← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

أنواع التوحيد السؤال نرجو توضيح التوحيد بأنواعه الثلاثة؟ الجواب أنواعه هي: توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، وإن شئت فقل توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الطلب والقصد والإرادة.

стр. 1752

توحيد الربوبية لا يكفي في نجاة العبد السؤال هل يكفي الإيمان بتوحيد الربوبية من دون فهم لتوحيد الألوهية والأسماء والصفات؟ وما حكم من جحد نوعاً منها؟ الجواب من جحد نوعاً منها فهو كافر، ولكن لا يكفي نوع عن نوع فهي كلها أجزاءً لشيء واحد، فلا يكفي أن تقول: إن الله هو الذي يخلق كل شيء ويدبر كل شيء، ثم يدعو الإنسان غير الله، بل هذا هو الشرك ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه﴾ [لقمان:٢٥] فهذا قول المشركين، فقد كانوا يقولون في التلبية: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك) فلم يقبل الله منهم هذه التلبية، فهذا هو الشرك بعينه، وتقول الصوفية في الولي هو لا يملك شيئاً، فالله يملك ولكنه فقط أعطى هذا الشريك التصرف، هذا هو الذي يقوله الصوفية اليوم، يقولون: إن عبد القادر الجيلاني أو البدوي، لا يملك شيء والله هو الذي أعطاه التصرف، وهذه هي نفس الكلمة الجاهلية: (إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك) فالله يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ [الجن:٢٠] فعلينا أن نوحد الله ، ولا نشرك بربنا أحداً.

стр. 1753

ثمرات التوحيد السؤال هل للتوحيد ثمرات ظاهرة في الدنيا؟ الجواب نعم، فمنها: اليقين، والطمأنينة، والإخبات، والإنابة، وصدق الإيمان في التعامل مع الله ، والاستقامة على أمر الله، والأمر بالمعروف، وطاعة الله وتقواه في السر والعلانية، فهذه من ثمرات التوحيد، فكل خير في الدنيا فهو من ثمرات التوحيد، وكل شر أو مصيبة فهي من عاقبة الشرك والمعاصي.

стр. 1754

علاقة الإيمان بالإسلام السؤال ما معنى كون الإيمان باطناً والإسلام ظاهراً؟ الجواب هذا معنى حديث ورد عن النبي ﷺ ﴿الإيمان في القلب، والإسلام علانية﴾ وهو الذي يبينه الحديث الآخر الصحيح، وهو قول النبي ﷺ : ﴿ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب﴾ فالإيمان في القلب، والإيمان عقيدة، والإسلام هو: انقياد الجوارح هذا علانية، ولكن بينهما تلازم فإيمان الجوارح أن تطيع الله وأن تمتثل أمره، كما أن من إسلام القلب الإذعان لأمر الله والانقياد له، وإلا فما هو الطاغوت؟ الطاغوت: هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فأي إنسان تعبده أو تتبعه أو تطيعه فيغ غير ما أمر الله فقد تجاوزت به حده، وإذا تجاوزت في أي إنسان حده فقد جعلته طاغوتاً وعبدته من دون الله، فالأصنام طواغيت، والقوانين الوضعية طواغيت، لأن الله تعالى يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٦٠] فكل من عبد من دون الله وهو راضٍ بالعبادة فهو طاغوت، والشيخ الذي يقول للمريدين: إذا مت فأتوني واعبدوني، طاغوت، وإذا هم عبدوه، فقد جعلوه طاغوتاً وإن لم يكن كذلك.

стр. 1755

تفضيل القوانين على الشرع السؤال ما حكم من يفضل القوانين على شرع الله؟ الجواب نسأل الله العافية ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] من فضَّل شرع البشر على شرع الله، فهو مثل من يفضل البشر على الله؛ لأن هذا شرع الله وهذا شرع البشر، فمن فضله فكأنه يقول: البشر أعلم من الله بالمصالح، وأفضل من الله، وأحكم من الله -تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا- فأياً كان شرع الله في المسائل المالية، أم في المسائل الاجتماعية، فشرع لنا الحجاب، وحرم الربا، والزنا والاختلاط، وشرع لنا كل ما تعلمونه من الأوامر والنواهي. فهذا هو وحده الحق والخير الذي يجب اتباعه، واتباع غيره وطاعته شرك وكفر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] وقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].

стр. 1756

القول بحياة الخضر ﵇ السؤال القول بحياة الخضر ﵇ هل هو صحيح؟ الجواب لا ليس بصحيح لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٥] ولو كان الخضر حياً لما وسعه إلا اتباع النبي ﷺ والدخول في دينه، ومجاهدة الكفار معه.

стр. 1757

الاحتفال بالمولد النبوي بدعة السؤال هل الاحتفال بمولد النبي ﷺ من السنن؟ الجواب نقول: إنه لم يحتفل به النبي ﷺ ولم يحتفل أكثر الناس وأشد الناس حباً له ﷺ وهم الصحابة، ولكن الذي احتفل بالمولد هم أبغض الناس لدين الله، وأول من أوجد البدعة هم أبغض الناس لدين الإسلام ولأصحاب النبي ﷺ ، وهم الروافض والباطنيون والمجوس، الذين كانوا مجوساً زنادقة في الباطن وكانوا روافض في الظاهر، وهم العبيديون. فهؤلاء أول من أحدث المولد بعد مئات السنين من وفاة النبي ﷺ ، ويقال: إنهم لم يحدثوه إلا احتفالاً بموت النبي ﷺ ، لأنه جُعل يوم اثنا عشر من ربيع الأول، التي توفي فيها النبي ﷺ بدون شك عيداً، ذبائح وولائم، فقالوا: هذا المولد، ونحن نحتفل بمولده، وما أدرانا أنهم يحتفلون بموته، كعادتهم إذا مات من يكرهون، جعلوا يوم موته عيداً، ولا أحد أكره إليهم من رسول الله ﷺ ؛ لأنه هو الذي هدم ملك كسرى، ودمّر أصحابه ﵃ النار وقضوا على نار المجوسية، وهدّموا دينهم، فجاء هؤلاء بحقد على الإسلام، فقتلوا الفاروق رضي الله تعالى عنه، الذي أرسل الجيوش إلى هناك، وأوجدوا هذا الدين المبتدع وفرقوا به المسلمين، وأوجدوا هذا الرفض، ثم احتفلوا بموت النبي ﷺ وجعلوه عيداً، وقالوا: نحتفل بالمولد، ولو فرضنا أن قصدهم غير هذا فانظر إلى مناسبتين جاءت في وقت واحد، واحدة مفرحة وواحدة محزنة مؤلمة جداً أيهما تقدم؟ فالحزن يغلب على الفرحة، فهذا اليوم يوم وفاته ﷺ إلى الأبد، وليس هناك مصيبة أصابت هذه الأمة أعظم من وفاته وفقده ﷺ إلى الأبد، فهل نحتفل بهذا اليوم ونجعله عيداً؟! هذا بالإضافة إلى أنه لا دليل عليه كما قلنا، فهو بدعة لا تجوز.

стр. 1758

حكم حلق اللحية السؤال البعض يحلق لحيته ويقول: الإيمان، في القلب نرجو توضيح ذلك؟ الجواب المعاصي تتنافى مع الإيمان، والمعاصي على نوعين: معاصٍ ظاهرة: وهذه هدم لشعائر الإسلام. ومعاصٍ باطنة وهذه تهدم الإيمان الذي في القلب. فحلق اللحية من المعاصي الظاهرة، التي نسأل الله أن يهدي المسلمين جميعاً فينتبهوا إلى خطره، فأنت تهدم شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة، التي بها يتعارف أهل السنة، وبها يتعارف أصحاب محمد ﷺ وهي سمة وعلامة وشرف وميزة، ودليل الأسوة والاقتداء بالنبي ﷺ . حتى أفجر الفجار إذا رأى أنك تفعل شيئاً وأنت ملتح، يقول: يا أخي! أنت بلحية وتفعل هذا! فهو يعلم في نفسه أنه لا يليق بمن يكون على سنة النبي ﷺ أن يفعل هذا الفعل، لكن لو كان شخصٍ آخر حالقٍ للحية، فيقول: ليس فيه شيء. وما ذاك إلا لأنها شعار، وقدوة، وتحقيق للأسوة ظاهراً، وهو إن شاء الله علامة تحقيق ذلك باطناً، فالإنسان لو غلبته نفسه، وعصى الله، فحين يتوب إلى الله يبدل الله سيئاته حسنات، ولو كان الأخ القائل عنده إيمان بالقلب لظهر أثر هذا على الجوارح.

