل فليجعل الوتر في آخر ليله.
فهنا تبين لنا أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنه من كل الليل أوتر رسول الله، من أوله من أوسطه من ثلثه من ثلثيه من آخره، ثم انتهى وتره إلى السحر، يعني: فعل الوتر في أجزاء من الليل مختلفة للبيان، ثم استقر وتره إلى السحر، وعلى هذا يجوز إيقاع الإنسان الوتر بأي جزء من الليل حسب ما تيسر له، من أوله من أوسطه من آخره.
وتقدم لنا السائل الذي سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها في ثلاث مسائل منها: (متى كان وتر رسول الله ﷺ ؟ فقالت: من كل الليل أوتر رسول الله من أوله من أوسطه من آخره، فقال: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة) وعلى هذا لا تحديد في جزئية الزمن لصلاة الوتر، وإنما الإنسان هو الذي يحدد لنفسه بحسب ما يتيسر له.
أما إذا تساءلنا عن الأفضل، وكانت كل الأجزاء عندنا سواء، كإنسان يستطيع أن يوتر أول الليل، أو نصف الليل، أو آخر الليل، فالكل عنده سواء، فهذا نقول له: الأولى أن يكون وترك سحراً؛ لأنها تذكر أنه كان آخر أمره ﷺ في الوتر وقت السحر، ولماذا خص وقت السحر؟ لأننا جميعاً نعلم بأن تلك الساعة هي ساعة المناجاة، وساعة الزلفى والإنابة، وساعة القرب إلى الله ، كما جاء في الحديث: (إذا كان ثلث الليل الآخر ينزل ربنا إلى سماء الدنيا فينادي فيقول: هل من سائل فأعطيه؟! هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟) إذاً: تلك اللحظات هي أقرب وأرجى للاستجابة، وقبول العبادة، والتوفيق إلى ما يحبه الله .
لكن إذا خاف الإنسان أن تفوته تلك الساعة فليؤمن نفسه بالصلاة في أول الليل، وسيأتي البحث بعد هذا فيما لو أوتر أول الليل عزيمة وحزماً، ثم وفقه الله وأعانه وقام بعد ذلك ماذا يفعل؟ وهو البحث بين قوله ﷺ : (اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً) وبين قوله: (لا وتران في ليلة) وسيأتي بهما المؤلف ﵀.
يهمنا أولاً: تحديد وقت الوتر، ومتى يكون هو الأفضل؟
стр. 773
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع [٦]
أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل، وقد حث على هذه الصلاة سيدنا محمد ﷺ بقوله وفعله، ومن فعله أنه كان يقوم الليل بأربع ركعات، ثم بأربع أخرى، ثم يختم ذلك بثلاث يوتر بها، ويختم قيام الليل بذلك، وعلى الرغم من حضه ﷺ على الوتر إلا أنه نهى عن الإتيان بها أكثر من مرة في الليلة، كما دعا إلى أن يكون الوتر آخر صلاة العبد من الليل.
стр. 774
الترغيب في قيام الليل والتحذير من تركه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فيقول المؤلف ﵀: [وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا عبد الله! لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل) متفق عليه.
] تأملوا يا إخوان هذا الأسلوب! هذا أسلوب عتاب، أم أسلوب ممازحة، أم أسلوب ترغيب، أم أسلوب ترهيب؟ كيف نصنف هذا الأسلوب النبوي الكريم؟: (يا عبد الله! لا تكن مثل فلان) هل فلان هذا اسم جنس أم شخص معين؟ (فلان) كناية عن شخص من بني آدم، فهل يراد به شخص بعينه علم من حاله ﷺ أنه كان يقوم الليل وترك أو أراد ﷺ أن يجرد شخصية ينبه بها عبد الله بن عمرو بن العاص؟ ابن حجر ﵀ يقول: قوله: (لا تكن مثل فلان) لم أقف على اسم هذا (فلان) في طريق من طرقه، هكذا يقول ابن حجر في فتح الباري، وهو مؤلف الكتاب.
وبعضهم يقول: إن فلاناً هذا أمر رمزي، لا تكن كشخص من الأشخاص يقوم ويترك، مثل الآية الكريمة: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ [النحل:٩٢] هل هناك امرأة بالفعل نقضت غزلها، أم هذا من باب العموم، أن الذي يعمل عملاً ويشرك فيه أو يرجع فيه كالتي تغزل الغزل ثم ترجع وتفك الغزل هذا إلى صوف منثور؟ لا أعتقد أن امرأة ستفعل هذا بالذات، ولكن يكون هذا على سبيل المثال في نقض العمل بعد إبرامه، والله تعالى أعلم.
ولكن يقولون: من الأدب النبوي الذي نتعلمه: لعله يعلم شخصاً بعينه، ولكنه لم يسمه ستراً عليه؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان يعلم من بعض الناس بعض الأفعال، ولكن لم يسمهم، ويخطب ويقول: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا) ، من هم هؤلاء؟ لا حاجة لنا بمعرفتهم.
وكما جاء في رواية الموطأ: (عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يخطب يوم الجمعة، فدخل رجل وعمر يخطب، فقال: ما هذا يا فلان؟ -رواية الموطأ هكذا ما سمت أحد- قال: والله ما زدت أن سمعت الأذان فتوضأت فجئت، فقال: والوضوء أيضاً؟!) يعني: تأخرت في المجيء ولم تغتسل! خطآن ارتكبتهما! بعض الروايات تسمي الشخص هذا الذي دخل، فيكون عدم تسميته كما يقال: حتى لا ينسب إليه هذا التقصير، وهو ليس من أهل التقصير.
ولكن هنا: (لا تكن مثل فلان) هذه ملاطفة ومداعبة، وحث وترغيب في العبادة، بالإشادة أو التنويه أو العتاب، فلان هذا ما هو شكله وما هو وصفه؟ (كان يقوم الليل ثم ترك) ، فهل ترضى لنفسك يا عبد الله أن تقوم الليل فترة ثم تترك؟! ويقف عند هذا العلماء ويقولون: بم نستفيد من هذا الحديث في مشروعية قيام الليل، أواجب هو أم سنة؟ يقول بعض العلماء: كان قيام الليل في أول الأمر واجباً، ثم شق عليهم فنسخ الوجوب إلى الندب عندما فرضت الصلوات الخمس، طيب! الصلوات الخمس فرضت في مكة، والذي يهمنا أنه لا فرض بعد الصلوات الخمس، ويقولون: هذا الحديث دليل على أن قيام الليل ليس بواجب؛ لأنه لو كان فلان هذا الذي ترك قيام الليل ترك واجباً، فهل يكون موقف النبي ﷺ ممن انتهك واجباً مجرد أن يقول: (لا تكن مثل فلان) ؟ لا.
هذا الحديث يدل على الترغيب في قيام الليل، والأحاديث الواردة في الحث على قيام الليل عديدة، ولكن والله -يا إخوان- إن الإنسان ليذكر هذا الحديث وهو في غاية من الاستحياء، ومن العجب أيضاً أن يكون التفريط من طلبة العلم! يقول أحمد ﵀: (عجبت لطالب العلم ليس له ورد من ليله!) ؛ لأن قيام الليل هو أكبر غذاء للإنسان، اللهم إلا إذا كان يقوم من الليل بدراسة، في تفسير في حديث في فقه، بما يجد نفسه منشرحاً إليه، وكما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما سأله رجل: (ماذا أصنع في رمضان: أقرأ القرآن أم أصلي القيام؟ قال له: إنما أنت مرتاد لنفسك -يعني: تسيمها المرعى- فحيثما استجابت معك فارعها) .
إن كانت تستجيب معك برغبة وبإمعان واستفادة في القراءة فاقرأ، وإن كانت تستجيب معك في الصلاة والمناجاة والخشوع والركوع والسجود فصل، وهكذا يقال لطالب العلم.
وقد جاء أن رجلاً جاء إلى ابن المسيب وقال: ألا تكن مثل آل فلان يحيون القيلولة ويقيمون الليل! قال: دع عنك بني فلان، والله لتعلم مسألة في الفقه خير من عبادة آل فلان.
إذاً: مجال القربى والزلفى إلى الله واسع، لكن لابد أن تكون هناك ساعة عبادة لا في العلوم الأساسية خاصة الفقه، الفقه له قساوة وشدة، وله أيضاً طلاوة وحلاوة، لكن ما كل إنسان يقوى على مكابدته، فلابد له من ساعة يذكر الله فيها، يأخذ آيات من كتاب الله يقرؤها ويتلوها ويتمعن فيها، وقد سبق أن الخليفة عثمان ﵁ كان يقوم الليل كله، وأقول: والله! لو أن إنساناً شرح الله صدره، وأنار قلبه، وأخذ الفاتحة ليالي عديدة ما أدى واجبها، ويقول عنها علي رضي الله تعالى عنه: (لو شئت أن أكتب حمل بعير على سورة الفاتحة، لفعلت) ، ومن أراد أن يعرف حقيقة أمرها فليأخذ مقدمة تفسير الفخر الرازي على الفاتحة، ولينظر كم أخرج منها من مئات وآلاف المسائل والأبواب! أيها الإخوة! قيام الليل كل بحسبه، لو أن إنساناً عامياً لا يقرأ ولا يكتب، ثم استيقظ من ليله واستغفر ربه، وسأل الله فله أجر عظيم، كما جاء في الحديث: (ما من إنسان يتعار من الليل فيذكر الله ويستغفره إلا كان له من الأجر كذا وكذا) نسأل الله تعالى أن يشرح صدورنا، وأن ينير قلوبنا، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.
فلابد للإنسان من ساعة يخلو فيها مع الله، كما قال عمر لجليسه: (اجلس بنا نؤمن ساعة) وهل كانوا غير مؤمنين؟ لا.
المراد: نجدد الإيمان، نقوي الصلة بالله، نجدد الرغبة بأن نتذاكر فيما بيننا، سواء آية، أو حديثاً، أو مسألةً، أو نتذكر اليوم الآخر إلى غير ذلك.
تلك الساعات تغذي الروح، وترطب القلوب التي قست فأصبحت كالحجارة أو أشد قسوة، وليس لها دواء ولا شفاء إلا بذكر الله ، وليس الذكر مجرد إطلاق اللسان بأي حالة من الحالات: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١] بأي حالة من الحالات.
стр. 775
شرح حديث: (أوتروا يا أهل القرآن)
قال ﵀: [وعن علي قال: قال رسول الله ﷺ : (أوتروا يا أهل القرآن! فإن الله وتر يحب الوتر) رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة] .
стр. 776
هل المقصود بأهل القرآن عموم أمة الإسلام أم أهل القرآن وخاصته ؟
أهل القرآن من هم؟ أهل التوراة من هم؟ أهل الإنجيل من هم؟ كما جاء في ضرب المثلين لأصحاب رسول الله ﷺ : ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ.
﴾ [الفتح:٢٩] ، أي: ضرب المثل في التوراة لأهل التوراة، وفي الإنجيل لأهل الإنجيل، فبعض العلماء يحمل ذلك على عموم من ينتمي إلى أمة القرآن، تمييزاً لهم عن أمة التوراة، وعن أمة الإنجيل، فيكون هذا النداء موجهاً للأمة بكاملها؛ لأنها أمة القرآن.
وهناك من يقول: لا، أهل القرآن الذين حفظوه واشتغلوا بعلومه، وكانوا من أهل القرآن تلاوة وعلماً وعملاً، فإذا حملناه على العموم فهو كالعموم المتقدم: (الوتر حق) فإذا حملناه على الخصوص كان لخصوص الفقهاء والعلماء، وإذا حملناه على العموم فهو يضاف إلى الأحاديث التي يستدل بها على وجوبه: (أوتروا) وإذا حملناه على الخصوص خرج عن كونه للوجوب؛ لأن الواجب يعم حملة القرآن وغير حملة القرآن، والجمهور على أن المراد بأهل القرآن حملة القرآن.
ولماذا يخصهم؟ قالوا: لأنهم هم الأولى بذلك، وهم الأحرى بأن يلتزموا بسنن العبادات مع فرائضها، وهم الأولى بأن يكونوا القدوة لغيرهم؛ إذاً: على العلماء واجبات أكثر من العوام، وعلى أهل القرآن مسئوليات أكثر من غيرهم، ولما كانت وقعة اليمامة ورجع بعض الناس، وثبت فلان وقال: (ما هكذا كنا مع رسول الله، يا أهل القرآن هلموا) ، وكذلك ﷺ لما كان في غزوة حنين، ورجع الناس عندما فاجئوهم بالنبل، قال للعباس: (ناد: يا أهل بيعة الرضوان!) لماذا خصهم؟ لأنهم بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة على الموت، وعلى ألا يفروا، وهذا وقتهم، فلما نادى كذلك رجعوا وتجمعوا عنده ﷺ ، وأعادوا الكرة ونصرهم الله.
إذاً: اختصاص أهل بيعة الرضوان بالنداء يوم حنين في تلك الشدة لأنهم أخص الناس وأولاهم بذلك؛ ولأنهم بايعوا رسول الله ﷺ على الموت في سبيل الله، أو على ألا يفروا، والآن قد فروا فليرجعوا.
وأقرب ما يحمل عليه الحديث أن أهل القرآن هم حملته، وقد يقال لهم: القراء، وكلما كان الإنسان طالب علم أو أقرأ لكتاب الله كان أدعى وأولى بأحكامه، وبالله التوفيق.
قوله: (فإن الله وتر يحب الوتر) .
هذا التذييل: (فإن الله وتر يحب الوتر) هذا الحديث يجرنا إلى الحديث عن أسماء الله الحسنى بكاملها، فإن الله وتر، ولما كان وتراً يحب الوتر، لا نقول: للمجانسة، ولكن لما قاله رسول الله ﷺ ، وإذا أخرجنا ذات المولى سبحانه، وجئنا إلى المخلوقات، وجدنا أن الأجناس تتجانس وتتآلف في وحدة الجنسية، فأيما جنس لقي جنسه تآلف معه؛ لأن وحدة الجنس تجمعهم، والله منزه عن ذلك كله، ولكن الرسول ﷺ يقول: (أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر) ، وقوله ﷺ : (إن الله وتر) هذه جملة مكونة من مبتدأ وخبر، وليست على سبيل الحصر، ولكنها مشعرة بأنه لا وتر إلا الله، وبأن جميع الكائنات زوجية مزدوجة، والله خلق جميع المخلوقات، ولنبدأ من أرقاها وهو الإنسان، ثم عالم الجن، ثم الحيوان، ثم النبات، ثم الحشرات، فنجدها تعيش مزدوجة، ما بين ذكور وإناث، وكذلك المخلوقات الأخرى، حتى الجمادات نجدها مزدوجة وليست وتراً، وكما أشرنا إلى ما يقول علماء الذرة بأن الذرة لها نواة، وهو الجزء الذي لا يتجزأ عند المناطقة الجوهر الفرد، والآن قد فجروا هذا الفكر، ووجدوا بأن النواة التي يتكون منها كل جرم سواء كان معدنياً أو كان حجرياً أو كان غير ذلك، فإن تلك النواة وهي نهاية الجزء في هذا الجرم تتكون من جزءين، وفيها قطب سالب وموجب.
إذاً: كل الكائنات زوجية، ولها أجزاء يكمل بعضها بعضاً، ولولا الجنس المزدوج في بني آدم لما وجد الإنسان، ولو بقي أبونا آدم على ما هو عليه ما جاء أحد إلى الدنيا، ولو ذهب أبونا آدم وجاءت حواء وحدها ما كان أحد على وجه الدنيا، اللهم إلا القدرة الإلهية تظهر في آحاد البشر، كما جاء في مريم ﵍، فالله جعلها آية، ونفخ فيها من روحه، فجاءت بعيسى بلا أب، هذه آحاد بيان القدرة، حتى لا تكون عادة أو تنسب إلى الطبيعة، فإن الله خلق آدم من تراب، وأيضاً ليس من تراب وحده، بل ماء وتراب، وليس من التراب فحسب ولا من الماء فحسب، بل من عنصري الماء والتراب، ثم خلق حواء من ضلعه ولحمه ودمه، ثم تناسل الناس من هذين الأبوين، وهكذا النباتات والطيور والحيوانات والحشرات إلى غير ذلك، والله وحده سبحانه هو الوتر.
إذاً: فإن الله وتر يحب الوتر، فإذا كان الله يحب الوتر: (أوتروا يا أهل القرآن) إذاً: الوتر واجب أم سنة؟ سنة الله يحب كل العبادات (ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) إذاً: كل العبادات محببة إلى الله، والوتر بخصوصه؛ لأنه ليس فرضاً لازماً، ويأتيه الإنسان تطوعاً، فمحبة الله إياه حملت العبد بحبه لله أن يأتي بالوتر.
стр. 777
حكم تكرار الوتر في الليلة الواحدة
قال ﵀: [وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) متفق عليه.
وعن طلق بن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا وتران في ليلة) رواه أحمد والثلاثة، وصححه ابن حبان] .
