Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
ولاية الله لمن حفظ جوارحه
إنما أردت من هذا التذكير والتنبيه لإخواني ولنفسي بأن نحفظ قلوبنا وأسماعنا وأبصارنا وألسنتنا عما حرم الله ﵎، ولا سيما إذا كان مؤدياً إلى الفتنة بين المسلمين وإلى الفرقة بين المؤمنين فإن هذا يتأكد ويتعين.
والذي حرم الغيبة والنميمة والحسد والغش وحرم وقوع الظن لأي مسلم كائناً من كان، فإنه في حق أوليائه وعباده الصالحين والدعاة إليه لا شك أنه يحرمه أشد ولا يرضى به ﵎، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يريدون وجهه تعالى، وممن يتبعون الحق على بصيرة، ولا يريدون إلا الكتاب والسنة، وإذا سمعوا القول اتبعوا أحسنه، ولا يتعصبون لرأي ولا لقوم، ولا يزكون أنفسهم بما ليس فيهم.
فإن من أعظم الأدواء أن يزكي الإنسان نفسه، والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] ويقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٩] لا تظن أنك تزكي نفسك بأن تقول: أنا من أهل الحق، والصواب، وأنا من أهل السنة، ومن أتباع السلف، وحملة الدعوة، ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء:١٢٣] لا تنظر إلى هذا وانظر إلى الحق، وإلى عملك في ذاته، لو أن المسألة ألقاب وأسماء وتزكيات يجعلها الإنسان لنفسه أو يصفه بها من يحبه لكان الأمر هيناً لكل أحد ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] هذا ما شرعه الله محذراً إيانا من مثل هذا.
فأسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يحفظ الله فيحفظه الله ﵎، بأن يحفظ جوارحه عما حرم، فإذا حفظنا جوارحنا جميعاً عما حرم الله وأقمناها واستخدمناها في طاعة الله، حفظها الله ونالنا ما ذكر في حديث الولي: ﴿كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولأن سألني لأعطينه، ولأن استعاذني لأعيذنه﴾ فهو لما حفظ الله بجوارحه كان جزاؤه بهذه الدرجة وبهذه المنزلة، فيسدد الله ﵎ كلماته وخطواته وأعماله ويوفقه، وهو غير مبال ولا يدري أحياناً.
وكثير من أمور الدعوة -والحمد لله- ليست عميقة الخطة، أو أن وراءها عقول مدبرة، وإنما هي أعمال عملها بعض أهل الخير واجتهدوا بها، ففتح الله تعالى عليهم أبواباً عظيمة من أبواب الخير، نتيجة أن هناك قدراً من ولاية الله لمن قاموا بهذا العمل في الجملة، لا نفكر الآن بأفراد معينين، لكن أقول في الجملة -والحمد لله- أن خيار خلق الله هم الأئمة الذين يدعون إليه، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في جملتهم، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
وبالمناسبة يشكو الإخوة من ضعف في التعاون والتجاوب مع أنشطة الأحياء، وفي فترة ما يسمونه عطلة الربيع، وتزدحم مدينة جدة، ازدحاماً شديداً بالناس وبالمنكرات والملهيات، فالواجب علينا أن يكون كل منا جندياً لله مستعملاً في طاعة الله، يعين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلنتعاون على ذلك.
стр. 1892
الأسئلة
стр. 1893
التنويع في أساليب الدعوة
السؤال
تشكو بعض الأحياء التي يوجد فيها الشباب الذين لا يصلون ولا يعملون الخير، ويحبون اللهو واللعب، وربما كانوا من مدمني المخدرات ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويتعرضون لبنات الناس، وغير ذلك، ما هو التوجيه المطلوب؟
الجواب
نسأل الله أن يوفقنا وإياكم للدعوة إليه، يجب أن نجتهد في دعوة هؤلاء الشباب، وننوع في الوسائل، وليس شرطاً أن تذهب وتقول له: أنت عاصٍ! أو حتى تقول: اتق الله! لا، بل يمكن أن تزوره أو تهدي له كتاباً أو شريطاً، أو تكلم والديه، أو تكلم أساتذته في المدرسة، اهتم به وتعرف عليه، خاصة في الحي.
اعرف من هو أبوه؟ ومن هي أمه؟ ومن هم أخواله؟ وهل يمكن أن يكون لأحدهم تأثير عليه، فتكلمه فلا بد أن نتعاون ونحرص على هؤلاء الشباب.
لماذا يجتمعون في هذا المكان؟ وهذا المقهى، لماذا لا يقفل؟ وإذا كانت جلسة في مكان فيه إيذاء، لماذا لا يمنع من الجلوس فيه؟ ولابد أن ننوع ونوسع أذهاننا ونفتقها، حتى نستوعب كل الاحتمالات لوقوع هؤلاء الشباب في هذه الانحرافات، ونعالجها بالعلاج الناجح بإذن الله، وهو ليس صعباً والحمد لله.
стр. 1894
السفر إلى أمريكا وغيرها من بلاد الكفر
السؤال
الأخ يقول: إنه أعطي دورة في أمريكا وهو شاب لم يتزوج وليس لديه ما يكفي لتكاليف الزواج فما نصيحتكم؟
الجواب
الذي أنصح نفسي به وإخواني جميعاً كما قال ﷺ ﴿من غش فليس منا﴾.
فأقول: الذهاب إلى تلك الدول فيما بلغني وجاءتني رسائل عنها في الأسبوع الماضي، وجاءني من الإخوان من قطع دورته في أمريكا وجاء.
يقولون: الحياة هناك لا تستطاع ولا تطاق من الشاب الأعزب، لا يطيق أن يعيش في تلك المجتمعات، وقد رأينا في أيام خاطفة شيئاً عجيباً، والذي يذهب مثلي أو مثلكم، ونزل في مراكز إسلامية أو مساجد ولا يرى شيئاً، لكن مع ذلك ترى في المطارات وترى في الطرق ما تستعيذ بالله منه، والله الذي لا إله غيره، إنني قلت: سبحان الحي القيوم مراراً في أمريكا، سبحان الذي بلغ من عفوه وفضله وسعة رحمته أنه يرزقهم ويطعمهم ويسقيهم، وعندما ترى ما يفعل الأمريكان وغيرهم تتعجب من سعة فضل الله ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠] كيف يطعمهم فضلاً عن أن يكونوا أقوى الأمم، كيف يطعمهم وكيف يعطيهم الماء وهم على هذه الموبقات والعياذ بالله؟! وأعجب أن الخطوط السعودية والدفاع الجوي، ووزارة الطيران، وعدة وزارات بلغني عنها قريباً أنها تبتعث، سبحان الله! لماذا تبتعثون بارك الله فيكم؟ قال بعضهم -وهذا الذي آلمني جداً-: نبتعث لنتعلم اللغة، أليس عندنا معاهد ومراكز، ألا نستطيع أن نفتح الخطوط -كمثال-؟ أليست كانت تدار من قبل شركة أمريكية منذ أكثر من أربعين سنة، وهم بين أيدينا هنا، لماذا لا نعلمهم اللغة هنا؟ لماذا لا نأتي بالكمبيوتر هنا؟ فرحنا جميعاً عندما افتتحت الأكاديمية في رابغ -أكاديمية الطيران والحمد لله- يصبح طياراً، ويدرس هنا ويسلم من الفتنة هناك، فأصعب الأمور وهو تعلم الطيران وجد عندنا، واللغة وهي أسهل شيء يبتعث إليها هناك؟ على كل حال الكلام في هذا كثير، لكن نرجو أن تتنبه كل الإدارات، بل وعلى الآباء كذلك التنبه إلى خطورة مثل هذه البعثات وأثرها السيء.