стр. 1759

المعاملة مع الله السؤال بعض الناس يقول: الدين المعاملة، ما تعليقكم على هذا؟ الجواب يقصد أنه يقول: الدين المعاملة، فأنا قلبي نظيف ولا أحقد على الناس، فلا شيء أعظم معاملة من معاملتك مع الله، فلماذا لا تكذب على الناس ولا تغش الناس؟ فيقول: عيب، فنقول له: إذا كنت تستحي من الناس فاستح من الله الذي يطعمك ويرزقك ويعافيك وهو خلقك أول مرة، وأخرجك من بطن أمك وأنت لا تعلم شيئاً، ثم تعصيه، وتترك فرائضه، وتقول: أنا أعامل الناس بالطيب، فكيف تكون معاملتك مع الناس صحيحة، وأنت لا تتعامل مع الله، فالدين هو المعاملة، وأول معاملة مع الله، هو توحيد الله، ثم مع عباد الله، ﴿اتق الله حيث ما كنت -فهذه المعاملة مع الله- وخالق الناس بخلق حسن﴾ وهذه المعاملة مع الناس، ولا يمكن أن يقبل هذا إلا بذاك، بل ذاك هو الأصل.

стр. 1760

حكم الساحر السؤال كيف نستطيع الجمع بين التصديق بوجود السحر في قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢] وأن نكذب الساحر للحديث الذي ذكرته قبل قليل؟ الجواب ما تكلمنا عن تكذيب الساحر، وإنما تكلمنا على الكاهن والعراف الذي يَّدعي علم الغيب، أما الساحر فما يدري أنه كذب فيما سحر، وإذا درى أنه ساحر أو سحر ورأينا سحره عرفنا كفره، فدليل كفر الساحر قول الله : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا﴾ [البقرة:١٠٢] يقولا للمتعلم هذا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢]. وهذا لا يُقال إلا للكافر، لأن من كان على التوحيد فإن له في الآخرة ولو شيئاً يسيراً فينجوا بالتوحيد ولو بعد حين، لكن الذي ليس له في الآخرة من خلاق، والذي ليس له في الآخرة إلا النار، فهذا هو الكافر نعوذ بالله، فالساحر غير الكاهن أو المنجم.

стр. 1761

رؤى المنام السؤال ما رأيك في رؤية الميت في المنام مع محادثته أكثر من مرة؟ الجواب الرؤى قسمان: منها حق ومنها باطل، قد تكون هذه من رؤيا الحق، وقد تكون من أضغاث الأحلام التي يلقيها الشيطان بالباطل.

стр. 1762

حكم سب الدهر السؤال ما حكم سب الدهر مثل اليوم والساعة والليلة؟ الجواب في الحديث: ﴿لا تسبوا الدهر فإني أنا الدهر أقلب الليل والنهار﴾ فالله هو الذي يدبر الليل والنهار: نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيبٌ سوانا كان أحد السلف يقول: إني لأرى أثر المعصية في خلق امرأتي ودابتي، ونحن على ما نحن فيه من عصيان لله إذا وقعت مصيبة قلنا: هذا يوم مشئوم والسَّنة المشئومة، فيوم الأربعاء عند بعضهم. وبعضهم شهر معين، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] وهذا هو واقعنا، يعفوا عن كثير وإن أصابنا فبما كسبت أيدينا، ولا ذنب لليَّل والنهار، وإنما الذنب على الفجار والكفار.

стр. 1763

حديث الذباب السؤال حديث الذباب ﴿إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء﴾ [حديث صحيح رواه الإمام البخاري] يقول بعض الناس الذباب محمل بمكروبات الكولرا فإن سقط على كأس لبن هل أغمسه أم لا، علماً بأن الذباب محمل بالمكروب؟ الجواب كون الذباب محمل بالمكروب ليست معلومة جديدة، فالحديث قال: ﴿فإن في أحد جناحيه داء﴾ فهو يقول: أنا محتار كيف أطبق الحديث، فهل النبي ﷺ قال: ضعه في مطهر، ثم ضعه في الإناء، أو أنه قال لك في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء؟ فهكذا الحديث، فلا يوجد اكتشاف جديد، لكنهم وإن سموه مكروباً، أو فيروساً، أو جرثوماً، أياً كان الاسم فليس هناك إشكال، فلو أن الذباب تطهر من هذه الجراثيم فليس هناك خلاف. لكن هذا لنختبر الكلمة التي نقولها كل يوم أشهد أن محمداً رسول الله، فهل نحن نشهد بحق أم أنه مجرد كلام؟ فإذا قال النبي ﷺ حديثاً وصح سنده، واعتقدنا صحته، وعملنا وآمنا به، فنحن نشهد أن محمداً رسول الله، لكن يقول لك: نحن نشهد أن محمداً رسول الله لكن هذا الحديث فيه مشكلة، فهل يجوز هذا؟ أو يقول البخاري فيه موضوعات، ومن أجل حديث واحد في البخاري يهدم البخاري كله، ويهدم السنة كلها، لأنه لم يعجبه هذا الحديث ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] تسليم لا نقاش معه، ولا تقول: صحيح أن الإسلام حرم الربا لكن (٥%) لا تضر، فهذا الحرج هو خلاف لهذه الآية، وهذا يدل على أنك ما سلمت للنبي ﷺ أبداً ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] فإذا كان حراماً فلنسلم ولا يحتاج إلى نقاش، وهذه هي معنى شهادة أن محمداً رسول الله، أفنأتي عند الذباب ونقف مع أن الغمس ليس بواجب، وإنما هو إرشاد وتوجيه من النبي ﷺ ، لكن لو أن أحداً كَذَّب فهذا نقض في العقيدة والإيمان، لكن لو أن مؤمناً بالحديث وصحته قال: إن نفسي تعاف الإناء أو الأكل منه فلا يلحقه شيء، فليس مثل الذي يقول: أنا أكذب بمثل هذا الحديث ولو رواه البخاري ولو رواه الجماعة لأنه يتنافى مع العلم، وفيه مكروبات، فهذا يكذب رسول الله ﷺ .

стр. 1764

شقاء الإنسان وسعادته السؤال هناك حديث معناه: أن الإنسان يخلق ويكتب شقياً أو سعيداً إلى آخر الحديث، فما معنى الحديث؟ الجواب هي أحاديث كثيرة لكن لعل الأخ يقصد حديث الصادق المصدوق حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه ﴿إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يؤمر الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بكتب أربع كلمات، بكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد﴾، فالبعض يقول: أنا مكتوب عليَّ شقي أو سعيد، فما الرد عليه؟ ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ [مريم:٧٨] لماذا لا يقول: إن شاء الله أكون من السعداء ويصلي؟ والله لما كذب المشركين ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام:١٤٨] هذه أولاً كذبة جاهلية قديمة يردون بها على الأنبياء ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] هيهات، أعندك علم أن الله كتبك شقي في بطن أمك؟ لا، فهذا هو ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:١٤٨] وهذا هو الذي أخرصهم، ثم قال بعد ذلك: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]. فالحجة البالغة التي أقامها الله على عباده هي هذا الدين، وهذا الرسول، ولهذا قال في سورة النحل، بعد نفس الاعتراض ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل:٣٥] ثم قال الله بعد هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] فلو أن الله تعالى راضٍ عن شرككم وأعمالكم هذه، لما أرسل الرسل تحذركم منها، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦]. فذاك هداه الله فضلاً، وذلك حقت عليه الضلالة عدلاً منه ، فهذه الشبه كذبها الله تعالى في القرآن، فمن يعارض شرع الله بمشيئة الله فهذا هو حاله، لأن القدرية ثلاثة أصناف: قدرية إبليسية الذي قال زعيمهم إبليس ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦] قال: بما أغويتني، نسب الغواية إلى الله، وهو الذي غوى، والله إنما قدر، لكن إبليس هو الذي غوى، وفسق عن أمر ربه وعصى، فهذه القدرية الإبليسية النوع الثاني: القدرية الشركية الذين قالوا: كما حكى الله عنهم في القرآن: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] فلو شاء الله اهتديت. النوع الثالث: القدرية المجوسية الذين يقولون: إن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه فهذه ثلاثة أنواع، وكل هؤلاء ضلال، وكلها أبطلها الله في كتابه، والصحابة رضي الله تعالى عنهم لما سألوا الرسول ﷺ عن هذه الأمور: ﴿هل هي فيما نستقبل ونستأنف، أم في أمر قد قضي وقدر؟ فقال رسول الله ﷺ : بل في أمر قد قضي وقدر. قالوا: ففيم العمل إذاً؟ قال: اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق، له. ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]﴾ فعلامة الشقي أنه ميسر له عمل أهل الشقاوة، وعلامة السعيد أنه ميسر له عمل أهل السعادة، وهو الذي يختار ذلك، لكن لا يحتج بما قد كتب، وهو لا يدري ماذا قد كتب.