стр. 778
كلام العلماء في حكم تكرار الوتر في ليلة وصوره
نلاحظ -يا إخوان- إيراد المؤلف ﵀ هذين الحديثين متعاقبين؛ إشارة إلى ما يوجد من شبه التعارض بينهما، فالحديث الأول جاء بلفظ: (اجعلوا -والخطاب موجه للأمة جميعاً- آخر صلاتكم بالليل وتراً) وهذا يعم كل مسلم؛ لأن كل مسلم يصلي المغرب والعشاء وهما من صلاة الليل، المغرب وتر صلاة النهار بكونه ثلاثاً، والعشاء شفع، ومعها سنة ركعتين، فتحتاج إلى وتر، فيتناول الحديث البحث من جانبين: كون الوتر آخر الصلاة، فلو أنه ما صلى العشاء، ودخل وقت الوتر ولم يصل العشاء، فلا يحق له أن يصلي الوتر بناء على أن وقت الوتر من العشاء إلى الفجر؛ لأنه أمر أن يجعل آخر صلاته وتراً، ومن صلاته العشاء مع سنتها، فهذا الحديث يحتم عليه أن يوتر.
نقول: هذا الحديث على وجازة لفظه يتكلم في جانب، ويأتي الحديث الثاني: (لا وتران في ليلة) إذا أخذنا الحديث الثاني على حدة، ونقول: إن إنساناً صلى العشاء وأوتر، ليس له أن يعيد الوتر مرة أخرى؛ لأنه قد أوتر، ولا وتران في ليلة، فهو أوقع الوتر في آخر صلاته، فلا يعيد الوتر؛ لأنه يتكرر، ولا وتران فضلاً عن ثلاثة، وكلا الحديثين يعمل عمله إذا انفرد، من كان يوتر أول الليل ولم يقم آخره صلى العشاء وما يسر الله له، وأوتر ونام حتى يطلع الفجر، فهو جعل آخر صلاته بالليل وتراً، وانطبق عليه هذا الحديث بدون أي معارض.
إنسان صلى الوتر ثم استيقظ بعد نومه، وأراد أن يعيد الوتر، هل يجوز له ذلك؟ لا؛ لأن أمامه حديث: (لا وتران في ليلة) ، فكل من الحديثين يعمل عمله إذا انفك أحدهما عن الثاني، ولكن إذا ارتبط الحديث الأول بالثاني ماذا يفعل؟ وهذه هي المسألة التي كثر الكلام عليها، وتعالج بناحية منهجية، وصورتها: صلى العشاء فأوتر، أخذ بالعزيمة، فصدق عليه أنه جعل آخر صلاته بالليل وتراً، وأعمل الحديث الأول بأن جعل آخر صلاته بالليل وتراً، ثم يسر الله له القيام، فصلى من الليل ما تيسر له، طيب! بعد أن صلى من الليل ما تيسر له، وقد أوتر وتره، يأتيه الحديثان معاً، الحديث الأول يقول: (اجعل آخر صلاتك بالليل وتراً) ، لأنك صليت الآن اجعل آخر صلاتك بالليل وتراً، والحديث الثاني يقول: لا، (لا وتران في ليلة) فما هو المخرج؟ من أراد تحقيق هذه المسألة بأوسع ما يكون فعنده كتاب: قيام الليل للمروزي، أو مختصر هذا الكتاب، وكذلك فتح الباري لـ ابن حجر، وغيره من مجموعات الأحاديث، وأدق ما يكون في ذلك بحثاً ما كتبه الإمام العلامة ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، فهؤلاء يقولون: ما دمت قد أوترت أولاً فصل ما شئت ثم لا توتر، طيب! حديث: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) أين تذهب به؟ تعارض حديث نهي مع حديث أمر! وبعض العلماء يقول: هذا التعارض أنا ألغيه، ألغي الوتر الذي في أول الليل، وكيف تلغيه؟ أليس الوتر ركعة واحدة؟ بلى، قال: أنا عندما أقوم من ثلث الليل الآخر قبل أن أصلي من الليل ما أريد أصلي ركعة واحدة، وأرسلها إلى الوتر في أول الليل، يصبح الوتر الذي في أول الليل شفعاً، يقول: ألغيت الوتر الأول، ثم أستأنف قياماً جديداً وأوتر، فأجعل آخر صلاتي من الليل وتراً.
وهناك من يقول: هذا عمل غير صحيح، وروي عن ابن عباس وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنهما أنهما قالا: هذا تلاعب بالوتر؛ لأنه بعد أن صلى الوتر نام، وربما وجب عليه غسل، تكلم أكل شرب ثم بعد هذا كله ربما يعتريه موجب للوضوء أو موجب للغسل، وأكل وشرب، ونوم، وكلام ثم يصلي ركعة يضيفها للتي قبلها؟! كيف تنضم إليه؟ جاء عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه كان يفعل ذلك، وابن عمر كان يفعل ذلك، فـ عثمان رضي الله تعالى عنه يقول: (ما أراها -يعني: الركعة الثانية التي سأرسلها- إلا كشاردة الإبل) ، فلا ينبغي أن يضم هذه الركعة الواحدة بعد النوم والأكل والشرب ونواقض الوضوء إلى ما تقدم.
طيب! ماذا نفعل؟ قالوا: ننظر في التوفيق بين الحديثين، فالحديثان في فن الأصول ليس بينهما عام وخاص حتى نحمل العام على الخاص، وليس فيهما مطلق ومقيد حتى نقيد المطلق بقيد مقيد، ولكن كلاهما صحيح صريح في موضع يعارض الآخر: (لا وتران ... ) (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) وهنا يقول ابن دقيق العيد: نخرج خارج نطاق الحديثين بالمرجحات الأصولية، وما هي؟ قال: متون الحديث صريحة صحيحة لا غبار عليها، ولكن مضمون الحديثين ما هو؟ قال: مضمون حديث: (لا وتران في ليلة) هذا نفي ونهي أم ندب وطلب؟ نهي ونفي، سواء كان نفياً في أن توقع وترين؛ لأنه لا يوجد وتران في ليلة، أو نهياً عن أن توقع الوترين في ليلة.
وحديث: (اجعلوا آخر صلاتكم) هذا طلب أم نهي؟ طلب، وأقل مقتضيات النهي هنا الكراهية؛ لأن النهي إما حرام أو مكروه، وأقصى درجات الطلب الوجوب ما لم نجد صارفاً، وهل الوتر واجب؟ أصل مشروعية الوتر ليست واجبة، إذاً: كيفيته، أحكامه، لا ترتقي إلى الوجوب: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل ... ) إرشاد لإيقاع الوتر، وهو طلب دلالته الندب.
إذاً: الحديثان متعادلان في الصحة والصراحة في القول، ولكن اختلفا في المضمون، فأحدهما: مضمونه كراهية إعادة الوتر، والثاني: مضمونه أن تجعل آخر صلاتك بالليل وتراً، وإذا كان لا وتران في ليلة لو أننا أعدنا الوتر نكون وقعنا في مكروه، ولو أننا اكتفينا بالوتر الأول وصلينا بعد ذلك ما تيسر دون أن نعيد الوتر تركنا مندوباً، وتجنب صفات المكروه أولى من اقتحام فعل المندوب، فيكون ترجيح: (لا وتران في ليلة) على (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) ، إذاً: من أوتر أولاً ثم قام بعد ذلك فليصل ما شاء ولا يعيد الوتر.
ويقول ابن عباس في من يصلي ركعة الشفع: (هذا جاء بالوتر ثلاث مرات وليس مرتين) ، أوتر بعد العشاء، ثم صلى ركعة واحدة وهي تعتبر وتراً، ثم صلى ما تيسر له وجعل آخر صلاته بالليل وتراً، كأنه أوتر ثلاث مرات، وهذا مقتضى قولهم: (تلاعب بالوتر) .
وعلى هذا يا إخوان يكون المتقرر عند الجمهور بأن اجتهاد ابن عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما عارضه اجتهاد غيرهما من الصحابة أمثالهما، وإذا كان اجتهاد صحابي تعارض مع اجتهاد صحابي آخر فإنهما يتعادلان فيتساقطان، كما هو النظام في البينات، إذا تعادلت البينتان تساقطتا، ويطلب بينة جديدة، وهنا: لم يبق عندنا إلا الترجيح في مضمون الأحاديث، أحدهما للنهي وأقل حالاته الكراهة، ولا ينبغي أن نرتكب مكروهاً، والثاني للطلب، وأعلى درجاته الندب، ولأن نقصر في مندوب خيراً من أن نرتكب مكروهاً، والله تعالى أعلم.
ثم يؤيد القول بعدم إعادة الوتر بأنه جاء عن أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أن الرسول ﷺ كان يوتر بثلاث بخمس ثم يصلي ركعتين وهو جالس، بل في حديثها: كان يوتر بثلاث عشرة ركعة، فلما أسن وأخذه اللحم صار يوتر بسبع، ومعنى: (يصلي ركعتين وهو جالس) ، يعني: صلى بعد الوتر، ولم يعد الوتر بعد ذلك، ولم يلغ الوتر الذي تقدم.
إذاً: (لا وتران في ليلة) راجح على (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) ، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 779
ما يقرأ من السور في صلاة الوتر
قال ﵀: [وعن أبي بن كعب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يوتر بـ (سبح اسم ربك الأعلى) ، و (قل يا أيها الكافرون) ، و (قل هو الله أحد)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وزاد: (ولا يسلم إلا في آخرهن) ] .
في هذا الحديث بيان ما كان يقرأ به ﷺ في الوتر، وقوله: (كان رسول الله) يقول العلماء: (إن كان) هنا تدل على الدوام والاستمرار، ونظروا في هذه السور الثلاث (سبح) و (الكافرون) و (قل هو الله أحد) ، وتقدم الكلام على السورتين الكريمتين: (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) فيما يتعلق بالقراءة في سنة الصبح، وفي ركعتي الطواف، وهنا جاء تكرارهما، وكذلك في ركعتي سنة المغرب، وأن هاتين السورتين يسميان: سورتا الإخلاص، أو سورتا التوحيد، وأن في (قل يا أيها الكافرون) نبذ لعبادة ما سوى الله، وفيه أيضاً تميز الإسلام والمسلمين عن غيرهم ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ﴾ [الكافرون:٢-٤] ، أي: في الحال وفي الاستقبال، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تفردت هذه السورة الكريمة بموضوع واحد وهو: إفراد الله ، وبيان أنه الواحد الأحد الفرد الصمد، واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وأنه الصمد الذي يصمد إليه جميع الخلق، أي: يعمدون إليه ويقصدونه، وهنا يضيف إلينا أبي بن كعب: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] ، وباجتماع هذه السورة مع تلك السورتين نجد افتتاحية السورة الأولى: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] ، والتسبيح بمعنى: التنزيه والتقديس عما لا يليق بجلال الله، وقد جاءت مادة سبح في القرآن الكريم بكل تصاريفها، ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد:١] ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ [الجمعة:١] حتى المصدر ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] فجاء التسبيح بأنواع تصاريفه؛ لبيان تنزيه المولى سبحانه وتعالى عما لا يليق بجلاله، وقد أشرنا سابقاً أن معنى التسبيح من حيث مادته في اللغة أصلها (سَبَحَ) بمعنى: يسبح في الماء، والإنسان إذا وجد في ماء عميق لا بد أن يسبح وإلا غرق وهلك، ويقال: إن سبح وسبّح (سَبَحَ الله) أي: كأنه يبعد جلال المولى سبحانه عن كل ما لا يليق بجلاله، وإلا هلك هذا الإنسان، أو أنه يسبح ويطلب طرق النجاة بتنزيه الله سبحانه عن كل ما لا يليق بجلاله، بخلاف أولئك الذين اتخذوا الله ولداً، أو اتخذوا له صاحبة، أو اتخذوا له شريكاً، أو وصفوه بصفات لا تليق بجلاله سبحانه، كما وقع اليهود في وصف الله سبحانه بالفقر وبالغل إلى غير ذلك من الصفات التي لا تليق بجلاله سبحانه.
وقد بين لنا الحديث الصحيح في قوله ﷺ : (سبحان الله تملأ الميزان، والحمد لله تملأ ما بين السماء والأرض) وكما جاء في الحديث الآخر: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) وهاتان الكلمتان جمعتا طرفي التوحيد؛ لأن (سبحان الله) تنزيه ونفي عن كل ما لا يليق بجلاله، و (الحمد لله) إثبات وإقرار بكل المحامد، وبهذا يجتمع للإنسان بهاتين الكلمتين تنزيه الله سبحانه، وتحميده بكل ما يليق بجلاله، وهذا هو طرفا التوحيد في حق الله.
وهنا قوله: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] التسبيح هنا متوجه إلى (ربك الأعلى) ، ومن سبح اسم ربه فقد سبح ربه من باب أولى، فإذا سبح الإنسان وقدس ونزه أسماء الله العلي العظيم فإنه قد سبح ونزه وقدس المولى .
ثم جاء بعد هذا التسبيح وهذه الافتتاحية بقوله: ﴿الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] ، والوصف بالعلو ثابت، وكذلك الاستواء على العرش، وكل ذلك مفهوم في العقيدة، ثم جاء بما يدل ويثبت القدرة الإلهية والربوبية للعالم، ﴿رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:١-٣] إلى آخر السورة الكريمة مما فيه جماع كمال الصفات لله سبحانه.
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى:٢] ، لو وقف إنسان عند كلمة: (فسوى) طيلة عمره ما استطاع أن يستوفي مدلولها، لو نظرت إلى بني آدم من أبينا آدم إلى آخر إنسان في الوجود، ونظرت في تسوية خلقه لما وجدت اثنين متفقين تماماً متطابقين تمام المطابقة، ولكن كل مخلوق سواه الله تسوية خاصة به، ولو جئت إلى رعاة الحيوانات وبهيمة الأنعام لتجد الإبل والبقر والغنم كلها تتفق في صورة واحدة، ولكن تسوية كل واحدة منها تغاير غيرها من بني جنسها، وتجد الرعاة يختلطون بمئات من رءوس الغنم، فإذا آواهم المبيت تجد كل راع يعرف شياهه ويفصلها عن شياه شريكه ومن كان معه.
وكان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله علينا وعليه يقول: إذا أردت أن تعرف هذه الآية وهذه القدرة الإلهية قف عند جمرة العقبة، وانظر تلك الوجوه التي جاءت من كل جنس، ومن كل قطر، ومن كل صقع يرمون الجمرات، لن تجد اثنين اتفقا في صفاتهما، بل إن علماء التشريح اليوم يقولون: إن بصمات الناس لا تتفق أبداً، بل إن أصابع الإنسان العشر في يديه لا تتفق بصمة إصبع مع بصمة إصبع أخرى، كم من ملايين الخلق مضوا وفنوا، ويوجدون الآن، ويوجدون بعد ذلك؛ ولا تتفق بصمة إصبع إنسان مع بصمة إصبع إنسان آخر!! هذه المغايرة لو وكل ذلك لأفراد الحذاق من العالم بأن يضعوا لها فيلمات، وأن يضعوا لها صوراً متفاوتة مختلفة لوقفوا عند مليون أو مليونين أو مائة مليون، أما أن يأتوا بأشكال متساوية من العالم كله فهذا يعجز عنه البشر، فالله هو الذي خلق فسوى، وأعطى كل شيء خلقه فهدى، خلق البعير على ما يتلاءم في خلقته، وخلق الأغنام على ما يتلاءم في خلقتها، وخلق الإنسان على ما يلائمه، وخلق عوالم البحار على ما يلائمها، فالإنسان والحيوان لا يستطيع أن يعيش في الماء؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يستخلص عنصر الحياة من الماء وهو الأكسجين كما يقولون، بينما حيوانات الماء خلقها وسواها على أنها تستطيع الحياة في ذلك الماء، وأيضاً منها ما يستطيع الحياة في الماء وفي البر كما يقال: برمائي، أي: يعيش في الماء وفي البر، فهذه التسوية وهذا الخلق لا يستطيع إنسان أن يحصي كنهها، ولا أن يستوعب مدلولها.
﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:١-٣] تقدير الخلائق، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨] ، هذه المباني نحن نعلم أنها لو اختلت مقادير نسبة موادها البنائية لما استطاعت أن تقوم، حتى يقول المهندسون: لو زادت نسبة الحديد في التسليح لتكسر المسلح، ولو نقصت نسبة الإسمنت فيه لتشقق؛ فلابد من نسبة معينة محكمة، فإذا اختلت تلك النسبة فسد البناء! وأنتم تعلمون جميعاً الذي اكتشف الآن فيما يتعلق بفصائل الدم، وأنه مقادير معينة، ونسب معلومة، وكل شيء في هذا الوجود له تقديره الخاص، والله سبحانه هو الذي قدره.