стр. 1895
وساوس المعصية
السؤال
يقول الأخ: أحس عند ارتكاب المعصية كأن جوارحي يحركها شخص آخر، ويعلم الله أني أرفض المعصية من كل قلبي، وعندما أفعل معصية أندم ندماً لا يعلمه إلا الله، فما هي النصيحة التي توجهها لي؟
الجواب
الأخ يقول: أحس عندما أعمل المعصية كأنه شخص آخر، وهو في الحقيقة الذي يفعل المعصية، ولكن الشيطان يملك عليه جوارحه، نسأل الله أن يحفظنا وإياكم من شره، ولذلك يجب علينا أن نعلم هذا الأخ وأمثاله أن الواجب أن يحفظ قلبه بذكر الله، وإذا اطمئن قلبه بذكر الله لم يتسلط عليه الشيطان لأن الشيطان إذا ذكر الله خنس، وإذا غفل العبد وسوس، وأول ما تبدأ المعاصي بخواطر الشيطان ووساوسه، ثم تتحول الخاطرة إلى همّ، ثم يتحول الهم إلى عزم، ثم يتحول العزم إلى فعل، فلنقطع شجرة الشر من أصلها بقطع الوساوس والخواطر التي يلقيها الشيطان في قلوبنا.
стр. 1896
المداومة على الطاعة في الرخاء والشدة
السؤال
كنت واقعاً في مشكلة وكنت كثير القيام والبكاء بين يدي الله في آخر الليل، وبعد نهاية المشكلة شُغلت النفس، فتراني آكل وأنام وكلما حاولت القيام لا أستطيع، وهذا الأمر يؤرقني؟
الجواب
الحمد لله أن في الأمة من يؤرقه أنه كان في حال الشدة أقرب إلى الله منه في حال الرخاء، فيريد أن يكون قريباً من الله في حال الرخاء والشدة، هذا فضل من الله وجاهد نفسك -يا أخي- ونسأل الله لنا ولك الثبات على الحق، ولاشك أن النفس يعتريها الضعف، ولا شك أننا في حالة الشدة نتقرب إلى الله أكثر، ولهذا يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] لو عقلنا وأدركنا أننا في كل لحظة محتاجون إلى الله، بل أنا الآن عندما أتكلم عن ما هي حياتي؟ أجدها أنفاس تصعد وتخرج، تدخل وتخرج، أي: الواجب أنني في أي لحظة من لحظات الحياة أستشعر أني محتاج إلى الله، وأن الله لو وكلني إلى نفسي طرفة عين لهلكت -والعياذ بالله- فوقت الرخاء هو وقت الشدة.
أضرب لكم مثالاً: لو أن شخصاً ركب الباخرة أو الطائرة، وجاءت مطبات قوية عنيفة، فإنه يذكر الله ويستغفر الله، فإذا نزل إلى الأرض نسي ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦] فهو على خطر، ومن الممكن أن يخسف الله به الأرض كما يخسف به الطائرة، ففي كل الأحوال أنت محتاج إلى أن يحفظك الله، ويعصمك، ويعافيك، فاستدامه التفكر في ذلك يجعلك مستديماً للطاعة.
ونسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يدومون على طاعة الله وأن يوفق الأخ هذا لذلك.
стр. 1897
منكرات البيوت
السؤال
كيف يتعامل الإنسان مع المنكرات الموجودة في بيته؟
الجواب
منكرات البيوت كالتلفاز وغيره، عليك أن تجاهد نفسك يا أخي في إخراجها من بيتك وبيت أهلك بالأسلوب الحسن، ولا أطيل فيه لأننا أجبنا عنه مراراً.
стр. 1898
الذب عن عرض الإخوان
السؤال
ما توجيهكم لمن كتب في الصحف أو غيرها لكي يذب عن عرض إخوانه؟
الجواب
بالنسبة للمتكلم فيه فعليه ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥] أما بالنسبة لإخوانك المسلمين إذا كنت تريد أن تذب عن عرض أخيك، فمن ذب عن عرض أخيه بالغيب ذب الله عن وجهه يوم القيامة، فذب عن عرض أخيك لكن بالأسلوب الحسن الذي لا ظلم ولا عدوان فيه.
стр. 1899
كفارة المجامع في رمضان ولو طالت المدة
السؤال
رجل جامع زوجته في شهر رمضان قبل عشر سنوات، والزوجة طلقها فما الحكم؟
الجواب
لا يؤثر طول المدة، ولا يؤثر أنه طلقها في أنه يجب عليه الكفارة، كما هو معلوم.
стр. 1900
طرق إيصال المعونات للمجاهدين
السؤال
العمل الذي نقوم به تجاه إخواننا في البوسنة والهرسك والصومال وهو جمع المال لهم، وإيصال المعونة، ما مصيره؟
الجواب
الآن الطرق تكاد تكون شبه مقفلة بالنسبة لذهاب الإخوة للدعوة أو الجهاد نسأل الله أن يفرج عن هذه الأمة.
стр. 1901
الزواج في المجتمعات المختلفة
السؤال
أنا في مجتمع عماده الاختلاط، وهذه أصبحت شبهة مفروغ منها، وإنني على أبواب الزواج، فبم تنصح: هل أصبر على عدم الزواج حتى يفتح الله، أم أتزوج ويكون الأمر الذي نخاف منه؟
الجواب
قصد الأخ لو تزوج فزوجته تختلط بالمجتمع -هذا قصده- على كل حال تزوج واحفظ نفسك وأهلك من الاختلاط.
стр. 1902
مراحل العمل في كتاب الجواب الصحيح
السؤال
إلى أي مرحلة وصل العمل في كتاب الجواب الصحيح؟
الجواب
نحن إن شاء الله عاملون في ترجمة الجواب الصحيح، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم، ولا نستغني عن أي دعم منكم، وأهم نوع من أنواع الدعم والمعونة الرأي السديد والصائب في كيفية محاربة هذه الأفكار الضالة، من تنصير أو أي بدعة من أنواع البدع، فعملنا هو أعم وأشمل.
стр. 1903
دعاء لمرضى المسلمين
السؤال
يقول الأخ: أسألك بالله العظيم أن تعرض هذه الورقة على الشيخ، وهو أنه لدي مريض كبير السن مغمى عليه منذ أسبوعين، فأرجو من الشيخ والحاضرين أن يدعوا له ولمرضى المسلمين؟
الجواب
نسأل الله أن يشفيه ويشفي أمراض المسلمين جميعاً، ويشفي أمراض قلوبنا وأبداننا إنه سميع مجيب، فنرجو أن يكون هذا في الغيب كما هو الآن في العلم، لكن لا ينبغي للأخ أن يحرج على إخوانه بمثل هذا ويسأله بالله؛ لأن الذي يعرض الأسئلة أو يجيب عليها يقدر ما لا تقدره أنت يا أخي الكريم.
стр. 1904
حكم دفع المال الحرام إلى مكان حرام
السؤال
هذا رجل وضع أمواله في البنك ثم أعطوه ربحاً -وهذا ليس ربح بل خسارة محض- فاحتار فهو مطالب بدفع الضرائب في بلده هل يدفعها من هذا الربح المحرم؟
الجواب
أخذ الضرائب من الناس حرام، وما حصل له من البنك حرام، فدفع الحرام في الحرام جائز، ويذهب بالحرام حيث أتى، لكن لا يعني ذلك أن يستمر في أكل الحرام حتى لو ظُلم، وأُخذ من ماله بغير حق، فلا يتخذ مصدراً للحرام، إنما كلامنا الآن في التخلص من الحرام وهو يكون بإعطائه لمن يأخذه منه على وجه الحرام.
стр. 1905
منع الأب لابنه من مجالس العلم
السؤال
يقول الأخ: أنا شاب أحب متابعة مجالس الذكر وملازمة إخوتي في الله -والحمد لله- ولدي والد حفظه الله يمنعني من ذلك في بعض الأوقات هل أطيعه أم لا؟
الجواب
انصحه، ولا تطعه فيما تعلم أنه خير لقلبك وأصلح لك، ولو تأولت وعرضت في بعض الأمور بالمعاريض.
