Полный текст (2 843 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
الخليفة هارون الرشيد
ولما حج هارون الرشيد ﵀ -وكان يحج سنة ويغزو سنة- وكان يرى هذه الطائفة، ويرى ما تعمل، وعرف خباياها ونواياها، حتى هيأ الله ﵎ في تلك الحجة أن اكتشفهم يقيناً، وذلك عندما قال له البرامكة: يا أمير المؤمنين إن هذا البيت معظم، وإن الخلفاء يعظمونه، وخير ما يخلد به اسمك في التاريخ أن تأتي بمجامر كبيرة، وتضعها حول الكعبة وتجعل فيها أفضل أنواع العود والروائح الطيبة، ولا تزال توقد -دائماً- فيكون لك من الذكر ومن الفخر ما لا يكون لأحد من الخلفاء، فشكرهم على هذا، وفطن للأمر وشاور فيه بعض العلماء، فقالوا: هذا رأي مجوسي -يا أمير المؤمنين- من نصحك وأشار عليك بهذا؟ هؤلاء مجوس يريدون أن تعود نار كسرى إلى بيت الله الحرام، ولكن تحت ستار المجامر والطيب والعود، فما إن عاد هارون الرشيد إلى بغداد حتى قضى على هذه الأسرة وأبادهم، وكفى الله تعالى شرهم.
стр. 982
الفتن في عهد المأمون
ثم كان عهد المأمون، وكانت الفتنة من نوع آخر، حيث ابتلي المأمون بفتنة الاعتزال والتفلسف، ونتيجة لذلك كان العذاب الشديد على الأمة، التي منها -كما تعلمون- الإمام أحمد ومن معه، وكان من آثار ذلك على المأمون أنه أعلن الخلافة لـ علي الرضا -وهو من أئمة الرافضة الاثنى عشر كما يزعمون- فأراد أن ينقل الخلافة النهائية من بيت بني العباس إلى ذلك الرجل الذي يتستر أولئك القوم وراء الدعوة له وإلى خلافته، ولكن الله أحبط كيدهم، وكان في تدبيرهم تدميراً لهم، وجاء النصر للسنة.
وظهر أمر الله على يد المتوكل، وقضي على تلك الفئة واندحرت، وبعد ذلك النصر الذي حصل، وبعد وفاة الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- بحوالي أكثر من أربعين سنة، ظهرت في أطراف الكوفة الباطنية وظهر القرامطة الأولون، ولم ينتصف القرن الرابع حتى ملأ الرفض الدنيا شرقاً وغرباً، كما قال الإمام الذهبي ﵀.
فكانت الخلافة كما تسمى العبيدية الفاطمية تحكم بلاد المغرب ومصر، كما كان القرامطة يحكمون شمال الجزيرة العربية وشرقها، ويقطعون الطريق على الحجاج، وكان بنو بويه في بغداد وشرقي العالم الإسلامي وهم -أيضاً- من الرافضة.
ولكن الله أيضاً لم يجعل على أيديهم طمس هذا الدين، ولن يكون ذلك، وإنما استمرت الحرب سجالاً بينهم وبين المسلمين، على جميع المستويات الحربية والعلمية، حتى جاء أواخر القرن الخامس وجاء الصليبيون.
وبمجيء الصليبيين يدخل طرف ثالث خطير في المؤامرة على الإسلام، وذلك أن الصليبيين لما جاءوا كانت أهدافهم وأطماعهم متركزة حول بيت القدس، ومنه ستنطلق خططهم لهدم الإسلام والقضاء عليه.
стр. 983
مكر الرافضة بالإسلام
فكان التواطؤ والتعاون بين الرافضة والباطنية، الذين كانوا يحكمون بلاد مصر والشام وبين الصليبيين، فسهلوا لهم دخول بيت القدس، ولم يكن بينهم أي حرب، وإنما دخلوه وانتهكوا حرمته، وقتلوا سبعين ألفاً من المسلمين حتى غاصت خيولهم في دماء المسلمين إلى الركب، واحتلوا القدس، وبقي في أيديهم وانتشروا في بلاد الشام، وكما يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية والذهبي وابن كثير وكل المؤرخين الثقات وعلماء الإسلام: كان التعاون الشديد والقوي بين هذه الطوائف: الباطنية والمجوسية وبين الصليبيين على أوضح وأجلى ما يكون.
ولكن الله أيضاً قد مكن للمسلمين فجاء صلاح الدين الأيوبي ﵀ وكان صلاح الدين من فضل الله وتوفيقه له أنه فهم أصل القضية، وفهم من أين يبدأ الحل، وهذا هو الذي يجب على الأمة الإسلامية أن تعرفه دائماً، من أين تبدأ الحل في أي أزمة؟ جاء صلاح الدين والأمة الإسلامية يحكمها الصليبيون، ويحكمها هؤلاء الباطنيون الروافض المجوس، والخلافة في أشد ما تكون من الضعف، فمن أين يبدأ الإصلاح؟! بدأ صلاح الدين من النقطة الصحيحة وهي أن يجتمع المسلمون أهل السنة على العقيدة الصحيحة على الكتاب والسنة، وأن نطهر الصف الداخلي من المجرمين، ومن المنافقين، ومن أهل الضلالات، ثم ننطلق لمحاربة الأعداء الخارجيين، ثم بعد ذلك يكون النصر بإذن الله تعالى ولهذا ترك صلاح الدين الإمارات الصليبية في الشام وفلسطين، وذهب إلى بلاد مصر فقضى على الفاطميين -وهم في الأصل عبيديون- قضى على ملكهم، وقضى على رفضهم وتشيعهم، وأحل السنة محلها، ووحد الله به أكبر قوتين في العالم الإسلامي وهي قوة الشام شرقاً، ومصر وغرباً، فتوحدت الأمة الإسلامية على السنة، ثم انطلقت بعد ذلك فكان النصر المبين بفضل الله تعالى على الصليبيين.
стр. 984
دور ابن العلقمي في سقوط بغداد
وفي أثنائها كان التتار قد بدءوا يغزون العالم الإسلامي من الشرق -كما تعلمون- وأخذوا يتقدمون ويزحفون إليه شبراً فشبراً، حتى شارفوا بغداد، وفي ذلك الوقت كان الخليفة هو المستعصم بالله، وكان وزيره من أولئك الروافض وهو المشهور بابن العلقمي، وكان أيضاً من كبار المقربين إليه أو الذين يسمون علماء الدولة، الذي يسمى الخواجة نصير الدين، وهو نصير الكفر الطوسي، كما يقول ذلك شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية وابن القيم، فاتفق ابن العلقمي وابن أبي الحديد وأمثالهم وذهبوا إلى هولاكو الوثني الزنديق، الذي لا يؤمن بأي دين ويعبد النار لأنه مجوسي واتفقوا معه على أن يدخل بغداد بالقوة، وزينوا له ذلك وهو يتردد ثم يتردد، حتى تم الصلح بينه وبين الخليفة وكأن الأمر قد عاد إلى وضع طبيعي لا حرب معه ولا شيء.
وإذا بأولئك المجرمين يخططون لمؤامرة كان منها أنهم فتحوا الأنهار والسدود على جيوش الخليفة المستعصم، فأغرقوهم بعد أن سرّحوا أكبر قدر منهم، وذهبوا في نفس الليلة إلى هولاكو، فقالوا له: إن ذلك الرجل قد ضعف، وإن ملكه قد ذهب، وإن جنوده قد غرقوا، وهذه من كراماتك فادخل إلى بغداد وأعمل فيها بالسيف، وكان أولئك -أعداء الله- يظنون أنه سيقظي على ملك أهل السنة، ثم يولِّيهم هم فيصبحوا هم الحكام.
إن أعدى عدو لهم هم أهل السنة والجماعة، هذا أعدى عدو لأهل المؤامرة قديماً وحديثاً، وتردد هولاكو وقال: بلغنا أن من أراق قطرة من دم أحد من آل محمد فإن ملكه يتمزق وينتثر، فقالوا: نحن نأتيك بالفتوى؛ تقتل الخليفة دون أن تراق قطرة واحدة من دمه، قالوا: نلفه في الخيش ونضربه بالهراوات حتى يموت، فوافقهم هولاكو، ودخل إلى بغداد فجأة، وقبض على بني العباس، أليسوا من آل النبي ﷺ ؟ أين محبة آل البيت لمن يزعمون أنهم يريدون إعادة مجد آل البيت! أو حكم آل البيت! أو محبة آل البيت! حتى ذكر المؤرخون -كما في البداية والنهاية وغيره- أنه أخذ من بيت الخلافة ألف عذراء، أخذها أولئك الأنجاس المشركون الوثنيون، واغتصبوهن!! وكثير منهن من آل بيت رسول الله ﷺ ، من بني العباس، وقتلوا الخليفة على الصفة وعلى الفتوى التي أفتاهم بها أولئك الروافض.
ثم انتهكوا حرمة بغداد وحصلت مذبحة عظيمة جدا، ً حتى أن أقل الأرقام التي قيلت في الذين قتلوا أنهم ثمانمائة ألف!! لأن بعضهم قالوا: أنهم مليونان (ألفي ألف).
ودخل الناس كما يقول المؤرخون ومنهم ابن الأثير وابن كثير، وحتى دخل الناس في الكنف في (المجاري تحت الأرض)، ليهربوا من سيف التتار فكان الوباء العظيم، حتى بعد أن انتهت المجزرة خرج أولئك فمنهم من مات، ومنهم من بقي على الحياة ثم خرج فكان من نتن الجيف الوباء الذي قضى على البقية، فكانت مذبحة على مذبحة ومصيبة على مصيبة، والله كان لهم بالمرصاد أيضاً، فإنّ أولئك القوم أذلوا ابن العلقمي وأهانوه ولم يقدروا أنه فعل هذا الفعل، بل اعتبروه خائناً، وبعد بضعة أشهر فطس وذهب إلى حيث يستحق من عند الله وكذلك فُعِل بـ نصير الكفر الطوسي وأمثالهم.
وكان بعد ذلك المرحلة الأخرى التي أراد الله أن يبتلي فيها الأمة الإسلامية بهؤلاء التتار، ثم انهزم التتار، ثم ظهر الحق جلياً وساطعاً، حيث إنه في تلك الفترة كان قد ولد شَيْخ الإِسْلامِ المجدد تقي الدين أحمد بن تيمية -رحمه الله تعالى- فأظهر الله تعالى به الدين، وكان أكبر الملوك -ومنهم الناصر قلاوون وأمثاله- ممن وقفوا معه في كثير من الأمور، وهو الذي حرك العلماء وحرك الأمة، فحاربت التتار وهزمتهم وكذلك حاربت الصليبيين، ثم تحقق بعد ذلك بعث جديد للإسلام بفضل الله .
стр. 985
المؤامرة على الإسلام في عهد الخلافة العثمانية
والمؤامرة أحبطت أو كادت أن تحبط وتدمر، وبعد ذلك انتقلت المؤامرة على هذا الدين إلى نطاق أوسع، حيث أظهر الله ﵎ الدولة العثمانية -هؤلاء الأتراك- وكان فضل من الله أن يظهروا، وتقدم زحفهم إلى داخل أوروبا، وفتحوا معظم بلاد جنوب شرق أوروبا، بل وشرق أوروبا.
حتى أنهم كما تعلمون دخلوا بولندا وحاصروا فيينا لمدة سنوات، فأرعب ذلك أعداء الإسلام رعباً شديداً، كيف أن هذه الدولة الفتية تتغلب على روسيا، وتتغلب على دول شرق أوروبا وغربها، وعجزوا عن مقاومتها، فكان الحل! وهو أنهم استعانوا بتلك الطائفة الحاقدة -وتكونت المؤامرة من جديد- حيث كان في شرق العالم الإسلامي في بلاد الفرس الدولة الصفوية فجاءت هذه الدولة، فكان كلما تقدمت الدولة العثمانية في أوروبا تقدم الصفويون في داخل البلاد العثمانية، فاحتلوا العراق ودخلوا إلى بلاد تركيا نفسها، وهكذا كانوا كلما زحف الإسلام في أوروبا، يأتون فيطعنونه بخنجرهم المسموم من الخلف، فتضطر الدولة العثمانية أن تسحب جيوشها من أوروبا، فتقضي بها على الصفويين في المشرق.
وهكذا أكثر من قرنين أو قرابة ثلاثة قرون من الزمان حتى تم إنهاك الدولة العثمانية، ولم تستطع أن تقاوم تلك الغزوات من الخلف ومن الأمام.
ونحن الآن لسنا في قضية تقييم الدولة العثمانية، لكنها بلا شك لم تكن تملك مقومات البقاء الحقيقي، ولهذا حصلت المؤامرات عليها.
