Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
كيف نواجه أزمة الخليج
إذاً: نقول -يا إخوان-: ما يحتاج أن نذكركم ونكثرمنه وهي نصيحة لله وللمسلمين خاصتهم وعامتهم، أوجهها من هذا المكان، نسأل الله أن تبلغ إلى كل من ينفعه الله بها: إن الحرب أولاً هي مع أنفسنا، والصلح أولاً هو مع الله، لابد أن نحارب هذه النفوس وهذه الشهوات، هذه النفس الأمَّارة بالسوء، ونصطلح مع الله ، ونتوب إلى الله، ونعيد لأهل الدعوة قيمتهم واعتبارهم، نعيد لرجال الهيئات قيمتهم واعتبارهم، ونعيد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قيمته، ونعيد لكل أمر من أمور ديننا من الحق والخير والفضيلة قيمتها واعتبارها، ونكف عن كل المعاصي، وغيروا وانظروا ماذا سيكون؟! والله ليغيرن الله هذا الحال، وليكونن لنا نصرٌ عظيم جداً نفتخر به مدى الأزمان، ونظل نقول: الحمد لله الذي جاءنا بهذه المشكلة، غَيَّرْنا فَغَيَّرَ الله أحوالنا، وغير حال العالم وجعلنا هداة مهتدين، ثم نفرح إذا تحولت إلى نعمة عظيمة جداً.
أما إن بقينا على حالنا، وتعلقنا بالأسباب المادية، ونظرنا إلى الأمور بنظرة مادية، ونسينا الله ، واستمر صاحب الغناء في غنائه، وصاحب المنكر في منكره، ومحلات السياحة تسيح، ومشاغل الخياطة تعمل في فسادها وفي تعريها، ولا مُنْكِرَ، وتارك الصلاة تارك لها ومستمر، وتحويل تسجيلات غناء إلى تسجيلات إسلامية أيضاً ممنوع، وما غيرنا من ذلك شيئاً، ومن أراد أن يتوب أيضاً لا يجد من يشجعه، فإذا بقينا كذلك، فالعذاب قائم، ونعوذ بالله أن يأخذنا! وكل ما في الأمر أن نقول ونسأل الله ونتضرع إليه كما أمر ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وإذا وقعت العقوبة والفتنة فنسأله أن يتوفانا إليه غير مفتونين، وإلا فلن نسلم! ولذلك أقول: لابد أن نتوب، ونلقى الله ونحن على التوبة، ونحن على إيمان، ونحن قد أعذرنا إلى الله.
واجبكم -يا إخواني- عظيم وكبير ولا يستهان به، لا تقل: ماذا أفعل؟! أنت تتكلم، وهذا يخطب، وهذا يعظ في مجالس الناس، أو في أي مكان يذكرهم بالله، يذكرهم بأن المؤن التي نقصتنا هي مؤن الإيمان والتقوى، فلا نتكالب على الرز وعلى البضائع وعلى ماله علاقةٌ بالمأكل والملبس، فلو آمنا بالله لما شحت المؤن كما ذكر تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦].
لكن لما عارضنا وعصينا، حصل لنا النقص، نقص في الوظائف، وفي العملة، وفي الأرزاق، وهذا بذنوبنا، فنعلم الناس هذا في كل مجلس ونذكرهم، والآن لا يوجد أحد إلا وهو يتكلم في القضية؛ الصغار والكبار، لماذا لا نذكرهم، ونعظهم، ونعظ أنفسنا قبلهم؟ ونقول كلمة الحق، الكلمة التي سيحاسبنا الله عليها، يجب أن نقولها وهي خير لنا وخير للأمة، وخير والله لكل من يسمعها، ونحن نعلم -إن شاء الله- أننا لا نقولها ونريد أجراً عليها، ولا نقولها لنبتغي بها دنيا من الناس أو نريد منهم شيئاً.
لكن ما نقولها إلا خالصة لوجه الله، ونصيحة كما أمر الله ، ليتذكر من تذكر، وليتعظ من يتعظ، فإن أبوا قلنا: معذرة إلى الله؛ فنكون نحن أعذرنا أمام الله ؛ فهل ترون أنفسكم معذورين أمام الله؟ كل منا يسأل نفسه وإذا كان واحد معذوراً أمام الله فجزاه الله خيراً.
أما أنا فأقول: لا أحد منكم معذور، حق علينا ألا ننام هذه الأيام، وألا نهنأ بأكل ولا شرب، ليس والله لأننا نخاف من الموت أو لأن هؤلاء سينتصرون، لا والله، لكن لأن الله سيسألنا عن العلم الذي لم ننشره، وعن الدليل الذي لم نبلغه، وعن الحق الذي لم نصرح به، ولم نقل إلا بعضه، وربما لم نقل شيئاً منه؛ ولو تحرك العلماء والقضاة والمسئولون كلٌ بحسب مسئوليته، وأخبرونا جميعاً من فم واحد بوجوب التضرع والتوبة والإنابة والاستغفار، وأن هذا هو سبب البلاء كما ذكر الله في القرآن؛ والله لتغيرت أحوالنا، ونعذر إلى الله فعلاً.
فالمسألة ليست مجرد كتابات، يكتب هؤلاء ويكتب هؤلاء، وليست هي مجرد حرب مادية أيضاً، فيقلق هؤلاء ويقلق هؤلاء، هذه حرب طويلة الأمد.
أقول إن القضية ليست قضية مؤقتة، ولا نهايتها قريبة كما يظن البعض، وإن كنت لا أتوقع أنا ضربة قريبة -والله أعلم- لكن أرجح أنه لن تكون هناك ضربة قريبة لا من هذا ولا من هذا، وإنما سيكون الحصار والإنهاك، وهذا يعزز مواقعه، وهذا يعزز مواقعه، البعثيون يحكمون قبضتهم على الكويت، والغربيون يحكمون قبضتهم على الرقعة بأكملها، ثم بعد ذلك سوف يأتي الله بالفرج من عنده.
