← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

ممن يطلب العفو يقول تعالى في حديث آخر: ﴿يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي﴾ سبحان الله! لا يبالي مهما كان عظم ذنبه! فأين المستغفرون؟! وأين الأوابون؟! وأين التائبون؟! فيكفي أن تقبل على الله وأن تطرق باب الكريم الودود، فلا يردك أبداً، ولا يخيبك أبداً، فالله منه المفر وإليه الملجأ، كما جاء في دعائه ﷺ : ﴿أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك﴾. فنخاف من الله، لأننا أذنبنا، وأسرفنا على أنفسنا بالمعاصي، فماذا نفعل؟ نلجأ إلى الله، فمنه المهرب وإليه الملجأ، فلا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك يا رب العالمين. فهكذا يفتح الله وهو الغني الحميد الباب أمام العباد الفقراء المحتاجين العاجزين أن هلموا، وتعالوا إلى الفضل والرحمة والمغفرة، وتعالوا إلى الله بقلوب مؤمنة مستغفرة تائبة، فعندها يُبدِّلُ الله سيئاتكم حسنات. فالله لا يرد من أتاه ولا يخيب من رجاه، وهل هناك أكرم من الله ؟! فلو تخلَّى الله عن هذا التائب العائد إلى الله، فإلى من يعود؟! وإلى من يلجأ؟! لا إلى أحد، فهذا من سعة فضل الله ومن سعة كرمه -جل وعلا- فهو يبسط يديه بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ومع ذلك أين العباد من هذا؟! نجد أن أكثر الناس غافلون، لاهون، منغمسون في دنياهم، لا يقول أحدهم: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، كم من المؤمنين من يستغفر الله! ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]. فكيف بالكافرين وهم أكثر من المسلمين، الذين لا يستغفرون الله ﵎، ولا يرجون اليوم الآخر؟! ولذلك يلقونه وأوزارهم على ظهورهم، وتعجل لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ولا يظلم الله أحداً، فما عملوا من عملٍ، فيه إحسان أو خير، إلا عجل لهم الجزاء به في الحياة الدنيا، من عافية ومالٍ، وزيادةٍ في النماء، والذكر عند الناس، لكنهم يلقون الله وليس لهم عنده شيء. أما المؤمن الذي يرجو لقاء الله، فإنه يستغفر الله ويعلم أنه مذنب، والاستغفار لتضمنه الافتقار إلى الله والانكسار والذل والخضوع له ؛ كان بهذه المثابة العظيمة، وكان هذا فعله في الذنوب. والمهم أن يكون المستغفر مستغفراً حقاً، وأن يكون صادقاً في أوبته إلى الله ﵎، وأن يكون راجياً طالباً لذلك، وينظر إلى ذنبه، وكأنه جبل يوشك أن يقع عليه. فهذا هو استغفار عباد الله الصالحين: ﴿يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم﴾.

стр. 1927

لا ينفع الإنسان ولا يضر إلا نفسه ثم يقول: ﴿يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني﴾، فهذا النداء السادس يبين لنا الفارق بين رب العالمين، وبين العبيد، وهو أن العبيد لن يضروا الله شيئا، فمن كفر فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله ﵎ شيئاً أبداً، ولو أراد أحدٌ أن ينفع الله ﵎، فهل ينفع رب العالمين بشيء؟! لا، لأنك أنت الفقير وأنت المحتاج إليه . ﴿يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني﴾، فلماذا إذاً يفكر العباد في أن يُعَادْوا ربهم ويحاربوه، ويعاندوه ويستكبروا على دينه؟! أيظنون أنهم يضرونه؟ لا يضرون إلا أنفسهم فيقول الله لهم: ﴿لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني﴾. فلو أن أحداً ظن بعقله القاصر، وبذهنه الكليل أنه قد ينفع الله، فإنه لن ينفع الله ﵎ بشيء، فهو الغني الحميد، والعباد هم الفقراء إليه . ثم وضحَّ الله ذلك وجلَّاه وبيَّنه فيما بعد، فقال: ﴿يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً﴾. فسبحان الله! لو أن هؤلاء جميعاً، الأولين والآخرين، الإنس والجن، كانوا على أتقى قلب رجل واحد -ولا أتقى من رسول الله ﷺ ما زاد ذلك في ملك الله ﵎ شيئاً أبداًَ. فلا يزيد ملكه بالطاعة، ولا ينقص بالمعصية، كما قال بعد ذلك: ﴿يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً﴾. فهو الغني عن الطاعة إن أطعنا، وهو الغني عن المعصية إن عصينا، وهو الذي لا تنفعه تلك الطاعة، ولا تضره هذه المعصية أبداً. فإن نفع الطاعة وفائدتها هي للعبد، لك أيها العبد العاجز الضعيف، ومن تضر المعاصي؟ تضرك أنت أيها العاصي، العبد العاجز الضعيف، فإذا تدبر الإنسان هذه المعاني, وعلم ذلك، وعلم مقدار جنايته على نفسه حين يعصي ربه ، وعلم أنه فرط في حق نفسه وفرط في حق ربه ﵎ لما جاهره وحاربه وتنكَّب طريق هداه، فهو بهذا لن يضر إلا نفسه، وربه ﵎ غني عنه.

стр. 1928

غنى الله المطلق لا ينقص بالعطاء ثم أخبر الله ﵎ بعد ذلك بما يدل على الغنى المطلق الذي لا يحده حد، والعطاء الواسع، فقال: ﴿يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحد فسألوني، فأعطيت كل واحدٍ منهم مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، إلا كما ينقص المِخْيَط إذا أدخل البحر﴾. فلو وقف الناس جميعاً الأولون والآخرون، والثقلان الجن والإنس، في صعيد واحد في أرض منبسطةٍ ممتدةٍ واحدةٍ، وكل منهم سأل الله ما يشاء ودعاه كما يريد، وأعطاه الله ﵎ ما طلب، لم يُنقص ذلك المعطى للمخلوقين جميعاً من ملك الله، إلا كما يُنقص المِخْيَط إذا أدخل البحر، وكم يأخذ المِخْيَط من الماء بالنسبة إلى ذلك البحر؟! هو كما قال ، كما في مسند الإمام أحمد: ﴿عطائي كلام، وعذابي كلام﴾ فعطاء الله ﵎ كلام، وعذابه كلام، أي: يقول للشيء: كن فيكون، فماذا ينقص من خزائن الله ﵎، وهو الذي يقول للشيء: كن فيكون! فمهما طلب العبد، ومهما رجا، ومهما ألح أو أكثر، فإن أعطي له فإن ذلك لا ينقص من ملك الله الواسع العظيم أي شيءٍ على الإطلاق. كما أنه لا يكون علم المخلوقين بالنسبة إلى علم الله ﵎ إلا كهذه النسبة، كما ضرب الخضر ﵇، لموسى ﵇ ذلك حين قال: ﴿ما مثل علمي وعلمك في علم الله ﵎ إلا كمثل ما أخذ ذلك الطائر من البحر﴾، وكم أخذ من البحر؟! فهذا هو العليم؛ علمه كذلك، وملكه كذلك، وغناه كذلك .

стр. 1929

إحصاء الله لأعمال عباده حتى يوفيها لهم يقول : ﴿يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها﴾، فهذا هو النداء العاشر، والخاتمة المهمة التي يجب أن ينتبه لها كل المخلوقين. ﴿يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله﴾ فالفضل لله، لأنه هو الذي هداه وأنعم عليه، وغفر له واجتباه، ووفقه لطريق الخير. ثم قال: ﴿ومن وجد غير ذلك، فلا يلومنّ إلا نفسه﴾، لأن الحجة قد قامت عليه، ولأن الإعذار قد أتاه، والنذير قد جاءه، وأياً كان هذا النذير، فقد جاءه النذير، وقد رأى الآيات البينات وما عصى إلا على بينةٍ وعلم: ﴿فلا يلومن إلا نفسه﴾. فاللوم حينئذٍ يتوجه إلى ذلك العبد وإلى نفسه الأمارة بالسوء، وليس إلى الله ، وليس إلى المقادير، كما يفعل ذلك الكفار: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦]، فهذه العلل وهذه الأعذار لا تنفع حينها. ولهذا قال من قال من السلف: والله لأجتهدن، ثم لأجتهدن، فإن كان الذي نرجو فالحمد لله، وإن كان غير ذلك، قلت: قد اجتهدت وقد فعلت، ولم ينفع ذلك، ولا نقول: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ [فاطر:٣٧]، فكان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم يعلمون هذه الحقيقة، ولهذا اجتهدوا وبذلوا جهدهم كله، واستفرغوا أوقاتهم وأعمالهم وطاقاتهم في رضى الله ، وفي طاعته، وفي اجتناب معصيته فكانوا هم العباد حقاً. فهذا الحديث قد سقناه، وشرحناه شرحاً موجزاً، راجين من الله أن يمنَّ علينا بالإيمان والتقوى، وبالتدبر لهذا الحديث ولأمثاله، مما خاطبنا الله ﵎ به في القرآن الكريم أو في السنة النبوية، وما خاطبنا به النبي ﷺ فذلك مما فيه حياة قلوبنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة، وفيه الخير والفلاح، لنا في هذه الحياة وفي الحياة التي نرجوها عند الله ﵎.

