← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

اجتماع الوعد والوعيد قبل أن نقول: ما الحكم إذا اجتمع الوعد والوعيد على مذهب أهل السنة والجماعة فقد سبق أن ذكرنا أن النبي ﷺ قال: ﴿كلها في النار إلا واحدة﴾ فهذا يدل على الوعيد. فكيف نفهم نصوص وآيات الوعيد وفق منهج أهل السنة والجماعة أن الزاني في النار, وأن شارب الخمر في النار؟ نقول: إنه يستحقها بمعنى أنه إن فعلها فهذه عقوبته وهل يلزم من ذلك أن تلحق به العقوبة فعلاً؟ الجواب لا يلزم. إذاً نقول: أهل الوعيد المستحقون له في جملتهم كأصحاب الكبائر، قد يدخلون النار وقد لا يدخلون. فالنتيجة أننا نقول: إن كل مرتكب كبيرة مستحق للوعيد؛ لكن هذا الوعيد ينفذ في حق البعض ولا ينفذ في حق البعض الآخر؛ لأن الله جعل هناك أسباباً وموانع ومن ذلك الشفاعة, والحسنات الماحية, ومغفرة الله .

стр. 1822

الفرق بين المرجئة وأهل السنة والخوارج إذاً ما الفرق بين الخوارج والمرجئة وأهل السنة؟ قالت الخوارج في أهل الوعيد: (كل من أطلق عليه الوعيد فينفذ في حقه، إذاً كلهم يدخلون النار). أما المرجئة فقالوا: (يجوز ألا يدخل النار منهم أحد لأنهم يقولون: لا إله إلا الله) أما أهل السنة والجماعة فإنهم يقولون: (يدخل بعضهم وبعضهم لا يدخل) بحسب الشروط والأسباب والموانع، فهناك حديث صحيح يدل على أن بعض الزناة في النار, ومن يشرب الخمر في النار, بينما نجد أيضاً أن هناك أحاديث تدل على تكفير الذنوب بالحسنات, ومن ذلك حديث شارب الخمر لكونه يحب الله ورسوله فقد قام به مانع, وهذا المانع علمناه في الدنيا، ويوم القيامة تنكشف الحقائق أن هذا الشارب كان يحب الله ورسوله, وهذا يزني ويجاهد, وهذا يتصدق؛ وذاك يفعلها ولا خير فيه فهذا يدخل النار وهذا لا يدخلها, لأنه بحسب الأسباب والموانع، أما أن يقال: لا يدخل أحد من أهل القبلة النار، فهذا خطأ. ولا يُعكس فيقال: كل من عصى واستحق الوعيد من أهل القبلة لا بد أن يدخل النار! فمذهب أهل السنة والجماعة مذهب عدل، نقول: لا ننفي مطلقاً ولا نثبت مطلقاً، فيلحق الوعيد بعضهم, وبعضهم لا يلحقه, لأسباب وموانع والله يحكم بينهم جميعاً بالقسط, وهذا هو الحق الذي يليق بالله وصفاته, كما هو الحق في نظر أي إنسان.

стр. 1823

فساد كلام المرجئة والخوارج ثم يقول المصنف ﵀: 'وإذا اجتمعت نصوص الوعد التي احتجت بها المرجئة كقولهم: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وجمع معها نصوص وآيات الوعيد التي استدلت بها الخوارج والمعتزلة مثل ﴿لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن﴾ " إذا اجتمعت تبين لك فساد القولين " -أي: يظهر لك فساد قول الخوارج والمعتزلة من نصوص الوعد- ويتبين فساد قول المرجئة من نصوص الوعيد، ويتبين أن الحق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة بالجمع بين الوعد والوعيد؛ ولا فائدة في كلام هؤلاء سوى أنك تستفيد من كلام كل طائفة فساد كلام الطائفة الأخرى' الأصل أن لا نحتاج في الرد على الخوارج إلى كلام المرجئة ولا نحتاج إلى كلام الخوارج في الرد على المرجئة؛ لكن من الإنصاف أننا لم نستفد من كلام كل طائفة شيئاً, إلا أننا عرفنا فساد الطائفة الأخرى, فربما يكون هناك خصمان تسمع من أحدهما فتتيقن أن كلامه في حق خصمه حق؛ لكن لا يلزم من ذلك أنه على الحق لاحتمال أن يكون الحق عند ثالث لهما، فقد يختلف المختلفان وكلاهما مخطئ؛ لكن لنعتبر أن الاثنين مخطئان فأين الحق؟ بالتأكيد أنه عند ثالث غيرهما. فأنت لا تستفيد من كلام المرجئة لأنك تعرف أن مذهب الخوارج باطل من نصوص الوعد, ولا تستفيد أيضاً من كلام الخوارج أن كلام المرجئة باطل, لأنك تعرف هذا من نصوص الوعيد، ومن خلال الاستدلالات العقلية التي يأتون بها، لكن لا يلزم من ذلك أنه إما هؤلاء على حق أو هؤلاء على حق وإما كلاهما على حق، بل الواضح الجلي أن كلاً منهما على باطل وعلى ضلالة.

стр. 1824

وسطية مذهب أهل السنة بين الفرق عليك أن تجمع الحق من نصوص الوعد وما صح من نصوص الوعيد وتخرج المذهب الحق وهو مذهب أهل السنة والجماعة المذهب الوسط في هذا الشأن, كما هو الوسط في جميع الأبواب, وسط في الصفات بين أهل التعطيل (النفي المطلق) وبين أهل التمثيل, (الإثبات المغالي فيه) وفي باب القدر بين المعتزلة النفاة الجبرية الغلاة، ووسط أيضاً في باب الصحابة الكرام بين من ألههم وبين من كفرهم, ووسط في باب الإيمان, بين من يخرج العاصي من الملة, وبين من يجعله مؤمناً كامل الإيمان؛ فهذا جزء من الوسطية ويظهر ذلك من خلال اجتماع النصوص فيهم والحمد لله. وهنا فائدة منهجية وهي أنه لا يوجد نص صحيح في الوعد أو الوعيد يرده أهل السنة والجماعة فهذا في القرآن معلوم, لكن في الأحاديث لا يمكن أن يصح حديث عن رسول الله ﷺ في الوعد أو الوعيد ويرده أهل السنة والجماعة؛ لكن لو نظرت إلى الخوارج , فلابد أن يردوا أحاديث، وكذلك المرجئة لا بد أن ترد أحاديث, إذاً فما آمنوا بما جاء به الرسول حق الإيمان, لكن أهل السنة والجماعة يؤمنون بالكل, ويجمعون النصوص على بعضها البعض, فيقعون على الحق الوسط ويستمسكون به, وبه يلقون الله ولهذا كانوا الطائفة الناجية إن شاء الله تعالى، فهي وحدها الموعودة بالنجاة، أما غيرها فمتوعد بالهلاك. وكما كان الدين وسطاً بين الملل، فلو نظرنا إلى ما كان عليه أهل الأديان وأهل الكتابين قبلنا؛ لوجدنا أن هناك إفراطاً من جهة, وهناك تفريط من جهة فأرسل الله محمداً ﷺ فجمع له بين العفو والعدل فكان وسطاً بينهما, إن أخذ فبالعدل وإن عفى فبالفضل. وفي الدنيا لم نؤمر بالرهبانية، ولا يجوز أن نكون كجشع اليهود وطمعهم, وإنما أحلت لنا الطيبات, وأحلت لنا زينة الله التي أخرج لعباده, ونهينا عن الإسراف والتبذير. وحتى في الأحكام، وعندما استعرضنا الجواب الصحيح في أحكام الطهارة وقلنا: نحن لا نقص الثوب إذا وقع فيه نجاسة, وفي نفس الوقت لا يجوز أن نصلي وعلينا نجاسة، وإنما نغسله, حتى في القصاص في القتلى، نحن لا نقول: إما أن تعفو ولا شيء لك، وإما أن تقتص، بل وضع الله حلاً وسطاً وهو الدية, فيمكن للإنسان أن يأخذ الدية, فالله جعلنا بين الأمم وسطاً. وكذلك أهل السنة والجماعة هم على المنهج الوسط بين أهل الإسلام, فجمعوا من كل طائفة محاسنها وكل حسنة تنسب إلى أي طائفة من الطوائف فلأهل السنة مثلها, وكل شر أو بلاء أو معاصٍ أو فساد يقع في أهل السنة؛ ففي غيرهم من الطوائف مثله وأكثر, وهذا فضل من الله ورحمة بهذه الطائفة المنصورة , فنسأل الله أن يحشرنا معهم، وأن يجعلنا منهم, وأن نكون من المجاهدين في سبيله الذين لا تأخذهم في الحق لومة لائم حتى يلقون الله , والحمد لله رب العالمين.

стр. 1825

توبة تارك الصلاة ابتدأ الشيخ بذكر تسعة أدلة استدل بها شيخ الإسلام على عدم وجوب إعادة الصلاة على تاركها، وحمل حديث المسيء صلاته وصاحب اللمعة على أنهما بلغهما الخطاب والوقت ما زال باقياً، لكنه ﷺ لم يأمرهما بإعادة ما فات. ثم تحدث عمن ترك الصلاة معتقداً سقوطها وهو الذي ذهب إليه بعض الصوفية، موضحاً حكم ذلك، ثم تحدث عمن ترك الصلاة معتقداً وجوبها، وأنه إذا فضَّل القتل على الصلاة فإنه كافر، ثم فرق بين التارك المطلق فإنه يكفر، والمتهاون فإن أمره إلى المشيئة.

стр. 1826

قضاء الفرائض إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: موضوعنا هو عن حكم من تاب وقد ترك الفرائض عمداً، وأهم من ذلك وأعظمه الصلاة، فماذا يفعل الإنسان إذا أمضى شطراً من عمره، وهو تارك لهذه الفريضة، فأراد الله ﵎ ومَنَّ الله عليه بالتوبة فهل يقضي أم ماذا يفعل؟ نذكر كلاماً لـ شَيْخ الإِسْلامِ ﵀، إذ له كلام نفيس في الجزء الثاني والعشرين من الفتاوى لم أجده عند غيره ابتداءً من صفحة (٤٠) فنذكر الأدلة: الدليل الأول: أن الصحابة الذين ظنوا أن الخيط الأبيض والخيط الأسود هو الحبل الذي يعرفه عامة الناس، فوضعوا حبلين ولم يعلموا أن المقصود هو بياض النهار وسواد الليل، فهذا من الأدلة التي تدل على أن الإنسان لا يقضي ما فعله وهو جاهل لم يبلغه التكليف، أو لم يبلغه الخطاب. الدليل الثاني: قصة عمر وعمار ﵂ التي رواها الإمام البخاري وغيره لما قال عمار لـ عمر: يا أمير المؤمنين أتذكر لما كنت أنا وأنت في سفر فأجنبنا، فأما أنت فانتظرت ولم تصل، وأما أنا فتمرغت كما تتمرغ الدابة، ثم أتيا النبي ﷺ فلم يأمر عمر ولا عماراً بإعادة الصلاة. الدليل الثالث: دليل المستحاضة كما ذكر شَيْخ الإِسْلامِ أنها قالت: إني أستحاض حيضةً شديدة تمنعني من الصلاة، فدل ذلك على أنها كانت لا تصلي أثناء الاستحاضة، ومع ذلك لم يأمرها النبي ﷺ بالإعادة، لأنها اجتهدت وكانت تجهل أنها مخاطبة بذلك، وظنت أن الاستحاضة كالحيض تمنع المرأة من الصلاة. الدليل الرابع: الكلام في الصلاة كما في قصة معاوية بن الحكم السلمي في صحيح مسلم. الدليل الخامس: لما زِيد في صلاة الحضر، وقد كانت الصلاة ركعتين كما روت عائشة ﵂ فأقرت في السفر -أي بقيت ركعتين- وزِيدت في الحضر، فأصبحت الثنائية أربع ركعات ما عد الفجر، فإنه ﷺ لم يأمر من كان بعيداً عنه، كمن كان بـ مكة أو بـ أرض الحبشة أن يعيدوا ما فاتهم من صلوات بعد أن صارت بعضها رباعية. الدليل السادس: لما فرض شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة، فإن الخبر بذلك لم يبلغ المسلمين الذين كانوا مهاجرين في أرض الحبشة حتى فات ذلك الشهر ولم يأمرهم النبي ﷺ بأن يعيدوا صيامه. الدليل السابع: لما حوِّلت القبلة، بعض الأنصار ذهبوا إلى النبي ﷺ من المدينة إلى مكة -قبل الهجرة كما ذُكر- وكان بعضهم قد صلّى إلى الكعبة معتقداً جواز ذلك قبل أن يؤمر باستقبال الكعبة، والطائفة الأخرى الذين استقبلوا بيت المقدس بعد أن نزل الأمر باستقبال الكعبة كلا الفريقين عذَرَهُ النبي ﷺ ولم يأمره بالإعادة. الدليل الثامن: لما سئل ﷺ وهو بـ الجعرانة عن رجل أحرم بالعمرة وعليه جبة وهو متمضخ بالخلوق فلما نزل الوحي قال له: ﴿انزع عنك جبتك واغسل عنك أثر الخلوق، واصنع في عمرتك ما كنت صانعاً في حجك﴾ فيقول شَيْخ الإِسْلامِ: ' فهذا قد فعل محذوراً من محذورات الحج، ولم يأمره النبي ﷺ على ذلك بدم، ولو فعل ذلك مع العلم للزمه الدم، وإنما فعله قبل أن يبلغه الخطاب بالتكليف'. الدليل التاسع هو: أنه ثبت عنه ﷺ في الصحيحين أنه قال للأعرابي المسيء في صلاته: ﴿صل فإنك لم تصل -ثلاث مرات- وهو في كل مرة يرد الرجل، ويأمره بأن يصلي -لأنه لم يصل الصلاة المشروعة- فقال الأعرابي -بعد الثالثة-: والذي بعثك بالحق، لا أحسن غير هذا فعلمني﴾ فعلمه النبي ﷺ الصلاة، ولم يأمره بإعادة ما كان قد صلى قبل ذلك، وقد مرت على الأعرابي أوقات وهو يصلي بهذه الصورة لقوله: ﴿والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا﴾ فلم يأمره النبي بالإعادة لأنه قد فعل غاية علمه، وقدر استطاعته، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