стр. 1765

مجازاة الله لعباده السؤال هل يجازي الله العبد على شيء قدَّره عليه؟ الجواب إن كان القصد بالسؤال: هل سوف يجازيه الله على شيء هو الذي قدره عليه؟ فنقول: الله غني عن طاعتنا كلها، وغني عن أن يظلم أحداً منِّا ولا يمكن أبداً، ولا أحد أحب إليه العذر من الله ، لكن الله جعل المعاملة على نوعين، كما قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٥٤] و ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:١٠٥]. فالمعاملة الأولى بالفضل، والمعاملة الثانية بالعدل، فأما الفضل فللمؤمنين فضل منه مثل حديث اليهود والنصارى، نحن عملنا من بعد العصر إلى غروب الشمس، وأعطانا الله ضعف ما عملوا ﴿فقالوا: لم يا ربنا؟ قال: هل غمطتكم شيئاً من حقكم؟ قالوا: لا. قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء﴾ فالله تعالى يتفضل على المؤمن من عنده ، فالإيمان بالله فضل من الله، وزيادة الحسنات فضل من الله، والقدرة الجسدية حتى نطيعه فضل من الله، والغذاء فضل من الله، وكل شيء فضل من الله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] والكافر وكله الله إلى نفسه، وأبان له الحجة، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣] فلو جاء أحدهم، وقال: يا رب! أنا عندما كنت في الدنيا لم يبلغني آية ولا حديث ولا سمعت شيئاً من الدين، فهل هذا يكون مثل الذين يقول لهم خزنة جهنم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر:٧١] لا، ليس مثله، ولا يعامله الله مثله، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] فهؤلاء يمتحنهم الله في عرصات القيامة؛ لأنه معذور فالصغير له حكمة، والزِّمِن والهرم الذي أدرك الإسلام في آخر عمره وما فقه منه شيئاً له حكمه، لكن السميع البصير العاقل الذي بلغه أمر هذا الدين، ورفض الاستجابة له، حتى لو جاء يوم القيامة، وقال: يا رب! أنت ما وفقتني للعمل الصالح، فهل هذه حجة عند الله ، والله أعطاك القدرة، وأعطاك الهداية، وأقام عليك الحجة، فالحجة لله وحده ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:١٤٩] وليس لأحد من الخلق حجة على الله تعالى بعد الرسل وبعد الحجج والنذر.

стр. 1766

حكم صلاة التسابيح السؤال ما حكم صلاة التسابيح؟ الجواب الراجح أنها لا تصح، وهو قول شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية، والحديث الوارد فيها ضعيف والمتن منكر، فأنت لو قرأت المتن وحده، فسوف ترى النكارة فيه واضحة، وهذا هو قول العلماء الأفذاذ، وقد يوجد من يخالفهم، لكن أنت اتبع ما هو الأرجح والأفضل.

стр. 1767

حكم لحم الإبل السؤال لحم الإبل هل ينقض الوضوء أم لا؟ الجواب نعم ينقض الوضوء.

стр. 1768

لفظة (صدق الله العظيم) السؤال ما حكم قول: صدق الله العظيم بعد قراءة القرآن؟ الجواب الالتزام بذلك بدعة، لكن مرة واحدة عند آية سمعتها لا بأس بذلك إن شاء الله. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

стр. 1769

حكم الاحتفال بأعياد الكفار تحدث الشيخ حفظه الله عن منكر شاع في المجتمع ومصيبة ابتلي بها المسلمون في بلدانهم، وهذا المنكر يتمثل في قيام الكفار -ممن يعيشون في مجتمعاتنا الإسلامية- بإحياء أعيادهم، وتشبه المسلمين بهم، وبذل الدعم لهم، ثم بين معنى العيد وحكم الاحتفال بأعياد الكفار، مبيناً خطورة الرضا أو الابتهاج بها، وسرد أقوال السلف والفقهاء في حكم ذلك.

стр. 1770

معنى العيد الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه محمد الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين. وبعد: فلا ريب أن لكل قول داعياً وموجباً، وهذه المحاضرة موجبها وداعيها في هذه الأيام هو أنه - كما تعلمون - بعدما يقارب الشهر تقريباً سوف يكون عيد بل عيدان من أعياد المشركين، وقد عهدنا أن الكفار يقيمون أعيادهم في الشركات والمؤسسات والإدارات والمجمعات السكنية علانية أو بما يشبه العلانية. كما عهدنا أن من المسلمين من يشاركهم في ذلك ويحضر ويشهد هذا الزور العظيم، وتبدر منهم أفعال لا تليق بمن يعرف الله ورسوله، ومن هداه الله ﵎ إلى الصراط المستقيم وأمره بمخالفة المغضوب عليهم والضالين، ومجانبة طريق أصحاب الجحيم، ولذلك أردنا أن نجعل هذا الدرس إعذاراً إلى الله ﵎ وإبلاغاً لكم ولكل من تبلغه، وإنذاراً لأولئك الذين قد يفعلون هذا المنكر: إما لأنهم كفار لم يلتزموا بما أمر الله ﵎ به، ولا سيما في بلاد الإسلام وإما لأنهم في غفلة فليتعلموا وليعرفوا حكم الله ﵎ وليذكروا بالله وبما شرع الله تعالى في مثل هذا. وإما لأنهم معاندون كما قد يبدر من بعض المنتسبين إلى الإسلام فيعاندون ويصرون على إقامة هذا المنكر بين ظهرانينا. ففي هذا الكلام قبل أن يأتي ذلك الموسم إنذاراً لهم بأننا لن نسكت ولن ندع هذا المنكر يمر أبداً، ونحن إذا قمنا بهذا الواجب فإن ذلك لن يقع أبداً -بإذن الله- وليكن في علمهم أن ما مر في كل سنة، فلن يمر -بإذن الله- في هذه السنة مهما كان الأمر، فإننا لن ندع هذا المنكر أبداً بكل وسيلة مشروعة من وسائل الإنكار، وسوف نذكر بعض الحلول والوسائل في آخر الدرس بإذن الله . فهذا الذي أردنا أن ننبه إليه، وأحب أن كل واحد لا يفوته ذلك، فهذا منكر جلل، وخطب عظيم، والواجب علينا جميعاً أن نقوم في ذلك بقدر الطاقة، كل من موقعه، وبحسب مسئوليته، والله تعالى سائل كل واحد منا عما علم ولم يعمل به، وعما سمع من دين الله ولم يبلغه. وعندما نقول أو نتحدث عن حكم الاحتفال بأعياد الكفار، فإن من أول ما ينبغي أن نعرفه، ما معنى العيد؟ ذكر شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ في كتابة العظيم اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم هذا، وذكر أحكاماً أخرى عظيمة نورد بعضاً منها إن شاء الله، وقبل ذلك نوصي كل أخ منكم باقتناء هذا الكتاب القيم النفيس، ولا سيما النسخة التي حققها أخونا الفاضل الدكتور ناصر العقل، وهي موجودة متداولة، وكذلك تراجعون ما ذكره وسطَّره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه أحكام أهل الذمة، وما ذكره أيضاً العلماء في أبواب الفقه في مواضع وكتب كثيرة تعرضت لذلك، ومنها ما أوجزه شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ في آخر الجزء الخامس والعشرين من مجموع الفتاوى. أقول: إن شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ عرّف العيد فقال: " العيد اسم جنس يدخل فيه كل يوم أو مكان لهم-أي للكفار- فيه اجتماع، وكل عمل يحدثونه في هذه الأمكنة والأزمنة". إذاً: فالعيد اسم جنس يدخل فيه كل يوم أو كل مكان يجتمع فيه الكفار، ويحدثون فيه شيئاً من خصائص دينهم، والنهي الوارد عن رسول الله ﷺ يشمل ذلك كله، كما يشمل حريم العيد. يقول: " وكذلك حريم العيد، وهو: ما قبله وما بعده من الأيام التي يحدثون فيها أشياء لأجله، أو ما حوله من الأمكنة " فهو كما يشمل المكان الذي يكون فيه العيد؛ فإنه يشمل ما حوله من الأمكنة التي تعد حريماً لذلك المكان، يشمل النهي عن العيد كل ما يحدث بسبب العيد من أعمال. ومن الأمثلة على ذلك: التهنئة أو الهدايا أو إطعام الطعام، أو أي شيء، فالعيد يشمل هذه الأمور ويشمل هذه المعاني كلها، ويقول: " أعياد الكفار كثيرة " وهذه حقيقة، ونحن الآن في هذا البلد نرى الكفار كثيرين، ومن أديان شتى، فلنعلم أنه كما قال ﵀: أعياد الكفار كثيرة مختلفة، وليس على المسلم أن يبحث عنها ولا أن يعرفها، بل يكفيه أن يعرف في أي فعل من الأفعال، أو في أي يوم من الأيام أو في أي مكان، من الأمكنة هي ويجتنب ذلك. فلدينا هنا مثلاً: أهل الكتاب -النصارى خاصة- يحتفلون بعيد الميلاد وعيد رأس السنة، وكذلك يحتفل البوذيون ويحتفل الهندوس وكل أمة لها عيد، كما قال ﷺ : ﴿إن لكل قوم عيداً﴾ هذه قاعدة جعلها الله ﵎ مجبولة ومفطورة عليها الأمم، فكل قوم لهم عيد. فالأعياد كثيرة ومختلفة، وعلى المسلم أن يعرف أماكنها إن كانت مكانية، أو أزمنتها إن كانت زمانية، فيتجنب ذلك، ويتجنب ما نهى عنه النبي ﷺ من أمور سوف نفصلها بأدلتها إن شاء الله، وذكر ﵀ مقدمات يقدم بها بين يدي الأدلة.