ولن ينبع الأمل ولن ينبع الفرج إلا من هذا الشباب الطيب المؤمن، إن اتقى الله وعرف واجبه في هذه الأحداث، وبدأ بالمرحلة الأساسية الأولى، ثم انتقل إلى المرحلة الثانية ثم الثالثة حتى لو لم يكن إلا بعد مائة سنة أو مائتي سنة -الله أعلم- لكن المهم: لا بد من يوم ما يتواجه فيه المؤمنون مع هؤلاء الكافرين، لابد! وفي ظل الظروف الآنية نحن نحتاج الموضوع الأول والقاعدة الأولى فقط؛ لأن عليها يبنى كل شيء، وتجاوزها إلى أي شيء آخر خطأ وغلط، ولا يصح أن يقر بأي حال من الأحوال، ومن أراد الأدلة فهي أكثر من أن تحصى.
стр. 1962
خطأ من أجاز الاستعانة بالكفر
هناك مشكلة أخرى خطيرة جداً، وإننا لا يمكن ولا يجوز أن نسكت عنها، وهي الاستدلال بأدلة غير صحيحة لا تؤدي إلى المطلوب، هذا لا نقوله دفاعاً عن أموالنا -بغض النظر عن رأينا في أي حدث من الأحداث- لكن دفاعاً عن ديننا، ولئلا يفترى على الله، ولئلا يُكْذَب على رسول الله ﷺ ، ولئلا يقال على الله غير الحق، ولئلا يظن أحد أن ديننا هذا هزل، هناك من تكلم واستدل ببعض الأمور، فأخطأ الاستدلال، فيجب أن يبين خطؤه، وسوف أوجزها في الآتي:
стр. 1963
استعانة الرسول بعبد الله بن أريقط
أولاً: الاستدلال بحديث أو بموضوع عبد الله بن أريقط وأن النبي ﷺ استعان به واتخذه دليلاً إلى المدينة، نقول: إن هذا من باب استئجار الكافر، واستئجار الكافر ليس فيه شيء، والبيع والشراء مع الكفار جائز وهذا متفق عليه، لكن الشركة مع الكفار هل تجوز؟ لا تجوز على القول الصحيح؛ لأن الشركة مشاعر مشتركة بينك أنت والكافر، فمشاعرهم واحدة رأيهم واحد، تأويلاتهم واحدة، فلا تجوز الشركة، لكن الاستئجار هذا سواءً كان استئجار عين أم استئجار منفعة معينة، هذا جائز لأنه ليس على كل شيء كالشركة، والإجارة هي أقرب إلى البيع لكنها بيع مؤقت، واستئجار الكافر ما قال أحد: إنه حرام، فلا يصح أن يستشهد به على مسألة لا يدل ذلك عليها.
стр. 1964
معاهدة النبي ﷺ مع اليهود في المدينة
أهل المدينة أو سكان المدينة الأصليون هم اليهود من جهة، والأوس والخزرج من جهة، والبديل والطارئ على المدينة هو الرسول ﷺ والمهاجرون، فهم جاءوا ودخلوا المدينة، فكأنهم في نظر أهل المدينة محتلون، واليهود والمنافقون كانوا يقولون: "أكرمناهم وآويناهم"، "سمن كلبك يأكلك"، هكذا قال عبد الله بن أبي ثم قال: 'والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل' فنحن آويناهم والآن ارتفعوا علينا! فهذا هو الشاهد: أهل المدينة الأصليون هم اليهود والأوس والخزرج، وأما المهاجرون ومعهم النبي ﷺ فهم طارئون على المدينة فكأنهم جاءوا واحتلوها، ثم جاء النبي ﷺ وكتب المعاهدة، ومن ضمن ما كتب: أن الأمر في المدينة كله -الأمر والنهي- مرجعه إلى رسول الله ﷺ ، وهذا شيء مهم جداً، أي: أن شرع الله هو الحاكم على الجميع، وإذا داهم المدينة عدو، فإن الدفاع -كما نسميه نحن الآن- يكون من الجميع، فهل يعقل أن يتصدى المهاجرون والأنصار للعدو، واليهود قاعدون آمنون، وهم من أهل البلد، وهم مواطنون؟! ولذلك فهي مسألة تختلف تماماً عن المسألة التي نحن نتحدث عنها.
стр. 1965
عدم مشاركة المشركين في المعارك مع الرسول
النبي ﷺ لم يستعن بالمشركين في أية معركة من معاركه أبداً! ولذلك جاء في بيان هيئة كبار العلماء: أن الأمر يرجع إلى الضرورة، والضرورة لها أحكام ولها تفصيل، وليس هذا موضوعنا، لكن موضوعنا نحن فقط هو من ناحية علمية بحتة، فنقول: لم يستعن النبي ﷺ بمشرك في أي حرب من الحروب، بل في صحيح مسلم ﴿أن رجلاً جاء فقال: أريد أن أحارب معك، فقال ﷺ : ارجع فإنا لا نستعين بمشرك﴾ وهذا حديث صحيح.
أما ما نسب إليه مما ذكره الشافعي ﵀ أو سعيد بن منصور، أنه استعان ببعض يهود خيبر، فهذا الحديث غير صحيح، ولم يستعن بهم وإنما استعمل النبي ﷺ يهود خيبر، أي: استخدمهم في الأرض وجعلهم رقيقاً، أما أنه استعان بهم، أي: حارب بهم أو سهم لهم فلا.
стр. 1966
استعارة الرسول دروعاً للحرب من المشركين
السؤال
هل استعار النبي ﷺ دروعاً من الكفار؟
الجواب
أولاً: لا! فالحديث الصحيح في سنن النسائي وغيره، وهو بسند صحيح لا شك في صحته أن النبي ﷺ استعار من يعلى بن أمية، ويعلى بن أمية صحابيُّ جليلٌ مسلم والحمد لله، لكن ورد في روايات موجودة في السنن والمسند وفي بعض الكتب أنه استعار من صفوان بن أمية وهو مشرك، ولو صحت رواية صفوان كنا سنقول بذلك، لكن الصحيح أنه استعار من يعلى، وليس من صفوان.
