Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
متى يكون الحب والكره عبادة
السؤال
ما مدى الحب والكره الذي تتحقق به العبودية؟
الجواب
الحب والكره في قلب كل مخلوق، وللحب والكره أنواع، فالنوع الذي تحدد به العبودية يختلف عن الحب الطبيعي أو الحب الفطري، كأن يحب الرجلُ أمه أو أباه أو إخوانه أو أن يحب الطعام أو الشراب فليس هذا هو الحب التعبدي، فالحب التعبدي هو: ما فُعل تعبداً وتقرباً، أو مبنياًَ على العبادة وعلى التعبد والتقرب، أو ما يقتضي الولاء والبراء، كما قال النبي ﷺ : ﴿تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة -إلى أن قال-: إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط﴾ فمن كانت موالاته وبغضه ومحبته للدنيا فهو عبد لها، ومن كانت موالاته ومعاداته لله، فهو عبد لله.
فهذا هو الحب التعبدي الذي لا يجوز أن يصرف إلا لله ، وهو ما يقتضي الموالاة والمعاداة.
стр. 1857
تعارض عبودية الله وعبودية الهوى وفائدة الرفقة الصالحة
السؤال
هل يمكن للقلب البشري الجمع بين عبادتين: عبودية الحق وعبودية الهوى، أو أن ينقسم الدهر بينهما، كمثل أولئك الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان، وماذا عن الرفقة الصالحة، أليست معينة لتحقيق العبودية الحقة الموصلة إلى جنات النعيم؟
الجواب
القلب البشري لا يمكن أن يجمع بين عبادتين؛ لأنه كالإناء، فهذا الإناء إذا امتلأ بشيء لا نستطيع أن نضع فيه شيئاً آخر، وإنما تتعارض -للملك لمة وللشيطان لمة- أي: يغفل القلب فيأتي الشيطان فيدخل فيه، فهنا يكون الهوى، فيذكر العبد الله فيخرج الشيطان ويولي، وهنا تكون العبودية لله ، والقلب ما دام ينبض، لا يخلو أبداً من لمة الملك أو لمة الشيطان؛ فأنت بإرادتك وباختيارك إما أن تجعل لمة الملك هي الغالبة عليك وعلى قلبك بذكر الله الذي يطرد الغفلة عن القلب، وإما أن تجعل الشيطان يعشش ويفرخ في القلب بالغفلة عن ذكر الله، وبالغفلة عما أمر الله؛ فهذا الذي يقع في القلب (التعارض بين العبوديتين) لكن! لا يخلو من عبودية لأحدهما، فالذي يقول: أنا لا أعبد شيئاً أبداً لا تصدقه، لابد أنه إما أن يكون عابداً لله أو عابداً للشيطان والهوى.
وأما الرفقة فلا شك أنها أحد ما يعين الإنسان؛ إما على الخير بأن يعينه الصالح على الخير، أو رفقة الشر تعينه على الشر وتزينه له.
فليحذر المؤمن ولينظر من يخالل؛ فإن المرء يحشر يوم القيامة ويبعث مع خليله، وأما الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان فهؤلاء بئس القوم كما قال السلف.
стр. 1858
متى يكون الخوف عبادة
السؤال
هل الخوف من غير الله عبادة؟ وما هي أقسام الخوف؟
الجواب
الخوف من غير الله قد يكون خوفاً طبيعياً، وقد يكون خوفاً عبادياً، فالخوف الذي هو عبادة هو خوف التعبد كما يخاف أتباع الأولياء وأتباع الطواغيت العباد من دون الله، أي: يخافونهم ويرهبونهم، وإذا ذكر الطواغيت في مجلس من مجالسهم؛ سكتوا كلهم، حتى يظن بعضهم أنه يسمع ذلك، ويظن أن الجن الذين هم موكلون به -الآن- يلتقطون الخبر ويبلغونه للطاغوت؛ فهذا من الخوف الذي يكون لغير الله.
مثال من أمثلة الخوف الذي هو لغير الله والذي يكون شركاً، ذكره الله ليبينه لنا، فقال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦] أي: خوفوهم أكثر حتى يدعوهم أكثر، وإلا فإنهم بشر مثلنا، لكن! حتى نعبدهم أكثر خوفُونا أكثر فهذا هو الخوف الذي يجعلك تترك الطاعة، عندما تريد أن تنهى عن المنكر أو تأمر بالمعروف، فتخاف المخلوقين، تخاف -كما يقول بعض الناس- أن يقطعوا عنك الرزق أو يمنعوه، فتدخل في الشرك وأنت لا تشعر بأن الله هو الرزاق ذي القوة المتين؛ أو تخاف إذا أمرت أهلك بطاعة الله؛ أن تهرب إلى بيت أهلها؛ فتتركها على المعصية مثلاً، أو تخاف من أي مخلوق فلا تقول له كلمة الحق بالحكمة أو بالحسنى هنا يكون الخوف المكروه أو المحرم أو الذي قد يرتقي إلى درجة الشرك.
стр. 1859
حكم من يقول: (ساعة لقلبي وساعة لربي)
السؤال
كثيراً ما نسمع من بعض الناس، أن العبادة يمكن أن يقطعها الإنسان بشيء من الترفيه والتسلية غير المشروعة، ويرددون: (ساعة لله وساعة لك) أو ما شابه ذلك؛ فما رأيكم بأمثال هؤلاء؟
الجواب
الذي يقول: إن الإنسان يمكنه أن يقطع العبادة بشيء من الترفيه أو التسلية غير المشروعة، كيف يدعي بعد ذلك أنه في عبادة؟! لأن الذي لم يشرعه الله لا يمكن أن يكون طاعة، ولا يمكن أن يكون عبادة.
وأما قضية (ساعة لله وساعة لك)؛ فإنهم يقولونها بغير علم، ولو تأملوا وأدركوا معناها أو بُعدها؛ لوجدوا أنها تعني الشرك؛ لكن لا نعني أن من يقولها مشرك، بل نقول: إن مآل مثل هذه العبارات إلى الشرك، لأنني في وقت أعبد الله، وفي وقت قد أعبد الهوى، في وقتٍ أطيع الله، وفي الوقت الآخر قد أطيع الهوى والشهوة فمآل هذا القول إذا وضع قاعدة في الحياة أنه يعني أنني أُشرك بالله، فأجعل له وقتاً فقط، وأقول له: الوقت الآخر لا تتدخل فيه؛ لأن هذا الوقت (لربك) انتهى، والآن أنا في وقت (لنفسك).
ومن هنا نعرف خطورة مثل هذه الشعارات، وهذا القول هو مشتق من المقولة التي يقول النصارى أن عيسى ﵇ قالها: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فهؤلاء أيضاً جعلوها بمعنى آخر أي: (هذا لنفسك وهذا لربك) وإذا قلت لواحد منهم: (اتق الله) قال: يا أخي! الموعظة بالمسجد.
ما معنى هذا؟ وكأنه يقول لك: أنا عبد لله في المسجد؛ فإذا رأيتني في المسجد فعظني، لكني في الشارع لا أعبده؛ فكيف تطالبني بذلك وكأنك خرجت من بلد، تطبق عليك قوانينه.
فمثلاً: لو أنك خرجت من أمريكا ثم جاء أحدهم يقول لك: إن النظام الأمريكي ينص على كذا وكذا؛ فستقول له: أنا الآن خارج حدود أمريكا، ولا تهمني قوانين أمريكا في شيء، فهؤلاء يقولون: الموعظة في المسجد فقط، فكأني أصبحت خارج الحدود التي يمكن أن تطبق عليَّ فيها شريعة الله، وهذا هو بعينه مكر الشيطان الذي أخرج به النصارى من دين الله فقالوا: هذا لله وهذا لقيصر.
أمة العرب قبل البعثة -أيضاً- وقعت في هذا، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام:١٣٨]، وقال: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الأنعام:١٣٦] أي: أولاً: تبدأ القسمة، فهذا لله، وهذا للنفس؛ ثم بعد ذلك الساعة التي نجعلها لله في المسجد، تكون لغير الله! فيدخل الشيطان بالوساوس، وكان الواحد في الصلاة يبيع في الدكان ويشتري ويشوف ويكتب ويقرأ و!! وأما ما كان لغير الله، فإذا كان أحدهم في البيت أو في الدكان فإنه لا يسمع القرآن ولا يذكر الله؛ لأنه يقول لك: أنا الآن تركت ما لله.
فإذا كنا نعيش هذا واقعاً تحت مظلة الغفلة عن الله، فنجعله شعاراً ومنهجاً، فإننا نكون قد خططنا للشرك ووقعنا فيه، شعرنا أو لم نشعر بذلك!!!
стр. 1860
واجبنا أمام وجود النظريات الإلحادية في المناهج
السؤال
ذكرت أن المعلم يكون له دور في العبودية من خلال رسالته العظيمة.
فمثلاً: مدرس العلوم يجد -أحياناً- أموراً لا توافق الكتاب والسنة، مثل نظرية التطور لدارون اليهودي فهو بدوره سيخبر الطلبة بهذا العيب، لكن بعض المدرسين لا ينبهون على ذلك، فما رأيكم في هذه المناهج؟
الجواب
في الحقيقة مثل هذه النظريات لا تختص بمدرس فقط، لأن المدرس عندما يكون وظيفته كذا أو عمله كذا، نعني به ما هو في حدود عمله هو؛ أما مثل ذلك فهو واجب على الذي وضع المنهج وعلى الوزارة المسئولة عن المنهج، وعلى العلماء المسئولين، وعلى كل من قرأه!! فعندما يكون الأمر أمر نظريات إلحادية شركية، فهنا يجب على كل من بلغته أن يتقدم، وأن يطلب من المسئول أو من بيده الأمر أن يزال وأن يغير هذا المنهج، وأضعف الإيمان أن تقول أمام الطلاب: إن هذه النظرية خاطئة، لكن ذلك لا يكفي، بل لا بد من الكتابة إلى وزارة التعليم أو إلى الوزارة أو إلى العلماء الذين يكون تأثيرهم أقوى من تأثيرنا، فهم يستطيعون أن يغيروا المنهج.
وأي عمل يسعى فيه بالجد والاجتهاد فلا بد بإذن الله أن يتحقق التغيير، أو تقوم الحجة؛ لأن الله جعل عمل الأنبياء إقامة الحجة على العالمين.
стр. 1861
كيف نعبد الله طوال اليوم
السؤال
عندما تقول لشخص: إنه لم يخلق إلا للعبادة، فإنه يقول: أتريد أن أصلي كل اليوم، فما هو الرد على مثل هؤلاء؟
الجواب
نقول له: اتق الله كل اليوم، ﴿اتق الله حيثما كنت﴾، كما قال النبي ﷺ ، وإن كانت الصلاة بمعنى الركعات المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، فلا نقول لك: صلِّ إلا الصلوات الخمس، وما يسر الله لك بعدها من النوافل، وإن كانت الصلاة بمعنى العبادة، فنعم يجب أن تعبد الله طول اليوم! حتى ولو كنت نائماً؛ كما قال معاذ ﵁ ﴿إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي﴾ هؤلاء الرجال الذي ثاروا قليلاً وربحوا كثيراً، ينام ويحتسب النوم، ويقوم والنوم في ميزانه! ويأتي بعض العبَّاد الذين اجتهدوا طول الليل في العبادة يأتون وهذه العبادة مردودة عليهم، بل تضرب بها وجوههم لماذا؟ هنا نعرف قيمة الصحابة ﵃ ونعرف لماذا نحن متأخرون ومنحطون في كل مجال، وهم متفوقون في كل مجال؟ فقد عرفوا كيف يسيرون، وعرفوا العبادة بمعناها الواسع العظيم، فالواحد منهم كان يتعبد بما يسر الله له ثم ينام، وكلها محسوبة، أما نحن فيقول شبابنا مثل هذه الكلمة! ثم نقول: لماذا نحن متأخرون؟! بل حقنا والله أن نتأخر!! وسوف نزداد تأخراً إلا أن يمن الله علينا بالتوبة.