стр. 1906
غض النظر
السؤال
هل الشاب والشابة مطالبون جميعاً بغض النظر؟
الجواب
كثيراً ما تأتي أسئلة عن الزنا والفواحش، والعادة السرية، وعن مشاكل بعض البنات، وعن أمور كثيرة.
وأُجْمِلُ لك الجواب، فأقول: يجب علينا أن نغض نظرنا، وأن نتقي الله بجوارحنا، ونحفظها ليحفظنا الله في ذلك، ونشتغل بما ينفعنا، ونبتعد عن المغريات والمهيجات من أفلام أو مسلسلات أو مجلات أو معاكسات في الهاتف أو منظر في الشوارع، أو مقالات سوء، أو قصص غرامية، وكل ما يدعو إلى المنكر والفاحشة والعياذ بالله.
стр. 1907
كيف نحفظ الجوارح
السؤال
كيف نحفظ الجوارح؟
الجواب
اتق الله فيها، واعلم أن السمع والبصر كل أولئك أنت عنه مسئول.
стр. 1908
المساهمة في الشركات الربوية
السؤال
المساهمة في الشركات التي تستخدم الربا في معاملاتها؟
الجواب
اسمها بيناه في الحديث عن الشركات، إن كانت شركات ربوية كالبنوك وأشباهها فلا يجوز، وإن كان شركات أخرى للعقار أو للإنشاء أو للتعمير فلا بأس ولكن بشرط، وهذا أذكر به حتى لا يكون الواحد منا سلبياً، وأنا لا أمانع أن أحداً يساهم أو يحضر في الجمعية العمومية أو يحضر في أي مكان، لكن لابد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو كل شركة ساهم فيها خمسة أو عشرة أو خمسة عشر من المساهمين فيها الطيبين، وأقاموا الحجة وكتبوا إلى وزارة التجارة وهكذا؛ لتغيرت أحوالنا إن شاء الله، كما قال شَيْخ الإِسْلامِ ﵀: 'إن واجبنا هو تقليل المفاسد أو تعطيلها، وتكميل المصالح أو تحقيقها' إما أن نحقق المصالح أو نكملها، أي إما أن نأتي بأصلها أو نكملها، وأما أن نعطل المفسدة كلية أو نقللها إن لم نستطع تعطيلها.
стр. 1909
حكم الأناشيد الإسلامية
السؤال
حكم الأناشيد التي تطرح في التسجيلات، والتي فيها قوة من حيث الكلمات واللحن؟
الجواب
الحقيقة أنا قد تكلمت في هذا مراراً، وأنا أريد من الإخوة أن يفرقوا بين حكم الشيء شرعاً، وبين أنه قد يحف به أمور تبيحه أو تجيزه غير مجرد الحكم.
فمثلاً كون الإنسان يخرج ليجلس أو يذكر الله أو يستنشق الهواء في الطريق نقول له: جائز؛ لكن كونك تخرج وتتعرض لفتنة النظر إلى النساء فإن هذا يجعل خروجك من البيت غير جائز، فليس التحريم للخروج بل للنظر.
فإذا كان في هذه الأناشيد شغل عن القرآن، أو كانت لصغار السن، فأنا أستحي وأعيب من أراه كبير السن ويسمعها، وإذا كان هو ينشدها فهذا أشد، لكن الأناشيد يمكن استعمالها في حالات الجهاد، فأقول: كثير من العلماء قد تكلموا فيه، وما أظن الفتاوى في هذا إلا معلومة لديكم، وما عندي فيها جديد.
لكن أحب أن أنصح بشيء بهذه المناسبة: إذا لم يطعك أحد الأشخاص في مركز صيفي أو في مدرسة في ترك سماع الأناشيد لا تتهمهم في عقائدهم.
وهنا قصة عجيبة ذكرها شَيْخ الإِسْلامِ ﵀، أذكر لكم المرجع في هذا منهاج السنة (الجزء الرابع صفحة ١٥٠ الطبعة المحققة) أن الإمام الشافعي ﵀ -وهو من تعلمون! حتى قيل: إنه مجدد عصره وقرنه، لا أحد منا يجهل فضله وعلمه، رضي الله تعالى عنه- اتهمه بعض الناس ببدعة التشيع والرفض، سبحان الله! الإمام الشافعي يكون رافضياً! أعوذ بالله، لماذا؟ قالوا: لأنه يرى الجهر بالبسملة، والقنوت، والرافضة تفعل ذلك، فبغى بعض الناس واعتدوا، وقالوا: ما دام الشافعية والشافعي يشابهون الرافضة في الجهر بهذا فهم منهم وجعلوهم منهم، سبحان الله! هذا بغي وعدوان.
فإذا رأيت أحداً يعمل مثل هذا العمل من إخوانك من أهل السنة من مريدي الحق، لا تقول: أنت أصبحت صوفياً أو أنت من الصوفية، فتلحقه بطائفة مبتدعة لأنه خالف بهذا فربما كان له اجتهاد، فهو يرى أنه جائز وأنت ترى أنه محرم، فأذكر الإخوة بهذا وأحيلهم إلى هذا المرجع لأنها قضية مهمة، وهي الإسراع في التهمة بغير بينة، والاختلاف الذي يصحبه الهوى، الاختلاف في الأناشيد والتمثيليات في كثير من الأحيان أنا أرى أنه يصحبه نوع من الهوى.
أما مجرد معرفة حكم الله فيها فهذا سهل يمكن أن نتفق عليه، ويمكن أن نفترق فيه على قولين، والغالب والحق في مثل هذه الأمور، كما ذكر شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ في مواضع، منها ما ذكرنا في الاستقامة الغالب في مثل هذه الأمور أن الحق مع من يفصل، وليس مع من يحرم مطلقاً، ولا من يثبت مطلقاً، بل لابد من فصل الحرام من الحلال في هذه الأمور وستجد الخير -إن شاء الله- أما أن يحرم شيئاً من أساسه وغيره يخالفه من أساسه فلا بد أن ذلك الغير له نظر، فما دام هو داخل في دائرة الاجتهاد فليقدرها قدرها.
стр. 1910
حكم لبس النقاب
السؤال
لبس النقاب؟
الجواب
الذي نراه وندين الله تعالى به، هو تغطية الوجه كاملاً، وما نراه الآن فيما سمي نقاباً أو سمي لثاماً أو كذا، المشاهد والواقع المحسوس الآن أن فيه نوعاً من الفتنة، ولا أحد ينكرها، وبعض الناس يرى فتنته في عينيها، أذكر أن محمد أسد خطب مرة فيقول: كيف أن الرجل يتزوج المرأة فيراها دميمة، يقول: غرني أنني نظرت إلى عينيها من النقاب وتزوجتها، حتى قال بعض الناس أكثر من هذا -على سبيل النكته- يقول: حتى لوجئنا بعنز ونقبناها فترى أن عينها جميلة.
فالمقصود أن الشيطان يزين ما ترى من مظاهر الأعضاء، يزين الشيطان الباقي ويحسنه، لماذا؟ لتستديم النظر وتقع في قلبك الشهوة، فربما وقعت في الفاحشة -والعياذ بالله- ولكن ليس هناك أسلم من استئصال الشر من جذوره، وسد الذرائع من أصلها وذلك بإخفاء البدن كله، فلا يظهر منه شيء، وهذا هو حقيقة الحجاب وكماله.
стр. 1911
كتابة النصارى للأناجيل على هيئة تشبه هيئة القرآن
السؤال
ظهرت الآن للأناجيل مكتوبة على شكل تشبه فيه المصاحف، فما حكم ذلك؟
الجواب
كون النصارى يكتبون أناجيلهم على شكل القرآن وعلى طريقة القرآن، ويقرءونها على طريقة القرآن، هذه صورة من صور الدس والطعن والتشويه والتضليل والتلبيس على هذه الأمة المسكينة.