وأيضاً: وهدى ما خلق وقدر إلى ما خلقه إليه، إذا جئت إلى الطفل، أو إلى الحمل، أو إلى الإنتاج من الحيوان فإنك ستجد الشاة تلد السخلة، وقبل أن تقف على قدميها أو على أرجلها تبحث عن ثدي أمها وتلتقمه وتمتص منه الحليب، من الذي علمها ذلك؟! هل أنت علمتها؟! لا، هو قدر لها الحياة بذلك، وهداها لطريق حياتها، وإذا جئت إلى جميع أنواع الحيوانات تولد النتاج صغاراً، من الذي علمها الازدواج، من الذي ألهم الذكر الذكورة، والأنثى الأنوثة، ثم جمع بينهما ثم كان التناسل، ثم كانت الزيادة والنماء وبقاء الجنس?! من الذي علمهم ذلك؟ إنه قدر لكل شيء حياته ومقاديره، وهداه إلى ما قدره إليه.
لو جئنا إلى عالم الحشرات تجد كما يقولون: مملكة النحل، من الذي هدى النحلة إلى ما هي عليه، ويعجز كبار حذاق المهندسين أن يوجدوا الأعمال التي تعملها النحل في بيتها، وفي جمعها للعسل، وفي بناء بيتها من الشمع، لا يوجد في خلية النخل سراب للهواء ألبتة، بل مسدسات متلصقات، بيت وبيت، وكيف تعمل؟ وكيف تتنظم؟ وكيف شكلت من جماعتها جماعات على أعمال مختلفة؟ كل هذا بتقدير الله، وهداها لما قدره إليها.
فإذا قرأ الإنسان ذلك ولو استمر الإنسان مع السورة الكريمة لما فرغ منها.
هذا مناسبة قراءة هذه السورة مع سورتي الإخلاص في الوتر؛ ليقف الإنسان في كل ليلة وفي صلاته للوتر على عجائب خلق الله، ومن وراء ذلك تجديد الإيمان واليقين بالله .
والله تعالى أعلم.
стр. 780
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع [٧]
صلاة الوتر أفضل الرواتب مطلقاً، ولها أحكام كثيرة، وسنن متعددة، ينبغي معرفتها، ومن ذلك وقتها، وحكم من نسيها، وما يقرأ فيها، وغير ذلك.
стр. 781
شرح حديث: (كان رسول الله يوتر بسبح اسم ربك الأعلى)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول المؤلف ﵀: [وعن أبي بن كعب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يوتر بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) ، و (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) ، و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
] .
أرجو من الإخوة جميعاً أن يرجعوا إلى تفسير سورة الأعلى في كتاب أو كتابين، بل كل ما تناولته أيديهم من كتب التفسير، ويقرءوا تفسير هذه السورة الكريمة، وأول ما أنصح به التفسير الكبير للفخر الرازي؛ لأنه في الواقع له توجيهات كونية عجيبة جداً، فإذا لم تتيسر ليلة من الليالي إيراد ما فيها من نقاط وتوجيهات، فلتكن هناك القراءة الفردية والرجوع إليها، وهي -كما يقال- جولة في سورة من كتاب الله، وسيجد القارئ الشيء العظيم جداً، وقد لا يخطر بباله ما يراه حول هذه السورة الكريمة.
يقول أبي: إن الرسول ﷺ كان يقرأ في الوتر بهذه السور الثلاث، وقد تقدم عندنا: من شاء أن يوتر بواحدة بثلاث بخمس بسبع بتسع، وهنا ذكر أنه يوتر بثلاث، فإذا كان أوتر بخمس أو بسبع أو بتسع ماذا يقرأ فيها؟ يقرأ ما تيسر له، وليس هناك تعيين بسورة معينة إلا في الثلاث ركعات فقط؛ لأن أكثر وتر الناس بالثلاث، يصلي ركعتين ويسلم ثم يصلي ركعة ثالثة، وسواء جمع الثلاث أو فرق؛ ولهذا أبي ﵁ إنما بيّن قراءة النبي ﷺ في الثلاث الأواخر من الوتر، سواء اقتصر عليها الإنسان، أو أنه أوتر بأكثر منها، فيقرأ في كل ركعة ما تيسر له، ولكن يقرأ في الركعات الثلاث الأخيرة بهذه السور الثلاث الكريمة.
قال: [وزاد: (ولا يسلم إلا في آخرهن) ] .
هذا مما أوقف البعض عند صورة الثلاث ركعات: (لا يسلم إلا في آخرهن) ، وأنتم إذا فرقتم الركعة عن الركعتين سلمتم قبل الثالثة، وهنا: (لا يسلم إلا في آخرهن) ، معناه: أنه صلى الثلاث مجموعة، وهذا الذي يفعله الأحناف، فماذا توردون عليهم؟ قال الجمهور: نعم، نحن نقول: إنه لا يسلم إلا في آخرهن، أي: بسلام واحد، ولكن الذي نورده على الأحناف هو أنهم يتشهدون في الثانية ولا يسلمون، فلو أنهم تركوا التشهد في الثانية، ولم يسلموا إلا في الأخيرة فلا مانع، وهذا يدل عليه ظاهر هذا الحديث فإنه يتفق مع هذه الصورة؛ لأن الحديث مفهومه: أنه لم يكن يتشهد قبل الأخيرة، إذاً: الصورة التي ينطبق عليها هذا الحديث هو: أنك تسلم في آخرهن دون أن تجلس للتشهد في الثانية، فلا تتعارض الصورة مع هذا الحديث، ويسلم من معارضته النهي عن تشبيه الوتر بالمغرب.
إذاً: قوله: (ولا يسلم إلا في آخرهن) أي: يصلي ثلاث ركعات وتراً بتشهد واحد وسلام واحد، والأحناف حملوا قوله: (لا يسلم إلا في آخرهن) ، أنها موصولة، وقالوا: إن صفة صلاة ثلاث ركعات يصلي مثنى مثنى، وإذا صلى ركعتين تشهد ولم يسلم إلا في آخرهن.
وبهذه المناسبة لا ينبغي لإنسان أن يجعل من صورة الخلاف بين الأحناف والجمهور موقع إشكال، أو مورد نزاع وخلاف؛ لأن أصل الوتر من حيث هو سنة ومندوب، فإذا ما اختلف في صورته فلا ينبغي التعارض فيه، ولكن ينبغي على الإنسان في شخصه وذاته أن يتطلب ما يترجح عنده؛ لأنه يفعل مندوباً، وفاعل المندوب يطلب الخير، وطالب الخير يطلب الأفضل، فعليه أن يبحث، وما ترجح عنده يعمل به لشخصه، لكن أن ينكر على غيره ما ترجح عنده فلا ينبغي ذلك، ولا سيما إذا وجدنا أن بعض النصوص فيها ما يوهم إلى ما ذهب إليه الغير؛ لأنهم يقولون: هؤلاء القوم قد مضوا إلى ما اقتنعوا به من الأدلة، وهؤلاء القوم قد مضوا إلى ما اقتنعوا به من الأدلة، إذاً: كل من الفريقين أخذ بما اقتنع به من الأدلة، فإذا كنت تعترض على ما اقتنع به الفريق الثاني فمن حق الفريق الثاني أن يعترض عليك فيما اقتنعت أنت به، وما دامت المسألة قابلة للاجتهاد والنصوص متقاربة فلا مانع أن يذهب كل بما اقتنع به، ولا ينبغي اعتراض أحد الطرفين على الآخر، والله تعالى أعلم.
مع العلم بأن الأحناف ينصون في كتبهم على أن الحنفي لو أوتر خلف غير الحنفي فله أن يوافقه على وتره، وقدمنا بالأمس قول الإمام أحمد ﵀ فيما يتعلق بالقنوت في الوتر، أو فيما يتعلق بالقنوت بالصبح قال: لا أفعله، وإن صليت خلف إمام يقنت قنت متابعة للإمام، إذاً: الإمام الجليل أحمد بن حنبل ﵀ وغيره إذا صلى خلف من يرى مخالفته في شكل من الأشكال لا يخالفه، ويتابعه وفاقاً للمسألة، ولما سئل أحمد بن حنبل: أتصلي خلف من لا يرى الوضوء من لحم الجزور؟ أحمد عنده أن من أكل لحم الجزور انتقض وضوءه، فقيل له: لو رأيت إنساناً أكل لحم الجزور ولم يتوضأ أتصلي خلفه؟ قال: وكيف لا أصلي خلف مالك وخلف فلان وفلان؟ أي: وهم لا يرون الوضوء من لحم الإبل، فهو يصلي خلف من يخالفه فيما يتعلق بالوضوء وهو أمر أساسي في صحة الصلاة؛ لأن المسألة اجتهادية، وهذا له رأيه، وهذا له رأيه، فما دام أنه ائتم به يوافقه، وهذا كله يعطينا صورة في تجنب السلف الخلاف والمنازعات.
والله تعالى أعلم.
стр. 782
شرح حديث: (كل سورة في ركعة، وفي الأخيرة قل هو الله أحد والمعوذتين)
قال ﵀: [ولـ أبي داود والترمذي نحوه عن عائشة ﵂: وفيه: (كل سورة في ركعة وفي الأخيرة: (قل هو الله أحد) والمعوذتين) .
] عن عائشة ﵂ أنها ذكرت (أنه ﷺ كان يصلي من الليل مثنى مثنى، ثم يوتر بثلاث) وهذا اللفظ من عائشة ﵂ لم يرد فيه تفصيل في كيفية هذه الثلاث، ومن هنا أخذ الأحناف صورة الثلاث المعهودة وجمعوها، وآخرون يقولون: ثلاث لم يجلس في الثانية منهما، وبينت لنا رضي الله تعالى عنها أن هذه السور الثلاث مقسمة على الركعات الثلاث.
قال: [وفيه: (كل سورة في ركعة، وفي الأخيرة (قل هو الله أحد) والمعوذتين) ] .
المشهور (قل هو الله أحد) ، فإذا أتى بالمعوذتين مع (قل هو الله أحد) في الركعة الأخيرة فلا مانع، والمنصوص عليها أنه يأتي بهما، والمشهور عند العلماء إفراد (قل هو الله أحد) ، بما أنا أشرنا إلى السور الثلاث: (سبح اسم ربك الأعلى) وما فيها من إثبات الصفات الكريمة للمولى سبحانه، والقدرة الإلهية والربوبية إلى آخره، وكذلك في سورتي الإخلاص، إذا جئنا إلى المعوذتين نجد أن الوقوف عند هاتين السورتين الكريمتين يجعل المسلم فعلاً يقف إجلالاً لكتاب الله، ويقف متلمساً فضل الله أن يفتح عليه في نسق القرآن في هذا المصحف الشريف، إذا جئنا إلى (قل هو الله أحد) وإفراد الله وتوحيده في ذاته وأسمائه وصفاته.
стр. 783
سورة الفلق
ونأتي إلى سورة الفلق، ثم نأتي إلى سورة الناس، ثم نأتي إليهما معاً، تجد السورة الأولى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] ، وقد عارض بعض المتفلسفة -ليس الفلاسفة- على إيراد كلمة: (قل) ، وقال: لماذا لا يقرأ الإنسان: (أعوذ برب الفلق من شر ما خلق) ؟ فكلمة (قل) مقول القول، وتحصيل حاصل، ولكن لا، ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ [الفلق:١] ليعلم السامع والقارئ بأن هذا المقول يجب أن يقوله بأمر الله سبحانه الذي قال له: (قل) ، أما إذا بدأ وقال: (أعوذ برب الفلق) قد يكون من عنده هو، قد تكون استعاذة شخصية، ولكن عندما يضمم: (قل) أي: أنك أمرت وكلفت من الله أن تقول، ولذا الذين نادوا بحذفها ما فقهوا كلام الله، وأن هذا تكليف من المولى لعبده.
﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ [الفلق:١] بمعنى: ألوذ وألجأ وأحتمي، ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] الرب الخالق المدبر، وكلمة (رب) لها في اللغة نحو من عشرين معنى، وصفة الربوبية نجدها في أول سطر من كتاب الله، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] ، ونجدها هنا في آخر المصحف، وفي آخر سورة من كتاب الله، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] ، فنجد هنا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] ، الفلق: كل ما انفلق عن غيره، فإذا جئت إلى السماء وأبراجها وما انفلقت عنه من كواكب وشموس وأقمار إلى غير ذلك، إذا جئت إلى البحار وما انفلقت عنه من جواهر وأصداف وكنوز وحيوانات وغير ذلك، وإذا جئت إلى الأرحام وما انفلقت عنه من نتاج في حيوان وطير وإنسان، وإذا جئت إلى الأرض وما انفلقت عنه من أنواع النبات والأشجار وما خلق الله فيها لوجدت الشيء العظيم، وكل الكائنات تندرج تحت هذه الكلمة ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] .
كيف فلقها؟ كيف أنشأها؟ تسبح في عالم بعيد جداً.
﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢] ؛ لأن كل مخلوق فرد من أفراد الفلق الذي انفلق عن قدرة الله سبحانه، فالشر الذي سيأتي من المخلوقات هي أفراد ما خلق، والذي فلقه هو الذي يدرأ عنك شره، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا﴾ [الفلق:١-٢] ، (ما) من الأسماء الموصولة التي تدل على العموم، فمدلولها عام، ﴿مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢] حتى قال ابن عباس: المعصية مما خلق الله، فإذا استعذت بالله من شر ما خلق استعذت بالله من كل شر تخشاه حساً كان أو معنى.
إذاً: دخلت في حماية الله من شرور خلق الله، التي انفلقت عن قدرة الله، ثم يأتي تفصيل بعد إجمال: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:٣] ، قالوا: القمر في آخر الشهر؛ لأن ذلك الوقت من الشهر هو وقت عمل المفسدين من سحرة وغيرهم.
﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] ، وهم السحرة يعقدون العقد وينفثون فيها بسمومهم، قال: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] ، ولم يقل: إذا نفثن في عقدهن، ولكن في العقد: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ﴾ [الفلق:٥] ليس على إطلاقه، بل ﴿إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥] إن وقع منه الحسد، ومن هنا جاءت السورة الكريمة بالاستعاذة بصفة واحدة لله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] هذه الصفة المستعاذ بها، من أي شيء؟ عموم ما خلق، (غاسق إذا وقب، نفاثات في العقد، حاسد إذا حسد) المستعاذ به صفة واحدة من صفات الرب سبحانه، والمستعاذ منه أربع شرور على الإجمال ثم التفصيل، وقبل ذلك: التفريق بين النفاثات على الإطلاق، وبين الحاسد بشرط: إذا حسد؛ لأن النفاثات في العقد لا ينفثن إلا عملياً عند السحر، وقبل أن يتناولن الخيط، ويعقدن العقد وينفثن فيها؛ لسن بساحرات، فلا يتحقق ولا يوجد سحرهن إلا بالعقد والنفث في الحال، إذاً: عندما يعقدن، وينفثن في تلك العقد هن ساحرات، وقبل ذلك لم يكن ساحرات، أما الحاسد فهو حاسد ولو لم يتوجه إلى الإنسان بالحسد، فيستعاذ من شره إذا توجه إلى المحسود، والحسد يوجد عند الإنسان الذي ابتلي بهذا الداء عافانا الله وإياكم، لكن شر حسده لا يظهر ولا يخرج ولا يقع تأثيره إلا إذا توجه بعينه للمحسود.
وكيف يقع الحسد؟ وكيف يتأثر المعيون من عين العائن؟ ذكرنا في الموطأ قضية سهل بن حنيف، لما رآه أحد الصحابة وقد تجرد واغتسل، فقال: ما رأيت مثل جلدك اليوم ولا كالعذراء في خدرها؛ فسقط في الحال، فذهبوا إلى رسول الله، وقالوا: يا رسول الله! إن كان لك حاجة في سهل فلا يستطيع أن يذهب معك، كانوا في سفرة ما بين المدينة ومكة، قال: (وما ذاك؟ قالوا: خلع لباسه، ونظر إليه فلان فقال: كذا وكذا، فتغيظ ﷺ وقال: علام يقتل بعضكم أخاه؟ هلا بركت إذا وجدت ما يعجبك، من رأى ما يعجبه فليبرك، ثم أمر أن يغسل له) وهذه قضية طويلة.
وإلى الآن يجمع المسلمون على وقوع أثر الحاسد في المحسود كسهم صائد، ولكن كيف ينفذ هذا السهم؟ ومن أين ينطلق؟ وكيف يؤثر؟! عجز العالم إلى اليوم، لا الأطباء القدامى ولا الأطباء الجدد، إنما كل ما قالوه: إن القلب يتغير، وإن العين تنظر، فيخرج إشعاع من القلب إلى العين ثم تخرج إلى المعين، فيتأثر بذلك، ويستدلون بأشياء عديدة، ولكن حقيقة ذلك الله تعالى أعلم بها.
стр. 784
سورة الناس
في هذه السورة يستعيذ المسلم بالله بصفة من صفاته، من كل الشرور مجموعة ومفرقة، بينما نجد السورة الأخيرة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] المستعاذ منه ماذا؟ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:١-٣] كم صفة من صفات الله جندت للاستعاذة بها؟ ثلاث وهذه صفات الجلال والعظمة: (رب ملك إله) ، فهي صفات الكمال والجلال لله، فهي جوامع صفات العظمة لله، هناك: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] صفة من صفات الله، وهي صفة الخلق، ولكن هنا جوامع الصفات: (رب) و (ملك) و (إله) .