стр. 1862
الانحراف وأسبابه
السؤال
هل للانحراف عن الطريق المستقيم سببان: (الشهوات والأهواء فقط) أم أن هناك أسباباً أخرى؛ كالتقليد وتعود الإنسان على أشياء معينة غير جائزة؟
الجواب
إن أدخلت التقليد والعادات ضمن الأهواء فتكفي، ولا حرج في عد أسباب أخرى؛ لأن الله يقول في الوصايا التي قال عنها عبد الله بن مسعود: [[من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ هذه الآيات من آخر سورة الأنعام]] ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].
فطريق الله واحد؛ أما السبل فكثيرة! أودية يهلك فيها البشر؛ فمنهم من يهلك في أودية الشبهات، ومنهم من يهلك في وادي الشهوات، ومنهم من يهلك في وادي التقليد، ومنهم من يهلك في وادي البدعة، ومنهم من يهلك في وادي كذا، والشيطان لا تتوقف مكائده، فكل يوم يأتي بمكيدة، ويأتي ببدعة ويأتي بضلالة، ويأتي بسبيل جديد؛ ليضل الناس عن سبيل الله .
стр. 1863
اختصار كتب السلف، وهل ابن القيم صوفي
السؤال
ظهر كتاب تهذيب مدارج السالكين (لابن القيم) لعبد المنعم صالح العلي؛ فما رأيك في: أ- اختصار كتب السلف الذي انتشر مؤخراً.
ب- ذكر المهذب في أحد عناوينه بأن ابن القيم صوفي؟
الجواب
لا نستطيع أن نحكم حكماً عاماً مطلقاً على المختصرات، وإنما هي أنواع، والسلف أيضاً اختصروا الكتب؛ فمن كان على عقيدة صحيحة، وغرضه سليم، واختصر جزءاً من كتاب أو كتاباً كاملاً لإفادة الناس أو لإفادة طبقة معينة يشق عليهم الرجوع إلى الكتاب الكبير؛ فهذا لا حرج فيه -إن شاء الله تعالى- على ألاَّ يمنع ذلك القارئ فيستغني عن الأصل؛ لأن الأصل مهم.
وأما أن يكون المختصر صاحب بدعة وهوى، يشوه كتاباً من كتب السلف، أو طالب شهرة، فبعض الناس مغمور لا يعرفه أحد، لكن يعرف أن ابن تيمية وابن كثير وابن القيم مشهورون، فيربط الاسم المغمور بالاسم المشهور حتى يشتهر، ويختصر -والاختصار سهل غالباً- خاصة على تصور أي كتاب، فينزع ورقة، وينزع الأساليب، ويحذف كذا سطر ويترك الباقي، ثم يعطيه المطبعة؛ فيصدر كتاباً ويصبح شيخاً، فيذهب للمكاتب، ويقول: اشتروا مني خمسين ألف نسخة ووزعوها؛ لأني أصبحت مؤلفاً وعندي علم فهذا ونيته التي أراد.
أما قول المهذب بأن ابن القيم صوفي، فأظن الأجابة مرت عليه فيما سبق، بل ابن القيم ﵀ في هذا الكتاب نبه على كثير من أخطاء الصوفية، لكن لا ننسى قضية معينة وهي أن بعض الناس يقولون: (إن في كتب شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية وابن القيم ميل إلى التصوف أو أحياناً تساهل معهم أو شيء من هذا القبيل) وإن الذي يقرأ كتب شَيْخ الإِسْلامِ وتلميذه شَيْخ الإِسْلامِ ابن القيم قراءة واضحة وجادة ومتعمقة، يجد أنهما عندما يتكلمان عن الفكرة أو عن المبدأ بعيداً عن الأشخاص كأن يتكلم عن وحدة الوجود فلا يتردد أنها كفر، أو يتكلم عن الفناء، يقول كفر، وعندما يتكلم عن كفريات الصوفية يطلق عليها الكفر ولا يتردد، فيقول عن ابن عربي -مثلاً- أو التلمساني أو السهروري بأنهم كفار، لكنه عندما يتكلم عن الجيلاني أو مؤلف (منازل السائرين) الذي شرحه ابن القيم في (مدارج السالكين) تجد أن الكلام يختلف؛ لأنك لم تعش في واقع أو في عصر وهناك شخص يُعبد مثل عبد القادر الجيلاني.
والآن فأكثر المسلمين في الهند وفي أفريقيا يعبدون عبد القادر الجيلاني، وتسمعهم ينشدون ويرددون:
عبد القادر يا جيلاني يا متصرف في الأكوان!
كانوا يرددونها في الحلقات! وإذا كانوا في الطائرة، وحصلت مطبقات جوية يقولون: (يا جيلاني يا جيلاني) تصيح بها الطائرة كلها وهم حجاج!! فهناك عبودية غريبة له.
فأنت في هذا الواقع لو جئت وقلت لهم: هذا فلان كذا فأنت مخطئ؛ لأن عبد القادر الجيلاني لم يكن يدعو إلى عبادة نفسه.
ثانياً: أنك تثيرهم فلا يستفيدون من دعوتك، بل تأتي بكتب الجيلاني التي يقول فيها -مثلاً- لا يكون البعد لله ولي إلا إذا كان على عقيدة أحمد بن جنبل.
تقول: يا جيلانية، هذا الجيلاني يقول هذا الكلام، ما رأيكم؟ ثم تقول لهم: التصوف الذي أنتم عليه تصوف لا يقتضي منكم الشرك، ولا يقتضي منكم دعاء هذا الرجل؛ لأن الرجل يريد أن تكونوا على طريق الله فتعبدوا الله وحده.
كمثل الشيخ أبو بكر الجزائري فإنه من أعداء التصوف؛ لكن له كتيب إلى التصوف يا عباد الله فالرجل لا يريد به أن يدعو إلى التصوف، لكن يضع لهم هذا الاسم لعلهم ينقادون إليه.
على كل حال! نحن لا نقول: هذه وجهة صحيحة أو خاطئة، لكن نقول: أنت عندما تتعامل مع واقع صوفية، لا تصدمهم وتواجهم مواجهة؛ فمن باب الحكمة والدعوة أنك تأخذ معهم المنهج السليم فشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية وابن القيم وُجدا في وقت كانت الصوفية طاغية حتى على علماء الحديث الذين يذكرون كلام الله ورسوله، وعلماء التفسير، فكان لا بد لهم إذا جاءوا في مواضع العامة أن يأتوا بكلام ظاهره يقبل حتى لا يثيروها، هذا أحد الأسباب عملياً ودعوياً، فأنت تدعوهم، ومن باب دعوتهم إلى العقيدة الصحيحة، لا تبدأ بأن تصدمهم بعقائد معينة تظهر منهم؛ لكن عندما تتحدث عن البدعة المجردة أو عن الدين نفسه أو عن الشرك مجرداً؛ تقول ما تشاء، ولذلك تجد في فتاوى شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية، أمثلة لهذا وهذا؛ لأنه ذهب إلى مصر مطروداً، فإذا وصل إلى هناك، لا يستطيع أن يقول لهم: هذا ضلال وهذا كفر -بهذه المواجهة- وإنما يأتي من باب أوسع وأرحب قليلاً، فلا يعني هذا أنه من التناقض.
فعندما يعالج الإنسان واقعاً معيناً قد يأخذ بنوع من الحكمة ومن التدرج، لا يفطن إليها من يعيش بعيداً عن هذا الواقع.
стр. 1864
الخشوع في الصلاة
السؤال
مما نجد في حضارة العبودية في هذا العصر، هو أن العبادة هي تلك الحركات الخالية من أي خشوع، فما هو العلاج لذلك؟
الجواب
يجب أن نعبد الله كما شرع، فالصلاة يجب أن نقيم هيئتها كما صلاَّها النبي ﷺ ، لأنه مما يجعلك تخشع، أن تقيم العمل كما أمر الله، فنعلم أنها بالقلب، والخشوع هو روحها، والطمأنينة هي لبها، والعلاج لذلك هو دوام الخشوع ودوام الذكر واستحضار معاني الآيات والصلاة كأنك مودع كل منا يعاني من هذه المشكلة، لكن بقدر ما تجاهد نفسك على أن تكون صلاتك على أكمل وجه؛ فالله يستجيب لك.
стр. 1865
كتاب الإيمان حقيقيته وأركانه
السؤال
كتاب (الإيمان حقيقته وأركانه) لـ محمد نعيم ياسين سمعنا أن فيه بعض الأخطاء العقدية خاصة في قضية خلق القرآن، فهل هذا صحيح؟
الجواب
الذي أعرفه أن هذا الكتاب ليس لصاحبه فيه جهد مستقل، فهو اختصر وجمع من عدة كتب، ولا أذكر الآن أن في مسألة خلق القرآن خطأ، ولا أذكر صواباً لأني بعيد عهد به، فلا أستطيع أن أجيبك، لا بنعم، ولا بلا؛ لكن إذا كان الكتاب يتحدث عن القرآن بأن لله تعالى كلامين: كلام نفسي قائم بذاته، وكلام لفظي؛ فهذه هي البدعة التي يخشى هو وأمثاله أن يقعوا فيها، وهي من كلام الأشاعرة إذا كانت هكذا.
أما إذا ذكر أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولم يتجاوز ذلك، أو ذكر أقوال السلف فيه -وهذا الذي أظنه وأرجحه- فليس هناك خطأ، لأن الحكم على أشياء وهي غائبة يوجد اللبس، لكن عندما يكون النص الذي تشك فيه أمامك فمن الممكن أن يعرف هل فيه خطأ أم لا.
стр. 1866
ترجمة علوم اليونان (فائدتها- وخطرها)
السؤال
هل يفهم من حديثكم عن الترجمة في عهد المأمون أن الحضارة الإسلامية لم تستند إلى علوم الإغريق واليونان في الطب ولا الهندسة ولا الرياضيات وغيرها من العلوم؟
الجواب
فرق بين أن نتلقى عن غيرنا وبين أن نستفيد من علمه، بل يجب أن نستفيد من علوم غيرنا والحكمة ضالة المؤمن، فقد استفاد المسلمون في الطب والهندسة وغيرها من العلوم.
من اليونان ومن غيرهم، وعدَّلوا وأضافوا وشرحوا وزادوا، وإنما كان الكلام مقتصراً في قضية التعبد، فإذا أخذنا عن غير الله ما نعبد به الله وما نعرف به الله، فهنا يأتي الضلال.
نضرب لكم مثالاً على ذلك: فمثلاً اليونان تكلموا عن الله كلاماً مجرداً فهم يقولون: إن الله وجود مطلق لا يوصف بأي صفة، وإذا كان لا بد أن يوصف، يوصف بالنفي فقط، ليس بكذا ولا بكذا، فلما جاءوا إلى قضية بديهية عندنا جميعاً وهي قضية أين الله ؟ هم يقولون: لا داخل العالم ولا خارجه!! وهكذا كان اليونان يعتقدون؛ لأنه هو ليس شيئاً عندهم، فهو مجرد وجود مطلق لا يوصف بشيء! فقالوا: لا داخل العالم ولا خارجه! وهذه عقيدتهم.
فجاء المسلمون ولم يهتموا بنقل الطب أو العلوم، بل نقلوا هذه العقيدة؛ وكما يذكر شَيْخ الإِسْلامِ ابن القيم أن الأدلة على علو الله على خلقه تقارب الثلاثة آلاف دليل، فهي بالآلاف ومن أوضحها دليل الفطرة، فكل مخلوق يشعر أن الله فوق، حتى رائد الفضاء الملحد الشيوعي لما صعد على المركبة إلى الفضاء، ثم نزل إلى الأرض، قال: (لما صعدت رأيت الله) أي: آمنت بوجود الله، فاضطره استالين أن يغير عبارته إلى (لما صعدت لم أجد الله)، أي: على مذهبه الكافر.
