Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
تميزنا بعيد الجمعة
ومن الأدلة: أن النبي ﷺ قال في الحديث الذي في الصحيحين ﴿نحن الآخرون السابقون يوم القيامة﴾ فنحن الآخرون في الأمم، زماناً، السابقون يوم القيامة، قال: ﴿بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود يوم السبت والنصارى يوم الأحد، ونحن -أي: يوم عيدنا- يوم الجمعة﴾ وهذا في العيد الأسبوعي.
فانظروا وقيسوا العيد الحولي على العيد الأسبوعي، فالعيد الأسبوعي الذي يتكرر كثيراً وهو قريب من أيامهم، ومع ذلك اختصنا الله ﵎ بعيد أسبوعي نخالفهم به، وفضلنا به، وجعل ذلك أحد العلامات التي تدل على أننا نخالفهم، وأن الله تعالى هدانا وأضلهم، وأرانا الصراط المستقيم وأغواهم عنه، فنحن لنا الجمعة وهم لهم اليومان المعروفان للجميع.
إذاً هذا دليل كما يقول شَيْخ الإِسْلامِ ﵀: " وإذا كان هذا في العيد الأسبوعي فكذلك في العيد الحولي إذ لا فرق، بل إذا كان هذا في عيد يعرف بالحساب العربي، فكيف بأعياد الكافرين العجمية التي لا تعرف إلا بالحساب الرومي القبطي أو الفارسي أو العبري ونحو ذلك ".
стр. 1787
الأنبياء يستخدمون التقويم القمري
وهنا ملحوظ آخر وهو أن ما كان من الأعياد كان بالتقويم العربي أو الهجري.
وهكذا كانت العرب يحسبون على منازل الهلال، بل كان كما يقول شَيْخ الإِسْلامِ: " أن الرسل والأنبياء كانوا يشرعون لأممهم وكانت شرائعهم كلها على الهلال " سبحان الله! هذه كلمة لما قرأتها تعجبت من سعة علمه ﵁، يقول: أي نبي من الأنبياء يقول: شهر أو يقول: سنة فإنما يقصد الشهور الهلالية، أما الفلاسفة ومن تبعهم وهذا مأخوذ عن قدماء الفلكيين من الصابئين، فإنهم يوقتون بالشهور الشمسية، فيقول: نحن منهيون أن نتخذ هذا التقويم، وما كان من شهورهم فهو أشد حرمة مما كان من شهورنا، لأن فيه زيادة اختصاص لهم، لأنه ليس من شرائع الأنبياء أبداً أن يوقتوا بهذا.
فهي -كما ذكرها- أوقات معروفة في أيام الأشهر الرومية، وإلى الآن تستخدم في بلاد الشام والعراق وهي: حزيران، ونيسان، وآذار إلى آخره، بينما الغربيين يستخدمون، يناير، فبراير، مارس إلى آخره.
стр. 1788
إجماع السلف على عدم حضور أعيادهم
وهناك دليل آخر عظيم جداً على مسألة عدم حضور أعيادهم وهو دليل الإجماع، فالإجماع فلم يعهد أو يؤثر عن أحد من الصحابة أو التابعين أو من سلف الأمة وفقهائهم أنه حضر عيداً من أعيادهم أو أقره على الإطلاق.
стр. 1789
ما ورد من آثار عن الصحابة والتابعين
نذكر الآن بعض ما ورد من آثار عن الصحابة وعن التابعين ﵃ في ذلك ولا سيما الصحابة.
стр. 1790
الشروط العمرية
عمر ﵁، له في هذا مواقف عظيمة، أعظمها وأشهرها الشروط العمرية، التي فرضها على أهل الكتاب، فأصبحت -ولله الحمد- سنة متبعة أجمع الفقهاء عليها، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل، لكن الأصل العام أن الفقهاء اتخذوا الشروط العمرية دليلاً ومنهاجاً لهم في معاملة أهل الذمة، وهذا من سنن الخلفاء الراشدين؛ التي أُمِرَت الأمة أن تتبعها وأن تأخذها.
فمما اشترطه عمر ﵁ عليهم: ألا يظهروا شيئاً من أعيادهم -وهذا في بلاد الشام حيث أهل الذمة، أما في جزيرة العرب فننبه مراراً أنه لا يجوز أصلاً أن يدخلوا فيها، فضلاً عن أن يعلنوا فيها شعائر دينهم أو أعيادهم- فـ عمر ﵁، مع ما فرض عليهم من أمر الله، وما ألزمهم به من الذل والصغار والجزية، ومع ذلك اشترط عليهم شرطاً واضحاً صريحاً ألاَّ يعلنوا عن أعيادهم في دار الإسلام أو بين المسلمين، فهي من جملة دينهم يتخفون به في بيعهم أو كنائسهم وما أشبه ذلك.
стр. 1791
النهي عن تعليم رطانة الأعاجم
وروى البيهقي -أيضاً- كما ذكر شَيْخ الإِسْلامِ بإسناد صحيح أن عمر ﵁، قال: [[لا تعلموا رطانة الأعاجم]] وهذا موضوع مهم، تفشي العمل بخلافه في هذا الزمن، فقد صار أصحاب الأعمال يعلنون عن أعمال في الصحف، يفضل في المتقدمين لها من لديه إلمام بسيط بلغة الأعاجم، وكذلك فقد أصبح الناس يحثون على السفر إلى بلاد الكفار رغم أنهم يُنصحون بأنها بلاد لا يجوز الذهاب إليها إلا للضرورة، لأنها بلاد كفار، فيقول أحدهم: لو لم يكن من فائدة من الذهاب! إلا تعلم اللغة لكفت، فما فائدة اللغة إن لم تكن لمصلحة شرعية؟! فهي من جملة المشابهة وهي تورث محبتهم بلا ريب، وهذا له تفصيل آخر.
كن المقصود أن عمر ﵁ نهى عن أمرين: عن رطانتهم، وعن الدخول في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم -ينزل سخط الله عليهم- في يوم عيدهم، وفي كنائسهم.
فإذا جاء شخص، وقال: اليوم عيد النصارى، دعنا نذهب إلى الكنيسة ننظر ماذا يصنعون، فهذا هو الذي قصده عمر ﵁، أما أن يشاركهم المسلم في أعيادهم وأن يهنئهم بها، فهذا من دينهم، ولكن هذا الفرجة يقول: لا تدخلوا عليهم لأنها مكان سخط، ومكان نزول عذاب -نسأل الله العفو والعافية- وغضب من الله؛ فربما يهلكهم الله بما يعلنون من الشرك والكفر، فيهلك معهم هذا المسلم المؤمن.
стр. 1792
النهي عن البناء والإقامة عندهم
وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: [[من بنى ببلاد الأعاجم أو أقام، فصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك، حشر معهم يوم القيامة]] ويعقب شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ فذكر: أن هذا يحتمل أنه يقصد أنه يكفر، قال: وإن لم يكن يكفر من يفعل ذلك فلا شك أنه دليل على أن عبد الله بن عمرو ﵁ يرى ذلك من الكبائر المحرمة وكل واحدة من هذه الأمور منكر برأسه، وليس المقصود اجتماع هذه المنكرات جميعاً حتى يكون كذلك، بل كل واحد منكر، فالإقامة عندهم من غير حاجة أو ضرورة منكر، وحضور النيروز منكر، والمشاركة في أمورهم، والتشبه بهم منكر على انفراد، نسأل الله العفو والعافية.
стр. 1793
عدم مشاركتهم في أسمائهم
علي رضي الله، عنه وكان -كما تعلمون- قد أقام هنالك في العراق وهم مجاورون للفرس فجاءه رجل، وقال: يا أمير المؤمنين! هذه هدية، قال: ما هذه الهدية؟ قال: هذا يوم النيروز -أظنه يوافق أول أيام الربيع- قال علي ﵁: [[فاصنعوا كل يوم فيروزاً]] فهم قالوا: نيروز -وهذا اسمه إلى الآن- قال: اصنعوا كل يوم فيروزاً، فغيَّر الاسم ولم يرضَ أن يشاركهم حتى في الاسم، وقال: اصنعوا كل يوم فيروزاً، حتى تنتفي المشابهة، فهم يتهادون الهدايا في يوم معين، ونحن كل يوم نصنع هذا الطعام، كفاكهة ورياحين معينة تقدم لتشم، ويقال: هذا عيد النيروز، قال: اصنعوا كل يوم فيروزاً، يعني تغير عليهم، ليصبح يوماً عادياً جداً، فلا يظهر أنك تحتفل بهذا العيد أو تشاركهم فيه.