стр. 1827

إعادة الصلاة قال شَيْخ الإِسْلامِ ﵀: 'وإنما أمره أن يعيد تلك الصلاة التي هي الفرض، والتي كانت بين يدي رسول الله ﷺ لأن وقتها باقٍ فهو مخاطب بها' لأن من بلغه الخطاب وجب عليه الامتثال، فالنبي ﷺ أمره بتلك الصلاة لهذا السبب، لكن ابتداءً من الصلاة التي قبلها وانتهاءً بأول صلاة صلاها لم يأمره النبي ﷺ بإعادة شيء من ذلك، فلذلك يقول: مادام أن الوقت باق، وتلك الصلاة التي صلاها لا تبرأ بها الذمة فلا تزال في ذمته ولو لم يبق من الوقت إلا ما يؤديها أو ركعةً منها، قال: 'ومعلوم أنه لو بلغ صبي، أو أسلم كافر، أو طهرت حائض، أو أفاق مجنون والوقت باق لزمتهم الصلاة ولكن تكون أداءً' أراد شَيْخ الإِسْلامِ أن نتخذ هؤلاء نموذجاً ونقيس عليهم الذين لم يبلغهم خطاب التكليف، فالصبي قبل البلوغ لا تجب عليه الصلاة وإن كان يندب ويحث عليها ويعلم، ولكن الوجوب المتعين إنما يكون بعد البلوغ، فلو بلغ الصبي في وقت فريضة من الفرائض، أو أسلم كافر في وقت فريضة من الفرائض، أو طهرت الحائض في وقت إحدى الفرائض، أو أفاق مجنون ومنَّ الله ﵎ عليه بالعافية في وقت فريضة من الفرائض، ولا يزال في الوقت متسع لأدائها فإن هؤلاء يصلونها أداءً لا قضاءً، وهذا كما في حديث النائم: ﴿من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها فإنه وقتها﴾ فكذلك هنا وقتها بالنسبة له هو متى ما ظهرت عليه علامة البلوغ، أو أسلم إن كان كافراً، أو طهرت إن كانت حائضاً، أو أفاق إن كان مجنوناً، قال: ' وإذا كان بعد خروج الوقت فلا إثم عليهم، وليس في ذمتهم أن يؤدوا تلك الفريضة التي ذهب وقتها، والتكليف لم يجب عليهم، فهذا المسيء الجاهل إذا علم بوجود الطمأنينة في أثناء الصلاة وجبت عليه الطمأنينة حينئذٍ ولم تجب عليه قبل ذلك. ' إن المسيئون لصلاتهم كثير، ولو أن كل واحد منا تعهد بأن يقوم في مسجده أو عمله أو مدرسته لتعليم من لا يستطيع كيفية صلاة النبي ﷺ ؛ لوجد العجب العجاب، فإن الملايين اليوم من المسلمين يصلون صلاة قد تكون صلاة المسيء صلاته في عهد النبي ﷺ أكثر طمأنينة، أو أفضل منها، فهؤلاء نعلمهم الطمأنينة في الأركان كلها، وتجب عليهم الطمأنينة وهي ركن من أركان الصلاة، لكن هذه الركنية تكون في حقهم منذ أن نعلمهم، ولا نأمرهم بأن يعيدوا ما قبل ذلك. فيقول شَيْخ الإِسْلامِ: 'فلهذا أمره بالطمأنينة في صلاة ذلك الوقت دون ما قبلها من الصلوات التي قد صلاها ولم يطمئن فيها، وإلا لكان في ذلك من الحرج والمشقة ما الله تعالى به عليم، ولكن الله ﵎ ما جعل علينا في الدين من حرج، وبعث محمداً ﷺ بالحنيفية السمحة -ولله الحمد، قال:- وكذلك أمره ﷺ لمن صلى خلف الصف منفرداً أن يعيد، ولمن ترك لمعة من قدمه أن يعيد الوضوء والصلاة لأن الصلاة تترتب على الوضوء، وقوله أولاً للمسيء صلاته ﴿صل فإنك لم تصل﴾ تبين أن ما فعله لم يكن صلاة، ولكن لم يعرف أنه كان جاهلاً بوجوب الطمأنينة؛ فلهذا أمره بالإعادة ابتداء، ثم علمه إياها لما قال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا -قال:- فهذه نصوصه ﷺ في محذورات الصلاة والصيام والحج في من ترك واجباتها مع الجهل، وأما أمره لمن صلى خلف الصف أن يعيد فذلك أنه لم يأتِ بواجب مع بقاء الوقت، فثبت الوجوب في حقه حين أمره النبي ﷺ لبقاء وقت الوجوب، وأما أمره لمن ترك لمعة في رجله لم يصبها الماء بالإعادة؛ فلأنه كان ناسياً فلم يفعل الواجب، فكان كمن نسي الصلاة وكان الوقت باقياً -وهنا نلاحظ الفقه، قال:- فإنها قضية معينة بشخص لا يمكن أن يكون في الوقت وبعده، أعني أنه رأى في رِجل رَجل لمعة لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة، رواه أبو داود وقال أحمد بن حنبل حديث جيد ' فهذا الرجل الذي بقي في رِجله مثل الدرهم يعرف أن الوضوء واجب، وأنه شرط لا بد منه للصلاة، ويعلم أن الوضوء لابد أن يكن سابغاً، فتوضأ ونسي ذلك المقدار، فلما رآه النبي ﷺ أمره أن يعيد الوضوء، وأن يصلي بوضوءٍ كاملٍ، إذاً الفرض أن الوقت كان باقياً، وهذه القضية قضية شخصية تتعلق بهذا الرجل فلا يؤخذ منها قاعدة، كما أخذ بعض الفقهاء، فيقولون: كل من ترك واجباً فإن عليه الإعادة؛ فهذه حالة غير حالة الذي لم يبلغه الخطاب، فلا يقاس عليه من كان يعلم الحكم لكن لم يلتزم به، فإن هذا يعتبر تاركاً عن عمد وعن إصرار، فلا يقاس عليه. فإذاً: هي حالة معينة لمثل هذا الرجل، فلو أنك رأيت أحداً ترك شيئاً من أعضاء الوضوء، فأرشدته إليه، أو ترك واجباً من واجبات الصلاة، أو فاته ركن من أركانها، فنبهته إلى ذلك فالواجب عليه أن يأتي به، ويستمر كهذه القضية، لكن لا يقاس عليها الذي لم يبلغه شيء من قبل لأنه لا يزال جاهلاً بخطاب التكليف، قال: 'وأما قوله: ﴿ويل للأعقاب من النار﴾ ونحوه فإنما يدل على وجوب تكميل الوضوء وليس في ذلك أمر بإعادة شيء' كما أن قوله ليس فيه ما فهمه بعض الفقهاء: أنه يجب على هذا الرجل أن يعيد كل صلواته التي صلاها من قبل، ولم يكن يسبغ الوضوء، وإنما يدل على وجوب تكميل الوضوء، هذه الحالة الأولى وهي حالة الجاهل الذي لم يبلغه الخطاب.

стр. 1828

توبة من ترك الصلاة معتقداً سقوطها عنه الحالة الثانية: لمن أراد أن يتوب وأناب إلى الله ﵎، وجاء إلينا وقال: أنا كنت تاركاً للصلاة وأريد أن أتوب، فهل ترون أن أقضي، أم ماذا أفعل؟ فنقول له: كيف كنت تترك الصلاة وتعلم أنها الركن الثاني من أركان الإسلام، وأن الله ﵎ قال فيها: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] وأن رسوله ﷺ قال: ﴿العهد الذين بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾ فقال: إنه كان يعتقد أن الصلاة تسقط عن العارفين، أو عن الواصلين، وهذه بدعة الصوفية التي تملأ معظم بلاد العالم الإسلامي -وهي ضلالة كبرى، وفرية عظمى- أن أحداً من الخلق يترك فرائض الله مدعياً وزاعماً ومتوهماً أنه قد وصل إلى الله، وأن الفرائض أو التكاليف -كما يسمونها- إنما تجب على العامة لأنهم لم يعرفوا التوحيد، وأما الخاصة، أو كما يقولون أحياناً: خاصة الخاصة الذين عرفوا التوحيد، فهؤلاء لا يحتاجون إلى أن يأتوا بهذه الفرائض، لأن هذه مرحلة يفعلها المريد، وهم قد وصلوا وعاينوا الحق كما يقولون -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- وفي نظرهم أنه قد اتحد المخلوق بالخالق. فإذا كان الذي جاءنا تائباً منيباً من هذا النوع -وهم كثير- وقال: كنت أعتقد أني بلغت درجة العارفين، أو الواصلين وزين لي ذلك شيوخ الضلالة في الطريقة التي كنت أنتمي إليها، والآن عرفت أن الصلاة لا تسقط عن أحد، ولو كانت ساقطة عن أحد لكمال علمه أو يقينه كما يؤولون قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] لكانت سقطت عن رسول الله ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسائر الصحابة لأنهم أعلم الخلق بالله، وأكثر الخلق يقيناً الرسول ﷺ عليه وسلم ثم صحابته رضوان الله عليهم، فهل تركوها؟ فالمعلوم أنه لم يتركها منهم أحد إلا إذا دخل في سكرات الموت، أما قبل ذلك فيصلي إما قاعداً، أو على جنبه، أو على أي حال من الأحوال، ولم يكن يترك الصلاة أبداً، بل كانوا يوصون بها، فقد أوصى بها النبي ﷺ ، وهو في حال الاحتضار، وأوصى بها قبيل موته ﷺ ، وأوصى بها عمر رضي الله تعالى عنه، وهذه أهمية الصلاة عندهم، إذاً: لا يمكن أن تسقط الصلاة عنهم إلى الموت، فإذا مات أحدهم سقطت عنه. ومن باطل الصوفية أن الشيخ يصلي عنهم، فمن المصائب الكبرى التي ابتليت الأمة بها شيوخ الضلالة أن الشيخ يصلي عن أتباعه ويحفظهم، وبعض الشيوخ وصل به الحال كما فعل التيجاني وكما ينسبون أيضاً إلى غيره مثل الشاذلي والبدوي والجيلاني أنه يقول: الشيخ الذي يدخل مريده النار فليس بشيخ، ومن جاءه مريده يستغيث به أو يدعوه عند قبره ولم يجبه فليس بشيخ، فلقد جعلوا أنفسهم أرباباً، أو جُعلوا أرباباً من دون الله لأن بعضهم ما قال هذا الكلام. والتيجاني ينسبون إليه في كتبه أنه قال: لا يدخل النار من رآني أو من رأى من رأى إلى سابع رجل يرى أحمد التيجاني مع أن النبي ﷺ رآه المشركون وهم من أهل النار، ومنهم الذين آذوه في مكة، ومنهم الذين في قليب بدر وغيرهم من اليهود الذين رأوه في المدينة، فهذا شيء لم يكن، وحتى أبناء أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم، وغيرهم من الصحابة ما ضمن لهم النبي ﷺ الجنة لأنهم رأوا من رآه، أو يقول: كل من رأى أبا بكر فحرام عليه النار، ومن رأى عمر كذلك فكيف بالسابع، فكيف بغيره ﷺ ، إنما يقرب كل إنسان إلى الله عمله وتقواه لله .