أي: لو أنه موجود فسيكون فوق، وهذه هي الفطرة البشرية؛ لكن أخذ المسلمون عقيد أن الله لا داخل العالم ولا خارجه، وكتاب المواقف في العقيدة -وهو الذي يُدرَّس الآن في معظم الجامعات في العالم الإسلامي خارج المملكة - يقول: 'إن الله لا داخل العالم ولا خارجه'.
إذاً: فالشاب الأوروبي الذي هرب من دين النصارى لأنه يقول: (الله ثلاثة: الأب، والابن، وروح القدس) - أي: ثلاثة تساوي واحد- فقال: هذه عقيدة لا يقبلها العقل، وأنا أرفض هذه العقيدة وألحد بها أو آمن بنظرية دارون أو غيرها ثم رفضها؛ لأنها لا يقبلها العقل، أفنأتي نحن أمة القرآن ونقول له: تعال! أنت لا تريد تلك العقيدة، فعندنا العقيدة الصحيحة ما هي؟! نقول له: الله لا داخل العالم ولا خارجه! فهل يؤمن؟! لا يمكن أبداً! هنا نعرف جناية هذه العلوم وهذه البدع وجناية العقائد المحرفة على دين الله .
стр. 1867
حقيقة حب الرسول ﷺ
السؤال
بعض الناس يقولون: إننا لم نحب الرسول لذاته بل نحبه ونتبع ما جاء به، نرجو توضيح ذلك؟
الجواب
الغلو قد يذهب بالإنسان في ما لم يشرعه الله ، فلماذا نفرق (لذاته أو لما جاء به)؟ فبمقتضى أنه (رسول) الله ﷺ ؛ فنحن نحبه ونجله ونعظمه، والصحابة ﵃ كانوا يحبون رسول الله ﷺ وكانوا يتسابقون على ما بقي من وضوئه، وكانوا إذا دخل بيت أحدهم -كما في الأحاديث الكثيرة- كانوا يطلبون منه أن يصلي في البيت، يتبركون به ﷺ ، فلما شرب من قربة أحدهم؛ قطعوا الفم لماذا؟ تبركاً؛ لأن النبي ﷺ لمسه، ومن كانت له شعرة من شعر الرسول ﷺ كان يحتفظ بها.
فنحن لا نغلو ولا نريد أن نلغي هذه أبداً، إنما إنكارنا على أهل البدع أنهم يتحدثون عن معجزات ما قبل المولد ثم عن المولد ثم انقطع الحديث!! فيتركون الهداية والنور والدين والدعوة، ويتعلقون بتقديس خيالي وهمي يجعل السيرة وكأنها خيالات وأوهام فقط! فالنبي ﷺ عندهم لم يأت ليخرج الثقلين من العبودية لغير الله، أو ليحرر العالم، ولا يذكرون إلا أنه سقطت الشرفات والبحيرة جفت، وكذا وكذا والشجرة صار لها كذا والحجر كلمه والجذع نطق، هذه بعضها صحيح، لكنه جزء فقط مما جاء به النبي ﷺ ، ومن تعظيم النبي ﷺ عندهم، وأنهم يشركون بالله، ويدعون النبي ﷺ ، ويستغيثون ويكتبون كتب الاستغاثة بالرسول، ويسمون أبناءهم: عبد الرسول، فإذا أنكرت عليهم، قالوا: أنت لا تحب رسول الله.
والخلاصة: أننا نحب الرسول ﷺ لذاته ولما جاء به، ولا نفرق ولا نتنطع.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 1868
كلمة وموعظة
تحدث الشيخ حفظه الله عن أهمية دعاء الإنسان لنفسه ولأخيه بظهر الغيب، مبيناً ترغيب الله لعباده في دعائه، وأن حفظ الله لأوليائه إنما يكون بقدر قربهم منه ومداومتهم على طاعته، وختم الحديث بالدعوة إلى التوبة، والحرص على مجاهدة النفس وكبحها عن المعاصي والذنوب.
стр. 1869
الدعاء
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد: الدعاء من الأمور التي قد لا يتفطن لها كثير من الناس، فالإنسان يدعو لنفسه وقد يستجاب له، وربما لا يستجاب له لموانع موجودة في هذا الشخص، وهي كثيرة منها: ما ذكره النبي ﷺ حين قال: ﴿إنَّ الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله قد أمر عباده الصالحين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون:٥١] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!﴾ نسأل الله العفو والعافية.
стр. 1870
موانع الدعاء وما يزيلها
فموانع الدعاء كثيرة منها:- أكل الحرام، ومنها ما يتعلق بطريقة الدعاء، كأن يدعو الإنسان دعاءً معتدياً، والله ﵎ نهى عن ذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٩٠] فالاعتداء في الدعاء كأن يدعو بما لا يليق بالله أن يستجيب له، كأن يدعو بإثم أو قطيعة رحم، وما أشبه ذلك من موانع إجابة الدعاء.
فلو دعا الإنسان لنفسه بأمر، وأخل بأدب من آداب الدعاء، فربما تخلف كله لوجود مانع يمنع هذه الدعوة من الإجابة، إلا أن هناك أمراً يزيل كل هذه الموانع، وتستجاب الدعوة -بإذن الله- وهذا الأمر هو الدعاء بظهر الغيب كما أخبر النبي ﷺ : ﴿يقول الملك: آمين! ولك مثل ذلك!﴾ فيستجاب له في أخيه، وينادي الملك: ولك مثل ذلك.
والحكمة ظاهرة في هذا: لأنك بدعائك لأخيك تنتفي شبهة حظ النفس التي قد تفسد الإخلاص أحياناً، أما في دعائك لأخيك في ظهر الغيب، فالإخلاص فيه واضح؛ لأنه لا يعلم ولا يدري عنك أحد، وإنما أنت تنادي وتناشد وتتضرع إلى علام الغيوب فيما بينك وبينه أن يفرّج عن أخيك هذه الكربة، وأن يرزقه، ويحفظه، ويعافيه، بما يفتح الله لك به من الدعاء لأخيك فالإخلاص متحقق، فمن هنا كانت هذه الدعوة جديرة بالإجابة.
стр. 1871
أمر الله لنا بالدعاء
يقول الله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] فيجب علينا أن نستجيب لله وأن ندعو الله ونتضرع إليه، كما قال الشاعر:
الله يغضب إن تركت سؤاله وبُني آدم حين يُسأل يغضب
فهكذا حال الناس، فأكرم الناس في الأرض حتى لو كان أباك ولو كان أصلح الناس؛ لأنه لو طلبت منه شيء فقد يرفض ذلك، وهذا طبيعي، حتى الأم، ومعلوم أنه ليس هناك أحد أشفق على أحد مثل شفقة الأم على ولدها وعلى رضيعها، ولذلك ضرب بها النبي ﷺ المثل عندما رآها وهي تحتضن طفلها، فقال: ﴿أرأيتم هذه المرأة أكانت واضعة طفلها في النار؟! قالوا: لا! فقال: لله أرحم بعباده من هذه الأم بوليدها!!﴾ إذاً فالله أكرم كريم ، وهو الكريم الذي يده ممدودة بالعطاء: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤].
حتى أعداؤه شملهم عطاؤه، قال تعالى: ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠] ماذا لو كان عطاء الله خاصاً بالمؤمنين! فمن يرزق الكافرين؟! ومن يرزق المنافقين؟! لا أحد! فالرازق هو الله : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢].
стр. 1872
إجابة الله لدعاء المضطر
المضطر إذا دعا الله سواء أكان براً أم فاجراً، فإن الله هو الذي يجيبه، وهذا من فضل الله ﵎ ومن سعة رحمته أنه يريد أن نسأله، ويحب أن نتضرع إليه، وبقدر الضراعة، والذل الذي يظهر منك، والخشوع والانكسار والافتقار بين يدي ربك؛ يكون رجاؤك بالإجابة، فليس قولك: (يا رب! اعطني) هو ضراعة، بل الضراعة هي التي تكون مثل دعاء نبي الله يونس ﵇ حين دعا الله بضراعة وخشوع، لأنه لا منجى ولا ملجأ من الله إلا إليه فعندما تُشعر نفسك بالافتقار إلى الله يستجيب لك، وإذا كان الأمر كذلك، فهل أنا فعلاً فقير إلى الله؟! أم أني لا أفتقر إلى الله إلا وقت الحاجة؟! كثير من الناس لا يدعون الله إلا في وقت الحاجة! إما بسبب مرض أو مشكلة تقع أو غيره.
نحن مفتقرون إلى الله ﵎ في كل لحظة، وفي كل دقيقة، بل وحتى في النفس الواحد! وكم من الناس من يتنفس ثم فجأة لا يستطيع أن يتنفس! هذا القلب الذي ينبض لو ضعف نبضه؛ لمرض الإنسان وأسعف إلى المستشفى، وربما مات أو صار في حالة عصيبة، وهكذا في كل لحظة -أيها الأحباب- نحن مفتقرون إليه : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥].
стр. 1873
حفظ الله لأوليائه
إذا افتقرت إلى الله أغناك عن الناس وكنت عزيزاً عندهم؛ لأن علاقتك قوية بملك الملوك الحي القيوم الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، والذي لا تنضب خزائنه، والذي يفعل ما يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويرفع من يشاء، ويضع من يشاء، ويحيي من يشاء، ويميت من يشاء، ويضحك من يشاء، ويبكي من يشاء فكل شيء بيده.
وبقدر قربك منه تكون هذه الأمور كلها ميسرة لك، ويقول الله ﵎ في الحديث القدسي: ﴿من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولأن استعاذني لأعيذنه﴾ الله أكبر! كل هذا بسبب التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض! والمهاجرين والأنصار يوم بدر وقفوا ذلك الموقف، قال ﵊: ﴿وما أدراك يا عمر! لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم﴾.
وقفوا لله هذا الموقف، فكانت هذه هي المكرمة من الله، وهكذا فإن كل من يقف مع الله فإن الله يكرمه ويحفظه، وحب الله له يكون بقدر قربه من الله، وكلما كان هذا القرب محفوفاً بالمخاطر والمضار -والنفس لا تريد ذلك- بقدر ما يكون هذا القرب من الله ، وإذا علمت أن كل هؤلاء الذين يعادونك ويحاربونك، ويحاولون أن يثنونك عن القرب من الله والسير إليه، إذا علمت أنهم جميعاً خلق الله وهم عبيد له؛ هانت عليك المضار، والمهم في ذلك أن تعمل لله وعلى منهج رسول الله ﷺ ، أما ما عدا ذلك فهو المتكفل به، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
فماذا كانت النتيجة يا ترى؟ كانت كما قال الله فيهم بعد ذلك: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٤] الله أكبر! وقال في آية الأحزاب: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥] وعندما يرى المسلم هذه الأمور، ويرى هذه اللفتات، فيزداد إيماناً، وتسليماً، ويقيناً، ويعلم أنه لا بد منها في إيمانه.
стр. 1874
كيف تحفظ جوارحك ؟
تكلم الشيخ حفظه الله عن ضرورة شكر نعم الله التي أنعم بها على عباده، وأن من هذه النعم نعمة الجوارح، مبيناً أن هذه الجوارح إنما تصلح بصلاح القلب وتفسد بفساده، وحذر من أسباب فساد القلب، وتطرق لسوء الظن وضرره على القلب، وكيف فعل سوء الظن والحسد بأهل الأهواء والمنافقين، ثم أتى بكلام نفيس لشيخ الإسلام ابن تيمية بين فيه قواعد عظيمة في التعامل مع المؤمنين في أوقات الاختلاف، مبيناً فضل الصبر في هذه الحال.