المستعاذ منه من هو؟ ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:٤] إذاً: في السورة الأولى اكتفى المستعاذ به بصفة واحدة، يستعاذ بها من جميع شرور ما خلق، وانفلقت عنه الكائنات، وفي السورة الثانية ثلاث صفات تجمع ويستعاذ بها كلها من شر واحد ألا وهو الوسواس الخناس، فماذا نستفيد من هذا؟ نستفيد من هذا -والله تعالى أعلم- بأن الشر كل الشر، والخطر كل الخطر على الإنسان المسلم هو ذاك الشر الذي اجتمعت له صفات العظمة، وبالمناسبة كنا نسمع من والدنا الشيخ الأمين في قضية زوجات الرسول ﷺ : ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤] يعني: ما بقي إلا الجن، يجمع الله في مناصرة رسوله أمام امرأتين كل هذا، (الله وجبريل، وملائكته، وصالح المؤمنين) كل ذلك يناصرونه عليكما! ولذلك قال الشاعر: ما استعظم الإله كيدهن إلا لأنهن هن هن فهنا الشيء بالشيء يذكر، ثلاث صفات من صفات الجلال والكمال تجند وتجمع، ويلجأ الإنسان إليها من خطر واحد؛ لأن أخطر ما يكون على الإنسان في حياته وآخرته الشك الوسواس، الخناس! فالإنسان في دنياه لو وقف موقف الشك من أي عمل ما تقدم خطوة، فبالشك يقدم خطوة ويؤخر خطوة؛ لأنه متردد شاك لا ينتقل من مكانه ولا يمضي، فأمور الدنيا يفسدها الشك، والتردد، ويفسدها الوسوسة في الذهن، وأمور الآخرة من باب أولى، والشيطان لا يفسد على الإنسان دينه إلا بالوسوسة، يأتيه ويوسوس إليه ويشككه في أمره إلى حد بعيد.
إذاً: لكأن القرآن الكريم في سياقه يفتتح بالفاتحة ثم البقرة، ثم ما بعدها بكل التشريعات في أصول وفروع ودنيا وأخرى إلى أن يأتي إلى آخر المصحف الشريف ثم يقول: قف! أنت بين أعداء كثيرين من المخلوقات، استعذ برب الفلق من جميع ما خلق، وأمامك العدو الخطير، استعذ بالله وبصفات جلاله وكماله من شره، لأنك إذ لم تلجأ إلى الله فلن تنجو منه ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف:٢٠٠] .
إذاً: تأتي هاتان السورتان وتبين لنا ما يحتاج إليه الإنسان في حياته.
ومرة أخرى ما يسميه علماء الأدب والبلاغة: عود على بدء، أول سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٢-٤] الربوبية والألوهية والملك تجدها في سورة الناس مجتمعة، فكأن القرآن في آخره يردك إلى أوله لتكون كالكار الفار، وهكذا يرتبط آخر القرآن بأوله في تمجيد المولى سبحانه وتقديسه، والله تعالى أعلم.
стр. 785
شرح حديث: (أوتروا قبل أن تصبحوا)
قال ﵀: [وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أوتروا قبل أن تصبحوا) ] .
هذا أمر توجيه (أوتروا قبل أن تصبحوا) وقول: (تصبحون تمسون تظهرون) كما يقولون -فعل الدخول في الوقت، يقال: أصبح فلان دخل في الصباح، أمسى دخل في المساء، أضحى دخل في الضحى، فيقول ﷺ : (أوتروا قبل أن تصبحوا) أي: قبل أن يدخل الصبح عليكم، وتدخلوا في الصباح، ومعنى ذلك: أن الصباح ليس وقت الوتر، أو أن الوتر إلى قبل أن تصبح، وتقدم الكلام عند قوله ﷺ : (ما بين العشاء وصلاة الصبح) .
قال ﵀: [ولـ ابن حبان: (من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له) ] جاء في هذا تقييد، من أدرك الصبح ولم يوتر أو أدركه الصبح ولم يوتر فلا وتر له، أي: لم يبق هناك وقت للمدرك، وإذا خرج وقته ذهب، ولا تستطيع أن تستدركه، ولكن لم يقتصر الأمر في الأحاديث على مثل هذا، وإنما جاءت نصوص أخرى فيما يتعلق بانفتاح وقت الوتر إلى ما بعد الصبح، ويجمع العلماء في هذه المسألة على أن كل هذه الأحاديث التي في التوقيت إنما هي لوقت الفضيلة والأداء، وما كان بعد الصبح على ما سيأتي للمؤلف وغيره فيكون تداركاً لما فات من أدائه، وهل هو قضاء أم أداء؟ بعضهم يعتبر ذلك قضاء، والله تعالى أعلم.
стр. 786
شرح حديث: (من نام عن الوتر أو نسيه)
قال ﵀: [وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا أصبح أو ذكر) رواه الخمسة إلا النسائي] .
انظروا إلى فقه المؤلف أتى بقوله: (أوتروا قبل أن تصبحوا) وقوله: (إذا طلع الفجر فلا وتر) ثم يعقب ذلك بالحديث: (من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا أصبح أو ذكر) إذاً: التوقيت الأول للمستيقظ أفضل، أما إذا كان هناك عذر وفات عنه الوقت المحدد فإنه يصليه إذا مضى وارتفع ذلك العذر، وإذا كان هذا في الفريضة: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فيقولون: أيضاً في النافلة من باب أولى، ولا سيما إذا كان الإنسان مداوماً على عمل من أعمال الفضيلة، فلا ينبغي تركه، وخروج الوقت لا يسقطه، فهناك تدارك له، وقد جاء عن أم المؤمنين ﵂ عائشة أنه ﷺ إذا نام عن صلاة الليل بأن كان متعباً، أو شغل عن ذلك فإنه يصلي من النهار اثنتي عشرة ركعة؛ لماذا يصلي اثنتي عشرة ركعة؟ عوضاً عما كان يقومه بالليل، والله تعالى أعلم.
مسألة: إذا قام أو ذكر إلى متى يكون وقت القضاء؟ فبعضهم يقول: إلى طلوع الشمس؛ لأن جزء ما بين الفجر وطلوع الشمس تابع لليل، وبعضهم يقول: لا، هذا تابع للنهار، بدليل أن الصائم لا يأكل في ذلك الوقت، وهناك من قال: إلى طلوع الشمس ينتهي قضاء الوتر، وهناك من قال: إلى وقت الضحى؛ لأنه وقت نافلة أيضاً، وهناك من مد إلى الزوال، قالوا: لأن أول صلاة بعد الصبح التي هي حد الوتر، الصلاة التي تعقبها وهي الظهر، أما بعد الظهر فلا دخل له بذلك، وهو من بداية اليوم الجديد، والله تعالى أعلم.
стр. 787
شرح حديث: (من خاف ألا يقوم من آخر الليل)
قال ﵀: [وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل) ] .
تقدم حديث أم المؤمنين عائشة ﵂: (من كل الليل أوتر رسول الله) ، وعلى هذا الليل كله يكون للوتر، ولكن إذا أردنا أن نتخير الأفضل، وتساوى عندنا الأمران، له القدرة بأن يستيقظ آخر الليل، ويستطيع صلاة الوتر الآن، فهما متساويان عنده، فإن كانا متساويين فإن الأفضل أن يؤخره، أما إذا كان لديه مظنة الكسل، أو مظنة النوم أو هو مرهق، أو لا يطمع في القيام، وليس عنده عزم أو غير متأكد بأنه سيقوم قبل الفجر، لا، يوتر من أول الليل؛ لأن الوتر أول الليل على اليقين وفيه تدارك للأمر، والأخذ بالأحوط أحوط، وعلى هذا يبين ﷺ أنه: من استطاع، أو من لم يوتر في آخر الليل فليوتر في أوله، ومن أيقن أو غلب على ظنه أنه سيقوم آخر الليل فليوتر في آخره؛ لماذا؟ لأفضلية الوقت، الوتر هو الوتر، ثلاث ركعات أو خمس أو سبع، والقراءة هي القراءة، ولكن الأفضلية جاءت للوقت، وأفضلية الوقت تضاف إلى أفضلية العمل، ويزداد الوتر فضيلة بأفضلية الوقت.
стр. 788
شرح حديث: (إذا طلع الفجر فقد ذهب وقت كل صلاة الليل والوتر)
قال ﵀: [وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إذا طلع الفجر فقد ذهب وقت كل صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر) رواه الترمذي] .
أيها الإخوة! لعله إلى هذا الحد يكون المؤلف ﵀ قد أنهى مباحث الوتر، وسيبدأ في موضوع مستقل وهو الضحى، وقد أورد لنا مشاكل فيه، ولكن يهمنا بأن هناك مباحث أخرى في الوتر لم يتعرض لها المؤلف، وربما يتعرض لها في قيام الليل في رمضان أو التراويح، أو في صلاة الصبح، ألا وهو القنوت في الوتر، والقنوت في الوتر جاءت به النصوص، أو بصفة عامة مجملة، القنوت هو الدعاء في الصلاة، قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] أي: داعين مخبتين خاشعين إلخ.
والقنوت من حيث هو أمر طارئ جديد على الصلاة، لم تكن مشروعيته من قبل، ولكن طرأ وبدأ القنوت في النوازل، قنت ﷺ شهراً يدعو على رعل وذكوان في قصة قتل القراء في بئر معونة، ثم بعد ذلك جاءت أحاديث بأن النبي ﷺ لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، والنوازل لم تكن دائماً، وهنا وقع الخلاف والنزاع والبحث: هل الوتر دائم أم الوتر مؤقت؟ فمن قال: إنه مؤقت، قال: وقت النوازل فقط، حروب زلالزل محن شدائد، يقنت الأئمة في الصلوات، ومنهم من قال: يقنت في الصلوات الخمس، ومنهم من قال: يقتصر على البعض من الصلوات فقط.
ففي حالة النوازل، المشهور القنوت في الصلوات الخمس، وفي غير النوازل الخلاف في القنوت في الفجر أو في الوتر، والأئمة الأربعة ﵏ يقولون بالقنوت في غير النوازل، ولكن منهم من يقنت في صلاة الصبح، ومنهم من يقنت في صلاة الوتر.
ثم بعد هذا التقسيم: منهم من يجعل القنوت قبل الركوع في الركعة الأخيرة بعد ما ينتهي من القراءة يكبر وهو قائم ثم يقنت، ومنهم من يجعل القنوت بعد الرفع من الركوع، ثم منهم من يجهر، ومنهم من يسر.
إذاً: بحث القنوت مستقل من حيث هو في موقعه وسببه وتوقيته.
وعلى كل حال: استقر الأمر عند الأئمة الأربعة ﵏ بأن القنوت طيلة السنة موجود، اللهم إلا بعض العلماء يستثني النصف الأول من رمضان لا يقنت فيه، ويقنت في النصف الأخير كما جاء عن بعض المالكية، ولكن المتبع والمشهور عند الجميع أن القنوت موجود طيلة العام، فهناك من جعله في الوتر كالحنابلة والأحناف، ومنهم من جعله في الصبح كالمالكية والشافعية، ومنهم من يجعله قبل الركوع، ومنهم من يجعله بعده.
ومهما يكن من شيء فإن تلك الصور كونه في الصبح كونه في الوتر كونه قبل الركوع كونه بعد الركوع كل ذلك ورد فيه نصوص، ولا ينبغي للإنسان أن يعترض على آخر إذا رآه أوقع الوتر في أي صفة من تلك الصفات، أما دعاء القنوت فقد جاء عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه الحديث: (اللهم اهدني فيمن هديت.
إلخ) ، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 789
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع [٨]
من أفضل النوافل صلاة الضحى، وقد رغب النبي ﵊ فيها ترغيباً شديداً، وأوصى بها بعض أصحابه، فينبغي معرفة فضلها وأحكامها، ومن ثم المحافظة عليها.
стр. 790
شرح حديث: (كان رسول الله يصلي الضحى أربعاً، ويزيد ما شاء الله)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: قال ﵀: [وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربعاً، ويزيد ما شاء الله) رواه مسلم] .
هذا الحديث الأول من أحاديث عائشة جاء بالنفي أم بالإثبات؟ بالإثبات، وسيعقبه حديث جاء بالنفي، فإذا قدم ابتداء حديث الإثبات فكأنه يشير ابتداء إلى ترجيح الإثبات، فنأخذ هذا الحديث، تقول أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى ... ) و (كان) في الغالب تدل على الدوام والاستمرار، لم تقل: صلى الضحى يوماً، (ويزيد ما شاء الله) يعني: مرة يصلي ثمان ركعات، ومرة عشر ركعات، ومرة اثنتي عشرة ركعة، وقد جاء المؤلف بحديثها في آخر الباب: (من صلى اثنتي عشرة ركعة في الضحى بنى الله له بيتاً في الجنة) وهذا جزء من حديث: (من صلى ركعتين لم يكتب من الغافلين) ، (من صلى أربعاً كتب من التوابين الأوابين) ، (من صلى ثمان ركعات بني له كذا، أو كتب له ثواب كذا) ، (بني له قصر في الجنة) كل هذا تدريج مع الركعتين والأربع والثمان والاثنتي عشرة ركعة.
فحديثها الأول: (أن النبي ﷺ صلى الضحى أربعاً، ويزيد ... ) كأنها تقول: أقل ما صلى أربعاً، في هذا الحديث إثبات صلاته ﷺ بالضحى، قبل أن نأتي بالنفي نأتي بالأحاديث التي تلائم الإثبات، فعن أم هانئ بنت أبي طالب أخت علي رضي الله تعالى عنهما قالت: (دخل النبي ﷺ بيتي يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثمان ركعات في الضحى، ما رأيت أخف منهما، ولكنه يتم الركوع والسجود) فقالوا: هذه ثمان، وعائشة تقول: أربع، وثمان يتفق مع قول عائشة: (ويزيد ما شاء الله) والثمان تزيد عن الأربع، فهذه أحاديث تثبت صلاة الضحى، والذين ينفون الضحى -كما سيأتي عن ابن عمر وغيره- يقولون: صلاة رسول الله عند أم هانئ يوم فتح مكة صلاة الفتح، وليست صلاة الضحى، فأجاب الآخرون وقالوا: كم من فتح فتحه الله على رسوله! وهل جاء في الغزوات ما يسمى صلاة الفتح؟ تشرع سجدة الشكر، الرسول ﷺ لما بعث علياً إلى اليمن، وكتب إليه بأن بني فلان أسلموا كلهم عن بكرة أبيهم، فلما قرأ النبي ﷺ الكتاب سجد شكراً لله، وهذا من نصوص أحاديث سجود الشكر، الذين أسلموا في اليمن، والخبر جاء إلى المدينة، فسجد شكراً لله، سعد بن أبي وقاص ﵁ لما فتح المدائن، ودخل إيوان كسرى صلى فيه ركعتين شكراً لله، مع أنه فتحت خيبر، وفتحت مدائن أخرى ولم يكن هناك صلاة، والصحابة رضوان الله تعالى عليهم كم من غزوة غزوها ولم يفعلوا ذلك، وجاء هناك في سنن الرواتب المطلقة سنة الفتح.
إذاً: يكون حديث أم هانئ تبعاً لحديث عائشة الأول، فـ عائشة تقول: (أربع ويزيد ما شاء) ، وأم هانئ بينت أنها ثمان ركعات، وجاء في حديث آخر من أحاديث إثبات صلاة الضحى: (كل سلامى من الناس كل يوم يصبح عليه صدقة) ، والسلامى: المفصل في جسم الإنسان، وفي بعض الأحاديث: (في جسم كل إنسان ستون وثلاثمائة سلامى) لا تقل: لماذا لا تقل: ثلاثمائة وستون مثل ما يقول الناس؟ العدد في اللغة العربية يقرأ من اليمين، أنت تقرأ: (ألم) من اليسار أم من اليمين؟ الكتابة العربية تقرأ من اليمين، فكذلك العدد في اللغة العربية ينطق من الآحاد فالعشرات فالمئات خمس وعشرون ومائة، بخلاف اللغة الإنجليزية أو الأعجمية فإنها تقرأ من اليسار، عندما نقول: سنة ألف وأربعمائة وأربع عشرة هذا غلط، ونقرؤه عربياً صحيحاً فصيحاً بأن نقول: سنة ثلاث عشرة وأربعمائة وألف، نقرأ من اليمين آحاد عشرات مئات.
فالحديث يقول: (كل سلامى من الإنسان كل يوم يصبح عليه صدقة، قالوا: ومن منا يستطيع ذلك؟) هل أحد منكم يقدر على هذا ولو تمرة؟ ستون وثلاثمائة تمرة تكون أكثر من صاع أو صاعين، من يستطيع كل يوم أن يتصدق بصاعين؟ صعب.