فمثلاً: سورة سموها باب السكينة مقذفي، الآية الأولى كتبوا (بسم الله الرحمن الرحيم) على شكل المصحف قالوا: (قل يا أيها الذين آمنوا إن كنتم تؤمنون بالله حقاً فآمنوا بي ولا تخافوا إن لكم عند الله جنات نزلاً) أعوذ بالله، هذا الكلام يذكرنا بالقرآن الذي يزعمه الرافضة، وكأنه من كلام الرافضة، كلهم عجم وكلهم يفترون على الله، فحتى الأسلوب لا يوجد، إلى أن يقول: (وإنكم لتعرفون السبيل إلى قبلتي العليا، فقال له توما الحواري مولانا إنا لا نملك من ذلك علما، فقال له عيسى: أنا هو الصراط إلى الله حقاً، ومن دوني لا تستطيعون إليه سبيلاً الخ) حولوا دينهم وأناجيلهم على شكل القرآن.
وهذا والحمد لله دليل على أن الله جعل في هذا القرآن من الخاصة في البيان وفي الأداء وفي التغني المشروع به ما يحسدوننا عليه، ولذلك يتمنون أن كتبهم كذلك، مع أن كتبهم مكتوبة بلغة قديمة، حتى العربي الآن مترجم من السريانية، واليونانية وهو كلام ثقيل وعبارات غامضة جداً، فحسدونا حتى على الأسلوب، ولكن الكبر والحسد منعهم من الحق، فبدل أن يؤمنوا بالقرآن وما ذكر الله تعالى فيه عن عيسى ﵇ من آيات عظيمة، في سورة مريم، والمائدة، وآل عمران، آيات عظيمة جداً في حقه ﵇، كفروا بالقرآن الحق وابتدعوا قرآناً من عند أنفسهم، وصاغوه على صياغة القرآن الذي من عند الله، وهذا حنق وحسد وكبر في قلوبهم مع أنهم لن ينالوا شرف ومتعة ولذة قراءة في القرآن بهذا الشكل، فكتبوا أناجيلهم بذلك، نسأل الله العفو والعافية.
стр. 1912
ملابس النصارى وأعيادهم
السؤال
بشأن الملابس من الصلبان , وبابا نويل؟
الجواب
يجب أن نتنبه إلى عقائد النصارى كـ بابا نويل وعيد الميلاد يجب أن ننكر كل مظاهر الصلبان والشعارات وأعياد الميلاد، ولا نطيل في هذا أيضاً.
стр. 1913
تعلق الوفاء بالنذر بالمكان
السؤال
يقول الأخ: نذرت نذراً أن أذبح جملاً في مدينة جدة، هل يمكن أن أوفي بنذري في الصومال لحاجة المسلمين هناك؟
الجواب
الأصل أن تفي بنذرك حيثما نذرت، لكن أظن الأخ لم يقل: لله علي أن أذبح في جدة، إنما قال: لله علي أن أذبح جملاً وهو في جدة، وفي مخيلته أنها في جدة، ففرق بين أن يكون نوى أن يذبح في جدة أو في مكة، فهذا الأصل أن يذبح حيثما نذر، أو يكون قاصداً فقط أن يكون في جدة فهذا أقل من الأول، ومع ذلك فالأصل أن يذبحه هنا ويمكن أن يرسله مذبوحاً إذا استطاع، ولو أنه رأى مانعاًُ شرعياً كأن لا يجد من يأخذه هنا -مثلاً- أو رأى أن الحاجة هناك أشد وأعظم من ذلك فأرسله، أو كان قد فعل ذلك فأرسله، فنرجو أن يكون قد وفَّى بنذره إن شاء الله.
стр. 1914
الموت بمرض السرطان
السؤال
هل من مات وهو مريض مرض السرطان فهو شهيد؟
الجواب
نرجو أن يكون كذلك إن شاء الله، لأن النبي ﷺ لما كان يعلم أن الشهيد من قتل في المعركة فقط فقال: ﴿إن شهداء أمتي إذاً لقليل﴾ ثم سأل الله أن يكونوا أكثر فأعطاه ذلك، وقد جمعهم الإمام السيوطي ﵀ فوجدهم أكثر من أربعة وعشرين صفة.
منهم: المطعون، والمبطون، والنفساء -المرأة التي تموت في الولادة- فالمطعون: هو الميت بالطاعون، والمبطون: المصاب في بطنه، فنرجو أن يدخل في ذلك -إن شاء الله- ما نسيمها نحن بأسماء مختلفة، مثل السرطان، أو مثل تليف في الكبد، أو ما أشبه ذلك من أسماء نطلقها ولم تكن معروفة بهذا الاسم من قبل.
ونسأل الله أن يحفظنا ويعافينا وإخواننا المسلمين.
стр. 1915
فتنة النظر إلى النساء
السؤال
ابتليت بالتعلق بإحدى الفتيات، وأصبحت أضيع أوقاتي معها، وكلما حاولت الابتعاد عنها عجزت عن ذلك، فبماذا تنصحني يا شيخ! مع العلم أني شاب ملتزم وأحفظ من القرآن أربعة وعشرين جزءاً؟
الجواب
نعم لا نستغرب فقد يقع هذا، فلذلك أنصح هذا الشاب أن الواجب عليه أن يتقي الله ، وأن يبتعد عنها انفصالاً كلياً، ولا يحاول الاتصال بها سواء عن طريق الهاتف، أو عن طريق مقابلتها، حتى لا يغويه الشيطان، ويقع في الفاحشة، وإن كان لابد فليخطبها بالطريقة المشروعة، وليتزوجها، وهذا لا حرج فيه إن شاء الله؛ لكن عليه أن يحذر أن يوقعه الشيطان في الفاحشة مع هذا التعلق الشديد.
وما أورده شيخ الإسلام ابن القيم ﵀ في كتابه النافع المفيد الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي إنما هو جواب لمثل هذا السؤال, فأنصح الشباب أن يقرءوا هذا الكتاب, وسيجدون فيه أنواعاً من العلاجات النافعة العظيمة فيما يتعلق بداء العشق, ونسأل الله العفو والعافية.
стр. 1916
صفة الصلاة عند النصارى ؟
السؤال
هل للنصارى في الفاتيكان صلاة تشبه في صفتها صلاة المسلمين؟
الجواب
لا يستبعد وجود صفة للصلاة عند النصارى تشبه صلاتنا في الشكل العام.
стр. 1917
حكم لعب الورق إذا لم يشغل عن الطاعة
السؤال
إذا لم يشغل لعب الورق عن طاعة الله فهل يعدّ لهواً؟
الجواب
كل لهو يلهو به المسلم فهو باطل إلا ما استثناه الله ورسوله, ولعب الورق يعدّ من اللهو الباطل, ولا شك أنه يشغل عن الطاعات, وربما أدى إلى التشاحن والتباغض بين المسلمين, ولو لم يكن فيه من الضرر إلا السهر وضعف العقل وضياع الأوقات لكفى بذلك سبباً للنهي عنه.
стр. 1918
موقف الحكومة المصرية من المجاهدين العائدين من أفغانستان
السؤال
تجري الآن في مصر عمليات اعتقال ومطاردة للشباب العائدين من أفغانستان فهل فعلاً هؤلاء الشباب إرهابيون متشددون, وماذا تعني هاتين الكلمتين, وإذا كانوا على الحق -نحسبهم كذلك إن شاء الله- فلماذا لا نقف معهم ونؤيدهم ونشد من أزرهم, عملاً بحق الأخوة في الدين؟
الجواب
إذا استطعت أن تقف معهم ولو بكلمة تلقيها في مسجد فافعل.