ثانياً: على فرض صحة أن النبي ﷺ استعار دروعاً، نقول: النبي ﷺ يحكم الجزيرة العربية، وهو قائد الأمة، وولي الأمة، وجيشه اثنا عشر ألفاً، ولذلك قالوا: لن نغلب اليوم من قلة؛ كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة:٢٥] فكانوا جيشاً عرمرماً، والجيش المسلم قد يستعير من فاجر، أو يأخذ من فاجر أو من تجار الكفار دروعاً، وهذا ليس ممنوعاً، هذا لو صحت الرواية، مع أنها ما صحت، لكن نقول فرضاً، الدولة المسلمة يجوز لها أن تشتري من أحد الكفار أو تستعير منه وليس في ذلك شيء، لكن هل هذا يدل على أن النبي ﷺ استعان بالكفار أو حارب معه الكفار الآخرون؟ نقول هذا براءةً للذمة؛ لأنه لا يجوز مهما كانت الظروف والضغوط التي علينا أن نبرر لأنفسنا بدليل غير صحيح، لا يصح أن نستدل به في وقت الضرورة، والضرورة مثل الميتة، الميتة أكلها حرام، ولا يوجد دليل يقول: الميتة حلال، لكن في حال الضرورة يجوز أكل الميتة ولا خلاف بين العلماء في حلها عند ذاك.
إذاً: متى تكون الضرورة؟ أو هل هي ضرورة؟ فهذا شيء آخر، لكن هل نستدل بدليل ضعيف أو موضوع على شيء؟ لا، فهذه وسيلة في الاستدلال غير صحيحة.
стр. 1967
الاستدلال بحديث: (تصالحون الروم)
قد ذكرنا هذا الحديث من قبل، وهو حديث: ﴿الروم وتقاتلون معهم عدواً من ورائهم، فتسلمون وتغنمون، ثم ينقضون﴾ وليس في هذا دليل؛ لأن هذا إخبار عن حال وعن واقع يخبر به النبي ﷺ أنه أمر سيقع، فيقول: أنتم ستفعلون، فهذا لا يدل على أنه حق، وقد يكون هذا بدعة أو يخرج عن الأدلة الشرعية، لكننا سنفعله، وفي النهاية سينقض الروم العهد فيكون القتال.
على كل حال العلماء ذكروا أنه إذا كنا في عهد مع عدو، وكنا نأمن غائلتهم، وبشرط أن يمكننا أن نغلب كل منهم على حِدَةٍ، ففي هذه الحالة يجوز، وهي حالات لا أريد أن أدخل في تفاصيلها.
مثلاً: أتينا نحارب الفرس، فأتى الروم بيننا وبين الفرس، الروم أيضاً يكرهون الفرس، قالوا: ما رأيكم في أن نحارب معكم، فنقول لهم: أنتم تعالوا من الغرب، ونحن نأتي من الشرق، ونحن نعلم أننا نستطيع أن نغلب الفرس لو حاربناهم وأن نغلب الروم، وأنهم لو اجتمعوا علينا الاثنين أيضاً لغلبناهم، وهذه الحالة أصبحت حالة تكتيكية -والجرائد اليوم علمونا عبارات استراتيجية أو تكتيكية، والتكتيكية تعني: عملاً لا يدخل في صميم الأسس، فهذان عدوان أمامنا، أنا أستعين بهذه، أقول: تحرك أنت من هنا، وأنا من هنا، ونقضي على هذا العدو، لكن نحن لو حاربناهما جميعاً نستطيع أن نغلبهم، فهذه حالة ذكر الفقهاء أنه يمكن أن تستعين فيها بكافر أو يعينك كافر في القضاء على عدو آخر.
والمقصود: أننا حتى مهما كانت الضغوط يجب أن نتقي الله، إذا قلنا قال الله، أو قال رسول الله، أو هذا من الدين، أو هذا يجوز وهذا لا يجوز.
ويكفي أن نقف عند كلام هيئة كبار العلماء، فقد قالوا: إنها ضرورة، والضرورة لها أحكامها، وأنا لا أتكلم في هذا الآن، لكن نقول: إن أي دليل آخر فإنه غير صحيح.
стр. 1968
السخرية من المتدينين وتخويفهم
قالوا: إن الكمامات الواقية لا يمكن استخدامها مع اللحية! بمعنى أنها لن تنزع، وهذا قد نشره اليهود، وهذا الكلام تكلم به مسئول في الحاخامية اليهودية -المقر الديني لليهود في إسرائيل- فقال: يجب أن تصحبوا ومعكم مقصات؛ لأنه في حالة كشف الكمامات الواقية، قد يحدث هجوم كيماوي ويختنق كل الناس.
ومع الأسف إسرائيل التي سكانها يمكن أن يكونوا خمسة ملايين أو أربعة يمكن أن تجند مليون جندي في خلال أربع وعشرين ساعة! الجيش جاهز، والاحتياط جاهز، والكمامات جاهزة، وكل شيء جاهز! أمة تعيش الحرب، وتعيش حالة الحرب؛ مع أن الانتفاضة تؤرقها من الداخل، ومع أن اقتصادها منهك ومنهار من الداخل، مع أن مجتمعها متفكك ومكون من عدة تجمعات وبها مشاكل كثيرة، لكنها مستعدة في خلال أربع وعشرين ساعة أن يكون بينهم ما يقارب المليون جندي لديهم الجاهزية لأي حرب؛ لذلك وُجِدت إسرائيل، لا لأن اليهود كرماء على الله وأورثهم الله الأرض، لا، فالله قال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] فهل أمريكا صالحة واليهود صالحين؛ ولذا أورثهم الله الأرض؟! لا والله، ولكنهم اتخذوا الأسباب المادية، وغيرهم تركوا الأسباب المادية والمعنوية، وتركوا أعظم الأسباب وهو الإيمان، فلذلك كان هذا حالهم، فكل إنسان في إسرائيل مدرب وقابل للتجنيد.
فهذا الحاخام اليهودي يسخر من المسلمين ويقول: ' أنتم يا أهل الدين حتى تتجندوا لابد أن يكون معكم مقصات حتى تلبسوا الكمامات' وعلى كل حال هذا من الإرجاف الذي استغله المنافقون، وبدءوا يتكلمون وانظروا في هذا الإرجاف كيف ينشر في الصحافة الإسلامية، ويتكلم الناس به في المجالس، وقد يقولونه على طريق المزح، وبعضهم يقولها على سبيل الاستهتار، فوصل بهم الاستهزاء بالدين إلى هذا الحد، وأقول: إن هذا يدلكم على أن مشكلتنا فعلاً هي مع الله، وليست مع الغرب ولا مع الشرق، نسأل الله العفو والعافية!