فهذا من شدة حرص الصحابة ﵃، وما نسميه الحساسية من مشابهة المشركين في هذا.
стр. 1794
إجماع الفقهاء على تحريم مشابهة الكفار ودخول أعيادهم
كل الفقهاء مجمعون على تحريم مشابهة هؤلاء الكفار، وحضور أعيادهم ومشاركتهم فيها، قال ابن القاسم من فقهاء المالكية المشهورين: من ذبح بطيخة في يوم عيدهم فكأنما ذبح خنزيراً، أي: أنه إذا وافق يوم عيدهم، واشتريت بطيخة، ثم ذبحتها فكأنما ذبحت خنزيراً وشاركتهم في عيدهم، إذاً لا تذبحها في هذا اليوم.
والحنفية أشد، فقد قالوا: من أهدى إلى رجل في يوم النيروز بيضة على سبيل التعظيم والإهداء في ذلك اليوم فقد كفر، فهو بسبب بيضة يكفر، ليس كرتاً فيه: إننا نهنئكم بهذه المناسبة السعيدة، ونسأل الله أن يعيدها علينا وعليكم بالحب والفرح، وغير ذلك.
فبيضة يعطيها في يوم النيروز على سبيل أنها من هذه الهدايا كفر، هكذا نص الحنفية، ولا غرابة؛ فإن في مذهبهم مثل هذا النوع من المسائل، فإذا اقترن بذلك الكفر الصريح كتعليق الصلبان وإظهار هذه الشعائر، وحضور الحفل الذي يبدأ فيها بعباداتهم أو بصلواتهم، فيقال: باسم الأب والابن وروح القدس إلهاً واحداً، وكذلك ما يمازجه -والعياذ بالله- من المنكرات كالاختلاط وشرب الخمور والفجور وما أشبه ذلك، فهذا يكون لا شك أنه أعظم بكثير من قضية إهداء البيضة.
إذاً: كتاب الله ﵎ وما في ديننا من أدلة كلية وأدلة تفصيلة في سنة النبي ﷺ مما ذكرنا من هذه الأحاديث ومن فعل الصحابة الكرام وفعل السلف الصالح وكلام الفقهاء جميعاً.
ولو نظرتم إلى ما قال الإمام أحمد، فهو أيضاً من أشد الناس بعداً عن هذا وتحذيراً منه، والفقهاء جميعاً الحنفية والمالكية والحنبلية والشافعية، وكل الفقهاء الآخرين حتى الظاهرية كـ ابن حزم ﵀ له كلام عظيم جداً في أحكام أهل الكتاب وفي مشابهتهم، وكل هذا يدل دلالة قطعية صريحة على تحريم الاحتفال بأعيادهم أو مشاركتهم فيها، وأنَّ هذا مشاركة لهم في الكفر في شعائر من شعائرهم، وشريعة من شرائعهم فهو كفر عملي.
وإذا اقترن هذا العمل اعتقاد أن دينهم حق أو أن ما هم عليه صحيح، وإقرارهم بذلك، فلا شك أنه يصبح كفراً أكبر مخرجاً من الملة والعياذ بالله.
فانظروا أي خطر ماحق ساحق يحيق بمن يشارك هؤلاء أو يقرهم عليه، وفي المقابل انظروا أي واجب عظيم علينا، تجاه هذه المنكرات التي يعلن بها ويجاهر بها وبوسائلها وذرائعها في بلاد الإسلام، نسأل الله العفو والعافية.
هناك أدلة كثيرة لم نذكرها وإن كانت تدخل فيما سماه شَيْخ الإِسْلامِ (الاعتبار) يعني النظر العقلي السليم الذي به تحرم مشابهة الكفار وموالاتهم في أعيادهم فليراجعها الإخوة الكرام في كتاب الاقتضاء.
стр. 1795
الحلول المعينة على درء منكر إقامة أعياد الكفار
ولعلكم تسألون قبل أن نجيبكم على الأسئلة عن الحلول، ما هي الحلول التي يمكن أن نتخذها لدرء ومنع هذا المنكر الكبير؟
стр. 1796
النصح باللسان
أولاً: أهمية الكلمة وقوة الكلمة، فإن الله ﵎ بعث رسله الكرام يدعون الناس بالكلام وبالبلاغ وبالنذارة، ثم بعد ذلك يكون منهم الجهاد، لكن الكلمة هي الأساس، فنحن ما بين واعظ ومدرس ومتحدث إن لم يكن كذلك، فهو في عمله يستطيع أن يتحدث.
فيجب على الإخوة الخطباء أن يخطبوا الجُمَع بهذا الشأن ويجذروا الناس من خطره.
فالخُطَب إذاً مهمة جداً، والحمد لله صلاة الجُمُعَةِ يحضرها عامة الناس، ونحن طلاب علم في الغالب، لكن الجُمعة في هذا المسجد وغيره يجتمع عدد كبير من الناس ومن كل الفئات، فلا بد من إقامة الحجة عليهم بهذه الأدلة، وبما يفتح الله عليكم من غيرها فلا يخفى عليكم ذلك.
إذاً خطب الجمعة يكون فيها ذلك، وكذلك المواعظ التي يجب أن يقوم بها الإخوة هذه الأيام، ونتجول في المساجد ونحذر الناس من ذلك.
ولقد وصلتنا أخبار أن بعض المستشفيات قد علقوا لافتات فيها عبارة: عيد سعيد، فإذن بدأ أهل الفساد يعملون ويشتغلون ولا بد أن يعمل أهل الإصلاح من الآن في المواعظ هذه.
стр. 1797
نشر المحاضرات والفتاوى
ثانياً: نشر المحاضرات والفتاوى والأحكام المتعلقة بهذه القضية وبهذا العيد، ومن ذلك فتوى سماحة الشيخ الوالد محمد بن صالح العثيمين تستطيعون الحصول عليها، ونرجو من كل مندوب حي أن يأخذ منها صوراً ويوزع ولو عشراً في كل مسجد، ثم كل واحد منكم إذا أخذ نسخة أو قرأها يصور منها مجموعة ويوزعها.
ومن أراد زيادة في الفتاوى كفتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء التي يرأسها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز فتوى رقم (٢٥٤٠) ورقم (٣٣٢٦) ورقم (٩٢٥٤) ورقم (٨٨٤٨) وإن كانت موجزة لكنها صريحة وهي موجودة، فمن حصل منكم على كتاب فتاوى اللجنة الذي خرج وطبع مؤخراً، فيجدها فإنها موجودة في الجزء الأول من صفحة (٤٨) فما بعدها، تنشر وتوزع وتعلق في المساجد وهذا أحد الوسائل.
стр. 1798
التوعية في المدارس
ثالثاً: والغالب أننا في حقل التعليم، وكثير من الإخوة في حقل التعليم، فالمدارس وسيلة مهمة جداً لنشر هذا الوعي، والطفل أو الطالب سوف يبلغ ذلك، ويُلزم ويقال له ذلك أن يبلغه لأهله وجيرانه ولمن يستطيع، وهذا إن شاء الله في الإمكان.
стр. 1799
تعليق تراجم للفتاوى في الشركات
رابعاً: يجب أن تعلق هذه الفتاوى مترجمة في الشركات التي يكون فيها كفار، وفتوى الشيخ ابن عثيمين مترجمة موجودة.
فتعلق في الشركات والمؤسسات، ولا يُكْتَفى بهذا، بل تعلق الأوامر الحكومية التي تمنع من القيام بمثل هذه الاحتفالات، بل لا نكتفي بذلك بل نطالب بأوامر جديدة هذه الأيام وتترجم وتعلق وتختم في جميع الإدارات وجميع الشركات، قد يكون في الحضور من هو مسئول أو نحن يجب أن نبلغهم، كل منا من طريقه، فهذا لا بد منه.