стр. 1930

الأسئلة

стр. 1931

أنواع الظلم وعقاب كل منها السؤال ما الظلم؟ وما أنواعه؟ وما عقابه؟ الجواب الظلم ثلاثة أنواع:- النوع الأول: ظلم العبد مع ربه، بأن يشرك مع الله إلهاً آخر، فأعظم الظلم أن يجعل العبد لله نداً وهو خلقه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، ولهذا قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]. النوع الثاني: ظلم العبد لأخيه، فظلم العباد مما حرمه الله؛ وكما في قوله ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿الظلم ظلمات يوم القيامة﴾، فنهى النبي ﷺ عن ظلم الإنسان في نفسه أو في ماله، فلا يظلم مسلم مسلماً أبداً. النوع الثالث: هو أن يظلم العبد نفسه بالمعاصي التي يرتكبها، وهي دون الظلم الأكبر الذي هو الشرك بالله تعالى. أما عقابه فيختلف: فعقاب الشرك الخلود في النار -عافانا الله وإياكم منها- قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]. وأما ظلم العبد للعبد، فعقوبته هي النار، إلا أن يعفو ذلك المظلوم، ويتفاوت ذلك فإن كان الظلم قتلاً فهو أشد مما لو كان ضرباً مثلاً، وإن نهبه ماله، فهو أشد وأعظم مما لو نهبه بعضه وهكذا. وأما ظلم العبد نفسه: فهو بحسب ما يذنب من الذنوب، فإن كانت من الكبائر دون الشرك فعقوبتها بمثل قدرها، وإن كانت أقل فعقوبتها كذلك ودواؤها الاستغفار؛ وليست العقوبة هي النار فقط، بل للذنوب عقوبات كثيرة جداً، كما ذكر الحافظ الإمام ابن القيم ﵀ ﵎ في الجواب الكافي كثيراً من أضرار الذنوب وعقوباتها، عافانا الله وإياكم منها!

стр. 1932

معاقبة الله للعصاة على ما قدر عليهم لا يتعارض مع عدله السؤال يقول: لقد ألقيت محاضرة هنا بعنوان: القضاء والقدر، ثم أتيت بالحديث الذي دار بين أبي الأسود الدؤلي وأحد الصحابة، وفي هذا الحديث أن هذا الصحابي قال: ﴿أليس كل ما نعمل مكتوباً قبل أن نخلق﴾، فما توضيحكم لهذا الحديث؟ وما تتمته؟ الجواب الصحابي هو عمران بن حصين -رضي الله ﵎ عنه- ونص هذا الحديث: ﴿أن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال لـ أبي الأسود الدؤلي أليس كل ما نعمل مكتوباً قبل أن نخلق؟ قال: بلى! قد كتب، قال: أيعذبهم على ما كتب؟ قال: نعم، قال: ألا يكون ذلك ظلماً؟﴾ الصحابي ﵁ يقول للتابعي: ألا يكون ذلك ظلماً من الله أن يكتب عليهم الذنوب ثم يحاسبهم عليها ﴿قال أبو الأسود الدؤلي: ففزعت فزعاً شديداً وقلت: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، له الخلق كله، وله الأمر كله، فرضي وسر عمران ﵁، وقال: إنما سألتك لأحزر عقلك﴾ أي: لأختبر عقلك، ثم حدَّث أنه: ﴿كان جالساً عند النبي ﷺ ، وأنه أتاه رجلٌ فسأله: فقال: يا رسول الله؛ أرأيت ما نعمل؟ أهو فيما نستقبل من أمرنا أم في أمرٍ قد قضي وكتب؟ قال: في أمر قد قضي وكتب﴾، وقال في رواية: ﴿أندعُ العمل ونتكل على ما كتب؟ فقال له ﷺ : اعملوا فكلٌ ميسرٌ لما خلق له، فمن كان من أهل السعادة فهو ميسرٌ لعملِ أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة، فهو ميسرٌ لعمل أهل الشقاوة﴾، والحساب يكون على ما اختار العبد وعمل، إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر.

стр. 1933

طرق مؤدية إلى السبيل الأوحد السؤال أنا أطلب الحق والهداية، ولكن ما هو الطريق الذي أسلكه؟ طريق كذا أو كذا أو أعيش وحدي، أرجو منك إيضاح هذه الطريق؟ الجواب هذا الطريق واضح ولله الحمد، فطريق الهداية واضح، كما في الآية التي ذكرناها، وهي قول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]. قد يقول قائل منكم: كيف تكون سبلاً؟ والله يقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، فالله تعالى جعل سبيله واحداً وجعل الطرق المخالفة لدينه سبلاً، وهنا يقول: ((لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)) [العنكبوت:٦٩]؟! ومن جوابنا لهذا الإشكال ننفذ -إن شاء الله- إلى جواب هذا السؤال. فالله يسَّر هذا الإنسان لما خُلِقَ له، وسبل الخير كثيرة، فإن كنت ميسراً لطلب العلم، فاسلك طلب العلم سبيلاً، وإن كنت ميسراً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاجعل همك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فجاهد في الله وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، أو جاهد في الله واطلب العلم، أو جاهد في الله بالصيام إن لم تستطع أن تفعل شيئاً، أو جاهد في الله بذكره ، إن لم تستطع أن تنال قسطاً من العلم أو تتعبد بعبادة المجاهدين، أو الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فأنت ميسر لأمر ما، فانظر إلى الأمر الذي أنت ميسرٌ له، فإن يسر لك بر والديك فبر والديك حتى تنال بذلك رضى الله ، وإن يسر لك أيتام أو جيران ضعفاء فابتغ طريق الهداية وطريق الجنة بالإحسان إلى هؤلاء الجيران الفقراء. وهكذا فكل إنسان منا لابد أن أمامه سبلاً معينة، وأن هذه السبل هي طرق من طرق الخير الكثيرة، التي يسَّرها الله ﵎ لك، فاسلك أياً منها مبتغياً بذلك وجه الله، لينقذك الله تعالى ويهديك. وكل ذلك مبناه على التمسك بما في الكتاب وما في سنة الرسول ﷺ وهديه في حياته. فإزالة الإشكال هو أن سبيل الله واحد، أي طريقه المستقيم واحد، أما السبل التي يهدي الله تبارك إليها، فهي طرق الخير، فالخير واحد ولكن له طرقاً متعددة توصل إليه، فهذا يدخل الجنة من طريق الجهاد، وهذا من طريق العلم، وهذا من طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا من طريق الصدقة، وهذا من طريق الذكر، مع أن الكل على الصراط المستقيم الذي هو سبيل واحد.

стр. 1934

ليكن جليسك عوناً لك على الطاعة السؤال إنني شاب أدرس وأخاف الله -ولله الحمد- ولكن رفقاء السوء دائماً معي، فأخرج من البيت من الساعة التاسعة إلى الساعة الواحدة تقريباً، فإذا عدت إلى البيت، توضأت وصليت ركعتين واستغفرت الله من ذلك، وأدعو الله، ولكن إذا أتى اليوم الثاني ذهبت معهم، نلعب البلّوت، وهم شباب لا يصلون إلا على حسب أمزجتهم، فأرجو إفادتي في أن أقلع عن مجالستهم، أرجو نصيحتي؟ الجواب هذا الأخ مبتلى ومصاب، ويعلم طريق العلاج، وهو يعلم أن الرفقاء رفقاء سوء، ولكن يريد أن يبصر بشيء يعينه على اجتياز هذه العقبة، ومن كان هذا حاله فهو قريب من الخير والهداية ولله الحمد، فما عليك إلا أن تجزم بقوة على أن تترك هؤلاء الرفقاء، وأن تستبدل وتستعيض بهم الرفقاء الصالحين من الشباب الطيب المتدين، واعزم وتوكل على الله، فديننا دين العزيمة ودين الهمة، والذي لا يريد سلعة الله الغالية، وهي الجنة، فهو الذي تكون همته فاشلة، أما من أراد هذه السلعة الغالية، فلا بد أن تكون همته عالية، والهمة العالية يجب أن تدفعك إلى أن تقاطع هؤلاء الناس، وإلى أن تنخرط في صفوف أهل الخير، وتجالسهم، وتحضر لهم ومعهم، فإذا فعلت ذلك، فقد استعنت على نفسك بأعوان الخير، بدلاً من أن يستعين الشيطان عليك بأعوان السوء. فيجب أن تقلع عن مجالسة هؤلاء أولاً، ثم تقبل على الله ﵎، وتتذكر وتتفكر في الموت وفي الآخرة، وما أعد الله تعالى لمن أطاعه واستقام من النعيم، وما أعد لمن عصاه من الجحيم، فلعل ذلك أن يكون زاجراً لك، ونسأل الله أن يثبتنا وإياك على الحق، وأن يصرف عنا طرق الشر إنه سميع مجيب.

стр. 1935

الهمة العالية تذلل الصعاب السؤال يقول: أفيدكم يا شيخ، أنني واقع في ظلم نفسي، حيث إنني مستمر في معصية، وهي شرب الدخان، وكلما حاولت أن أدعه أجد فيه صعوبة، وأنا أخشى أن يبلغني الله تعالى رمضان ولم أترك هذه المعصية؟ الجواب هذه نفس المشكلة السابقة، والقضية قضية همة، فعلى المؤمن أن يكون ذا همة وألا تغلبه شهوته، وألا تغلبه نفسه وشيطانه، بل يكون هو الغالب لها، ورضي الله عن الصحابة والتابعين والسلف الذين كانوا يتنافسون في الخير. كان أبو مسلم الخولاني يقوم الليل، وكان يضرب على ركبته إذا تعب، ويقول: 'قومي! فليعلمن أصحاب محمدٍ أنهم تركوا بعدهم رجالاً' همم! فكانوا يريدون أن يتنافسوا في الخير، مع أنهم يعلمون أنهم لن يبلغوا منزلة الصحابة الكرام، ولكن يجب أن تكون همة المؤمن عالية، فإذا كان الدخان يغلبك، والأصحاب يغلبونك، فما الذي تريد أن تغلب؟ وما الذي تريد أن تهزم أنت؟ ولماذا هزمت الأمة الإسلامية؟ ولماذا غلبنا أضعف وأحقر وأذل خلق الله وهم اليهود وأشباه اليهود؟! إلا حينما أصبحت هممنا بهذا المستوى. فمعذرةً إلى هذا الأخ وإليكم جميعاً! وكلنا نحتاج إلى تقوية الهمة، ويجب أن تكون الهمة عاليةً وقوية، ويجب أن يكون الإنسان منا حريصاً على اغتنام هذه الفرصة العظيمة، فإن الرحمن الرحيم يقول: ﴿يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، فاستغفروني أغفر لكم﴾، فأين نحن من هذا النداء ومن إجابة هذا النداء؟! وأين نحن من باب التوبة المفتوح ليلاً ونهاراً؟! فيجب أن نستعين بالله ونتوكل على الله ولا نعجز، وأن تكون لنا همة لنزجر أنفسنا عما حرم الله ﵎.