стр. 1829

حكم من ترك الصلاة معتقداً سقوطها عنه ثم تاب من كان يعتقد أن الشيخ يصلي عنه، أو أن لله عباداً أسقط عنهم الصلاة -كما يتوهم بعضهم، وهم كثير- من المنتسبين إلى الفقر والزهد، والفقير الذي نعرفه وهو المعروف في اللغة وكما هو معروف عند العامة: أنه الذي لا مال له ولا متاع، أما عندهم فهو في الحقيقة ترجمة لكلمة هندية، فالفقير في لغة الهندوس، والبوذيين وأشباههم هو المنقطع لله الزاهد، أو الراهب على دينهم الذين يتعبدون به، ولهذا قال بعض الصوفية: إن الفقر هو الله -تعالى الله عما يقولون- وهذا كلام عجيب. وفي الفتاوى سئل شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ عمن يقول: إن الفقر هو الله -تعالى الله- كيف يكون الفقر هو الله؟ لكن لأنهم يعنون بالفقر مصطلحاً آخر غير ما يعرفه الناس، هؤلاء الذين يقولون: إن الله قد أسقط عنا الفرائض حكمهم أنهم متأولة، أي: أنه ترك الصلاة متأولاً وهذا من أقبح أنواع التأويل، لأنه لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يصل الجهل بالمسلم إلى الجهل المركب وإلى أن يظن أن الصلاة تسقط بالتأويل، ولهذا قال شَيْخ الإِسْلامِ: 'فهؤلاء يستتابون باتفاق الأئمة' فهو إجماع بين العلماء والفقهاء أنهم يستتابون، فإن أقروا بالوجوب -وأن الله تعالى أوجب علينا هذه الصلاة- فيجبرون على أدائها، ويكونون من جملة المسلمين لهم مالهم وعليهم ما عليهم، كما أخبر ﷺ : ﴿من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما لنا وعليه ما علينا﴾ وإن لم يفعل ذلك فليس له هذا الحق، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] فتبدأ الأخوة في الدين منذ أن يصلوا، فإن أبوا وجحدوا وجوبها عليهم، فهؤلاء يقاتلون قتال المرتدين. قال شَيْخ الإِسْلامِ: 'ومن تاب منهم وصلى لم يكن عليه إعادة ما ترك قبل ذلك في أظهر قولي العلماء -لأن المسألة فيها قولان؛ لكن الأظهر من القولين أنه لا إعادة عليهم، فقال:- فإن هؤلاء إما أن يكونوا مرتدين، وإما أن يكونوا مسلمين جاهلين بالوجوب، فإن قيل: إنهم مرتدون عن الإسلام؛ فالمرتد إذا أسلم لا يقضي ما تركه حال الردة عند جمهور العلماء' فيريد شَيْخ الإِسْلامِ هنا أن يلزم الفقهاء المخالفين الذين قالوا: إن عليهم القضاء. وأخذ يستدل على ذلك فقال: 'كما لا يقضي الكافر إذا أسلم ما ترك حال الكفر باتفاق العلماء' ومثله: ما لو جاءنا اليوم رجل من أمريكا أو من الهند أو من أي بلد سواء كان عابداً للنار، أو عابداً للصليب، أو يهودياً، أو كائناً ما كان دينه، وآمن بالله ﵎، فإننا نقول: قد تبت من الكفر وعليك الصلاة، ونعلمه أحكامها، ويبتدئ عليه الوجوب منذ أن أسلم باتفاق العلماء، ولا نقول له: اقضِ منذ أن بلغت سن البلوغ إلى اليوم، لأنها قضية متفق عليها بين العلماء وهو أن الوجوب يبتدئ في حقه منذ إعلان إسلامه، فتبعاً لذلك قال جمهور العلماء: وكذلك المرتد لا يجب عليه أن يأتي بما تركه في حال كفره، وردته. قال شَيْخ الإِسْلامِ: 'ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في أظهر الروايتين عنه -هذا هو الاتفاق- والأخرى يقضي المرتد كقول الشافعي والأول أظهر ' -ثم أخذ يأتي بالأدلة على ذلك، ويقول:-: 'فإن الذين ارتدوا على عهد رسول الله ﷺ كـ الحارث بن قيس، وطائفة معه أنزل الله فيهم ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران:٨٦] الآية والتي بعدها، وكـ عبد الله بن أبي السرح والذين خرجوا مع الكفار يوم بدر أنزل فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل:١١٠] فهؤلاء عادوا إلى الإسلام، وعبد الله بن أبي السرح عاد إلى الإسلام عام الفتح وبايعه النبي ﷺ ، ولم يأمر أحداً منهم بإعادة ما ترك حال الكفر في الردة، كما لم يكن يأمر سائر الكفار إذا أسلموا' فلم يأمره النبي بأن يعيد ما كان قد ترك من الأركان أو الواجبات في حال ردته، وهذا معلوم وثابت من السيرة، بل عاملهم معاملة الكافر إذا أسلم. قال شَيْخ الإِسْلامِ: 'وقد ارتد في حياته خلق كثير اتبعوا الأسود العنسي الذي تنبأ بـ صنعاء في اليمن -والذين عظمت فتنته حتى سلط الله عليه من قتله على فراشه- ثم قتله الله، وعاد أولئك إلى الإسلام ولم يؤمروا بالإعادة' وكان ذلك قبيل وفاة رسول الله ﷺ . ثم قال شَيْخ الإِسْلامِ: 'وتنبأ مسيلمة الكذاب واتبعه خلق كثير' كانوا في اليمامة، وهؤلاء توفي النبي ﷺ وهم ما يزالون على ردتهم، ثم جاء من بعده خليفته أبو بكر رضي الله تعالى عنه، قال شَيْخ الإِسْلامِ: 'قاتلهم الصديق والصحابة بعد موته ﷺ حتى أعادوا من بقي منهم إلى الإسلام، ولم يأمر أحداً منهم بالقضاء، وكذلك سائر المرتدين بعد موته '. ثم قال شَيْخ الإِسْلامِ:-: 'وكان أكثر البوادي قد ارتدوا، ثم عادوا إلى الإسلام' فكما هو معلوم أنه عندما توفي رسول الله ﷺ كفر أكثر العرب وارتدوا، ولم يبق إلا ثلاث مدن هي: مكة والمدينة والطائف وفي البحرين وهم: بنو عبد القيس؛ لأن العقلية العربية والعقلية الجاهلية في كل زمان ومكان ترى أن المبادئ والعقائد ترتبط عندهم بالأشخاص، فإذا مات ظنوا أن دينه قد انتهى، فهذا هو الظن الباطل الذي ظنوه بالدين الذي أنزله الله ﵎ ليبلغ ما بلغ الليل والنهار، وليظهره الله على الدين كله ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون، فقالوا: مات محمد، إذن مات دينه، وظنوا أن الأمر سوف يرجع جاهلية، ويرجعون إلى عكاظ ومجنة وذي المجاز والأشعار، والأخبار، ونهب الطرق، وعبادة الأصنام لأن الإيمان لم يدخل قلوبهم، أما من آمن كما في هذه المدن الثلاث، ومن حولها ومن كانوا في البحرين وغيرها، ممن ثبت الله ﵎ الإيمان في قلبه، فإنهم كانوا أكثر علماً بالله، وأكثر يقيناً فيه وثقة في وعده، ونصرة لدينه من أن يرتدوا عنه. إذاً ترك أكثر العرب دينهم وارتدوا، فقاتلهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولم يأمروا أحداً منهم بأن يقضي، وأن يعيد ما كان قد فاته من الصلوات، ثم قال شَيْخ الإِسْلامِ: 'ولم يأمر أحداً منهم بقضاء ما ترك من الصلاة، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] يتناول كل كافر' فكل كافر يتوب يغفر الله ﵎ له ما قد سلف، وهذا فضل من الله ﵎ ونعمة، وباب عظيم من أبواب الدعوة وتأليف القلوب، فإن كان كافراً أصلياً فإن باب الله مفتوح، وما عليه إلا أن يتشهد وأن يؤمن بالله حقاً، وأن يدخل في هذا الدين بصدق وإخلاص؛ فيكون كواحد من المسلمين، ويغفر له ما قد سلف، هذا فضل ونعمة من الله. وكذلك من أضله شيطانه، أو جهله وغيه، فارتد -عياذاً بالله- بعد أن عرف الحق يظل أمامه الأمل، وباب التوبة مفتوحاً، ليتوب إلى رشده، ويعود إلى الحق، وهذه ميزة عظيمة ورحمة من الله ، فهذا على اعتبار أن هؤلاء كان حكمهم حكم المرتدين. والحالة الأخرى: أن يكون لهؤلاء الصوفية المتأولين حكم الجهال قال: 'وإن قيل: إن هؤلاء لم يكونوا مرتدين، بل جهالاً بالوجوب، وقد تقدم أن الأظهر في حق هؤلاء أنهم يستأنفون الصلاة على الوجه المأمور به ولا قضاء عليهم' وهنا نرجع إلى الأدلة التسعة التي ذكرناها سابقاً، قال: 'فهذا حكم من تركها غير معتقد بوجوبها' فهذا حكم يشملهم جميعاً وإن اختلف السبب؛ فهذا يعتقد أنها غير واجبة لأن الشيخ يصلي عنه، أو لأنه من العارفين، والآخر يعتقد عدم وجوبها لأنه لم يبلغه حكمها.

стр. 1830

حكم من ترك الصلاة معتقداً وجوبها قال شَيْخ الإِسْلامِ: 'أما من أعتقد وجوبها مع إصراره على الترك فقد ذكر عليه المفرعون من الفقهاء فروعاً: أحدها هذا، وقيل عند جمهورهم: مالك، والشافعي وأحمد وإذا صبر حتى يقتل فهل يقتل كافراً مرتداً، أو فاسقاً كفساق المسلمين؟ على قولين مشهورين'. وهنا كلام طويل للعلماء، فإذا كان رجل يعتقد أنها واجبة ولكنه لا يصلي سألناه وناقشناه فأقر بالوجوب، لكنه يرفض الصلاة؛ فجيء به إلى القضاء وقيل له: تب، أو أدِّ ما افترض الله تعالى عليك، وإلا فاعلم أن جزاءك القتل، وستؤخذ إلى الساحة، ويراك الناس ونفصل هذا الرأس عن هذا الجسد إن لم تصل، فقال: لا أصلي أبداً، فجيء به وضربت عنقه، ففي هذه الحالة ما حكم هذا الرجل؟ فـ شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ يقول: من قال إن هذا فيه خلاف فهو مخطئ قال: ' وهذه فروع فاسدة؛ لأن الصحابة رضي تعالى عنهم لم ينقل عنهم شيء من هذه الفروع، وهم أكمل الناس فقهاً، وعلماً' قال شَيْخ الإِسْلامِ: 'فإن كان مقراً بالصلاة في الباطن معتقداً وجوبها' أي: بداهة بأن الله خالقه، ومعبوده، وأنه قد أمره بالصلاة، وأنه يجب عليه أن يؤديها، ثم قال: 'يمتنع أن يصر على تركها حتى يقتل وهو لا يصلي، هذا لا يعرف من بني آدم وعادتهم، لأنه لا يكون مقراً بشيء أو محباً له أو مؤمناًُ به، ثم يرغم عليه أن يفعله، إلا إذا كان رافضاً له، فهذا دليل على كفره، وأنه لا يقبله أبداً، وإلا كيف يفضّل السيف عليه وهو في باطنه يحبه هذا أولاً'. 'أما ثانياً: -وهي كلمة عظيمة له ﵀ فقال:- ولم يقع هذا قط في الإسلام ' أن يصر على ترك الصلاة وإن قطعوا رأسه إلا من كان زنديقاً في الباطن، أما أن يكون في باطنه مؤمناً فلا، أو جاهلاً فنعلمه، لأن الجاهل لا يعرض على السيف حتى يعلم، قال: 'فمتى أمتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل، لم يكن في الباطن مقراً بوجوبها، ولا ملتزماً بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين ' كما قال ﵀ في كتاب الإيمان إذا جئنا برجل وقال: أنا من أهل السنة، فقيل له: ترض على أبي بكر وعمر، فقال: لا أترضى عنهما، قلنا: نقتلك، ونضربك، ونعذبك فأبى، فلا يصدق أحد أنه -في باطنه- من أهل السنة ويحب أبا بكر وعمر بل نكتشف أنه رافضي؛ لأن الرافضة لشدة حقدهم، وعداوتهم للشيخين الكريمين رضي الله تعالى عنهما خصوصاً ولعامة الصحابة الآخرين، لا يمكن أن يترضوا عنهم، فالمؤمن من أهل السنة على الحقيقة لا يمنعه شيء أن يترضى عليها، لأنه مقتنع بذلك، ولا يمكن أنه يحتمل الضرب فضلاً عن القتل في سبيل فعل شيء هو مقتنع به، ولا يكون كذلك إلا إذا كان كارها له. فلو جئنا بإنسان وقلنا له: هذا طعام نظيف كله، وهو شدَّة من الجوع، فأبى أن يأكل، فقلنا: نضربك حتى تأكل مع أن الجائع لا يحتاج إلى الضرب ليأكل، لكن إذا امتنع حتى ضربناه، فهذا دليل على أنه إما مسموم أو حرام، لأنه فضل الضرب على أكله ولا يمكن أن يتركه وهو جائع، فالقاعدة التي يعرفها الناس جميعاً أن من تحمل العذاب أو الضرب أو القتل في سبيل شيء معين فهو معتقد له، وهذا واضح وهذا الرجل عقيدته أن يترك الصلاة، والذي وقع هو أن يؤتى برجل، ويقال له: صل، فإن أبى فنعلم أن هذا الرجل منافق زنديق ملحد، كما حدث لبعض من درسوا في بلاد الغرب، أو اعتقدوا العقائد الباطلة الكفرية، كـ الشيوعية والإلحاد أو غيره، وفعلاً يصرون على ألا يصلوا فنعرف أنه قد تغلغلت في نفسه هذه العقيدة الخبيثة، حتى أصبح يرى أن عليه أن يموت ولا يرجع إلى الدين، فهذا يموت كافراً، ويقتل كافراً، ولا يجوز أن نختلف في حكمه، فنقول: لعله يكون مقراً بالوجوب، وهذا من فقه شَيْخ الإِسْلامِ، وقد أخذه من حال ومعاملة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم مع من تركوا شيئاً من الدين. قال شَيْخ الإِسْلامِ: ' استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا ودلت عليه النصوص الصحيحة كقوله ﷺ : ﴿ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة﴾ رواه مسلم وقوله: ﴿العهد الذي بينا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾ وقول عبد الله بن شقيق: [[كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة]] فمن كان مصراً على تركها حتى يموت لا يسجد لله سجدة قط؛ فهذا لا يكون قط مسلماً مقراً بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب واعتقاد أن تاركها يستحق القتل داع تام إلى فعلها' فمعنى كلامه: أن الإنسان يقوم في قلبه المقتضي أو الدافع الذي نسميه الآن في مصطلحاتنا الحديثة (الدافع التام أو الدافع القوي) لعمل معين، فهذا إذا اكتمل لدى الإنسان، وجاء أيضاً من يحضه عليه ولم يكن مانع من فعله؛ فلا بد أن يفعله، فالاعتقاد أن تاركها يستحق القتل، وأن هذا من الدين مع اعتقاده بوجوبها فهذا داع تام ودافع إلى فعلها، ثم قال: 'والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإذا كان قادراً ولم يفعل قط عُلِمَ أن الداعي في حقه لم يوجد -أي الدافع غير موجود، ولو وجد لصلى أو صام أو زكى أو عمل، ثم قال- فالاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل؛ لكن هذا قد يعارضه أحياناً أمور توجب تأخيرها وترك بعض واجباتها وتفويتها أحياناً' أقول هذا وأنا آسف جداً، لأني سمعت شريطاً لأحد الدعاة، وله إلمام بعلم الحديث، ويدير أحد المراكز الدعوية، وجدته يقرر أن تارك الصلاة ليس بكافر، ويقول: الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، وتارك العمل ليس بكافر، ويؤصل لهذه القضية، فكأنه يدعو الناس إلى حقيقة غائبة عن أذهانهم من العقائد، ومثله الذي كتب كتاباً أسماه " فتح من العزيز الغفار وبيان أن تارك الصلاة ليس بكافر من أهل النار " فعجيب أمر هؤلاء، وخاصة الأخ الداعية كيف أنه نسي أو غفل عن النقل الصحيح، وعن إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم على ذلك، وإطباق أئمة الإسلام وخاصة أهل الحديث على ذلك، وقول وفتاوى علمائنا المعاصرين -حفظهم الله- كلهم متفقون على أن تارك الصلاة عامداً مع قيام العلم والحجة كافر. وتعجبت من قوله بأن هذا من عقيدة أهل السنة والجماعة فمعنى كلامه: أن من اعتقد غير ذلك؛ فإنه على غير عقيدة أهل السنة والجماعة، فعقيدة الخوارج هم الذين يكفرون بترك بعض الأعمال، وهذا كلام عجيب، مع أن شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ يقرر هذا الأصل، وهذه العقيدة الواضحة الجلية في مواضع من كتبه ولا سيما في كتاب الإيمان بتوسع. لكن نقول: لعل اللبس جاء من أن بعض الناس يصلي أحياناً، ويفوت أحياناً، ويؤخر أحياناً، وهذا ما نسأل عنه كثيراً فمثلاً: تتصل امرأة وتقول: زوجي أحياناً يصلي، وأحياناً لا يصلي، فهل أفارقه؟ وتقول: قرأت أو سمعت بعض العلماء يقول: إن الرجل إذا كان تاركاً للصلاة فإن زوجته تحرم عليه، والعقد باطل، والأبناء أبناء زنا وما أشبه ذلك، فتقول: إذاً ماذا أفعل؟ وهكذا يقرءون بعض الأدلة كما في حديث عبادة -الذي سنذكره بعد قليل- فيقولون: إذاً الذي لا يحافظ على الصلاة لا يزال مسلماً، وهكذا مثل هذه الشبهات، فيقع في حيرة واضطراب، ويقول: كيف نقول: إن الإجماع قد انعقد وثبت على كفره، ومع ذلك نسمع من يقول: لا. أو مثل هؤلاء المساكين، تقول: إذاً ماذا أفعل أنا؟ هل فعلاً أتركه وأفارقه؟ فنقول: من هنا يأتي اللبس.