ومن يعملون في هذه الشركات الواجب عليهم أكثر أن يخاطبوا المسئولين، ويكتبوا بالقنوات الرسمية المعروفة، ويطلبوا التعاميم السابقة إن لم تكن موجودة أو تعاميم جديدة تَنهى عن هذا، وتترجم بحسب لغة القوم، فإن عندنا كفار والعياذ بالله من جميع الأجناس، فمنهم: الألماني، والفرنسي، والإنجليزي، وغيرهم، فنترجم ما استطعنا بحسب الشركات، وتعلق على أبواب ومكان بارز، يراه هؤلاء أعداء الله تعالى أو من قد يشاركهم في ذلك من المسلمين.
стр. 1800
دور وسائل الإعلام
خامساً: كذلك الصحافة، فالإخوة مندوبي الصحف، ومنهم الصحافة أو الصفحات الإسلامية يجب أن تكتب وتكرر الكتابة عن هذا الأمر وتبين هذه الأحكام بالتفصيل، فيقرأها قطاع كبير من الناس بإذن الله تعالى، وكذلك يجب أن يعلن في الإذاعة، والتلفاز، وبأي وسيلة ممكنة من العلماء وغيرهم، بل يجب أن ننبه علماءنا الكرام إلى أن يجددوا فتاواهم، وأن يجددوا التحذير، وأن يكتبوا أيضاً لمن يهمه الأمر بهذا الشأن في زيادة التحذير، لأن علماءنا أثابهم الله في كل رمضان يُعلموننا أحكام الصيام، وفي كل حج يعلمونا أحكام الحج أو بدع الصيام والصلاة وهكذا، فكل شيء في وقته.
فوقت هذه المواسم التي يحتفل فيها الكفار ينبغي أن نجدد فيها البلاغ والإنذار، والتحذير لهؤلاء ونذكر المسلمين بها، حتى لا يؤخذوا على غرة.
стр. 1801
المعاقبة والردع عن المنكر
سادساً: أيضاً يجب أن يعاقب من تسول له نفسه أن يتعدى هذه الأوامر، فلو علقت الإعلانات فجاء أحد يوزع كروتاً أو يبيعها فيجب أن يعاقب بعقوبة رادعة؛ لأن هؤلاء القوم لا ينفع معهم إلا الزجر والردع، وهذا من أوجب ما يجب على من بيده المسئولية؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]، وهذا من أعظم المنكر بلا ريب كما سمعنا في الأدلة.
كذلك يجب على الرقابة الإعلامية أن تسحب كل كروت وبطاقات التهاني من المكتبات، وأن تتلف وتحرق، ويؤخذ عليهم التعهد الشديد بعدم بيعها مرة أخرى، كما يجب على إدارة الجمارك أو أي جهة مسئولية في موانئ المملكة البرية أو البحرية، ألا تسمح بدخول هذه البطاقات والكروت مرة أخرى، بحيث نأتي -إن شاء الله- في الأعوام القادمة فلا نجد في كتاب الإحصائيات ذكراً لهذا، ولا يستورد أي آلةٍ أو أي ذريعة من ذرائع هذه الأعياد الكفرية.
стр. 1802
وضع تعميم على السفارات والقنصليات وغيرها
فلابد أن يعمم على السفارات والقنصليات والبعثات والهيئات التي تظن أنها في حصانة، وليس لأحد حصانة أن يعصي الله، ويرتكب ما حرم الله، ويطلب منها أن تعمم على أفرادها، مثلما يعمموا عليهم موضوع اللباس والمطاوعة، وانتبهوا لهم إلى آخره، فهذا أهم وأولى وأوجب أن يعمموا لهم ويقولوا لهم: لا تجاهروا فهذا مخالف، ولا شك أن إقامتهم لعيدهم علانية، ومشاركة المسلمين فيها، ورفعهم الصلبان وما يتعلق بهذا هي أشد حرمة من الاختلاط والتبرج، لأن هذا يتعلق بالعقيدة، فهذا أمر خطير ونحن نحارب الكل، كل الكبائر وكل المنكرات لكن مجرد أنه يمشي في السوق أو تمشي في السوق وشعرها مكشوف، أشد منه أن تكون في حفل عيد الميلاد ويجتمع عندهم المسلمون مع ما قد يصحب ذلك، وهذا معروف عندهم أن الخمر والرقص والزنا والمزامير والفواحش، كل هذا لا يبالون بها، وحسبكم أنهم يجتمعون لشعيرة من شعائر دينهم، فماذا تتوقع من كافر يشرب الخمر ويخالطه ما يخالطه من المسلمين فتوقع بعد ذلك كل موبقة، نسأل الله العفو والعافية.
وختاماً: هذه بعض الحلول ولا شك أن الإخوان لا يفوتهم غيرها وإنما هذا تنبيه على البعض، وانظروا مثلاً هناك كتاب تنصيري يوزع في مستشفى الملك عبد العزيز في حي المحجر، وترجمة ما فيه من كلام، من جملة ما يقول -وهو يباع بريالين كأي سلعة عادية- ومكتوب فيه: كلمتك يا عيسى هي المصباح على قدمي ونور يضيء لي دربي، هذا اليوم الذي صنعه الله اليوم، الذي نكون فيه سعداء، فلنمجد الله، راعينا الله، وكذا، وبعون الله، وهم يعنون بالله اي: المسيح ﵇، قبحهم الله وقاتلهم ولعنهم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٢] ومكتوب ما ترجمته: علقها في أي مكان اشتر بريالين وعلق في أي مكان.
فهذا الكفر الصريح، ووالله ما جرَأهم على هذا وأمثاله إلا سكوتنا.
أيضاً أخبرنا أحد الإخوة أن مستشفى الملك فهد علقت فيه لوحات مكتوب فيها: عيد سعيد، وهو عيدهم: عيد الكفر، بالإنجليزي والعربي طبعاً، أما نحن فالفتاوى لا نترجم حتى الآن، وهذا موضوع قد يكون خارجاً عن موضوع المحاضرة، لكنه مهم مع وجود هؤلاء الإخوة الكرام.
ففي جريدة الجزيرة كتب الأستاذ فهد بن إبراهيم بن عبد العزيز آل إبراهيم يوم الثلاثاء موضوع الحسبة في الإسلام، وهذا الكلام جدير بأن يشكر صاحبه عليه، فمن استطاع منكم أثابكم الله فليشكر هذا الكاتب، ونحن في الحقيقة نشكر له ذلك، ونسأل الله أن يبارك فيه وفي أمثاله ممن يدافعون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونرجو الله أن يكثر من هؤلاء الأخيار في صحافتنا، وفي كل وسائل إعلامنا، وكما أننا نذكر أهل المنكر ونرى ديناً علينا أن نذكرهم ليعرفوا وينزجر الناس عنهم، ومن الدين أن نحب من يأمر بالمعروف ومن ينشره ومن ينتصر لدين الله ﵎، ومنهم هذا الأخ الكاتب ادعوا له جميعاً، ومن استطاع منكم أن يشكر له فليفعل.
стр. 1803
الأسئلة
стр. 1804
حكم العمل مع من يقيم هذه الحفلات
السؤال يقول: أنا أعمل مع أساتذة من الجامعة وخاصة باللغات الأوروبية، وهم يدعون أفراد القسم إلى حفلة الشكر، أو عيد الكريسمس، وبعضهم يصنع شجرة صغيرة يعلق عليها بعض الزخارف ويأتي بشراب فواكه ولحم الديك الرومي؟ والديك الرومي يأكله الأمريكان في عيد الشكر، هل عليّ إثم إذا استمريت في العمل بالقسم؟
الجواب
يجب عليك أن تنكر، ونأثم جميعاً -ولست وحدك- من أكبر مسئول في البلد إلى كل من بلغه هذا الكلام، إن لم ننكر مثل هذا المنكر، فيجب علينا جميعاً، كل بحسب استطاعته أن ننكر هذا المنكر، فأول من يجب أن ينكر وتبلغه عميد الكلية، فإن لم يسمع فوكيل الجامعة أو مديرها، فإن لم يسمع؛ فلتبلغ الإخوان خارج الجامعة.
стр. 1805
موقف النبي في يوم عاشوراء
السؤال يقول: إن موقف الرسول ﷺ عندما جاء المدينة فوجد اليهود يحتفلون بيوم نجَّى الله فيه موسى، فقال ﷺ : ﴿نحن أولى بأخي موسى منهم﴾ فصام ذلك اليوم وهو يوم عاشوراء، فهل نستطيع أن نقف موقفاً مشابهاً لموقف الرسول ﷺ بالنسبة لعيد النصارى؟
الجواب
ليس في هذا أي دليل على أية حال ولا سيما عند سؤالك عن عيد النصارى، لأنه كما أشرنا: أولاً: النبي ﷺ فعل ذلك، وما فعله اتبعناه وما لم يفعله لم نتبعه.