وانتقلت المؤامرات بعد ذلك في صورة جديدة، حيث إن أوروبا نهضت النهضة القوية التي تعلمون، في ميدان الحياة، وفي الصناعة، وفي كل أمور الحياة المادية الدنيوية، وبذلك بدأت المعركة تأخذ طابعاً جديداً، وألف أحد الوزراء الأوروبيين كتاباً مشهوراً مائة مشروع لتقسيم تركيا، ذكر فيه بالتفصيل أن أوروبا بالتعاون مع الصفويين المجوس أعدت مائة مشروع لتقسيم العالم الإسلامي -الذي كانت تسميه تركيا، لأنها كانت تحكمه بأجمعه تقريباً- ويفشل المشروع تلو المشروع، حتى كانت الحرب العالمية الأولى، فتحقق نجاح المشاريع، وقضي على تلك الدولة، واقتسم الاستعمار الشرقي والغربي الدول المستعمرة، كما في إتفاقية (سايكس بيكو) التي قسموا العالم الإسلامي فيها وأخضعوه.
ومن هنا بدأت المؤامرة في مرحلة جديدة، وفي حرب جديدة، وهي الحرب الفكرية والمعنوية للقضاء على الإسلام، لأنهم جاءوا إلى الأمة الإسلامية وهي ممزقة، وهي ضعيفة منهكة مرهقة، وهم جاءوا بحضارات علمية وبتقدم مادي، ومعهم أيضاً خططهم الفكرية، وخطط أخرى عقلية رهيبة، فأخذوا يدبرون ويحيكون المؤامرات للقضاء على الإسلام من خلال وجودهم وقوتهم العسكرية في هذه البلاد.
الأمة الإسلامية إذا واجهت مواجهة عسكرية حربية، فإنها مهما طال الزمن فإنها ستنتصر، وهذه حقيقة أصبحت لا شك فيها في تاريخ الأمة الإسلامية، فقامت في كل بلد تقريباً ثورات ضد هؤلاء المستعمرين الصليبيين الجدد، وكانوا في الخفاء يبيّتون لإنشاء الدولة اليهودية.
وهذا ما يدلنا على أن المؤامرة ثلاثية الأطراف: صليبية ويهودية ومجوسية، ففي عام (١٩١٧م) أو حوله صدر "وعد بلفور " بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وكان الهدف منه هو إعادة بلاد فلسطين إلى ملك اليهود، أي إنشاء وطن قومي لليهود في قلب العالم الإسلامي وفي أرض الإسراء، وهذا ما مهدت له قوى الشر والمؤامرة جميعاً، وأخذ ينفذ بالتدريج، فكانت الحرب على جميع المستويات: منها حرب لأولئك المقاومين الذين قاوموا الاستعمار، وحرب أعظم وأشرس منها لهدم الإسلام من الداخل.
стр. 986
من محاولات الهدم للإسلام
ومن أعظم الأمور التي استهدفت المؤامرة للقضاء على هذا الدين: أولاً: القضاء على العقيدة الصحيحة؛ لأنهم يعلمون أنها هي الأساس، فإذا ذهبت ذهب الإسلام، وكادوا لهذا الدين أعظم الكيد في كل مجال، وكما تعلمون أنهم أغروا الدولة العثمانية -نتيجة اشتغالها وانغماس كثير من أئمتها وعلمائها في الخرافات والضلالات- بالقضاء على الدولة التي قامت بفضل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والتي قامت على التوحيد، وهي الدولة السعودية الأولى، فإنهم قضوا عليها، وقضت عليها مؤامرة الشر تلك.
واغتيل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، الذي كان معاصراً للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ والذي كان إماماً في العلم والتقوى والجهاد فوق كونه إماماً في الحكم، اغتيل على يد رافضي من أولئك المجوس، جاء إليه واغتاله كما اغتيل عمر بن الخطاب ﵁ لأن هذا الإمام هدم النجف وكربلاء، وهدم تلك البقاع التي يشركون ويعبدون غير الله -تعالى- فيها.
ثم صفا لهم الجو بعد القضاء على هذه الدولة، وأخذوا يمزقون العالم الإسلامي كما يشاءون، حتى أنهم أحدثوا طرقاً صوفية جديدة، وأحدثوا فرقاً جديدة؛ وجاءوا على فرقة من بقايا المجوس، وهي الفرقة التي كانت تسمى العلي إلهية وكان الأتراك يسمونها العلي إلهية ومعناها الذين يؤلهون علي بن أبي طالب فسموهم العلوية وأخذوا يمهدون لهم لكي يمكنوهم في بلاد الشام، وأخذوا في كل مجال يهدمون العقيدة.
والمقصود أن الأساس الأول الذي أرادوا أن يهدموه هو العقيدة الصحيحة ويحلوا محلها الخرافات والضلالات، ولذلك فإن جميع الطرق الصوفية ومشائخها كانوا محل الاحترام من قبل المستعمرين.
حتى إن نابليون عندما قدم إلى مصر جمع مشائخ الطرق، وأقاموا المولد وحضر معهم واحتفلوا، وقال: أنا صرت واحداً منكم، وهذا دين عظيم، وهو دين تسامح ومحبة وأخلاق، لأنه لا يزعج أحداً لا مستعمر ولا عدو، وإنما فيه موالد ورقص وتسابيح وأذكار، وكلها ضلالات لا تقبل عند الله وفي الوقت نفسه لا تضر أحداً من الأعداء، فكان الأعداء حريصين على أن يظل مثل هذا الدين موجوداً.
وفي الوقت نفسه حاربوا الإسلام الحقيقي والدعوة الحقيقية، وأخذت جميع الدول الاستعمارية تذكي في نفوس الناس، أن من يدعو إلى الكتاب والسنة فإنه وهابي، وأن هذه الوهابية فرقة خارجة عن الإسلام، ويجب على جميع المسلمين أن يحاربوها، فكل من دعا إلى الكتاب والسنة وإن كان لا يعرف شيئاً عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ سموه وهابياً تشنيعاً لمن يدعو إلى الكتاب والسنة، وتأييداً لأصحاب الضلالات والخرافات والبدع، فكان هذا هو الهدف الأول.
والهدف الثاني: أنهم قالوا: المرأة المسلمة هي الأساس، وهي التي تربي البيت المسلم والطفل المسلم على العقيدة الصحيحة، فلا بد أن نخرج المرأة المسلمة، فإذا أخرجناها فإنا نكون قد قضينا على هذا الدين، وقضينا على الإسلام، ومزقنا كيانه الاجتماعي، ومن هنا عملوا وبذلوا الجهود في تأسيس الجمعيات -أو الأحزاب كما كانت تسمى سابقاً- والمجلات النسائية، وأخذوا يفسدون المرأة المسلمة وينشرون الفساد في كل مكان لإخراجها، وينشرون السموم التي تدعوها إلى أن تطالب بحقها من الرجل، وأن لا يظلمها الرجل، وأن لا يمتهن كرامتها، وأنها جديرة بأن تقاوم، وجديرة بأن تحقق وبأن تفعل كذا حتى قضوا على الحجاب في أكثر البلاد التي دخلوها مع أنهم لما دخلوها كان لا يوجد فيها امرأة مسلمة لا تغطي وجهها، ولم يخرج المستعمرون إلا وأكثر البلاد لا توجد امرأة مسلمة تغطي وجهها إلا القليل النادر، وكان هذا بخطة ومؤامرة ذكية.
أيضاً هناك جانب ثالث قالوا: لا بد من الطمس والقضاء على الشريعة الإسلامية، وعلى الأحكام الإسلامية، ليحل محلها القوانين الوضعية، ففي الجانب الاقتصادي قضوا على الشريعة الإسلامية التي فصلت الأحكام في الربا، وفي الصرف، والرهن، وفي الوكالة، والكفالة، وفي القروض، والمساقاة، وفي المزارعة وفي كثير من الأحكام المذكورة في كتب الفقه.
وقالوا: الإسلام لاينظم الجوانب الاقتصادية، فجاءوا برباهم، وببنوكهم الاستعمارية، ونشروها بين المسلمين، ثم قضوا على الحدود، وقالوا -مثلاً-: الزاني كيف يرجم، أو يقتل، لكن قانون نابليون يقول: "إن كان الزوج راضياً فلا شيء على المرأة، لأن هذا حق شخصي للزوج يطالب به في المحكمة، وهناك عقوبة إما الغرامة وإما سجن مدة من الوقت" فغيروا -أيضاً- أحكام الشريعة، وأحلوا محلها قوانينهم الوضعية الإباحية الانحلالية.
هناك أيضاً جانب آخر -قد يغفل عنه الكثير، ولكنه مهم بالنسبة للأمة الإسلامية- وهو أنهم خططوا للقضاء على اللغة العربية، ونحن المسلمين لدينا استهانة عجيبة باللغة العربية، فلا نبالي حتى من كان منا على مستوى كبير في الثقافة أو في المنصب لا نبالي بما نلحن وما نخطئ في اللغة العربية، بينما الواحد منا إذا تعلم اللغة الإنجليزية مثلاً: لا يمكن أن يضع أي فعل من أفعال التكوين بدل الآخر، وإلا ضحك عليه زملاؤه، فأي شيء بسيط لا يمكن أن يكسره في اللغة الإنجليزية -مثلاً- لكن في اللغة العربية يكسر ما شاء، ويقول ما شاء، ولا رقيب ولا حسيب عليه، وهذا من قلة اهتمامنا بها ومن عدم معرفتنا لأهميتها.
فإنه عن طريق فهم كتاب الله وفهم سنّة النبي ﷺ ، نعبد الله على بصيرة، ولا يمكن أن نفهمهما إلا باللغة العربية، ففصلوا بين المسلمين وبين اللغة العربية، ونشروا اللغات الأوروبية نشراً قوياً، حتى أصبح الإنسان كأنه لابد في أكثر البلاد الإسلامية أو كلها حتى الدكان الصغير الذي لا يمر عليه أي أوروبي، ولا يشتري منه أي أوروبي ولا أمريكي أن يكتب بالعربي ويكتب بالإنجليزي، هذه الازدواجية هم الذين سعوا إليها وأرادوها، وأخذناها ببساطة وبغفلة شديدة.
ومن جانب آخر أحيوا اللهجات المحلية والتراث المحلي، ونبشوا الأصنام القديمة وأظهروها، ونبشوا الحضارات القديمة، وقالوا: هذه حضارتكم فجعلوا لكل قطعة من بلاد العالم الإسلامي حضارة مستقلة، فجاءوا إلى مصر -وهي ركن قوي في جسم الأمة الإسلامية- قالوا: أنتم فراعنة، وحضارتكم تمتد سبعة آلاف سنة، وجعلوا الفتوحات الإسلامية بأسماء غربية فقالوا: الغزو الفارسي، والغزو العربي، والغزو العثماني، هؤلاء كلهم غزاة غزو مصر.
وأحيوا الفينيقية، والآشورية، والبابلية، وفي كل بلد أحيوا الحضارات القديمة الوثنية، والتي يعود بعضها إلى آلاف السنين لينسى المسلمون أنهم أمة واحدة، وأنهم كالجسد الواحد، وأن تاريخنا قبل النبي ﷺ ظلام، وفوضى، وهمجية، وانحطاط، ويجب علينا أن نستحي أن نذكره، ولا نذكره إلا على سبيل الاستهجان، كما بين ذلك أصحاب النبي ﷺ إلى النجاشي وقالوا: 'كنا نأكل الميتة، ونقطع السبيل' نفعل ونفعل، تاريخ أسود لا يجوز أن يذكر، ولا ينبغي لعاقل أن يفتخر به.
فجاءوا، وقالوا: لا بد أن تفتخروا بذلك، ولا بد أن تعملوا حفريات في الصحاري البعيدة لتجدوا مدينة عمرها أربعة آلاف سنة، وإذا أخرجوا من الحفريات شيئاً بسيطاً كإناء مكسور ضخموا هذا الاكتشاف، وتضيع فيه الملايين، وتضيع فيه الجهود، والهدف هو أن تنقطع صلة الناس بهذا الدين وبلغته وبتاريخه ويصبح تاريخاً جاهلياً، وأيضاً عملوا على إحياء اللغات المحلية والحضارات القديمة، وهدفهم من ذلك تقطيع أواصر هذا الدين، وتقطيع أواصر هذه الأمة حتى لا يجمعها أي شيء، وكان هذا -أيضاً- باباً من أبواب المؤامرة على الإسلام في هذا العصر، وهي مؤامرة -كما قلنا- مستمرة بدأت من الصراع بين آدم ﵇ وإبليس وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 987
التخطيط للقضاء على الصحوة الإسلامية
لا نستطيع أن نفصل أكثر من ذلك فيما يتعلق بمحاور الغزو الفكري الحديث، والذي نستطيع أن نقوله: إن المؤامرة نجحت فيها، لكن ننتقل إلى ما بعد ذلك وهو: كيف خطط الأعداء للصحوة الإسلامية المعاصرة؟ أولاً هم وجدوا أنه منذ عشرين سنة بدأت في العالم الإسلامي صحوة، ويقظة، ونهضة، وعودة إلى الكتاب والسنة، على أيدي الشباب الذين بدءوا يفقهون ويتلمسون الطريق، فكان لا بد من اتخاذ طريقة جديدة وخطوة جديدة، وهي: أن يعاد في هذه الأمة بعث تلك الفرق القديمة، لأن شباب العالم الإسلامي -الواعين منهم- أخذوا يتحصنون ضد كل ما هو غربي، فـ الماسونية والشيوعية وكل الأحزاب والفرق الأخرى أصبحت الأمة في ملل منها بعد معرفتهم بحقيقتها، فقالوا: لا بد أن نحيي ونبعث الفرق الضالة.