فهم ليسوا إرهابيين ولا متطرفين ولا متشددين, والتنظيمات السرية التي تدعي الحكومة تشكلها, مهددة بذلك الأمن الوطني, إنما يعنى بها الشباب الذين عادوا من أفغانستان , فمن وجد أنه كان في أفغانستان , أو على الأقل وجد على أن جوازه يحمل تأشيرة الدخول إلى باكستان , فهذا يكون الحكم عليه ما بين الإعدام والسجن لمدة تزيد على الخمسة عشر عاماً.
أما من مرّ في طريق عودته على الخرطوم فهذا يكون مصيره الإعدام قطعاً, مع العلم أن مصر لا تمنع مواطنيها من زيارة تل أبيب , ولا يتعرض من يزورها للمطاردة ولا يخضع لأي نوع من العقوبة.
إذاً القضية هي إعلان الحرب على الله ورسوله وعلى المؤمنين, والعدوان على دين الله وعلى أولياء الله, وهذا كل ما في الأمر, فقد قامت قوات الأمن بتمشيط الأحياء حياً حياً, وبلدة بلدة, ليثبتوا للمجتمع الدولي أنهم يحكمون قبضتهم على البلاد والعباد.
وزعمت الحكومة أن المسألة لا تعدوا أن تكون اضطراباً أمنياً في قرية من القرى اسمها دوروب مدعية استتباب الأمن, وعدم تأثير هذه الأحداث على السياحة في مصر , فما لبثت الأحداث أن شملت مدناً أخرى مثل القاهرة والإسكندرية وأسوان , وغيرها, فقامت الحكومة بعمليات تمشيط واسعة للتضييق على هؤلاء الشباب.
وهذا إنما يدل على تخوف الحكومة من انتشار الصحوة بين الناس, وربما بلغكم خبر توبة ثلاث فنانات خلال فترة وجيزة, كما أن هناك من رجال الأمن المركزي من انضم إلى الشباب المؤمن, ليقينهم ببراءتهم.
المهم أن التردي في الوضع بلغ درجة قيام قوات الأمن بعمليات المداهمة لكل بيت فيه شاب يطلق لحيته, أو يقتني بعض الكتب الشرعية, وربما وصل الأمر إلى أن يقتل دون تحقيق أو اتهام صريح.
سبحان الله العظيم! لماذا؟! ما ذنبه وما جريرته؟! افرض أن عنده أفكاراً! أو أنه يقتل السياح! أو يفعل كذا! فلقد بينا فيما سبق كيف تعامل علي ﵁ مع الخوارج الحقيقين, فعاملوا هؤلاء الشباب بنفس الطريقة, وأعطوهم الحقوق الثلاثة التي أعطاها علي رضي الله تعالى عنه للخوارج , وناقشوهم وناظروهم وتفهموهم, أما أن تلقى التهم جزافاً فهذا لا يجوز.
والدليل على أن هذه الأحداث ليست مقتصرة على مصر وحدها, ما أذاعته إذاعة صوت أمريكا وبريطانيا , وما نقلته مجلة الوسط ومجلة الوطن العربي ومجلة كل الناس ومجلة نصف الدنيا ومجلة صباح الخير ووعد ما شئت, وكلهم متفقون على وصف شباب الصحوة بأنهم متطرفون وإرهابيون, فلو قبض على شاب مسلم في أي بلد من البلدان, وأُظهرت صورته وهو ملتحٍ لكتبت جميع الصحف العربية أنه إرهابي متطرف, سبحان الله! لكن لو كان يهودياً أو نصرانياً يطلق لحيته, ويعلق الصليب على صدره فهل يقال: أنه متطرف؟!! هذه هي القضية يا إخوان! إن بعض الشباب في مصر فيهم نوع من الغلو بلا شك, وفيهم نوع من الجهل كما في كل مكان, لكن ماذا ننتظر من شباب يعيش وسط مجتمع غلا في حرب الله ورسوله؟ ولماذا نستغرب الغلو في الطرف الآخر؟ إذاً الواجب إنصاف هؤلاء الشباب ونصرتهم, والدعاء لهم, وتوجيههم, ونحن هنا بالذات يجب علينا أن نرسل الكتب والأشرطة لتوعيتهم وتفقيههم في الدين, ويجب أن يكون لنا دور دعوي, يجب أن تكون صحافتنا وإعلامنا متزناً, حتى نكون مصلحين بين هؤلاء وهؤلاء, أما أن ندعم الظلمة والمجرمين فهذا لا يجوز سواء وقع من أفراد أو من وسائل إعلام أو مؤسسات.
هذا وأسأل الله رب العرش العظيم أن يختم لي ولكم بالأعمال الصالحات, وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها, وخير أيامنا أواخرها, وألا يتفرق هذا الجمع الطيب إلا بذنب مغفور وعمل مشكور, إنه سميع مجيب.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.
стр. 1919
تأملات في حديث: (يا عبادي)
تكلم الشيخ في هذا الموضوع حول حديث "يا عبادي" مورداً العديد من التأملات حول ما جاء فيه من نداءات تهز الجبال الرواسي، فكيف بقلب المؤمن؟! فهذه النداءات التي وجهها الله لعباده بدأها بالإخبار بتحريم الظلم على نفسه وتحريمه من ثم بين عباده، وختمها ببيان تمام عدله وجزيل فضله، وذكر فيما بينهما افتقار خلقه إليه؛ من هداية إلى الصراط المستقيم وطعام وكساء، وكل ما يحتاجه الإنسان، وأتبع ذلك ببيان غناه المطلق عن خلقه، وبين أن حياة القلوب والأبدان لا تزيد في ملكه شيئاً، كما أن موتها لا ينقص من ملكه شيئاً.
стр. 1920
نداءات الله لعباده
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فجميلٌ بنا ونحن نستقبل شهر رمضان العظيم: أن نقف قليلاً بقلوبنا وعقولنا وأسماعنا، لنستمع إلى هذا النداء الرباني الذي تكرر عشر مرات في هذا الحديث الجليل الذي قال عنه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى ورضي عنه-: ' هو أشرف حديث رواه أهل الشام '.
لأنه من رواية أهل الشام، رواه التابعي أبو إدريس الخولاني عن الصحابي الجليل أبي ذرٍ جندب بن جنادة رضي الله تعالى عنه.
وكان أبو إدريس إذا حدَّث بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ جثا على ركبتيه من شدة وقعه عليه وتأثره به.
وفي هذا الحديث عشرةُ نداءات من الله ﵎ يرويها النبي ﷺ ، وهو مما تعلمونه جميعاً ويعرف بالحديث القدسي، الذي يرويه النبي ﷺ عن ربه ، فالألفاظ التي فيه نبوية، والمعاني ربانية.
стр. 1921
تحريم الظلم على الخالق والمخلوق
يقول الله ﵎ في أول هذا الحديث: ﴿يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا﴾.
وهذه الرواية رواية الإمام مسلم ﵀ وهي أتم من غيرها، فأول العشرة النداءات هو هذا النداء وبهذا اللفظ: ﴿يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي﴾، فالله ﵎ هو الذي حرم الظلم على نفسه، وإلا فإنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولن يكون ظالماً ﵎ ولو فعل بخلقه ما فعل؛ وهو الخالق والرازق والمنعم والمدبر والمتصرف في ملكه كما يشاء، ومع ذلك فإنه فضلاً منه ﵎، حرم الظلم على نفسه، وكتب على نفسه الرحمة، كما أخبر ﵎ في الذكر الحكيم.
فإذا كان القوي العزيز الجبار المتكبر، القادر على كل شيء، الخالق المالك لكل شيء حرم الظلم على نفسه، فكيف يظلم العبد أخاه العبد؟ وكيف يتظالم العباد؟! ﴿فلا تظالموا﴾، هذا مع أن الله ﵎، لا يجب عليه حقٌ لأحد، بل هو كما قال الشاعر ﵀:
ما للعباد عليه حقٌ واجبٌ كلا ولا سعيٌ لديه ضائعُ
إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسعُ
فهو إن عذب الخلق، فلا يعذبهم إلا عدلاً، وإن رحمهم فلا يرحمهم إلا فضلاً منه وتكرماً، ولهذا جاءت هذه النداءات -وكلها تخاطب الإنسان الضعيف العاجز- من الله من الرب الرحيم، الودود .