ثانياً: عيد النصارى محدث حتى في دينهم، فعيدهم يقترن به اعتقادهم أن المسيح ﵇ صلب ورفع في هذا اليوم، هناك بعض أديانهم وطرائقهم وكنائسهم تعتقد هذا، ونحن نعتقد كما ذكر ربنا: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧] ثالثاً: أن صيام النبي ﷺ هو غير صيام أهل الكتاب، فهذا صيام غير ذلك، ثم بعد ذلك نزل صيام رمضان، فعلى الأقل نقول: إن هذا يكفي أن نقتصر على ما ورد ولا نزيد عليه وهذا يكفينا، فكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، مع ما يعارض ذلك من أدلة كلية وتفصيلية ذكرناها في هذا الشأن.
أما من أخذ أو فهم منه -كما أسلفنا- أننا نصوم مخالفة لهم، فقلنا: إن الأولى ألا يكون ذلك؛ لأن الصيام تعظيم فيكون كأنا اشتركنا معهم في تعظيم عيدهم.
стр. 1806
حكم وسائل الإعلام التي تبث أعياد الكفار
السؤال
ما حكم وسائل الإعلام التي تبث أعيادهم مثل صحيفة الشرق الأوسط ومجلة المجلة؟
الجواب
هذه الصحف وغيرها من المجلات التي تصدرها هذه المؤسسة المعروفة مثل صحيفة المسائية ومجلات الأطفال وسواها دائماً تأتي مليئة بتلك التهاني بأعياد الكفار، فهذا دأبهم والواجب أن ننكر عليهم بما استطعنا، وأقل شيء أن ننكر على وزارة الإعلام إدخالها أي مجلة فيها هذا الكلام, وخاصة إذا كانت سعودية؛ لأن الناس يعتبرون هذا قدوة، فيجب من الآن أن ننكر عليهم، وأن ننكر ونطالب بعدم دخول أي عدد تذكر فيه هذه الأعياد، وكما ذكرنا في الحلول الأخرى.
стр. 1807
حكم بيع كروت التهنئة بأعياد الكفر
السؤال
ماحكم بيع كروت الأعياد؟
الجواب
ذكرنا أنه حرام وأنه قد يكون كفراً إذا اعتقد صاحبه أن هذا عيد جائز وسائغ وأن دينهم حق، وأن بيعها كبيع بقية الأشياء المباحة، فقد يكون كفراً، -نسأل الله العفو والعافية- ويجب أن تسحب هذه الكروت من جميع المكتبات التي تبيعها.
стр. 1808
نصيحة لمن يذهب إلى أعياد الكفار للتمتع
السؤال
ما نصيحتكم لمن يذهب إلى أعياد الكفار للتمتع؟
الجواب
أنصحهم وأنفسنا بتقوى الله ﵎، وأن لا نرتد كافرين بعد إذ هدانا الله للإسلام، وألا نشارك هؤلاء الكفار في شريعتهم وفي شعائرهم كما قد أوردنا وأسلفنا في الكلام السابق.
стр. 1809
حكم تنصب الكفار على مؤسسات في بلاد إسلامية
السؤال
حكم إدارة الكفار مؤسسات في بلاد المسلمين؟
الجواب
ليس كل الشركات كبار المسئولين فيها يهود أو نصارى، لكن يوجد شركات فيها هؤلاء ووجود الكفار مسئولين في بلادنا حرام، إذا كان مجرد دخولهم إياها حراماً فكيف يكونون مسئولين، والموظفون المسلمون تحتهم يتحكمون فيهم؟! ولذلك لا يجوز أن يبقوا رؤساء، هذا أولاً.
ثم لا يجوز أن يقر هذا اليوم يوم عطلة أو عيد وعطلة لهم، فإن كان ولا بد كحل انتقالي -وإلا فأنا دائماً أقول: لا نرقع المسألة، بل يجب أن يخرجوا يجب أن يخرجوا فهذا أمر الله ورسوله- لا يجوز للمسلمين أن يعطلوا ويعيدوا في هذا.
وسبحان الله العظيم! المسلمون إذا جاء الحج يشتكون والله كثيراً جداً حيث لا يعطون إجازة للاعتكاف، ولا يعطون إجازة للحج، ثم تعطي الشركات إجازات في عيد الميلاد حيث يعطل الكفار، فيرغم المسلمون في بلاد الإسلام على أن يعطلوا مع الكافرين، ويعيدوا مع الكافرين والعياذ بالله.
فنحن قد رضينا بالدنية في ديننا، وقد أسأنا إلى المسلمين وأذللناهم إذا أقررنا هذا الأمر؛ فهذا لا يجوز قطعاً.
стр. 1810
حكم تهنئة رؤساء الدول الكافرة بأعيادهم
السؤال
ما حكم تهنئة حكام الدول الكافرة بأعيادهم وذلك بمقتضى الأعراف الدولية؟
الجواب
لا يجوز تهنئة الدول ولا الأفراد، يقول الأخ: بمقتضى الأعراف الدولية، نضع عرفاً، ونقول: لا نهنئكم بعيدكم ولا تهنئونا بعيدنا: ﴿إن لكل قوم عيداً﴾ كما قال ﷺ ، فلا تهنونا ولا نهنيكم، هذا عرف دولي لا يوجد شيء اسمه قانون دولي.
وهناك بعض الإخوان مع الأسف الشديد يقولها، وقد أصبح عندنا قسم قانون، بل حتى فتح قسم دراسات عليا في القانون، في جامعة الملك عبد العزيز.
المهم أن أي واحد اطلع على كتب القانون الدولي، يجد أنهم يقولون وبنص القانون الدولي على كذا لا يوجد حقيقة شيء اسمه قانون دولي إنما هو مجموعة أعراف، لأنه لا يوجد سلطة ملزمة له، والسلطة أهم ركن من أركان القانون.
إذاً هي أعراف فلنقل هذا الشاهد، نقول لهؤلاء الكفار: من العرف بيننا وبينكم أن لا نهنئكم بشيء من دينكم ولا تهنونا، كما أننا نصلي ولا تصلون، نشهد أن لا إله إلا الله، وتقولون: إن المسيح هو الله، فالفوارق كثيرة جداً.
стр. 1811
حكم السماح لهم بالاحتفالات بأعيادهم
السؤال
أنا أعمل مسئولاً في شركة من الشركات السعودية ولدي عمال، فلبينيين من أهل الكتاب، ويوم العيد يطلبون إجازة طارئة من إجازاتهم الخاصة بهم، أفيدوني هل أوافق على إجازتهم وهي من حقوقهم حسب الأنظمة أم أمنعها؟
الجواب
لا يجوز أن يعطوا إجازة، لكن إذا كان نظام العمل والعمال -وهو بلا شك مستمد من مكتب العمل الدولي في جنيف كما هو مذكور، فهو قانون وضعي- يجيز لهم ذلك فتقع فتنه ومشكلة بينك وبين مكتب العمل، فالحل أن تكتب إلى مكتب العمل والعمال ويكتب إخوة آخرون ونكتب نحن كلنا ونقول: يجب أن ينص في نظام العمل والعمال على الالتزام بدين هذه البلاد، فكما أنهم يعطلون الخميس والجمعة فكذلك أيضاً لا يعطون عطلة للأعياد إلا مع المسلمين في عيد الفطر والأضحى؟ فإذا ما تعاقدنا مع أي كافر ولم نستقدمه، ارتحنا من مشاكل كثيرة جداً راحة مطلقة، وهكذا دائماً الحل الشرعي يكون حاسماً، أما الحلول الترقيعية فدائماً تجلب المشاكل، فهم يأتون بخمرهم وزناهم وصلبانهم وأعيادهم ومخدراتهم وجرائمهم، فإذا منعنا هذا الباب انتهينا، فلا يجوز أن نتعاقد ونتعامل إلا مع المتقي من المسلمين وهم كثير والحمد لله في العالم الإسلامي من أهل السنة وعقائدهم طيبة، وفيهم فضل وخير وصلاح.