أيضاً الحضارات الوثنية القديمة لم تؤد الدور المطلوب، ولم يستجب لها الكثير، إذاً بعث الديانات القديمة هو الذي يمكن أن يستوعب هذه الصحوة، ويفرقها ويمزق شملها، ومن هنا أعادوا مجد الرافضة بالحدث الذي تعرفونه، وأعادوا -أيضاً- مجد غيرها من الفرق عن طريق البحث والتحقيق.
وإذا قرأتم -مثلاً- معجم المستشرقين أو الكتب التي تحدثت عنهم، فانظر ماذا يحقق المستشرقون من الكتب، هل لديهم أي اهتمام بنسخة من صحيح البخاري أو نسخة من مسند الإمام أحمد قديمة؟! لكن انظر بأي شيء يهتمون؟ تجدها عقائداً منحرفة وفرقاً قديمة، يهتمون بها ويحققون كتبها ويطبعونها وينشرونها حتى تملأ الآفاق، وما ذاك إلا لتمزيق هذه الأمة، وهذه الصحوة الإسلامية التي بدأت -ولله الحمد- تفرض نفسها في الواقع، فهم يريدونها إذا أرادت أن تعود أن تحتار!! أي إسلام تعود إليه! تجد في المكتبة الواحدة: كتب رافضة، وكتب سنة، وكتب خوارج وكتب معتزلة كتب فرق كثيرة، فلايدري إلى أين يتجه، وأيضاً يجد كتباً تطعن في كتب السنة، وكتباً أخرى تطعن في القرآن وهكذا.
فهذا الغزو الفكري أصبح يمر بمرحلة خطيرة ودقيقة جداً، يتطلب من جميع المسلمين -وخاصة الشباب- أن يكونوا على وعي وبصيرة بما يراد لهذه الأمة، وهذا أحدث ما يمكن أن نقول، أن الاستعمار أو التخطيط أو التآمر اليهودي الصليبي المجوسي يعمل ضد هذه الأمة، وبدأ يتتبع هذه الصحوة، يحاول أن يوجه -هو- مسيرتها وأن يمزقها ذات اليمين وذات الشمال، ويبعدها عن منهج الكتاب والسنة الذي يجمع الله به هذه الأمة، والذي يظهر الله به هؤلاء الشباب، وهؤلاء العلماء الذين هم قائمون عليه، والذي يعيد الله به ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، بإذن الله تعالى من قوةٍ وعزٍ وتمكينٍ للإسلام.
стр. 988
وسائل النصر على الأعداء
وكما لاحظنا في كل مرة فالمؤامرة في النهاية تنهزم، لكن تنهزم بقوة إيمان صادقة، وبعودة إلى الحق، ولهذا لا بد أن ننتبه إلى أمرين مهمين ويجب أن ننبه الإخوان عليهما: ١ - أن هذه الأمة لا تؤتى إلا من قبل نفسها، حتى في غزوة أحد ورسول الله ﷺ هو القائد وأصحابه هم الجيش، قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] فلا تصيبنا مصيبة في أي مرحلة من مراحل تاريخنا إلا بذنوبنا، وكما قال ﷺ : ﴿إذا تركتم الجهاد، واشتغلتم بالدنيا، وأخذتم بأذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع؛ سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم﴾ وهذا يعني أننا إذا اشتغلنا بالدنيا، فاهتم -مثلاً- كل إنسان بوظيفته، وماله، وأسرته، وبيته، وتنمية موارده، واشتغل كل المسلمين بذلك؛ فإننا نكون لقمةً سائغةً لأعداء الله، وإذا اهتممنا بالآخرة وبديننا نصرنا الله كذلك، إذا أصلحنا ما بيننا وبين ربنا وإذا تركنا الربا والزنا والفساد، وبذل أموالنا لدعم الشر -كما يحصل الآن للمسلمين- يشترون الأفلام والمجلات الخليعة، ويدعمون الشر بأموالهم، ويذهبون إلى بلاد الكفر فيصبون أموالهم هنالك على الفساد والمعاصي، فيعطونهم مالهم وينسلخون عن دينهم ويعودون، وهكذا.
المقصود أننا أمة لا تؤتى إلا من قبل نفسها، كما كتب ذلك عمر ﵁ إلى سعد بن أبي وقاص وإلى جيش المسلمين، الذين واجهوا أعتا أمة على الإطلاق، وهي أمة الفرس المجوس قال: [[ولذنوب الجيش عندي أخوف عليهم من عدوهم، فإن الله إنما ينصرنا بطاعتنا له ومعصيتهم له، فإذا استوينا نحن وهم في المعصية، كان لهم الفضل علينا في القوة]] وهذا واقع في كل وقت أن أعداء الإسلام أكثر منا، ولا يوجد مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي إلا وكانت الجيوش الإسلامية أقل عدداً من محاربيها، ومع ذلك ينتصرون إذا كان الإيمان بالله ، فهذه القضية الأولى: أن نحاسب ونراجع أنفسنا قبل أن نلقي اللوم على أعدائنا الذين يتآمرون علينا.
٢ - الأمر الآخر: أن نعرف عدونا، وأن نعرف مكره وخيانته ومخططاته، وأنهم كما بيّن الله ﵎ من عداواتهم أنهم يظهرون لنا العداوات وهي ظاهرة وواضحة ولكن ما تخفي صدورهم أكبر وأعظم وأشد، وأنهم لا يألون جهداً ولا يرقبون فينا إلاً ولاذمة، وأنهم لا يريدون ولا يرضون منا إلا أن ننسلخ عن ديننا، وأن نصبح عبيداً رقيقاً لهم، سواء كانوا في الشرق أم في الغرب، من المنافقين أم من الأعداء الخارجين، فإذا عرفنا عدونا فإننا حيئنذ -بإذن الله- مع إيماننا بالله ومعرفتنا له وطاعتنا له؛ نستطيع أن نقاومهم، أما إذا بقيت الأمة الإسلامية في غفلة عن معرفة أعدائها ومن هم، فإن هذا مما يعيبها ويشينها ويجعلها لقمة سائغة لهم، والمشاهد والملاحظ في الأمة الإسلامية -وللأسف- أنها إذا ضربت أفاقت، وتبقى إفاقتها مادامت الضربة حارة ساخنة، فإذا بردت تعود إلى النوم فتأتي ضربة أخرى وهكذا، وهذه من الأخطاء التي حلت بالأمة الإسلامية، فيجب أن تكون دائماً مستيقظة، وحذرة؛ لأن الأعداء لا ينامون ولا يغفلون.
стр. 989
الأسئلة
стр. 990
أحوال الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ
السؤال
عندما ارتد معظم أهل جزيرة العرب عن الإسلام في عهد أبي بكر ﵁ هل هذا إشارة إلى أن إسلامهم في عهد الرسول ﷺ كان تحت قوة السيف أو لأطماع أخرى، ولم يكن رغبة في الإسلام ذاته؟
الجواب
هم أصناف: منهم من دخل في الإسلام أو أظهر ذلك وهو كاذب، ومنهم من لم يتلق التربية الكافية في أن يكون مؤمناً حقاً، ومنهم من ظنَّ أنَّ المسألة حدث من الأحداث العادية: رجل تغلب ثم مات، ومادام أنه قد مات فإن أمره قد انتهى، فهم أصناف متفاوتة في ذلك، لكن الطابع العام أو العبرة العامة التي يجب أن نأخذها، هي أن الإنسان الذي لم يتلق التربية الإيمانية الكافية هو عرضة للانحراف وأن يرتد إذا وجد المؤثر، فإنه بلا شك أن وجود المجرمين المتنبئين الدجالين ماكان ليظهر لولا أن صدقهم أولئك الذين كانوا حديثي عهد بإسلام، وضعاف الإيمان، ولم يرسخ الإيمان في قلوبهم، كما ذكر الله تعالى ذلك عن الأعراب، فمعظمهم على هذه الشاكلة، بخلاف مكة والمدينة، والبلاد التي كان الإسلام فيها قديماً، كبني عبد القيس فإنها ثبتت لأن الإيمان قد ثبت وتأصل في النفوس.
стр. 991
كيف تواجه عدوك
السؤال
لاشك أن أعداء الإسلام يجتهدون في الليل والنهار لهدم هذا الدين، فما الطريق الذي يجب أن يسلكه الشباب المسلم لمواجهة هؤلاء الأعداء؟
الجواب
قد اختصرنا الإجابة عليه في أمرين:- الأول: أن نكون نحن أهلاً لنصر الله وذلك بتقوى الله وبطاعته الله، وبالتزام أوامره، وبالتمسك بهدي النبي ﷺ وسنته، وترك جميع البدع والمعاصي والشركيات، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠] فإذا صبرنا واتقينا؛ فإن كيد المؤامرات لا يضرنا أبداً -بإذن الله- ولكن إذا لم يكن فينا شيء من ذلك، أو ضعف فينا الصبر والتقوى، فإننا نكون عرضة لذلك.
والأمر الآخر -كما أشرنا- أن نعرف أعداءنا، وأن نجتهد مثلما يجتهدون ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] فهم يبذلون الجهود والأموال والتضحيات ليل نهار ومصيرهم إلى النار، فكيف لا يبذلها من مصيره -بإذن الله تعالى- مع إخلاص النية وصدق العمل إلى الجنة، هذا هو المهم.
стр. 992
يطلع قرن الشيطان من المشرق
السؤال
ورد عن النبي ﷺ أنه قال عن جهة المشرق عندما ذكر أهل الشام واليمن بالخير، قال عن المشرق: هناك قرن الشيطان، هل الذي ورد صحيح، وهل توضحوا لنا ذلك؟
الجواب
نعم الحديث صحيح ﴿ويطلع من هاهنا قرن الشيطان، وأشار بيده إلى المشرق أو نجد﴾ وفيه دلالة من دلائل النبوة على صدق نبوة النبي ﷺ ، فإن الإنسان إذا كان في المدينة -كما تعلمون موقعها- وأشار إلى جهة المشرق أو إلى جهة نجد، فإن الفتن تكون من هنالك، فمعنى ذلك أنه الجناح الشرقي من العالم الإسلامي، وأوضح مثال لذلك بلاد الفرس وما حولها، تكون مصدر الفتن للإسلام، وهذه حقيقة، فإن الإنسان إذا قارن ما ظهر من الضلالات، ومن الفرق، ومن الطوائف، ومن الكيد للإسلام من المشرق بما ظهر في المغرب؛ لوجد النسبة ضئيلة جداً لا تكاد تذكر، حتى أن العبيديين الذين حكموا مصر وبلاد المغرب أصل تربيتهم كانت في الكوفة في المشرق، فهذا إشارة إلى أن أعظم من يكيد للإسلام، وسيظل يكيد له إلى قيام الساعة هم أمة المجوس الفرس، إلاّ من هداه الله ﵎ منهم ودخل في الإسلام، ولو استعرضتم وقرأتم كتب الفرق -أي كتاب من كتب الفرق- كـ الملل والنحل، والفرق بين الفرق، والتنبيه والرد وأي كتاب آخر تجدون أن حوالي (٨٠%) أو (٩٠%) من الفرق ظهرت من تلك البلاد بالفعل، فهذا تصديق لما قاله النبي ﷺ .
стр. 993
تشويه الصحابة
السؤال
من مؤامرات أعداء الإسلام إدخال الدسائس في التاريخ الإسلامي، وذلك بتشويه حياة الصحابة والتابعين وغيرهم وتصويرهم بأنهم خمارون وعشاق، فحبذا أن تبين لنا قليلاً في هذا الموضوع؟
الجواب
نعم هذا من أهدافهم؛ لأن القدوة التي يقتدي بها المسلمون ليعودوا إلى دينهم الحق هم هؤلاء الرجال، فإذا تشوّهوا فإنّ القدوة تكون مفقودة، ومالنا نقول شوهوا الصحابة والتابعين، وقد شوهوا سيرة رسول الله ﷺ ! انظروا إلى الذين كتبوا عن سيرته ﷺ الموجودة في القرآن وهو المصدر الأول لها والسنة الصحيحة، انظروا إلى الذي كتب على هامش السيرة وأدخل في السيرة من اختلاقه المحض، الذي لا وجود له لا في كتب المسلمين ولا اليهود ولا النصارى، وفيه روايات طويلة وحب وغرام وأشياء أخرى، وغيره أيضاً، ماذا كانوا يريدون؟ ثم جاء بعدهم من يكمل المؤامرة، فيقول: نحول كتاب على هامش السيرة إلى مسلسلات في رمضان، لأن هذا كتاب عظيم والمؤلف قدير ومشهود له، فيزداد البلاء بلاءً، كان الواحد يقرأ أن فلاناً أحب فلانة ويأتي وإذا به يشاهد مشهد حب علني واضح أمامه وباسم سيرة النبي ﷺ ، فانظروا إلى أي حد يصل الامتهان والاحتقار لهذا الدين ولرسوله العظيم ﷺ ، وإلى أي حد تكون غفلتنا! فشوهوا سيرة النبي ﷺ ، وشوهوا تاريخ الصحابة.