стр. 1831

الفرق بين تارك الصلاة وبين المتهاون فيها نقول هناك فرق بين التارك المطلق للصلاة، وبين الذي لا يحافظ عليها، فالتارك المطلق هو الذي لا يصلي أبداً، وهذا كافر لا ينبغي ولا يجوز أن نتنازع فيه. أما المتهاون وهو: الذي ينام عن فريضة -مثلاً- ويؤدي فريضة، فهذا ليس بغريب أن نقول: إنه كفر في الفجر عندما لم يصل الفجر ثم جاء الظهر فصلى فأسلم، فهذه طبيعة وحالة ذكرها الله عن المنافقين وأنهم درجات، فمنهم المنافق المحض الذي لم يدخل الإيمان قلبه أبداً، ومنهم الذي نفاقه عن ضعف إيمان، فهو لم يصل وإن كان يسمى بالمنافق لكن لا يصل به الحال لأن يكفر؛ لكنه يصلي أحياناً ويترك أحياناً إلى أن يقرب من الخيط الرقيق الفاصل بين الإسلام والكفر، فهو يذهب مرة ويعود مرة إلى أن يقرب من حافة الكفر، ومرة يعود إلى دائرة الإيمان، فهذا حال واقع عند كيثر من الناس. فرجل يصلي أحياناً ويترك أحياناً، فهو في هذا التأرجح بين الإيمان والكفر، فهذا نقول له: كن مسلماً حقاً وحافط على صلاتك، وإلا قد تموت ويأتيك الأجل وأنت في الخط الآخر وقد خرجت، فتموت كافراً، وليس هناك خاتمة أسوء من خاتمة الذي يموت على الكفر، ولا سيما وقد عرف الإيمان، وهو يأتي إليه أحياناً ويعود إليه إحياناً، فهذا نقول له: ابتعد ما استطعت عن دائرة الكفر بأن تحافظ على الصلاة في أوقاتها جماعة. إن هذا الحال هو الذي قد يشكل، وقد يسبب نوعاً من الخطأ في الفهم أو في التصور، قال شَيْخ الإِسْلامِ: ' فأما من كان مصراً على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك فهذا لا يكون مسلماً؛ لكن أكثر الناس يصلون تارة ويتركونها تارة فيشتبه الحكم، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها وهؤلاء تحت الوعيد ' وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في السنن عن عبادة عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له﴾ ' فبعض العلماء فهم من الحديث أن المقصود هو: من لم يحافظ عليها بالكلية وهذا فهم خطأ، والصحيح أن هناك فرقاً بين من لم يحافظ، ومن يترك بالكلية، فالأول تحت المشيئة والثاني كافر، وبهذا الجمع تتعاضد الأدلة في هذا الشأن. لكن قد يعترض بعضهم بما قاله النووي وغيره من علماء الشافعية وأمثالهم فنقول: الخلاف موجود، وإنما نحن نريد بيان القول الراجح، وهو ما أجمع عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وأما غيرهم فيقول شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ وقد قرر ذلك في: الإيمان الأوسط بشكل أوضح-: 'إن هؤلاء الذين يرون أن تارك الصلاة ليس بكافر دخلت عليهم شبهة المرجئة ' وهذا الأخ الداعية الذي ذكرته سابقاً دخلت عليه شبهة المرجئة، وهي فصل القول عن العمل، بينما لا يمكن أن ينفصل القول عن العمل عند أهل السنة والجماعة فإذا وجد قول القلب التام المطلوب شرعاً، فإنه يستلزم عمل الجوارح بقدره، فمن كان عمل قلبه قوياً للغاية يقيناً، وإخلاصاً، وصدقاً، وانقياداً، فلا بد أن يصلي صلاة خاشعة، صادقة، منقادة يظهر في إيمان هذا القلب، ومن كان إيمانه أقل فإن صلاته وبقية أعماله كذلك، أما من لم يؤد الصلاة مطلقاً فهذا دليل على أنه لا إيمان في قلبه مطلقاً. إذاً: هذا حكم التائب الذي تاب وقد ترك الصلاة؛ أن ننبهه ونذكّره بأن عليه أن يصلي، ونذكره بالله، وأنه لا يجوز له أن يترك فريضة من فرائض الله لأنه سيكون بهذا كافراً، ونقول له: يجب عليك أن تعيد، أو أن تقضي ما فات من الصلوات.

стр. 1832

مفهوم العبادة في هذه المادة تحدث الشيخ عن الحاجة الفطرية إلى العبودية، وأنه ما من أحد إلا والعبودية مغروسة فيه، فهو بفطرته عبد، ثم بين أن البشر إنما يختلفون في المعبود، وفي كيفية العبادة، وذكر سبب ضلال البشر بعد آدم ﵇، ثم تكلم عن المعبودات الباطلة من دون الله، متطرقاً إلى موضوع شمولية العبادة، مع إيراد عدد من الأدلة على ذلك؛ وتكلم عن عبادة أصناف الناس كالملوك والعلماء والتجار وغيرهم، مبيناً خطر البدعة وتاريخ دخولها على الإسلام، وخطر الفرق ذات الأفكار الدخيلة، وعلى رأسها فرقة الصوفية بطرقها المختلفة.

стр. 1833

الحاجة إلى العبادة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. أما بعد: يقول الله ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧] فالله ﵎ قد بيَّن في هذه الآية الغاية من خلق الثقلين وهي (عبادته)؛ وهذه العبادة يفتقر إليها المخلوق افتقاره إلى الطعام والشراب؛ بل ربما كان أكثر من ذلك؛ لأن جوعة الروح وجوعة القلب أعظم من جوعة الجسد، فإن الإنسان لا يستطيع الاستغناء عن الطعام والشراب، وكذا عن الجو الذي يعيش فيه جسده، فكذلك -بل أعظم منه- لا يستطيع الإنسان أن يكون في كفاية عن غذاء الروح (أي: عن العبودية لله).

стр. 1834

حاجة العبد إلى الله حاجة فطرية ذاتية إن افتقار المخلوق إلى أن يكون عبداً لله ﵎ هو افتقار ذاتي فطري، وهو حاجة رجوعة لا يسدها حقاً إلا عبادة الله وحده لا شريك له، وهو الذي أودع في العبد هذه الحاجة الفطرية، وهذا الافتقار الذاتي؛ كي يعبده وحده ﵎، ولذلك مدح الله سبحانه نبيه محمداً ﷺ في أعظم مقامات التشريف، وهو: مقام الإسراء والمعراج الذي لن يبلغه قبله بشر ولم يبلغه أحد بعده، فقال ﵎: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) [الإسراء:١] فوصفه بالعبودية؛ لأنها أشرف مقام، ولأنها أعظم ما تطمح إليه النفس البشرية؛ فبتحقيق العبودية لله ﵎ يرتقي العبد إلى أعلى درجات الكمال الإنساني الذي يمكن أن يبلغه أي بشر، وأعظم الناس عبودية هم: الملائكة، والأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل من البشر، ممن انتهج منهجهم، وسار على طريقهم.

стр. 1835

الكفار يلجئون إلى الله وهذا الافتقار الذاتي إلى عبادة الله من فطريته وضروريته في النفس الإنسانية، أنه لا يمكن أن ينكره منكر، ولا يكابر فيه مكابر، حتى الكفار الذين جحدوا آيات الله، وعاندوا أنبياء الله، وردوا ما جاءوا به من أمر الله، واستكبروا على عبودية الله، فإنك في وقت الشدة تراهم يذعنون لله ﵎ بالعبودية، ويظهرون الافتقار والحاجة إليه، في ذلك الوقت (وقت الضرورة) الذي تنتفي فيه كل البهارج وكل ما يكون على القلب من الكبر والعتو. إذاً: كما ذكر الله عنهم في القرآن حاكياً حالهم بأنهم إذا ركبوا في الفلك وأحاط بهم الموج من كل مكان، حينئذٍ ينسون آلهتهم، ويعلمون أن تلك الآلهه ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [النجم:٢٣] فهم الذين اختلقوها واخترعوها، وهم أول من يعلم أنها لا تغني ولا تنفع ولا تضر؛ فيدعون الله تعالى بتضرع وبكاء. وهنا سأذكر أمثلة من العالم الحاضر، الذي يعيش الآن في أعتى درجات التكبر عن عبادة الله وعن الإذعان والإعلان بالعبودية لله، بل عن الإقرار لله تعالى بالألوهية، بل بوجوده ﵎؛ فهم ينكرون أن يكون الله موجوداً، فضلاً على أن يتقربوا إليه بالعبادة، أو يخضعوا له. هذا العالم المتجبر المتكبر، وإنَّ أعتى وأكبر من يمثل ذلك هي: الشيوعية الملحدة، وأعتى دول الشيوعية في العالم هي: الاتحاد السوفيتي، وإن أعتى طواغيت هذه الدولة هو: استالين عندما اجتاحت جيوش هتلر أراضي بلاده -أثناء الحرب العالمية الثانية- وكانت بلاده تحرم الأديان تحريماً قاطعاً، بل وحظرتها حظراً باتاً وأقفلت دور العبادة من أي ملة؛ فعند ذلك لم يكن لديه أية حيلة ولا أي منقذ، وهنالك يأمر هذا الطاغوت اللعين أن تفتح أبواب الكنائس، وأن يتضرع الناس بدعاءِ الله، وأن يطلبوا من الله التأييد على هتلر وعلى جنوده النازيين!! فهذا الإقرار الذي ذكره الله ﵎ عن الأمم الخالية يتمثل أمامنا في أعتى طاغوت من طواغيت أعتى دولة شيوعية ملحدة تنكر وجود الله. ! وأذكر أنني قرأت في مذكرات شدشد أنه هو وإيزنهاور عندما كانا يتوليان قيادة جيوش الحلفاء في الحرب العالمية نفسها، أنهما كانا على إحدى البوارج في البحر، وكان الموقف في أشد ما يكون من الحرج، وكانت جيوش النازية ما تزال في عنفوان وقمة انتصاراتها واجتياحها لـ أوروبا؛ وعندئذٍ عملا قداساً على ظهر البارجة وأخذا يبتهلان إلى الله! وهما الرجلان اللذان لم يعرفا الله من قبل؛ فهؤلاء عتاة الشرق والغرب في عالمنا المتمرد على الله يلجئون وقت الشدة إلى الله، ويعترفون أنه لا ملجأ ولا منجىً منه إلا إليه، وأنه هو الذي يغيث الملهوف، وينقذ المكروب ويكشف الغم. فالعبودية ضرورة فطرية، فطر الله ﵎ عليها كل واحد.