стр. 1936

لين القلب محتاج إلى المجاهدة المستمرة السؤال أنا شاب أحاول أن أتبع كل ما أمر الله، وأحاول أن أجتنب كل ما نهى عنه، ولكني أجد قسوةً في قلبي، فما هي طرق ترقيق القلب، وهل أؤاخذ على هذا؟ الجواب نحن كلنا ذلك الرجل، ونسأل الله أن يرزقنا إيماناً نجد حلاوته في قلوبنا، وأن يبصرنا في ديننا، وأن يعيننا على أنفسنا. ونحمد الله أنه لا تكاد تأتي محاضرة، إلا وتأتي مثل هذه الأسئلة: الذي يسأل: كيف أتوب؟ والذي يسأل كيف ألين قلبي؟ والذي يسأل كيف أقلع عما حرم الله؟ فهذه -ولله الحمد- من بشائر وعلامات الخير، وأن الشباب في رجعة وأوبة إلى الله ﵎. والذي أحب أن أقوله: إن الطريق شاق وطويل، فلو كان لهذا الأمر علاجٌ مؤقت، أو علاج معين، يأخذه العبد فيلين قلبه، لسبق إليه أصحاب النبي ﷺ في يوم واحد وفي لحظة واحدة، ولانت قلوبهم، ولكنها جهاد مستمر، يلين قلبك اليوم ويقسو غداً، وترغب اليوم عن الدنيا وترغب في الآخرة، وإذا بك في غدٍ تكون عكس ذلك، فتطيع ربك ، وإذا بك في غدٍ مهزوم تقودك نفسك كما تشاء. فهكذا جعل الله العبد؛ لكي يظل العبد المؤمن في جهاد مستمر، قال بعض السلف: 'جاهدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت، فبلغت بعضهم فقال: طوبى له! أوقد استقامت؟ ما زلت أجاهدها ولم تستقم ' بعد أربعين سنة! وهم في أفضل جيل وأفضل بيئة، فكيف بنا اليوم ونحن في عصر المغريات وفي عصر الشهوات؟! فمن أعظم أسباب قسوة القلب: طول الأمد عن ذكر الله، وعن تقوى الله، وعن مجالس وحلق الذكر والخير، وعدم التفكر في ملكوت السماوات والأرض وعدم التفكر في الموت. وهذا التفكر قد يتفكره الإنسان، ولكن أيضاً يتبلد إحساسه، ويصبح تفكيره كأنه أمرٌ عادي لا يثار له، ولهذا ينبغي للإنسان أن يجدد وأن ينوع من الذكرى، وأن يحرص كل الحرص على أن يتعاهد قلبه وإيمانه، فـ ﴿إن الإيمان يخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب﴾، كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، فهو يبلى ويتلاشى ويضمحل، فلا بد أن نتعاهد إيماننا. وقراءة القرآن وتدبره والعمل به، هي من أعظم ما يزيد الإيمان؛ لأن الإنسان إذا قرأ كتاب رب العالمين فإنه يجد فيه الشفاء والحق والمواعظ والحث على التفكر وعلى التدبر، ومع ذلك أيضاً يدعو الإنسان ربه ، كما سمعنا في هذا الحديث: ﴿كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم﴾ فندعو الله أن يمنَّ علينا بالإيمان، وأن يمنَّ علينا بالهداية، وأن تلين قلوبنا لذكر الله ، والله لا يخيب من دعاه.

стр. 1937

تعليم الله للإنسان القرآن أعظم منة عليه السؤال يقول: قلتم بقول غريب غامض في تفسير قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٣]، فقلتم: إن الله علم القرآن قبل خلق الإنسان، فنرجو من فضيلتكم الإيضاح؟ الجواب إما أني لم أَفَهم أو لم أُفهم على أية حال أنا لم أقل: إن الله علم القرآن الإنسان قبل أن يخلقه، ولكن امتنَّ الله تعالى بذكر تعليم القرآن قبل ذكر خلق الإنسان، فالمنَّة الأعظم هي أنه علمنا القرآن، بعد ذلك منته بأنه خلقنا، ونعم الله عظيمة لا تعد ولا تحصى، لكن أعظم نعمة من الله علينا هي الهداية، فالقرآن وتعليم القرآن -الذي هو مادة كل هداية وخير- هو أساس ذلك، وما بعده تبع له، والحياة من غير القرآن لاشيء، بل هي كحياة الحيوان، فهذا هو المراد، ولم أقصد أن أفسر الآية.

стр. 1938

انظر إلى من دونك ترزق القناعة السؤال يوجد من يتذمرون من الحياة بالفقر أو غير ذلك، فبماذا تنصحهم؟ الجواب يجب علينا أن نؤمن بالقدر، وأن نشكر الله ﵎، وألَّا نضجر أو نتذمر كحال الكافرين، الذين يبلغ بهم الحال إلى أن ينتحروا! -عياذاً بالله! - فالمؤمن يحمد الله على أعظم نعمةٍ أنعم بها وهي نعمة الإيمان، ثم ينظر في الدنيا إلى من هو دونه، فإن كنت مبتلىً بالفقر فثق أن في الدنيا من هو أفقر منك، وإن كنت تشكو المرض فثق أن في الدنيا من هو أشد منك مرضاً، ومهما كنت فيه من حال فاعلم أن هناك من هو دونك، ولا تزدرِ نعمة الله عليك، فالمؤمن إن أصيب بفقرٍ، أو مرض أو بلاء، فصبر واحتسب، كان له بذلك الأجر عند الله، حتى إن العبد الصالح يوم القيامة يتمَّنى أنه ما من داءٍ أو بليةٍ إلا ابتلي بها، لما يرى ما يتفضل الله ﵎ به من النعم على أصحاب البلاء الصابرين، جعلنا الله وإياكم منهم.

стр. 1939

الجمع بين أن الإنسان يولد على الفطرة وبين قوله: (كلكم ضال) السؤال كيف نوفق بين الحديثين: ﴿كل مولود يولد على الفطرة﴾ وقوله: ﴿كلكم ضال إلا من هديته﴾؟ الجواب كل مولود يولد على الفطرة، كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، وكما في الحديث القدسي الآخر: ﴿إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين﴾، وأما ﴿كلكم ضال﴾، فهو كما أشرت، أ، هـ لو خلي بين الإنسان ونفسه لضل، وإنما الهداية توفيق من الله، فمن وفقه الله تعالى اهتدى، ولو خُلي بينه وبين نفسه، فإنه يضل؛ مع أنه ولد على الفطرة فإنه يخالفها، ومع أن الرسول قد أتاه فإنه يكذبه، ومع أن القرآن بين يده ولكنه لا ينتفع بما فيه ولا يهتدي. فمع وجود الهداية وأسبابها، ولكن مع عدم التوفيق، لا يكون الإنسان مهتدياً أبداً، فلا تعارض بين الحديثين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1940

فستذكرون ما أقول لكم استعرض الشيخ حفظه الله حال الأمة المسلمة ومدى بعدها عن الله ، وبين أن سبب ذلنا اليوم إنما هو بتركنا لتعاليم ديننا، ثم أكد على ضرورة التوبة والعودة الصادقة إلى الله وأن هناك منكرات كثيرة لابد من تغييرها، وأن اللجوء إلى الغرب خلل في مبدأ الولاء والبراء، مذكراً بقصة من قصص المجاهدين، وموضحاً أن من أهم أهداف الحشود الكافرة في منطقة الخليج ضرب الصحوة الإسلامية، مختتماً حديثه بالرد على الاستدلالات التي أوردها من يقولون بجواز الاستعانة بالكفار في مثل هذه الأحداث.

стр. 1941

مشكلتنا الحقيقية الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن أول ما أحب أن أذكر نفسي وإخواني به في هذه القضية، أن الله لا يقدِّر في هذا الكون إلا ما هو خير، وإن كان فيه ضررٌ أو شرٌ لأناس مؤمنين أو كافرين من وجه من الوجوه، وفي الجملة الشر ليس إليه ، وما يقع منه فهو خير. ولكن يجب علينا أن نعتبر ونتعظ ونستفيد من الأحداث؛ لتكون خيراً لنا، من جميع الوجوه، وإن اشتملت على ضرر، فإن الأمور بنهاياتها. ونحن الآن في أول المشكلة، فلا تتصوروا أن ما حدث يمكن أن يحل في أسبوع أو أسبوعين أو شهر أو شهرين! هذه مشكلة ستطول، ونهايتها لا يعلمها إلا الله !! فلا يمكن أن تنتهي كما قد يبدو للبعض بأيامٍ معدودات؛ فالغرب بدأ يتكالب ويأتي من كل وجهة! بعض أساطيله إلى الآن لم تتحرك، وبعضها تحرك قبل عدة أيام، ويحتاج إلى شهرين في البحر حتى يصل، ثم بعد الشهرين وبعد الوصول: ماذا سيكون؟! الله تعالى أعلم! إن الأمر سيطول! وليست هذه المشكلة خارجة بأي شكل من الأشكال عن مشكلتنا الأساسية الأولى في حياتنا نحن أمة الإسلام. وهي مشكلة دائمة نعيشها، وهي: ضعف قربنا من الله ، وضعف تمسكنا بكتابه جل وعلا؛ فقد يسلطهم الله علينا إن عصيناه وانحرفنا، أو ينصرنا ويؤيدنا ويجعل الدولة لنا على أعدائنا إن تمسكنا واستقمنا، هذه قاعدة في جميع العصور، وفي جميع مراحل التاريخ. جاءت موجة التتار، وجاءت موجة الصليبيين في مراحلها الأولى، ثم جاءت الصليبية في شكل استعمار، ثم جاءت الصليبية الجديدة؛ فكلها صليبية وإلى الآن فالمعركة التي نعيشها معركة صليبية؛ لأن حزب البعث صليبي، والغرب صليبي، فالقضية كلها صليبية. وأهم شيء يجب أن نتحلى به: أن تكون لدينا القاعدة الإيمانية، التي لا يجوز أن نتناسها بأي شكل من الأشكال، لأن هناك سنَّة من سنن الله في الأمم وفي المجتمعات وهي: أنهم إذا عصوا الله أو خالفوا أمره، جاءهم العذاب، ثم إنهم يتضرعون إلى الله.