أبو عبيدة أمين هذه الأمة كما نطق بذلك النبي ﷺ ، يفتح الله على يديه بلاد الشام، يكتبون عليه في كتبهم وفي مسلسلاتهم أنه فتح بلاد الشام عن طريق العشق والحب!! الذي وقع بينه وبين بنت هرقل، أمين هذه الأمة عاشق خائن، فبالله من هو الأمين فينا إذاً؟! هل فينا إذاً أحد أمين؟! إذا كان أميننا بهذا الشكل؟! وهكذا يريدون أن يشوهوا خالد بن الوليد، كما كتبوا: يقاتل المرتدين لأن مالك بن نويرة لديه زوجة جميلة ويريد أن يتزوجها، وفي معركة واحدة تكسرن عشرة سيوف في يد خالد بن الوليد أمام الفرس، وشهد لهم بأنه مارأى أمة أقوى منهم.
ووصل إلى المدينة من سبايا الأمم ما عجز الناس عنها، حتى أصبحت أجمل بنات الفرس والروم من بنات الملوك تباع بدينار وبدينارين، فهل هؤلاء ناس يريدون الشهوات؟! يتركون هذا البيع المعروض ويذهبون إلى تلك البلاد، ويموتون على أسوار القسطنطينية وعلى حدود الصين وفي الأندلس وهدفهم البنات -سبحان الله! - ولو قيل لأحد منا -وعلى ما في إيماننا من ضعف وعلى ما فينا من ذنوب- أن هدفك من هذا العمل بنت تراها وتحبها، والله لا يرضى، وسيغضب ويقاتل، ويطالب بحقه، وكلنا لا نرضى بهذا، ويكتب عن أصحاب النبي ﷺ ، ويبرمج ويوضح علانية عنهم أو عمن بعدهم ولا نكاد نتأثر -سبحان الله! - هذا دليل من الأدلة على الحال التي وصلت إليه هذه الأمة.
стр. 994
أسباب الحقد على الإسلام
السؤال
لماذا هؤلاء الحاقدون على الإسلام يريدون تدمير هذا الإسلام الحنيف؟
الجواب
الشرك يريد أن يدمر التوحيد، والبدعة تريد أن تدمر السنة، والمعصية تريد أن تدمر الطاعة، والشيطان يريد أن يدمر الإنسان التقي النقي الصالح، فكيف لا يقع هذا العداء، ولم نعجب منه؟! ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة:٣٦] فهذا الشيطان، وهؤلاء أذنابه وأذياله وأتباعه، فهم أعداء حسب السنة الكونية التي جعلها الله ﵎ حينما أهبطهم منها جميعاً -أي الشيطان وآدم ﵇ فإن العداوة لا بد أن تستمر، وكيف لا يعادينا اليهود وقد قتلوا وطردوا من بلاد الإسلام؟! كيف لا يعادينا المجوس وقد دخل المسلمون بلادهم، وهدموا عروشهم، ودمروا دينهم، واحتلوا كافة ممتلكاتهم؟! كيف لا يعادينا النصارى ونحن نعبد الله، وهم يعبدون المسيح، ويعبدون الصليب، وقد دخل أصحاب محمد ﷺ أعز وأعظم ممتلكاتهم، وهي الشام ومصر وشمال أفريقيا، وأخذوها وغزوهم في عقر دارهم؟ هذه سنة الحياة، ولا بد من الصراع بين الحق والباطل، حتى وإن تهاونّا نحن غزونا في عقر دورنا، فلا غرابة إذاً في هذه العداوة.
стр. 995
كتاب منهاج السنة النبوية
السؤال
سؤال عن كتاب منهاج السنة النبوية؟
الجواب
منهاج السنة النبوية كتاب ألفه شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ وجدير بكل مسلم من أمثالكم أن يشتريه، وقد طبع سابقاً في أربعة أجزاء في مجلدين، وعلى حاشيته جزء من كتاب درء التعارض، وقد طبع مؤخراً الكتاب بتحقيق محمد رشاد سالم في تسعة مجلدات، وكل من كتب عن الروافض فإنّه عالة على هذا الكتاب، وفي الكتاب تحقيق للأحاديث وللقضايا التاريخية، وتمحيص للقضايا الفقهية التي يعارض فيها أولئك، وأيضاً فيه بحوث عميقة وأصيلة، في كل قضية تعرّض لها أولئك، وهذا من نعمة الله على هذه الأمة أن هيأ لهم مثل هذا الرجل وأن ألف مثل هذا الكتاب.
وأصل قصة هذا الكتاب أن أحد ملوك التتار أراد أن يدخل في الإسلام وكان نصرانياً، لأن دينهم لا يقبله العقل، فتقدم إليه أحد الروافض ويدعى ابن مطهر الحلي، والذي يسميه علماء الجرح والتعديل ابن منجس لأنه أبعد شيء عن الطهارة، فكتب كتاباً من خمسين صفحة تقريباً عنوانه منهاج الكرامة جاء فيه بأدلة وبراهين على أن دين الرافضة أفضل الأديان، من أجل أن يدخل هذا الملك في دين الرافضة، فجاءه شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية يرد عليه ويقول: قال الرافضي: البرهان الأول ويمسك على هذه الكلمة -أحياناً- مائة صفحة على سطرين أو ثلاثة، وينقدها نقداً أحياناً من ثلاثين أو عشرين وجهاً، أو أكثر من الوجوه العقلية، بحيث لو قرأها يهودي أونصراني أو مشرك بعيد كل البعد عن السنة والشيعة، لكنه عاقل منصف، لأيقين أن هؤلاء أهل السنة على حق أبلج واضح، وأن الروافض على فساد وعلى ظلام وضلال، وهذا من فضل الله أنه قيض هذا الكتاب، حتى أنه أثار عليه حسد الحاسدين، مثل السبكي -غفر الله له وكان من العلماء الكبار- أثار حسده هذا الكتاب على شَيْخ الإِسْلامِ، وقال: إن الرافضة لا يحتاجون إلى أن يرد عليهم، وما استطاع أن يقول شيئاً -تقريباً- لأن الرفض مشهور ومعروف أنه باطل، والناس في غنيةٍ عن رد مذهبهم إلخ.
стр. 996
مؤلف كتاب البداية والنهاية
السؤال
سؤال عن كتاب البداية والنهاية؟
الجواب
الكتاب لابن كثير، وهو كتاب معروف في التاريخ.
стр. 997
التسمية بعصر الانحطاط
السؤال
نحن نسمع عن عصر الانحطاط، وفي هذا العصر ظهر شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية، وظهرت الحركات الإصلاحية، فما رأيك في هذه التسمية؟
الجواب
الأمة الإسلامية -بلا شك- مرت بعصور انحطاط، ومنها عصرنا هذا الذي نعيش فيه، لكن الحقيقة التي نقولها نحن ونؤكد عليها: إن كل عصر انحطاط فيه حركة تجديد وفيه دعوة، وهذا فضل من الله لأن الرسول ﷺ -وهو الذي لا ينطق عن الهوى- صح عنه من طرق عديدة عن عدد من الصحابة أنه قال: ﴿لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين﴾ وفي رواية: ﴿يقاتلون على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله﴾ والمقصود بأمر الله ما وضحته الروايات الأخرى أنه الريح الطيبة التي تأتي قبيل قيام الساعة فتقبض أرواح المؤمنين، ثم يبقى الأشرار وعليهم تقوم الساعة.
فلا ضير أن نقول: عصور انحطاط، ولكن نقول: ولله الحمد كلما انحطت هذه الأمة فإن الله يبعث من يجدد لها دينها، أما الإسلام في ذاته فلا ينحط أبداً، ولم ولن ينحط، ولن يستطيع أحد أن يحط من شأنه، لأنه دين الله وأي أمة أو دولة تقوم بهذا الدين فإن الله ينصرها ويظهرها، فإن تخلّت عنه فإنه يستبدل قوماً غيرها ثم لا يكونوا أمثالها، أظهر الله تعالى صلاح الدين وأسرته بعد أن كانوا لا قيمة لهم تذكر، وبهذا الدين اعتلوا، ولما جاهد العثمانيون أظهرهم الله ، وتعلمون كيف بلغ ملكهم.
أيضاً لما عاهد محمد بن سعود ﵀ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ على دعوة التوحيد، انظروا كم كان من الأمراء في ذلك العصر موجوداً، وكم كان من حكام، وكم كان من قبائل، وكان محمد بن سعود أميراً على الدرعية فقط، ولا أحد يعرف عنها شيئاً، وليست إلا قرية صغيرة، ولما قامت هذه الإمارة الصغيرة على التوحيد، انظروا كيف ظهر الملك لهذه الأسرة! وهكذا كل من قام على التوحيد فهو مؤيد منصور، والأمة الإسلامية إذا هي تخلت عن التوحيد، وعن العمل بالكتاب والسنة، فإنها تنحط؛ فيستبدل الله قوماً غيرها، فهذه سنّة جعلها الله أن من نصر هذا الدين فإن الله ينصره، كما قال ﷺ : ﴿إن الله ليرفع بهذا الدين أقواماً ويضع به آخرين﴾ فبحسب التمسك به يرتفع الناس.
كان خلفاء بني أمية يحكمون العالم تقريباً، وبقية ملوك العالم يعطونهم الجزية، وكان الناس -أيضاً- يعظمون العلم والعلماء، فحج عبد الملك بن مروان وهو ملك الدنيا في عصره ومعه أولاده وحشمه وحاشيته، ومروا في موسم الحج وإذا بزحام شديد وعظيم، فتعجبوا من هذا الأمر! ومن هذا الرجل الذي يزدحم عليه الناس! وإذا به عطاء بن أبي رباح من التابعين قال عنه ابن كثير: كان عبداً أسوداً نوبياً أعمى أقطع، أوصاف كل واحدة منها كافية لكي ينفر منه الناس، وأيضاً كان هذا في عهد أواخر الصحابة، وفي حياة بعض الصحابة، ويكون بهذه الهالة وهذا الاجتماع العظيم وهذا الزحام الشديد على هذا الرجل؛ لأنه عالم أظهره الله ﴿يرفع الله بهذا الدين أقواماً ويضع به آخرين﴾ فهذا الدين وضع أبا جهل وغيره من كفار قريش، ورفع هذا العبد الأسود النوبي الأعمى الأقطع، ورفعه حتى حسده الوليد بن عبد الملك، فقال: يا أبتاه ما هذا؟ قال: يا بني هذا هو الملك، لا ما نحن فيه، فإن من حولي وحولك لولا الملك ما اجتمعوا، وأما هذا فإنهم يأتونه راغبين.
المقصود أن هذا الدين يرفع الله تعالى من تمسك به مهما كان، ومن تركه وتجافى عنه أذله الله -مهما كان-.
стр. 998
إحراق الإمام علي للروافض
السؤال
أرجو أن توضحوا لنا كيف قام الخليفة الراشد علي بن أبي طالب بحرق أولئك الروافض، مع أن الرسول ﷺ نهى عن الحرق بالنار؟
الجواب
نعم، لو رجعت إلى صحيح البخاري لوجدت أن عبد الله بن عباس ﵁ على فقهه وعلمه اعترض على ذلك، وهو لم يعترض على معاقبتهم لأن عقوبتهم بلا شك يجب أن تكون بأعظم عقوبة -وهي القتل- لكن قال: لو كنت أنا لقتلتهم ولما حرقتهم، لأن الرسول ﷺ نهى أن يعذب بالنار.
ومن الناحية الفقهية البحتة -لا شك- أن ما ذهب إليه عبد الله بن عباس هو الأرجح وهو الصحيح، فالذي يُفعل بهؤلاء الناس ليس الحرق وإنما هو القتل، فلا حرق ولا تعذيب بالنار في الإسلام.
لكن لله في ذلك حكمة، وهذا أمر واجتهاد قد وقع، ومن خليفة راشد، حتى يبقى المسلمون يتذكرون هذه القضية أنه في الإسلام -تقريباً- ما أحرق إلا هؤلاء الناس، ويقال أن الفجاءة أحرق -الذي كان يعمل عمل قوم لوط- لكن هذه قضية مشهودة، مرئية، متواترة، لماذا أحرقهم؟! هل لأنهم قالوا: نحن نقاتلك! هل لأنهم كفروه؟! لا، لأنهم قالوا: أنت الله!! من شدة تعلقهم به، وهذا هو الذي يفعله هؤلاء الطائفة إلى اليوم، حتى يبقى في ذاكرة الأمة الإسلامية أنه قد يبلغ بالإنسان من شدة ما يرى من استحقاقهم للعذاب والألم، أنه قد يتجاوز الحد الراجح إلى الحد المرجوح أو غير الراجح، والموضوع من الناحية الفقهية فيه كلام.