قالوا: (ومن منا يستطيع ذلك؟ فيقول ﷺ -يأتي لهم بعملة بديلة-: التحميدة صدقة، والتسبيحة صدقة، والاستغفار صدقة، وتعين الرجل على دابته صدقة، وتدله على الطريق صدقة، وأمر بمعروف صدقة) إذاً: صدقات كثيرة، وهذه ليس فيها درهم ولا دينار، وما دامت مجاناً خذ ما تريد، ثم قال:: (ويجزئ عن هذا كله ركعتا الضحى) إذاً: صلاة الضحى أقلها ركعتان، ثم يأتي بعد ذلك أربع ثم ثمان، ويأتي بعد ذلك اثنتا عشرة ركعة، هذه الأحاديث في جانب من يقول بمشروعية صلاة الضحى وسنيتها.
فإذا جئنا إلى الأحاديث التي هي أعلى درجة في الإثبات والصراحة، فعندما يقول أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: (أوصاني خليلي) لماذا لم يقل: أوصاني رسول الله؟ لأن رسول الله مشترك للجميع، لكن (خليلي) ليست لكل إنسان، ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء:١٢٥] فالأنبياء كثر والرسل كثر يقول العلماء: الخلة أخص حالات الحب، وسبق أن قدمنا بأن الاصطلاحات الشرعية منقولة من الحقائق اللغوية، أنت عندما تفعل هكذا في الوضوء يقال: خللت الأصابع، وتخليل الأصابع: هو إدخال الإصبع بين الإصبعين لتتأكد من مرور الماء عليها، وهو مأخوذ من أصل النبات الذي يسمى الخلة، وأعواد الخلال ماذا نفعل بها؟ نخلل بها الأسنان.
انظروا إلى الصورة! ما بين الأسنان أهي فجوات متسعة تدخل فيها الأصبع أم أنها ضيقة؟ بل هي ضيقة، على قدر العود، وكذلك إذا خللت الأصابع هكذا هل هناك فراغ بين الأصابع المخللة؟ لا.
بل هي مزدحمة، قالوا: كذلك الخلة في الحب هي استغراق محبة الخليل خليله، بحيث لم يبق هناك فراغ في القلب لغيره.
إذاً: (أوصاني خليلي) هذه وصية مثلما يقولون: موصى عليها، وصية فيها اعتناء، وصية معنى بها، وسبق أن أشرنا بأن الوصية والوصلة متقاربان في اللفظ والمعنى، تقول: وصلت فلان بكذا يعني: أعطيته، وصيت لفلان بكذا، يعني: وصيت له من بعدك بوصية يأخذها، إذاً: فيها إيصال الخير، والشخص لا يوصي إلا لمن يحب، ولا يوصي لعدو، ولا لشيء مكروه، ولهذا أشرنا سابقاً في قول النبي ﷺ لـ معاذ: (يا معاذ! والله إني لأحبك، وأريد أن أوصيك) قدم المحبة ليعلم معاذاً أن مصدر هذه الوصية الحب، قال: (والذي نفسي بيده يا رسول الله إني لأحبك أوصني، قال: لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) اللهم أعنا جميعاً؛ لأنه كما قيل: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول عن معصية، ولا قوة: على طاعة إلا بالله.
فقوله: (أوصاني خليلي) ، فإذا كانت الوصية من خليل كريم يكون محلها وموضوعها عظيماً، والواجب على الموصى إليه أن يعتني بها، ولهذا قال أبو هريرة: (فلا أدعهن حتى أموت: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام، وركعتي الضحى) فإذا نظرنا إلى المقارنة: (صيام ثلاثة أيام من كل شهر) فإنها تساوي صيام الدهر.
إذاً: صلاة الضحى بدلالة الاقتران تساوي ما ذكر معها، أقل ما يمكن أن يقال في ذلك، ثم لنأت إلى ما يذكره صاحب الترغيب والترهيب، وأرجو من كل طالب علم أن يرجع إليه في تلك النصوص، جاء فيه: (يا ابن آدم! اكفني أول النهار بركعتين أكفك آخره) ، وجاء أيضاً: أن الرسول ﷺ بعث بعثاً، فرجع قريباً، وغنم كثيراً، فقالوا: ما أسرع هذا البعث! وما أكثر غنيمته! فقال ﷺ : (ألا أدلكم على أقرب من ذلك عودة، وأكثر من ذلك غنيمة؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: يسبغ أحدكم الوضوء، فيعمد إلى المسجد فيصلي ركعتي الضحى) يعني: يكون أكثر غنيمة من الذين ذهبوا فغزوا وغنموا بسرعة، ورجعوا بالغنائم! غريب.
ومن المجرب -يا إخوان- عند كثير من الناس، وما نسمعه من الآخرين، أن من تعود ركعتي الضحى إذا صلى ركعتي الضحى يظل طوال نهاره مستبشراً مطمئن النفس، قرير العين، قل أن يرد عليه ما يكدر خاطره، ويكفي أنه لم يكتب من الغافلين، وكتب من الأوابين، وغفر له ذنبه، وبني له بيت في الجنة، مع اختلاف عدد الركعات، وليس هناك إلزام بالعدد.
فإذا انتهينا من الجانب الثاني وهو الحديث الآخر لـ عائشة رضي الله تعالى عنها ننتقل إلى أوقاتها وما جاء في عدد ركعاتها، والله المستعان.
стр. 791
شرح حديث: (ما رأيت رسول الله يصلي قط سبحة الضحى)
قال ﵀: [وله عنها ﵂ أنها سئلت: (هل كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه) .
وله عنها ﵂ (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه يصلي قطُّ سبحة الضحى، وإني لأسبحها) ] .
هذا يا إخوان هو موقف العلماء، ومن شرح الله صدورهم، وأنار بصائرهم عندما يواجهون مثل هذه الأحاديث، الحديث الأول صحيح لا شك فيه، والحديث الثاني أيضاً صحيح انفرد به مسلم، وفي البخاري أيضاً تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما صلى رسول الله ﷺ صلاة الضحى إلا إذا قدم من مغيبه) ، يعني: إذا جاء من سفر، هل يوجد تعارض أم ليس هناك تعارض؟ هناك تقول: (كان يصلي أربعاً) ، وهنا: (ما كان يصلي) ، فالنفي منصب على الصورة في غير المنصوص عليها وهي: قدومه من مغيبه.
إذاً: عند قدومه من مغيبه يتفق مع الحديث الأول في إثبات الصلاة، وإذا لم يكن قادماً من مغيبه يختلف مع الأول، ولقائل أن يقول: القادم من مغيبه السنة في حقه أمران: ألا يطرق أهله ليلاً، وأن يسبق إعلامهم بقدومه، فإن لم يتمكن بدأ بالمسجد وأرسل من يعلمهم، وإذا بدأ بالمسجد سيصلي أم سيترك الصلاة؟ سيصلي، فهذا يذكره العلماء من آداب السفر، وبين ﷺ السبب فقال: (حتى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة ... ) حفاظاً على كيان الأسرة، وإبعاداً عن مظان السوء، إذا كان الإنسان غائباً عن زوجته فإنها لا تقدّر زوجاً عندها، فلم تتهيأ لاستقباله، وغالباً تكون في ثيابها الرثة، فإذا فاجأها على تلك الحالة ربما رأى ما لا يريد، فانطبعت تلك الصورة في ذهنه، فيحصل هناك تخلخل في الروابط الزوجية؛ لأن الزوجة كما قالت المرأة البدوية لابنتها: لا يرى منك إلا كل مليح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح -وتنصحها بعشر نصائح معروفة- وتعهدي وقت نومه، ووقت سروره، ووقت كذا وكذا إلخ.
فإذا فاجأ المرأة وهي في تلك الحالة ربما لا يعجبه هذا المنظر، وقد تلصق الصورة في الذهن، وربما تقول: الزوج غائب فرصة أذهب أزور أمي، فرصة أزور خالتي جارتي، احتاجت إلى حاجة وزوجها غائب بدلاً من أن تتثاقل إلى إنسان تذهب هي بنفسها لتقضي حاجتها، فيصادف مجيء الزوج وهي غائبة، ويأتي الشيطان يوسوس: انظر من يوم ما ذهبت وهي ما تجلس في البيت، من يوم ما ذهبت وهي خراجة ولاجة، ويجد مجالاً للإفساد، لكن عندما يخبر بأنه قادم تتهيأ.
وحكيت لنا قصة: كان رجل غائباً، وأرسل للزوجة ميعاد العودة، وكانوا كما تعرفون يسافرون على الإبل، فقبل أن يقدم بيومين رأى فيما يرى النائم أن كبشين ينتطحان على فرج امرأته، فاشمأز جداً، ولذا كما يقولون: تفسير المنام إلهام، لأنها موحية، ففزع وذهب إلى طالب علم يسأله فضحك، قال: لماذا تضحك؟ هل الناس يقتتلون عليها؟! قال: لا، قال: إنها علمت بمقدمك فاستعملت المقص فجرحها، إنها تتهيأ! ويحكى أن رجلاً كان غائباً، فقدم وقال: الوقت ليل، وما عندي من أخبرهم، والمسجد الآن ما فيه أحد، فذهب وطرق الباب وكان حديث عهد بعرس، وفي البيت أبوه وأمه وزوجه، ترون هذا الليل الطويل من الذي يكون ساهراً يعد النجوم؟ ومن الذي هو نائم ومستريح؟ ومن اليقظان ومن النائم؟ الزوجة ساهرة كما يقولون: ساهرة الليالي، والأب والأم في حال النوم، وما عندهم شيء يشغلهم، فأول من سمع الطرق الزوجة، فحالاً أسرعت، ففتحت لزوجها واستقبلته، وكانت أمه كلما طلع الفجر تذهب توقظها للصلاة، فذهبت في ذلك اليوم فإذا بالرجل في الفراش وهي لم تعلم أن ابنها قد جاء، فذهبت لزوجها وقالت: أدرك زوجة ولدك ومن معها في فراشه.
طبعاً أمور مثل هذه كما يقال: تغلق الذهن، ما كان منه إلا أن فزع إلى السيف، وجاء وحز رأسه، ثم قامت الزوجة، وجاءت وطرقت على أبيه الباب، ثم قالت: قم وار ولدك، ذبح ولده بيده! فقالوا: هذه نتيجة مخالفة السنة، لو كان أهل البيت علموا بمجيئه لفرحوا وهللوا، ولكن لما فاجأهم ولم يعلم البقية إما أن يقع خطأ، وإما أن يقع سوء في العشرة بين الزوجين.
والآن الحجاج والزوار والعمار، والعمال الذين يسافرون ويرجعون يسر الله لهم الاتصالات، وشخص مسافر وشخص راجع، فليحذر الإنسان أن يفاجئ أهله، يقول: اتركني آتيها على غفلة أنظر ماذا تعمل! هذا ليس من المروءة في شيء! بل هي الدناءة في عينها، أنت لا تدري ما هي الظروف، وإذا كنت شاكاً في أهلك فلا يستحقوا أن يكونوا معك، يجب أن تكون الثقة متبادلة، فإذا لم يتيسر له فليأت إلى المسجد، فسيجد الأولاد في المسجد أو الجيران، وقبل أن يصلي تحية المسجد يكلف أحد المارة: أخبر بيت فلان بأنه جاء وهو الآن في المسجد.
فهنا في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما كان يصلي سبحة الضحى إلا إذا قدم من مغيبه) ، كان ﷺ في الغزوات يقدِّم من يأتي بالبشرى، كما في غزوة بدر، أرسل ابن رواحة وعبد الله بن زيد على راحلة رسول الله القصواء ببشرى الفتح والنصر ومجيء الأسارى، وكذلك في فتح مكة إلى غير ذلك.
فإذا قدم قلنا: على الإنسان أن يبدأ بالمسجد، وكان بيت رسول الله ﷺ في المسجد، فإذا بدأ بالمسجد بطبيعة الحال علم أهل بيته، وإن كانوا سمعوا بالبشرى من أول، إذاً: مقدمه من مغيبه هل هذا كان لصلاة الضحى أم كان لدخول المسجد ليبدأ به؟ ابن عمر رضي الله تعالى عنه -كما في رواية موطأ مالك برواية محمد بن الحسن - كان إذا أراد سفراً سلم على رسول الله ﷺ وصاحبيه قبل أن يسافر، وإذا رجع من سفر بدأ بالسلام على رسول الله ﷺ وعلى صاحبيه، وإذا أراد أن يسلم، سيدخل على طول يسلم أم تحية المسجد أولاً؟ معروف في السنة بأن تحية المسجد تصلى أولاً.
فإذاً: إلى هنا حديث عائشة وسط بين الحديث الأول وحديثها الثالث، فهي سئلت: هل كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: لا، ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي الضحى قط، يبقى هذا نفي صريح، والأول إثبات صريح، والوسط: (إلا إذا قدم من مغيبه) ، ولكنها مع النفي تقول: (وإني لأسبحها) لم يصلها وأنت تصليها على أساس ماذا؟ أنت ما رأيتيه يصليها وتقولي: (وأنا أسبحها) لا تخالفيه! لا، هنا موقف العلماء: الجمع، هل هناك جمع بين النفي والإثبات أم ترجيح؟ وكما يقول العلماء: إذا تعارض الحديثان فلا طريق إلا الجمع بين الحديثين ما أمكن، أو ترجيح أحدهما على الآخر، فبعضهم سلك طريق الجمع، وقالوا: ما صلى سبحة الضحى قط، وأنا أستحبها، (ما صلى) بمعنى: ما داوم عليها في المسجد كما تفعلون اليوم في ذلك الوقت، وفي بعض الروايات -ويسوقها بكاملها صاحب طرح التثريب- تقول أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (ما صلى، وكان يترك الشيء الذي يحب أن يفعله مخافة أن يكتب على الناس، وكان يطلب التخفيف وإني لأسبحها) ، يعني تقول: ما كان يصلي وهو يحب صلاتها، ويترك ذلك مخافة أن تفرض لدوامه عليها، وأنت تصليها لماذا؟ قالوا: اتخذت طريق الجمع، تقول: ما رأيت، ولكن علمت بأنه يريد أن يصلي، فتخبر عن علمها بعدم رؤيتها، وتخبر عن رغبته بما سمعت من غيرها، هذا نوع من أنواع الجمع! وجمع آخر، قالوا: إن قولها: (ما صلى أبداً) -كما أشار ابن العربي وغيره- أي: ظاهراً وكان يخفيها، وبعضهم يقول: هي امرأة من تسع نسوة أمهات المؤمنين، وقد يكون وقت صلاة الضحى للنبي ﷺ ليس عند زوجاته، ويكون في المسجد، فإذا جاء من يثبت صلاته كـ أبي هريرة وغيره وأنس فيكون: (من حفظ حجة على من لم يحفظ) ، ويكون هذا إما طريق الجمع بأنها تنكر حالة صلاتهم التي يداومون عليها وفي المسجد، حتى قال البعض: إنها كانت تغلق عليها الباب وتصلي الضحى، إمعاناً في إخفائها.
وعلى كلٍ: مذهب الجمهور تقديم النصوص الواردة في مشروعية صلاة الضحى، وفي بيان فضلها وأجرها والوارد فيها بالأحاديث الصحيحة سواء كان في (كل يوم تطلع فيه الشمس صدقة) أو في حديث البعث الذين بعثهم رسول الله، أو في حديث: من صلى ركعتين أو صلى أربعاً، أو صلى ثمان، أو حديث: (يا ابن آدم! اكفني ركعتين في أول النهار أكفك آخره) أو في حديث أبي هريرة: (أوصاني خليلي ... ) كل هذه نصوص عند الجمهور تثبت مشروعية صلاة الضحى وتبين فضلها.
стр. 792
شرح حديث: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)
قال ﵀: [وعن زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال) رواه الترمذي.
] في أواخر هذا البحث يأتي المؤلف ﵀ بعد أن أورد ما يشعر بالخلاف، ويشير إلى الترجيح لأول وهلة، ويبين عددها؛ أخذ يبين وقتها.
فقوله: (صلاة الأوابين) ما هي صلاة الأوابين؟ وهناك الحديث الآخر: (صلاة الضحى صلاة الأوابين) ، وروي أن صلاة الأوابين ما بين المغرب والعشاء، ولا تعارض: فتكون هذه صلاة للأوابين في النهار، وهذه صلاة للأوابين في الليل، فلا تعارض في ذلك، ولكن فيما يتعلق بالضحى حين ترمض الفصال، الرمضاء: التراب الحار، وذلك عندما تشتد الشمس، وتكون الأرض رملاً، وأهل الإبل يعرفون ذلك بالتوقيت تماماً، والفصال جمع فصيل، وهو الذي انفصل عن أمه وهو صغير لم يبلغ سنة، فإذا كان يمشي وراء أمه وارتفعت الشمس كما يقال: في ربع الدائرة؛ لأن الدائرة تنقسم نصفين: نصف نهار، ونصف ليل، من نقطة طلوع الشمس إلى نقطة غروبها تتوسط الدائرة سطح الأرض الأعلى نهار، وسطحها الأدنى ليل، فالنصف الأعلى نهار يقسم إلى أرباع: الربع الأول وقت الضحى، الربعان مجتمعان يعني: النصف حينما تزول الشمس وقت الظهر، الربع الثاني وقت صلاة العصر، والربع الرابع عندما تغرب الشمس ويأتي وقت المغرب ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء:٧٨] دلوكها أي: زوالها عن كبد السماء.