стр. 1942

انصراف الأمة الإسلامية عن القرآن أقول: عجيبٌ أن يصدر هذا عن أمة القرآن وأمة الإيمان وأمة الإسلام، التي جعل الله لها في كل مشكلة، وفي كل أمر، وفي كل ضائقة، وفي كل نازلةٍ حلاً في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ ، والحل موجود، وقد تكلم عنه كثير من دعاة الحق -والحمد لله- لكن لم نجد إلى الآن أية إشارة واضحة إلى أننا فعلنا الحل الذي في كتاب الله ، وأننا امتثلنا الحل الذي أمر به الله، كما قال:- ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام:٤٣] قسوة القلوب كهذه التي نعاني منها. توزع حالياً أخبار عن المبيدات والأسلحة الكيماوية والغازات الكيماوية أثارت الرعب والهلع في نفوس الناس، وأنا لا أتكلم عنها، وأنا جازم وواثق أنها ليست رسمية، وليس عليها ختم رسمي، وهي في حقيقتها صحيحة، فما تضمنته من أثر هذه الغازات السامة صحيح وواقع، بل في الحقيقة هناك أنواع أخطر من ذلك بكثير. ولكن ليست هذه هي القضية؛ القضية هي: لماذا عندما لا ينسب مثل هذا الكلام الذي ليس له أصل ولا مستند رسمي، فلم يقل للناس: " خذوا أقنعة أو احتاطوا" رسمياً وإنما هذه أوراق وإشاعات، الله أعلم بمن وراءها، وما مصدره، فهو قول غير مؤكد وغير معروف، ومع ذلك ذعر الناس وهلعوا، وكل إنسان بدأ يفكر جدياً، فيما يصنعه؟ وهل منطقته بعيدة عن الأحداث أو قريبة؟ ويفكر ماذا سيصنع إذا جاء الغاز فعلاً. سبحان الله! القرآن كلام الله رب العالمين يحدثنا عن عذاب جهنم يحدثنا عن دخان جهنم، أين هذه الغازات من دخان جهنم؟! أين هي من ﴿ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات:٣٠ - ٣١] أين هي من ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١]. أين، أين، آيات كثيرة، فأين هذا من هذا؟! وهو كلام رب العالمين وهو حق وصدق، ولا يمكن أن يقع إلا في حق من توعده الله بذلك، وذكر الله تعالى أسبابه، وهي المعاصي والذنوب، فهل اتخذنا وقاية من هذه الذنوب؟! قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١] كل إنسان واردها، كل إنسان سيعبر الجسر المنصوب على متن جهنم، كما أخبر بذلك الله ورسوله ﷺ ، فهل أعددنا وقاية من عذاب الله؟! هل أصابنا الخوف من الله؟ كما أصابنا الخوف من البشر والهلع والذعر؟! وقد ضربت هذا المثال لتعلموا لماذا أصبنا بهذه النكبة، ولماذا حلت بنا هذه المصيبة؛ وذلك لأننا لم نعد نخاف من الله، ولم نعد نخاف من وعيده ولا عذابه سبحانه، لأننا لم نعد نستمع إلى آيات القرآن، وما كان فيها من وعد أو وعيد، ومن استمعوا فهم يستمعون وقلوبهم غافلة لاهية إلا من رحم ربك.

стр. 1943

منكرات لم تغيرها الأمة ننتظر متى نكف عن الغناء واللهو والطرب في وسائل الإعلام أو في خارجها، وما كففننا! ننتظر هل سيمنع الربا، هل سيخفف الربا، هل سيتقلص، فما تغير شيء من هذا! قلنا: لعل التبرج ينتهي من الأسواق ومن الشواطئ ومن المنتزهات، فلم يتغير شيء! سبحان الله العظيم! محلات يسمونها التخسيس وصوالين التجميل، ومشاغل الخياطة، وما فيها من فساد، هل أوقفت؟ هل منعت؟ هل انقطعت؟ هل ضعفت؟ والله ما صار شيء من هذا! هل أعيدت صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وهل وضع لها اعتبار وقوة؟ والآن هذا وقت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لعل الله أن يرحمنا ويرفع عنا العذاب، لم نصنع شيئاً من هذا! هل أعدنا وضع مدارس تحفيظ القرآن إلى وضعها الطبيعي؟ نقول: علينا أن نستغفر الله؛ لعل الله سلطهم علينا بذنوبنا، إذاً وجب أن نعيد لها اعتبارها، وتأخذ من الطلاب ما تشاء، وتكون كما كانت، لكننا ما فعلنا شيئاً من هذا! الرقابة الإعلامية: كل ما حدث في السوق، هو أننا سلمنا من شرور المجلات والصحف الكويتية، وهذا من عند الله ليس من عند أنفسنا، هل قلنا ما دامت أن هذه الصحف عوقبت على فسادها وإلحادها وكفرها الذي كنا نتحدث عنه، إذاً فلنمنع الصحف الباقية، هل مُنع منها شيء؟! وأنا لا أدري، ولكن أنا أقول فيما أرى. وضعنا هو مثل الذي لا يصلي قبل الأحداث ولا يصلي بعدها! سبحان الله! الذي لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر لا يزال على ما كان عليه إلا من رحم الله! لا اعتبار! لا اتعاظ! لا ضراعة! لا رجوع إلى الله ! لم لا نحاسب أنفسنا ونقول: كان هذا حراماً واستبحناه! فلنتجنبه، كان هذا واجباً وتركناه! إذاً فلنفعله لكن ما حدث شيء من هذا! إذاً ماذا نتوقع؟! كيف ندفع العذاب؟!

стр. 1944

الغفلة عن أسباب دفع العذاب لقد بين الله لنا كيف ندفع العذاب، وبين لنا أن التضرع سبب من أسباب دفع العذاب كما في آية المؤمنون والأنعام والأعراف وغيرها، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون:٧٦] ويقول تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٣] وفي سورة الأعراف يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف:٧٤] إلى أن يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [الأعراف:٩٦ - ٩٧] وهذا ما حدث في الكويت! ثم يقول تعالى: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٨ - ٩٩]. أين الضراعة التي ذكرها الله في القرآن؟ أم أننا لسنا في حاجة إليها؟! لا ضراعة! لا استكانة! لا توبة! لا إنابة؟ حالنا كأنه لم يحدث شيء. من أين جاءنا الأمان والارتياح؟ من أين؟! لما قيل: إن الغربيين الكفار سيدفعون عنا عذاب الله، فارتحنا واطمئننا!! أهكذا أمة الإيمان؟! أهذه أمة التوحيد التي في كل ركعة تقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]؟! أهذا حالها؟! أهذا شأنها؟!

стр. 1945

اللجوء إلى الكفار خلل في العقيدة أمتنا في وقت الشدة لا تلجأ إلى الله ولا تتوب ولا تستغفر ولا تتضرع وإنما تلجأ إلى الكفار! وتجعل ثقتها بالكفار، في كل مجلس تقريباً، يقول الناس: ما دام أمريكا موجودة فلا مشكلة! لا أحد يقول: ما دام الله معنا!! هل إلى هذا الحد وصل بنا الأمر من ضعف العقيدة وكل وقتنا إنما كنا نقول فيه العقيدة العقيدة العقيدة إذاً فقد كان هذا مجرد شعارات فقط!! وإلا فأين أثر الإيمان الحقيقي؟! وأين هذه العقيدة؟! نأمن ونطمئن بالكفار؛ لأن الكفار سينصروننا هكذا نعتقد وننسى وعد الله ! وننسى أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨]. من هم المؤمنون الذين يدافع الله عنهم؟ قال بعد ذلك: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] إلى أن قال بعد ذلك: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] هؤلاء يدافع الله عنهم، هؤلاء ينصرهم الله (إنه قوي عزيز)، فهكذا ينصرنا الله وليس الكفار هم الذين ينصروننا!