стр. 1836

الاختلاف في العبودية عند البشر إن واقع البشر الذي نراه يختلف اختلافا بيناً لا في قضية العبودية من أصلها أو في العبادة من حيث هي عبادة ولكن من حيث نوع العبادة، ومن حيث نوع المعبود، ومن حيث كيفية التعبد، وهنا ضلت الأمم وتاهت.

стр. 1837

سبب الضلال قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:٢١٣] كان الناس أمة واحدة (أي: كانوا على التوحيد) فالمُقَدَّر هنا، (فأشركوا وكفروا) كما فسرها ابن عباس ﵁ بقوله: [[كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام]] حتى أضلتهم الشياطين الذين جاءوا إلى قوم نوح وأمروهم أن يعيدوا ذكريات القوم الذين سماهم الله ﵎ من الرجال العبّاد: (ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرا). عشرة قرون والبشرية على التوحيد النقي، تعبد الله ﵎ ثم اختلفوا، ومنذ أن اختلفوا -وما يزالون مختلفين- ظهرت العبوديات المتباينة، والديانات المختلفة؛ التي منها ما كان من عند الله فحَّرفه الذين قال الله ﵎ عنهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٩] وهم: الأحبار، والرهبان، والكهان، الذين اتخذهم أقوامهم أرباباً من دون الله، وحرفه -أيضاً- الطواغيت من الملوك والحكام من الفراعنة ومن قبلهم، ليعبِّدوا الناس لأنفسهم، كما قال عبد الله بن المبارك ﵀: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها جاء فرعون ليقول للقوم الذين كانوا يعبدون آلهة شتى: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] ويقول لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]. وممن قام بتحريف الأديان المبتدعة الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله كما قال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] فكل من اتبع هواه في عبودية الله أو عبد الله لا كما أمر الله، وإنما كما يحلو له، أو كما يرد على خاطره، أو كما يرى من تقاليد آبائه وأجداده؛ فله حظ من ذلك.

стр. 1838

المعبودات الباطلة مظاهرها وأشكالها لقد تعددت العبوديات وتنوعت؛ فهناك اليوم بشر! يعملون في المصانع النووية، وينتجون القنابل الذرية التي يهددون بها المسلمين، ولكنهم يعبدون البقر! هذا الحيوان المعروف الذي نراه!! ويتبركون بما يخرج منها!!! وهناك من يعبدون البشر ويعطونهم الربوبية الكاملة وهم -أيضاً- أحياء، وفي القرن العشرين القرن الذي يقال عنه: إنه قرن الحضارة والعلم والتطور، وإن مرحلة الدين هي مرحلة تجاوزتها الإنسانية وخلفتها وراءها، وانتقلت الآن إلى طور الحضارة وطور العلم، وما الدول الشيوعية إلا نموذج لذلك. ويوجد -أيضاً- عُبَّاد الشهوات الذين يعبدون الهوى، والذين يعبدون بطونهم وفروجهم، وهؤلاء يقدمون عبودية كاملة وعبودية حقيقية. قد يقول البعض: إنها ليست عبودية بالمعنى الواضح، ولكنها في الأخير نرى أنها عبودية لمن أوحى ولمن وسوس ولمن زين هذه العبوديات؛ إما عبودية الشيطان، أو عبودية المرأة، أو عبودية الأفلام، أو عبودية الخلاعة، أو عبودية ما يسمى بالموضات، فكل هذه أنواع من العبودية. وهناك -أيضاً- عبودية التقاليد وهي عبودية شديدة الوطأة فهي ثقيلة، ولا أدَّل على ثقل هذا النوع من العبودية من أنه في إمكان الإنسان أن يتعبد أو يصلي أو يستقيم مع أنه يتعرض للأذى لكنه قد يتحمل ذلك، لكن أن يخالف عادة اجتماعية أو تقليداً من تقاليد القبيلة أو من تقليد البيئة فهذا أشد شيء عليه، وهنا تظهر حقيقة اتباع الناس لهذه العبودية التي لم يشرعها الله ﵎ وإنما هي تقاليد، قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢] فقط! دون النظر إلى أن الله أحل هذا أو حرَّمه. هناك -أيضاً- عبودية أخرى، وهي عبودية اللهو واللعب (عبودية الملاهي بجميع أنواعها) فشياطين الجن والإنس الذين كما قال الله ﵎ عنهم: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام:١١٢] أوجدوا هذا النوع من العبودية لمن؟! للجماهير (الطبقة العريضة الممتدة من البشر الذين هم أقل من أن يفهموا الأفكار أقل من أن يستوعبوا المبادئ أو النظريات التي يخطط لها هؤلاء الشياطين) فجاءوا لهم بعبودية اللهو واللعب، ومنها: الكرة -كمثال على ذلك، فالفرق كبير بين (الرياضة -بين النشاط- بين الترفيه) بين أي نوع من الأنواع التي يمكن أن يقوم الإنسان بها مع نفسه أو مع غيره، فرق بين هذه وبين العبودية التي تعطي الولاء والبراء! تعطي المحبة والبغض! وهذا الذي فطن إليه شياطين الجن والإنس، فرأوا أن القلب البشري -كما خلقه الله- لا بد أن يُعادي وأن يوالي، أي: أن فيه خطان مزدوجان: خط الحب وخط البغض. فمثلاً: عندما تسمع أي خبر في الإذاعة عن القتال في أفغانستان، فمجرد أن يخطر على بالك هذا الخبر فإنك سوف تتعاطف تلقائياً مع إخوانك المجاهدين، وتتمنى أن يكون الخبر مفرحاً، وأنهم حققوا انتصارات كبيرة على عدوهم! وبالمقابل تتغيظ من عدوهم وتبغضه، وتتمنى أن يحقق الله له الذلة والهزيمة الساحقة! (وهذه هي فطرة بشرية!)، فأراد شياطين الإنس والجن أن يأتوا إلى هذا الإناء فيفرغوا فيه ويضعوا فيه ما يملؤه مما يصرف البشر -وبخاصة المسلمين- ويجعلهم يعرضون عن الطريق القويم إلى طريق آخر، وهذا الإناء الذي جعله الله ﵎ لنا هو القلب، فإذا امتلأ بما يضعه هؤلاء الشياطين؛ فلن يبق فيه مجال لما يلقيه الملك الذي يأمرك بالخير، كما في الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود ﵁ (ويظهر أنه موقوف عليه) ﴿إن للملك لمة وللشيطان لمة﴾ فالقلب البشري تعتريه لمة الملك ولمة الشيطان، ولا يمكن أن يخلو القلب من هذا أو ذاك؛ فهؤلاء يريدون أن يجعلوا لمة الشيطان هي الغاية، فلا يبقى للمة الملك مدخل ولا منفذ إلى القلب البشري؛ ولذلك جاءوا بهذه المغريات، وأتوا بالتعصب والتحزب والولاء والعداء لها! فجعلوها كأنما هي غاية!! فتحققت عبودية المشتغلين بها على النحو الذي خطط له هؤلاء؛ فالقلب البشري لا يخلو من الحب والكره، وهما (أي: الحب والكره) مع الإرادة يحققان العبودية لأي معبود كان.

стр. 1839

شمولية العبادة يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] أي: فكل بشر كادح وكل مخلوق كادح وكل مخلوق عابد كادح فهذا الكدح هو عبادة؛ فإن كان يكدح ويعمل في طاعة الله فهذا عبد لله، وإن كان يكدح ويعمل للدنيا فهو عبد للدنيا، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : ﴿تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم﴾ وإن كان يكدح من أجل المرأة فهو عبد للمرأة، وإن كان يكدح من أجل أي هدف مادي أو أي غرض دنيوي فهو عبد لذلك الغرض.

стр. 1840

شمولية مفهوم العبادة في الإسلام وأدلته ولشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رسالة قيمة عنوانها (العبودية) ذكر فيها هذا الأمر، وذكر ما هو أشمل منه؛ فكل مخلوق لابد وأن يكون عبداً، فإما أن يعبد الله، وإما أن يعبد غير الله، إما أن يوالي في الله فيحب إخوانه المؤمنين ويكره أعداءه الكافرين, وإما أن يوالي في غير الله، فيحب أعداء الدين ويكره المؤمنين، ولا يمكن أن يخرج الإنسان عن ذلك؛ لأنه كادح، وهذا الكدح لا بد أن يكون لغرض، ولا بد أن يكون وراء الكدح هدفاً معيناً، وهذا الهدف به تتحدد نوعية العبودية، فإذا كانت العبودية بهذا الشكل؛ فإننا نعرف لماذا كانت العبادة في الإسلام عامة وشاملة؟ في كل النشاط (الكدح) البشري ككل. فالعبادة تحتويه وتحتضنه؛ فإما أن يكون في طاعة الله (من الواجبات أو من النوافل أو من المستحبات) وإما أن يكون في ضد ذلك من المنهيات أو من المكروهات، وإما أن يكون في درجة المباح، والمباح إن كان وسيلة للطاعة التحق بالطاعة، وإن كان وسيلة للمعصية التحق بالمعصية. فكل إنسان بما أنه كادح فهو عابد، بل وإن كل دولة وكل أمة بما أنها بشر فهي عابدة لشيء ما، ولغرض ما، ولإله ما؛ فإما أن يكون هذا الإله هو الله ﵎، وإما أن يكون الله ومعه غيره من الأوثان التي يشرك بها البشر، وإما أن يكون معبوداً لغير الله. فمن هنا كان مفهوم العبادة في الإسلام أعظم وأشمل مفهوم، وفي ذلك جاءت الآيات وجاءت الأحاديث، التي ذكرها الله في كتابه العظيم، فذكر لنا من الآيات، والتشريعات، والعبر، ومن الحكم، ومن أخبار الأنبياء ما يدل على ذلك؛ فنجد نبي الله إبراهيم ﵇ يخاطب الملك فيدعوه إلى عبادة الله، وكذلك موسى وهارون ﵉ يخاطبان فرعون، فيدعوانه إلى عبادة الله. وهكذا كل نبي فإنه دائماً يدعو أمته إلى عبادة الله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٣٢]، وكما قال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]. فعبادة الله التي تضمنتها الكلمة العظيمة -كلمة لا إله إلا الله- كانت دعوة كل نبي بعثه الله، يخاطب بها الملوك، ويخاطب بها العوام، ويخاطب بها ما نطلق عليه المثقفين؛ كل هؤلاء مدعوون إلى عبادة الله فمن كان ملكاً فليعبد الله من خلال ملكه، فليقم شرع الله ودين الله كما قال جل شأنه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١].