стр. 999
حل مشكلة امتلاء المكتبات بالغث والسمين
السؤال
المكتبات مليئة بالغث من الكتب الغير النافعة لذلك تجد الشباب في حيرة في اختيار الجيد والمفيد، ما هو الحل لهذه المشكلة من تنظيف المكتبات من الغث والكتب الضارة؟
الجواب
الحقيقة أن أزمة الفكر والثقافة في الأمة الإسلامية أزمة رهيبة، هناك الآن غزو رهيب غير الكتب، وهي تتمثل في المجلات الفاسدة التي تتاجر بالصور الخليعة -وهذه مع الأسف- لم تعد مقصورة على المكتبات بل غزت جميع الدكاكين، الآن حتى البقالات موجودة فيها، ونخشى أننا لو سكتنا واستمر هؤلاء الناس أن يبيعوها في كل متجر وفي كل مكان، ولاشك أن لهم من وراء ذلك غرض لولم يكن منه إلا الربح المادي لكفاهم، وذلك أنك تأتي -مثلاً- بمائة نسخة من أي مجلة خبيثة في بقالة صغيرة، فتباع جميعاً في يومين أو ثلاثة أيام، وهذا شيء عجيب!! أموال الأمة تذهب في هذا الهراء، فهذا هو الجانب الأول الذي يمسخ الأخلاق والفضيلة في المجتمع.
والجانب الثاني على المستوى الفكري البحت: أن المكتبات الآن تمتلئ بالكتب وبالمؤلفات ولكنها غثة.
والحقيقة أن انتشار الكتب الغثة يعود إلى أمرين: ١ - ضعف المستوى العلمي عند الأمة، حتى أصبحت الأمة تقرأ الغث والسمين أياً كان، والنقد ضعف، فلا يوجد علماء نقاد، بل على العكس الآن لو أن أحداً كتب كتاباً فنقده آخر، لقالوا: هذا ما ينبغي، هذا تشويه، وهذا الكلام غير صحيح، فإن هذا أمر ينبغي علينا فعله، فلولا النقد لما توجهت الحركة العلمية والثقافية التوجه الصحيح، فهذا هو الأمر الأول.
٢ - أن الناس أصبحوا يشترون أي شيء.
وفي هذه المناسبة أنا أتعجب أنني أقرأ في الملاحق الأدبية دائماً أن الكتاب السعودي في أزمة والكتاب السعودي لماذا لا يكون عالمياً، والكتاب السعودي كذا، أنا أتعجب من هذا الكلام!! حقيقة أقول: هل هذا الكلام صحيح؟ إذا اعتبرنا الكتاب السعودي هو ما يكتبه الشعراء السعوديون والقصة القصيرة التي يكتبها الشباب الصغار، فصحيح أنها ليست رائجة ولا تملك الرواج العالمي، لكن كتب الخير رائجة -والحمد لله- خذوا كتب ورسائل الشيخ عبد العزيز بن باز وقد ترجمت إلى جميع لغات العالم، وهي موجودة في كل بيت مسلم الآن تقريباً فكيف تقول: أن الكتاب السعودي ليس منتشراً.
نحن في ذهننا أن الثقافة مفصولة عن الدين، فلهذا نتحسر أنه تقام معارض في خارج المملكة، والكتاب السعودي ليس موجوداً بينما تجد في هذه المعارض أنه لا يمكن أن يقام معرض داخل المملكة أو خارجها إلا وعلماء هذه البلاد موجوده كتبهم فيها، والآن كما يقول بعض الإخوة: نادراً أن تجد مثقفاً في العالم الإسلامي -مثلاً- لا يوجد لديه كتاب التوحيد وكتاب فتح المجيد وأحد شروح كتاب التوحيد التي كتبها العلماء مثل الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أو أمثاله.
стр. 1000
من مقتضيات التوحيد
تكلم الشيخ حفظه الله في هذا الدرس عن نعمة التوحيد، وحال الأمة قبله، ثم تحدث عن ضرورة تحقيق مقتضياته، وذكر من أهمها: الولاء والبراء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم نبه على صور من الولاء للكافرين، والتي يمكن أن يقع فيها المسلمون، مركزاً على أهمية متابعة النبي ﷺ وأصحابه في امتثال هذا الدين.
стр. 1001
نعمة التوحيد
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد: فنحن أمة الإيمان، وأمة التوحيد، ونحن الأمة التي اصطفاها الله وفضلها وشرفها على سائر الأمم، وربط بين أفرادها وقلوبها برباط التقوى، وجمع بينها بجامع اتباع رسول الله ﷺ ، فالحمد لله على ذلك، والحمد لله الذي هدانا لسنة خير المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والحمد لله الذي جعلنا ممن يحضر مجالس الذكر، ويحب الصالحين، ويجتنب مجالس اللهو والزور، ويكره العصاة والمفسدين والمجرمين.
الحمد لله الذي علَّمنا قيمة التوحيد، وعرَّفنا أنه من يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، وعرفنا أنه لا خير فينا، ولا في حياتنا، ولا في أي شأنٍ من شئوننا إلا بأن نكون على توحيد الله عابدين لله وحده لا شريك له، متبعين لرسول الله ﷺ ، وعلمنا أننا نحب في الله، ونوالي في الله، ونبغض في الله، ونعادي في الله، ونعطي في الله، ونمنع في الله، فأعمالنا كلها لوجه الله ﵎ ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وعلى هذا نجاهد أنفسنا، وندعو الخلق أجمعين إلى أن هذا هو دين أنبياء الله المرسلين، كما قال ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وكما قال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦]، فهذا الدين العظيم هو التوحيد الذي ميزنا الله به عن سائر الأمم، فهو النعمة العظمى، والمنّة الكبرى من رب العالمين ﵎، وهل يستوي عند الله من عرفه، ووحده، وعبده وحده لا شريك له، ومن أشرك معه غيره من خلقه؟ لا يستوون عند الله.
التوحيد هو معقد النجاة في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] فعلى هذا وإليه دعا رسول الله ﷺ وجاهد في الله حق جهاده، كما قال ﷺ : ﴿بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقومٍ فهو منهم﴾.
نعم.
من تشبه بقوم فهو منهم، فمن تشبه بأهل الإيمان والتوحيد والسنة والطاعة فهو منهم، ومن تشبه بأهل الكفر والنفاق والبدعة والعصيان فهو منهم.
стр. 1002
توحيد الصحابة
فمن أجل التوحيد جاهد الصحابة الكرام فخرجوا من هذه الجزيرة القاحلة في سبيل الله، وفي ذات الله، وانطلقوا شرقاً وغرباً يرفعون راية "لا إله إلا الله" فدانت لهم الدنيا وخضعت، حتى عجب المؤرخون وعجزوا عن تفسير هذه الظاهرة، هل في التاريخ كله من ظاهرة أعجب وأعيى للعقول منها؟ أمةٌ تنبعث من هذه الجزيرة -من هذه الصحراء- لم يكن لها حضارة، ولا علم، ولا تاريخٌ مجيد تفخر به، ولم تكن لها قيم إلا موروثات الجاهلية وعاداتها وتقاليدها، وتخرج لتدخل الناس في دين الله أفواجاً.
كان الناس في بلاد الشام تحت حكم هرقل، وكان هرقل -والي الشام - على دين النصرانية الباطل المحرف -هذا مثال من الأمثلة- ولما دخل أصحاب رسول الله ﷺ دمشق، لم يكن لهم فيها إلا مسجد واحد يجتمع فيه المسلمون، بقي فيه قلة، والبقية انطلقوا يجاهدون ويفتحون المدن الأخرى، وما تم لهذا الأمر إلا زمنٌ يسير حتى أسلم الناس كلهم، أهل دمشق ومن حولها، وبلاد الشام إلا من أعمى الله ﵎ بصيرته دخل الناس في التوحيد لما رأوا نور الإيمان، والتوحيد، ولما رأوا أخلاق النبوة ورأوا بيوت الله وكان فيها أصحاب رسول الله ﷺ وعلى رأسهم معاذ بن جبل في دمشق، ذلك الشاب التقي النقي -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- كانوا يهدون الناس بنور وأخلاق النبوة، فلما رآهم نصارى بلاد الشام قالوا: والله ما الذين صحبوا المسيح ﵇ -أي الحواريين- بأفضل من هؤلاء، رأوا الخلق ورأوا التواضع والزهد ورأوا إيثار الآخرة على الدنيا، ورأوا الإقبال على الله ﵎ وعلى تلاوة الذكر الحكيم وتعليم الناس هذا الدين العظيم، فدخلوا في دين الله أفواجاً منقادين راغبين غير راهبين.
стр. 1003
وضوح العقيدة الصحيحة
إن هذه العقيدة النيرة الخيرة ببساطتها، وبوضوحها فهي -والحمد لله- كالشمس في رابعة النهار، كما قال ﷺ : ﴿تركتكم على مثل البيضاء -وهي الشمس- ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك﴾ إنها قد استحقت أن تنجذب إليها القلوب، وأن تتفاعل معها مشاعر الناس قديماً وحديثاً، فيدخلوا في دين الله ﵎ أفواجاً.
стр. 1004
التوحيد أولاً
إن العقيدة هي أعظم وأفضل ميراث ورثناه، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، ورأس العلم: العلم بالله وبتوحيده-﵎ كما قال الله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [محمد:١٩].
العلم بالله ﵎ أن تعرف الله كما جاء في حديث معاذ -رضي الله تعالى عنه- لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن قال: ﴿فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فإذا هم عرفوا الله فأبلغهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات﴾ فمعرفة الله أساس كل شيء، يعرف أنه لا إله إلا هو ﵎ وأنه لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، ولم يكن له شريكٌ في الملك، ولا ولي من الذل، إنه العزيز الجبار المتكبر الذي إليه المنتهى، وبيده خزائن كل شيء، وأنه بيده ملكوت كل شيء، وأنه هو وحده الذي يُدعى، ويُرجى، ويُخشى، ويُخاف، ويُتضرع إليه، وهو حسيب المؤمنين وكافيهم في كل أزمة وفتنة ومحنة.
стр. 1005
تجديد معالم التوحيد
وعلى هذه العقيدة استقامت وصارت الدعوات التجديدية، يبعث الله ﵎ على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها، وكان من آخرها -كما نعلم جميعاً- تلك الدعوة العظيمة التي دعا إليها الإمام المجدد العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فجاء ليعيد لهذه العقيدة نقاوتها، وليعيد إلى هذه الجزيرة قيادتها، فحول التاريخ مرةً أخرى، فبعد أن كانت معاقل الإسلام، وحواضره، وعواصمه، هي: بغداد، أو دمشق، أو قرطبة، أو القيروان، عاد التاريخ مرةً أخرى إلى هذه الجزيرة الخيرة، عاد عبر التجديد الذي جعله الله ﵎ ميزة لهذا الدين فلا ينضب أبداً -بإذن الله ﵎ لتنطلق من جديد بنفس النقاء، والصفاء، والوضوح، والاتباع، فالحمد لله على ذلك، وهذا من فضله، ومنِّه، وجوده، وتوفيقه.
стр. 1006
بشائر التجديد
إنني لأبشر نفسي دائماً بأن هذه الصحوة الطيبة المباركة لا بد وأن تنتصر -بإذن الله- وإني لعلى يقين من هذا كما أننا موقنون أن الشمس سوف تطلع غداً؛ وذلك لأن الله تعالى هو الذي تكَّفل بنصر هذا الدين، ولأن رسول الله ﷺ هو الذي أخبرنا بذلك.
وسأذكر مثالاً واحداً من بشائر هذا النصر -لتعلموا أن ما قلته إنما هو عن حقٍ وحقيقةٍ بإذن الله- نحن نرى هذا الشباب المقبل على الله في كل مكان، نراهم إذا سمعوا عن رسول الله ﷺ حديثاً وصح عندهم عملوا به ودعوا إليه، واتبعوه ونشروه، فما معنى هذا؟ معنى هذا أن الصحوة قائمة على قاعدة الاتباع، ومن اتبع هذا الرسول ﷺ فوالله لينال من النصر والتأييد والتوفيق بمقدار اتباعه له، فهذا رسوله ﷺ ، وهذا حجته على خلقه، الذي جعل الله ﵎ محبته واتباعه معياراً لكل أحد من مدعي الإيمان: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] فالاتباع هو تحكيم رسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
فإذا قلت للأخ أو للأخت المسلمة: إن رسول الله ﷺ قال كذا، قالوا: سمعنا وأطعنا، فالحمد لله لم نعد كما كان الحال في السنوات الماضية نتبع مجرد أقوال أو آراء للعلماء منها الخطأ ومنها الصواب، وأعني بالعلماء: فقهاء الأمة الأربعة أو غيرهم، وإنما أصبحت الصحوة تتبع الدليل أينما كان، وللعلماء قيمتهم وكرامتهم ومنزلتهم، ولكن إذا صح الحديث فهو مذهب الجميع لا ينازع في ذلك أحد.
ولهذا قال الإمام الشافعي ﵀ عندما سأله الرجل عن أمرٍ فأخبره بالحديث، فقال: 'وأنت ماذا ترى؟، قال: أتراني في كنيسة؟! أترى عليَّ زناراً؟! أقول لك: قال رسول الله ﷺ وتقول: ما رأيك أنت؟ وهل لأحد من رأي بعد رسول الله ﷺ ؟ ' وصدق الله إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١].
стр. 1007
أساس الدين وقاعدته
أبشروا -أيها الإخوان- ما دام هذا طريقنا، فأبشروا واستبشروا خيراً ونصراً وتوفيقاً بإذن الله ﵎.