فعندما تطلع الشمس يكون في أول طلوعها أشعة هادئة باردة لطيفة أو كما يقول الأطباء: مليئة بفيتامين (د) فهو مقو للأطفال المصابين بالكساح نافع للعظام، فإذا ارتفعت الشمس إلى أن تصل إلى ربع الدائرة احترت واشتدت الحرارة، والفصيل لا يستطيع أن يتابع المشي، يربض، فأهل الإبل يحملونه على ظهر أمه وإلا لا يستطيع أن يمشي، انظروا التوقيت سبحان الله العظيم! لم يقل: الساعة الفلانية؛ لأنه لا ساعات في ذلك الوقت، ما كل إنسان يقيس النهار بالساعة، مع أنهم يعرفون الوقت بحركة الظل، وإلى الآن هناك بعض الفلاحين يقيسون الزمن بالظل، وينصبون عوداً، وينظرون إلى ظله، أول ما يكون إلى جهة الغرب، ثم يتحول، وكلما ارتفعت الشمس يقصر الظل، ويتحول إلى الجنوب أو إلى الشمال، ثم تزول الشمس عن كبد السماء إلى جهة الغرب، ويقيسون بالأصابع ويضعون أعواداً، يجلسون يعدون اثنتا عشرة ساعة بالنصف ساعة وبالربع ساعة.
والمزولة كانت موجودة في المسجد هنا في الداخل، وهي الآن موجودة عند غرفة المشايخ، فهي تقيس النهار بظلها.
ولكن لما كان التشريع مبسطاً، ومقدراً للفطرة (أمة أمية) وقت ﷺ بالأمر العملي؛ لأن أهل الحضر وأهل المدن عندهم التوقيت بالساعات يسهل عليهم، لكن أهل البادية وقت لهم بما يعرفونه بطبيعة حياتهم ومخالطة حيواناتهم، فوقت الضحى عندما ترمض، وهنا: متى يبدأ؟ ومتى ينتهي؟ نجد بعض العلماء يقول: يبدأ وقت صلاة الضحى في الوقت الذي تصح فيه صلاة العيد، لكن لما كانت الشمس تأتي من تحت تكوير الأرض حينما تظهر على الحافة كأنها لاصقة في الأرض، فعندما يرتفع قرص الشمس عن حافة الدائرة قدر الرمح في الهواء، هذا وقت ارتفاع الشمس قدر الرمح، إلى متى يمتد؟ قالوا: إلى ما قبل الزوال، وهذا توقيت الفقهاء ﵏، ويكون التوقيت بـ (حين ترمض الفصال) هو وقتها الأفضل لها، إذاً: يكون لوقتها بداية: وهو ارتفاع الشمس قدر الرمح، ونهاية: وهو قبل الزوال، وفضيلة: وهو وسطها عندما ترمض الفصال.
وهناك قد يجد الإنسان بعض التفاصيل بين صلاة الإشراق وصلاة الضحى، فقد جاء عنه ﷺ : (من صلى الفريضة -أي: الصبح- وجلس في مكانه لا يتكلم بشيء من أمور الدنيا حتى أشرقت الشمس، فصلى ركعتين كان كحاج معتمر، ومن صلى ركعتي الضحى كان كمعتمر) إذاً: يوجد صلاة إشراق، وصلاة ضحى! قالوا: اللغة فيها: ضحى وضحىً وضحاء، ممدود ومقصور، وقالوا: ضحوة النهار أوله، والضحى وسطه، والضحاء قريب الزوال، هكذا تقول كتب اللغة، فيكون الإشراق أوائل شروق الشمس، وهو أول ما يمكن أن تصلى فيه الضحى لمن كان جالسا ًبعد الفريضة، وطلعت الشمس، فصلى ركعتين ورجع إلى بيته، يليه بعد ذلك سنة الضحى وهي مستقلة.
وبعض العلماء يقول: سنة الإشراق وسنة الضحى سواء، أو أحدهما تجزئ عن الأخرى، إن صلى الإشراق أجزأته عن الضحى، وإن صلى الضحى أجزأته عن الإشراق، ولكن الإشراق مشروط بأن يصلي الصبح ويبقى في مصلاه، وهذه لها حكمة، لم يقل: في مكانه، لكن: (مصلاه) والمصلى: قد يطلق على اسم المكان الذي هو موضع الصلاة، يعني: صلى في الصف الأول وبقي في مكانه في الصف الأول، ومصلاه يطلق أيضاً لغة على عموم المسجد، كقولهم: هذا مصلى رسول الله ﷺ ، فبعضهم يقول: مصلاه بالمعنى الضيق المحدد الذي جلس فيه، يعني: لا يقوم ويذهب يدور يميناً ولا يساراً، ولا ينتقل من مكان إلى مكان، وهذا ما يشهد له فعل الصديق رضي الله تعالى عنه، كان يصلي الصبح ويجلس، فإذا ما طرأ له ما يقتضي القيام وضع رداءه، وقال: انتظروا سأعود، فبعض الناس نظر فإذا لا يوجد أحد عنده، فلما رجع قال: تخاطب من بقولك: (انتظروا سأعود) وما عندك أحد؟ قال: عندي، قال: من؟ قال: الملائكة، هم جلساء يسمعون الذكر، وأنا طرأت لي حاجة تجديد الوضوء حتى لا ينصرفون عني ويحسبون أني ذهبت، فأعلمهم أني راجع إن كان لهم رغبة بالبقاء بقوا.
فمعنى في مصلاه أي: المكان الذي صلى فيه، وهذا يدل على الالتزام والمداومة، أما لو كان يطلق المصلى على عموم المسجد فإنه يستطيع أن يذهب هنا أو هنا كأنه ليس عنده ثبات أو استقرار، وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ .
стр. 793
شرح حديث: (من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً ... )
[وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة) رواه الترمذي واستغربه] .
سبحان الله! ما أعظم الجنة، وما أعظم نعيمها! قصر في الجنة باثنتي عشرة ركعة، قد يقول إنسان: الجنة رخيصة أم الاثنتا عشرة ركعة غالية، ماذا تقولون؟ الجنة والله ليست رخيصة! (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) إذاً: الجنة ليست رخيصة، عرفنا قيمتها، والسوط الذي هو نصف متر حتى لو كان مربعاً خير من الدنيا وما فيها من قصور ومن فلل ومن ومن إلخ.
إذاً: الثمن يعادل المثمن، ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة:١١١] ، هذا ثمن غالٍ جداً النفس والمال ثمن للجنة، ولكن أيضاً المنعم بالنفس وبالمال هو الذي اشتراها، يعطيك ويشتري منك.
إذاً: المسألة إكرامية من الله بأن يعطيه الجنة، إذاً: هذا يغلي قيمة ركعتي الضحى، ما دام أن المثمن غالٍ إلى هذا الحد يكون الثمن بالتالي مساوياً، وأين المساواة هنا؟ إذا أردنا أن نقرب الموضوع نأخذ الحديث الثاني وإن كان أضعف سنداً: (من صلى ركعتين لم يكتب من الغافلين، من صلى أربعاً كتب من الأوابين، من صلى ثمان غفر له ذنبه، من صلى اثنتي عشرة ركعة بني له قصر في الجنة) إذاً: هذا الذي سيداوم على اثنتي عشرة ركعة في الضحى هل نتوقع منه الغفلة عن ذكر الله؟ لا، إذا كان في غير وقت الصلاة يصلي الضحى هل يترك صلاة من الصلوات الخمس؟ ليس معقولاً أن يحافظ على النوافل ويضيع الفرائض! إذاً: هذا بيان وتقوية وتشجيع وندب للشخص أن يداوم على الصلاة المفروضة، ثم بالتالي يصلي النوافل.
стр. 794
شرح حديث: (صلى الضحى ثماني ركعات في بيت عائشة)
قال ﵀: [وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (دخل رسول الله ﷺ بيتي فصلى الضحى ثماني ركعات) رواه ابن حبان في صحيحه] الحديث الذي مضى عن أم المؤمنين عائشة ﵂: (ما كان يصلي إلا إذا أتى من مغيبه) وهنا تقول: (دخل بيتي وصلى ... ) هل هناك تعارض؟ ليس هناك تعارض، ممكن أن نقول: دخل من مغيبه فصلى، كم صلى؟ ثماني ركعات، أو نضيف هذا إلى الأحاديث التي فيها مشروعية الضحى، ويكون عن أم المؤمنين أربعة أحاديث بدلاً من ثلاثة، ويهمنا أنها أضافت إلى الأربع المتقدمة: (ويزيد ما شاء الله) ، يبقى ثبت عندنا ركعتان، وأربع، وثمان، واثنتا عشرة، وبالله تعالى التوفيق.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، ﷺ ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 795
كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة [١]
إن للصلاة أهمية عظيمة في دين الإسلام، فهي الركن الثاني من أركانه، ولما لها من أهمية فقد حث الشارع على تأديتها بأكمل وجه وأحسن هيئة، وإن أكمل وجه وأحسن هيئة لأداء الصلاة تتمثل في صلاة الجماعة؛ فلذا ترى الترغيب والحث على تأدية الصلاة في جماعة، وترى أيضاً الترهيب والتهديد في ترك الجماعة، حتى إن بعض العلماء قال بشرطية الجماعة للصلاة، فلا تصح الصلاة عنده إلا بجماعة، وبعضهم قال: من ترك الجماعة صحت صلاته منفرداً، ولكنه يأثم بتركه للجماعة وبعضهم قال: هي سنة مؤكدة.
والله تعالى أعلم.
стр. 796
أحكام صلاة الجماعة
стр. 797
أهمية صلاة الجماعة وفضلها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) متفق عليه] .
قدم المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الكتاب المبارك أبواب الصلاة، وما يلزم لمقدماتها من الطهارة واللباس، وبيان الأوقات، والأذان والإقامة، ثم صفة الصلاة من حيث هي، وأتبع ذلك بتوابعها من النوافل الراتبة معها، وأتبع تلك الرواتب التابعة للفرائض بالرواتب المطلقة، كما جاء في الوتر وفي الضحى.
وهنا يأتي إلى باب من أهم أبواب الصلاة، وهو ما يتعلق بأداء الصلوات الخمس في جماعة، والجماعة مشروعة للصلوات الخمس، ولبعض الصلوات الأخرى كالجنازة والاستسقاء والكسوف وقيام الليل في التراويح خاصة في رمضان، وما عدا ذلك تكون فرادى.
فهنا بدأ المؤلف ﵀ بهذا الحديث، وهو نص عند العلماء في فضل صلاة الجماعة، ويريد أن يبين كما بين غيره أن صلاة الجماعة لها فضيلة على صلاة الفذ، والفذ المنفرد.
فالإنسان قد يصلي وحده لعذر، أو لضرورة، كمن هو في سفر وليس عنده أحد، أو لمرض في البيت، إلى غير ذلك.
وكذلك بعض النوافل، خاصة نوافل البيت يصليها وحده.
ولكن الجماعة قد شرعت، فما مدى مشروعية هذه الجماعة للصلوات الخمس؟
стр. 798
تعدد الروايات المعيِّنة لفضل صلاة الجماعة
المؤلف كغيره يسوق هذا الحديث: (فضل صلاة الجماعة) أو (تفضل) ، أو: (تزيد) ، أو (تضاعف) -كل هذه ألفاظ قد وردت بها الروايات- على صلاة الفذ سبعاً وعشرين درجة، وفي رواية: خمساً وعشرين درجة.
وابن عمر رضي الله تعالى عنهما انفرد برواية (سبع وعشرين) ، وأبو هريرة وأنس وغيرهما يروونه بلفظ: (بخمس وعشرين) والجمهور: على صحة حديث ابن عمر: (بسبع وعشرين) ، فقوم يقولون: الزيادة من الثقة مقبولة، والسبع والعشرون تتضمن الخمس والعشرين وزيادة، والبعض الآخر يقول: هذه زيادة من ثقة خالف فيها الثقات، فتعتبر في عرف علماء الحديث من الروايات التي تسمى شاذة، وهو ما خالف الثقة به الثقات.
والخمس والعشرون متفق عليها، وهي ضمن السبع والعشرين.
أما فقه الحديث ففي قوله: (صلاة الجماعة) والجماعة تصح باثنين إمام ومأموم، حتى قال الإمام أبو حنيفة ﵀: إن الجمعة تصح بثلاثة أشخاص؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] ، فالنداء لا بد له من منادٍ، وذكر الله الذي نسعى إليه لابد له من شخص يذكر الله، وهو الإمام، والساعي إلى ذكر الله هو المأموم، فتم العدد: بمنادٍ للصلاة، وإمام يؤم، ومأموم يأتم.
فقالوا: تنعقد الجماعة في الصلوات الخمس بإمام ومأموم ولكنهم يختلفون في حقيقة المأموم، فإذا كان المأموم صبياً ليس ببالغ، وهو مميز يدرك معنى الصلاة، وقد أُمر بواسطة وليه بقوله ﵊: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر) فهل تصح هذه الجماعة وتنعقد؟ وكذلك إذا كان المأموم امرأة، والمرأة لا تجب عليها الجماعة، ولكن إذا حضرتها صحت منها، وقالوا في المملوك والمرأة والمسافر: ليست عليهم جمعة.
وهو قول الجمهور، فإذا حضرها أحدهم اعتبرت منه وصحت.
هل يكمَّل به العدد عند من يقول بعدد معين أم لا؟
стр. 799
فضل صلاة الجماعة وصحة صلاة المنفرد
يقول ابن دقيق العيد: هذا الحديث ابتداءً يدل على عدم فرضية الجماعة، وذلك أن (أفعل) التفضيل تقتضي المشاركة في شيء وزيادة أحد المشتركين في هذا الأصل الذي يجتمعان فيه، وقال: إن الحديث فيه إثبات الفضل للفذ والأفضلية للجماعة، فلو لم تكن صلاة الفذ صحيحة لما كان لها فضل؛ لأن الباطل لا فضل فيه، وإذا لم يكن فيها فضل فلا تصح المفاضلة بينها وبين غيرها؛ لأن ما لا فضل فيه لا يقارن بغيره.
فهذا الحديث يثبت أن صلاة الفذ لها فضيلة، وبالتالي تصح، وصلاة الجماعة لها فضيلة، ولكن صلاة الجماعة تزيد فضيلتها عن صلاة الفذ، ثم ناقش في الأفضلية مباحث أخرى طويلة.
وبقي عندنا ألفاظ الحديث المختلفة: (سبع وعشرين درجة) ، (بخمس وعشرين جزءاً) ، (بخمس وعشرين ضعفاً) .
أما الضعف فلا يتعارض مع الدرجة ولا الجزء؛ لأن ضعف الشيء ما يساويه ويتكرر ضعفين، أو ثلاثة أضعاف، أو أضعافاً كثيرة.
وبقي التفريق بين الدرجة والجزاء، قالوا: الدرجة أعلى من الجزء وقالوا: الدرجة في الجهرية والجزء في السرية.
وقالوا في (سبعٌ وعشرون) و (خمس وعشرون) : سبع وعشرون في الليلية، وخمس وعشرون في النهارية، ويزيد الفضل في كثرة الجماعة، وفي أفضلية المكان، وغير ذلك.
فإن فضل الجماعة يختلف، فكلما كثر العدد زاد الفضل؛ لأن كل مصلٍ يدعو ويُشرك غيره في دعائه، وذلك بقوله: اللهم اغفر لنا، اللهم ارحمنا، اللهم عافنا، وكذلك الإمام يدعو للجميع، فكلما كثر العدد زاد الفضل، وقالوا: المسجد القديم، والمسجد الذي فيه إمام راتب من ولي الأمر يزيد الفضل فيه عن غيره.
وقال العلماء: هذا الحديث -حديث ابن عمر - لا يستدل به على وجوب الجماعة، ولكن يستدل به على فضيلتها، والأفضلية لا تقتضي الوجوب، فما هي الفضيلة؟ إنها تفضل صلاة الفذ سبعاً وعشرين أو خمساً وعشرين درجة، أو جزءاً، أو ضعفاً.
فلا ينبغي للإنسان أن يحرم نفسه من هذا الفضل بأن يقصر في تحصيله، وحكم صلاة الجماعة سيأتي الحديث عنه في الحديث الذي يلي هذا.
فنأخذ من هذا الحديث أفضلية صلاة الجماعة، ونأخذ بما قاله ابن دقيق العيد، ففيه تنبيه وإيماء إلى صحة صلاة المنفرد، مع أنها تنقص عن فضيلة الجماعة، وهذا حدنا في هذا الحديث، وتتمة الكلام عن صلاة الجماعة إنما هي مستوفاة عند الحديث الآتي إن شاء الله.
قال: [ولهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (بخمسة وعشرين جزءاً) ، وكذلك للبخاري عن أبي سعيد وقال: (درجة) ] .