стр. 1841

عبودية العلماء لله أما العلماء فعبوديتهم أعظم لله سبحانه؛ لأن الله -جل شأنه- جعلهم شهداء على ألوهيته دون غيرهم، كما قال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨] فجعلهم الله ﵎ شهداء في أعظم قضية وهي ألوهيته التي شهد بها الله -جل شأنه- ثم ملائكته الذين يسبحون له في الليل والنهار لا يقترون ولا يملون، ثم أولو العلم الذين يقيم الله تعالى بهم الحجة على العالمين. فعبوديتهم أعظم؛ لأنهم الرقباء على البشر جميعاً؛ لأن العلماء في هذه الأمة هم في مقام الأنبياء في الأمم التي قبلنا، فهم رقباء على شرع الله ، وعلى أفعال الناس؛ ولهذا تجدون الإمام ابن القيم ﵀ ألف عن العلماء كتاب (إعلام الموقعين عن رب العالمين)، فهم بمثابة الموقعين عن الله، لأن حكم الله لا نعرفه إلا عن طريق هؤلاء العلماء، فكأنما يوقعون هذا حرام من حرمه؟ الله، هذا حلال من أحله؟ الله، فإذا قال العالم هذا حلال أو هذا حرام فهو يوقع يخبرنا عن الله ﵎؛ ومن هنا كانت عبوديتهم أعظم. وهم يشهدون في الآخرة كما يشهدون في الدنيا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الروم:٥٦] وهذا عندما يقسم المجرمون أنهم ما لبثوا في هذه الدنيا غير ساعة، فمن يشهد يوم القيامة؟ أو من يقيم الحجة على المنكرين؟ إنهم الذين أوتوا العلم والإيمان؛ فالعلماء يشهدون في الدنيا ويشهدون في الآخرة؛ لأن رتبتهم هي رتبة الأنبياء، ومقامهم هو مقام الأنبياء.

стр. 1842

عبودية التاجر وكذلك التاجر في متجره عليه عبادة عُظمى، وهي: أن يتقِ الله وألا يغش ولا يخون، وأن يكون صادقاً وألا ينفق بيعه وشراءه بالحلف الكاذب، وكذلك هو منهي عن المناجشة، وأن يبيع على بيع أخيه، وعن أن يبيع الحاضر للبادي، وأحكام في البيع، البيوع المحرمة البيوع المكروهه ومتى يجوز؟ ومتى لا يجوز؟ ما يتعلق بالخيار، ما يتعلق بالأجل، ما يتعلق بصفة المبيع أحكام شرعها الله ﵎ في هذا المجال، فأحل البيع، وحرم الربا، وحرم الغش، وجعل لكل شيء حكمه حتى الشفعة، وهي من الأحكام التي قيل: إن الأمم قبلنا لم تعرفها. وشرع الله ﵎ أحكام التوارث، ولم يرضَ أن يكلها إلى أحد، بل فصَّلها في كتابه، وترك الاجتهادات المتفرعة عنها للعلماء، كلُّ ذلك شرعه الله؛ ليبين لنا أن هذا المال إنما هو أمانة؛ كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧] فهو الذي استخلفنا فيه والمال ماله فلنتق الله فيه.

стр. 1843

عبودية المعلم والمتعلم وفي مجال العلم: فالطالب أو المعلم كل منهم -أيضاً- عليه عبودية كاملة لله ﵎، بأن يتقي الله ويعمل بما يُعلَّم أو يُعلِّم، وأن يدعو إلى هذا العلم الذي تعلمه، وأن يصبر على الأذى في الدعوة إلى الله إذا دعا إلى هذا العلم، وأن يجعل هذا العلم لوجه الله الكريم، لا يبتغي به أي عرض من أعراض الدنيا.

стр. 1844

عبودية المرأة وهكذا المرأة: فالمرأة مطالبة بأنواع من العبوديات تتناسب وتتلاءم مع ما جعل الله لها، وما أودع فيها؛ فهي في بيتها تتعبد الله بطاعة زوجها، وبتربية ابنائها على دين الله، وبغض نظرها، وحفظ فرجها، وبعدم التبرج، وبكل ما شرع الله من الأحكام مما دلت عليه الآيات والأحاديث. إذاً: فكل إنسان مطالب -من حيث أنه إنسان ومن حيث أنه مخلوق- بتحقيق العبودية لله، وهي عبودية عامة لا تدع شيئا من حياة الأفراد ولا من حياة الأمم إلا واستوعبته وشرحته، وبيَّنت منهجه كما جاء في الكتاب والسنة.

стр. 1845

البدعة وخطرها إنَّ التعبد بما لم يأذن به الله، من أخطر ما أصاب الأمة الإسلامية؛ فقد كان النبي ﷺ وأصحابه على الدين المعروف لنا جميعا (المنهج القويم) ﴿ما أنا عليه وأصحابي﴾ (أمة واحدة) كما ذكر الله فكانت تعبد الله على الطريق القويم الذي لا عوج فيه، وكان كل شيء في هذه الأمة يمضي وفق أمر الله، ولا يُقدِّم أحد بين يدي الله ورسوله ﷺ في أي أمر؛ حتى إن عمر ﵁ لما رآه النبي ﷺ ومعه أوراق من التوارة، غضب النبي ﷺ غضباً شديداً! وقال له: ﴿لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي!﴾ لو بعث أي نبي لاتبع النبي ﷺ ، ولم يأتِ بشيء من عنده مع أنه نبي، لأن الله ﵎ أخذ الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ، فقال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١] فالله أخذ العهد على الأنبياء أن ينصروا محمداً ﷺ ، وأن يؤمنوا به، فما بالك بغيره من البشر؟!

стр. 1846

بدء الانحراف لقد بدأ الانحراف عندما أخذت هذه الأمة تتلقى عن غير كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ومن القَدَر أن أول من واجه هذه القضية هو عمر بن الخطاب ﵁؛ فعندما فتح سعد بن أبي وقاص ﵁ هو وجيشه الميمون المظفر مدائن كسرى تلك المدينة العظيمة التي ما كان يحلم العرب بأن يروها بأعينهم، فضلاً عن أن يدخلوها! دخلوا فوجدوا فيها الكتب الكثيرة عن الحضارة الفارسية والعقائد والأديان والعلوم التي كانت عند هذه الأمة في هذه المملكة؛ فكتبوا إلى عمر ﵁: [[يا أمير المؤمنين! قد وجدنا كذا وكذا فما رأيك أنحملها أم ننقلها للمسلمين فلعل فيها علوماً، فكتب ﵁ إن الله قد أغنانا بمحمد ﷺ فإن يكن في هذه الكتب هدىً فقد هدانا الله، وإن يكن فيها غير ذلك فقد كفانا الله، فاطرحوها في الماء أو حرِّقوها]] ولكن هذا الموقف الذي اتخذه عمر ﵁ لم يظل هو الموقف المعمول به؛ فإنه جاء من بعده خالد بن يزيد الأموي الذي ترجم من كتب اليونان قليلاً، ثم أبو جعفر المنصور الذي ترجم بعض الكتب أيضاً، ثم جاء المأمون ففتح الباب على مصراعيه، ودخلت البدع من كل مكان، تُلقي وراء ظهرها بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فظهرت أقوال القدرية، وظهرت أقوال الخوارج، وظهرت الشيعة، وهي التي نفثها اليهود في دين الإسلام ليهدموه، وظهرت هذه الفرق، فنبذت كتاب الله وراء ظهرها، وأخذت تُشرِّع للناس من أنواع التعبدات ما لم يأذن به الله.

стр. 1847

خطر الصوفية هناك فرقة كانت أخطر من هذه الفرق جميعاً! لأنها تعاملت مع الطبقة العامة، وتعاملت مع الجمهور ومع المثقفين أيضاً؛ لكنها كانت شعبية، وأخذت تزحف على كل بلد (إنها الصوفية!). فبالتصوف جاءوا إلى قضية العبودية وإلى قضية الافتقار الذاتي الذي يعيشه، ويشعر به كل إنسان، فحركوها، ولكن على غير هدى من الله. فكل واحد منا يتلذذ بقراءة كتاب الله ﵎، تنعش قلبه وتدمع لها عينه، ويتفكرها دائماً ويجد لذة عجيبة، وقد يُبتلى الإنسان في بلوى فيرفع يديه إلى الله، فيجد من لذة دعاء الله ما ينسيه مصيبته التي دعا من أجلها، فيشعر ويعلم عندئذ أن في إصابته بهذه المصيبة خير كثير جداً فعرف الله وتلذذ بدعاء الله، وتلذذ بمناجاة الله!! ونحن نعلم كيف كان الصحابة ﵃ يتأثرون ويتلذذون بقراءة القرآن، حتى أنهم لما كانوا في سرية من السرايا، وكان أحدهم يقرأ وجاءه العدو، فرماه بالسهم الأول، ثم رماه بالسهم الآخر ولم يتوقف! فمن لذة قراءته للقرآن؛ ترك هذه النبال تدخل في جسده وهو يقرأ ولم يقطع قراءته!! فالعبودية من يشعر بها ويتذوقها ويجدها لا يعدل بها أي متعة في هذا الكون كله!! فمن هذا الباب دخل المبتدعة وأخذوا يُشرِّعون، فأخذوا من حلاوة الذكر تشريعات بأن يُذكر الله بغير ما أذن، وأخذوا من حلاوة المناجاة بأن يشرعوا الأدعية الكثيرة جداً، والتي يطبعونها في عصرنا الحاضر ويوزعونها؛ لأن الإنسان إذا دعا الله شعر بالاطمئنان والراحة، فشرعوا من عند أنفسهم ما يصرفون به هذا الإنسان عن عبادة الله؛ ليعبد غير الله؛ فعندما نقول: إن جوعة التعبد أو الحاجة إلى العبودية أشد من الحاجة إلى الطعام والشراب أو مثلها، فهؤلاء المبتدعة مثلهم كمثل من يأتي إليك وأنت جائع في أشد حالات الجوع يطعم هذا الجائع تراباً! خشباً! ورقاً! يطعمه أي شيء لا ينفعه بل يضره!! ولو أنه بقي على جوعه لكان أفضل؛ لأنه سيبحث عن الغذاء النافع؛ لكن هؤلاء جاءوا ووضعوا بدلاً من الغذاء الذي جعله الله ، وهو القرآن والسنة، والذي جعل فيه الحياة والزكاء والنماء، جاءوا فجعلوا مكانه غذاء لا يُسمن ولا يغني من جوع، ولا يعلي ولا ينمي ولا يزكي ولا يطهر، فشرعوا هذه البدع والضلالات؛ فطواغيت الأديان شرعوا أدياناً تخالف دين الله ، وتصرف الناس عن عبادة الله، وطواغيت البدعة شرعوا بدعاً تخرج الإنسان مع انتسابه للإسلام عن منهج العبودية الصحيح إلى تعبدات وإلى عبوديات لم يشرعها الله ولم يأذن بها ولم ينزلها. فمن هنا نرى خطر هؤلاء المجرمين، وأن إجرامهم لا يقل عن إجرام الأحبار والرهبان والكهان والطواغيت والفراعنة في الأمم التي قبلنا.

стр. 1848

أهمية تحقيق العبودية إن واجب المسلم أن يحقق العبودية لله كما أراد الله، وأن يتقي الله أينما كان، وألاَّ يُعبد الله إلا بما شرع الله قف عند كل عمل تعمله وانظر هل هذا من طاعة الله؟ فإن كان من طاعة الله فكيفما فعله رسول الله ﷺ فافعله، وإن كان مما حرم الله فاجتنبه، ولا يغرك كثرة الهالكين، ولا يغرك كثرة الداعين إلى البدع؛ فإن النبي ﷺ قد ضرب لنا أمثلة منها: أنه رسم خطاً ورسم خطوطاً، وذكر أنه على رأس هذا الخط المستقيم داع يدعو، وعلى جانبيه أبواب، وعليها ستور مرخاة ودعاة يدعون، فهؤلاء دعاة على أبواب جهنم كما قال النبي ﷺ ، إذا أطاعهم المؤمن (فانحرف يميناً أو يساراً) إما إلى مذهب الغلو في الدين حتى يخرج منه كما فعل الخوارج، وإما إلى مذهب التساهل أو الترك كما يفعل أكثر الناس إلا من رحم الله؛ فإذا انحرف يميناً وشمالاً انحرف عن الخط، وأخذه وتلقفه دعاة جهنم فيلقونه في النار. فهذه العبادة كيف يحققها العبد؟ يحققها باتباع ما جاء به النبي ﷺ كيف؟ تقرأ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وتعرض أعمالك كلها عليها، وتعلم أنه ما من عمل يتعلق بك فرداً، أو بمجتمعك الذي تعيش فيه، أو بأمتك عامة، أو بالثقلين كافة؛ إلا والله قد شرع فيه ما يغني ويكفي؛ وإنما جعل الله ﵎ اجتهادات العلماء والفقهاء أموراً كاشفة عن حكم الله يبحثون ويجتهدون ليبينوا لنا ما شرع الله؛ ولذلك كل الأئمة الأربعة ﵃ وهم أكثر من اتُّبع من العلماء، كلٌّ منهم يقول: 'إذا رأيتم الحديث يخالف كلامي فاعملوا بالحديث واضربوا بكلامي عرض الحائظ! '. هذا وهم أئمة وقدوة! وهم الذين أجمعت عليهم الأمة! لكن قالوا: إذا خالفنا الحديث فلا تعملوا بقولنا أبداً! فكيف إذا كان القول المخالف لشرع الله -قول- أعداء الله؟! قول الكافرين وقول الملحدين وقول المنافقين وقول المجرمين ﴿الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور:١٩] والذين يتبعون الشهوات؛ والله يقول: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧] لكن ماذا يريد الذين يتبعون الشهوات؟ قال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧] أي: لو أطعناهم بما يقولون وبما يزينونه للشباب، وبما يبهرجون للشباب من المغريات؛ لأخرجونا عن عبودية الله ﵎. إن العودة إلى الله وإلى الدين وإلى العبودية الحقة لله أصبحت ظاهرة قوية مشاهدة في الشباب المسلم، ونرجو الله أن يمكن لها، وأن تتقدم أكثر فأكثر؛ لكن ماذا عمل هؤلاء المبتدعة؟ هؤلاء قطاع الطريق لما رأوا أن الشباب متجهون إلى الله، جاءوا ووضعوا علامات (اتجه يميناًَ، اتجه شمالاً) ليصرفوا هؤلاء الشباب عن العودة إلى الله تعالى، فلتحذروا من قطاع الطريق هؤلاء! وهم المبتدعة وأصحاب الضلالات وأصحاب الفرق المنحرفة، الذين كل منهم يرفع راية من الرايات! ليأخذ ثلة من الشباب، فيقذف بهم في النار! فيجب على الشاب العائد إلى الله المتمسك بدينه أن يعرف هؤلاء المبتدعة وأن يجتنبهم وأن يتجنب بدعهم؛ كما يجب أن يعرف أيضاً أولئك الملاحدة وأتباع الشهوات، ويجتنب إجرامهم وشهواتهم ومفاسدهم، فليجتنب هذين العدوين! فإنهما من أخطر الأعداء، وكذلك العدو الذي في داخله وهي (هذه النفس) (فيتقي الله في نفسه) ويعلم أنها إنما خلقت لعبادة الله، وإلا فكلُّ نفسٍ بشرية فيها جزء من الفرعونية؛ كما يسميه ابن القيم ﵀، كما أن فرعون قال: ((فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] فكل إنسان يحب أن يظهر، ويحب أن يرتفع على غيره، يحب أن لا يخضع، وكأنه يرى أن في عبوديته وخضوعه لله قيوداً تعطله؛ ولكن في الحقيقة: إن أعظم حرية هي العبودية لله! وإن أعظم راحة وأعظم نعمة هي عبادة الله!!