стр. 1771

عمل المسلم في يوم عيد الكفار فما الضابط في العيد أو في غيره، وماذا يجب على المؤمن؟ وما الضابط للمسلم في مثل هذا اليوم من أيام العيد؟ قال شَيْخ الإِسْلامِ " الضابط ألاَّ يحدث فيه أمر أصلاً " ألاَّ تحدث أي أمر من الأمور في هذا اليوم الذي هو عيد للكفار، وإنما تجعله كسائر الأيام، كأنَّ شيئاً لم يكن، وكأنهم لم يحتفلوا، وفي هذا تكون مخالفتهم. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه ينبغي مخالفتهم وسنعرض لها إن شاء الله. واختار بعض العلماء صيام تلك الأيام، وأن يصوم المسلم يوم العيد الذي يحتفل به الكفار، فمن نظر إلى أصل المخالفة وأنها مشروعة قال: من مخالفتهم أن يكونوا فرحين مبتهجين يأكلون ويشربون ويعربدون ويفعلون، كما هو معلوم مما لا يجوز ذكره، قال: وهو يكون صائماً لله ﵎، فيكون قد حقق المخالفة. وقال بعض العلماء: لا يصام يوم من أيام أعيادهم وذلك خشية الوقوع في التعظيم، إذ قد يظن ظان أنما إما صيم لأنه يوم معظم فكأن هذا يعظمه بالاحتفال والأكل والشرب، وذاك يعظمه بصيامه والتقرب إلى الله فيه. وهذا هو الأظهر والأرجح، وهو أن المؤمن في هذا اليوم لا يتعمد فعل أي شيء مطلقاً وإنما كل حياته وأموره تكون كسائر الأيام، ويعمل كل عمل كما كان يعمله في بقيه الأيام ولا يعبأ ولا يلتفت إلى هذا. هذا هو الضابط العام الذي يجب أن تكون عليه حياة المسلمين جميعاً فتكون عادية تماماً. أما الإنكار على أولئك ومنعه وأدلته فهذا ما سوف نُفصل فيه إن شاء الله. والكفار الذين بيَّن الله ﵎ لنا عداوتهم في آيٍ كثيرةٍ جداً منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ [النساء:١٠١] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١] وكذلك بيَّن الله وسماهم حزب الشيطان وأولياء الطاغوت إلى غير ذلك.

стр. 1772

أقسام الذين يقيمون الأعياد إنَّ هؤلاء بمجموع الأدلة التي جاءت في الكتاب والسنة يمكن أن نصنفهم بحسب مشابهتهم في أعيادهم وغيرها، إلى قسمين: القسم الأول: هم أهل الكتاب: -اليهود والنصارى-. القسم الثاني: الأعاجم. وهذا نستطيع أن نأخذه من قول النبي ﷺ : ﴿لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قيل له ﷺ : اليهود والنصارى؟ قال: فمن!﴾ وفي الحديث الآخر: ﴿لتأخذن أمتي مأخذ القرون قبلها، قالوا: يا رسول الله! فارس والروم؟ قال: فمن الناس إلا أولئك﴾ أو كما قال ﷺ . فتبين من الحديث الأول، أن المقصود أهل الكتاب، وأن النوع الأول هم: اليهود والنصارى -أهل الكتاب- وأما قوله: فارس والروم، فإنه إشارة إلى الأعاجم، وهم من جملة من نهينا عن التشبه بهم ومشاركتهم، ويدخل في ذلك ويتبعه الأعراب.

стр. 1773

النهي عن التشبه عام في جميع المشركين والكفرة وبهذا يتبين لنا أن الله ﵎ نهانا عن التشبه بالكفار عموماً، وهذا هو أصل المسألة، وقد تعرض بعض الأسئلة للمناسبة بين أعياد الكفار من أهل الكتاب، وبين أعياد المشركين من غير أهل الكتاب، وأيهما أشد ضرراً وأيها يجب أن نكون أشد هجراً ومخالفة له. فنقول مقدماً وسنعرض الكلام بالتفصيل: إن مشاركة أهل الكتاب في أعيادهم أشد نهياً وأشد ضرراً، وأقل ما يقال إنهما سواء، فلا يقولن أحد من الناس: إن المقصود هم المشركون فقط، وأما أهل الكتاب فإن بيننا وبينهم من الأحكام ما لا يدخل فيه غيرهم كما قد يظن. وقد نص شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ على عيد الميلاد بالذات، فقال: " وهذا من دين النصارى، وهو من أقبح المنكرات المحرمة وكذلك أعياد الفرس مثل: النيروز، والمهرجان، وأعياد اليهود وغيرهم من أنواع الكفار أو الأعاجم أو الأعراب " ومن أعياد اليهود: عيد الغفران كما يسمونه.

стр. 1774

حكم أعياد الكفار أعياد الكفار محدثة بدعية، ولذلك تجدون أن النصارى في بلاد الشام ومصر، في القديم لهم أعياد وأسماء تخالف في بعض منها الموجود لديهم الآن. وكذلك في الأيام وأحياناً في الأسماء يختلف نصارى المشرق مع نصارى المغرب، واليهود القدماء مع اليهود المتأخرين، وما سبب ذلك إلا الابتداع، لأن الكل مبتدع، فإذا فتح باب الابتداع، ابتدع كل ما يشاء ووضع كل ما يشاء، فمجاميعهم الكنسية المقدسة -كما يزعمون- تبتدع أعياداً وتضع من عندها فقد يشتبه الأمر، وتختلف الأسماء، ولكن المهم أن حكمها واحد، فيقول شَيْخ الإِسْلامِ في هذا -مثل النيروز والمهرجان وغيرها- قال: " حكمها كلها على ما ذكرناه من قبل، وكما لا نتشبه بهم في الأعياد، فلا يُعان المسلم المتشبه بهم في ذلك، بل ينهى عن ذلك، فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تجب دعوته " فلو وافقت يوماً من أيام عيدهم لم يجب عليك أن تجيب الدعوة، مع أن الإجابة من حق المسلم على المسلم -كما هو معلوم- لكن هذا لوجود ذلك المانع. قال: " ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد، مخالفة للعادة في سائر الأوقات، غير هذا العيد، لم تقبل هديته خصوصاً إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم، مثل: إهداء الشمع ونحوه في الميلاد ". فالحكم واضح، ولكن المقصود هو إثبات أن عيد الميلاد هو عيد قديم. وذكر الكاتبون في الملل والأديان أن عيد الميلاد الذي يحتفل به هؤلاء النصارى اليوم -وهو أكثر ما يضايقنا من الأعياد في هذه البلاد- أنه عيد وثني قديم، ثم لما اتخذ النصارى واتبعوا طرائق المجوس وغيرهم من الأمم، كما فعل بولس الذي أسس دينهم، وكان على دين المسرائية وبعض الفلسفات الشرقية نقلوا هذا العيد الوثني القديم وجعلوه من أعيادهم، فهو في الحقيقة لا أصل له في دينهم فضلاً عن أن يكون له أصل في ديننا، ولولا الإطالة لذكرت بعض ما ذكره الباحثون في هذا الشأن، وهم من النصارى على أية حال.