стр. 1875
شكر نعمة الجوارح
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:- فنحمد الله ﵎ ونشكره على ما منَّ به علينا من النعم، ونسأله ونتضرع ونتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل لنا ذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً، وعملاً صالحاً مقبولاً، وقلوباً وأبصاراً سليمة، وألسنة كافة عما حرم الله ﵎، وجوارحاً تستعمل في طاعته، ولا يستزلها الشيطان لتعمل في معصيته.
ثم إن الموضوع الذي أريد أن أتحدث به ليس هو بجديد عليكم، ولكن التذكير به واجب، لأن يجب علينا أن نتذاكر به نحن طلبة العلم، كما يجب علينا أن ننصح لعامة الأمة، فإن كثيراً من الأدواء والعلل قد تعتري قلوبنا ونحن لا نعلم بها، بل ربما تصيبنا بعض الآفات الخطيرة ونحن مشغولون بمعالجة أدواء الناس، ونعوذ بالله من ذلك ونستجير به أن نكون ممن قال الله ﵎ فيهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] ومن هنا كان التذكير واجباً، فكل منا عرضة لمثل هذه الذنوب والعيوب، ولا سيما في زمن كثرت فيه الفتن والمثيرات، وكثر فيه الإفساد، وقل الناصحون.
فالواجب علينا جميعا أن نوصي أنفسنا، ويوصي بعضنا بعضاً بحفظ هذه الجوارح التي ائتمننا الله ﵎ عليها، فإن الله لما قال ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] فإنه يدخل في ذلك حفظ هذا البدن الذي أعطاك الله ﵎ إياه وامتن به عليك، كما قال الله : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨] وهذا فيه حض وحث وتنبيه أن نشكر نعمة الله ﵎ على ما أعطانا من هذه الأعضاء ومن هذه الجوارح، والتي ميزنا الله بها عن سائر خلقه، وفضلنا بها عن باقي ما خلق من الدواب.
فجعل لنا سمعاً وأبصاراً وأفئدة وعقولاً نهتدي بها، ونعرف الحق من الباطل، والهدى من الضلال، والتوحيد من الشرك، والسنة من البدعة، والطاعة من المعصية، والحسنة من السيئة، ونعمل بمقتضى ذلك بجوارحنا الظاهرة، لأن هذه من نعم الله العظيمة، والواجب فيها أن نشكر الله ﵎ عليها، وأن نراعي حق الأمانة الذي ائتمنا عليها، فالمال أمانة، واليد أمانة، والعين أمانة، والقلب أمانة، وكل ذلك مما يجب علينا جميعاً أن نحفظه، وأن نعتني ونهتم به، ونتوقع السؤال عنه بين يدي الله ﵎، كما قال : ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦].
فلا يغرن العبد منا شيطان من شياطين الإنس أو الجن، فيحسب أنه غير مسئول، وأنه يفكر كما يشاء، ويعتقد ما يشاء، وينظر إلى ما يشاء، ويتناول بيده ما يشاء، ويعمل بفرجه ما يشاء، ويمشي برجليه إلى حيث شاء، من قال لك ذلك؟ ومن قال لك هذا؟! إنك عبد، ولا يخرج واحد منا عن عبودية الله ﵎ بحال من الأحوال، والعبد مأمور أن يستخدم ما أعطاه سيده فيما أمره به لا فيما نهاه عنه، والله ﵎ يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] واليقين هو الموت، كما قال الله ﵎: ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر:٤٧] وكما جاء في حديث عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه عندما قال ﷺ : ﴿أما عثمان فقد أتاه اليقين من ربه﴾ فلا بد أن نعبد الله حتى الموت.
فلا ينتهي عقد الأمانة الذي ائتمنك الله ﵎ عليه إلا بموتك، فحينئذ ينتهي هذا العقد، أما ما دمت حياً فأنت مسئولٌ عن هذه الأعضاء، والجوارح جميعاً، ألا تستخدمها إلا فيما أمرك به سيدك وخالقك، وربك الذي أعطاكها، ومنّ بها عليك وقد حرمها كثيراً من الخلق.
فكثير من الخلق لم يرزقه الله ﵎ قلباً يعقل به فتراه مجنوناً، فاحمد ربك الذي أعطاك العقل والفؤاد لتعي وتتذكر كلما رأيت من لا عقل له، واعلم أن الواجب عليك أن تستخدم قلبك وفكرك وعقلك في طاعة الله ﵎، وبعض الناس خلقه الله ﵎ لا بصر له مطلقاً، فإذا رأيت أحداً من ذلك فاذكر نعمة الله تعالى عليك، واحمد الله الذي أعطاك عينين تبصر بهما وترى وتميز وتستخدمها في حياتك فيما ينفعك في الدنيا والآخرة، وبعض الناس لم يعطه الخالق ﵎ -وله في ذلك حكمة- أذنين، وقد أعطاكها فأنت تسمع بهما، فاحمد الله ﵎ واشكره ولا تسمع بهما إلا ما يرضي هذا المنعم المتفضل ﵎.
стр. 1876
تقلب القلب بين الصلاح والفساد
ويجب علينا جميعاً أن نعلم أن أهم هذه الأعضاء التي يجب أن نبدأ بها ونصلحها هو القلب، كما قال ﷺ : ﴿ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب﴾ هذا الارتباط العجيب بين القلب وبين الأعضاء قال فيه أبو هريرة ﵁، وجاء -أيضاً- عن غيره من السلف أنه قال: [[القلب ملك والأعضاء جنوده]].
فقال شَيْخُ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀: 'إن قول رسول الله ﷺ كما في الحديث المتقدم أبلغ وأبين من قول أبي هريرة ﵁ ومن قال هذه العبارة، لأن الارتباط بين الأعضاء والقلب ارتباط عضوي لا يمكن أن يختلف ولا يمكن أن ينفصل، أما الارتباط في الصلاح والفساد بين الملك وجنوده، فهذا قد يقع فيه الاختلاف، فربما صلح الملك وفسد الجنود، وربما فسد الملك وصلح الجنود، وربما فسد الملك وصلح بعض الجنود وفسد بعضهم'.
فهذا البيان من رسول الله ﷺ أبلغ البيان في أن القلب إن صلح صلح الجسد كله، وإن فسد فسد الجسد كله، وأن مادته مادتان: مادة صلاح ومادة فساد فهو للأغلب منهما، ولهذا تجد أن كثيراً من الناس يعمل بالطاعات ويخلطها بالمعاصي، لأن القلب تمده مادتان، مادة خير وصلاح وحياة وذكر واعتبار ووعظ، ومادة أخرى وهي مادة فساد وشهوة وشبه وما إلى ذلك، نسأل الله أن يحفظنا وإياكم.
стр. 1877
أساس سلامة القلب
وقد جاء في دعاء إمام الموحدين خليل الرحمن إبراهيم ﵇ ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٧ - ٨٩] فسلامة القلب هي دليل ومعيار النجاة من عذاب الله ﵎، ومن الخزي يوم القيامة وشدته، وعبوسه، وكرباته، كل هذا يكون بسلامة القلب، وسلامة القلب تكون بأمرين لا يجوز أن نغفل عنهما، بل يجب أن نعلمهما: أما الأول: سلامته من الشبهة، وأعظم ما ينبغي في ذلك أن يسلم القلب من الشرك بالله ﵎، وألا يكون في قلب العبد المؤمن شيئاً من الشرك لغير الله سواء كان ذلك بالتقرب، أو بالتأله في الدعاء، أو التوكل، أو الخشوع، أو الخوف، أو الرجاء، وفي أصول هذه الأعمال التي هي أساس أعمال القلب، فليحذر العبد أن يكون مشركاً مع الله ﵎ بشيء من هذه الأعمال والتعبدات.
ويجب أن تكون هذه الأعمال خالصة لله ﵎، فيسلم القلب من الشرك، ويسلم من الشبهة التي تدفعه إلى الابتداع ومخالفة سنة رسول الله ﷺ الذي أمر الله بطاعته واتباعه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤] ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١].
فلا بد أن يتواطأ هذا القلب ويتفق اتفاقاً كاملاً مع ما جاء به رسول الله ﷺ ، فلا تنقدح فيه شبهة من شبه أهل البدع والضلال، إما بميل إلى رأي أهل الغلو كـ الخوارج ومن ماثلهم، أو ميل إلى رأي أهل التفريط كمثل رأي أهل الإرجاء وأشباههم، أو أن يعبد الله ﵎ بما لم يشرعه، كما يفعله أهل التصوف وأشباههم، كل ذلك لا يصح وإنما الواجب السلامة منها، فالقلب السليم هو الذي سلم من الشبهات ومن المعارضات، والمنازعات والمدافعات، فكل ما شرعه الله وشرعه رسول الله ﷺ فهو الحق الواجب اتباعه والإذعان له ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
فصاحبه مذعن منقاد مستسلم بقلبه، لا يبحث إلا عن صحة الحديث، فإذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ وثبت وكان معناه معلوماً لديه، فهو يعتقده إن كان من الخبريات والاعتقاديات، ويعمل به ويمتثله إن كان من العمليات، فهذا هو الجانب الأول: السلامة: أي سلامة القلب من الشبهات.
الثاني: سلامة القلب من الشهوات: وهي كثيرة -نسأل الله العفو والعافية- وهي التي تدفع الإنسان إلى أن يخرج عن الجادة وعن الطريق المستقيم، ينحرف عن طريق الجنة إلى طريق النار، كما قال ﷺ : ﴿حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات﴾ والإنسان إذا أراد طريق الجنة فإنه لا يمكن أن تتحق شهواته ورغباته كلها، أما النار فإنها حجبت وحفت بالشهوات، فمن سلك طريقها وصل إلى شهواته ورغباته نسأل الله العفو والعافية.
فانظر يا أخي المسلم في أي الطريقين أنت؟! إن كنت تلاقي العنت من حفظ نفسك وتصبيرها عن الوقوع في الشهوات والشبهات فأنت على طريق الجنة، فأنت وإن كنت تريد المال وهو معروض عليك، ولكن لأنه حرام لا تقبله، ومعروض عليك شهوة النساء، ولكن لأنك تخشى الله وتتقيه وتستعصم به، فأنت لا تريد إلا أن يكون حلالاً، ومعروضة لديك شهوات كثيرة ومغريات تشتاق إليها النفوس ويتسارع إليها الناس، ولكنك تعرض عنها ابتغاء وجه الله، ومرضاته، فأبشر بالخير، واعلم أنك على طريق الجنة إن شاء الله.
أما من أتبع نفسه هواها، وأصبح لا يشتهي أمراً إلا وأخذه من حلالٍ أو حرام، ولا تشتاق نفسه إلى شهوة إلا وسعى في تحصيلها ولا يبالي بأمر الله ﵎ فيها، فهذا ساع على طريق أهل النار، ونسأل الله أن يحفظنا وإياكم من ذلك، والشهوات كثيرة كما أن الشبهات كثيرة، وأساس ذلك كله هو ما يعتري القلب من أمراض.
стр. 1878
أساس فساد القلب
بعض العلماء جعلوا أساس فساد القلب بالشهوات كالحسد، وبعضهم قالوا: هو القوة الغضبية، وبعضهم قالوا هي: قوتين أو أكثر، وأخذوا ذلك من قول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ [الفرقان:٦٨] قال العلماء رحمهم الله تعالى ومنهم ابن القيم: هذه الآية حذرت من ثلاثة أمور: الشرك، ودعوة غير الله، وهذا معلوم التحذير منه ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] وما عدا ذلك فإن الموضوعان الآخران فيهما إشارة إلى القوتين اللتين في الإنسان، أو الخصلتين اللتين هما أساس كل معصية وذنب يفعله العبد، وهما القوة الغضبية والقوة الشهوانية.