﴿يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً؛ فلا تظالموا﴾ فكيف يتظالم المخلوقون؟! وكيف يظلم بعض الناس بعضاً؟! والله ﵎ قال عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً﴾ [يونس:٤٤]، وقال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ﴾ [غافر:٣١]، فهو لا يريد الظلم ولا يحبه، وقد حرمه على نفسه فلن يريده ولن يقبله من أحدٍ أبداً.
بل هو كما أخبر النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿إن الله يملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته﴾، وقال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣].
لكن الله إذا أخذ الظالم لم يفلته، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢].
وقال ﷺ : ﴿الظلم ظلمات يوم القيامة﴾ كما صح عن النبي ﷺ ، وقال ﷺ : ﴿المسلم أخو المسلم لا يظلمه﴾ فالمسلم لا يظلم أحداً من الناس، بل ولو كانت دابةً من الدواب، فوضع الشيء في غير موضعه، هو: الظلم، وكل وضع للشيء في غير موضعه فالله ﵎ منزه عنه.
كما يجب على العباد أن يتركوا ذلك الظلم، فديننا هو دين العدل في كل شيء، حتى الحذاء: ﴿نهى النبي ﷺ أن ينتعل الرجل في إحدى رجليه ويدع الأخرى﴾، لأنه دين العدل في كل شيء.
فمن الفوائد المأخوذة من هذا الحديث: أن ديننا دين العدل، حتى بين أرجلك فتعدل بينهما، فإما أن تنتعل فيهما معاً، وإما أن تكونا حافيتين معاً، فلا ظلم ولا إجحاف.
ولقد بعث الله ﵎ محمداً ﷺ ، والدنيا شرقاً وغرباً تعج بالمظالم، وبالعنصرية وبالطبقية وباستعباد خلق الله ﵎ فكما كان فرعون ظالماً كان كذلك فراعنة الفرس والروم، فيجعلون أقوامهم شيعاً ويستضعفون طوائف منهم.
فجاء محمد ﷺ بدين العدل والحق والهدى، فتعلمت الإنسانية جميعاً كيف تعدل من هذا الدين، وعلمت لأول مرة في تاريخها لا كلاماً وحِكماًَ يقولها الفلاسفة، ويرددها الحكماء، بل رأت العدل واقعاً يسير أمامها، ويملأ شرق الدنيا وغربها، وذلك لأنهم عرفوا مما عرفوا مثل هذا النداء الرباني الكريم: ﴿يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا﴾.
стр. 1922
طلب الهداية من الله وحده
بعد ذلك تأتي نداءات تالية لتبين عجز هذا المخلوق الضعيف، وافتقاره إلى الله ﵎: ﴿يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم﴾ أي: أخرجكم من الضلال الذي يسبب شقاء الدنيا والآخرة، والذي لافلاح معه ولا نجاح، ولا خير فيه ولا سعادة.
فهذا الضلال ﴿كلكم ضال إلا من هديته﴾، فكل خلق الله، وكل عباد الله ضالون إلا من هدى الله، ومن منَّ الله تعالى عليه وتفضل بالهداية.
ومن هدايته لهم: أنه خلقهم على الفطرة القويمة، وأنه أرسل إليهم الرسل، وأنه أنزل عليهم الكتب، وأنه أعطاهم العقول ليفكروا بها وليتدبروا طريقهم بها، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [النحل:٧٨].
فهكذا الإنسان، أول ما يخرج لا يعلم شيئاً، ثم يمنُّ الله ﵎ عليه، بالعلم وبالسمع والبصر والفؤاد، ثم يبين له طريق الخير من طريق الشر، فمن وفقَّه الله ﵎ للهدى فلا مضل له، ولكن من خذله الله وحُرِمَ توفيق الله ﵎ للاهتداء إلى الطريق القويم، وركنه الله إلى نفسه وعقله ورأيه وتدبيره، فقد خاب وهلك.
فمن لم يوفقه الله ﵎ لسلوك طريق الحق فإنه ضال لا محالة، مهما بدت أمامه الحجج، فمع أنه مولودٌ على الفطرة، وأمامه الحجج والآيات البينات، والآيات المقروءة في كتاب الله، والآيات المنظورة في صفحات الكون، والآيات المرئية أيضاً من آثار الغابرين السابقين، فكلها أمام عينيه، ولكن إذا خذله الله، ولم يوفقه، فإنه لا يؤمن ولا يعرف طريق الحق أبداً.
فإذاً كلنا ضلال إلا من هدى الله، فماذا ينبغي لنا أن نفعل؟! ﴿فاستهدوني أهدكم﴾، فما علينا إلا أن نطلب الهداية من الله ﵎ آناء الليل وآناء النهار، ولهذا أُمر المؤمنون أن يقرءوا في كل ركعة من صلاتهم أم الكتاب، وفيها يقولون: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧].
فعباد الله المؤمنون المصلون، العابدون، يطلبون الهداية من الله ﵎ في كل يوم بعدد ركعات صلاتهم، فريضةً كانت أم نافلة، ويعلنون أنهم إن لم يهدهم الله ﵎، فقد ضلوا إما ذات اليمين أو ذات الشمال، فكانوا إما مع المغضوب عليهم، وهم: الذين رأوا الآيات البينات، وعرفوا الحق، ولكنهم لم يتبعوه، وإما مع الضالين، وهم: الذين عبدوا الله ﵎ على جهل، فلم يتبعوا ما أنزل الله وما شرع، بل عبدوه بالبدع، لا بما شرع.
فيقول تعالى: ﴿كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم﴾ فاطلبوا هدايتي، وادعوني أن أهديكم، والإجابة من الله ﵎ متحققة: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧].
فإذا أقبل العبد على الله وطلبه الهداية ورجاه، فإن الله ﵎ يهديه ولا يخيبه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] فمن جاهد في الله يريد وجه الله ويريد معرفة الحق، أوصله الله ﵎ إليه.
ألا ترون إلى قصة سلمان الفارسي -رضي الله تعالى عنه- كيف أنه خرج يطلب الدين الحق، وكيف عَبَدَ الله بـ المجوسية مدةً من الزمن، ثم انتقل من راهبٍ إلى راهب، وهذا يسلمه إلى ذاك، وهذا يحوله إلى ذاك، حتى مَنَّ الله ﵎ عليه بلقاء المصطفى ﷺ ، فآمن بالله، وجاهد في الله، وطلب الهداية وسعى من أجلها، فلم يمت إلا وقد قرت عينه بالإيمان، ورأى رسول الله ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩].
إذاً الافتقار الأول هو الافتقار إلى الهداية، وهو أشد أنواع الافتقار بالنسبة للمخلوق، فالعبد المخلوق أفقر ما يكون إلى هداية الله، ولذلك قدمت الهداية على الطعام وعلى الكساء، لأن أهم شيء هو: أن يهتدي الإنسان إلى الله ﵎، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٣].
فامتنَّ الله ﵎ بتعليم القرآن قبل خلق الإنسان، مع أن الإنسان لن يستطيع قراءة القرآن إلا إذا خُلق، ولكن أعظم من كونه مخلوقاً: أن يكون عالماً بالقرآن، عاملاً به، مهتدياً إلى ربه، وإلا فكم من مخلوق لا يعرف ربه ولا يعرف القرآن، فحياته نقمة عليه، لأنه والدواب سواء، قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان:٤٤]، فهم أضل من الأنعام.