وإن مما يجب أن نذكره -ولا يخفى على أمثالكم- في هذا الشأن أن دين الإسلام وقاعدته العظيمة مبنية على أصلين عظيمين معروفين: الأول: ألا يعبد إلا الله، وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
والأصل الثاني: ألا يعبد الله إلا بما شرع سواء في كتابه أو في سنة نبيه ﷺ ، فلا يعبد الله ﵎ بالأهواء والبدع، وبهذا نفترق عن طريق المغضوب عليهم، وطريق الضالين، وهذا معنى الشهادة: بأن محمداً رسول الله ﷺ .
وهذه الشهادة العظيمة إذا عقلناها وعرفنا معناها، وحمدنا الله ﵎ على ذلك، واقتدينا برسول الله ﷺ ، وأصحابه، وأئمة الدعوة المجددين في فهمها وفقهها، والدعوة إليها ينبغي أن نعلم أن لها حقوقاً ولوازم ومقتضيات.
والمقصود أن هذه الكلمة العظيمة تؤتي ثمارها كما ذكر الله ﵎ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥].
стр. 1008
الولاء والبراء من أعظم مقتضيات كلمة التوحيد
إن شجرة التوحيد والإيمان -شجرة لا إله إلا الله- لا بد لها من أصول، وفروع، وثمار، ومن أعظم مقتضياتها وأوجب حقوقها ولوازمها أن يوالي العبد في الله، ويعادي فيه، وأن توالي المؤمنين، وأن تعادي الكافرين، فإن من والى عدو الله لا يمكن أن يكون محققاً لشهادة أن لا إله إلا الله، ولا آتياً لمقتضياتها، فالله تبارك تعالى قد بيَّن لنا أعداءه فيجب أن نعاديهم، وبيَّن لنا عداوة الشيطان، فقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]، هذا الشيطان عدو الله، فكيف نطيع الله أو ندَّعي أننا نطيع الله، ثم نطيع الشيطان ونتبعه ولا نعاديه! لا يمكن ذلك، فالله ﵎ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقّ﴾ [الممتحنة:١] انظر! كيف قال؟ عدوي وعدوكم -الله أكبر- وهل هناك أعظم فخراً من أن يكون اسمك مقترناً بالله ، فيكون عدو الله عدواً لك، ويكون حبيب الله حبيباً لك، نعمةٌ عظيمة لأنك تعادي وتوالي فيه ولوجهه .
ومن هم أعداء الله؟ قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢] نعم! هؤلاء هم أعدى أعداء الله ﵎ هؤلاء الذي يجب أن يعاديهم المؤمن، وهذا ما بينه الله ﵎ بقوله: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ [المجادلة:٢٢] فمهما كانت قرابتهم، فإنهم إن كانوا مؤمنين فلا بد أن ينابذوهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٨١] لا يمكن أبداً، فاليهود والنصارى والمشركون الذين يكيدون لدين الله ﵎ ويريدون أن يطمسوا ويطفئوا نور الله بأفواههم، لا يمكن أن يكونوا لنا أحبة ولا أن نودهم، بل لا بد أن نعاديهم ونبغضهم بكل أنواع البغض ابتداءً من الجهاد وانتهاءً بكراهية القلب.
فهم الذين قال الله ﵎ فيهم: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] وهل في إمكان أي مسلم أن يرغب عن ملة إبراهيم وأن يتبع ملة هؤلاء المجرمين المحرفين المبدلين، الذين جعلوا لله ولداً ﵎ والذين يحاربون الله ورسوله والمؤمنين في كل مكان، لا يمكن أبداً.
إذاً لا بد أن نخلص قلوبنا فنحب من أحب الله، ونبغض من أبغض.
стр. 1009
صور من الولاء للكافرين
المتأمل في حياتنا يرى أننا نعيش في حال يرثى لها من البعد عن هذه الأصول العظيمة، والمقتضيات الجلية الواضحة، فمن المسلمين مَن أحبوا أعداء الله، بل واتبعوهم، كما قال ﷺ : ﴿لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه﴾ منهم من اتبعهم ومنهم من لم ينكر عليهم، ومنهم من كان خطؤه في أنه أحب أعداء الله؛ وزاد على ذلك ببغض أولياء الله، وهذا ضلال مبين، فلم يكتف بأن يوالي الكافرين، بل زاد على ذلك معاداة الصالحين والمؤمنين! وبعضهم يعكس المسألة، لا يستطيع أن يرتب ولاءه وعداءه، وهذه آفة عظيمة تعتري القلوب، لأن الله كما رتب الأعداء يجب عليك أن ترتبهم في العداوة وكما رتب حب أوليائه كذلك يجب عليك أن تحبهم على الترتيب الإلهي والنبوي، فأكثر من نحب في هذه الأمة هو رسول الله ﷺ ، ثم الصحابة، ثم السلف الصالح أصحاب القرون الثلاثة المفضلة؛ وهكذا بهذا الترتيب، فلا نحب أحداً ممن جاء بعدهم أكثر منهم، المحبة الإيمانية الدينية الشرعية، وكذلك في البغض، نبغض اليهود والمشركين والكافرين، ثم نثني ببغض أهل البدع والضلال والانحراف، ثم نثلث ببغض أهل المعاصي، والفجور، والفسق، والعصيان، وهكذا، فلو أننا عكسنا ذلك، بأن أبغضنا المسلم الذين فيه فسق ومعصية أكثر من اليهودي أو النصراني لكان ذلك خطأً بلا ريب، ووضعنا الشيء في غير محله، فكيف لو عكس الأمر فأصبح الواحد يبغض المؤمنين الصالحين، ولا يبغض أولئك الكافرين؟ هذا لا يمكن أبداً -ونعوذ بالله أن يكون فينا من يكون كذلك- لكن هذه الحقائق غائبة عن كثيرٍ من المسلمين لعوامل كثيرة مثل الضعف في النفوس، وقلة العلم، وقلة الدعوة وهكذا.
والمقصود هو أن نعلم أهمية هذا الأصل العظيم وأن نجتهد جميعاً في إحيائه، واقعنا العملي يدعونا إلى ذلك، فمثلاً: ليلة رأس السنة الميلادي، عند النصارى، وعند الكفار، ما يسمونه بعيد ميلاد المسيح ﵇ فيا سبحان الله! هل يجوز أن نحتفل نحن بميلاد رسول الله ﷺ ؟ رسولنا ﷺ الذي هو أفضل من عيسى ﵉ والذي نحن من أتباعه، لا، والله لا يجوز ولا نرضى ذلك ولا نقره وذلك لأنه مُبتدع، مُحدث، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ونحن -والحمد لله- نعظم رسولنا ﷺ ونعزره ونوقره ونحبه؛ ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً، فلا نحتاج إلى أن نبتدع في دينه، أو نأتي بيوم نحتفل فيه بعيد ميلاده، كما يفعل بعض أهل البدعة أو الجهالة.
فإذا كان الأمر كذلك، فهل يجوز أن نحتفل بعيد النصارى؟! لا يجوز ذلك أبداً؛ لأن المسيح ﵇ لم يحتفل بعيد ميلاده ولا دعا الناس إلى ذلك، ولا يستطيع أي نصراني في الدنيا -مهما كان- أن يأتينا بنص واحد عن المسيح ﵇ ولا عن الحواريين-ولو كان محرفاً مبدلاً- أنه احتفل بعيد ميلاده أو دعا الناس إليه، ولو كان احتفالهم قراءة في الإنجيل! فهذا كله لم يرد.
فكيف -وهو مُحدث مُبتدع في دينهم- نأخذه نحن في ديننا؟ فكيف وهم يضيفون إلى البدعة والإحداث في الدين الكفر بالله ﵎؟ فيزعمون في هذه الاحتفالات أن لله ولداً -تبارك الله وتعالى عن ذلك- ويزعمون أن الله ثالث ثلاثة، ويدَّعون أن له الصاحبة، ويشركون به في صلواتهم ودعائهم، ويضيفون إلى ذلك شرب الخمر، والاختلاط، والأمور التي لا يرضاها ولا يقرها عاقل -لا منهم ولا من المسلمين من باب أولى- فهذا معيار من معايير الصدق في الاتباع وصدق شهادة أن لا إله إلا الله وتوحيد الله ﵎.
أمر آخر: كيف نرضى بأن يقيم أعداء الله بين ظهرانينا؟ كيف نستقدمهم؟ سواءً كانوا عمالاً، أو مهندسين، أو فنيين، أو خدماً، أو سائقين، أو أياً كانوا، يا سبحان الله! لو علم شخص أن قبيلةً من القبائل بلغ بها من العداوة لقبيلته أنهم يلعنون آباءه وأجداده ليل نهار، ويتهمونهم بكل مصيبة، أتراه يذهب إليهم، ويتعاقد ويتاجر معهم، ويحبهم، ويقربهم، ويدنيهم وفي إمكانه أن يأتي بغيرهم! لا والله؛ بل سيقول: كان ممن يسب قبيلتنا، ويسب آبائي وأجدادي، ويقول فينا هذا القول العظيم لا أحبه أبداً، هذا على الأقل من باب الغيرة القلبية، التي قد تكون مذمومة، وتكون محمودة، فإن لم تكن حمية لدين الله ولنصرته فهي مذمومة.
فيكف بمن يدَّعي أنه يُحب رسول الله ﷺ ؟ تجد أنه لو سئل مسلم أتحب رسول الله؟ يقول: كيف لا أحبه؟ فإذا قيل له اسأل هذا الذي عندك سواء كان مهندساً، أو فنياً، أو عاملاً اسأله عن رسول الله ﷺ ؟ سيقول: دجال، كذاب ليس بنبي، أعوذ بالله! فكيف تؤوي وتنفق وتعطي المال من يعتقد في رسول الله ﷺ هذا الاعتقاد؟ أين إيمانك؟! أين محبتك له ﷺ ؟! يدعي ويعتقد ليل نهار أن رسول الله ﷺ كاذب مفتري، وأن القرآن باطل، وأن المسلمين هم أصحاب النار، ويدعو إليه، وينشره، ويجمع المال من هذه البلاد ويرسلها إلى إخوانه هنالك، كل هذا يقومون به ونحن نحترمهم، ونحبهم ونقدرهم ونستقدمهم ونتعاقد معهم! بل ربما تربي الخادمة أبناءنا على هذا! وقد نشرت صورة الطفلين الذَين كانا يسجدان أمام التنور -البوتجاز- يسجدان له؛ لأن الخادمة كانت مجوسية، فعلمتهما أن يسجدا ويركعا للنار؛ لأنها مجوسية والعياذ بالله.
هذا دينهم وهذا اعتقادهم! فكيف نؤويهم وبيننا وبينهم فوارق كبيرة؟! نحن نقول: لا إله إلا الله، وهم يقولون: إن الله ثالث ثلاثة! هذا إذا كانوا نصارى، أما إذا كانوا من الهندوس فالآلهة عندهم بالآلاف أو بالملايين! كل شيء إله، يعبدونه -تعالى الله عما يصفون- هذه عقيدتهم.
نحن نشهد أن محمداً رسول الله، وهم يشهدون في كل حين أنه كاذب، افتراءً على الله! وحاشاه من ذلك ﷺ .
نحن نصلي الصلوات الخمس ونتوضأ لله كل حين، وهم لا يذكرون الله إلا على دينٍ باطل، ولا يصلون لله بل يستغيثون ويدعون غير الله سواء المسيح أو غيره، بل جعلوا عيسى ﵇ هو الرب، وهو الذي قال لهم: اعبدوا الله ربي وربكم، سبحان الله! فهل بعد ذلك أحبهم وأشاركهم في العمل، ويكونوا معي في البيت، وأتعامل معهم بالتجارة وأنا أستطيع أن أستغني عنهم؟! لا والله، لا أتاجر معهم، ولا أشتري بضائعهم وأنا أستطيع أن أشتريها من مسلم، بل حتى في الطعام نحن نأكل الطعام الحلال الطيب، وهم يأكلون الميتة، والجيفة، والخنزير، ويشربون الخمر، سبحان الله! قذارة حسية، وقذارة معنوية، كفر، ذنوب مشينة، حياة نكدة، ومع ذلك نجد فينا من يحبهم أو يعظمهم أو يكرمهم أو يواليهم! سبحان الله العظيم! كيف يجتمع هذا وهذا؟!
стр. 1010
مكر الكافرين بالمسلمين
إن مكر الكافرين بالمسلمين عظيم وواضح، فإذا تأمل المسلم ماذا يريد اليهود في فلسطين؟ يريدون أن يهدموا المسجد الأقصى وينشئوا الهيكل المزعوم! هيكل سليمان، ويريدون أن يستأصلوا المساجد، وبيوت الله، والقضاء على من يذكر الله ومن يقول: لا إله إلا الله في تلك الأرض المباركة.
والنصارى في مصر ولبنان وغيرها يريدون أن يكون الحكم بأيديهم، أن يذلوا المسلمين به، وهذا بيَّنه أحد الذين هداهم الله من القساوسة وأسلم، إذ قال: إنهم يلبسون اللباس الأسود في مصر من بين سائر دول العالم، حداداً على هزيمة النصرانية ودخول الإسلام إليها، ولن ينزعوا هذا اللباس إلا إذا لم يبق في مصر مسلم واحد! ويُذكر أن الكنائس في مصر تعبّأ بالأسلحة! وقلاع لا يدخلها أحد، لا أمن مركزي ولا غيره، أما بيوت الله فهي التي تنتهك وتفتش! وهي التي يسحب الأئمة منها، ويوقفون ويمنعون بحجة أنهم متطرفون، أما النصارى، فيمكَّنون لكي يقيموا دولة الشرك والتثليث على أرض فتحها أصحاب محمد ﷺ ! بل حتى في البوسنة والهرسك فقد أعلنوا -بصريح العبارة مراراً-: لا يمكن أن نسمح بقيام دولةٍ إسلامية في وسط أوروبا، لأن أوروبا نصرانية.