وكونه مسلم فاسق يبيع الخمر أو المخدرات فلا يجوّز أن يدخل هذه البلاد وأن يتعاقد معه، فكيف إذا كان كافراً من أصله! نعوذ بالله.
стр. 1812
علاقة الديموقراطية بالاحتفال بأعياد الكفار
السؤال
أليس من المصالح المرسلة أن نسمح لهم أن يحتفلوا بأعيادهم؟ وأين الديمقراطية في الإسلام؟
الجواب
هذه مفاسد مؤكدة وليست مصالح بارك الله فيك.
أما الديمقراطية فلا مكان لها في الإسلام أبداً، ويوجد كثير من هذا النوع في الجامعة، وقلنا إن الأمر قد نُفِّذ، وخرج حقيقة قد نفذ وخرج عن حدود الاحتمال، ولا بد من اتخاذ إجراءات عملية يقوم بها أولياء الأمور، المسألة ليست نصيحة توجه من هاهنا من مكبر الصوت ولا ندري تصل أو لا تصل.
فأنتم أولياء الأمور يجب عليكم أن تنتبهوا لأبنائكم وبناتكم في هذه الجامعة، ومن ذلك أن المدرس كافر في مركز اللغة الإنجليزية يتكلم العربية أحياناً ويستهزئ بالشباب المتدين، ويستهزئ بالإسلام وباللغة العربية، ويدعو الشباب إلى التعلق بالغرب، ويأخذهم معه إلى رحلات، ويأتي بزوجته ويعرفهم عليها، إلى آخره.
стр. 1813
حكم قبول هدايا الكفار في يوم عيدهم
السؤال
يوجد لدينا جيران من أهل الكتاب يبعثون إلينا أحياناً عند احتفالهم بعيد الميلاد بعض الأكل، هل نأكل منه شيء علماً بأنا لا نشاركهم بأي عمل، أم ينبغي أن نعيده إليهم؟
الجواب
يجب أن ننكر عليهم هذا أصلاً؛ لأنه منكر، فيجب أن ننكر عليهم أن يظهروا ويعلنوا بهذا العيد، فطبيعي إذاً ألا نقبل ذلك منهم ولا نأكله.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله.
والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
стр. 1814
تكفير أهل القبلة
استطرد الشيخ في شرح حديث "من المفلس" وبيّن أن فيه دلالة على اجتماع الخير والشر في المسلم، وأن ذلك لا يخرجه من دائرة الإسلام, ثم بين مذاهب الفرق المختلفة في التكفير وأبرزها الخوارج والمعتزلة والمرجئة وأهل السنة موضحاً أن منهج أهل السنة والجماعة هو المذهب الوسط الذي يجمع بين نصوص الوعد والوعيد.
стр. 1815
اجتماع الحسنات والسيئات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين أما بعد: فقد ذكرنا آيات القصاص وآيات قتال الطائفتين من المؤمنين، اللاتي ذكرهم الله في سورة الحجرات، وكذلك ذكرنا الحديث الأول وهو قوله ﷺ : ﴿من كانت له مظلمة من أخيه فليتحلل منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلِمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئاته فطرحت عليه﴾.
стр. 1816
اللفظ بين الشرع والعرف
والحديث الثاني الذي رواه الإمام مسلم وهو قوله ﷺ لأصحابه: ﴿أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع, فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، فيأتي وقد شتم هذا, وقذف هذا, وأكل مال هذا, وسفك دم هذا, وضرب هذا؛ فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته؛ فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطايا من ظلمهم فطرحت عليه ثم طرح في النار﴾ وإن هذا الحديث يفيدنا كما تفيدنا أحاديث أخر تصحيحاً للمفاهيم والمقاييس؛ من خلال تحرير وتصحيح المصطلحات, فالناس في نظرهم مصطلحات تطلق مثل: فلان حر, أو فلان عدل, وفلان فيه خير, وفلان عاقل وغير ذلك, ولكن قد تكون بخلاف المراد والمطلوب شرعاً، فاللفظ يطلق في الشرع لمعنى آخر يدل على صفة حقيقية إما من عمل الطاعات أو غيره.
أيضاً: في الجانب الآخر قد يكون للظالم أو الباطش أو ما أشبه ذلك صفة في الشرع غير ما في نظر الناس, فمثل هذه الأحاديث تفيدنا في كيفية وزن الأمور وكيف نعرفها, وكيف نستخدم الألفاظ؟ فهذا من حكمة الدعوة.
فقال النبي ﷺ ﴿أتدرون من المفلس؟﴾ وهذا سؤال أكثر الناس يعرفون الجواب عليه من خلال حياتنا العادية.
﴿قالوا: من لا درهم له ولا متاع﴾ وهذا معروف عند الناس؛ لكن ليس هذا هو الجواب, وكأنهم يقولون: هذا في واقعنا, وفيما نقيس نحن, وإذا كان: لديك يا رسول الله شيء آخر فعرفه لنا.
وهذا كمثل الشديد عند الناس هو القوي الذي يصارع القوم فيغلبهم, والغني هو صاحب الأموال الذي يكنزها, فالنبي ﷺ يصحح هذه المفاهيم الدنيوية إلى مفاهيم شرعية فيقول: ﴿ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب﴾ ويقول: ﴿الغنى غنى النفس﴾ فالمفلس ليس هو ما تعارفتم عليه؛ ولذلك قال: ﴿إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة, وصيام, وزكاة﴾ وهذا يدل على أنه يفعل الحسنات, ويقوم بالطاعات؛ فالصلاة, والصيام, والزكاة أعمال وطاعات؛ بل هي أركان الإسلام, والمواظب عليها موعود بالخير , والنبي ﷺ شبَّه الصلوات الخمس بنهر جار يمر على باب أحدنا يغتسل فيه كل يوم خمس مرات.
стр. 1817
من الذنوب ما لا يكفره الاستغفار والتوبة
وكثير من الناس ينظر إلى هذا الحديث -حديث تكفير الصلوات الخمس للخطايا- وينسى الحديث الآخر وهو أن هناك ما لا تكفره الصلاة, ولا الزكاة, ولا الصوم وهو حقوق العباد, لأن حقوق العباد لا تكفر إلا بأدائها إليهم أو بأخذ حسنات الآخذ، ولذلك فإذا اغتبت إنساناً ولم تستطع أن تتحلل منه فاذكره بالخير واثن عليه؛ فهذا يكافئ ذاك، لكن الخاسرين هم من قال الله عنهم: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:١٥] فأكبر خسارة هي خسارة الآخرة، أما الدنيا ففيها دراهم ودنانير, وفيها رهن وفيها شيء كثير، وكم من مؤمن ضيق الله عليه رزقه ابتلاءً؛ لكن يوم القيامة ماذا يعمل الإنسان وليس عنده إلا الحسنات أو السيئات؟! جنة أو نار, فيأتي بهذه الأعمال الصالحة فتوضع له, والله تعالى لا يظلم أحداً, وسوف نأتي -إن شاء الله- إلى وضع الميزان، وأن مذهب أهل السنة والجماعة الإيمان به وإثباته كما أخبر النبي ﷺ وأن له كفتين, وأن الأعمال توزن, وأن الأشخاص يوزنون كما قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٨] ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣] وقال أيضاً: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٨] والآيات والأحاديث في الميزان تدل على هذا الأصل من أصول أهل السنة والجماعة وهي اجتماع الحسنات والسيئات والموازنة والمفاضلة بينها؛ فمثلاً ربما يأتي الإنسان بصلاة, وصيام, وزكاة, بل ربما يأتي بجهاد ومعه غلول, أو يأتي بجهاد ومعه شرب خمر كما في قصة أبي محجن الثقفي مع سعد بن أبي وقاص فالنفس الإنسانية خلقها الله مفطورة على أن يأتي منها هذا وهذا، وقل أن تتمحض لأحدهما.
فنجد -مثلاً- أنه حتى الكفار مفطورين على حب العدل, وكراهية الظلم, فالنفس الإنسانية جعلها الله مرنة تقبل الخير والشر ويجتمعان فيها، وهذه من حكمة الله، ومن ابتلاء الله أن جعلها هكذا.