стр. 1946

ما يترتب على اللجوء إلى الكفار أنا أقول هذا من باب اللجوء وتوجه القلوب، ولا أتكلم عن الواقع؛ من حيث ضرورته أو عدم ضرورته، بل من حيث التوجه القلبي، وهذه المسألة مشكلة خطيرة، وأرجو أن تكون هكذا عند كل أخ منكم يقرأ كتاب الله. المشكلة والخطورة ليست في أننا عملياً قد نلتجئ للكفار أو نستعين بهم، وهل يجوز هذا وقت الضرورة أم لا يجوز ليست هذه هي القضية؛ لأننا يمكن أن نبحث هذه المسألة أو أن نفعل هذا العمل، وقلوبنا مطمئنة بالإيمان وبالثقة والتوكل على الله، ونجعل هذا سبباً من الأسباب، لكن ليست هذه هي المشكلة المشكلة: هي أن القلوب انصرفت إلى غير الله، وانصرفت إلى الكفار الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وتعلقت الآمال بهم في سلامتنا وفي نجاتنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله! أنا أريد أن نتناول هذه القضية من جانبها الإيماني، ومن جانبها القلبي الإذعاني، وننبه إخواننا وأنفسنا وأهلنا وكل أحد، إلى أن عذاب الله قد يأتينا في أشكال لا نعلمها، وهذا جزء منه ونذير: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُو﴾ [المدثر:٣١]. قد يأتينا في أشكال منها الموت، فقد يأتي أي واحد منا قبل أن تأتيه الغازات التي نسمع عنها، فيلقى الله، فيسأله الله: ماذا عملت؟ ماذا قدمت؟ وما من دارٍ إلا الجنة أو النار! فأين نحن من هذا التفكير؟ أين الدعاة والخطباء والعلماء لإيقاظ الناس إلى هذه المسألة المهمة؟ قبل أن نبحث الأسباب وقبل أن ننظر في واقعنا، وماذا نفعل؟ نبحث هذه القضية من جذورها وأساسها! وقد وردت إشارة في بيان مجلس القضاء الأعلى إلى أنه يجب على الناس أن يكثروا من الاستغفار والتوبة، وبعد ذلك انظر إلى وسائل الإعلام، وانظر ماذا يبثون! نريد أن نجد هذا التفكير فلا نجده وهو الأساس والأصل، وهو الذي امتنَّ الله علينا به، والرسول ﷺ الذي هو بالمؤمنين رءوف رحيم، وهو أرأف وأرحم بنا في أية مشكلة تقع قد دلنا عليه وبينه لنا ﷺ ، ومع ذلك لا نجد من يتمثله؛ بل في ساعات النصر النبي ﷺ لما دخل مكة وهو منتصر، دخل في ذلةٍ واستكانةٍ لله مطأطئ الرأس حتى كاد رأسه أن يمس رحله، وهو داخل مكة بالفتح العظيم الذي وعده الله تعالى به، وكان في هذه الحال من الاستكانة إلى الله والذل له. ونحن في حالة الخوف والذعر والهلع ومع ذلك لا ضراعة، ولا استكانة، ولا إنابة، ولا خوف من الله إنما تعلق بالمخلوقين، وتعلق بالعدو اللدود، الذي عداوتنا به لا تنتهي إلى قيام الساعة.

стр. 1947

قدم العداوة مع الغرب هذه العداوة ليست من عندنا، ولا هي تحليلات سياسية، فنقول: إن أمريكا هي أعدى عدو للإسلام والمسلمين أو الغرب هو أعدى عدو للإسلام والمسلمين، التحليلات السياسية والصحفية تخطئ وتصيب، لكن هذا كلام رسول الله ﷺ ، هذا خبر منه وهو الصادق المصدوق عندما قال: ﴿تقوم الساعة والروم أكثر الناس﴾ حديث صحيح. وقال: ﴿لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بـ الأعماق﴾ وهناك ستكون الملحمة. أحاديث الدجال تتضمن في جملتها ذلك، أحاديث نزول عيسى ﵇ كلها تتضمن ذلك إذا جمعتها، وأعظم ما يقوم به عيسى ﵇ هو محاربة هؤلاء النصارى الروم. أيضاً هذه الأخبار الصريحة في الروم وأنها آخر ما يفتح، قال ﵊: ﴿تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله لكم، ثم تغزون فارس فيفتحها الله لكم، ثم تغزون الروم فيفتحها الله لكم﴾. والمعركة -والحمد لله- كما بينها النبي ﷺ سوف تنتهي لصالح المسلمين ضد الروم وهذا حتى لا نخاف، ولا نيئس، لكن أين المسلمون؟! إن حالات الذل تمر بالأمم كما تمر بها حالات القوة، حالات الخذلان تمر بها بسبب الذنوب، كما تمر بها حالات التوفيق إذا اتقت ورجعت إلى الله.

стр. 1948

حرب الخليج والمخططات الغربية تذكرون محاضرة "مستقبل العالم الإسلامي في ظل الوفاق الدولي"، ثم محاضرة "الحروب الصليبية"، من هذا المنطلق كنا نتوقع ونعلم -دون معرفة التفاصيل- أن هذا الوفاق سيؤدي إلى أن الغرب سيتكتل ويتألب ويتكالب علينا، وأنهم سيجتمعون علينا، وأنه سيأتي إلى هذه المنطقة، لكن كيف؟ الله تعالى أعلم! لا ندري، المهم أنه سيأتي. هل هذه فرصة أتاحها لهم حزب البعث الصليبي نفسه، وقدمها لهم على طبق من ذهب؟ أم أنهم رتبوها بأنفسهم؟ أم رتبوها بعضهم مع بعض؟ أم أنها جاءت فرصة ذهبية؟ لا ندري! لكن المهم أن أمريكا منذ عام (١٩٨٠م) أي عام (١٤٠٠هـ) وهي تعد العدة وتدرب الجيش! أكثر من مائتين وخمسين ألف جندي أمريكي يتدربون في صحراء نيفادا، وهي صحراء في وسط أمريكا قاحلة على أجواء مشابهة لأجواء الصحراء العربية، والمعركة الآن يسمونها درع الصحراء، يتدربون هناك على الإنزال في الخليج! وآخر خبر أذكركم به ما قيل عندما حدث الإنزال في بنما، وذلك -من ضمن التحليلات العسكرية لعملية الإنزال في بنما - قيل فيه: إن من أهدافها الاستراتيجية التمرين والتعود على الإنزال في الخليج! وهذه العملية ما بيننا وبينها إلا بضعة أشهر، أي: أن الأمر مبيت عندهم ووارد، وهذه فرصة قدمها لهم أعداء الإسلام. جاءت فجاءوا من كل حدبٍ وصوب، كما قال ﷺ وهو الذي لا ينطق عن الهوى: ﴿تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها﴾ من كل أفق، من كل المناطق، جاءوا إلينا بحجة أنهم يحموننا! ولابد أن تعملوا أنه مما نشر من المائتين وخمسين ألفاً ما لا يقل عن ثلاثين ألف امرأة برتبة ضابط ونقيب ورقيب. هؤلاء جاءوا بنسائهم ليحموا أبناء خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعمر، وأبناء الأبطال الذين فتحوا فارس والروم بعدد أقل من عددهم اليوم، وبعدة أقل من عدتهم اليوم! ولو كنا كما أمر الله متقين له وقائمين على أمره ، لفتحنا البلاد بما عندنا من عدد، وبما عندنا من قوة، فما كلفنا الله ما لا نطيق، كما قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] فقال: (ما استطعتم) فإذا كنا لا نقدر إلا على هذا، فقد أعذرنا إلى الله .

стр. 1949

مواجهة ذاتية دون الذل للكافر الحربي أسوء ما يمكن -وهذا واقع- أن يتكالب علينا أعداء الله ولا نستطيع أن ندفعهم، فماذا نفعل؟ بين أيدينا سنة النبي ﷺ ، وسنة الخلفاء الراشدين وقادة الإسلام في كيفية التعامل مع العدو وهناك عدة وسائل: - قد نصالحهم فإن أبوا إلا على شيء من المال فإننا نعطيهم، والنبي ﷺ أراد أن يعطي الأحزاب لما تكالبوا عليه من ثمر المدينة كما تعلمون. - قد نصالحهم على شيء من الأرض. - قد نقول: لا بد أن نحاربهم. وهناك وسائل وبدائل أخرى؛ فما جعلنا الله تعالى في ضيق أو في حرج، إما هذا، أو هذا كما يظن كثير من الناس اليوم. كثير من الناس -في المجالس وفيما أسمع- يقولون: ما عندنا إلا الموت أو التعلق بالغرب! من قال لك: إنه ليس عندنا إلا هذان البديلان، ولا ثالث لهما. يمكن أن يكون هناك عشرة بدائل لو فكرنا وتأملنا، وندفع الشر بإذن الله ، فالمشكلة الأساس هي مشكلتنا مع الله، مشكلتنا أننا لم نصطلح معه بل نحاربه، فألب الله ﵎ علينا وأرسل علينا هؤلاء، كما أرسل على بني إسرائيل الفرس- بختنصر وجيشه- قال تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] هذه ليست فقط لبني إسرائيل، حتى هذه الأمة إن عادت عاد الله بالعقوبة قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤]. إن هذا الفسق والفجور والطغيان والترف الذي كنا نعيشه، هل يمكن لأي عاقل ولأي ناظر في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن يصدق أن هذا يستمر إلى الأبد بدون عقوبات؟ مع أنه لا توبة ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر؟! لا يمكن. بل نهلك وفينا الصالحون إذا كثر الخبث كما بين ذلك النبي ﷺ . فكان المفروض أن ننظر إلى كل هذه الأمور من خلال كتاب الله ومن خلال سنة رسول الله ﷺ ، وأن نحمد الله على هذه الأحداث؛ وذلك لأن فيها عبراً عظيمة تعطى لنا وتهدى لنا من كل جهة. هل تظنون أن الله وهو الذي أخبرنا عن نفسه وعن رحمته للمؤمنين، وما أعد لهم وما يبشرهم به لا يظلم الكفار ويظلم المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس:٤٤]؟! هل يظلمنا الله ونحن ندفع إلى صدام حسين الملايين والمليارات طوال عشر سنوات، ثم ترتد أموالنا علينا! هل يظلمنا الله بذلك؟! لا والله لا يظلمنا! لكنه ظلمنا لأنفسنا نحن، وتعلقنا بالأسباب المادية! والذين هاجمهم اليوم وقاتلهم من منهم لم يحسن إليه ولم يعطه ولم يساعده، هل هذا من ظلم الله لنا؟ نفعل هذا الإحسان، وهذا الخير، وهذا العطاء، ثم يظلمنا؟ لا والله.

стр. 1950

الاستقامة سبيل العزة لو كنا مستقيمين على أمر الله، ولا ننفق إلا حيث أمر الله أن ننفق، ولا نمنع إلا من أمر الله أن نمنع، وإذا أنفقنا فللدعوة إلى الله وفي سبيل الله، وخالصة لوجه الله، عندها سينصرنا الله ويذل أمريكا نفسها، وتأتي راكعة ذليلة، وقد أذل من هو أعظم شأناً منها، وليس ذلك عليه بعزيز أن يذلها لنا، ونحن أمة الإيمان والتوحيد. وقد أذلها لـ كوبا، وأذلها لغيرها، ولا تستطيع أن تفعل شيئاً ضدها؟ والآن هي المحتاجة إلينا، وهي المضطرة إلينا، فإذا اتقينا الله كفانا الله ذلك كله، وإذا خفنا الله أخاف الله منا كل أحد، وإذا لم نخف الله أخافنا الله من كل أحد، وأتانا الذعر والرعب في قلوبنا، وأصبحت هذه الأمور تهزنا وتحركنا وتخوفنا. قضيتنا نحن المسلمين ليست في أنك ستموت أو أموت! أنا واثق أني سأموت، لكن المشكلة عندنا نحن هي أن نموت على ماذا، ونلقى الله تعالى بماذا، فالأمريكي أيضاً يموت، وليس فقط نحن، حتى أصحاب الكمامات يموتون، وغيرهم يموتون، ولو كنا في بروج مشيدة فلابد أن نموت.