القوة الغضبية تبدأ بأن تغضب من إنسان بغير حق، ثم تعتدي عليه بالضرب وتأخذ ماله، ثم تنتهي بقتله ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان:٦٨] فنبه الله تعالى على نهاية وغاية القوة الغضبية -حفظني الله وإياكم منها- ولهذا النبي ﷺ أوصى الرجل مراراً ﴿لا تغضب﴾ فكل منا يعرف نفسه، فإذا كان ممن فيه حدة في جانب القوة الغضبية فليتدارك نفسه ولا يغضب، وليعالجها بالأدوية النبوية وقد بينها رسول الله ﷺ .
وإما أن تكون القوة قوة شهوانية، وهذه القوة الشهوانية أول بدايتها تكون من الجوراح، بالنظر، ومعظم النار من مستصغر الشرر:
كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر
أول ما يبدأ بالنظر، فيمد الإنسان عينيه إلى ما حرم الله ﵎ ويتبع ذلك النظر اتباع القلب، فيميل القلب وينصب ويعشق ويهوى ويتمنى، ثم بعد ذلك يدفع المال أو يبذل السبل، ثم تكون النهاية هي الوقوع في الفاحشة -والعياذ بالله- فيكون الزنا فلهذا قال: ﴿وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨] فنهى عن الزنا بعد أن نهى عن الشرك وعن القتل، فالقوة الغضبية والقوة الشهوانية هما أساس كل ذنب ومعصية.
стр. 1879
فساد القلب بالحسد
والذين قالوا: إن الحسد هو أساس فساد الجوارح من القلب والأعضاء جميعاً لم يذهبوا بعيداً، فهو إما أن يكون ناشئاً عن القوة الغضبية لأنه نوع منها، لكنه يتجه اتجاهاً آخر -نسأل الله العفو والعافية- يتجه إلى الإنكار على المنعم وعلى المتفضل ﵎، الجواد الكريم الذي أعطى كل نفس مخلوقة كما قال: ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠] فهو الذي يعطي من يحب ومن لا يحب، يعطي الكافرين ويعطي المؤمنين، فالحاسد يتجه حقيقة إلى الاعتراض على الله ﵎ لماذا؟ لأن فيه القوة الغضبية التي جعلته يكره هذا الرجل المحسود وينفر منه ثم زادت حتى أدت به إلى الوصول إلى الاعتراض على من أعطاه ومن منّ وتفضل عليه، فالمقصود أن هذا ناشئ عن القوة الغضبية أيضاً.
ولهذا كان من أدلتهم على ذلك أن أول ذنب عصي الله ﵎ به، ونشأ عنه الكفر والفساد في الدنيا كلها من بني آدم هو الحسد، لأن أصل وقوع الفتنة والشرك والكفر والفواحش والبغي والعدوان في الدنيا هو من إبليس اللعين، وما الذي دفعه إلى ذلك الحسد؟ دفعه إلى ذلك أمر الله ﵎ الملائكة بأن تسجد لهذا المخلوق آدم ﵇ ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ [الإسراء:٦١] ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] حسده ولم يقبل أمر الله ﵎ في أن يسجد له كسائر الملائكة الكرام الذين استجابوا لأمر الله ولم يعترضوا عليه، وهكذا يجب على العبد دائماً ألا يعترض على أوامر الله فينشأ من ذلك الحسد والإباء والاستكبار ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤] ثم بعد ذلك الكفر، فالحسد جعله الله ﵎ سبباً لوقوع الكفر والفواحش والمصائب والبلايا في هذه الدنيا نسأل الله أن يحفظنا وإياكم من همز الشيطان ونفخه ونفثه وشره كله.
إذاً: هذه قضية الحسد، ويجب على الإنسان أن يطهر قلبه من الحسد والغش والغل لإخوانه المؤمنين في كل زمان وفي كل مكان، وأن يدعو الله ﵎ ألا يجعل في قلبه غلاً للذين آمنوا، كما وصف الله ﵎ عباده الصالحين.
وقد صح عن رسول الله ﷺ في حديث الرجل الذي خرج إلى النبي ﷺ وهو في مجلسه الكريم صلوات الله وسلامه عليه، ومعه أصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم، ولحيته تقطر من أثر الوضوء، فقال ﷺ : ﴿يطلع عليكم من هذا الفج رجل من أهل الجنة﴾ وانظروا إلى هذا الوصف العظيم، ما معنى من أهل الجنة؟! وهل هي كلمة عادية؟ أي من الفائزين، من الذين رضي الله ﵎ عنهم، أي: أن هذا الرجل ما بينه وبين التمتع بنعيم الجنة -التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر- إلا أن يموت فقط، فتعجب الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وثلاث مرات يخرج ذلك الرجل والنبي ﷺ يقول فيه هذا القول، فحرص الصحابة لمعرفة سبب هذا الفوز، وكان أكثر حرصهم على الخير مثل حرص أحدنا اليوم على الدنيا، فحرص على ذلك عبد الله بن عمرو بن العاص ﵂.
فذهب يستطلع الخبر ويخبر بعد ذلك بقية الصحابة، فذهب إليه وسلم عليه وقال: يا أخي، إني لاحيت أبي -أي: خاصمت أبي- فحلفت ألا أبيت عنده ثلاثاً -أي: ثلاث ليال- فأريد أن تؤويني عندك، فآواه عنده، وما غرضه إلا أن ينظر لعمله، يقول: عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه فما وجدت له من شيء كما كنت أتوقع، إلا أنه إذا قام من الليل أو تحرك ذكر الله ، لم يجد فيه أكثر من ذلك، لم يجد فيه زيادة عبادة أو صيام أو صلاة أو ذكر.
فلما كان اليوم الثالث كدت احتقر ما عنده من عمل، فقلت له: أيها الرجل إني لم يكن بيني وبين أبي مُلاحاة، وإنما جئتك لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول فيك كذا، فأحببت أن أرى عملك، فما رأيت فيك شيئاً غير ما كنت قد رأيت، قال: ما هو إلا ذاك قال: ثم وليت، فقال لي الرجل لما وليت: تعال، فرجعت، فقال: ما هو إلا ما رأيت، إلا أني لا أبيت ليلة من الليالي وفي قلبي غش أو حسد لمسلم على نعمة أنعم الله تعالى بها عليه، قال: فذلك الذي به بلغت ما بلغت، وذلك الذي لا نطيق.
سبحان الله! قلب سليم ليس فيه غش لأي مسلم، ولا حسد على نعمة أنعم الله بها عليه، من يستطيع لهذا إلا أصحاب النفوس التي سمت وعلت وزكت وعلمت أن النعم من الله، وعلمت أن الفضل كله من الله، والخزائن كلها بيديه، والخلق خلقه، وأن العبيد عبيده، وأنه يبتلي هذا بالفقر، وهذا بالغنى، ويبتلي هذا بالصحة، ويبتلي هذا بالمرض، وكلنا يجب أن نطيع أمره، ونقبل حكمه الشرعي كما نقبل حكمه الكوني القدري، فإن جعلنا من أهل الابتلاء والفقر والمرض والألم، صبرنا واحتسبنا، وإن جعلنا من أهل اليسار والغنى والمال والعافية، شكرنا واحتسبنا، فلا يطغينا هذا أو يلهينا ذاك، هذه هي سلامة القلب من ذلك كله.
فلما سلم قلب هذا الصحابي رضي الله تعالى عنه من الشرك والبدعة والهوى، سلم مما هو أدق من ذلك وهو الغش للمسلمين أو الحسد لهم، ولهذا يقول ﷺ : ﴿من غش فليس منا﴾ وفي الرواية الأخرى يقول: ﴿من غشنا فليس منا﴾ لأن المؤمن لا يغش ولا يحسد أخاه.
فمن صفة أهل الكتاب التي جعلتهم يكفرون بمحمد ﷺ ورسالته الحسد، ولهذا يقول الله ﵎ عنهم: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤] وقال في الآيات الأخرى: ﴿حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩]، وبين النبي ﷺ كيف حسدنا اليهود على رسالة النبي ﷺ ، لأنه بعث من العرب، وحسدونا على القبلة، ويوم الجمعة، وعلى أن وفقنا الله له ولم يعرفوه، وحسدونا حتى على كلمة (آمين)، وما من شيء في ديننا إلا وحسدنا عليه اليهود والنصارى وأشباههم، ونتيجة هذا الحسد استكبروا وأبوا أن يذعنوا للحق، ورفضوا الإيمان بهذا الدين العظيم.
والمؤمن لا يحسد أحداً من إخوانه المسلمين أبداً، بل المؤمن لو رأى أهل الكفر يتنعمون ويتلذذون ويعبثون بالأموال كما يشاءون يعلم أن ذلك ابتلاء لهم وأنه ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٩٧] فلا تقلبهم في البلاد، ولا يغره تقلبهم في النعم وهم كفار، فكيف تحسد إخوانك المسلمين المؤمنين؟!
стр. 1880
سوء الظن واتباع الهوى
وأمر آخر يجب أن نحفظ منه قلوبنا، وهو مما يظهر أيضاً أثره على جوارحنا، وهو قرين وقريب من الحسد، وهو سوء الظن، يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] ولا حظوا الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ فلا بد أن تجتنب الكثير من الظن لكون البعض منه إثماً وليس العكس، والإنسان ينظر إلى بعض الأمور، ثم يتوسع الظن عنده حتى يسوء ظنه كثيراً من أجل احتمال قليل، وربما يكون هذا القول صدر أو بدر من أخيك وله احتمال من الحق واحتمال من الخطأ أو الباطل، فإذا وسَّعته أكثر مما يحتمل، فقد عكست مفهوم الآية ومضمونها تماماً.
فالواجب علينا أن نجتنب كثيراً من الظن لكون البعض منها إثماً، وحتى نحفظ قلوبنا ونحفظ جوارحنا من النيل والوقوع في أعراض إخواننا المسلمين، ولذلك يقول النبي ﷺ : ﴿لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تناجشوا ولا يبيع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا﴾.
وسوء الظن يولد في الإنسان عندما يترك هذه الفضائل، فتنقطع الأخوة والبغضاء ويقع الحسد والبغي، ويقع العدوان والفتنة، وأصل ذلك كله ناشئ من سوء الظن -والعياذ بالله- وقال بعض السلف -وهو من الكلام المفيد-: [[إنما يُسيء الظن بالله خبيث النفس، قالوا: كيف ذلك؟! قال: إنه تترشح صفاته فتخرج في غيره]] أي: هو نفسه خبيثة والعياذ بالله، وأعماله وباطنه خبيث، فيترشح ذلك كما يترشح الأناء، ويخرج بشكل إساءة الظن بالناس.
فيأتيه -مثلاً- القول الصادق فيقول: لا، هذا القول كذب، وإذا قيل له: لماذا؟ يقول: ماذا لو كان صاحبه كاذباً؟! لأنه هو -نفسه- يقول القول وهو كاذب والعياذ بالله.
ويوصف له الإنسان بالتقوى فيقول: لا، هذا ليس بتقوى، لماذا؟ قال: هناك أشياء لا تدري أنت عنها ولا تعلمها، لماذا؟ قال: لأنه يظهر التقوى ويعمل في الباطن أعمالاً خفيه، فهو في الحقيقة يتكلم عن نفسه، وأصدق الناس ظناً بإخوانه المسلمين هو أسلم الناس باطناً، وهذه قاعدة؛ لأنه لا يتصور أن أحداً يقول الحق ثم يفعل هذه الموبقات ولذا فإنه لا يتهم بها الناس؛ لكن الذي يفعلها -والعياذ بالله- يتهم الآخرين بلا دليل إلا دليل سوء الظن فقط.
стр. 1881
سوء الظن سبب اتباع الهوى
سوء الظن بداية لاتباع الهوى، وهذا من أخطر الأمور، وإذا اتبع العبد الهوى حاد عن الطريق المستقيم، ولم يرتدع بأي رادع، وهذه مشكلة وفتنة عظيمة يفتن بها العبد بعد الشرك بالله ﵎، بل إن الشرك أحياناً عندما يقع، فهو يقع نتيجة لاتباع الهوى، كما أخبر الله ﵎ في أكثر من آية عن المشركين فيقع الشرك وتقع المحظورات كلها بسبب الهوى، فيخل بحق الله وبحق إخوانه المؤمنين، ويصبح متعصباً لرأيه ولهواه، وذلك التعصب يعميه ويصمه عن قبول الحق وعن الانقياد والإذعان له.