وكما أخبر النبي ﷺ : ﴿أصدق الأسماء حارث وهمام﴾ لأن الإنسان دائماً يهم ويفكر ويعمل، ولكن كيف يكون هذا العمل؟ ﴿من الملك لمة ومن الشيطان لمة﴾ كما في حديث ابن مسعود ﵁, وهذا دليل على منهج أهل السنة والجماعة في اجتماع الخير والشر للإنسان؛ فتجتمع كبائر موبقات مع حسنات بالغات، فيقول ﷺ : ﴿من يأتي بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وسب هذا﴾، وقد قال ﷺ : ﴿سباب المسلم فسوق﴾ وما أكثر من يشتم الناس الشتم بأنواعه! إما أن يدعو شخصاً بلقب معين, وإما أن يأتي وقد قذف هذا بمصيبة, أو أكل مالَ هذا, أو سفك دمَ هذا, وهذه أمثله قد تجتمع جميعها في واحد, وقد يقع منها ثلاثة, أو اثنين أو واحد بحسب تقوى المرء؛ إنما المراد أن هذا يقع، فهذا النبي ﷺ يضرب مثلاً للصورة الذهنية المتكاملة؛ أنه في جانب الحسنات أتى بصلاة وزكاة وصيام, وفي جانب السيئات أتى بشتم, وقذف, وضرب, وسفك دم, فكيف يكون الحكم؟ فيعطى هذا من حسناته, وهذا من حسناته, فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم وطرحت عليه.
إذاً عندنا احتمال أن يعطيهم من حسناته ويبقى له حسنات فيكون ناجياً، فيحتاج الواحد منا -على الأقل- إذا كان يعرف أنه يقع في أموال الناس ودمائهم وأعراضهم أن يجتهد في كسب الحسنات حتى يبقى له منها شيء, فالعاقل من يتدبر ويفكر في عاقبته.
أما الاحتمال الآخر الذي ذكره النبي ﷺ فهو أن تفنى حسناته قبل أن يقضى ما عليه، فتنتهي ولا يزال غارماً لم يقض دينه، ولا أعطاهم حقهم، والحسنات قد انتهت، فهنا لا بد من عدل, ولا بد من القصاص بين يدي الله الذي لا يُظلم أحد عنده، فيؤخذ من سيئاتهم فتطرح عليه، وقد يكون المقذوف من أهل الفسق والزنا والفجور الذين لهم سيئات, لأن الحديث يدل على هذا المذهب من الجهتين, من جهة المفلس ومن جهة أصحاب الدين، فهؤلاء أيضاً لهم سيئات, ولكن مع ذلك لا يسقط حقهم في المطالبة والمؤاخذة فيأخذون حسناته, فما الفائدة إذاً؟ كنت ترى من فضل الله عليك في الدنيا أنك كنت تقوم تصلي وهؤلاء يفسدون في الأرض, ويسرفون على أنفسهم بالمعاصي؛ فالنتيجة أن معاصيهم أخذت فطرحت عليك -نعوذ بالله من سوء الخاتمة- وكفى هذا زاجراً للمؤمن أن يكف لسانه ويده عن المسلمين، كما قال رسول الله ﷺ : ﴿كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه﴾ فلو روعيت هذه الحرمات, وأعطيت حقها, وحفظها المسلمون لكان حالهم غير الحال، ولكن نرى أكثر الناس يستسهلون ذلك حتى لا يكادوا يعدونها من الذنوب فالحذر الحذر!
стр. 1818
إن الحسنات يذهبن السيئات
أما قول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود:١١٥] هذه الآيات نزلت في رجل من الأنصار اجتمعت فيه الحسنة والسيئة كحال أكثر الخلق، كان يبيع التمر فأتته امرأة فراوده الشيطان عليها, فقال لها: عندي في البيت ما هو أجود منه، فهلمي إلي, فذهبت معه فلما خلا بها قبلها, ولم يفعل الفاحشة؛ لكنه فعل مقدماتها, وسرعان ما أفاق كما ذكر الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] فترك السوق, وذهب إلى الرسول ﷺ وقال: يا رسول الله! وقع مني كذا، إلا أني لم أفعل الفاحشة فماذا أصنع؟ كان الرجل متأثراً وعرف كيف أوقعه الشيطان وتلاعب به, ثم إنه جاء إلى النبي ﷺ يعرض عليه الموضوع بنية التوبة، وأدرك صلاة الجماعة مع النبي ﷺ .
فقال له النبي ﷺ : ﴿أصليت معنا؟ قال: نعم، فقال ﷺ : إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ فأنزل الله عليه هذه الآية, وغفر له بمجيئه إلى المسجد مع الندم والتوبة وعرضه ذلك على النبي ﷺ على سبيل أن يبحث له عن مخرج، فدل ذلك على أن الحسنات إذا فعلها الإنسان فإنها تكفر عن الإنسان, ولا سيما اللمم: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢] وهذا اللمم فسره كثير بمثل؛ البسمة, والقبلة, وكلمة الغيبة التي لا يخلو منها إنسان إلا من رحم الله ، فالله يعفو ويغفر اللمم بالمداومة على الطاعات والحسنات, ومن ذلك كثرة الخطا إلى المساجد, وانتظار الصلاة بعد الصلاة, فإذا قال إنسان: سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر -وكذا إذا قال:- لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة.
فعندنا مطهرات, فنحن لا نخلو من الدرن مثل الإنسان عندما يمشي في الشارع وتمر من جنبه دراجات فيصيبه الوسخ؛ فيرجع إلى البيت فيرى بقع الوسخ في ثوبه, فيغسله بالصابون والمطهر, وكذلك الاستغفار يذهب الله به الذنوب والخطايا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] بالتوبة والاستغفار، ومن ذلك فعل الحسنات ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] فلم نخلق نحن لنظل صفحة بيضاء لا نخطئ، ونحن إن لم نخطئ فسنقصر في الواجبات, فالمعاصي لازمة, لكن دواؤها بالتوبة, وأعجبتني كلمة قرأتها لـ ابن الجوزي ﵀.
قال له رجل: أيهما أفضل لأصحاب الذنوب: الذكر أم الاستغفار؟ فقال له: 'الثوب الدنس أحوج إلى الصابون منه إلى البخور' فقد جعل الاستغفار كالصابون بمعنى أن الإنسان إذا فعل المعاصي فأهم شيء هو أن يتوب ويندم ويستغفر، بخلاف ما لو فعل الإنسان الطاعات فهذا يذكر الله ويسبح الله.
والاستغفار أدعى للمحاسبة حيث يفكر العبد في الذنب الذي يستغفر منه فلا يعود إليه, والإيمان يزيد وينقص, والنفوس تتفاوت في الغالب, فالواجب على الإنسان أن يحاسب نفسه.
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] فيجتمعان على مذهب أهل السنة والجماعة في الإنسان ويمكن أن يجتمعا في كل إنسان إلا من عصمه الله من الرسل.
يقول الإمام المصنف ﵀: 'وقد دلت الآيات السابقة آيات القصاص وآيات القتال وآيات من كانت له مظلمة' هذه النصوص تدل على أنه في حالة يعمل حسنات تمحو تلك السيئات، وأنه يجتمع فيه عمل الخير مع المظلمة, والعمل الصالح مع المظلمة، وكذلك -كما في الحديث الآخر- تجتمع الصلاة والصيام مع الشتم والضرب والقذف, وكذلك في آية هود تجتمع الحسنات مع السيئات فمن الممكن أن يأتي بهذه وتلك وهو لا يزال في حدود الإسلام، وما يزال من أهل الملة, فهو يخطئ ويصيب ولكنه لم يخرج من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر.
стр. 1819
مذهب المعتزلة والخوارج في مرتكب الكبيرة
ثم قال المصنف ﵀: 'والمعتزلة موافقون للخوارج هنا في حكم الآخرة فإنهم وافقوهم على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار' ولهذا نختصر هذه الجملة بعبارة سهلة وهو أن نقول: إنهم متفقون في الحكم مختلفون في الاسم.
قال: فيوافقون الخوارج في حكم الآخرة، فإنهم وافقوهم على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، أما الخوارج فمذهبهم معروف في هذا كما تقدم في حديث: ﴿لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن﴾ أي: أن من زنى فهو كافر مخلد في النار لا يخرج منها أبداً, فجعلوا الزاني, والسارق, وشارب الخمر مرتداً على اختلاف وتفصيل في فرقهم ومذاهبهم.