стр. 1969
خصائص أهل السنة والجماعة
تحدث الشيخ حفظه الله عن خصائص ومميزات أهل السنة والجماعة، فبدأ حديثه عن اختيار الله لهذه الأمة من بين غيرها من الأمم، واختياره لهذه الطائفة على غيرها من الطوائف، وعرض خصائص ومميزات هذه الطائفة، ذاكراً منها: تمسكها بسنة النبي ﷺ وسيرها على طريقه، والتزامها بالنصوص وعداً ووعيداً، ووسطيتها في الشرع والأحكام، وخيريتها المطلقة، مثبتاً تحقق هذه الصفات بالأدلة الشرعية.
стр. 1970
مميزات أهل السنة والجماعة
إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فنحمد الله ﵎ الذي جعلنا جميعاً من أهل السنة وفي ذلك اصطفاء واختيار وتكريم من الله ﵎ لمن كان كذلك، ونحمده أن جمعنا لنعرف بعضاً من خصائصهم ومناقبهم العظيمة، التي ميزهم الله ﵎ بها على سائر أهل الإسلام.
تعلمون أن الله ﵎ يخلق ما يشاء ويختار، وقد اختار واصطفى أمة محمد ﷺ على سائر الأمم والملل يقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] ويقول الله ﵎ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:١١٠] ويقول الله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] فهذه الأمة أورثت الكتاب، واصطفيت، وكانت خير أمة أخرجت للناس، وهي شاهدة على الناس يوم القيامة، حين يشهد عليها رسولها محمد ﷺ .
وقد اختص الله ﵎ واختار من هذه الأمة المصطفاة المختارة طائفة بعينها، هي في هذه الأمة كأمة الإسلام بين أهل الأديان وسائر الملل، وهذه الطائفة هي ما نسميه أهل السنة والجماعة، ولهذه التسمية مدلولها، وبها يتميز المنهج والخاصية العظمى لـ أهل السنة والجماعة، وكما أن سائر الأديان والملل نسخت بشريعة الإسلام وبدين محمد ﷺ الخاتِم، فكذلك بقية الفرق والطوائف المنتسبة إلى القبلة أيضاً هي في منزلة تلك الملل بالنسبة لهذه الطائفة، أي أن تلك الفرق والطوائف هي مفضولة بالنسبة لـ أهل السنة والجماعة، ثم يتفاوت مقدار ذلك الفضل.
стр. 1971
الاعتصام بالكتاب والسنة
أول ما يميزهم وأعظم خاصية لهم هي أنهم -كما هو واضح من اسمهم- يتمسكون بكتاب الله ﵎، وبسنة رسوله ﷺ قولاً وعملاً واعتقاداً ظاهراً وباطناً، فلا يأخذون دينهم واعتقادهم من مصدر غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، كائناً ما كان ذلك المصدر، ولا يقدمون بين يدي الله ورسوله، ولا يرفعون أصواتهم فوق رسول الله ﷺ ، ولا يرضون أن يرفع أحد صوته فوق صوت رسول الله ﷺ ، بأن يحدث في هذا الدين أمراً مخالفاً لأمره مجانباً لسنته إلا ويرفض ويرد عليه.
وبضدها تتميز الأشياء، فإذا قارنت بين هذا المنهج العظيم، وبين غيره من المناهج فإن الفرق يبدو جلياً وواضحاً، ولسنا بصدد تبيان تلك المناهج بالتفصيل، ولكن لو نظرنا نظرة إجمالية لوجدنا أن المناهج في الأصل هي ثلاثة: المنهج الأول: هو ذلك المنهج الذي ينحى المنحى العقلي، والذي يدعي بزعمه تحكيم العقل والمنطق والبراهين والنظريات العقلية.
والمنهج المضاد له: هو ذلك المنهج الذي يستقي ويستمد من الكشف، أو من الذوق والوجد، أو غير ذلك من المعايير غير العقلية كمعيار العاطفة، أو معيار الوجدان.
وبإيجاز نقول: إن المنحى الأول وهو منحى أهل الكلام عموماً من معتزلة وأشعرية ومن جرى مجراهم، يجعل الدين والإيمان والعقيدة فكرة عقلية، فالإيمان عندهم فكرة عقلية.
والمنهج المضاد الآخر هو منهج أهل التصوف والتنسك والتزهد غير المشروع، فهؤلاء يجعلون الإيمان والدين والعقيدة تجربة روحية.
ولهذا يصعب حصر الفريق الأول وكذلك الآخر؛ لأن العقول تختلف وتتباين، وكذلك التجارب الروحية الذاتية هي أكثر اختلافاً وأكثر تبايناً.
فميز الله ﵎ أهل السنة والجماعة بالرجوع إلى الكتاب والسنة، فعرفوا للعقل منزله ومكانته، وعرفوا للحقائق والأذواق الإيمانية الحقة قيمتها ومنزلتها، ولكن الحَكَمَ في ذلك كله هو النص من الوحي، من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كما قال الله ﵎ لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء:٤٥].
ولم يوجد عند أهل السنة والجماعة تصور معارضة أو تضاد بين العقل الصحيح السليم وبين الوحي، ولا بين الذوق الإيماني الصحيح وبين الوحي، فضلاً عن أن يقولوا كما قال أولئك بأنه عند التعارض يقدم العقل، أو يقدم الكشف، أو يقدم أي شيء غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
بل إن من أصول أهل السنة والجماعة الثابتة أن أقوال أئمة أهل السنة والجماعة ابتداءً بالصحابة الكرام ومروراً بالتابعين، ثم الأئمة الأربعة والسلف الصالح أجمعين، -على جلالتهم وقدرهم وفضلهم- لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعارض بها نص من الكتاب والسنة على الإطلاق، فإنما هي بمنزلة بعد منزلة النص عن رسول الله ﷺ .
فلا يمكن أن يقدموا قول أحد كائناً من كان على قول رسول الله ﷺ ، وإن كان صحابياً ذا فضل، أو إماماً مجتهداً مع الاحترام والتقدير لأولئك الأئمة الكرام، فضلاً عن أن يقدموا عليه كلام أحد من المبتدعة الضالين أو أصحاب الكلام، أو أصحاب الأذواق والمواجيد والكشوفات الباطلة، وبهذا تميز منهج أهل السنة والجماعة بالعلم.
وهذا ينقلنا إلى الميزة الأخرى.