أبو هريرة وأبو سعيد الوارد عنهما في الصحيحين: (بخمس) ، (جزءاً) ، و (درجة) ، كل ذلك لا بأس به، لكن يهمنا أن المؤلف يسوق في رواية أبي هريرة وأبي سعيد الخدري (بخمس) ، ولذا قالوا: لم يرو السبع والعشرين إلا ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، إلا أن الاختلاف في خمس وسبع أمر يُتجاوز فيه، ولا يتعارض في الفضيلة.
стр. 800
التهديد في ترك صلاة الجماعة
قال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً، فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سميناً، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء) متفق عليه، واللفظ للبخاري] .
стр. 801
اختلاف العلماء في حكم صلاة الجماعة
هذا الحديث -حديث أبي هريرة - اختلف فيه العلماء، فمنهم من قال بوجوب الجماعة، ومنهم من قال بعدم وجوبها.
ثم اختلف القائلون بوجوبها، فمنهم من قال: هي شرط في صحة الصلاة، بحيث لو صلى منفرداً بطلت صلاته ومنهم من قال: هي واجبة، ولكن ليست شرطاً في الصحة، بل هي واجبة بذاتها.
بمعنى أنه: لو صلى منفرداً يكون قد ترك واجباً آخر وهو الجماعة، فتكون الصلاة صحيحة مسقطة للفرض، وهو آثم بترك واجب.
فمن العلماء من يقول: هي واجبة وجوباً عينياً ومنهم من يقول: هي واجبة وجوباً كفائياً ومنهم من يقول: ليست بواجبة، ولكنها سنة.
والذين قالوا: هي واجبة وجوباً عينياً انقسموا إلى قسمين: قسم قال: واجبة وجوباً عينياً وهي شرط في الصحة، فلو صلى بغير الجماعة بدون عذر، فصلاته باطلة؛ لفقدانها شرطاً من شروط الصلاة.
والقسم الثاني يقولون: هي واجبة بذاتها، فإن صلاها منفرداً صحت، ولكنه ترك واجباً فهو آثم بتركه.
والجمهور على أنها سنة.
والحديث لـ أبي هريرة رضي الله تعالى عنه يقول فيه: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده لقد هممت) .
وغير المؤلف يذكر مقدمة للحديث، منهم صاحب عمدة الأحكام في المتفق عليه بين الشيخين، وتلك المقدمة التي تركها المؤلف ينبني عليها معرفة الحكم، أو لها دخل في تحقيق المسألة، وذلك أن أول الحديث فيه: قال ﷺ : (إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بالصلاة فينادى لها، ثم آمر برجل يصلي بالناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم) ، أو (إلى رجال لا يشهدون الصلاة) ، أو (إلى رجال يتخلفون عن الجماعة بلا عذر) ، وبعض الروايات: (لولا ما في البيوت من النساء والصبيان) .
فيقول بعض العلماء: أصل السياق في المنافقين (أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر) .
ويقول ابن دقيق العيد ﵀: خصت العشاء والفجر لأحد أمرين: إما لأنهما في الظلام والمنافق إنما يرائي الناس في الصلاة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء:١٤٢] ، فالعشاء والصبح تكونان في ظلام لا يرى أحد أحداً، فما دام لا أحد يراه فلن يذهب للصلاة، لكن الظهر تؤدى في النهار، وكذلك في العصر والمغرب الناس موجودون، فسيرائي في صلاته.
والأمر الآخر أنه إذا كان الوقت صيفاً، وجاءت صلاة العشاء كان ذلك بداية برودة الجو بعد عناء في نهار الصيف؛ فيكون أدعى إلى الراحة والخلود، وفي الفجر يقصر وقت الليل، ثم مع قصر الليل يكون ليل الصيف في آخره أبرد، فهو أدعى إلى الخلود والراحة في الفجر.
وإذا كان الشتاء فإن وقت العشاء مع قصر النهار وظلمة الليل وشدة البرد يخلّد إلى السكون، ومع طول الليل يشتد البرد، وهذه دواعي الجلوس والترك، ومن هنا كان الوعيد على الفجر والعشاء أشد؛ لأنهما يكتنفان بعوامل القعود والترك، ولذا جاء التحريض على هاتين الصلاتين بقوله ﷺ : (من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله) .
وإن كان النص قد جاء في صلاة العصر: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسطى﴾ [البقرة:٢٣٨] .
وفي رواية الموطأ أن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عندما طلبت من الكاتب أن يكتب لها مصحفاً قالت: إذا وصلت إلى هذه الآية فآذني فآذنها فأملت عليه: (والصلاة الوسطى صلاة العصر) .
فهذه يعتبرها علماء التفسير من الروايات المفسرة للمعنى، وليست زيادة في القرآن، ولهذا لا تكتب عندهم في صلب المصحف، وإنما على الهامش على أنها مفسِّرة لماهية الصلاة الوسطى؛ لأننا وجدنا خمسة أقوال في الصلاة الوسطى، منهم من يقول: هي الصبح لأهميتها وثقلها ومنهم من يقول: هي العشاء لأهميتها وثقلها ومنهم من يقول: هي المغرب لأنها وتر النهار ومنهم من يقول: هي العصر، كما جاء في الرواية.
ومنهم من يقول: هي الظهر لأنها وقت القيلولة فالأقوال متعددة.
стр. 802
معنى هم النبي ﷺ بتحريق بيوت المتخلفين عن الجماعة
فمقدمة الحديث قوله: (أثقل الصلاة على المنافقين الصبح والعشاء) ، وهذا السياق وهذا الوعيد قالوا فيه: لقد توعد وهمَّ، فقال: (والذي نفسي بيده لقد هممت) ، والهمَّ -كما يقال-: العزم المؤكِّد، والهمُّ قد يكون حديث النفس؛ لقوله ﷺ : (فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة) ، فهنا الهم العزم والرغبة، لكن هذا الهم بالحسنة أو بالسيئة والرجوع عنها ليس بالعزم القاطع، بخلاف ما جاء في الهم القاطع الذي لا يمنعه عنه إلا ما هو فوق قدرته.
يقول ﷺ : (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه) أي: عنده هم وعزم مؤكد.
وهنا يتكلم المفسرون ﵏ في قصة يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مع امرأة العزيز، حيث قال تعالى عنه: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] فقالوا: همها هي من النوع المؤكد القاضي، ولذا لم يمنعها من تنفيذ ما أرادت إلا أن: ﴿أَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف:٢٥] ، ولحقته وشقت قميصه، وهمّه هو بها ليس من هذا، وإنما من خطرات النفس؛ لأنه رجل مكتمل الرجولة، وليس عنيناً أو لا إرب له، وإلا لما كان له فضل في ذلك، فنوازع النفس الفطرية خطرت في باله، لكنه راجع نفسه، أو لم يقدم، أو لم يعزم، أو لم يصل الفكر النفسي معه إلى ما وصلت إليه هي؛ لأنه رأى برهان ربه.
وإذا كان الأمر كذلك فالهم همان: همٌ هو عزم قاطع، وهمٌ هو خطرة على بال، كالواحد يكون في رمضان وفي شدة الحر يرى الماء البارد أمامه، فإن العين تنظر، والخواطر تخطر، لكن مهما خطر على البال، فإنه يضع يده في الماء البارد، ويتمنى لو جاء المغرب، ولكن يعلم بأن هناك مانعاً، فهو يعلم بأن الله هو المطلع عليه، فيرى برهان ربه، فلا يتناول ذلك الماء.
وعلى هذا فقوله: (لقد هممت) ، من أي أنواع الهم؟ أهو خطرة البال أم العزم المصمِّم؟ إنه العزم المصمِّم؛ لأنه لم يقتصر على هم النفس، إذ كانت هذه خطة مرسومة، ولذا قال: (يُنادى للصلاة) وقال: (آمر رجلاً فيؤم الناس) ، وقال: (أخالف برجال معي بحزم من حطب فأحرق) ، فهذا هم مؤكد وعزم، لكنه رأى موانع ذلك فقال: (لولا ما في البيوت من النساء) ، وهؤلاء لا ذنب عليهم؛ لأنهم لا جماعة عليهم.
فالهم مصمِّم مؤكد، ولكن هناك موانع منعت من فعله.
стр. 803
تحقيق الخلاف في حكم صلاة الجماعة
الذين قالوا: الصلاة فرض عين، قالوا: وهل يهم رسول الله ﷺ بتحريق أناس على ترك سنة؟ إذ لا يجوز هذا.
ويقول الآخرون: نعم هم ولكن لم يحرق.
وهو مثل قوله: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) ، وما أمرهم، فالسواك سنة.
وقوله: (إنه لوقتها، لولا أن أشق على أمتي) فما كلفهم به.
فالقائلون بأنها واجبة على الأعيان قالوا: هم رسول الله بأن يحرق أقواماً، وهذا تعذيب شديد، ولا يتأتى أن يهم بفعل هذا على أمر مسنون.
ومنهم من يقول: هي فرض كفائي، والفرض الكفائي لو قام به البعض سقط عن الباقين.
ويقول المالكية: لو أن أهل قرية تركوا الأذان لقاتلهم الإمام عليه، ولو أن قوماً تركوا الجماعة في المساجد لقاتلهم الإمام عليها، فإذا قام به بعضهم كأن يكون شخص يؤذن في القرية كلها سقط عن الجميع.
فقالوا: إذا قالوا: هي فرض كفائي فالفرض الكفائي حاصل برسول الله ﷺ ومن يصلي معه، ولا يتوقف على المتخلفين في بيوتهم! فالقول بأنها فرض كفائي لا دليل له.
وكونكم تقولون سنة فالرسول ﷺ لا يحرق بالنار على ترك سنة.
فهؤلاء يستدلون بنفس الحديث على أنها فرض عيني لهمه ﷺ الصادق بأن يوقع هذه العقوبة الشديدة، ويتبعون البحث بالتأديب بالمال، حيث يحرق البيوت وما فيها.
ففي غزوة تبوك النبي ﷺ بلغه أن رجلاً اسمه سويلم من المنافقين، له بيت في قباء كان يجمع الناس هناك، ويبث الدعاية للتثبيط عن الخروج مع رسول الله ﷺ إلى تبوك، فعلم بذلك رسول الله ﷺ ، فأرسل إليه ثلاثة أن: أحرقوا عليهم الدار فذهب الثلاثة ومنهم رجل من جيران هذا الرجل، فدخل بيته وأخرج شعلة من النار ودخل بها إلى البيت وأشعل فيه النار، حتى إن بعضهم فر وسقط من فوق السطح وانكسرت رجله.
فيمكن أن توقع العقوبة بقدر الخطر الذي يرتكب، وأيضاً لا مانع من جمع العقوبة المالية مع البدنية.
ولذلك قال الذين قالوا: هي سنة: السياق في المنافقين، فيكون تحريق البيوت على نفاقهم، لا على تركهم الجماعة.
وأجاب الآخرون وقالوا: لا، فما كان رسول الله ﷺ يهتم بأمر المنافقين؛ لأنه أمر فرغ منه.
ولذا قال له عمرو -في بعض المواقف: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فيقول ﷺ : (دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) .
فقالوا: لا يقتلهم على النفاق لأنه عرف أمرهم، ولم يعاتبهم ولم يعاقبهم عليه، بل ترك أمرهم إلى الله.
لكن يقال من جانب آخر: هم التزموا بالإسلام ظاهراً، وبه عصموا دماءهم وأموالهم، واستحقوا المواريث من المسلمين ومصاهرتهم، واستحقوا السهم في الغنيمة إذا قاتلوا معهم، فيلزمون بحق الإسلام، فإذا حرق عليهم البيوت فليس على النفاق، ولكن على ظواهر أعمال الإسلام.
وقال الذين قالوا هي سنة: كيف يذهب ﷺ ومعه غلمان --وقيل: هم عشرون- ويترك الجماعة لرجل يصلي بالناس؟ فبما أن الجماعة فرض عين فكيف يجوز لهؤلاء ترك الجماعة؟! فلماذا لا يصلون أولاً، ثم بعد أن يصلوا يذهبون لإحراق البيوت على أولئك الناس؟ فقال أولئك الآخرون: وما الذي يمنع؟ فوقت الصلاة موسَّع، فهؤلاء يصلون بالناس المجتمعين، وهؤلاء يذهبون لتنفيذ مهمتهم، وبعد أن ينتهوا يصلون جماعة، وهم جماعة بأنفسهم، ولا مانع من صلاة الجماعة مرة ثانية لتنفيذ المهمة.
فكل فريق يحتج بجانب، ويجيب عليه الفريق الآخر بجانب آخر.
ثم قالوا: أرأيتم أهل الأعذار! هل الجماعة في حقهم فرض عين؟ قالوا: لا، لأن العذر يسقطها، وما كل عذر يسقط الجماعة، فالرجل الأعمى الذي جاء إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله! أنا بعيد الدار، وأخشى الهوام، وليس لي قائد فائذن لي أن أصلي في بيتي فأذن له، فلما ولى دعاه وقال: (هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب) .
قالوا: ما هي الأعذار بعد هذا؟! أعمى لا يجد من يقوده في ظلام الليل! قالوا: هذا رجل يعرف الطريق متردد عليه لا يحتاج إلى قائد، بدليل أنه كان يأتي إلى المسجد قبل ذلك، وبعض العميان قد يدل على الطريق، ولذا يقول الشاعر: أعمى يقود بصيراً لا أبا لكم قد ضل من كانت العميان تهديه فقالوا هذا الأعمى لا دليل فيه، ثم لما رخّص له ابتداءً عرفنا أنها ليست بواجبة، ولما أمره بعد الرخصة كان الأمر للندب، وليس للوجوب وأما قوله: (والذي نفسي بيده) فهو قَسَم كان يقسم به ﷺ عند الاهتمام بالأمر، وعرفنا أن للحديث مقدمة، ولها دخل في معنى الحديث، والذين قالوا إنها سنة، قالوا: سيق الحديث في أمر المنافقين، ولأن نهاية الحديث: (لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً أو مرماتين) والمرماة: اللحم اللين الرقيق بين الضلعين، فالغشاء الذي يربط بين الضلوع يسمى (مرماة) ، فكما تقول: يُرمم البنيان.
والعرق: وصلة اللحم التي بين ظلفي الشاة، يعني: لو كان يعلم أنه يجد شيئاً ضئيلاً لخرج إليه.
فهل من صفات المؤمن أنه يفضل مرماة على صلاة الجماعة، أم أن ذلك من صفات المنافق؟! إن المؤمن لا يعادل بالجماعة شيئاً، حتى كنوز الدنيا، ولا يفاضل بين الجماعة ومرماة اللحم إلا منافق.
فالحديث سيق في أي شيء؟ قالوا: الحديث سيق في الوعيد والتهديد، وللحاكم أن يهدد بما لا يفعل.
وقالوا: القاعدة أنه إذا وُجِد خطر لا تأتي بأقوى أنواع رده، بل تتدرج، فلو صال عليك صائل من حيوان أو إنسان، وأتى من بعيد يهدد ويسخط ويسب ومعه العصا، أتأخذ بندقية وترميه، وتقول أدافع عن نفسي؟ فعندما يأتيك إنسان معه عصا أو سوط يقود بها دابة لا تقابله بعصا غليظة تقتل وتهشم العظم، وتقول أدافع عن نفسي، بل تدفعه عنك بالتدرج، فتعده وتتوعده، وتهدده بيدك، أو بعصاً مثل عصاه.
فالتدرج في الوعيد مطلوب، وللإمام أن يهدد بما لم يفعل زجراً وتخويفاً، كما يقال: (علِّق سوطك حيث يراه أهلك) .
وهنا الرسول ﷺ حين أعلن هذا الوعيد الشديد فإن إعلانه سيصل إلى أولئك في بيوتهم.
قالوا: لقد انزجروا بالوعيد أو قال ذلك ولم يفعل لينتظر أثر الوعيد والتهديد بالقول، فأثمر فانتهوا وتركوا، فلم تكن هناك حاجة للتحريق بعد هذا.
ثم حديث التحريق وحديث المفاضلة أيهما أسبق؟ لقد ادعى من قال: إن الجماعة سنة أنه كان الأمر الأسبق بالوجوب، ثم نسخ بالمفاضلة (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) ، وانتهى أمر التحريق.
وبعد هذه المقدمة -وهي خلاصة لما يقال في هذا الموضوع- نرجع إلى كلام الأئمة ﵏.
فنجد المالكية والأحناف يرون أنها سنة مؤكدة، ونجد عن أحمد ﵀ ثلاث روايات، يذكرها صاحب الإنصاف، والأولى بطالب العلم أن يقف عليها، فرواية أنها واجبة، أي: الجماعة الواجبة، لكنها ليست شرطاً في صحة الصلاة، ويقول صاحب الإنصاف: إن هذا من مفردات المذهب.
والرواية الثانية: أنها فرض كفائي؛ لأنها شعار للمسلمين في إظهار الجماعة.
والرواية الثالثة: عن أحمد: أنها سنة، كقول الجمهور.