стр. 1951

التوبة واللجوء إلى الله الفرق بيننا وبين الذين ينظرون للأمور نظرة مادية بحتة، وبالحسابات المادية المجردة، يقولون: مائة دبابة إما أن يقابلها مائة دبابة أو الهزيمة! من قال هذا؟! إن هذه نظريات مادية، ونحن عندنا قضايا أساسية مذكورة في كتاب ربنا، فإذا تبنا واستغفرنا وتضرعنا ولجأنا إلى الله، فإنَّ الله سوف يسلط على عدونا جنداً من عنده يدفعهم عنا، وقد دفع عنا شرورهم وهم أعظم ما يكونون ونحن أضعف ما نكون، لكننا لا نقرأ التاريخ.

стр. 1952

شموخ الإيمان قبل خمسين سنة أو ستين سنة تقريباً بريطانيا العظمى -كما تسمى- كانت لا تغيب الشمس عن مملكتها، وكانت أكثر بطشاً وهيبة في قلوب العالم من أمريكا اليوم، وكانت كل أمم العالم ترهبها وتخافها، لكنها كانت تخاف من صنف واحد من الناس، وجاء ذكره في الوثائق البريطانية، وهي الآن منشورة؛ لأنهم بعد كل ثلاثين سنة ينشرونها، وبعضها في أقل من ذلك؛ لأنها ليست ذات أهمية عندهم، وجاء في تلك الوثائق أن أكثر ما كانت تخاف منهم بريطانيا في المنطقة كلها من الإخوان الوهابيين، كما يسميهم الإنجليز، وكان هؤلاء يعيشون في الصحراء، وبعضهم ما يعرف معنى الإنجليز، يسمع هكذا وما يدري، ولا عنده -مثلنا الآن- تفكير واستراتيجيات وخبرات، ولكن كان الإنجليز يخافون منهم خوفاً شديداً. من الوثائق المنشورة -حتى تعرفوا كيف هُنَّا على الله، وكيف لو كنا مع الله لكان معنا- أن المقيم السياسي الإنجليزي في البحرين -وما كانوا يسمونه سفيراً، كان اسمه الوكيل أو المقيم السياسي- كُلِّف من قبل المندوب السامي في العراق أن يكتب شيئاً عن الإخوان فكتب يقول: 'أنا بنفسي ذهبت إلى سوق البحرين ورأيت الإخوان، طولهم يبلغ ياردتين أو تقريباً -يعني مترين إلا شيء- عرضهم كذا، وجوههم كذا، تعاملهم في السوق من أفضل التعامل، و، و' ويكتب عنهم مثلما يكتب من يذهب في وسط إفريقيا ويرى الغورلا، فيكتب عن شكلها وطولها!! أي أنهم أناس يحسبون لهم ألف حساب! ولما سألوا لورنس: ما رأيك في مسألة الإخوان؟ ماذا رد عليهم لورنس، قال: 'إذا أرادت بريطانيا أن تقضي على الإخوان، فعليها أن تخصص خمسين ألف جندي بريطاني، ولكنهم سيموتون جميعاً تحت شمس الصحراء المحرقة' وهذا موجود في كلام لورنس، وكأنه يقول: لا فائدة من حربهم! وأخطر شيء كانت تخافه بريطانيا أن تقوم حركة الإخوان، بمهاجمة الحدود العراقية! بريطانيا العظمى والأساطيل والقوات تحتل العراق ما هو صدام؟! وتخاف أن يهاجم الإخوان العراق، وهي التي كانت ترتعد خوفاً من الإخوان. ومشكلة الحدود مع العراق والكويت هي فعلاً مشكلة طويلة جداً. والمندوب السامي البريطاني هو الذي وضع الخط- وهناك كتاب موجود في الأسواق في كل مكتبة يوجد فيه هذا الكلام- وقال: من هنا تكون حدود الكويت، ومن هنا حدود العراق، ومن هنا حدود السعودية، ثم طالت المشكلة. وعندما وصلت جيوش الإخوان إلى بحرة، لم تفتح جدة، ثم دخلوا مكة، وتقدموا إلى بحرة ليفتحوا جدة، وجاء وزير الخارجية من العراق، وقد أرسلته بريطانيا ليوقع اتفاقية بحرة، وهم الذين حرصوا على توقيعها، وهي تتضمن عدم الاعتداء على الحدود العراقية، هذا من جهة. من جهة أخرى كان اليهود -ومعهم الإنجليز أعوانهم- في فلسطين، وكانوا يخشون من جيوش الإخوان أن تهاجم العصابات الصهيونية؛ لأنهم يعرفون أن الجيوش العربية السبعة أو العشرة لن تعمل شيئاً، ولكن هؤلاء يمكن أن يقضوا على اليهود قضاءً مبرماً، وبالفعل عام (١٩٢٤م) وصل الإخوان إلى عَمَّان، ورُعِبَ الإنجليز رعباً شديداً، وقالوا: إذا أخذوا الأردن فسيتقدمون إلى فلسطين، وسيقضون على اليهود. وهم لم يكن لديهم أكثر من البنادق العادية والخيول، حتى لما قيل لهم -وهذه قصة مشهورة، تناقلها الكبار الذين حضروا تلك المعارك- لا تتقدموا لأن الإنجليز عندهم طائرات تلقي ناراً من السماء -أي قنابل- فقال قادتهم: هل هذه الطائرات فوق الله أم الله فوقها؟! انظروا كيف الإيمان! قالوا: الله فوقها، قالوا: توكلنا على الله، فتأتي الطائرات وتُسْقَط الطائرات بالبنادق العادية، وينهزم جيش الشريف الذي كان يُخْشَى لأن عنده طائرات. ودخلوا إلى جدة، ثم تقدموا منها حتى أخذوا العقبة، وهذا يعني أنهم كانوا في ضعفٍ فعلاً، لكن كان لديهم قوة الإيمان والعقيدة القوية في الله والثقة به، فكان العالم يخافهم ويرهبهم، أما نحن فعندنا قوة ليست هي هينة، قوة الطيران ضخمة، وقوة مالية، وكل شيء موجود فإننا نقدر أن نشتريه، لكن أقول: السبب المعاصي والذنوب! ونحن لسنا عسكريين حتى نتكلم في الخطة العسكرية، أو نتكلم في الاستراتيجيات، نحن نتكلم في الشيء الأساس الذي يجب أن يكون عند العسكري وعند المدني وعند كل أحد، وهو الإيمان بالله وقوة التوحيد وقوة التوكل على الله، إن وجدت هذه عندنا فوالله سوف يخاف منا الغرب والشرق معاً.

стр. 1953

أهداف اجتماع الحشود الغربية هل تظنون أن الغرب والشرق عندما يجتمع ويتكالب ويأتي إلى هذه المنطقة، أن ذلك من أجلنا؟ أم من أجل سواد عيوننا؟! والله لا يريد لنا الكفار خيراً أبداً، إن ألقيت الغازات السامة علينا، أو على بغداد، فالموتى مسلمون، وما الذي سيضرهم، إن دُمِّر العراق أو غير العراق؟! فالمدمَّر هو هذه الأمة ومقومات هذه الأمة، بغض النظر عن وجود المجرمين والمرتدين الذين أثاروا هذه الفتنة.

стр. 1954

البترول لكن على المدى البعيد هؤلاء المرتدون ضربوا الأمة، وسببوا لها النكبة! والغرب ضرب الأمة وأذل الأمة! وما هو الغرض من هذا كله؟! الغرض هو البترول، أن يصلهم البترول دائماً، وحتى الأسعار يستطيعون أن يتحكموا فيها إلى حد كبير، وهناك غرض أساسي غير البترول، وقبله وبعده، وهو: إذلال هذه الأمة وضرب الصحوة الإسلامية.