فيشبه حاله في هذا الحال حال اليهود والنصارى الذين تعصبوا بما عندهم من الباطل، ورفضوا دعوة رسول الله ﷺ ورفضوا قبول الحق، ولهذا يقول عبد الرحمن بن مهدي ﵀ وهو من العلماء الأجلاء، يقول: 'العلماء يكتبون ما لهم وما عليهم، وأما أهل الأهواء فيكتبون ما لهم ويذرون ما عليهم' أي: أن العالم بالله تعالى حقيقة هو الذي يخشى الله، كما قال الله عنهم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] إذا بلغه شيء يخالف ما كان يظن أو ما كان يفتي به أو يقوله كتبه سواء كان له أو عليه، حتى لو كان رأيه في المسألة كذا، ثم بلغه حديث عن رسول الله ﷺ عمل به، أو عن الصحابة، فإنه يكتبه ويتأمل ويبحث عنه، حتى لا يقول إلا الحق، ولا يفتي بالباطل، ولا يعتقده.
أما أهل الأهواء لو أتيته بالآيات والأحاديث والبراهين من الواقع -إذا كانت القضية مما اختلف فيها الناس- وتقول: انظر الدليل الفلاني والدليل الفلاني؛ فإنه لا ينظر إليه، فإذا وجد رائحة شبهة، أو كلمة أو احتمال ينفعه، قال: نعم، ثم أخذه وكتبه وحفظه ونشره ووزعه واهتم به، وهذا دليل على أنه صاحب هوى، وليس من أهل العلم الذين يخشون الله، ويعلمون أنهم مسئولون عما يقولون ومحاسبون ومجزيون بهذا، وهذه هي صفة أهل الأهواء.
стр. 1882
اتباع الهوى في الحكم
وأصل ذلك قول الله ﵎ عن المنافقين: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور:٤٩] إذا كان الحق لهم قالوا: لا نريد أن نحتكم إلا لرسول الله ﷺ ، لماذا؟ قالوا: لأنه لا يحكم إلا بالحق، هذا إذا كان يعلم أن الحق له، أما إذا كان الحق لغيره قال: نذهب إلى فلان وفلان من الناس لأنه من أهل الخير والصلاح، وهذا هو الهوى والعياذ بالله، ونحن والحمد لله ممن نتبع منهج السلف الصالح في هذا، ونعتقد أن الإنسان يأخذ ما له وما عليه.
فإذا اجتنب سوء الظن، واتباع الهوى، وأخذ ما له وما عليه وفقه الله ثم بعد ذلك قد يكون اجتهاده بالحق مفضياً به إلى الصواب، وقد يفضي به إلى الخطأ، فليس منا أحد معصوم أبداً، بل كلٌ يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ ، ولكن فضل الله أعظم من ذلك، كما قال ﷺ : ﴿إذا اجتهد الحاكم، فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر﴾ والحاكم هنا أعم وليس المقصود من الحاكم مجرد الأمير أو الملك أو السلطان الحاكم؛ بل يعني كل من حكم في مسألة، حتى قال شَيْخ الإِسْلامِ ﵀: 'حتى الذي يقضي بين الصبيان في الخطوط' أي: في أيهم أحسن خطاً، فأنت مطالب أن تحكم بالحق والعدل، فأنت قاضٍ في هذه الحالة.
أما معنى الاجتهاد فهو: استفراغ الجهد والطاقة والوسع في الوصول إلى الحق، فأنت تريد الحق فإن أصبته فلك أجران: أجر الجهد الذي بذلت، وأجر الصواب، وإن أخطأت لم يحرمك الله ، فلك أجر الاجتهاد، وأما أجر الصواب فيفوتك.
والله ﵎ جعل ذلك في حق من هم خير منا ومن الخلفاء الأربعة، جعله في حق نبيين رسولين من عباده الصالحين ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩] فهمها سليمان ولم يفهمها داود ﵉، فهذا له أجران وهذا له أجر حتى تكون هذه القصة عبرة لنا.
والصحابة رضوان الله تعالى عليهم، لمَّا قال ﷺ : ﴿لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة﴾ بعضهم قال كما قال ﷺ : لا أصلي العصر إلا في بني قريظة ولو غربت الشمس، ولا أبالي أنني لم أصلها في وقتها، لأن هذا أمر رسول الله ﷺ ، فما علي من حرج، فهذا اجتهاد، وقال الآخرون: إنما أراد منا رسول الله ﷺ أن نتعجل فلنصل الصلاة في وقتها، ولنتعجل إلى بني قريظة، لأن المقصود هو أن نذهب إلى بني قريظة لنقاتلهم، وليس المقصود أداء الصلاة في بني قريظة أو في المدينة، أو في مكان قريب منهم أو بعيد عنهم، ثم لما بلغه ﷺ ذلك، ما عنف إحدى الطائفتين.
وهذا من فضل الله ، أي: أن هذا مأجور على اجتهاده، وهذا مأجور على اجتهاده، وهؤلاء صلوا، وهؤلاء صلوا ولم يقل النبي ﷺ لهؤلاء أخرتم، ولم يقل لهؤلاء قدمتم، إذاً قد يستوي الأمران، وقد يكون أحدهما له أجران والآخر له أجر، والشاهد -وهو الذي يهمنا- أن كلاهما لا يستحق اللوم والذم والتعنيف والتشهير وإطلاق اللسان بالطعن والقذف والنيل منه، لأن الأمر في دائرة النظر والاجتهاد والفهم، فمن تعدى ذلك وتجاوز وبغى فقد أساء إلى نفسه وجمع وساء الظن بغيره، وربما جمع إلى سوء الظن الحسد، فزاد على سوء الظن الحسد والبغي والعدوان.
стр. 1883
الاجتهاد في الأحكام عند شيخ الإسلام
ولأهميه هذا الموضوع ننقل كلاماً نافعاً لـ شَيْخِ الإِسْلامِ ﵀، ولا أريد أن أطيل عليكم فيه، لكننا طلبة العلم نحتاج إليه كثيراً في واقعنا، وهو من كتاب الاستقامة يقول الشيخ ﵀: 'إن من مسائل الخلاف الاجتهادية ما يتضمن أن اعتقاد أحدهما يوجب عليه بغض الآخر' أي: إذا اختلفوا في مسألة اجتهادية، فيظن البعض أن اعتقاده يوجب عليه بغض الآخر ولعنه أو تفسيقه أو تكفيره أو قتاله أو تفزيعه، إلى غير ذلك وقد يخرجه من السنة أو الإسلام أو طريق الحق والدعوة، لأن اعتقاده يدفعه إلى ذلك، فيقول: 'فإذا فعل ذلك مجتهداً مخطئاً كان خطؤه مغفوراً له، وكان ذلك بحق الآخر محنة وفتنة وبلاء ابتلاه به' أي: حتى إذا تنازعا واختصما فبغى أحدهما على الآخر، أو بغت إحدى الطائفتين على الأخرى فظلمتها وكفرتها وفسقتها وبدعتها إلى آخره، فاعلم أن هؤلاء الذين فسقوا وضللوا وبدعوا إن كانوا يريدون الحق فعلاً فلهم أجر واحد وهو أجر الاجتهاد، وإن كانوا غير مصيبين فالواجب على الآخرين -وإن كان ما قيل فيهم زوراً وباطلاً وبهتاناً- الصبر؛ لأن هذا امتحان وابتلاء.
стр. 1884
البغي في الاجتهاد
ويقول: 'ولكن اجتهاد السائل لا يبلغ مبلغ الفتنة والفرقة إلا مع البغي' أي إذا أصبح الأمر فتنة وفرقة وقعت بين الناس من طلاب العلم وغيرهم، فلا بد أن ذلك نتيجة بغي وعدوان وليس نتيجة اجتهاد.
يقول: 'فلا يكون فتنة وفرقة مع وجود الاجتهاد السائغ' فالاجتهاد السائغ لا يكون معه فتنة ولا فرقه، أي: إذا قلت قولاً وخالفك أخوك، فلا توجد هناك فتنة ولا فرقة، ولا يقع ذلك إلا إذا كان هناك بغي من أحد الطرفين على الآخر، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران:١٩].
يقول: 'وعامة ما تنازعت فيه فرقة المؤمنين ' والكلام يخرج المنافقين، لأن المنافقين -والعياذ بالله- يقولون آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، لكننا نتكلم عن المؤمنين الذين يريدون الحق من هذه الأمة.
يقول: 'وعامة ما تنازعت فيه فرقة المؤمنين من مسائل الأصول -أي أصول الدين- في باب الصفات والقدر والإمامة وغير ذلك هو من هذا الباب، فيه المجتهد المصيب، وفيه المجتهد المخطئ، وقد يكون المخطئ باغياً، وفيه الباغي من غير اجتهاد، وفيه المقصر فيما أُمر به من الصبر' أي يوجد إنسان بغى من غير اجتهاد، وخالف الحق وظلم، ولا يزال من المؤمنين ولم يخرج من الملة، فخالف في أمر من أمور الاعتقاد العظيمة؛ لكن خالف من غير اجتهاد سائغ، وكان باغياً في ذلك.
стр. 1885
بغي الخوارج في الاجتهاد
وأوضح مثال على ذلك هم الخوارج لما بغوا واعتقدوا كفر علي -رضي الله تعالى عنه-ومن معه، ماذا فعل بهم علي رضي الله تعالى عنه؟ وهم خوارج حقيقيون فعلاً، وهم الذين بلغ من شأنهم أن النبي ﷺ وصفهم بأعيانهم، وعلي رضي الله تعالى عنه كان يقول لأصحابه ابحثوا عن ذي الثدية، فلم يجدوه فكان يقسم ويقول: [[والله ما كذبت ولا كُذبت]] فبحثوا حتى وجدوه في ساقية وفوقه جرحى وقتلى، فأخرجوه وإذا في عضده مثل الثدية، ومع ذلك قالوا لـ علي ﵁ لما صعد المنبر لا حكم إلا لله، أي أن علياً ﵁ حّكَّمَ الرجال، ومادام حكم الرجال فقد خرج عن الإسلام وخرج عن السنة، وليس له طاعة، وهو كما قالوا: يريدون أميراً غيره وهو عبد الله بن وهب الراسبي، أو أميراً مثل عمر، إلى آخر ما قالوا، ومع ذلك صعد المنبر وقال: " أما إن لكم علينا ثلاثاً -أي: مهما قلتم وافتريتم فإن لكم علينا ثلاثا- وهم خوارج حقيقيون -قال: وهذه الثلاث هي: ألا نبدأكم بقتال حتى يكون الباغي منكم هو الذي يصول ويعتدي، وألا نمنعكم مساجد الله -لأن المساجد بيوت الله، وكل من كان من أهل القبلة يحق له أن يأتي إلى بيوت الله- وألا نمنعكم الفيء " أي عطاءكم من بيت المال، لا نمنعكم إياه ولا نفصلكم ونضايقكم لأنكم خوارج، ولأن هذا هو حق لكل مسلم مادام من أهل القبلة، ومن أهل الإسلام.
هذا حكم علي رضي الله تعالى عنه، وحكم الخلفاء الراشدين الذين قال ﷺ فيهم: ﴿عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي﴾ ثم قاتلهم رضي الله تعالى عنهم وقاتلهم الصحابة حتى تحقق فيهم ما أخبر به النبي ﷺ ، بعد أن بدأوهم هم بالقتال وخرجوا عن الطاعة، وأمَّروا عليهم أميراً منهم، ورفضوا طاعة أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه.