والمشهور عند الشافعية أنها سنة، ويذكرون عن الشافعي رواية في الأم أنها فرض كفائي، فلم يقل: إنها واجبة وجوب عين واحد من الأئمة الأربعة، ولكن قال بذلك داود الظاهري وطاوس، وبعض أهل البيت وغيرهم، وهو قول خارج عن نطاق المذاهب الأربعة.
ولكن جاء عن ابن مسعود قوله: (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا الرجل المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم) .
وجاء حديث -وقد تكلموا في سنده-: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) ولكن نرجع إلى العمومات، وهي حاجة المسلمين إلى الاجتماع والوحدة، بل إن معاذاً في أثره يقول: (ولا يقولن أحدكم: إني أصلي في بيتي! إنكم إن فعلتم ذلك تكونون قد تركتم هدي نبيكم) .
стр. 804
الأعذار المبيحة لترك صلاة الجماعة
من ظلمه ظالم، أو كان من طلب ظالم، أو مديناً في دين ولا يستطيع مواجهة الدائنين فإنهم، قالوا: هذا معذور فقد ارتكب أخف الضررين، والله يعفو عنه أو كان مريضاً لا يستطيع الذهاب إلى المسجد، وقد جاء عن ابن مسعود: (كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) ، والمصطفى صلوات الله وسلامه عليه في آخر الأمر جاء يهادى بين علي والعباس تخط قدماه في الأرض، حتى استوى إلى الصف وجلس.
ومن آكد ما سمعت في ذلك قول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في معرض الكلام على صلاة الخوف، قال: لو أن الصلاة -وهي وفرض- تسقط بشيء لسقطت في القتال، ومع ذلك والرءوس تتطاير تؤدى، فإن كانوا مقيمين ولا قتال، ولا فر ولا كر في أرض المعركة قسم الإمام الجماعة قسمين: قسم لحراسة العدو، وقسم يصلي معه، وهذا مما يدل على وجوب الصلاة، وأنها لا تسقط بحال من الأحوال، وقالوا: إنها لا تسقط مادام العقل موجوداً وعنده إدراك.
وتقدم في صفتها: (صل قائماً، فإن لم تستطع فجالساً ... ) فكل ذلك يدل على وجوب الصلاة.
ونحن نقول: صلاة الخوف نجد فيها الجماعة بقدر المستطاع، ولا تسقط الجماعة في صلاة الخوف إلا إذا دخل وقت الصلاة وهم في حال الكر والفر، ولا يمكن أن يقع اجتماع ولا إمامة، فكلٌ يصلي لنفسه على حالته مستقبلاً الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب، ولا مانع في ذلك.
وعلى هذا فأقل ما يقال: في ذلك العناية بالجماعة.
قال داود الظاهري وطاوس وغيرهما: إنها واجب عيني، وشرط في صحة الصلاة، ومن صلى منفرداً بغير عذر فلا تسقط فريضته.
يليهما أحمد في رواية عنه أنها: هي واجب عيني، وليست شرطاً في صحة الصلاة، فتصح صلاة المنفرد دون الجماعة، وهو آثم بترك الواجب، كما قال أبو حنيفة ﵀ في الطواف، قال: الطهارة شرط، لكن ليست شرطاً في صحة الطواف، فيصح طوافه، وعليه دم لتركه واجباً وهو الطهارة، فللصلاة نظير أيضاً عند غير أحمد.
فعند أحمد أنها فرض عين، ولكن ليست بشرط صحة، ورواية أنها فرض كفائي، ورواية أنها سنة كما يقول الجمهور.
وعند الشافعي: هي فرض كفائي، وجمهور الشافعية على أنها سنة مؤكدة.
ومالك وأبو حنيفة -رحم الله الجميع- على أن الجماعة سنة، وليست بواجب.
стр. 805
علة المضاعفة إلى خمسة وعشرين أو سبعة وعشرين ضعفاً
يقول الشوكاني في نيل الأوطار: إن عدد السبع والعشرين سر من أسرار النبوة وقد بحث ابن حجر في فتح الباري أوجه كون هذا العدد خمسة وعشرين أو سبعة وعشرين وسبب ذلك، فمن أراد فليرجع إليه، وفي فتح الباري ذكر أقوالاً عديدة، والواجب على طالب العلم أن لا يقول: هذا ترف علمي، ولكن يقول: هذا منهج علمي، وننظر إلى أي مدى بذل العلماء الجهد في توطيد المسائل بين يدي طالب العلم.
وفي الحديث: (صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه بخمسة وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة) .
فأراد بعض العلماء معرفة موجب التضعيف إلى الخمسة والعشرين.
ثم ذكر عشرة أو اثني عشر وجهاً، ومنها أنه قال: عزمه عندما سمع النداء بأن يجيبه طاعة، والعزم على إجابة المؤذن طاعة، فأجاب المؤذن فيما قال، وأسبغ الوضوء.
ومشى إلى المسجد، ثم دخل المسجد وصلى تحية المسجد، ثم وقف ينتظر الإمام حتى يقيم، ثم ائتم بالإمام وأمَّن وراءه، أو اشترك في تأمينه، وسمع القراءة في الجهرية، واشترك مع الإمام في هذا الجمع، ثم تعرف على إخوانه، وتآلف مع الآخرين، ورجع من المسجد إلى البيت ماشياً، فهذه حسنات، وكل واحدة تساوي درجة من صلاة الفذ؛ لأن الفذ ليس عنده شيءٌ من ذلك.
وبعضهم يقول: إن أقل الجماعة ثلاثة، وكل واحد من الثلاثة نوى الجماعة بغيره، وغيره نيته الجماعة بغيره، فيكون هنا ثلاثة أشخاص لهم نية جماعة، والحسنة بعشر أمثالها، فتصير ثلاثين حسنة.
وأحسن ما يقال في هذا الحديث أنه يتهيأ إلى الصلاة، ولأنه منذ أن يسمع النداء أو يعلم دخول الوقت يتوجه بفكره إلى أداء الواجب، ثم يسبغ الوضوء، وإن كان الإسباغ مشتركاً في كل الصلوات، ثم يخطو الخطوات إلى المسجد، وجاء في الحديث الآخر أن له بكل خطوة حسنة أو درجة، وتمحى عنه سيئة، فلا يأتي المسجد إلا وقد محيت خطاياه، وتكون الصلاة نافلة له.
وهناك أيضاً حديث الوضوء، وإن كان أعم من ذلك: (إذا توضأ العبد المسلم -أو المؤمن- فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء) فجاء الحديث في تكفير الذنوب المقترفة بهذه الحواس.
ولعلنا بهذا ندرك أن كون الوضوء في هذه الأعضاء لأنها الحواس والجوارح المكتسِبة، فالظهر لم يكتسب شيئاً، والرأس لم يكتسب شيئاً، لكن العين والأنف والفم واليد والرجل كلها تكتسب، فيكون غسلها بماء الوضوء غسلاً لآثار ما اكتسبت واجترحت من سيئات.
فهذه ناحية لمن أراد من طلبة العلم أن يقف عليها، ولا أقول: الوصول إلى تحقيق الغاية، أو تحقيق المناط في تضاعف صلاة الجماعة سبعة وعشرين، ولكن إلى ما حاول الفقهاء ﵏ أن يستنتجوه أو يرسموه؛ ليكون نوعاً من أنواع استنتاج الأحكام أو تعليلها.
ونعلم قصة الشافعي ﵀ في حديث: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟) ، فقد بات ليلة كاملة صلى فيها الفجر بوضوء العشاء يفكر في هذا الحديث، ويقول: لقد استخرجت منه أربعين مسألة فقهية.
فعلينا أن نطرق أبواب العلماء فيما بوبوه في كتبهم لننظر فيما ادخروا لنا في تلك الخزائن النفيسة.
قال ﷺ : [وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) ] .
هذا النص صريح بأن الثقل: على المنافقين، والهم: بالتحريق كان أيضاً موجهاً على المنافقين.
ونكتفي بهذا القدر، ونسأل الله تعالى لنا ولكم الهداية والتوفيق.
стр. 806
كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة [٢]
إن دين الإسلام مبني على التيسير، لذلك جعل أعذاراً مبيحة لترك صلاة الجماعة، وهذا يعني أن العذر لا يكون مبيحاً لترك شيء إلا لكونه مؤكداً في حق المكلف، ولذلك اختلف العلماء في الجماعة هل هي شرط في صحة الصلاة، أم أنها واجبة، أم أنها سنة مؤكدة.
стр. 807
تابع أحكام صلاة الجماعة
стр. 808
استئذان الأعمى ودلالته الفقهية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعنه قال: (أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله! إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فرخّص له، فلما ولّى دعاه، فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم.
قال: فأجب) رواه مسلم] .
هذا الحديث من أقوى أدلة من يقول: إن الجماعة إنها واجبة على الأعيان، ثم ننظر هل هي شرط صحة، أم هي واجب مستقل؟ قالوا: أتى النبي ﷺ رجل أعمى، وهذا الوصف قد اعتبره الله رافعاً للحرج، فقال الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] ، وإن كان أصله في الجهاده لكنه من موجبات رفع الحرج، فهذا الوصف الموجود في هذا الرجل من الأوصاف المعتبرة في رفع الحرج، فجاء الرجل بعذره معه قائلاً: ليس لي قائد، فائذن لي أن أصلي في بيتي، فرخَّص له.
وما قال: فأَذِنَ وسمح، ولكن قال: (رخَّص) ، والرخصة تكون من واجب، والأعمى طلب الرخصة فرخَّص له، فلما رخّص له أخذ الرخصة وولى، فناداه النبي ﷺ وقال: (هل تسمع النداء بالصلاة؟ وفي رواية: أتسمع الإقامة؟ -وكلاهما نداء-؟ قال: نعم، قال: فأجب) .
فالذين يقولون: هي واجبة على الأعيان قالوا: هذا أعمى رُخِّص له ثم سلبت الرخصة، وقال به: (أجب) .
فقالوا: هو أعمى يشق عليه.
فقيل لهم: هل هذا كان يصلي في بيته، أم أنه من سابق كان يأتي إلى الصلاة ويعود، لكنه اعتراه شيءٌ جديد، وطلب الرخصة للمستقبل، وفي ما مضى كان يأتي؟ فما دام أنه كان يأتي ويعود سابقاً فما الذي يمنعه الآن؟! وما الذي استجد في الأمر؟! فيجب أن يحافظ على ما كان عليه.
وفي بعض الروايات أنه قال: (لا أجد لك رخصة) .
فالذين قالوا: هي واجب وجوباً عينياً قالوا: هذا رجل أعمى رخَّص له، والرخصة إنما تكون من واجب، ثم دعاه فقال: (أجب) .
فقالوا: يجيب النداء لأنه نداء مسجد رسول الله ﷺ ، وليصلي مع رسول الله ﷺ .
وقالوا: لو قلنا بالوجوب، لتعين أن يكون الوجوب لخصوصية الصلاة مع رسول الله، وليس في الحديث أن يجيب كل دعاء، ولا كل نداء يسمعه.
فهو احتمال يُسقط الاستدلال.
إذاً ففي حديث الأعمى رخص له أولاً، ثم أمره أن يجيب ثانية، وهذا كأنه يعيد إلى القاعدة شيئاً من ثباتها، مع أنها لا زالت مزعزعة، ولكن هذا قد يساندها.
стр. 809
ما يسقط الجماعة
قال المصنف ﵀: [وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (من سمع النداء فلم يأتِ فلا صلاة له إلا من عذر) رواه ابن ماجة والدارقطني وابن حبان والحاكم، وإسناده على شرط مسلم، لكن رجح بعضهم وقفه] .
هذا كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وجميع علماء الحديث أو الفقهاء يبحثون في سنده، وقد جاء موقوفاً وجاء مرفوعاً، وإذا كنا بصدد الاستدلال لموضوع بمثل هذه الأهمية فلا ينبغي أن يكون لضعيف السند مدخل في ذلك.
قال: (من سمع النداء فلم يأتِ فلا صلاة له إلا من عذر) ، فأي الأعذار أريد هنا؟ سيأتي تفسير الأعذار بخوف أو مرض، وهل الخوف والمرض يسقط الصلاة؟ فليست -إذاً- بفرض عين، ولو كانت فرض عين فليست بشرط في الصحة، والمريض لا تجب عليه صلاة الجمعة.
إذاً فالمرض والخوف يسقط الجماعة، وتصح الصلاة معهما فرادى، فصحّت الصلاة بدون شرطها.
والعذر لا يسقط الواجب العيني المشروط؛ لأن الخوف والمرض لم يسقط عين الصلاة، وها هي صلاة الخوف أمام العدو يصفهم ﷺ صفين: صف يحرس، وصف يصلي معه، فما أسقط الصلاة في حالة الخوف، لكنه أيضاً ما أسقط الجماعة فصلى بهم جماعة.
وعند المسايفة ما سقطت الصلاة، وفي المرض إذا لم يستطع القيام فليصل وهو جالس على جنبه، فلا تسقط الصلاة للمرض، بل بقدر ما يستطيع.
ولكن سقطت الجماعة للمرض.
فاشتراط الجماعة لصحة الصلاة لا يؤخذ من هذا الحديث.
ويكفي أنهم تكلموا في سنده، ولا يمكن أن ينهض ويقاوم ما تقدم.
стр. 810
إدراك الجماعة بعد الصلاة في الرحل ونحوه
قال المصنف ﵀: [وعن يزيد بن الأسود (أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فلما صلى رسول الله ﷺ إذا هو برجلين لم يصليا، فدعا بهما فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال لهما: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: قد صلينا في رحالنا.
قال: فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الإمام ولم يصل فصليا معه؛ فإنها لكما نافلة) رواه أحمد واللفظ له، والثلاثة، وصححه ابن حبان والترمذي] .
هذه قضية جديدة تدور حول قاعدة الوجوب العيني.
فالنبي ﷺ ما سألهما: صليتما جماعة أم فرادى؟ والمعهود في الصلاة في الرحال أن تكون فرادى، وسيأتي أن النبي ﷺ أمر المؤذن في الليلة المطيرة أن يقول: (ألا صلوا في رحالكم) ، فالمطر أسقط المجيء إلى المسجد، وصحّح الصلاة بدون جماعة، فلو كانت واجبة على الأعيان شرطاً في الصحة أيسقطها المطر؟ لا.
وهل أوجب عليهم وقال: ألا إن الصلاة في الرحال وصلوا جماعة في بيوتكم؟ لا، فالذين قالوا بسنيتها يقولون: الرجلان قالا: (صلينا) ، ولم يذكرا جماعة، ولم يستفسر منهما ﷺ ، فالأسبق إلى الذهن أن الصلاة في الرحال فرادى.
فإن قيل: فلماذا يصليان مع الإمام مرة أخرى؟ قالوا: إبعاداً لتهمة الانفراد والانعزال عن جماعة المسلمين، فإذا كان الإمام في الصلاة فادخل معه؛ لقوله: (ثم أدركتما الإمام ولم يصل فصليا معه، فإنها لكما نافلة) ، والضمير هنا هل يرجع إلى قوله: (صليا معه) أم لـ (صلينا في رحالنا) ؟ الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، فتكون صلاتهم مع النبي ﷺ نافلة، والفريضة في رجالهما، وكانت فرادى.
بهذا استدل الجمهور على أن الجماعة سنة، وليست واجبة وجوباً كفائياً ولا عينياً؛ لأن الرسول ﷺ أقر الرحلين على صلاتهما في الرحال بدون جماعة، وما قال لهم: اعتبرا الأولى نافلة وهذه فريضة؛ لأن ما سبق -على ما يقال- سد الفراغ.
فهذا الحديث يسوقه المؤلف للدلالة على صحة صلاة المنفرد في رحله، ولو أنه أدرك جماعة وصلى معها فهي نافلة.
ومن فاتته صلاة وأراد أن يقضي ما فاته فهل يتعين عليه أن يؤدي القضاء جماعة؟ باتفاق الجميع لا يشترط له جماعة، اللهم إلا إذا كان الحال كما نص عليه ابن قدامة في المغني والنووي: وأنه إن كانت الصلاة التي يراد قضاؤها قد فاتت الإمام والمأموم، وهم حضور فإنهم يصلونها جماعة؛ لأنهم موجودون.
مستدلين بما وقع للنبي ﷺ حين ناموا عن الصبح، ولما طلعت الشمس وتحولوا عن الوادي أذن المؤذن، وصلوا السنة، ثم صلوا الصبح جماعة لأنهم مجتمعون، وفاتت الإمام والمأموم، فهم فيها سواء.
لكن من نام في بيته أو نسي، أو شُغل بأي حالة من الحالات، أو كان تاركاً للصلاة -كما يقولون-، وأراد أن يقضي ما عليه فهل يتوقف قضاء الفوائت على الجماعة؟ باتفاق الجميع ليس واجباً عليه أن يوقع القضاء في جماعة.
إذاً فقاعدة الوجوب هل هي باقية على ثبوتها أم اختلت؟ لقد اختلت.
следующие страницы →