стр. 1955

ضرب الصحوة الإسلامية وقد نشر في يوم (١١ من ذي القعدة) على لسان أحد المسئولين في الإدارة الأمريكية حين سئل: هل تتخوفون من قوة العراق الضاربة في المنطقة؟ فكانت الإجابة أن قال: 'لا، وذلك لأن العراق يشكل أكبر قوة في المنطقة لضرب الصحوة الإسلامية التي هي أخوف ما نخاف' وهذا موجود ومنشور، وقد ورد أيضاً في مجلة الحياة أن وزير الخارجية دوما يقال له: كيف كنتم مع العراق طوال السنوات الماضية؟ وما هو موقفكم الآن؟ ثم بعد ذلك سُئل عن توقعاته وغير ذلك، وأنا سآتي لكم بمجمل ما قاله، قال: 'موقفنا من العراق كان سلمياً سابقاً؛ وذلك لأنه أمر حتمي، حيث إنه كان يحارب الأصولية الإيرانية' ثم قال: 'أكثر ما يزعجنا الآن أن تتحالف القومية مع الأصولية الإسلامية في موقفها لتأييد صدام ' ولا شك أن من وقف مع صدام -وإن سمى نفسه داعية أو دعوة أو جماعة- مخطئٌ خطأً كبيراً جداً، إن لم نقل أكثر من ذلك، لكنَّ هذا ليس موضوعنا الآن، موضوعنا هو أن الغرب يقول: 'ما دام هناك جماهير أو حركات أصولية تقف الآن مع صدام، فالمشكلة موجودة' بمعنى أنهم يقولون: نحن ما تناقضنا؛ لما كان صدام يحارب الأصولية أيدناه، وحاربنا معه الأصولية الإيرانية، والآن الأصولية تقف مع صدام، فإذاً نحن نحارب صدام، وكلام واضح لمن يتدبره، فالقضية والهدف الأساسي أن الغرب يريد إذلال الأمة الإسلامية، وضرب الصحوة الإسلامية، واستنزاف المنطقة، لأنها منطقة مهيأة لقيادة الأمة منها. والغرب صفى الحسابات فيما بين قواته، فـ روسيا الآن تابعة لـ أمريكا، وأساطيلها جزء من القوات التي دعت إليها أمريكا، وهذا أمر لا شك فيه عندنا، وكلهم علينا؛ قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] الشاهد: (بعضهم أولياء بعض) فـ أمريكا احتوت روسيا وأصبحت معها، ماذا يريدون؟! والمسألة تتعلق بـ الكويت، ومن شفقة أمريكا ورحمتها بـ الكويت تُخرج العراق منها، فهذا المظلوم يستغيث فتغيثه أمريكا! هل تعرف أمريكا شيئاً اسمه رحمة أو عطف أو إنسانية أو شفقة لغير الإنسان الأوروبي؟! انظروا إلى القضية من جذورها العميقة في الغرب وأوروبا. منذ أن قامت الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، هل سمعتم أن دولة أوروبية جيشت الجيوش على دولة أوروبية، أخرى؟ لم يحدث هذا أبداً، وفي نهاية العام القادم ستكون أوروبا دولة واحدة. لمن تبنى هذه الحشود والأساطيل إذن؟! إذاً: لمن الأساطيل؟! ولمن الحشود؟! ولمن المليارات التي تنفق على التسليح وهم أصبحوا دولة واحدة؟! للعدو نحن الذين من أجلهم تحشد هذه الإمكانيات، جاءتهم هذه الفرصة أو خططوا لها، المهم الآن أنهم بدءوا يتوافدون، وسوف يتوافدون علينا بهذا الغرض، وأمريكا من أجل هذا الحدث البسيط أرغمت أسبانيا واليونان وتركيا على استخدام القواعد، وأخذت منها صلاحيات واسعة جداً في ذلك، واحتلت وطوقت المحيط الهندي، وبحر العرب، والبحر الأبيض المتوسط والمنطقة بكاملها، كل منطقة ابتلعت من أجل الكويت، فهم أناس يخططون على المدى البعيد!

стр. 1956

الثقة بنصر الله نحن لا نقول هذا من باب الإخافة، بل كما قلت لكم: والله أننا كما نؤمن وكما نثق وكما نقسم أن الشمس ستشرق غداً فكذلك والله سيكون النصر لهذه الأمة، بإذن الله، لكن لمن؟! وعلى يد من؟! نحن نحتاج هذه الأمور الأساسية وهي: أن نذكر الناس بالله، وأن نربطهم به سبحانه، وأن يكف الشباب عن متابعة هذا الغثاء من الصحف ونشرة الأخبار، ونُعلِّم الناس كلهم بأن يرجعوا إلى القرآن، ونقول لهم: اعمروا المساجد، وكفوا عن هذا التبرج والفساد الذي في الأسواق، ومروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، وتوبوا إلى الله، بدلاً عما تشغلون به أوقاتكم من اللهو، واشغلوه بالجد وبالحق، فغيروا ما بأنفسكم يغير الله ما بكم ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. غيروا ما بداخلكم تجدوا أن الله أذهب صدام بانقلاب عسكري أو غير ذلك، ثم بعد ذلك نجد أمريكا وهي العدو الأخطر والأكبر يذهبهم الله بما يشاء ويعيننا عليهم.

стр. 1957

أهمية التغيير لتحقيق النصر لابد أن نغير ونبدأ من الآن، والملحمة مع الروم لن تكون سهلة، ولكن تكون سنة أو سنتين أوخمس أو عشر سنين، إنها ملحمة طويلة، ومعركة طويلة تحتاج أول ما تحتاج إلى أمة مؤمنة صابرة متقية؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠] أول شيء نفعله هو أن نصطلح مع الله، ثم نلغي الربا والفساد، ونلغي الباطل الذي يكون فيه الفاحشة والزنا الظاهر من التبرج وما إليه، ونلغي الغناء، والرشوة، نلغي الغيبة والنميمة والحسد والبغضاء التي انتشرت بيننا نحن المسلمين، نلغي كل نظام يخالف شريعة الله ، وليظل الحكم هو بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وإلى شرع الله وإلى دين الله؛ بأن نتحاكم إليه في كل صغيرة وكبيرة حقاً، وليس مجرد شعاراً، نراجع أنفسنا: ماذا أذنبنا! وماذا أخطأنا؟ وماذا فعلنا؟ نتوب إلى الله .

стр. 1958

أهمية الإعداد ثم بعد ذلك نعد العدة ما استطعنا كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] هؤلاء البعثيون أعداء الساعة نعد لهم ما استطعنا وسنيصرنا الله عليهم، وأما الروم والغرب فهم أعداؤنا إلى قيام الساعة، كما أخبر النبي ﷺ ، فنعد لهم أيضاً العدة، ونعلم أنهم لا بد أن يواجهونا يوماً ما، ثم نجعل جميع موازيننا لله ، إذا أعطينا نعطي لله، وإذا منعنا نمنع لله، وإذا غضبنا نغضب لله، وإذا رضينا نرضى لله.

стр. 1959

الاستمرار في معاداة المرتدين والكافرين نحن الآن نخشى لو حلت القضية -ونحن نتمنى أن تحل القضية وتنتهي المشكلة- أن تعود الصداقة بيننا وبين هؤلاء المرتدين، وترجع العلاقات والصداقة والمحبة وكل شيء ومؤتمرات القمة الإسلامية والقمة العربية، وتعود المياه لمجاريها شيئاً وكأنَّ شيئاً لم يكن، فإذا كنا نلدغ من الجحر الواحد عشرات المرات، فنحن جديرون بما ينزل بنا، نسأل الله العفو والعافية! الكفار -أيضاً- نعاملهم بما أمر به الله من معاملة الكفار، وليس هم وحدهم البعثيين فإن هناك بعثيون في أماكن أخرى، وليس هم وحدهم مرتدين، إذاً: تكون موالاتنا ومعاداتنا في الله، ولذات الله، وفي هذه العقيدة، نتمسك بها، وإن متنا فسوف نموت ونحن متمسكون بها، وقد عملنا ما استطعنا، وأعددنا ما استطعنا، وإن عشنا فالنصر لنا بإذن الله .

стр. 1960

المفاهيم والقيم وأثرها في النصر والهزيمة تأكدوا أن الله سوف ينصرنا، إن لم يكن جيلنا هذا الذي هو جيل المعاصي، فسيكون الجيل الذي سيأتي به الله ، الجيل الذي سيتربى بعيداً عن العقد النفسية!! ماذا عندنا؟ عقدة إعجاب بالغرب، أو خوف من الغرب، أو إرهاب من الغرب انظروا إلى القضية الفلسطينية، أخ عزيز يقول لي: إنه ذهب في العطلة إلى هناك، وعنده ولد عمره خمس سنوات، لكنني لما ذهبت لزيارتهم لم أجده، فخرجت أبحث عنه في الشارع فوجدته وإذا به يحرق إطار سيارة ويرمي اليهود بالحجارة، يقول: والله ما علمته! وكل حياتي إنما هي هنا في السعودية! هذا الطفل ليس عنده عقد، ولا توجد عنده حكاية الهيلمان والجيوش التي لا تقهر من الغرب والأساطيل، هذا الجيل سينتصر بإذن الله وإن قل العدد. وعندما جاءت الحملة الصليبية الأولى، كان عدد الذين فتحوا أنطاكية واتخذوها أول مستعمرة لهم خمسة آلاف من الصليبيين فقط، لكن الأمة كانت مشغولة بالشهوات، وفرقتها العصبيات، وفرقتها الفرق والطوائف الضالة بالطرب، وكان أغلى شيء في تلك الأيام وأغلى سلعة في السوق: الجارية أو المغنية، ويصل سعرها إلى عشرة آلاف دينار، وإلى مائة ألف دينار، أمة كبيرة وضخمة جداً ومواردها هائلة، وخمسة آلاف من الصليبيين يذلونها ويرغمونها، لكنهم في الحملة الثالثة كان عددهم ثلاثمائة ألف صليبي من جميع دول أوروبا جاءت وهُزمت بعد خمسين سنة تقريباً، لأنه ولد جيل وظهر جيل لا يعرف إلا الإيمان بالله ، وما عنده ذلك الفسق والفجور واللهو والمجون الذي كان عند أولئك.