هذا في القرن العشرين وبعد الثورة الفرنسية المجيدة كما يزعمون، وبعد ظهور الديمقراطية، وبعد الحرية الدينية، كلها مزاعم، فهم لا يزالون يقتتلون! الكاثوليك والبروتستانت، والجيش الجمهوري الايرلندي والإنجليز، فأين هذه الحقوق التي يقولون ويتشدقون بها؟ لو كان شعب البوسنة كله من الكاثوليك أو البروتستانت أو الأرثوذكس لانضووا تحت حماية الدول النصرانية، أما وهم من المسلمين فليس لهم أحد فليستأصلوا، وليبادوا كما أبيد المسلمون في الأندلس، إذ قتلوا جميعاً ولم يبقَ منهم أحد! هكذا الحقد يبلغ بهم، ونحن لما فتحنا بلاد الشام، ومصر، وكان الأقباط والنصارى فيها لم نفعل بهم كما فعلوا بنا، بل لا يزالون فيها إلى اليوم، هذه السماحة التي وصفها الشاعر بقوله:
ملكنا فكان العفو منا سجية ولما ملكتم سال بالدم أبطحُ
نعم، فشتان ما بيننا وبينهم، وكل إناء بالذي فيه ينضح، هكذا نحن لأننا نهتدي بهدي الله، وبأخلاق رسول الله ﷺ ، أما هم فهذا الذي يريدون.
ومع ذلك نجد من يريد أن يجعل الوحدة الوطنية، أو الأخوة الإنسانية فوق كل اعتبار، أو فوق عقيدة التوحيد، عقيدة لا إله إلا الله.
стр. 1011
التنصير
حتى في هذه الجزيرة الطيبة الطاهرة أراد صانعو الخيام أبناء بولس الذي علمهم أن يدخلوا إلى الأمم التي لا يستطيعون أن يجهروا فيها بـ النصرانية، أن يدخلوا وهم صانعو خيام! أي: امتهن أي مهنة وادخل من خلال المهنة والحرفة لتدخل الناس في دين بولس -أرادوا أن يدخلوا فيها- فقد كثرت في الآونة الأخيرة المؤلفات والمقالات عن التنصير في الخليج، مثل الكويت والإمارات والبحرين وبنيت الكنائس فيها في الميادين العامة، والدعوة فيها علنية، حتى المعابد الوثنية علنية، أمرٌ تشيب له قلوب المؤمنين، وأما في هذه البلاد فهم يتسترون، لما يعلمون -والحمد لله- من وجود بقايا من أهل الحق والخير لن يرضوا أبداً بهذا الكفر وبهذا الشرك، لكنهم يعملون في صمت، ويجتهدون ويخططون.
وفي إفريقيا لهم مكر عظيم، فقد قال بعض الإخوان من الدعاة إلى الله ذهب إلى إفريقيا، قال: قلت في نفسي أذهب إلى قرية بعيدة لا أجد فيها أحداً من المنصرين، فلما دخل القرية، قال: هذه القرية لا يمكن أن أرى فيها أحداً، قال: وإذا بي أجد عجوزاً نصرانية قدمت إلى هذه القرية وهي شابة وضلت تدعو وتحاول التنصير حتى هرمت وشاخت وهي بتلك القرية في المناطق الحارة البعيدة، وقد جاءت من مناطق أوروبا هناك حيث الجو البارد الجميل، والترفيه، والحضارة.
سبحان الله العظيم! كيف يخططون ويمكرون؟ وهم في هذه البلاد أشد مكراًَ، يعلمون أنه إذا كان الصوماليون، أو السودانيون، أو التشاديون، يرفضون التنصير فأهل هذه الجزيرة أكثر وأشد رفضاً.
стр. 1012
تحرير المرأة
ولهذا فهم يتسللون إلينا من بعيد، وبحكمة -في نظرهم- ودهاء وخبث، فيتسللون عن طريق قضية تحرير المرأة، فجعلوا قضية المرأة قضيةً اعتقادية، وجعلوا من دينهم ومبادئ دعوتهم تحرير المرأة.
نحن هنا ما عرفنا ولا عهدنا أن تخرج المرأة وتتبرج، فجعلوها كذلك، ومن هنا يجب علينا أن نجعل مقاومة ذلك ديناً وعبادة، المرأة إذا تحررت وخرجت واشتغلت بالزينة والمكياج لمن هب ودب، ولمن جاء وراح، وأخذت تذهب وتأتي في الأسواق، وتشتري الأفلام والمجلات، وتعمل مع الرجال، يتربى الأبناء وهم أكثر قبولاً للتنصير، أو لأي عمل يريدونه.
المرحلة الأولى: هي إخراج المسلمين من دينهم، وهذه تتحقق لهم بوسائل، منها ما يسمونه: تحرير المرأة.
المرحلة الثانية: ولو بعد جيل أو جيلين أن يدخل المسلمون في دينهم.
هذا تخطيط ماكر خبيث، ولهذا نجد إندونيسيا ونيجيريا وبنجلادش حتى باكستان وأفغانستان تمتلئ -فضلاً عن شرق إفريقيا - بالمنظمات النصرانية التي لا تخاطب الناس -بالضرورة- من أول يوم بالتنصير، وإنما تعطي الطعام والدواء ووسائل النقل وكل شيء، حتى يأتي الجيل الثاني فتربيهم من الصغر على أن يكونوا نصارى والعياذ بالله.
وهم الآن يخططون لهذه البلاد -ولدينا حقائق عجيبة من هذا- أصبحنا مثل الغنيمة الباردة! الروافض يعملون، والصوفية يدأبون ويعملون، والعلمانيون يعملون، والحداثيون يعملون، ولم يُكتفى بهذا، بل حتى اليهود والنصارى أصبحوا يعملون ويجتهدون، ونحن في غفلة كأننا مخدرون، وهمنا الدنيا والدرهم والدينار، بُنيت كنائس في الرياض، وفي جدة، والمنطقة الشرقية، وفي مناطق كثيرة، ولكنها لم تظهر بشكل بارز، لكن لو فتشنا لوجدناها توزع أناجيل بشتى اللغات، ونشرات، ومجلات، ودوريات، وكلها تريد أن تخرج هذه الأمة من دينها؛ لأننا لم نقم بمقتضى توحيد الله وشهادة أن لا إله إلا الله فنتبرأ منهم ونعاديهم ونطردهم ونخرجهم.
أمرنا رسول الله ﷺ فقال: ﴿أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب، لا يجتمع دينان في جزيرة العرب﴾ فلما خالفنا هذا إيثاراً للدنيا، وقلنا: هذا مهندس، وهذا فني، وهذا خبير، وهذا لا شيء فيه، وخدعنا بهم، كان ما ترون ولا حولا ولا قوة إلا بالله.
قد يقول قائل: لماذا نتحدث عن اليهود والنصارى وهم أمة قوية متحضرة؟! نحن نحتاج إليهم في بعض الأمور، نقول: نعم، ولكن كل شيء له ضوابط، لو أننا اكتفينا بالخبراء المتخصصين في أمور نادرة لهان الخطب، لكن حالنا اليوم عجيب، نستدعي سائقاً مجوسياً أو بوذياً أو هندوسياً؟ ألا يحكم السواقة إلا هؤلاء، ألا نجد حنيفاً مسلماً يقود السيارة؟ أو نستدعي خادمة، أو عامل نظافة، أو غير ذلك من المهن.
فجاءنا عباد البقر، ورفعوا عقيرتهم، واستطالوا علينا -وهم أخبث الملل وأرذل النحل- لأننا كالغنيمة الباردة، انهب وكُلْ، وإلا فهي لغيرك! أمة غافلة، فيجمع الهندوس من هذه البلاد الأموال، حتى إنهم يفرضون ضريبة على العمال المسلمين من بلادهم، - (٢٠%) الخمس-، يجمعونها ثم يرسلونها إلى الحزب الهندوسي المتطرف لكي يحكم الهند فيستأصل المسلمين بعد ذلك، الله أكبر، ونحن إذا قَبِلنا عاملاً منهم نحترمه ونبجله، ونعطيه المرتب، ونستقدمه، المسلم لديه الخبرة والاختصاص ولا يستقدم! إنه الهوان على الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨].
بل قد يقول بعض المسلمين: هذا الكافر أمين وطيب وصادق! أعوذ بالله! هل هو صادق حتى في قوله إن لله ولداً، وأن محمداً ﷺ كاذب ليس برسول؟! بل بعضهم يقول: المسلم يخسرنا بالصلاة والحج والعمرة أما الكافر فلا! وكأننا -والعياذ بالله- نقول: لا نريد المؤمن لإيمانه، ونحن نحب الكافر لكفره وهذا كفر صريح لو قالها، أو اعتقدها.
نأتي بممرض من الممرضين، كم الأطباء المتخصصون في التوليد، زعموا؟! إن المتأمل في الوظائف التي يستقدم لها من غير المسلمين يجدها وظائف غير متخصصة، فإما خياط يقيس أفخاذ وأكتاف بنات المسلمين، أو طبيب في التوليد يُحدد من نسل المسلمين بعمليات لا ضرورة لها، ومع ذلك تجد من المسلمين من يرمي زوجته كأنها شاة، ثم يأتي يأخذها لا يدري ماذا صنعوا بها؟ ومن الذي ولدها؟ سبحان الله! أين الغيرة؟ أين الإيمان؟ لا يجوز للطبيب المسلم التقي أن يولِّد امرأة أجنبية إلا للضرورة القصوى! فكيف وهو كافر؟ فكيف وأفعالهم قد شهدت قديماً وحديثاً أنهم يبطنون الغدر والمكر والكيد للمسلمين؟ ثم يُؤتى بالممرضات، والمضيفات -الخادمات- فيكون بعدهن الفساد.
تأتي ممرضة راتبها ألفان، وبعد أشهر تحول إلى بلدها ثلاثين ألف ريال! بل واحدة حولت مائة ألف ريال، كيف جمعت من ألفين ريال وألف وخمسمائة هذه المبالغ الكبيرة؟ من أين؟ أمن الراتب؟ لا والله بل ينشرن الرذيلة والدعارة والانحلال، وهذا مكر الكافرين جميعاً بالمسلمين!! فقد نشرت عكاظ، وغيرها من الجرائد أن اليهود أرسلوا البغايا إلى مصر لنشر الإيدز فيها؛ لأنهم يريدون أن يحطموا مصر، وكما أرسلوا -أيضاً- إلى بانكوك، حيث يذهب بعض الشباب من هذه البلاد إليها أو إلى مانيلا فيحمل تلك الأوبئة الخبيثة مثل: الإيدز، والهربز، ويأتي بالأمراض إلى هذه البلاد.
هذه العداوة والمكر والتخطيط والخبث، ونحن في غفلة! وإذا أردنا البديل، قالوا: البديل أننا نُخرج الممرضة السعودية لتحل محلها، وكأنه لا بديل عن الفساد الخارجي إلا بفساد داخلي، فإما هندية، أو نصرانية فلبينية، أو تايوانية، أو سعودية، فهذه مغالطة: بل لا بد من معالجة المشكلة من جذورها واستئصالها من أعماقها؟ فكل هذه المشاكل لأننا لم نحقق مقتضيات شهادة أن لا إله إلا الله.
стр. 1013
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ومن مقتضيات التوحيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمعروف الأكبر هو التوحيد واتباع السنة، والمنكر الأكبر هو الشرك واتباع البدعة والأهواء، ولكن بعض الناس يظن أن هذه مهمة الهيئة، وهذا خطأ، لأننا لو فرضنا أن في كل شارع مركز للهيئة متكامل يراقب أربعاً وعشرين ساعة، باتصالات، وبرقابة متطورة، وبعناية واهتمام وهذا غير موجود مع الأسف، لأن المدينة الكبيرة فيها مركز واحداً! عليه أعباء هائلة لا يستطيع أن يتحملها إلا إدارات وليس مركزاً واحدا- لكن لو فرض أننا في الحالة الأولى، لما جاز لنا أن نقول: إن الهيئة هي المسئولة عن كل ذلك، لأن النبي ﷺ يقول: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده﴾ قال: من رأى منكم، أي أيها المسلمون جميعاً، ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه﴾.