فالهداية هي أحوج ما يبحث عنه الإنسان، وأشد ما يفتقر إليه، ولذلك فإنها قدمت في هذا الحديث، على ما سيلحقها بعد ذلك.
стр. 1923
طلب الرزق من الرزاق وحده
النداء الثالث هو: طلب ما يحتاج إليه العباد ويضطرون إليه في معاشهم وحياتهم الدنيا، فقال: ﴿يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم﴾.
نعم: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت:١٧] فالناس غالباً ما يعلقون طلب الرزق بالأسباب، فكل الناس -حتى أكثر المسلمين- يعلقون طلب الرزق إلى الأسباب؛ وينسون خالق الأسباب، وينسون الرزاق ذا القوة المتين الذي تكَّفل فقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود:٦].
ومع ذلك، فإن أكثر الناس لا ترتفع أنظارهم إلى خالق السماوات والأرض، الرازق المحيي المميت، بل ينغمسون في طلب الأسباب ويلهثون ورائها، وكثيراً ما يخرج بهم ذلك عن الطريق المستقيم، فيقعون في معصية الله، ويبتغون رزق الله بمعصيته، ظناً منهم وجهلاً أنهم بذلك ينالون فضل الله، وينالون رزق الله ﵎، وهو يقول: ﴿يا عبادي كلكم جائعٌ إلا من أطعمته﴾، فهو المطعم ، وهو الذي يُطْعِمْ ولا يُطْعَمْ، وهو الذي يمنُّ على خلقه بهذا الرزق، وكل ذي كبدٍ رطبة، فالله ﵎ يرزقه ويكلؤه .
﴿فاستطعموني أطعمكم﴾، فاطلبوا الرزق مني وحدي، فمن طلب الرزق من الله ﵎ وحده لا شريك له، فقد كفي مؤونة الرزق، وكان مع ذلك ذا عزةٍ وتعففٍ وترفعٍ، لا يجده أبداً من طلب الرزق من البشر، أو من الأسباب المخلوقة المنقطعة عن الله ﵎.
فثنى الله ﵎ بطلب الرزق والإطعام بعد طلب الهداية منه وحده لا شريك له.
стр. 1924
طلب الكساء من الخالق وحده
وهناك أمر ضروري آخر يحتاج إليه الناس، وقليل من الناس من يُفكِّر فيه، أو من يعرف نعمة الله ﵎ ومنته علينا به، فقال في الحديث: ﴿يا عبادي! كلكم عارِ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم﴾، فكثير من الناس لا يفطنون ولا يتنبهون إلى نعمة الكساء؛ لأنها لكثرتها ولوفرتها ولعموم فائدتها تبلد الإحساس بها، إلا من عانى ومن ذاق عدم اللباس، فمن ذاق ذلك عرف نعمة الله ﵎ على العالمين، بأنه أنزل إلينا هذا اللباس، وتفضل علينا به، والله ﵎، يذكرنا بنعمه، ومنها هاتان النعمتان: نعمة الطعام ونعمة اللباس، وهما النعمتان المشاهدتان الملموستان يومياً في حياة الإنسان.
فكل إنسان في أية بيئة كان أو في أي مستوى كان من الحياة، لابد أنه في كل يومٍ وليلة يأكل ويشرب، ولابد أنه يلبس، فهاتان نعمتان ملازمتان للإنسان أينما وجد، فكان ينبغي أيضاً أن يلازم الإنسان تقوى الله، وطاعته، وعبادته، أينما وجد، ومهما كانت حالته الاجتماعية والمعيشية.
стр. 1925
طلب المغفرة من الغفور سبحانه
ثم يقول تعالى في هذا الحديث: ﴿يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم﴾.
فهذه حقيقة لامناص لأي إنسان أن يفر منها أو يكابر أو ينكرها، فنحن العباد نخطئ بالليل والنهار، وكل بني آدم خطاء، فالقلب يخطئ بالخطرات والأفكار والوساوس الرديئة والأماني الكاذبة.
والعين تخطئ بفضول النظر، وبالنظر المحرم، وبما من شأنه أن يدخل إلى القلب داءً قد لا يشفى منه أبداً.
واللسان يخطئ، ومن الذي يمر عليه يوم ولا يخطئ بلسانه؟! إما بغيبة أو نميمة أو كلمةٍ لاحق له أن ينطقها؟! والأذن تخطئ فكم تسمع من حرام! فإما أن تسمع حراماً فتستلذ به، وإما أن تسمع منكراً فلا تنكره، فالخطأ ملازم لابن آدم، ولو لم يكن من خطأ ابن آدم إلا أنه غافلٌ عن هذه النعم، فهو غافل عن ذكر الله تعالى مع أنه متلبس بها ليل نهار.
ولهذا أمرنا الله أن نستغفره ﵎ وكذلك أمرنا رسوله ﷺ أن نستغفر الله ﵎، والرسول ﷺ ضرب لنا في ذلك المثل الأعلى؛ فقد كان ﷺ يستغفر الله في اليوم مائة مرة أو أكثر من مائة مرة، بل كان ربما استغفر في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة.
هذا وهو رسول الله ﷺ الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والاستغفار هو صابون الذنوب، وهو الذي يذهبها بإذن الله ﵎.
فهذا الطلب وهذا النداء من الغفور الرحيم، الغني عن العالمين إن عبدوا وإن أطاعوا، أو إن عصوا وكفروا؛ فالله يبين لنا أنه يفتح هذا الباب العظيم من أبواب الرجاء ومن أبواب الخير، وهو يطلب منا أن ندعوه، وأن نستغفره.
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
فسُبْحَانَهُ وَتَعَالَى القائل في محكم التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، فهذا الغني الحميد هو من يقول لهؤلاء الفقراء -وكلنا فقير-: يا أيها العبيد استغفروني؛ واطلبوني الهداية، واطلبوني الإطعام؛ واطلبوني الكساء؛ واطلبوني أن أغفر لكم ذنوبكم، لأنكم لاتنفكون عن ذنب آناء الليل وآناء النهار، فأي إنعامٍ وإحسان وتكرم وفضل بعد ذلك؟! وهو لا يُقَنِّطُ عباده ولا يخيب من أتاه ومن رجاه، ولو أتاه بملء الأرض من الخطايا.
стр. 1926
ممن يطلب العفو
يقول تعالى في حديث آخر: ﴿يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي﴾ سبحان الله! لا يبالي مهما كان عظم ذنبه! فأين المستغفرون؟! وأين الأوابون؟! وأين التائبون؟! فيكفي أن تقبل على الله وأن تطرق باب الكريم الودود، فلا يردك أبداً، ولا يخيبك أبداً، فالله منه المفر وإليه الملجأ، كما جاء في دعائه ﷺ : ﴿أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك﴾.
فنخاف من الله، لأننا أذنبنا، وأسرفنا على أنفسنا بالمعاصي، فماذا نفعل؟ نلجأ إلى الله، فمنه المهرب وإليه الملجأ، فلا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك يا رب العالمين.
فهكذا يفتح الله وهو الغني الحميد الباب أمام العباد الفقراء المحتاجين العاجزين أن هلموا، وتعالوا إلى الفضل والرحمة والمغفرة، وتعالوا إلى الله بقلوب مؤمنة مستغفرة تائبة، فعندها يُبدِّلُ الله سيئاتكم حسنات.
فالله لا يرد من أتاه ولا يخيب من رجاه، وهل هناك أكرم من الله ؟! فلو تخلَّى الله عن هذا التائب العائد إلى الله، فإلى من يعود؟! وإلى من يلجأ؟! لا إلى أحد، فهذا من سعة فضل الله ومن سعة كرمه -جل وعلا- فهو يبسط يديه بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ومع ذلك أين العباد من هذا؟! نجد أن أكثر الناس غافلون، لاهون، منغمسون في دنياهم، لا يقول أحدهم: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، كم من المؤمنين من يستغفر الله! ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣].