стр. 1849

حالة أهل الكفر والبدعة وما أظننا في حاجة إلى أن نعدد ما تعيشه المجتمعات التي لا تعبد الله من القلق والألم من الانتحارات والضياع ومن انتهاك الحرمات من الملل ومن الذعر والإرهاب والجرائم، فلا أظن أننا الآن سنأتي بجديد عندما نتحدث عن هذه الموضوعات؛ لأن كل جريدة ومجلة وكل نشرة أخبار تظهر فيها هذه الحقائق!! فهؤلاء لما لم يعبدوا الله ابتلاهم الله وعذَّبهم بهذه المصائب عقوبة لهم؛ وفي المجتمعات الأخرى مثل مجتمعات الهند، التي هي مدمنة ومغرقة في العبودية، ابتلاهم الله بأنواع أخرى من الابتلاء؛ لأنهم دائماً في عبودية، لكنها عبودية لغير الله، يعبدون الأبقار! ويعبدون الأحجار! فالصوفية منهم، وهم منبع الصوفية! يعذبون أنفسهم بأنواع من العذاب، ويقولون: هذه هي عبودية الله! والله ما شرع ذلك ولا أمر به، فهؤلاء يعيشون في عذاب، والغرب الملحد الكافر المتمرد يعيش في عذاب وقلق وذعر، والمجتمعات الشرقية التي يسمونها المنحطة وكل منهم منحط؛ لأنه لم يرتفع إلى عبودية الله هذه المجتمعات المنحطة تعيش في هذا الألم والعذاب والمعاناة الشديدة من الفقر والجوع، ومن التعبدات المرهقة المجهدة!! وشريعة الله سمحة سهله موجودة بين أيديهم، ويمكن أن يعرفوها؛ لكنهم لم يهتدوا إليها! ونحن لم نبلغها لهم! فهؤلاء عبدوا الله على ضلال، وهؤلاء استكبروا عن عبادة الله؛ فعذَّب الله الطائفتين، وأخشى أن يعذبنا بمثل ما عذبهم به إن لم نستقم على أمر الله؛ فإن ما يعانيه الغرب من القلق النفسي أصبح حقيقة في ديار المسلمين أيضاً، وما تعانيه المجتمعات الشرقية من التعبدات المرهقة الثقيلة لغير الله أصبحنا -أيضاً- نعانيه، ونرى أمثلتهم في مجتمعاتنا الإسلامية من شباب يقلدونهم فأخذوا يجوعون أنفسهم! ويتعرون!! ويلبسون الملابس المزرية!! ويضربون أسوأ النماذج للإسلام! ويقال: هذا هو الدين وإذا اهتدى شاب قيل له: تريد أن تهتدي فتكون مثل فلان. فهذه العقوبات التي ابتلي بها الغرب والشرق قد ابتلينا بها -أيضاً- بقدر ما بعدنا عن منهج الاستقامة والعبودية لله.

стр. 1850

الأسئلة

стр. 1851

جواز ارتباط اسم الإيمان بأي مسمىً من مسميات الشريعة السؤال إن الإيمان يكون بالله فقط، فهل يجوز أن نقول: إننا نؤمن بدعوة التوحيد وأنها دعوة الحق، أفيدونا جزاكم الله خيرا؟ الجواب إن كان الأخ يقصد أن الإيمان إنما يكون بالله، فهل يجوز لي أن أقول: أنا أؤمن بدعوة التوحيد، أو أنا أومن بكذا، الله يقول: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة:١٣٧] أي بالذي آمنتم به، وهو القرآن والسنة، فإذا قلت: أنا أؤمن بالإيمان. أيضاً قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥] فمن يؤمن بالإيمان وبالتوحيد ومن يؤمن بالرسول أو بأي مسمى من مسميات الشريعة كمن يؤمن بالصلاة، أو من يؤمن بالزكاة؛ فهذا لا حرج فيه إن شاء الله إن كان هذا هو المراد.

стр. 1852

كيفية التخلص من عبادة الشهوة السؤال كيف يمكن للإنسان أن يتخلص من عبادة شهوة معينة لها تأثير -على نفسه- شديد؟ الجواب عبودية الشهوة من أشد وأخطر العبوديات، فللشيطان طريقان: الشهوات والشبهات، يتعبث بهما الخلق، وعندنا نماذج تجيب على هذا السؤال وأمثاله. فمثلاً: يصعب على المدمنين على الخمر أن يتركوها؛ ولذلك فهم يموتون ولا يتركونها، لكن العرب كانوا يشربونها كعادة، ثم جاء الإسلام ولم تحرم أول الأمر؛ بل كان الصحابة ﵃ يشربونها من جملة ما يشربون، لكن لما حُرِّمت الخمر أريقت تماماً! فجرت أنهاراً في شوارع المدينة! وكف عنها المؤمنون! ومن هذا الشيء نأخذ عبرة لنا أيضاً، شهوة التبرج أو النظر إلى النساء -مثلاً- كان الصحابة ﵃ وهم أطهر وأنظف المجتمعات يرى بعضهم بعضاً، فلما أنزل الله الحجاب أصبحت النساء مغطيات كالغربان لا يرى منهن شيئاً أبداً! امتثال عجيب!! فإذاً: الشهوات والتقاليد مهما اشتد ضغطها؛ فإنه بالإيمان بالله يمكن أن يتغلب الإنسان عليها. فيا أخي! إذا كنت تُعاني من عبودية شهوة معينة، فتَّذكر أنك عبدٌ لله، وأنك سوف تلقى الله، وتَّذكر وعيد الله، وتَّذكر كم تعيش في هذه الدنيا! ولكن في النار أبد الآبدين عياذاً بالله. تذكر أن جهنم سوداء مظلمة لو ألقي فيها حجر لاستمر سبعين خريفاً لا يصل إلى قعرها! تَّذكر ما ذكر الله ﵎ من آيات الوعيد، وما ذكره النبي ﷺ من أحاديث الوعيد، ثم تَّذكر إلى جانب هذا كله هذه الشهوة، وقارن بين هذا وذاك، ثم انظر إلى الجانب الآخر، انظر إلى الجنة ونعيمها! وما يعوضك الله عن هذه الشهوة من الخير العظيم! فحينئذٍ يعينك الله ﵎ وتقلع عن هذه الشهوة.

стр. 1853

الرفاهية من أسباب قسوة القلوب السؤال ماذا عن الفراغ الروحي الذي يستولي على قلوبنا استيلاءً كاملاً، وحلَّ بذلك محلَّ العبودية التي فرضها الله علينا، ولعل الرفاهية هي أهم سبب في ذلك؛ لأنها زادت عن حدها المفروض فكيف يكون الحل؟ الجواب نعم، الرفاهية التي سمَّاها الله ﵎ الترف فنحن قد أُترفنا؛ وأما الصحابة ﵃ فقد كانوا يخشون أن تكون حسناتهم قد عُجِّلت لهم في هذه الحياة الدنيا، كما فعل ذلك الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف ﵁ لما وضعت أمامه المائدة وفيها الطعام، فتذكر مصعب بن عمير وترك الطعام، قالوا: مالك؟ قال: تذكرت مصعب بن عمير يوم أحد، وكان بجوار النبي ﷺ مصعب بن عمير فقاتل حتى قُتِلَ؛ فلما جئنا نكفنه، لم يكن معه إلا بردة، إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه؛ وإن غطينا رجلاه بدا رأسه! وما منا اليوم أحد إلا وهو أمير على بلد من البلدان، فقال: أخشى أن تكون هذه حسناتنا قد عجلت لنا! فإذا كان هذا الجيل المجاهد العظيم الذي وعده الله في هذه الدنيا بأنه يملكها، لما ملكها خاف أن تكون عقوبة وأن تكون طيباته عُجِّلت له بهذه الدنيا! فنحن أولى بالخوف ونحن أولى أن نحذر من هذا الترف وأن نعوذ بالله منه؛ فإن المترفين هم أكثر الناس قسوة في القلب، وأبعدهم عن الضراعة إلى الله؛ لأن الحاجة تلجئ إلى دعاء الله وإلى عبادته والتضرع إليه، لكن الذي يشعر بالغنى لا يدعو الله، ولا يشعر أنه مفتقر إليه، فيكون من الران على قلبه أنه يشعر بالغنى عن الله، فالرفاهية والترف لاشك أنها من أعظم أسباب الفراغ الروحي والبعد عن الله، لكن قلوبنا لها ِأسباب أخرى في قسوتها وغفلتها، ولو عبدنا الله تعالى حق العبادة لكنا حقاً من المؤمنين، وإن كان بيدنا من الدنيا ما بيدنا؛ لأن المؤمن الذي يملك المال ويتعبد الله به لا يكون مترفاً أبداً، مهما كانت بيده من الأموال، وإنما يأخذ بقدر إنفاقه على نفسه.

стр. 1854

السلف والتصوف السؤال ما هي الصوفية التي اتصف بها السلف الصالح ﵏، وما هي الصوفية المنحرفة في هذا الموضوع؟ الجواب الصوفية لم يتصف بها أحد من السلف -ولله الحمد- وهذا دين قديم ظهر في بلاد الهند، ثم انتقل منها إلى أوروبا. ولم يكن الرسول الله ﷺ ، ولا أحد من الصحابة، ولا من التابعين يقول: أنا صوفي! أو أنا متصوف على التصوف الصحيح أبداً. فهذا دين؛ كما أن اليهودية دين، كما أن البوذية دين، وكما أن المجوسية دين، فهذا دين آخر كانت الأمم تتعبد به وليس من دين الله في شيء. وأما الصوفية المنحرفة ولو لم تكن منحرفة، فيكفي أن تقول: إنها صوفية، ولأن أي شيء غير الإسلام فهو منحرف، إذا كان غير الدين الذين أنزله الله -فهي دين آخر- كما هو الواقع وهي بطبيعتها منحرفة، فليس هناك نوع منها كان محقاً ونوع آخر مبطلاً؛ بل كلها بطلان، ولكن يأتي اللبس بسبب أن بعض أهل الحق يأخذون بعضاً منها، ولا يأخذون شركياتها، ولا يأخذون وحدة الوجود، ولا يأخذون الحلول والاتحاد، ولا يأخذون العقائد المبتدعة الكفرية فيها، وإنما يأخذون بدع مخففه وهم من أهل الحق، فيأتي الإشكال، لكن الإشكال الذي يأتيك في هذا الرجل أو هذا العالم أو هذا الداعية الذي أخذ شيئاً من المتصوفة لا يعني أنك تحكم على المنهج نفسه؛ لأن فيه حق وباطل، وهذا الرجل أخذ بعض الباطل، وعنده كثير من الحق خلطه ببعض الباطل، فيأتي اللبس ممن أخذ، لا من الفكرة نفسها. فالعقيدة نفسها - عقيدة التصوف - موجودة من قديم، وموجودة الآن، وهي موجودة في هذا الاسم نفسه ديناً من الأديان التي يسمونها الأديان الحديثة في الولايات المتحدة الأمريكية، لما بعثوا الأديان القديمة وجدوا هذا الدين وبعثوه بهذا الاسم، ويوجد عدد من الشباب الأمريكي يدخل فيه ويتعبدون بأنواع العبادات بهذا الاسم الصوفية أو الثيوصوفية التي تعني عشق الله!! كما يقولون: ثيوقراطية أي: الحكم الإلهي فالثيوصوفية هي العشق الإلهي أو المحبة الإلهية المطلقة. فهذا دين جديد موجود في أمريكا بهذا الاسم، وموجود في أوروبا ضمن النصرانية وغيرها، وموجود في كل بلد، فمن الخطأ؛ أن نقول: إن في دين الله تصوف. نعم! وُجِدَ في المسلمين من يتصوف، إما أن يأخذ منه كفره، أو يأخذ منه البدعة، وما جاء به النبي ﷺ لا تجد فيه لا يهودية ولا مجوسية ولا بوذية ولا صوفية ولا أي مسمى من مسميات الأديان الباطلة الذي نسخها هذا الدين. فقد أكرمنا الله بالحنيفية السمحة أكرمنا الله بملة إبراهيم؛ ولذلك أنكر الله تعالى على اليهود والنصارى، فقال : ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠] فلم يرض الله أن يقال لهؤلاء الأنبياء أنهم يهود أو نصارى، فهل يرضى لأمة الإسلام أن تقول: إننا صوفية أو بوذية؟! لا يمكن هذا أبدا.