فالواجب يقع علينا جميعاً، لأن الهيئة جهة تنفيذية وعقابية تنذر بالعقاب، أما أنا فأستطيع أن أغير بيدي في بيتي، أو في حدود ولايتي، أو في مدرستي، أو في الحي الذي لي فيه قيمة كأن أكون عمدة -مثلاً- أُغير بيدي، بقدر الولاية، والهيئة أحيل إليها من لا أستطيع معاقبته، لتعاقبه أو إلى المحكمة ليعاقب بما يقتضيه الشرع، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحفظ الله تعالى به أمن البلاد، ويحفظ به كلاً منا في أهله ونفسه وماله، فالناظر للأمن في بلادنا -يوم أن كان للهيئة الدور الكافي- كان أكثر من الآن، لكنه تدهور في كثير من المدن، والأحياء بدرجة فضيعة، لمَّا ألقي الحبل على الغارب، وقلصت صلاحيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك الناس ذلك الأمر العظيم، فوجدت مصانع للخمور، وليست قواريراً، بل مصانع تصنع فيها بالبراميل! وتباع بيوت وأوكار للدعارة والعياذ بالله.
وبيوت، واجتماعات، ولقاءات للفساد العقدي، وهو أخطر من الفساد الخلقي، يجتمع فيها المنصرون، والروافض، والصوفية والطرق البدعية، يجتمعون ولا تجد مَن ينكر.
وإدخال سيل جارف من الكتب والأفلام والمجلات والمطبوعات والنشرات، تتعجب عندما تراها، ولا تكاد تصدق أن هذه تقرأ وينظر فيها في بلد الإسلام والتوحيد، ومع ذلك كله تتدفق بما فيها من كفر واستهزاء بالله، وسخرية برسول الله ﷺ ، واستهزاء بالدين وبالحجاب وبتحريم الربا وبالجهاد وبكل ما نؤمن به ونعظمه ونعتقده من شعائر الله، فيها كل ما يحارب ذلك جميعاً، ومع ذلك لا نتفطن إلى هذا.
وإنما ديدننا دائماً: نحن بخير والحمد لله، ونحن أحسن من غيرنا، لا شك أننا بخير في جوانب كثيرة، وأننا أحسن من غيرنا، لكن إذا أردنا أن ننظر إلى أمر الآخرة فلننظر دائماً إلى من هو أعلى منا، وإذا أردنا أن ننظر إلى الدنيا، فلننظر إلى من هو دوننا هكذا علمنا ﷺ .
أما أن نعكس الأمر، فتجد الواحد منا إذا كان راتبه كذا ألف لا يقول: الحمد لله أنا بخير، وكثير من الفقراء أو من هم أقل مني في الوظيفة لا يجدون ما أجد، بل يقول: إنَّ هناك كثيراً أفضل وأعلى مني لا بد أن آخذ أكثر! وإذا أتينا إلى أمر الدين قال: نحن بخير، والحمد لله طيبين ولا يوجد شيء! عكسنا الآية وقلبنا الأمر، لا، بل يجب أن ننظر بعين صادقة.
فما نراه الآن في عيوننا أدق من الشعر كان في أعين أصحاب النبي ﷺ من الكبائر ومن العظائم، وهم المعيار، والمقياس الذي يجب أن نجعله أمامنا، فلا نستهين بمعصية وإن صغرت، لأنه كثرت علينا الصغائر حتى جاءت الكبائر، وحتى أصبحنا في طوفان -والعياذ بالله- يكاد أن يجرفنا عن ديننا وإيماننا، فلنراجع أنفسنا في هذا الأصل العظيم من أصول الإسلام ومن حقوق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
وأوجز ما تقدم فأقول: إن الواجب علينا -جميعاً- أن نحمد الله على هذا الدين والتوحيد، وأن نوالي المؤمنين، ونعادي الكافرين، وأن تكون سنة رسول الله ﷺ وأصحابه في القيام بحقوق لا إله إلا الله، ومقتضياتها أمام أعيننا دائماً، نتأسى بها، ونتمثلها قولاً وعملاً، هذا وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1014
الأسئلة
стр. 1015
مرض سوء الظن
السؤال
ما هو رأي الدين فيمن يسيء الظن بالناس وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
لا تقل رأي الدين يا أخي! ولكن قل: ما حكم الله؟ ما حكم الشرع؟ هذا ليس رأياً، الرأي رأينا نحن، أنا وأنت، أما ما كان من الدين، فهو حكم من الله.
حكم الله فيمن يسيء الظن بالناس نجده في قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] فمثلاً: إذا أسأت الظن بأهلك في البيت، فقد يُؤدي ذلك إلى اتهامهم بما لا يليق، وربما أدَّى ذلك إلى الطلاق -وكثيراً ما يقع هذا والعياذ بالله- وإذا أسأت الظن بالموظفين أو العمال؛ دفعتهم إلى الريبة وأفسدت نياتهم وإخلاصهم، وإذا أسأت الظن بجارك كان ذلك مدعاة إلى قطع العلاقة بينك وبينه، وإذا أسأت الظن بمن يتعامل معك كان ذلك أدعى أن يتحرز منك، وألاَّ يتعامل معك، وهكذا.
فلا تسيء الظن، ولكن كن ذكياً، وحذراً، وفطناً، وتنبه، أما أن تسيء الظن، فسوء الظن المجرد من الكبائر التي قرنها الله ﵎ بالغيبة.
وهناك من يظن أن معاملة الكفار أو المنافقين بحذر من باب سوء الظن، أي: إذا قلت: إن الكفار لا يحبون لنا الخير، ولا يريدوه لنا، قال: يا أخي! هذا سوء ظن! أقول: لا يا أخي! فرق بين هذا وهذا، الله هو الذي قال: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:١٠] أي: لا يراعون في المؤمنين عهداً ولا ميثاق، وهو -أيضاً- الذي أخبرنا أنهم لن يرضوا عنا كما قال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] فالله قال ذلك، وليس نحن الذي قلناه، فيجب أن نعتقد فيهم ما أخبرنا الله ﵎ به، فهم يحسدوننا كما بيَّن الله تعالى ذلك بقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤] يحسدوننا، ويبغضوننا، ويريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، وهذا ليس من الظن، وإنما هو حق لأن الله أخبرنا به.
стр. 1016
تطهير عرقي أم حرب على الإسلام
السؤال
هناك ما يُدعى تطهيراً عرقياً في البوسنة والهرسك مع أن النصارى قالوا: نريد القضاء على دولة الإسلام في أوروبا؟!
الجواب
يُغلِّفون دائماً الحرب على الإسلام بأغلفة، يقولون: حرب التطهير العرقي، فإذا رأيت الواقع رأيت الصرب البوسنيين الذين على دين النصارى وهم من البوسنة لا يُطردون! والصرب المسلمين يطردون! إذاً القضية ليست قضية العرق، وإنما القضية قضية دين وإيمان، والعجيب أنهم يصرحون -كما تسمع أحياناً في كلام أويل المندوب الدولي وفي كلام غيره- تصريحاً واضحاً بأنهم يعادون الإسلام، فيقولون: استئصال المسلمين، ويقولون: القوات المسلمة حتى في إذاعة لندن وأمريكا! وفي الإذاعات العربية يقولون: قوات البوسنة أو القوات البوسنية الكرواتية المشتركة، أو القوات المشتركة، كأننا نخاف ونتحرج من كلمة إسلام! مثل أخبار حرب بيروت قديماً.
كنا نسمع إذاعة لندن في كل ليلة تقول: بيروت الغربية، أو القسم الإسلامي من بيروت، وتقول: بيروت الشرقية النصرانية، أما الإذاعات العربية فلا نتكلم، لا نصراني ولا مسلم! بيروت هي بيروت شرقية وغربية.
стр. 1017
حكم مشاركة الكفار في أعيادهم
السؤال
ما حكم الله تعالى فيمن يشترك في لجنة لتقييم وإجازة الحفلات المسيحية النصرانية -ليست مسيحية- المقامة في ينبع الصناعية سواءً بعيد الميلاد أو غيره من الحفلات الغنائية؟
الجواب
إذا كان مسلماً ويشترك في إجازةٍ لحفلة من حفلات المشركين -من النصارى أو غيرهم- فهذا العمل محرمٌ ولا يجوز بأي حال من الأحوال، فإن كان هذا الرجل يعتقد أن دينهم حق، ويعتقد أنه يجوز لهم أن يتدينوا وأن يتعبدوا بذلك، فهذا خروج من الملة -والعياذ بالله- لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ لن يقبل منه أبداً ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] وإن كان لا يعتقد ذلك لكن لشهوة أو رغبة، فهذه من المحرمات كما في الفتوى التي نرجو أن تكون قد وصلت إليكم إن شاء الله.
стр. 1018
حكم التعامل مع غير المسلمين
السؤال
في مجال عملي يتحتم الاحتكاك بكثير من الأجانب الذين لا يدينون بالإسلام فبعضهم هندوس وبعضهم نصارى فما حكم الحديث معهم في غير مجال العمل وكذلك المزاح معهم والأكل معهم؟ وإذا دعوني إلى وليمة هل يجوز لي قبول دعوتهم، وهل يجوز أن أدعوهم لمنزلي؟
الجواب
التعامل مع غير المسلمين لا بد له من ضوابط، منها: أن تكون علاقتك بهم بغرض دعوتهم وهدايتهم للإسلام فتحب المسلم من أي بلد كان، ونحبه بقدر إيمانه، وبقدر تمسكه -حتى ولو كان عامل نظافة- لا يجوز أن نحتقر مسلماً، كما حذر من ذلك النبي ﷺ بقوله: ﴿بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم﴾ عامل النظافة المسلم الذي يصلي خيرٌ ألف مرة من مدير شركة يأخذ مليون ريال راتب، وهو كافر لا يؤمن بالله، فلا بد أن نراعي هذا الأمر.
إذاً القاعدة هي مصلحة الدعوة، لا بحسب رغبة النفس وميلها، فإذا كنت تطمع أن يهديه الله، -مع أنَّ الأصل أن يطردوا من هذه البلاد- فيجوز ذلك، أما الأكل معهم وقد ذُكر الهندوس فلا يجوز للمسلم أكل ذبائحهم مطلقاً، وأما النصارى -في هذا العصر- فإن كانت ذبائحهم ليست من أسواق المسلمين فأيضاً لا يجوز لك أن تأكل منها، حتى تتأكد أنهم يذبحون، لأن النصارى الآن يخنقون ولا يذبحون! ويأكلون اللحم المعلب والمستورد من الجيف، فلا بد لك من ضوابط معينة وما ذكرنا فيه إجمال فقط.
стр. 1019
الجمع بين أعمال الدنيا وأعمال الآخرة
السؤال
نرجو أن تشرح لنا كيف الجمع بين أعمال الدنيا وأعمال الآخرة، وهل هذا جائز؟
الجواب
لا يوجد عداوة عندنا بين الدنيا والآخرة كما هو حال الرهبانية النصرانية، نحن عندنا الدنيا مزرعة للآخرة، وممر ومعبر إليها، وهذا واضح في قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الجمعة:١٠] فإذا صليت الفجر، فاذهب إلى عملك الدنيوي ما دام حلالاً، وأخلص فيه، وانصح للأمة، واجتهد فيه، فإذا أذَّن الظهر، صلِّ لربك ﵎، فهذا كله للدنيا وللآخرة معاً، حتى عملك في الدنيا انوِ به وجه الله كما قال النبي ﷺ لـ سعد بن أبي وقاص: ﴿وإنك لا تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا كان لك بذلك أجر حتى اللقمة تضعها في فيِّ امرأتك﴾ أي: في فم زوجتك لك بها أجر، ويقول ﷺ : ﴿وفي بضع أحدكم صدقة﴾ أي: أن يأتي الرجل أهله له فيه أجر، ﴿قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟، قالوا: نعم.
قال: فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر﴾.
إذاً ديننا ليس فيه انفصال، ليست هناك عداوة.
لكن بشرط ألاَّ يشتغل بها، كما قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون:٩] أما أنك تحب المال، وتحب الزوجة، وتُنمي مالك، وتلاعب أهلك، وتُقبل أبناءك وتداعبهم، وتنزههم، وتشتري لهم الهدايا، وتكون علاقتك بهم علاقة الأب الرءوف الحنون المشفق، هذا من الدين، ومن هدي رسول الله ﷺ ، وليكن شعارنا في حياتنا كلنا هو قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] كل حياتك لله، حتى ما كان فيها من حظ النفس، فاجعله ترويحاً لها لكي تستقيم على طاعة الله ﵎.
стр. 1020
حكم انتقال المنفرد إلى إمام
السؤال
هل يجوز للمنفرد أن يصير إماماً في الفريضة؟
الجواب
لو جاء رجل بعد انقضاء الصلاة وكان منفرداً، فجاء أناس آخرون، فجعلوه إماماً لهم -يصلون معه- فذلك جائز إن شاء الله.
وأما إذا كان قصد السائل عن المؤتم الذي يتم صلاته بعد سلام الإمام وقد فاتته ركعة أو ركعتان فهل نجعله إماماً ونصلي خلفه؟ العلماء في هذا على وجهين: فبعضهم يجيز، وبعضهم يمنع، لكن لو نقَّبنا في سيرة رسول الله ﷺ وسنته لم نجد لهذا سابقةً من قبل، إلا عموم الائتمام فعلى هذا أرى أن ذلك لا ينبغي، وليس له أصل، وإنما يتم كما أخبر النبي ﷺ ، والداخل يصلي منفرداً، فإن كان أعاقه عذر فله أجر الجماعة بإذن الله.
следующие страницы →