أما المعتزلة فوافقوهم في الحكم، فقالوا: إنه مخلد في النار يوم القيامة وحكمه كحكم اليهودي, والنصراني, والمجوسي, والمشرك, سبحان الله! هل هذا من العدل؟! ولو تأمل أصحاب العقول السليمة لوجدوا أن مذهب أهل السنة هو المذهب المتفق مع النصوص من جهة, ومع الفطرة السليمة من جهة أخرى، وذلك أن من صلّى, وصام, وحج البيت الحرام, ولكنه زنى, أو شرب الخمر, لا يعامل معاملة اليهود والنصارى، فقد قال الله : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] ولكن إذا عميت البصيرة واتبع الإنسان هواه؛ فإنه يضرب بالنصوص عرض الحائط ولا يبالي, والمعتزلة تورعوا, ولكنه ورع بارد لا ينفع في شيء فقالوا: لا نقول إنه كافر ولا مؤمن؛ بخلاف الخوارج الذين قالوا: إنه كافر، بل حكمت المعتزلة عليه أنه فاسق، أي أنه ليس بمؤمن ولا كافر، لا على أساس الفسق الذي لا يعني الخروج من الملة، فلابد من إيضاح هذه العبارة على مصطلحهم، وتقول المعتزلة بأنه في منزلة بين المنزلتين ويزعمون أن الحسن البصري ﵀ وافق مذهبهم وقال بقولهم، فـ الحسن ﵀ قال: [[كيف نقول: إنه مؤمن وقد ارتكب ما ارتكب؛ ولا نقول إنه كافر ولم يخرج من الدين؛ لكن أقول: إنه منافق؟ لأنه ادّعى الإيمان وتسمى باسمه, ولم يمتثل أمر الله , فوقع فيما حرم الله فترك ما أمر الله منه]] فـ الحسن لم يقل هذا القول على أساس أن يخالف أمر أهل السنة والجماعة، أو يعطل مذهب أهل السنة، بل سئل سؤالاً فأجاب, وهكذا كثير من الناس, كما في قصة ذر بن عبد الله شيخ المرجئة لما قيل له أول عمره في هذا الأمر قال: (إنما هو أمر رأيته) وبعد زمن وإذا به يدعو الناس إليه، فنوظر بعد ذلك في قوله الذي قال فقال: 'والله الذي لا إله غيره إنه الدين الذي بعث الله به النبي نوحاً والنبيين من بعده' سبحان الله! كيف الرأي أصبح الآن ديناً؟! ولهذا يحذر الإنسان أن يكون لديه شبهة فيأتي أحد يجادله فيصر عليها فيجعلها مبدأً وعقيدة, فيكتب هذا ويكتب هذا فتصبح مذاهب لهم, وكانت أول الأمر آراء مع أنه كان يمكن أن يرجع هذا ويرجع هذا وينتهي الموضوع ببساطة, لكن سبحان الله! النفوس إذا اشتعلت واشتدت وجاء الشيطان وجعل فيها الكبر والغطرسة، فإنها ترفع رأسها حتى ترى الرأي ديناً! نسأل الله العفو والعافية.
فهم قالوا: كيف يكون مؤمناً وهو يرتكب الفواحش، وكيف نقول: هو كافر وهو لم يخرج من الدين؟ إذاً نجعله بين هذه وتلك.
стр. 1820
الخلاف بين المعتزلة والخوارج في مرتكب الكبيرة
ثم قال المصنف ﵀: 'والخلاف بينهم لفظي فقط' كلمة الخلاف اللفظي هنا مهمة, لأنه سوف تأتي هذه اللفظة في باب الإيمان.
اللفظ إما أن يكون مطلقاً وإما أن يكون باعتبار معين، فبالنسبة للخوارج والمعتزلة هو لفظي معين باعتبار الآخرة أو المآل، لكن في الدنيا هل الخوارج والمعتزلة يعاملون مرتكب الكبيرة معاملة واحدة؟ بمعنى لو أن إنساناً زنى عند خارجي وزنى آخر عند معتزلي, هل تكون المعاملة بينهما معاملة واحدة في الدنيا؟.
الجواب
لا؛ لأن الخارجي يحكم بكفره ويقتله؛ أما المعتزلي فإنه لا يرى بالضرورة أن يقام عليه حد الردة؛ لأنه زنى أو شرب الخمر.
صحيح أنه لا يسمى مؤمناً لكنه أيضاً لا يصل إلى درجة الكفر, وهذه العبارة المهمة تحدد لنا ما بعد؛ وهو أن النزاع لفظي في أحكام الآخرة، أو مآل الشخص، فالنزاع بينهم لفظي فقط في هذا.
وكما أن المعتزلة والخوارج متفقون على أنه يخلد في النار, فإن أهل السنة متفقون على أنه يستحق الوعيد المترتب على ذلك الذنب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء:١٠] هذا وعيد يستحقه من أكل مال اليتيم، وقد رأى النبي ﷺ الزناة وهم في تنور في النار فهم يستحقون هذا الوعيد.
وكذلك وعيد القاتل -مثلاً-: ﴿إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار﴾ فيستحق القاتل هذا الوعيد.
وكذلك قوله: ﴿سباب المسلم فسوق وقتاله كفر﴾ يستحق الساب الوعيد هنا أيضاً فـ أهل السنة والجماعة لا ينفون استحقاق العاصي ومرتكب الكبيرة للعقوبة؛ لأن الله رتب في النصوص هذه العقوبة، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠] وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] إذاً هناك وعيد مستحق مترتب -كما ذكرنا- لا كما يقوله المرجئة من أنه لا يضر مع الإيمان ذنب, ولا ينفع مع الكفر طاعة, وقد قلنا: إن مثل هذا قول غلاتهم، ولا يعرف أن معيناً منهم كتب هذا أو دعا إليه وإنما هو على سبيل الإلزام أحياناً، وعلى سبيل الجدل حيناً آخر وأكثرهم غلواً هو جهم وهو خارج من الملة! ومذهبهم خارج عن دين الإسلام بالكلية -نسأل الله العفو والعافية- والمهم أن هذه المقولة: لا يضر مع الإيمان ذنب, ولا ينفع مع الكفر طاعة لم يعرف أن أحداً منهم صرح بهذا اللفظ والتزمه, وقد ذكرنا أن الخوارج الغلاة ومنهم الأزارقة ثم النجدات ثم الإباضية فـ الأزارقة لا يعلم لهم الآن كتاب نحاكمهم إليه؛ لكن أقرب مصدر فيه أخبار الأزارقة هو كتاب (الكامل) ومؤلفه المبرد النحوي وقد كان متهماً برأيهم ويميل إليهم وأسانيده عالية، وهو من أهم المصادر وأقدمها وقد أطال في ذكرهم.
أما الإباضية فقد قامت عليها دولة فتطبع وتنشر لها, بل إن لها بعض المؤسسات في دول أخرى.
стр. 1821
اجتماع الوعد والوعيد
قبل أن نقول: ما الحكم إذا اجتمع الوعد والوعيد على مذهب أهل السنة والجماعة فقد سبق أن ذكرنا أن النبي ﷺ قال: ﴿كلها في النار إلا واحدة﴾ فهذا يدل على الوعيد.
فكيف نفهم نصوص وآيات الوعيد وفق منهج أهل السنة والجماعة أن الزاني في النار, وأن شارب الخمر في النار؟ نقول: إنه يستحقها بمعنى أنه إن فعلها فهذه عقوبته وهل يلزم من ذلك أن تلحق به العقوبة فعلاً؟
الجواب
لا يلزم.
إذاً نقول: أهل الوعيد المستحقون له في جملتهم كأصحاب الكبائر، قد يدخلون النار وقد لا يدخلون.
فالنتيجة أننا نقول: إن كل مرتكب كبيرة مستحق للوعيد؛ لكن هذا الوعيد ينفذ في حق البعض ولا ينفذ في حق البعض الآخر؛ لأن الله جعل هناك أسباباً وموانع ومن ذلك الشفاعة, والحسنات الماحية, ومغفرة الله .
стр. 1822
الفرق بين المرجئة وأهل السنة والخوارج
إذاً ما الفرق بين الخوارج والمرجئة وأهل السنة؟ قالت الخوارج في أهل الوعيد: (كل من أطلق عليه الوعيد فينفذ في حقه، إذاً كلهم يدخلون النار).