стр. 1886
الخطأ في الاجتهاد
قال شَيْخُ الإِسْلامِ: 'وفيهم المجتهد المخطئ' وبعض العلماء من أهل السنة والجماعة أخطأ في مسائل الصفات، فبعضهم أول الكرسي بأنه العلم، وأخطأ بعضهم وقال في حديث ﴿إن الله خلق آدم على صورته﴾ إن الضمير يرجع إلى الرجل أو إلى آدم وليس إلى الله، وبعضهم أخطأ في القدر، وبعضهم أخطأ في الحكم على مرتكبي الكبائر، قال قولاً مغايراً لقول الجمهور، لكنه لا يريد إلا الحق، فهذا مخطئ معذور مادام من أهل السنة ويريد الحق، والتزم السنة باطناً وظاهراً، لكن لم يوفقه الله إلى الصواب، وليس كل من التزم السنة يوفق فيعصم بل إنما يوفق ويصيب في أكثر أقواله وأعماله -والحمد لله- وأما الخطأ فكل بني آدم عرضة له، ومنهم النوع الآخر وهو المجتهد المصيب الذي لا شك فيه، يقول: 'وكل ما أوجب فتنة وفرقة فليس من الدين' حتى نحفظ ألسنتنا جوارحنا من أن نحدث فتنة وفرقة بين طلبة العلم وبين إخواننا المسلمين، فكل ما أوجب فرقة أو فتنة فليس من الدين سواء كان قولاً أو فعلاً.
стр. 1887
صبر المصيب العادل على المخطئ الجاهل
المصيب العادل عليه أن يصبر على الفتنة، إذا كنت أنت المصيب العادل وغيرك الظالم الباغي المخطئ فاصبر ولا ترد عليه، حتى لو ألف ضدك الكتب، حتى لو قال فيك ما قال، لا ترد أنت، لأنه إذا أخطأ وعصى الله فيك فأطع الله فيه، كما قال بعض السلف: ما رأيت أن أعامل أحداً عصى الله فيّ بمثل أن أطيع الله فيه -عصى الله فيك وأنت تطيع الله فيه، تعفو وتصفح وتصبر وتتحمل.
يقول ﵀: "وسوف يصبر على جهل الجهول وظلمه إن كان غير متأول، وأما إن كان ذلك أيضاً متأولاً فخطأه مغفور له' أي حتى الذي يبدأ بالعدوان والسب والشتم والتعيير والتبديع قد يكون بعضهم يريد الدفاع عن السنة وعن العقيدة، فهذا له أجر الاجتهاد على هذا الاجتهاد السائغ، وإن كان عمله خطأ.
وفي المقابل أنت عليك الصبر، يقول: 'وهو فيما يصيب به من أذىً بقوله أو فعله له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور له، وذلك محنة وابتلاء في حق ذلك المظلوم، فإذا صبر على ذلك' أي: المظلوم والمفترى عليه إذا صبر على ذلك واتقى: 'كانت له العاقبة -ولا بد أن يظهر الحق- كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠] '.
وكم افتري على شَيْخِ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀، وقالوا: إنه عدو الله والسنة والإجماع، ولو قرأتم في أول التسعينية وغيرها لرأيتم كيف جعلوه خارجاً عن إجماع الأمة، وهذا لأنه -بظنهم- لم يوافقه على كلامه أحد لا في القديم ولا في الجديد، فجعلوه خارجاً عن إجماع الأمة في الأمور التي يعلم الناس الآن أنها حق.
واسألوا العامة بل واسألوا العلماء من هم الذين ردوا على ابن تيمية، من الذين أغروا به فسجن ومات في السجن ﵀؟! ومن الذين اتهموه، وآذوه؟! من هم وما أسماؤهم؟! دعك من كتبهم قد لا يكون لها وجود في الدنيا، بعضهم لا وجود لاسمه فضلاً عن كتبه، كثير منهم لا يعرف؛ لكن من الذي يجهل ابن تيمية ﵀؟! سبحان الله! دائماً العاقبة للتقوى، ولا يظهر الله إلا الحق، أما الزبد فيذهب جفاءً ولو استمر ما استمر.
فهذا يوجب من المبتلى ومن المؤذى والمفترى عليه أن يصبر، ويتوقع أن العاقبة له، وهذا حاصل في القديم والحديث.
وتذكرون شيخاً عالماً فاضلاً -ولا حرج أن نسميه- وهو شيخنا جميعاً الشيخ محمد بن صالح العثيمين -حفظه الله- عندما قال قولاً في مسألة المعية، وافترى عليه من افترى، وقالوا: خرج عن أهل السنة وصار حلولياً -حاشاه من ذلك حفظه الله- وتعجبت من ذلك وقلت: سبحان الله! المسألة لا تحتاج إلى هذا القول كله، ولكن الشيخ آذوه وتحمل الأذى الشديد وصبر على هذا، وفي النهاية الآن لا يوجد أحد إلا ويعلم أن الشيخ -حفظه الله- على الحق وعلمه منتشر في الأمة، وأولئك من كان منهم له اجتهاد سائغ فله أجر الاجتهاد ولكنه لم يصب، ومن كان عادياً ظالماً باغياً فهو قد أفضى إلى ما قدم والله تعالى حسيبه حياً أو ميتاً.
الشاهد أن هذه سنة الله في العلماء والدعاة أن يبتلوا، ويفترى عليهم، ويتهموا، وأن يقال عنهم: أعداء للعقيدة والسنة، فالواجب في هذه الحالة هو الصبر والاحتساب، وفي النهاية يحق الله الحق ويبقى ما ينفع الناس ويمكث في الأرض بإذن الله ﵎.
стр. 1888
الصبر على الابتلاء
يقول شَيْخ الإِسْلامِ ﵀: 'وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦] فأمر الله سبحانه بالصبر على أذى المشركين وأهل الكتاب مع التقوى -وهذا مهم لنا- وذلك تنبيه على الصبر من أذى المؤمنين بعضهم لبعض متأولين كانوا أو غير متأولين' أي: لابد أن يصبر المؤمنون بعضهم على أذى بعض، فلا يجوز لأحد أن يغتاب المسلمين، أو يسيء الظن فيهم، أو أن يعقد جلسات للطعن والنيل منهم.
ولكن أيضاً لو فعل فالواجب على الطرف الآخر الصبر والسكوت والاحتساب، وهذا واجب على الجميع، يجب على هذا أن يكف عن الأذى، ولكن لو لم يكف وجب على ذاك أن يصبر وأن يحتسب حتى تستقيم الأمة ولا تعم الفرقة.
يقول: 'وقد قال سبحانه: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا يعدلوا فيهم -هذا وهم كفار- فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع متأول من أهل الإيمان؟! ' فلا يحملنا بغضنا لليهود والنصارى أن نظلمهم ونفتري عليهم، ونبهتهم بما ليس فيهم، حتى لو كان رافضياً، أو كان خارجياً، ولا يحملنا ذلك على ظلمه والافتراء عليه، وما فيهم من البدعة يغنينا على أن نبهتهم ونفتري عليهم ونتكلم في نياتهم.
فكيف إذا كان ممن يدعو إلى مثل ما تدعو إليه، ويدين الله بمثل ما تدين به، ويعتقد مثل ما تعتقد، هل يجوز أن تبغضه وتعاديه؟ هذا مما لا يجوز بلا ريب.
يقول: 'فهذا أولى أن يجب عليه ألا يحمل ذلك على ألا يعدل على مؤمن وإن كان ظالماً له، فهذا موضع عظيم المنفعة في الدين والدنيا، فإن الشيطان موكل ببني آدم وهو يعرض للجميع، ولا يسلم أحد من مثل هذه الأمور' وهذه قاعدة عظيمة، لا يسلم أحد من أن يقع في قلبه شيء من هذا على إخوانه المسلمين.
يقول: 'من نوع تقصير في مأمور، أو فعل محظور باجتهاد، أو غير اجتهاد، وإن كان هو الحق، ولهذا قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ وقل فعلاً ولا يمكن أن يسلم أحد أو يسلم مجلس من هذا ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤] '.
لماذا لا يكون هذا هو ديدننا وشأننا دائماً في مجالسنا، أن نأمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، ولا نتحدث في الفرقة ولا نضع على النار أعواداً لتشتعل، بل لو بلغنا أن أحداً في قلبه شيء على أحد نصلح ما بينهما ونهدئ الأمر، وهذا الخلاف يقع عقوبة من الله ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥].
وقد استعاذ رسول الله ﷺ من الأولين فأعيذ منهما، وأما الثالثة فمنع وحجب عنه كما صح عنه ﷺ ، فالفرقة عذاب لكن الواجب ألا نأججها، بل نقول لمن جاء يغتاب أو ينم أو يتكلم اتق الله وأصلح ذات البين، فيجب أن تكون مجالسنا كذلك، وإن لم تكن مجالسنا مجالس علم وذكر لله ﵎ ومنفعة تنفعنا حتى في دنيانا، فيجب أن تكون مجالاً للأمر بصدقة أو معروف إو إصلاح بين الناس، وليس مجالس إفساد وشحناء في القلوب وإيغار في الصدور.
стр. 1889
أمر الله لنبيه بالصبر
يقول: 'وقال سبحانه لنبيه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِبْكَارِ﴾ [غافر:٥٥] فأمره بالصبر، وأخبره أن وعده حق، وأمره أن يستغفر لذنبه.
ولا تقع فتنة إلا من ترك ما أمر الله به- فإنه سبحانه أمر بالحق وأمر بالصبر -فالفتنة إما من ترك الحق، وإما من ترك الصبر- عند المعتدى عليهم والمتكلم فيهم، فتقع الفتنة والفرقة- فالمظلوم المحق الذي لا يقصر في علمه يؤمر بالصبر فإذا لم يصبر فقد ترك المأمور' دعك من المفتري الظالم صاحب الهوى؛ لكن أنا أخاطبكم وأخاطب نفسي أن نكون من النوع الثاني، فليقل فينا من شاء ما شاء، وليفتري علينا من افترى، لكن يجب علينا أن نصبر، وإن لم نصبر نحن فقد عصينا الله، كما عصى أولئك بالبغي والظلم، فكانت الفتنة.
وحتى أكون صريحاً معكم، فإني أتعجب أن بعض الناس من المتكلم فيهم يصبرون والباقين لا يصبرون -سبحان الله! - لا بد أن نصبر حتى نقضي على هذه الفتنة التي يريد الشيطان أن يرجف بها بين المؤمنين، فليبغ الباغون، وليعتد المعتدون، وليفتر المفترون، لكن أنت اصبر وتحمل.
يوسف ﵇ مكث في السجن سبع سنين نتيجة أنه افتري عليه أنه يريد أن يفعل الفاحشة، وهو الذي استعصم وأبى وهرب إلى الباب، وهو نبي من أنبياء الله، افتري عليه وظلم وسجن هذه المدة بظلم، ونحن الآن إذا قيلت فينا كلمة أو أوقف داعية، أو صار شيء علينا جزعنا وقنطنا، لكن هذه هي سنة الله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١] ولا شك أن الذي يحمل بعض الإخوان على الأذى والألم هو من باب قول الشاعر:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً على النفس من وقع الحسام المهند
أي: إذا تكلمت -مثلاً- إذاعة صوت أمريكا، وقالت: المتطرفون الأصوليون، فنقول: هم كفار ولا يضيرنا كلامهم فينا، لكن عندما يأتي إخوان لك، وترى فيهم -إن شاء الله- دعوى الخير ومظهر الخير ومحبة الخير واعتقاد الخير، وتحسبهم كذلك والله حسيبهم، ولا تتوقع منهم إلا الخير، ثم يظلمونك! فإنك تتألم، هذا الذي يدفع ببعض الإخوان إلى ذلك.