فكيف بالكافرين وهم أكثر من المسلمين، الذين لا يستغفرون الله ﵎، ولا يرجون اليوم الآخر؟! ولذلك يلقونه وأوزارهم على ظهورهم، وتعجل لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ولا يظلم الله أحداً، فما عملوا من عملٍ، فيه إحسان أو خير، إلا عجل لهم الجزاء به في الحياة الدنيا، من عافية ومالٍ، وزيادةٍ في النماء، والذكر عند الناس، لكنهم يلقون الله وليس لهم عنده شيء.
أما المؤمن الذي يرجو لقاء الله، فإنه يستغفر الله ويعلم أنه مذنب، والاستغفار لتضمنه الافتقار إلى الله والانكسار والذل والخضوع له ؛ كان بهذه المثابة العظيمة، وكان هذا فعله في الذنوب.
والمهم أن يكون المستغفر مستغفراً حقاً، وأن يكون صادقاً في أوبته إلى الله ﵎، وأن يكون راجياً طالباً لذلك، وينظر إلى ذنبه، وكأنه جبل يوشك أن يقع عليه.
فهذا هو استغفار عباد الله الصالحين: ﴿يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم﴾.
стр. 1927
لا ينفع الإنسان ولا يضر إلا نفسه
ثم يقول: ﴿يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني﴾، فهذا النداء السادس يبين لنا الفارق بين رب العالمين، وبين العبيد، وهو أن العبيد لن يضروا الله شيئا، فمن كفر فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله ﵎ شيئاً أبداً، ولو أراد أحدٌ أن ينفع الله ﵎، فهل ينفع رب العالمين بشيء؟! لا، لأنك أنت الفقير وأنت المحتاج إليه .
﴿يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني﴾، فلماذا إذاً يفكر العباد في أن يُعَادْوا ربهم ويحاربوه، ويعاندوه ويستكبروا على دينه؟! أيظنون أنهم يضرونه؟ لا يضرون إلا أنفسهم فيقول الله لهم: ﴿لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني﴾.
فلو أن أحداً ظن بعقله القاصر، وبذهنه الكليل أنه قد ينفع الله، فإنه لن ينفع الله ﵎ بشيء، فهو الغني الحميد، والعباد هم الفقراء إليه .
ثم وضحَّ الله ذلك وجلَّاه وبيَّنه فيما بعد، فقال: ﴿يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً﴾.
فسبحان الله! لو أن هؤلاء جميعاً، الأولين والآخرين، الإنس والجن، كانوا على أتقى قلب رجل واحد -ولا أتقى من رسول الله ﷺ ما زاد ذلك في ملك الله ﵎ شيئاً أبداًَ.
فلا يزيد ملكه بالطاعة، ولا ينقص بالمعصية، كما قال بعد ذلك: ﴿يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً﴾.
فهو الغني عن الطاعة إن أطعنا، وهو الغني عن المعصية إن عصينا، وهو الذي لا تنفعه تلك الطاعة، ولا تضره هذه المعصية أبداً.
فإن نفع الطاعة وفائدتها هي للعبد، لك أيها العبد العاجز الضعيف، ومن تضر المعاصي؟ تضرك أنت أيها العاصي، العبد العاجز الضعيف، فإذا تدبر الإنسان هذه المعاني, وعلم ذلك، وعلم مقدار جنايته على نفسه حين يعصي ربه ، وعلم أنه فرط في حق نفسه وفرط في حق ربه ﵎ لما جاهره وحاربه وتنكَّب طريق هداه، فهو بهذا لن يضر إلا نفسه، وربه ﵎ غني عنه.
стр. 1928
غنى الله المطلق لا ينقص بالعطاء
ثم أخبر الله ﵎ بعد ذلك بما يدل على الغنى المطلق الذي لا يحده حد، والعطاء الواسع، فقال: ﴿يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحد فسألوني، فأعطيت كل واحدٍ منهم مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، إلا كما ينقص المِخْيَط إذا أدخل البحر﴾.
فلو وقف الناس جميعاً الأولون والآخرون، والثقلان الجن والإنس، في صعيد واحد في أرض منبسطةٍ ممتدةٍ واحدةٍ، وكل منهم سأل الله ما يشاء ودعاه كما يريد، وأعطاه الله ﵎ ما طلب، لم يُنقص ذلك المعطى للمخلوقين جميعاً من ملك الله، إلا كما يُنقص المِخْيَط إذا أدخل البحر، وكم يأخذ المِخْيَط من الماء بالنسبة إلى ذلك البحر؟! هو كما قال ، كما في مسند الإمام أحمد: ﴿عطائي كلام، وعذابي كلام﴾ فعطاء الله ﵎ كلام، وعذابه كلام، أي: يقول للشيء: كن فيكون، فماذا ينقص من خزائن الله ﵎، وهو الذي يقول للشيء: كن فيكون! فمهما طلب العبد، ومهما رجا، ومهما ألح أو أكثر، فإن أعطي له فإن ذلك لا ينقص من ملك الله الواسع العظيم أي شيءٍ على الإطلاق.
كما أنه لا يكون علم المخلوقين بالنسبة إلى علم الله ﵎ إلا كهذه النسبة، كما ضرب الخضر ﵇، لموسى ﵇ ذلك حين قال: ﴿ما مثل علمي وعلمك في علم الله ﵎ إلا كمثل ما أخذ ذلك الطائر من البحر﴾، وكم أخذ من البحر؟! فهذا هو العليم؛ علمه كذلك، وملكه كذلك، وغناه كذلك .
стр. 1929
إحصاء الله لأعمال عباده حتى يوفيها لهم
يقول : ﴿يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها﴾، فهذا هو النداء العاشر، والخاتمة المهمة التي يجب أن ينتبه لها كل المخلوقين.
﴿يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله﴾ فالفضل لله، لأنه هو الذي هداه وأنعم عليه، وغفر له واجتباه، ووفقه لطريق الخير.
ثم قال: ﴿ومن وجد غير ذلك، فلا يلومنّ إلا نفسه﴾، لأن الحجة قد قامت عليه، ولأن الإعذار قد أتاه، والنذير قد جاءه، وأياً كان هذا النذير، فقد جاءه النذير، وقد رأى الآيات البينات وما عصى إلا على بينةٍ وعلم: ﴿فلا يلومن إلا نفسه﴾.
فاللوم حينئذٍ يتوجه إلى ذلك العبد وإلى نفسه الأمارة بالسوء، وليس إلى الله ، وليس إلى المقادير، كما يفعل ذلك الكفار: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦]، فهذه العلل وهذه الأعذار لا تنفع حينها.
ولهذا قال من قال من السلف: والله لأجتهدن، ثم لأجتهدن، فإن كان الذي نرجو فالحمد لله، وإن كان غير ذلك، قلت: قد اجتهدت وقد فعلت، ولم ينفع ذلك، ولا نقول: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ [فاطر:٣٧]، فكان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم يعلمون هذه الحقيقة، ولهذا اجتهدوا وبذلوا جهدهم كله، واستفرغوا أوقاتهم وأعمالهم وطاقاتهم في رضى الله ، وفي طاعته، وفي اجتناب معصيته فكانوا هم العباد حقاً.
فهذا الحديث قد سقناه، وشرحناه شرحاً موجزاً، راجين من الله أن يمنَّ علينا بالإيمان والتقوى، وبالتدبر لهذا الحديث ولأمثاله، مما خاطبنا الله ﵎ به في القرآن الكريم أو في السنة النبوية، وما خاطبنا به النبي ﷺ فذلك مما فيه حياة قلوبنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة، وفيه الخير والفلاح، لنا في هذه الحياة وفي الحياة التي نرجوها عند الله ﵎.
стр. 1930
الأسئلة
следующие страницы →