стр. 1775

بيع سلع يتوسل بها إلى الشبه وينص شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ على مسائل تتعلق بالفروع، تتعلق بما يسمونه: الحريم المكاني، أو الزماني للعيد، فيقول مثلاً: " ولا يبيع المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد، من الطعام واللباس ونحو ذلك " ونحن سنتعرض الأدلة كاملة، لكن نريد أن نأخذ من هذه القضية مدخلاً، وهو إذا كان ما قد يستعين به بعض المسلمين على مشابهة الكفار أو الاحتفال بعيدهم يحرم أن يباع لهم، وهو من الطعام أو اللباس أو ما أشبه ذلك فما بالكم ببيع الكروت أو البطاقات التي هي للتهنئة بهذا العيد؟ فما بالكم بمن يشارك أو يدخل أو يندمج في هذا العيد، ويحضر ويشهد هذا الزور؟ إذا هذا لا شك أنه حرام، فإذا حرم ذلك وهو ذريعة -كما حرم على المؤمن أن يبيع العنب لمن يجعلها خمراً، أو أن يؤجر لمن يزني أو يلوط أو غير ذلك، مما قد يكون ذريعة إلى الفساد- فإن هذه الذريعة إذا حرمت؛ فإن المقصد يكون إذا وقع في عينه أشد حرمة. وهنا نقف وقفة مع واقعنا: هل نحن فعلاً نبيع الوسائل المؤدية إلى الاحتفال بالعيد أو تعظيم أعياد الكفار؟ أمر مؤلم أن نقول لكم: نعم. إنَّ هذا المنكر العظيم منتشر ومتفش في مجتمعنا، وهذه مسألة غير مسألة حضور أعيادهم أو الاحتفال بها. ومن ذلك -مثلاً- المكتبات التجارية، ولا سيما في الأسواق المركزية، وهذا مشاهد هنا في جدة، حيث تباع البطاقات التي يتهاداها أولئك، ويهنئ بعضهم بعضاً بها، وهذه عشرة نماذج لأنواع من البطاقات مشتراة من مكتبات متنوعة بالفواتير من مدينة جدة، تركت الأشياء التي فيها صور خليعة أو نساء، لكن كلها يجمعها أنها تشتمل على صليب أو كنيسة، فهذا دليل على أنها فعلاً من شعائر دينهم، ومع ذلك فإنها تباع في مكتبات المسلمين، وهذا أمر لا يجوز، وهو من أعظم المنكرات التي يجب إنكارها. وإن أردتم الدقة في الإحصائيات، لتعلموا كم يرد إلى هذه البلاد، وكيف تباع هذه البطاقات، وتباع الأشجار التي يسمونها أشجار عيد الميلاد، فنحن ننقل لكم من نشرة إحصائيات التجارة الخارجية، وهي نشرة رسمية تصدرها مصلحة الإحصائيات العامة بوزارة المالية كل عام وهذا الصنف دائماً رقمه (٩٧٠٥) في كل عام، فإذا أخذتم الكتاب انظر رقم (٩٧٠٥) تجدون أنه ما يتعلق بالأعياد والمهرجانات وأشجار عيد الميلاد بالذات، وما يستخدمه الحواة السحرة، الذين يتعاملون مع الثعابين بالسحر لكن أهم سلعة هو ما يتعلق بعيد الميلاد وبأشجارهم. وفي عام (١٩٨٥م) نعم توقيتنا الرسمي متروك مع الأسف وأكثر إداراتنا توقيتها بالتوقيت الميلادي وهذا نوع من المشابهة، كالمشابهة في أعيادهم والمشاركة فيها، وكل ما سنذكره إن شاء الله من الأدلة يحرمه من الأدلة يحرمه، وهو داخل فيها كاستعمال أشهرهم وتقويمهم، لكن هذا هو الواقع. على أية حال في عام (١٩٨٥م) بلغت قيمة ما استورد (١. ٥٨٩. ٢٣٣) ريالاً، هذه البطاقة تباع -أحياناً- بأربعة ريالات، ولنفرض أنه بالجملة بريالين، ونفرض أن الرقم مليون، معنى ذلك ما دخل المملكة من بطاقات يساوي (٥٠٠. ٠٠٠) بطاقة، وهذا كان في عام (١٩٨٥م)، وفي عام (١٩٨٦م) ارتفع الرقم إلى (٢. ٢٩٩. ١٢٧) ريال، وفي عام (١٩٨٧م) ارتفع الرقم إلى (٣. ٠١٢. ٩٣١) وفي عام (١٩٨٩م) بلغ (٢. ٧٦٣. ٠٣٠) ريال، وبلغت قيمة الواردات أيضاً في عام (١٩٩٠م) (١. ٨٤٨. ٠٠٠) ريال، وعام (١٩٩١م) الربع الأول وتعرفون أنه في وقت الأزمة قدم إلى هذه البلاد جموع غفيرة من الكفار، قد يكون مجموعهم وصل إلى المليون، إذا ضممنا إلى الجيوش الصحفيين، ومن جاء للتجارة وغير ذلك مما له علاقة بالأزمة في هذه السنة، وفي هذا الربع لم يذكر التصنيف، وليس له وجود في الكتاب أو الدليل؛ ربما لأنهم رأوا أن الرقم ضخم مبالغ فيه ففضلوا ألا يُذكر، أو لسبب آخر لا ندري به، لكن في الربع الأول من العام الذي قبله وهو (١٩٩٠م) بلغت قيمة مشتروات هذا الصنف (٢٥٢. ٢٠٢) ريال. وبالنسبة لبطاقات التهاني هذه التي تستورد فإنها ترد من عدة دول، وكما تعلمون أن النصارى من أمم الغرب، وفي أمم الشرق -أيضاً- يوجد نصارى، ويبيعون هذه البطاقات مثل الولايات المتحدة الأمريكية فهذه الدولة وحدها -كما هو موجود في نشرة إحصائيات التجارة لعام (١٩٨٩م) - صدرت من البطاقات وما يماثلها ما قيمته (٢. ٠٠٣. ٢١٢) ريال، وفي نشرة عام (١٩٩٠م) بلغت قيمة بطاقات التهاني وما يشابهها (٣. ٣٢١. ٦٨٠) ريال، أي: بزيادة عن العام الذي قبله (١. ٣١٨. ٤٦٨) ريال، ويعزى ذلك إلى كثرة وجود الكفار عند حدوث الأزمة. وفي الربع الأول فقط من عام (١٩٩١م) بلغت قيمة الواردات من بطاقات التهاني (٤٣٣. ٧٤٦) ريال هذا فقط من الولايات المتحدة الأمريكية. ومن ألمانيا، بلغت في الربع الأول من السنة ما قيمته (١٠٣. ٣٨٥). ومن المؤلم والمؤسف أن بعض هذه البطاقات يطبع في دول خليجية ويستورد منها، -ولا حول ولا قوة إلا بالله- فأصبح المسلمون يطبعون هذه الكروت، وفيها الصلبان ويبيعونها، وأشد ألماً من ذلك أننا في هذا البلد الطيب في بلاد التوحيد نشتري وندخل هذه الأعداد والأرقام، وفي ذلك دليل على أنها رائجة سائرة عندنا من غير إنكار. وأنا لا أستبعد أن تكون -أيضاً- بعض المطابع تطبعها هنا في جدة، لا سيما مع قرب الموسم، نظراً لهذه الكميات الهائلة من ملايين البطاقات، والطباعة -كما تعلمون- لا تكلف، ولا سيما إذا كانت الكمية كبيرة، فبدل أن يستوردها بريالين يمكن أنها لا تكلفه قرشين لطبعها هاهنا، فما يطبع هاهنا في الداخل غير داخل في هذه الإحصائيات، ولا حول ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 1776

الأدلة في حكم الاحتفال بأعياد الكفار إننا نبين الحق في هذا الشأن، ونوضح بعض الأدلة والأحكام في هذا، وأسير في هذا على ما سار عليه شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله تعالى. ولقد قسَّم شَيْخ الإِسْلامِ أدلة حكم الاحتفال بأعياد الكفار إلى قسمين: أدلة كلية، وأدلة تفصيلية.

стр. 1777

النهي عن الموالاة والمشابهة للكفار أما الأدلة الكلية في هذا فأولها: أن الله ، نهانا عن موالاة الكفار ومشابهتهم، فالمسألة تدخل في باب الموالاة، ومن هنا فهي إذاً جزء من العقيدة. أي: أن الإيمان أو التصديق أو الإقرار بها، إقرار لعقيدتهم، وأن الكفر مطلوب، كالكفر بما لديهم من عقائد أخرى، فهذا يدخل في الموالاة والمشابهة، وفي هذا من الأدلة الكثيرة ما لا يحصى، كما بيَّنا في الآيات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ [النساء:١٠١] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١] وغير ذلك، فمن موالاتهم أن تحضر أعيادهم وأن تكون أعيادً للمسلمين، فتكون أعياداً حزب الشيطان وأوليائه أعياداً لأولياء الرحمن وحزب الله ﵎، وهذا أمر يتنافى مع هذه الأدلة، بل يتنافى مع ما طبع الله عليه النفوس من النفور من المخالف، ولا أحد يخالفك أشد ممن يخالفك في دينك. وأضرب لكم مثلاً من الواقع: انظروا إلى لاعبي الكرة! هل يمكن أن ينزل إلى الميدان فريقان من لاعبي الكرة، ويكون لباسهما واحد، وشعارهما واحد؟ لا يمكن. لماذا؟ لأنهما فريقان متقابلان متنافسان، متصارعان متباريان، فهل في الدنيا عداوة أشد من عداوة المؤمنين والكافرين؟ وهل من عدوين يجب أن يتباغضا ويتهاجرا ويتباعدا أشد من المؤمنين والكافرين؟ وهل هناك نسبة أو تقارب بين أصحاب الصراط المستقيم وأصحاب المغضوب عليهم والضالين؟ وهل هناك تقارب أو تسوية بين من يهدي إلى الجنة ومن يهدي إلى النار؟ وبين المتقين والفجار؟ لا يمكن أبداً. إذاً: حتى في نفوس الناس ركز الله هذا وجعله في طباعهم. ولو أن رجلاً في دولة تحارب الشيوعية، ارتدى رداء الشيوعيين أو أي شعار، لضُرب وأوذي! ولا يستطيع أحد الآن في أوروبا أو أمريكا أن يحتفل بعيد من أعياد النازية، ولا أن يرتدي شعار النازية ويضعه على صدره ويمشي في الشارع لأن النازية في نظرهم عدو لهم، فيا سبحان الله!! كيف بالعداوة التي هي في الدين؟! وهي التي أمر الله ﵎ بها، وهي أعظم فُرقان يجب أن يكون بين المؤمنين وبين الكافرين.