стр. 1961

كيف نواجه أزمة الخليج إذاً: نقول -يا إخوان-: ما يحتاج أن نذكركم ونكثرمنه وهي نصيحة لله وللمسلمين خاصتهم وعامتهم، أوجهها من هذا المكان، نسأل الله أن تبلغ إلى كل من ينفعه الله بها: إن الحرب أولاً هي مع أنفسنا، والصلح أولاً هو مع الله، لابد أن نحارب هذه النفوس وهذه الشهوات، هذه النفس الأمَّارة بالسوء، ونصطلح مع الله ، ونتوب إلى الله، ونعيد لأهل الدعوة قيمتهم واعتبارهم، نعيد لرجال الهيئات قيمتهم واعتبارهم، ونعيد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قيمته، ونعيد لكل أمر من أمور ديننا من الحق والخير والفضيلة قيمتها واعتبارها، ونكف عن كل المعاصي، وغيروا وانظروا ماذا سيكون؟! والله ليغيرن الله هذا الحال، وليكونن لنا نصرٌ عظيم جداً نفتخر به مدى الأزمان، ونظل نقول: الحمد لله الذي جاءنا بهذه المشكلة، غَيَّرْنا فَغَيَّرَ الله أحوالنا، وغير حال العالم وجعلنا هداة مهتدين، ثم نفرح إذا تحولت إلى نعمة عظيمة جداً. أما إن بقينا على حالنا، وتعلقنا بالأسباب المادية، ونظرنا إلى الأمور بنظرة مادية، ونسينا الله ، واستمر صاحب الغناء في غنائه، وصاحب المنكر في منكره، ومحلات السياحة تسيح، ومشاغل الخياطة تعمل في فسادها وفي تعريها، ولا مُنْكِرَ، وتارك الصلاة تارك لها ومستمر، وتحويل تسجيلات غناء إلى تسجيلات إسلامية أيضاً ممنوع، وما غيرنا من ذلك شيئاً، ومن أراد أن يتوب أيضاً لا يجد من يشجعه، فإذا بقينا كذلك، فالعذاب قائم، ونعوذ بالله أن يأخذنا! وكل ما في الأمر أن نقول ونسأل الله ونتضرع إليه كما أمر ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وإذا وقعت العقوبة والفتنة فنسأله أن يتوفانا إليه غير مفتونين، وإلا فلن نسلم! ولذلك أقول: لابد أن نتوب، ونلقى الله ونحن على التوبة، ونحن على إيمان، ونحن قد أعذرنا إلى الله. واجبكم -يا إخواني- عظيم وكبير ولا يستهان به، لا تقل: ماذا أفعل؟! أنت تتكلم، وهذا يخطب، وهذا يعظ في مجالس الناس، أو في أي مكان يذكرهم بالله، يذكرهم بأن المؤن التي نقصتنا هي مؤن الإيمان والتقوى، فلا نتكالب على الرز وعلى البضائع وعلى ماله علاقةٌ بالمأكل والملبس، فلو آمنا بالله لما شحت المؤن كما ذكر تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]. لكن لما عارضنا وعصينا، حصل لنا النقص، نقص في الوظائف، وفي العملة، وفي الأرزاق، وهذا بذنوبنا، فنعلم الناس هذا في كل مجلس ونذكرهم، والآن لا يوجد أحد إلا وهو يتكلم في القضية؛ الصغار والكبار، لماذا لا نذكرهم، ونعظهم، ونعظ أنفسنا قبلهم؟ ونقول كلمة الحق، الكلمة التي سيحاسبنا الله عليها، يجب أن نقولها وهي خير لنا وخير للأمة، وخير والله لكل من يسمعها، ونحن نعلم -إن شاء الله- أننا لا نقولها ونريد أجراً عليها، ولا نقولها لنبتغي بها دنيا من الناس أو نريد منهم شيئاً. لكن ما نقولها إلا خالصة لوجه الله، ونصيحة كما أمر الله ، ليتذكر من تذكر، وليتعظ من يتعظ، فإن أبوا قلنا: معذرة إلى الله؛ فنكون نحن أعذرنا أمام الله ؛ فهل ترون أنفسكم معذورين أمام الله؟ كل منا يسأل نفسه وإذا كان واحد معذوراً أمام الله فجزاه الله خيراً. أما أنا فأقول: لا أحد منكم معذور، حق علينا ألا ننام هذه الأيام، وألا نهنأ بأكل ولا شرب، ليس والله لأننا نخاف من الموت أو لأن هؤلاء سينتصرون، لا والله، لكن لأن الله سيسألنا عن العلم الذي لم ننشره، وعن الدليل الذي لم نبلغه، وعن الحق الذي لم نصرح به، ولم نقل إلا بعضه، وربما لم نقل شيئاً منه؛ ولو تحرك العلماء والقضاة والمسئولون كلٌ بحسب مسئوليته، وأخبرونا جميعاً من فم واحد بوجوب التضرع والتوبة والإنابة والاستغفار، وأن هذا هو سبب البلاء كما ذكر الله في القرآن؛ والله لتغيرت أحوالنا، ونعذر إلى الله فعلاً. فالمسألة ليست مجرد كتابات، يكتب هؤلاء ويكتب هؤلاء، وليست هي مجرد حرب مادية أيضاً، فيقلق هؤلاء ويقلق هؤلاء، هذه حرب طويلة الأمد. أقول إن القضية ليست قضية مؤقتة، ولا نهايتها قريبة كما يظن البعض، وإن كنت لا أتوقع أنا ضربة قريبة -والله أعلم- لكن أرجح أنه لن تكون هناك ضربة قريبة لا من هذا ولا من هذا، وإنما سيكون الحصار والإنهاك، وهذا يعزز مواقعه، وهذا يعزز مواقعه، البعثيون يحكمون قبضتهم على الكويت، والغربيون يحكمون قبضتهم على الرقعة بأكملها، ثم بعد ذلك سوف يأتي الله بالفرج من عنده. ولن ينبع الأمل ولن ينبع الفرج إلا من هذا الشباب الطيب المؤمن، إن اتقى الله وعرف واجبه في هذه الأحداث، وبدأ بالمرحلة الأساسية الأولى، ثم انتقل إلى المرحلة الثانية ثم الثالثة حتى لو لم يكن إلا بعد مائة سنة أو مائتي سنة -الله أعلم- لكن المهم: لا بد من يوم ما يتواجه فيه المؤمنون مع هؤلاء الكافرين، لابد! وفي ظل الظروف الآنية نحن نحتاج الموضوع الأول والقاعدة الأولى فقط؛ لأن عليها يبنى كل شيء، وتجاوزها إلى أي شيء آخر خطأ وغلط، ولا يصح أن يقر بأي حال من الأحوال، ومن أراد الأدلة فهي أكثر من أن تحصى.

стр. 1962

خطأ من أجاز الاستعانة بالكفر هناك مشكلة أخرى خطيرة جداً، وإننا لا يمكن ولا يجوز أن نسكت عنها، وهي الاستدلال بأدلة غير صحيحة لا تؤدي إلى المطلوب، هذا لا نقوله دفاعاً عن أموالنا -بغض النظر عن رأينا في أي حدث من الأحداث- لكن دفاعاً عن ديننا، ولئلا يفترى على الله، ولئلا يُكْذَب على رسول الله ﷺ ، ولئلا يقال على الله غير الحق، ولئلا يظن أحد أن ديننا هذا هزل، هناك من تكلم واستدل ببعض الأمور، فأخطأ الاستدلال، فيجب أن يبين خطؤه، وسوف أوجزها في الآتي:

стр. 1963

استعانة الرسول بعبد الله بن أريقط أولاً: الاستدلال بحديث أو بموضوع عبد الله بن أريقط وأن النبي ﷺ استعان به واتخذه دليلاً إلى المدينة، نقول: إن هذا من باب استئجار الكافر، واستئجار الكافر ليس فيه شيء، والبيع والشراء مع الكفار جائز وهذا متفق عليه، لكن الشركة مع الكفار هل تجوز؟ لا تجوز على القول الصحيح؛ لأن الشركة مشاعر مشتركة بينك أنت والكافر، فمشاعرهم واحدة رأيهم واحد، تأويلاتهم واحدة، فلا تجوز الشركة، لكن الاستئجار هذا سواءً كان استئجار عين أم استئجار منفعة معينة، هذا جائز لأنه ليس على كل شيء كالشركة، والإجارة هي أقرب إلى البيع لكنها بيع مؤقت، واستئجار الكافر ما قال أحد: إنه حرام، فلا يصح أن يستشهد به على مسألة لا يدل ذلك عليها.

стр. 1964

معاهدة النبي ﷺ مع اليهود في المدينة أهل المدينة أو سكان المدينة الأصليون هم اليهود من جهة، والأوس والخزرج من جهة، والبديل والطارئ على المدينة هو الرسول ﷺ والمهاجرون، فهم جاءوا ودخلوا المدينة، فكأنهم في نظر أهل المدينة محتلون، واليهود والمنافقون كانوا يقولون: "أكرمناهم وآويناهم"، "سمن كلبك يأكلك"، هكذا قال عبد الله بن أبي ثم قال: 'والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل' فنحن آويناهم والآن ارتفعوا علينا! فهذا هو الشاهد: أهل المدينة الأصليون هم اليهود والأوس والخزرج، وأما المهاجرون ومعهم النبي ﷺ فهم طارئون على المدينة فكأنهم جاءوا واحتلوها، ثم جاء النبي ﷺ وكتب المعاهدة، ومن ضمن ما كتب: أن الأمر في المدينة كله -الأمر والنهي- مرجعه إلى رسول الله ﷺ ، وهذا شيء مهم جداً، أي: أن شرع الله هو الحاكم على الجميع، وإذا داهم المدينة عدو، فإن الدفاع -كما نسميه نحن الآن- يكون من الجميع، فهل يعقل أن يتصدى المهاجرون والأنصار للعدو، واليهود قاعدون آمنون، وهم من أهل البلد، وهم مواطنون؟! ولذلك فهي مسألة تختلف تماماً عن المسألة التي نحن نتحدث عنها.

стр. 1965

عدم مشاركة المشركين في المعارك مع الرسول النبي ﷺ لم يستعن بالمشركين في أية معركة من معاركه أبداً! ولذلك جاء في بيان هيئة كبار العلماء: أن الأمر يرجع إلى الضرورة، والضرورة لها أحكام ولها تفصيل، وليس هذا موضوعنا، لكن موضوعنا نحن فقط هو من ناحية علمية بحتة، فنقول: لم يستعن النبي ﷺ بمشرك في أي حرب من الحروب، بل في صحيح مسلم ﴿أن رجلاً جاء فقال: أريد أن أحارب معك، فقال ﷺ : ارجع فإنا لا نستعين بمشرك﴾ وهذا حديث صحيح. أما ما نسب إليه مما ذكره الشافعي ﵀ أو سعيد بن منصور، أنه استعان ببعض يهود خيبر، فهذا الحديث غير صحيح، ولم يستعن بهم وإنما استعمل النبي ﷺ يهود خيبر، أي: استخدمهم في الأرض وجعلهم رقيقاً، أما أنه استعان بهم، أي: حارب بهم أو سهم لهم فلا.
следующие страницы →