стр. 1855

معرفة الله أساس الخشية السؤال قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ما معنى هذه الآية؟ الجواب ذكر ابن كثير ﵀ في هذه الآية من التفسير ما لا نريد الإطالة فيه، والخلاصة أن الإنسان كلما كان أعلم بالله فهو أعبد لله وأكثر خشية له ممن لا يعرف الله؛ فمعرفة الله تمنع من معصية الله، معرفة الله تدعو إلى خشية الله، والعلم بالله يدعو إلى خشيته كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] أي: الذين يعرفون من صفاته ، ونعوت جلاله ما يحجزهم عن أن يعصوه أو يخالفوا أمره أو ينتهكوا حرماته، فمن هنا تظهر أهمية معرفة الله ﵎؛ فكلما كان العبد أكثر معرفة بالله كان أكثر طاعة وخشية لله. وورود هذه الآية ضمن الآيات الكونية التي تحدَّث الله عنها في أول السورة التي تحدَّث فيها عن الرياح والأمطار، ثم تحدث عن خلق الإنسان، ثم تحدَّث عن الشمس والقمر، ثم تحدَّث عن الجبال وألوانها والدواب والشجر وألوانه؛ ثم قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] لا يعني بالضرورة أن العلماء الذين يخشون الله هم علماء الكون فقط، فالعلماء بالله يعرفون من مخلوقات الله ما يستدلون به على معرفة الله ، ومن عرف الكون وعرف أسرار الطبيعة ولكن لم يعبد الله ؛ فلا تنفعه هذه المعرفة وإن اعترف بالله بلسانه، فلا يغني عن العبودية لله! أقول هذا تنبيهاً بأن هناك كتاباً اسمه الإسلام يتحدى ذكر هذه الآية وذكر جيمس بيكر، وأمثاله من علماء الفلك أنهم يعرفون الله، وكل من عرف الله فقط بتوحيد الربوبية، وأنه خالق الكون، فلا يعد في ديننا عارفاً ولا عالماً بالله حتى يفرده وحدة بالعبودية.

стр. 1856

متى يكون الحب والكره عبادة السؤال ما مدى الحب والكره الذي تتحقق به العبودية؟ الجواب الحب والكره في قلب كل مخلوق، وللحب والكره أنواع، فالنوع الذي تحدد به العبودية يختلف عن الحب الطبيعي أو الحب الفطري، كأن يحب الرجلُ أمه أو أباه أو إخوانه أو أن يحب الطعام أو الشراب فليس هذا هو الحب التعبدي، فالحب التعبدي هو: ما فُعل تعبداً وتقرباً، أو مبنياًَ على العبادة وعلى التعبد والتقرب، أو ما يقتضي الولاء والبراء، كما قال النبي ﷺ : ﴿تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة -إلى أن قال-: إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط﴾ فمن كانت موالاته وبغضه ومحبته للدنيا فهو عبد لها، ومن كانت موالاته ومعاداته لله، فهو عبد لله. فهذا هو الحب التعبدي الذي لا يجوز أن يصرف إلا لله ، وهو ما يقتضي الموالاة والمعاداة.

стр. 1857

تعارض عبودية الله وعبودية الهوى وفائدة الرفقة الصالحة السؤال هل يمكن للقلب البشري الجمع بين عبادتين: عبودية الحق وعبودية الهوى، أو أن ينقسم الدهر بينهما، كمثل أولئك الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان، وماذا عن الرفقة الصالحة، أليست معينة لتحقيق العبودية الحقة الموصلة إلى جنات النعيم؟ الجواب القلب البشري لا يمكن أن يجمع بين عبادتين؛ لأنه كالإناء، فهذا الإناء إذا امتلأ بشيء لا نستطيع أن نضع فيه شيئاً آخر، وإنما تتعارض -للملك لمة وللشيطان لمة- أي: يغفل القلب فيأتي الشيطان فيدخل فيه، فهنا يكون الهوى، فيذكر العبد الله فيخرج الشيطان ويولي، وهنا تكون العبودية لله ، والقلب ما دام ينبض، لا يخلو أبداً من لمة الملك أو لمة الشيطان؛ فأنت بإرادتك وباختيارك إما أن تجعل لمة الملك هي الغالبة عليك وعلى قلبك بذكر الله الذي يطرد الغفلة عن القلب، وإما أن تجعل الشيطان يعشش ويفرخ في القلب بالغفلة عن ذكر الله، وبالغفلة عما أمر الله؛ فهذا الذي يقع في القلب (التعارض بين العبوديتين) لكن! لا يخلو من عبودية لأحدهما، فالذي يقول: أنا لا أعبد شيئاً أبداً لا تصدقه، لابد أنه إما أن يكون عابداً لله أو عابداً للشيطان والهوى. وأما الرفقة فلا شك أنها أحد ما يعين الإنسان؛ إما على الخير بأن يعينه الصالح على الخير، أو رفقة الشر تعينه على الشر وتزينه له. فليحذر المؤمن ولينظر من يخالل؛ فإن المرء يحشر يوم القيامة ويبعث مع خليله، وأما الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان فهؤلاء بئس القوم كما قال السلف.

стр. 1858

متى يكون الخوف عبادة السؤال هل الخوف من غير الله عبادة؟ وما هي أقسام الخوف؟ الجواب الخوف من غير الله قد يكون خوفاً طبيعياً، وقد يكون خوفاً عبادياً، فالخوف الذي هو عبادة هو خوف التعبد كما يخاف أتباع الأولياء وأتباع الطواغيت العباد من دون الله، أي: يخافونهم ويرهبونهم، وإذا ذكر الطواغيت في مجلس من مجالسهم؛ سكتوا كلهم، حتى يظن بعضهم أنه يسمع ذلك، ويظن أن الجن الذين هم موكلون به -الآن- يلتقطون الخبر ويبلغونه للطاغوت؛ فهذا من الخوف الذي يكون لغير الله. مثال من أمثلة الخوف الذي هو لغير الله والذي يكون شركاً، ذكره الله ليبينه لنا، فقال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦] أي: خوفوهم أكثر حتى يدعوهم أكثر، وإلا فإنهم بشر مثلنا، لكن! حتى نعبدهم أكثر خوفُونا أكثر فهذا هو الخوف الذي يجعلك تترك الطاعة، عندما تريد أن تنهى عن المنكر أو تأمر بالمعروف، فتخاف المخلوقين، تخاف -كما يقول بعض الناس- أن يقطعوا عنك الرزق أو يمنعوه، فتدخل في الشرك وأنت لا تشعر بأن الله هو الرزاق ذي القوة المتين؛ أو تخاف إذا أمرت أهلك بطاعة الله؛ أن تهرب إلى بيت أهلها؛ فتتركها على المعصية مثلاً، أو تخاف من أي مخلوق فلا تقول له كلمة الحق بالحكمة أو بالحسنى هنا يكون الخوف المكروه أو المحرم أو الذي قد يرتقي إلى درجة الشرك.

стр. 1859

حكم من يقول: (ساعة لقلبي وساعة لربي) السؤال كثيراً ما نسمع من بعض الناس، أن العبادة يمكن أن يقطعها الإنسان بشيء من الترفيه والتسلية غير المشروعة، ويرددون: (ساعة لله وساعة لك) أو ما شابه ذلك؛ فما رأيكم بأمثال هؤلاء؟ الجواب الذي يقول: إن الإنسان يمكنه أن يقطع العبادة بشيء من الترفيه أو التسلية غير المشروعة، كيف يدعي بعد ذلك أنه في عبادة؟! لأن الذي لم يشرعه الله لا يمكن أن يكون طاعة، ولا يمكن أن يكون عبادة. وأما قضية (ساعة لله وساعة لك)؛ فإنهم يقولونها بغير علم، ولو تأملوا وأدركوا معناها أو بُعدها؛ لوجدوا أنها تعني الشرك؛ لكن لا نعني أن من يقولها مشرك، بل نقول: إن مآل مثل هذه العبارات إلى الشرك، لأنني في وقت أعبد الله، وفي وقت قد أعبد الهوى، في وقتٍ أطيع الله، وفي الوقت الآخر قد أطيع الهوى والشهوة فمآل هذا القول إذا وضع قاعدة في الحياة أنه يعني أنني أُشرك بالله، فأجعل له وقتاً فقط، وأقول له: الوقت الآخر لا تتدخل فيه؛ لأن هذا الوقت (لربك) انتهى، والآن أنا في وقت (لنفسك). ومن هنا نعرف خطورة مثل هذه الشعارات، وهذا القول هو مشتق من المقولة التي يقول النصارى أن عيسى ﵇ قالها: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فهؤلاء أيضاً جعلوها بمعنى آخر أي: (هذا لنفسك وهذا لربك) وإذا قلت لواحد منهم: (اتق الله) قال: يا أخي! الموعظة بالمسجد. ما معنى هذا؟ وكأنه يقول لك: أنا عبد لله في المسجد؛ فإذا رأيتني في المسجد فعظني، لكني في الشارع لا أعبده؛ فكيف تطالبني بذلك وكأنك خرجت من بلد، تطبق عليك قوانينه. فمثلاً: لو أنك خرجت من أمريكا ثم جاء أحدهم يقول لك: إن النظام الأمريكي ينص على كذا وكذا؛ فستقول له: أنا الآن خارج حدود أمريكا، ولا تهمني قوانين أمريكا في شيء، فهؤلاء يقولون: الموعظة في المسجد فقط، فكأني أصبحت خارج الحدود التي يمكن أن تطبق عليَّ فيها شريعة الله، وهذا هو بعينه مكر الشيطان الذي أخرج به النصارى من دين الله فقالوا: هذا لله وهذا لقيصر. أمة العرب قبل البعثة -أيضاً- وقعت في هذا، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام:١٣٨]، وقال: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الأنعام:١٣٦] أي: أولاً: تبدأ القسمة، فهذا لله، وهذا للنفس؛ ثم بعد ذلك الساعة التي نجعلها لله في المسجد، تكون لغير الله! فيدخل الشيطان بالوساوس، وكان الواحد في الصلاة يبيع في الدكان ويشتري ويشوف ويكتب ويقرأ و!! وأما ما كان لغير الله، فإذا كان أحدهم في البيت أو في الدكان فإنه لا يسمع القرآن ولا يذكر الله؛ لأنه يقول لك: أنا الآن تركت ما لله. فإذا كنا نعيش هذا واقعاً تحت مظلة الغفلة عن الله، فنجعله شعاراً ومنهجاً، فإننا نكون قد خططنا للشرك ووقعنا فيه، شعرنا أو لم نشعر بذلك!!!

стр. 1860

واجبنا أمام وجود النظريات الإلحادية في المناهج السؤال ذكرت أن المعلم يكون له دور في العبودية من خلال رسالته العظيمة. فمثلاً: مدرس العلوم يجد -أحياناً- أموراً لا توافق الكتاب والسنة، مثل نظرية التطور لدارون اليهودي فهو بدوره سيخبر الطلبة بهذا العيب، لكن بعض المدرسين لا ينبهون على ذلك، فما رأيكم في هذه المناهج؟ الجواب في الحقيقة مثل هذه النظريات لا تختص بمدرس فقط، لأن المدرس عندما يكون وظيفته كذا أو عمله كذا، نعني به ما هو في حدود عمله هو؛ أما مثل ذلك فهو واجب على الذي وضع المنهج وعلى الوزارة المسئولة عن المنهج، وعلى العلماء المسئولين، وعلى كل من قرأه!! فعندما يكون الأمر أمر نظريات إلحادية شركية، فهنا يجب على كل من بلغته أن يتقدم، وأن يطلب من المسئول أو من بيده الأمر أن يزال وأن يغير هذا المنهج، وأضعف الإيمان أن تقول أمام الطلاب: إن هذه النظرية خاطئة، لكن ذلك لا يكفي، بل لا بد من الكتابة إلى وزارة التعليم أو إلى الوزارة أو إلى العلماء الذين يكون تأثيرهم أقوى من تأثيرنا، فهم يستطيعون أن يغيروا المنهج. وأي عمل يسعى فيه بالجد والاجتهاد فلا بد بإذن الله أن يتحقق التغيير، أو تقوم الحجة؛ لأن الله جعل عمل الأنبياء إقامة الحجة على العالمين.
следующие страницы →