стр. 1778

بدعية الأعياد المأخذ الثاني من الأدلة الكلية: هي أن هذه الأعياد من البدع، والمشاركة فيها من البدع، فالنبي ﷺ وأصحابه من بعده والمسلمون جميعاً في العصور المفضلة لم يحضروا أبداً، ولم يشاركوا بأي شكل من الأشكال في هذه البدع المحدثة، بل قال ﷺ : ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ فهذه بدع عُظمى، وفيها مع المشابهة والموالاة أنها محدثه. فلو أحدث بعض المنتسبين إلى الإسلام، كـ شيعة أو خوارج أو صوفية عيداً، فهل الواجب علينا أن نحضره؟ لا يجوز لنا حضوره، ولو كان الذين ابتدعوه من أهل الإسلام، فما بالكم بحضور أعياد الكفار، فهو أشد بدعة، والنهي فيه أشد وأغلظ. إذاً هذان المأخذان هما المأخذان الكليان الأساسيان، وكل واحد منهما له من الأدلة التفصيلية الشيء الكثير الذي لا يتسع له المقام أن نذكره؛ وإنما نقتصر على التنبيه إليه.

стр. 1779

الأصل في المسلمين مخالفة المشركين وقد ذكر شَيْخ الإِسْلامِ من الأدلة الكلية -أيضاً- ما جاء في الشرع من المخالفة، ولو كان في أمور نفعلها نحن في ديننا. فمثلاً: نحن في ديننا نصلي لله ﵎، ولا نصلي ولا نسجد لغيره أبداً، ومع ذلك فإن رسول الله ﷺ نهى كما في الحديث الصحيح من حديث عمرو بن عبسة: ﴿نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها﴾ وعلل ذلك بعلتين: الأولى: أنها تطلع بين قرني شيطان. الثانية: أنه يسجد لها الكفار حينئذٍ. انظروا! إنه لما كان الكفار يسجدون لها حينئذٍ، ونحن نسجد لله ﵎، لكن لما كان الزمن قد يتوافق، فنوافقهم في زمن عبادتهم، مع أن معبودنا غير معبودهم، نهينا أن نعبد ربنا في هذا الظرف، وهذا دليل على أن ما عدا ذلك هو أشد مخالفة ونهياً وزجراً. وأدلة هناك كثيرة في المخالفة، فقد أمرنا مثلاً: أن نعجل الإفطار في رمضان لأن تأخيره من شأن وديدن أهل الكتاب، وقد يقول قائل: أنا مسلم، وصمت لله تعالى، فما لي ولمن صام لغير الله، فإنه لا حرج عليَّ أن أؤخر الإفطار، فنقول له: لا. حتى هذا نهانا النبي ﷺ عنه، منعاً للتشبه بهم. إذاً: فكيف بمن يشاركهم في شعيرة من شعائر دينهم، وفي عمل من أعمالهم؟ لا ريب أن ذلك حرام. وكذلك الأدلة العامة في مخالفة المجوس، كما في الأمر بإعفاء اللحية وإحفاء الشارب، وغير ذلك مما علله النبي ﷺ أو صدره بقوله: ﴿خالفوا المشركين﴾ ﴿خالفوا المجوس﴾ أو ﴿خالفوا اليهود﴾ فهذه الأدلة كلها تدل على أنه حتى في الأمور التي هي من جنس ديننا وعبادتنا أو من جنس العادات التي قد يفعلها بعض الناس، حرَّم علينا ديننا أن نشابههم فيها، بل جعلت مخالفتهم أصلاً من أصول ديننا، فيتصدر الأمر بقوله: ﴿خالفوا﴾. إذاً تكون القاعدة، إن الأصل فيك أن تخالف، وفي ذلك أيضاً أدلة كثيرة لا يتسع المقام لها.

стр. 1780

الأدلة التفصيلية في حكم الاحتفال بأعياد الكفار

стр. 1781

الذين لا يشهدون الزور وصف الله عباد الرحمن المؤمنين في آخر سورة الفرقان، فقال من جملة الآيات: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢] فنقل العلماء والمفسرون كما في الدر المنثور، عن بعض التابعين- مجاهد والضحاك وعكرمة وغيرهم أن ذلك أعياد المشركين، أي: لا يحضرون أعياد المشركين , وهذا ما نصوا عليه بالنص، ولا ريب أنه لا يقتصر عليه، لكن المقصود أنه الشهود، وأصح القولين في الشهود هو الحضور، كما نقول: من شهد الجنازة، أو من شهد يوم عرفة إلى غير ذلك، فالشهود يكون هو الحضور، فالذين لا يشهدون الزور، من فسرها من العلماء جعل هذا النموذج نموذجاً للزور الواضح الذي لا شك فيه، فالمؤمن لا يشهد ويحضر أعيادهم، وأماكن لهوهم أو لعبهم، كما صرح بذلك كثير منهم.

стр. 1782

للمسلمين عيدان فقط أما من السنة فالأحاديث في ذلك كثيرة، منها: حديث أنس ﵁ قال: ﴿قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما -كعادة الأمم (الروم والفرس) كل أمةٍ لها أعياد، فكان للعرب في الجاهلية يومان يلعب فيهما أهل المدينة - فقال ﷺ : ما هذان اليومان؟ فقالوا: كنا نعلب فيهما في الجاهلية، فقال ﷺ : إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما، يوم الأضحى ويوم الفطر﴾ وهذا حديث رواه أبو داوود، وقال شَيْخ الإِسْلامِ: إن إسناده على شرط مسلم. ووجه الدلالة في هذا: " إن العيدين الجاهليين لم يقرهما الرسول ﷺ ، ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة " بل نص على البديل فقال: ﴿إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما﴾ فهل يجتمع البديل والمبدل منه؟ لا يجتمعان أبداً. إذاً: فلا بد أن نضع هذا مكان هذا، ولا يمكن أن نحتفل بأي يوم يحتفل به المشركون أبداً، فوجه الدلالة في هذا واضح. ويعلق شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ في الاقتضاء على هذا فيقول: " أيضاً فإن ذينك اليومين الجاهليين قد ماتا في الإسلام، فلم يبق لهما أثر على عهد رسول الله ﷺ ، ولا عهد خلفائه، ولو لم يكن قد نهى الناس عن اللعب فيهما ونحوه، مما كانوا يفعلونه لكانوا قد بقوا على العادة " فهنا شَيْخ الإِسْلامِ يستدل بالواقع، ففي أيام النبي ﷺ وأيام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، لا وجود لهذين العيدين بل أكثر المسلمين لم يكونوا يعلمون متى كان موعد هذين العيدين، وهذا دليل على استئصال الشرع لهما استئصالاً نهائياً، حتى لم يبق لهما ذِكَرٌ أو أثر. فالنهي يكون من أشد أنواع النهي وأشد أنواع التغليظ -كما ذكر ﵀ مع تشوق النفوس إلى العيد، وإلى الفرح وخاصة كما ذكر: من النساء والأطفال والفارغين من الناس، وهو صادق؛ فما أكثر الفارغين من الناس اليوم الذين يحبون الأعياد، ويتمنون أن يكون في كل شهر حفلات وأعياد وعطل، والنساء كذلك يردن الزينة والبهرجة والفرحة، والأطفال. فرغم قوة الداعي لبقاء هذين اليومين في نفوس الناس إلا أنهما استؤصلا واجتثا؛ حتى لم يبق لهما من أثر. فهذا دليل على قوة المعارض وقوة المانع وهو حرصه ﷺ وحرص أصحابه ومعرفتهم بأن هذا لا يجوز أبداً بخلاف بعض الأمور التي بقي لها أثر كالنياحة، وغير ذلك من أمر الجاهلية التي ذكر النبي ﷺ أنها تبقى، لكن هذا ذهب واستؤصل بالكامل. قد يقول الواحد منكم: هذه أعياد الجاهلية قد استؤصلت، فأعياد أهل الكتاب أمرنا شرعاً أن نقرهم عليها، فعندما يدخلون في عقد الذمة نقرهم على دينهم، ومن جملة دينهم الاحتفال بأعيادهم، وهذه الشبهة -أيها الإخوة- سوف تسمعونها في الجرائد والتلفاز، والإذاعات وغير ذلك، عندما تأتي هذه الأعياد وتفتح الإذاعات العربية، إلا ما رحم الله فتجدها كلها تحتفل بهذه الذكرى، فمن جملة من يأتي، ويتفلسف ويبرر ويقول: إن هذه الأعياد أقرت من جملة دينهم الذي أقر، وأن الإسلام يحترم أهل الكتاب، فـ شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ يرد على هذا رداً قوياً فيقول: " المحذور في أعياد أهل الكتابين التي نقرهم عليها، أشد من المحذور في أعياد الجاهلية التي لا نقرهم عليها، فإن الأمة قد حُذروا من مشابهة اليهود والنصارى، وأخبروا أن سيفعل قوم منهم هذا المحذور، بخلاف دين الجاهلية، فإنه لا يعود إلا في آخر الدهر، عند اخترام أنفس المؤمنين عموماً " عندما تقرب الساعة وتدنو، يلتحق فئام من أمتى بالمشركين وتضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة -وما أشبه ذلك من الأدلة- قال: هذا عند نهاية الزمان، أما أن تعود الجاهلية تلك التي كانت قبل قدومه ﷺ المدينة بأعيادها، فلا تعود أبداً، فالنهي عن الشيء المتكرر والواقع والفتنة به أشد بلا ريب، فقال: " ولو لم يكن أشد منه فإنه مثله " أقل ما يقال: إن أعياد أهل الكتاب هي مثل أعياد الجاهليين. إذاً الشر الذي له فاعل موجود، يخاف على الناس منه أكثر من شر لا مقتضى له قوي. فوجه الاستدلال: الشر الذي له أهل ويقومون به، هذا المقتضي والدافع له أقوى من غيره، وقد زاد في زماننا هذا دافع آخر لهذا الشر، وهو دافع عظيم من أهم الدوافع على المشاركة، وهو: أن الكفار ظاهرون غالبون وممكنون، استدراجاً من الله لهم، وإلا لا يغرنا، وأنهم، وهم متحضرون ومتطورون، فتقتدي بهم أمم العالم جميعاً، ومنها أكثر المسلمين مع الأسف الشديد، فهذه تضاف إلى تلك. فإذا كان شَيْخ الإِسْلامِ تحدث عنهم وهم في زمنه أهل ذلة وصغار مضروبة عليهم الجزية، وهم في بلاد الشام، أما في هذه الجزيرة فقد حماها الله وطهرها، لا يجتمع فيها دينان، ولا يجوز أن يقروا فيها أصلا، لكن هنالك من أهل الذمة مضروب عليهم الذل والصغار ويكون الداعي أشد لوجودهم. ويذكر أن النساء والأطفال في عدة مواضع من كتابه وفي الفتاوى: أن النساء والأطفال والجُهال والفارغين يشاركونهم ويفرحون بأعيادهم، فما بالكم في هذا الزمان الذي زاد فيه هذا الداعي وهذا الدافع؟ إذاً يجب أن يكون الإنكار أشد وأكثر، وإلا كان من المحظور ما لا تحمد عاقبته، الذي قد يؤدي إلى الكفر نسأل الله العفو والعافية على ما سنذكر في الأدلة الأخرى.