стр. 1972
العلم
فمنهجهم قائم على العلم، فهم في كل أمر وفي كل حكم يطلبون الدليل من الكتاب والسنة، ولهذا نجد أن علماء السنة أجمعين الذين كتبوا، وكذلك الذين لم يدونوا بل سبقوهم؛ نجد أنهم جميعاً من أهل السنة والجماعة، وأهل السنة والجماعة أكثر الطوائف حرصاً على السنة تدويناً لها وحفظاً، وإن وجد من غيرهم من يهتم بها فهو لخدمة هوى في نفسه أو ليخلط حقاً بباطل -ولا يسلم من ذلك- أما أهل السنة والجماعة فإنهم يهتمون بكتاب الله حفظاً وتلاوة، ويهتمون بسنة النبي ﷺ حفظاً وفهماً وتصحيحاً وتضعيفاً، فالحديث الضعيف -فضلاً عن الموضوع- لا يعتد به ولا يعمل به، فضلاً عن الكشوفات أو الآراء أو الخيالات أو المنامات التي يعتمد عليها غيرهم.
فهم إذاً يتميزون بالبصيرة وبالمنهج الصحيح، وهو منهج العلم المُتلقى عن رسول الله ﷺ ، بواسطة أولئك الرجال الثقات الذين لم تشهد أمة من الأمم على الإطلاق مثلهم في الحفظ والضبط والدقة والفهم والاستنباط.
стр. 1973
الوسطية
ومما يميز أهل السنة والجماعة ويختصون به دون غيرهم من الطوائف، أنهم أمة وسط، وهذه الوسطية تتجلى في أمور الإيمان والعقيدة جميعاً، فكما أن هذه الأمة -أي أهل القبلة عموماً- جعلها الله ﵎ أمة وسطاً، فـ أهل السنة هم وسط هذه الأمة وخيارها، وأصحاب المنهج الوسط في هذه الأمة، فلو أخذنا نضرب الأمثلة من أبواب العقيدة والإيمان باباً باباً لطال بنا المقام، ولكن نوجز ذلك بما يتضح به هذا المنهج القويم: فمثلاً في صفات الله ﵎ نجد أن الطوائف قد ضلت، فمنهم من أثبت وغلا في الإثبات حتى مثَّل الله ﵎ بخلقه، وهؤلاء هم أهل التمثيل أو التشبيه، وهؤلاء هم كما اعتبرهم السلف الصالح عباد صنم، لأنهم جعلوا صفات الله ﵎ مماثلة لصفات المخلوقين.
وفي المقابل نجد أولئك الذين نفوا صفات الله ﵎، وغلوا في التنزيه -بزعمهم- حتى لم يثبتوا له ﵎ شيئاً من صفاته أو أنكروا بعضاً منها، وهؤلاء كما قال فيهم السلف: [[الممثل يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً]] فوصفوا الله ﵎ بالعدم (بالصفات السلبية).
كما نقول في صفة العلو -مثلاً- ونؤمن -نحن أهل السنة والجماعة - كما كان النبي ﷺ وأصحابه أن الله ﵎ على العرش استوى، وأنه فوق جميع المخلوقات، فيقول هؤلاء -أي الممثلة -: استوى كالمخلوقين، ويقول أولئك -أي المعطلة -: لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا يميناً ولا شمالاً!! نعوذ بالله من الزيع والضلال.
وأما أهل السنة فهم وسط، فيثبتون لله كل ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ من الصفات إثباتاً لا تمثيل فيه، وينفون عن الله تعالى ما لا يليق به نفياً لا تعطيل فيه، من غير تحريف، ومن غير تكييف، هذا هو المذهب السليم الصحيح الذي عليه أهل السنة والجماعة جميعاً.
ولننتقل إلى باب آخر -فمثلاً- في باب الإيمان والأحكام والأسماء، نجد أن بعض طوائف الأمة قد غلت حتى كفرت من يرتكب ذنباً دون الكفر أو الشرك، وأخرجته من الملة، أو حكمت عليه بالخلود في النار، ونجد بالمقابل من استهان وفرط بالأمر حتى جعل أهل المعاصي والكبائر والفجور مؤمنين كاملي الإيمان.
فـ الخوارج وتبعهم في ذلك المعتزلة يقولون: إن مرتكب الكبيرة كافر كما تقول الخوارج، أو هو في منزلة بين الإيمان والكفر كما تقول المعتزلة، فغلوا في ذلك فجاءوا إلى كل ما ذكر الله تعالى أو رسوله ﷺ من المعاصي والكبائر كالزنا وشرب الخمر والسرقة وأمثالها، فجعلوا مرتكب ذلك كافراً خارجاً من الملة، مثل من عبد غير الله ﵎، فهذا غلو، رغم أن هذا الغلو كانت تصحبه العبادة، ويصحبه الزهد في الدنيا -كما سيأتي إن شاء الله- فيما يتعلق بهذه الخاصية.
وأما المرجئة فإنهم قالوا: إن العبد إذا قال لا إله إلا الله، وشهد لله بالوحدانية وأقر لمحمد ﷺ بالرسالة فإنه مؤمن كامل الإيمان وإن عمل ما عمل، وأنكروا أن الإيمان يزيد وينقص، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، فكلاهما خرج عن الجادة الصحيحة وعن الصراط المستقيم، وعما جاء صريحاً في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، ومما هو معلوم -كما لا يخفى على أحد يقرأ كتاب الله أن الله ﵎ فرق في الحكم بين من يشرك به ويعبد غيره، وبين من يرتكب شيئاً من هذه المعاصي، كما فرق النبي ﷺ ، والأدلة كثيرة لا تحصى فهو ﷺ رجم الزاني، وقطع يد السارق، وجلد شارب الخمر.
فلو كانت كل هذه الذنوب ردة وكفراً كالكفر الأكبر الذي هو الخروج من الملة؛ لكان حكم هذه الذنوب واحداً ولا تفريق بينها، وأيضاً نقول للمرجئة: لو كان العاصي والفاجر كامل الإيمان؛ فما معنى تلك الآيات العظيمة التي جاءت في صفات المؤمنين، وفي بيان أحوالهم وصفاتهم وما يتميزون به عن غيرهم، وتلك الآيات القطعية من كتاب الله ﵎ في بيان أن الإيمان يزيد وينقص، وما جاء كذلك في سنة رسول الله ﷺ .