أما المرجئة فقالوا: (يجوز ألا يدخل النار منهم أحد لأنهم يقولون: لا إله إلا الله) أما أهل السنة والجماعة فإنهم يقولون: (يدخل بعضهم وبعضهم لا يدخل) بحسب الشروط والأسباب والموانع، فهناك حديث صحيح يدل على أن بعض الزناة في النار, ومن يشرب الخمر في النار, بينما نجد أيضاً أن هناك أحاديث تدل على تكفير الذنوب بالحسنات, ومن ذلك حديث شارب الخمر لكونه يحب الله ورسوله فقد قام به مانع, وهذا المانع علمناه في الدنيا، ويوم القيامة تنكشف الحقائق أن هذا الشارب كان يحب الله ورسوله, وهذا يزني ويجاهد, وهذا يتصدق؛ وذاك يفعلها ولا خير فيه فهذا يدخل النار وهذا لا يدخلها, لأنه بحسب الأسباب والموانع، أما أن يقال: لا يدخل أحد من أهل القبلة النار، فهذا خطأ.
ولا يُعكس فيقال: كل من عصى واستحق الوعيد من أهل القبلة لا بد أن يدخل النار! فمذهب أهل السنة والجماعة مذهب عدل، نقول: لا ننفي مطلقاً ولا نثبت مطلقاً، فيلحق الوعيد بعضهم, وبعضهم لا يلحقه, لأسباب وموانع والله يحكم بينهم جميعاً بالقسط, وهذا هو الحق الذي يليق بالله وصفاته, كما هو الحق في نظر أي إنسان.
стр. 1823
فساد كلام المرجئة والخوارج
ثم يقول المصنف ﵀: 'وإذا اجتمعت نصوص الوعد التي احتجت بها المرجئة كقولهم: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وجمع معها نصوص وآيات الوعيد التي استدلت بها الخوارج والمعتزلة مثل ﴿لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن﴾ " إذا اجتمعت تبين لك فساد القولين " -أي: يظهر لك فساد قول الخوارج والمعتزلة من نصوص الوعد- ويتبين فساد قول المرجئة من نصوص الوعيد، ويتبين أن الحق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة بالجمع بين الوعد والوعيد؛ ولا فائدة في كلام هؤلاء سوى أنك تستفيد من كلام كل طائفة فساد كلام الطائفة الأخرى' الأصل أن لا نحتاج في الرد على الخوارج إلى كلام المرجئة ولا نحتاج إلى كلام الخوارج في الرد على المرجئة؛ لكن من الإنصاف أننا لم نستفد من كلام كل طائفة شيئاً, إلا أننا عرفنا فساد الطائفة الأخرى, فربما يكون هناك خصمان تسمع من أحدهما فتتيقن أن كلامه في حق خصمه حق؛ لكن لا يلزم من ذلك أنه على الحق لاحتمال أن يكون الحق عند ثالث لهما، فقد يختلف المختلفان وكلاهما مخطئ؛ لكن لنعتبر أن الاثنين مخطئان فأين الحق؟ بالتأكيد أنه عند ثالث غيرهما.
فأنت لا تستفيد من كلام المرجئة لأنك تعرف أن مذهب الخوارج باطل من نصوص الوعد, ولا تستفيد أيضاً من كلام الخوارج أن كلام المرجئة باطل, لأنك تعرف هذا من نصوص الوعيد، ومن خلال الاستدلالات العقلية التي يأتون بها، لكن لا يلزم من ذلك أنه إما هؤلاء على حق أو هؤلاء على حق وإما كلاهما على حق، بل الواضح الجلي أن كلاً منهما على باطل وعلى ضلالة.
стр. 1824
وسطية مذهب أهل السنة بين الفرق
عليك أن تجمع الحق من نصوص الوعد وما صح من نصوص الوعيد وتخرج المذهب الحق وهو مذهب أهل السنة والجماعة المذهب الوسط في هذا الشأن, كما هو الوسط في جميع الأبواب, وسط في الصفات بين أهل التعطيل (النفي المطلق) وبين أهل التمثيل, (الإثبات المغالي فيه) وفي باب القدر بين المعتزلة النفاة الجبرية الغلاة، ووسط أيضاً في باب الصحابة الكرام بين من ألههم وبين من كفرهم, ووسط في باب الإيمان, بين من يخرج العاصي من الملة, وبين من يجعله مؤمناً كامل الإيمان؛ فهذا جزء من الوسطية ويظهر ذلك من خلال اجتماع النصوص فيهم والحمد لله.
وهنا فائدة منهجية وهي أنه لا يوجد نص صحيح في الوعد أو الوعيد يرده أهل السنة والجماعة فهذا في القرآن معلوم, لكن في الأحاديث لا يمكن أن يصح حديث عن رسول الله ﷺ في الوعد أو الوعيد ويرده أهل السنة والجماعة؛ لكن لو نظرت إلى الخوارج , فلابد أن يردوا أحاديث، وكذلك المرجئة لا بد أن ترد أحاديث, إذاً فما آمنوا بما جاء به الرسول حق الإيمان, لكن أهل السنة والجماعة يؤمنون بالكل, ويجمعون النصوص على بعضها البعض, فيقعون على الحق الوسط ويستمسكون به, وبه يلقون الله ولهذا كانوا الطائفة الناجية إن شاء الله تعالى، فهي وحدها الموعودة بالنجاة، أما غيرها فمتوعد بالهلاك.
وكما كان الدين وسطاً بين الملل، فلو نظرنا إلى ما كان عليه أهل الأديان وأهل الكتابين قبلنا؛ لوجدنا أن هناك إفراطاً من جهة, وهناك تفريط من جهة فأرسل الله محمداً ﷺ فجمع له بين العفو والعدل فكان وسطاً بينهما, إن أخذ فبالعدل وإن عفى فبالفضل.
وفي الدنيا لم نؤمر بالرهبانية، ولا يجوز أن نكون كجشع اليهود وطمعهم, وإنما أحلت لنا الطيبات, وأحلت لنا زينة الله التي أخرج لعباده, ونهينا عن الإسراف والتبذير.
وحتى في الأحكام، وعندما استعرضنا الجواب الصحيح في أحكام الطهارة وقلنا: نحن لا نقص الثوب إذا وقع فيه نجاسة, وفي نفس الوقت لا يجوز أن نصلي وعلينا نجاسة، وإنما نغسله, حتى في القصاص في القتلى، نحن لا نقول: إما أن تعفو ولا شيء لك، وإما أن تقتص، بل وضع الله حلاً وسطاً وهو الدية, فيمكن للإنسان أن يأخذ الدية, فالله جعلنا بين الأمم وسطاً.
وكذلك أهل السنة والجماعة هم على المنهج الوسط بين أهل الإسلام, فجمعوا من كل طائفة محاسنها وكل حسنة تنسب إلى أي طائفة من الطوائف فلأهل السنة مثلها, وكل شر أو بلاء أو معاصٍ أو فساد يقع في أهل السنة؛ ففي غيرهم من الطوائف مثله وأكثر, وهذا فضل من الله ورحمة بهذه الطائفة المنصورة , فنسأل الله أن يحشرنا معهم، وأن يجعلنا منهم, وأن نكون من المجاهدين في سبيله الذين لا تأخذهم في الحق لومة لائم حتى يلقون الله , والحمد لله رب العالمين.
стр. 1825
توبة تارك الصلاة
ابتدأ الشيخ بذكر تسعة أدلة استدل بها شيخ الإسلام على عدم وجوب إعادة الصلاة على تاركها، وحمل حديث المسيء صلاته وصاحب اللمعة على أنهما بلغهما الخطاب والوقت ما زال باقياً، لكنه ﷺ لم يأمرهما بإعادة ما فات.
ثم تحدث عمن ترك الصلاة معتقداً سقوطها وهو الذي ذهب إليه بعض الصوفية، موضحاً حكم ذلك، ثم تحدث عمن ترك الصلاة معتقداً وجوبها، وأنه إذا فضَّل القتل على الصلاة فإنه كافر، ثم فرق بين التارك المطلق فإنه يكفر، والمتهاون فإن أمره إلى المشيئة.
следующие страницы →