стр. 1783

عدم الوفاء بالنذر في مكان عيد الكفار ومن الأدلة: حديث ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلاً بـ بوانة - وهذا في كتاب التوحيد قد جعله الشيخ محمد بن عبد الوهاب باب "لا يذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله" فقال النبي ﷺ له: ﴿هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية؟ قال: لا. قال: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قال: لا، قال: فأوفِ بنذرك، فإنه لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم﴾ وهذا حديث صحيح أصله في الصحيحين وهو بلفظه هذا على شرط الصحيحين كما ذكر ﵀. وبعد أن ذكر الروايات الأخرى، قال: " وجه الدلالة، أن هذا الناذر كان قد نذر أن يذبح نعماً: إما إبلاً وإما غنماً، وإما كانت قضيتين في بمكان سماه: بوانة يقال: إنها قريب من ينبع، مكان قريب معروف في أيامهم، فقال النبي ﷺ : هل كان فيها كذا أو هل كان فيها كذا؟ فهذا يدل على أن الذبح في بمكان عيدهم ومحل أوثانهم معصية لله تعالى من وجوه: الوجه الأول: أنه قال ﷺ : ﴿فأوفِ بنذرك﴾ لماذا هذه الفاء؟ هي تعقبية، وتعني أن الحكم مترتب على ذلك -أي: فتفي بنذرك- فإذا لم يوجد محظور فأوفِ بنذرك، فلو لم يكن كذلك لقال: لا تفِ به. الوجه الثاني: أنه عقب بقوله: ﴿لا وفاء لنذر في معصية الله﴾ ومعنى ذلك أنه لو كان هناك ما يوجب التحريم لما جاز. إذاً كأنه قال له: حيث لا يوجد مانع ولا يوجد ما يقتضي التحريم ولا يجعله معصية؛ فأوفِ بنذرك، فدل ذلك على أن هذا معصية لا يوفى بالنذر فيها، أي لو كان مكانه عيداً من أعياد الجاهلية. الوجه الثالث: يقول: إنه لو كان الذبح في موضع العيد جائزاً، لسوغ النبي ﷺ للناذر الوفاء به، كما سوغ لمن نذرت أن تضرب بالدف؛ أن تضرب به، بل لأوجب الوفاء به، إذا كان الذبح بالمكان المنذور واجب " فنلاحظ أن وجه الدلالة -هذا- دقيق، وقد يكون واضحاً إن شاء الله. إذا كان الإنسان لا يجب عليه فعل من الأفعال، ولكن نذر أن يفعله وهو طاعة، فيكون حكمه الوجوب عليه، والنهي عن النذر معروف، لأنه يستخرج به من مال البخيل، لكن لو نذر وجب عليه أن يفي بنذره. الوجه الرابع: أنه وجب عليه أن يفي بنذره بعد أن انتفت الموانع، فإذا كان الوفاء بالنذر أشد حكماً، لأن حكمه الوجوب والآخر حكمه الإباحة من الشيء الذي أصله مباح. فإذاً المقتضي والداعي لأن يفعله الرجل في هذا المكان أشد، وهذا واضح وظاهر، فلما جاء النبي ﷺ بمانع يمنع هذا الوجوب الواضح الظاهر القوي، دل ذلك على قوة هذا المانع، فإنه لو وُجِدَ لما جاز له أن يفعله. إذاً: وجود عيد من أعياد الجاهلية في هذا المكان مانع قوي، يجعلك لا تفعل، ولو نذرت، فكيف لو تطوع أحد، وذهب إلى بقعة من البقاع التي فيها أعياد المشركين، فهذا يكون بلا ريب حراماً، والحديث يدل على ذلك أشد مما يدل على دلالته في عدم الوفاء بالنذر. وهناك ملحوظ آخر في هذا الحديث، وهو أنه إذا كان من أجل تخصيص البقعة -وهو الظاهر -فهذا إنما نهي عن البقعة لأنها موضع عيدهم، ولهذا لما خلت من ذلك أذن في الذبح لهم، فقصد التخصيص باق، فعلم أن المحظور تخصيص بقعة عيدهم، فكيف نفس عيدهم. أي: إذا كانت بقعة العيد يحرم فعل الشيء فيها، حيث لم يكن في زمن النبي ﷺ عيد؛ بل جاء أن هذا كان في آخر أيام النبي ﷺ ، وأن الرجل سأله في حجة الوداع؛ بعد أن طمست أعياد الجاهلية جميعاً، إنما الاتفاق في الموقع فقط، ومع ذلك يسأله النبي ﷺ ، ولو قال: نعم يا رسول الله! كان فيها عيد، لقال: لا تفعل. فكيف إذا اتفق الزمان والمكان ووجود الكفار واحتفالهم وحضورهم؟! لا شك أن هذا يدل دلالة قطعية على تحريم ذلك والله المستعان. ثم أعاد ﵀ الكرة وهذا مهم جداً في أن أعياد الكتابيين أشد، فإذا كان هذا الزجر والنهي كما في هذا الحديث عن أعياد الجاهليين، فالكتابيين اليهود والنصارى النهي في حقهم أشد.