فوفق الله ﵎ أهل السنة فكانوا أمة وسطاً بين هؤلاء وأولئك.
وإذا انتقلنا إلى باب آخر من أبواب العقيدة والإيمان، وهو باب القدر الذي ضلت فيه العقول والأفهام التي ابتعدت عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ووفق الله ﵎ أهل السنة والجماعة فكانوا على الجادة والصراط المستقيم فإن القدرية -أي الذين نفوا القدر ولم يثبتوه- غلوا في تحميل العبد للمسئولية عند فعل المعصية، فقالوا: العبد مسئول عما يفعل من المعاصي، وغلو في ذلك حتى قالوا: إن الله لم يقدر عليه هذه المعاصي ولم يخلقها فيه! ثم غلوا حتى جعلوا جميع أفعال العبد هو الذي يستأنفها من عند نفسه، والله ﵎ لم يكتبها ولم يقدرها عليه!! وغلا بعضهم فقال: لم يعلم بها إلا بعد وقوعها! -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراًً- كل ذلك غلو وجموح عن الصراط القويم.
فقابلتهم الجبرية فقالوا: لا حيلة للعبد ولا إرادة له ولا اختيار، وغلو في إثبات القدر -بزعمهم- حتى آل بهم الأمر إلى أن جعلوا الإنسان كالريشة في مهب الريح لا إرادة له ولا اختيار، فكل الأمور بالقدر، وكل شيء قدره الله، حتى إذا فعلوا المعاصي وانتهكوا حرمات الله قالوا: هذا بقدر الله وليس لنا في ذلك أي ذنب، فهؤلاء وهؤلاء في ضلال مبين.
ووفق الله ﵎ أهل السنة والجماعة فتمسكوا بصريح القرآن والسنة، فأثبتوا أن الله هو الخالق لأفعال العباد كما أنه الخالق لكل شيء لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] وفي نفس الوقت أثبتوا أن العبد هو الفاعل، فالعبد هو الذي يفعل أفعاله كما هو في كتاب الله ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] فالعبد هو الفاعل والله تعالى هو الخالق، والعبد يفعل بمقتضى مشيئةٍ وإرادةٍ خلقها الله تعالى فيه وأعطاه إياها، ولكن كما قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠].
فالمشيئة التي تنفذ وتتحقق ولا يردها شيء هي مشيئة الله ﵎، والعبد مع أن له مشيئة يتصرف بها ويكون مسؤولاً عما تمليه عليه من الأعمال؛ إلا أن هذه المشيئة لا تكون إلا بعد مشيئة الله ، وكل ذلك في علمه ﵎، فهو كما صرح في القرآن وفي الحديث قد كتب مقادير كل شيء عنده ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢] وكتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة -كما جاء ذلك في الحديث الصحيح.
فـ أهل السنة والجماعة لا يردون أي آية ولا حديث في القدر بحجة أنه يؤدي إلى الجبر، أو يؤدي إلى نفي مسؤولية العبد، بل يوقنون بالجميع، وأما أولئك فإنهم لا بد أن يردُّوا تلك الأدلة فـ القدرية النفاة يردون كل حديث أو آية تدل على إثبات القدر، أو -بزعمهم- تدل على الجبر كقول الله ﵎: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
وكالحديث الصحيح المتفق عليه في محاجة آدم وموسى ﵉ ﴿فقال موسى لآدم: أنت أبونا الذي أخرجتنا من الجنة، فقال آدم ﵇: أنت موسى الذي اصطفاك الله تعالى برسالته وبكلامه، أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين عاماً، فقال ﷺ : فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى﴾.
وكذلك حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وهو المسمى حديث الصادق المصدوق الذي يقول في أوله: حدثني رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق ﴿إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله تعالى الملك فينفخ فيه الروح، ويأمر بكتب أربع كلمات: رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها﴾ فأنكروا هذا الحديث، وأنكروا كثيراً من الأحاديث رغم ثبوتها وصحتها، لأنها -بزعمهم- تفضي إلى الجبر.
كما أن أولئك الجبرية أنكروا كل ما يدل على استقلال العبد بفعله، وأنه هو الذي يفعل، وبذلك أنكروا كل ظواهر القرآن الصريحة في أنه هو الذي يعمل كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠] فأنكروا أن العبد هو الذي يعطي أو يصدق أو يكذب أو يبخل، وجعلوا الفعل كله لله ﵎.
والمقصود أن الله وفَّق أهل السنة والجماعة فآمنوا بكل الآيات وبكل ا
стр. 1974
هم الفرقة الناجية
ومن خصائص أهل السنة والجماعة التي لا يشاركهم فيها غيرهم أنهم موعودون بالنجاة من عذاب الله ﵎ يوم القيامة، وذلك مبني على أنهم هم الطائفة المهتدية التي ثبتت على الصراط المستقيم في هذه الحياة الدنيا، وأن غيرهم متوعد بالهلاك وبالعقوبة في الآخرة.
وعندما نقول: إن أهل السنة موعودون بالنجاة، وأن غيرهم متوعد بالهلاك، فلا يعني ذلك أن كل فرد من أهل السنة والجماعة هو ممن يدخل الجنة ابتداءً، كما لا يعني ذلك أن كل فرد من غير أهل السنة والجماعة لا يدخل الجنة انتهاءً ولا يدخلها أيضاً ابتداءً، ولكن من حيث الجملة أهل السنة موعودون بالنجاة، ومن حيث الجملة أهل البدع متوعدون بالهلاك، ثم طوائف من أهل البدع ممن خرج عن الملة فهذا حكمه حكم المشركين والمنافقين من أهل النار خالداً فيها مخلداً - نسأل الله السلامة والعافية - ومن كان غير ذلك فإن الله ينصب الموازين يوم القيامة، وتوضع حسناتهم وسيئاتهم في كفتي الميزان؛ فما رجح منها فإن الله تعالى لا يظلم أحداً، فهم يدخلون في أهل الكبائر الذين قد تنالهم شفاعة النبي ﷺ ابتداءً، وقد تنالهم بعد دخول النار فيخرجون منها.
أما أهل السنة والجماعة فمن كان منهم تام الاهتداء في الدنيا؛ فهو تام النجاة في الآخرة كما قال ﵎: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، فمن كان منهم تام الاهتداء في الدنيا، تاركاً للظلم الذي هو الشرك -وليس من أهل السنة والجماعة مشرك- وتاركاً للظلم الأصغر الذي هو الذنوب، ومجتنباً للكبائر فهذا يكون ناجياً النجاة الكاملة يوم القيامة.