ومع هذا نقول كما قال شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ درءاً للفتنة: 'لا بد من الصبر على هؤلاء، كما لا بد من الكف من أولئك'
стр. 1890
خطأ المقصر في معرفة الحق من وجوهٍ ثلاثة
يقول: 'وإن كان مجتهداً في معرفة الحق ولم يصبر، فليس هذا بوجه الحق مطلقاً، لكن هذا وجه نوع حق فيما أصابه، فينبغي أن يصبر عليه، وإن كان مقصراً في معرفة الحق -الطرف الآخر- فصار له ثلاثة الذنوب: أنه لم يجتهد في معرفة الحق' وبعض الناس -مثلاً- قد يقع في أعراض العلماء والدعاة، فيجتمع له ثلاثة ذنوب.
أنه لم يجتهد في معرفة الحق، بل وسمع كلاماً وأخذه على عواهله وردده ونشره.
والثاني: أنه لم يصب الحق.
والثالث: أنه لم يصبر.
فوقع في ثلاثة ذنوب، والآخر قد يقع في ذنب واحد وهو ترك الصبر، ولكن ينبغي ألا يعصى الله لا من هؤلاء ولا من هؤلاء، يقول: 'وأمور القلوب لها أسباب كثيرة، ولا يعرف كل أحدٍ حال غيره بإيذاء له بقول أو فعل قد يحسب المؤذى -إن كان مظلوماً لا ريب فيه- أن ذلك المؤذي محض باغٍ عليه، ويحسب أنه يدفع ظلمه بكل ممكن'.
أي من الخطأ أن يقول شخص: ما دام ظلمني فلان فإنني أدفع ظلمه بأي شيء، ليس كذلك! حتى الذي ظلمك، وأجاز الله لك أن تدفع سيئته بمثلها، أمرك الله كذلك بالصبر والعفو وأنه أفضل، وما أباح لك أن تدفعه بأي شيء أو تقول في حقه ما تريد، وهذه القواعد عظيمة في التعامل بين المؤمنين مهما اختلفوا ومهما أخطئوا، "والله وصف الأئمة بالصبر واليقين فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] وقال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] '.
ثم ذكر ﵀، أصلاً عظيما وهو: يقول: 'وكثير من الناس قد يرى تعارض الشريعة - يظن أن الأمر متعارض- فيرى أن الأمر والنهي لا يقوم إلا بفتنة' يقول: لا أستطيع أن آمر أو أنهى إلا بفتنة، فيقول: 'فإما أن يؤمر بهما جميعاً' أي: الله أمرني بالأمر والنهي وأمرني بالفتنة، وكيف أمرك بالفتنة؟ يقول: ما دام لا يمكن الأمر والنهي إلا بها، فأنا مأمور بالإثنين، وإن كانت فتنة لا بد أن آمر وأنهى، أو أسكت، فلا أقول الحق حتى لا تقع الفتنة، وهذا هو الخطأ، فيفهم أنه لا بد من الأمرين معاً نفياً أو إثباتاً، وينسى قول الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] فلا بد أن تأمر وتنهى وتصبر على ما أصابك من الفتن، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الصبر وقول الحق في الغضب والرضا إنه سميع مجيب.
стр. 1891
ولاية الله لمن حفظ جوارحه
إنما أردت من هذا التذكير والتنبيه لإخواني ولنفسي بأن نحفظ قلوبنا وأسماعنا وأبصارنا وألسنتنا عما حرم الله ﵎، ولا سيما إذا كان مؤدياً إلى الفتنة بين المسلمين وإلى الفرقة بين المؤمنين فإن هذا يتأكد ويتعين.
والذي حرم الغيبة والنميمة والحسد والغش وحرم وقوع الظن لأي مسلم كائناً من كان، فإنه في حق أوليائه وعباده الصالحين والدعاة إليه لا شك أنه يحرمه أشد ولا يرضى به ﵎، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يريدون وجهه تعالى، وممن يتبعون الحق على بصيرة، ولا يريدون إلا الكتاب والسنة، وإذا سمعوا القول اتبعوا أحسنه، ولا يتعصبون لرأي ولا لقوم، ولا يزكون أنفسهم بما ليس فيهم.
فإن من أعظم الأدواء أن يزكي الإنسان نفسه، والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] ويقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٩] لا تظن أنك تزكي نفسك بأن تقول: أنا من أهل الحق، والصواب، وأنا من أهل السنة، ومن أتباع السلف، وحملة الدعوة، ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء:١٢٣] لا تنظر إلى هذا وانظر إلى الحق، وإلى عملك في ذاته، لو أن المسألة ألقاب وأسماء وتزكيات يجعلها الإنسان لنفسه أو يصفه بها من يحبه لكان الأمر هيناً لكل أحد ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] هذا ما شرعه الله محذراً إيانا من مثل هذا.
فأسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يحفظ الله فيحفظه الله ﵎، بأن يحفظ جوارحه عما حرم، فإذا حفظنا جوارحنا جميعاً عما حرم الله وأقمناها واستخدمناها في طاعة الله، حفظها الله ونالنا ما ذكر في حديث الولي: ﴿كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولأن سألني لأعطينه، ولأن استعاذني لأعيذنه﴾ فهو لما حفظ الله بجوارحه كان جزاؤه بهذه الدرجة وبهذه المنزلة، فيسدد الله ﵎ كلماته وخطواته وأعماله ويوفقه، وهو غير مبال ولا يدري أحياناً.
وكثير من أمور الدعوة -والحمد لله- ليست عميقة الخطة، أو أن وراءها عقول مدبرة، وإنما هي أعمال عملها بعض أهل الخير واجتهدوا بها، ففتح الله تعالى عليهم أبواباً عظيمة من أبواب الخير، نتيجة أن هناك قدراً من ولاية الله لمن قاموا بهذا العمل في الجملة، لا نفكر الآن بأفراد معينين، لكن أقول في الجملة -والحمد لله- أن خيار خلق الله هم الأئمة الذين يدعون إليه، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في جملتهم، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
وبالمناسبة يشكو الإخوة من ضعف في التعاون والتجاوب مع أنشطة الأحياء، وفي فترة ما يسمونه عطلة الربيع، وتزدحم مدينة جدة، ازدحاماً شديداً بالناس وبالمنكرات والملهيات، فالواجب علينا أن يكون كل منا جندياً لله مستعملاً في طاعة الله، يعين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلنتعاون على ذلك.
стр. 1892
الأسئلة
стр. 1893
التنويع في أساليب الدعوة
السؤال
تشكو بعض الأحياء التي يوجد فيها الشباب الذين لا يصلون ولا يعملون الخير، ويحبون اللهو واللعب، وربما كانوا من مدمني المخدرات ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويتعرضون لبنات الناس، وغير ذلك، ما هو التوجيه المطلوب؟
الجواب
نسأل الله أن يوفقنا وإياكم للدعوة إليه، يجب أن نجتهد في دعوة هؤلاء الشباب، وننوع في الوسائل، وليس شرطاً أن تذهب وتقول له: أنت عاصٍ! أو حتى تقول: اتق الله! لا، بل يمكن أن تزوره أو تهدي له كتاباً أو شريطاً، أو تكلم والديه، أو تكلم أساتذته في المدرسة، اهتم به وتعرف عليه، خاصة في الحي.
اعرف من هو أبوه؟ ومن هي أمه؟ ومن هم أخواله؟ وهل يمكن أن يكون لأحدهم تأثير عليه، فتكلمه فلا بد أن نتعاون ونحرص على هؤلاء الشباب.
لماذا يجتمعون في هذا المكان؟ وهذا المقهى، لماذا لا يقفل؟ وإذا كانت جلسة في مكان فيه إيذاء، لماذا لا يمنع من الجلوس فيه؟ ولابد أن ننوع ونوسع أذهاننا ونفتقها، حتى نستوعب كل الاحتمالات لوقوع هؤلاء الشباب في هذه الانحرافات، ونعالجها بالعلاج الناجح بإذن الله، وهو ليس صعباً والحمد لله.
стр. 1894
السفر إلى أمريكا وغيرها من بلاد الكفر
السؤال
الأخ يقول: إنه أعطي دورة في أمريكا وهو شاب لم يتزوج وليس لديه ما يكفي لتكاليف الزواج فما نصيحتكم؟
الجواب
الذي أنصح نفسي به وإخواني جميعاً كما قال ﷺ ﴿من غش فليس منا﴾.
فأقول: الذهاب إلى تلك الدول فيما بلغني وجاءتني رسائل عنها في الأسبوع الماضي، وجاءني من الإخوان من قطع دورته في أمريكا وجاء.
يقولون: الحياة هناك لا تستطاع ولا تطاق من الشاب الأعزب، لا يطيق أن يعيش في تلك المجتمعات، وقد رأينا في أيام خاطفة شيئاً عجيباً، والذي يذهب مثلي أو مثلكم، ونزل في مراكز إسلامية أو مساجد ولا يرى شيئاً، لكن مع ذلك ترى في المطارات وترى في الطرق ما تستعيذ بالله منه، والله الذي لا إله غيره، إنني قلت: سبحان الحي القيوم مراراً في أمريكا، سبحان الذي بلغ من عفوه وفضله وسعة رحمته أنه يرزقهم ويطعمهم ويسقيهم، وعندما ترى ما يفعل الأمريكان وغيرهم تتعجب من سعة فضل الله ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠] كيف يطعمهم فضلاً عن أن يكونوا أقوى الأمم، كيف يطعمهم وكيف يعطيهم الماء وهم على هذه الموبقات والعياذ بالله؟! وأعجب أن الخطوط السعودية والدفاع الجوي، ووزارة الطيران، وعدة وزارات بلغني عنها قريباً أنها تبتعث، سبحان الله! لماذا تبتعثون بارك الله فيكم؟ قال بعضهم -وهذا الذي آلمني جداً-: نبتعث لنتعلم اللغة، أليس عندنا معاهد ومراكز، ألا نستطيع أن نفتح الخطوط -كمثال-؟ أليست كانت تدار من قبل شركة أمريكية منذ أكثر من أربعين سنة، وهم بين أيدينا هنا، لماذا لا نعلمهم اللغة هنا؟ لماذا لا نأتي بالكمبيوتر هنا؟ فرحنا جميعاً عندما افتتحت الأكاديمية في رابغ -أكاديمية الطيران والحمد لله- يصبح طياراً، ويدرس هنا ويسلم من الفتنة هناك، فأصعب الأمور وهو تعلم الطيران وجد عندنا، واللغة وهي أسهل شيء يبتعث إليها هناك؟ على كل حال الكلام في هذا كثير، لكن نرجو أن تتنبه كل الإدارات، بل وعلى الآباء كذلك التنبه إلى خطورة مثل هذه البعثات وأثرها السيء.
стр. 1895
وساوس المعصية
السؤال
يقول الأخ: أحس عند ارتكاب المعصية كأن جوارحي يحركها شخص آخر، ويعلم الله أني أرفض المعصية من كل قلبي، وعندما أفعل معصية أندم ندماً لا يعلمه إلا الله، فما هي النصيحة التي توجهها لي؟
الجواب
الأخ يقول: أحس عندما أعمل المعصية كأنه شخص آخر، وهو في الحقيقة الذي يفعل المعصية، ولكن الشيطان يملك عليه جوارحه، نسأل الله أن يحفظنا وإياكم من شره، ولذلك يجب علينا أن نعلم هذا الأخ وأمثاله أن الواجب أن يحفظ قلبه بذكر الله، وإذا اطمئن قلبه بذكر الله لم يتسلط عليه الشيطان لأن الشيطان إذا ذكر الله خنس، وإذا غفل العبد وسوس، وأول ما تبدأ المعاصي بخواطر الشيطان ووساوسه، ثم تتحول الخاطرة إلى همّ، ثم يتحول الهم إلى عزم، ثم يتحول العزم إلى فعل، فلنقطع شجرة الشر من أصلها بقطع الوساوس والخواطر التي يلقيها الشيطان في قلوبنا.
следующие страницы →