стр. 1784

حديث: (لكل قوم عيداً وهذا عيدنا) ومن الأدلة أيضاً على ذلك الحديث الذي في الصحيحين عن عائشة ﵂: ﴿أنه ﷺ دخل عليه أبو بكر الصديق، وعنده جاريتان تغنيان من جواري الأنصار، وما هما بمغنيتان -أي: إنما جاريتان صغيرتان تغنيان عند رسول الله ﷺ فقال أبو بكر ﵁: أبمزمور الشيطان بين يدي رسول الله ﷺ ؟ فقال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر دعهما فإن لكل قوم عيد وهذا عيدنا﴾ فماذا نأخذ من هذا الحديث؟ أولاً: أن قوله: ﴿إن لكل قوم عيد وهذا عيدنا﴾ يوجب اختصاص كل قوم بعيدهم، يختصون به عن سواهم، وإلا كانت الأيام مشتركة والأعياد مشتركة، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة:٤٨]، فشريعتنا غير شريعتهم، وقبلتنا غير قبلتهم، وعبادتنا غير عبادتهم، وصلاتنا غير صلاتهم، وصيامنا غير صيامهم، فكذلك عيدنا غير عيدهم، فلا هم يتبعون قبلتنا وعبادتنا وصيامنا ولا نحن نتبع قبلتهم وصيامهم ولا كذلك أعيادهم. إذاً: لكل قوم وأمة ونحلة عيد ونحن هذا عيدنا، فلا يشاركوننا فيه ولا نحن نشاركهم في أعيادهم. ثانيا: قوله ﷺ ﴿وهذا عيدنا﴾ يدل على الاختصاص، أي: لا عيد لنا سواه، وليس المقصود فقط ذلك اليوم، وإنما هما يومان، وهذا من الجنس: أي لا عيد لنا إلا هذا العيد المشروع، فدل على أنهما اليومان فقط، ودل على أنه لا عيد لنا سوى ذلك، فحتى لو أردنا أن نجعل لنا عيداً -كالعيد الوطني أو عيد التحرير أو عيد الاستقلال، أو أي عيد نجعله لنا- ولا نشابه فيه أحداً من الكفار، لما جاز ذلك لنا أبداً. فكيف إذا كنا نفعل عيداً هو من أعياد الكفار، ونقيم شعائر هي من شعائر الكفار؟! لا شك أن ذلك يكون أشد وأعظم حرمة. يقول شَيْخ الإِسْلامِ ﵀: إن تعليل الإباحة للجواري بأن ذلك في يوم عيدنا، فيه دلالة على أن الإذن باللعب لأن هذا اليوم خاص بنا، فهذا اللهو وهذا اللعب خاص بنا، ولا يتعدى إلى أعياد الكفار. فإذاً لا يرخص باللعب في أعياد الكفار، فهما تلعبان أو تضربان لأنهما في عيدنا، فلو كان في عيد غيرنا لما أذن لهما.

стр. 1785

عدم مشاركة المسلمين لأعياد الكفار من أول الإسلام ومن الأدلة على ذلك -وهذا يمكن أن نسميه دليل الواقع- أن النبي ﷺ لما بعثه الله كان اليهود في جزيرة العرب في أماكن كثيرة، في المدينة، وخيبر، والنصارى كانوا في نجران، واليمن -في صنعاء وغيرها- فكان اليهود والنصارى موجودين في عهد النبي ﷺ ، أول ما جاء الإسلام، وكذلك كان الفرس وديانة المجوس في البحرين -في شرق جزيرة العرب - ونحو ذلك. ومع ذلك من تأمل ونظر في سيرة النبي ﷺ ، علم علماً يقينياً قطعياً، أنه لم يكن المسلمون يشاركونهم في أي عيد من أعيادهم أبداً، ولم يقع ذلك من أحد من الصحابة أو التابعين، حتى لو تتبعنا السير لا نجد أن نساء المؤمنين أو أطفالهم شاركوا أولئك في أعيادهم، وذلك لأنهم أمة عرفوا الله، ومعنى لا إله إلا الله، وعزة الإيمان، وعرفوا أنهم على طريق الجنة والصراط المستقيم، وأن أولئك على طريق الكفر والضلال واللعنة والغضب، فلا نسبة بيننا وبينهم، ولا يمكن أن نقاربهم أو ندانيهم في شيء من شعائر دينهم. هذا كله مع أنه قد ثبت وجود التعامل معهم في أمور الدنيا الاعتيادية كالمبايعة، والمخالطة في الأسواق، وفي البلاد، وفي السكنى والمجاورة، وكثير من الأحكام، بل حتى رد السلام والتعارف كان موجوداً بينهم، والتعارف، وكثير من الأمور كانت موجودة؛ بعضها نسخ وبعضها لم ينسخ. والمقصود أن وجودهم كان حاضراً بين المسلمين ولم يثبت أبداً أي مشاركة لهم في أعيادهم، فهذا دليل على أن الصحابة ﵃ علموا وأيقنوا أن أعيادهم جزء من عقيدتهم، فكما لا نوافقهم على عبادة المسيح ﵇ أو عزير أو تحريفهم للتوراة أو إنكارهم لنبوة محمد ﷺ ولا مثل ذلك، فكذلك لا نوافقهم في أعيادهم، لأنها من دينهم. فهذا كان حالهم ﵃، ومن بعدهم، وهذا ما نسميه دليل الواقع.

стр. 1786

تميزنا بعيد الجمعة ومن الأدلة: أن النبي ﷺ قال في الحديث الذي في الصحيحين ﴿نحن الآخرون السابقون يوم القيامة﴾ فنحن الآخرون في الأمم، زماناً، السابقون يوم القيامة، قال: ﴿بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود يوم السبت والنصارى يوم الأحد، ونحن -أي: يوم عيدنا- يوم الجمعة﴾ وهذا في العيد الأسبوعي. فانظروا وقيسوا العيد الحولي على العيد الأسبوعي، فالعيد الأسبوعي الذي يتكرر كثيراً وهو قريب من أيامهم، ومع ذلك اختصنا الله ﵎ بعيد أسبوعي نخالفهم به، وفضلنا به، وجعل ذلك أحد العلامات التي تدل على أننا نخالفهم، وأن الله تعالى هدانا وأضلهم، وأرانا الصراط المستقيم وأغواهم عنه، فنحن لنا الجمعة وهم لهم اليومان المعروفان للجميع. إذاً هذا دليل كما يقول شَيْخ الإِسْلامِ ﵀: " وإذا كان هذا في العيد الأسبوعي فكذلك في العيد الحولي إذ لا فرق، بل إذا كان هذا في عيد يعرف بالحساب العربي، فكيف بأعياد الكافرين العجمية التي لا تعرف إلا بالحساب الرومي القبطي أو الفارسي أو العبري ونحو ذلك ".

стр. 1787

الأنبياء يستخدمون التقويم القمري وهنا ملحوظ آخر وهو أن ما كان من الأعياد كان بالتقويم العربي أو الهجري. وهكذا كانت العرب يحسبون على منازل الهلال، بل كان كما يقول شَيْخ الإِسْلامِ: " أن الرسل والأنبياء كانوا يشرعون لأممهم وكانت شرائعهم كلها على الهلال " سبحان الله! هذه كلمة لما قرأتها تعجبت من سعة علمه ﵁، يقول: أي نبي من الأنبياء يقول: شهر أو يقول: سنة فإنما يقصد الشهور الهلالية، أما الفلاسفة ومن تبعهم وهذا مأخوذ عن قدماء الفلكيين من الصابئين، فإنهم يوقتون بالشهور الشمسية، فيقول: نحن منهيون أن نتخذ هذا التقويم، وما كان من شهورهم فهو أشد حرمة مما كان من شهورنا، لأن فيه زيادة اختصاص لهم، لأنه ليس من شرائع الأنبياء أبداً أن يوقتوا بهذا. فهي -كما ذكرها- أوقات معروفة في أيام الأشهر الرومية، وإلى الآن تستخدم في بلاد الشام والعراق وهي: حزيران، ونيسان، وآذار إلى آخره، بينما الغربيين يستخدمون، يناير، فبراير، مارس إلى آخره.

стр. 1788

إجماع السلف على عدم حضور أعيادهم وهناك دليل آخر عظيم جداً على مسألة عدم حضور أعيادهم وهو دليل الإجماع، فالإجماع فلم يعهد أو يؤثر عن أحد من الصحابة أو التابعين أو من سلف الأمة وفقهائهم أنه حضر عيداً من أعيادهم أو أقره على الإطلاق.

стр. 1789

ما ورد من آثار عن الصحابة والتابعين نذكر الآن بعض ما ورد من آثار عن الصحابة وعن التابعين ﵃ في ذلك ولا سيما الصحابة.

стр. 1790

الشروط العمرية عمر ﵁، له في هذا مواقف عظيمة، أعظمها وأشهرها الشروط العمرية، التي فرضها على أهل الكتاب، فأصبحت -ولله الحمد- سنة متبعة أجمع الفقهاء عليها، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل، لكن الأصل العام أن الفقهاء اتخذوا الشروط العمرية دليلاً ومنهاجاً لهم في معاملة أهل الذمة، وهذا من سنن الخلفاء الراشدين؛ التي أُمِرَت الأمة أن تتبعها وأن تأخذها. فمما اشترطه عمر ﵁ عليهم: ألا يظهروا شيئاً من أعيادهم -وهذا في بلاد الشام حيث أهل الذمة، أما في جزيرة العرب فننبه مراراً أنه لا يجوز أصلاً أن يدخلوا فيها، فضلاً عن أن يعلنوا فيها شعائر دينهم أو أعيادهم- فـ عمر ﵁، مع ما فرض عليهم من أمر الله، وما ألزمهم به من الذل والصغار والجزية، ومع ذلك اشترط عليهم شرطاً واضحاً صريحاً ألاَّ يعلنوا عن أعيادهم في دار الإسلام أو بين المسلمين، فهي من جملة دينهم يتخفون به في بيعهم أو كنائسهم وما أشبه ذلك.
следующие страницы →