وأما من كان من أهل السنة والجماعة ولكنه على معصية من المعاصي كالزنا أو السرقة أو شرب الخمر أو ما أشبه ذلك؛ فإنه يدخل في الوعيد الذي توعد الله به من فعل ذلك، ولكنه مع دخوله في الوعيد فإن الشفاعة له أرجى -بلا شك- ممن كان من أهل الكبائر من غيرهم؛ فمن كان من أهل السنة والجماعة فهو أرجى وأقرب إلى رحمة الله ﵎ من غيرهم، وإن كان للآخر على بدعته فضل أو جهاد أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر فإنه يوزن له في الموازين فأيهما رجح كان له سعادته أو شقاؤه.
كما جاء في الحديث: ﴿افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هم يا رسول الله قال: الجماعة﴾ وفي رواية ﴿من كان على ما أنا عليه وأصحابي﴾.
فهذا الوعيد لأهل الفرق الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، والذين خالفوا وصية الله العاشرة في سورة الأنعام بقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] فالذين خالفوا هذه الأوامر وغيرها فإن الوعيد يشملهم، فهم من الاثنتين والسبعين الذين هم متوعدون بالنار ﴿كلها في النار إلا واحدة﴾ هذه الواحدة هي الجماعة وهي أهل السنة والجماعة، وهي من كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.
فبذلك يبين لنا معنى الوعد الذي وعد به أهل السنة والنجاة التي لهم بالجملة، ومعنى الوعيد الذي لغيرهم، والذي هم متوعدون به في الجملة.
وهذا أيضاً ينقلنا إلى قضية المفاضلة بين أهل السنة والجماعة وغيرهم، وهو أن يقال: إن في غير أهل السنة من أهل البدع التي لا تخرج من الملة، لا سيما الشبه العلمية التي قد تخفى على بعض الناس كشبهة القدرية أو شبهة الإرجاء غير الغالي- هؤلاء الناس فيهم من العبادة والزهد والجهاد الشيء الكثير، ولكن نقول: من حيث الجملة: ما من خير ولا حسنة عند غير أهل السنة إلا ولـ أهل السنة من ذلك النصيب الأوفر والكمال في هذه الصفة وفي هذه الخصلة.
وأهل السنة والجماعة منهم المجاهدون، ومنهم القراء، ومنهم العلماء، ومنهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، ومنهم الحافظون لحدود الله، ومنهم كل أهل المناقب والفضل في هذه الأمة، فخيريتهم مطلقة، وأما غيرهم فإن شاركهم في شيء من هذه الخيرية فإن في أهل السنة والجماعة من هو أكثر منه خيرية ويكون له الفضل الأوفر والنصيب الأكبر، وما كان من سيئة عند بعض أفراد أهل السنة والجماعة، أو معاصٍ فإنه يوجد في أهل البدعة مثلها وأكبر منها.
стр. 1975
أنهم يدخلون في الإسلام كله
وأهل السنة والجماعة وسط -أيضاً- حتى في أسلوب حياتهم العملي، فمن أهل السنة والجماعة من كان يلي القضاء، ومن كان يلي بعض المناصب، ومن كان -أيضاً- ذا مال وسعة وفضل، وفي أصحاب النبي ﷺ الأسوة الكاملة؛ فكان فيهم أهل الثراء وأهل اليسار والغنى، كما كان في أصحاب النبي ﷺ -أيضاً- أهل الفاقة والفقر، وأهل الصبر والزهد، وكان في أصحاب النبي ﷺ أهل العبادة والذكر، كما كان فيهم أهل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي من تميز بهذه الصفة دون غيرها من الصفات الأخرى.
ثم حصل لمن بعدهم الاضطراب في ذلك؛ فإن فئةً مالت إلى الدنيا وركنت إليها، ولم تتحرج في قبول أي ولاية ولم تتحرج في قبول أي منصب ولا في التوسع في الدنيا والأخذ منها، وقالوا: هذه خيرات وطيبات أحلها الله لنا، فاتسعوا في ذلك اتساعاً أخرجهم عما كان عليه السلف من التقلل من الدنيا والرغبة في الآخرة، وصدق التوجه إلى الله تعالى، ومنهم طائفة مالت إلى العكس فأخذوا بالزهد والتنسك وترك متاع الحياة الدنيا، حتى إنهم حرموا الطيبات، أو على الأقل نظروا إلى من أخذ شيئاً من الطيبات بأنه خارج عن الصواب وعن جادة الحق.
وتوسط أهل السنة والجماعة في هذا الأمر يدلنا على خاصية عظمى يتميز بها أهل السنة والجماعة وهي أنهم يدخلون في الإسلام كله، ويجمعون الدين كله، وأما غيرهم فإن حاله كحال النصارى الذين قال الله ﵎ فيهم: ﴿فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٤] فهؤلاء نسوا حظاً مما ذكروا به ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة:١٤] فوقع بينهم التنازع.
стр. 1976
انتسابهم إلى رسول الله ﷺ
ومن أعظم ما يميز أهل السنة والجماعة ومن أهم خصائصهم وأجلاها: أنهم منتسبون إلى الرسول ﷺ ، فلو سألت أي طائفة من الطوائف: إلى من تنتمون؟ ومن أول من أظهر أو من أنشأ عقيدتكم؟ لأخبروك عن رجل ما، إلا أهل السنة والجماعة فإنهم يقولون: هذا ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.
فلو نظرنا إلى الخوارج لوجدنا أنه رجل ما، وأنهم خرجوا في زمان علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه حين التحكيم.
والمرجئة خرجت بعد ذلك، ولم يكن من الصحابة رضي الله تعالى عنهم خارجي ولا مرجئي فضلاً عن أن يكون فيهم رافضي.
والرافضة أخبث من الخوارج ومن المرجئة، فـ الرافضة أول من أنشأ أو أسس مذهبهم هو رجل يهودي يسمى عبد الله بن سبأ ثم هم يزعمون أنه منهج أو مذهب جعفر الصادق.
والمعتزلة لو سئلوا لقالوا: عمرو بن عبيد أو واصل بن عطاء هو الذي أسس المذهب، والتاريخ شاهد بذلك، وهكذا لو نظرنا إلى أهل الكلام أيضاً نجد أن أصولهم تنتهي إلى أهل الاعتزال.
والصوفية يقولون: الجنيد سيد الطائفة، وإن تعمقوا قليلاً قالوا: الحسن البصري.
والأشعرية يقولون: نحن ننتمي إلى أبي الحسن الأشعري -قبل أن يتوب-.
وهكذا كل طائفة تنتسب إلى رجل ما، ظهر في وقت من الأوقات، ولكن أهل السنة والجماعة لا ينتسبون إلا إلى رسول الله ﷺ ، ولهذا يقال لهم أهل السنة سنة النبي ﷺ ، ولا يقال: إن أول من أوجد مذهبهم أو أنشأه أو أسسه فلان، بل ليس في مذهبهم أي شيء مما أسس، وإنما هو مذهب اتباع لا ابتداع، فلا يوجد أصل من أصول الدين في مذهب أهل السنة والجماعة إلا وهو مأخوذ من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ، وإن وجد غير ذلك وسمي أصلاً فهذا عند أهل البدعة، أما عند أهل السنة فهو بدعة محدثة، ولا يكون من الدين أبداً، ما دام أنه قد وقع بعد النبي ﷺ وبعد أصحابه.
والمميزات كثيرة، وهذه ليست كل خصائص أهل السنة والجماعة ولا كل مميزاتهم؛ وإنما هي بعض منها، ذكرناها بإيجاز شديد، نظراً لضيق الوقت، والعبرة العظمى التي تفيدنا جميعاً نحن المسلمين هي أن نؤمن بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ على منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة، وأن نتمسك بذلك قولاً وعملاً ونعض عليه بالنواجذ، ونعلم أنه لا نجاة لهذه الأمة ولا خير ولا فلاح في الدنيا ولا في الآخرة إلا أن تكون على هذا المذهب السليم القويم، ويتمسكوا به قولاً وعملاً وجهاداً ودعوة، كما فعل النبي ﷺ وأصحابه والسلف الصالح الكرام الذين ثبتوا عند المحنة، والذين جددوا الدين.
والذين من أبرزهم الأئمة الأعلام كالإمام أحمد رحمه الله تعالى، وشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية في العصور الوسطى، ثم شَيْخ الإِسْلامِ المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ في العصر الأخير، وكل من سار على نهجهم وهم كثير -ولله الحمد- فهؤلاء معقود لهم لواء النصر إلى يوم القيامة، كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، وهم أيضاً موعودون بالنجاة في يوم القيامة عند الله ﵎ كما أخبر بذلك الصادق المصدوق.
стр. 1977
الأسئلة
стр. 1978
توقير أهل البدع
السؤال
هل من مذهب أهل السنة والجماعة أن يكنوا لصوفي أو معتزلي أو أشعري شيئاً من الاحترام أم ينبغي علينا ألا نحترمهم؟
الجواب
روى اللالكائي وغيره بأسانيد صحيحة عن أيوب وغيره من السلف ومن التابعين أنه قال: [[من وقرَّ صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام]]؛ لأن توقير أهل البدع هو رفع لشأن البدعة، وهدم لسنة النبي ﷺ ، وتقديم بين يدي الله ورسوله، ورفع لصوت أحد من الناس فوق صوت رسول الله ﷺ ، وهذا لا يكون أبداً.
стр. 1979
منهج أهل السنة في الحكم على الرجال
السؤال
من وقع في بعض البدع مع سعيهم لنشر السنة؛ فهل يعد من أهل السنة أم لا؟ مثل الإمام النووي وابن حجر العسقلاني وغيرهما؟
الجواب
أولاً: نحن مع أننا لا نوقر صاحب البدعة ولا نقدره إلا أننا ننهج معهم منهج السلف الصالح كذلك، فإن أهل السنة والجماعة لا يظلمون أحداً، لا مبتدعاً ولا غير مبتدع، فلو وجد في أهل البدع -كما أشرنا- صاحب جهاد أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر فإن ذلك رغم ما فيه يذكر.
والسلف الصالح يقولون عن عمرو بن عبيد: إنه كان زاهداً، ولم يقولوا عنه: أنه كان مترفاً، وأثبتوا حتى لـ معبد الجهني أنه كان من العباد رغم أنه ابتدع القول بالقدر، فهم لا يظلمون أحداً، ويقولون عن الخوارج: إنهم أصدق الناس -الأولون منهم بالذات- وإنهم لا يكذبون؛ فلم يظلموهم، وعندما قالوا: إن الرافضة أكذب الناس فلم يظلموهم، فنحن لدينا منهج لا يظلم، لأنه من الوصايا العشر التي أوصى الله ﵎ بها في سورة الأنعام قوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام:١٥٢] ويقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة:٨] ويقول في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٣٥] فهذه الشهادة لله ، والقوامة بالقسط أولى الناس بها وبالعدل هم أهل السنة والجماعة.
ثانياً: هل الإمام النووي وابن حجر من أهل البدع حتى نقول: بماذا نحكم عليهما؟ الواقع أننا قد أشرنا إلى شيء من ذلك حين قلنا: إنه يوجد من أهل السنة والجماعة من له ذنوب وأخطاء، فالإمام النووي والإمام ابن حجر رحمهما الله تعالى هما من أهل السنة، ولكن لهما أخطاء، ومن الذي قال: إن الرجل إذا كان سنياً فإنه معصوم لا يقع في خطأ من الأخطاء في الاعتقادات أو في الأحكام أو في الأعمال؟ لا يقول بذلك أحد من أهل السنة والجماعة.
ولكن نقول: قد يكون الرجل من أهل السنة والجماعة ويوافق بعض المبتدعة في أمر من الأمور دون أن يعلم، أو يعلم ولكن يظن أن ذلك هو الحق وأن ذلك لا ينافي كونه من أهل السنة والجماعة فمن لم يضاد السنة ويحادّها بل كان متبعاً لها، ومحكماً لها، ومؤمناً بها، ويسعى جاهداً في ذلك ولكنه أخطأ؛ فإننا نرجو أن يغفر الله له خطأه وتأويله واجتهاده، ولكن لا نأخذ ذلك الخطأ علمياً وإنما نلتمس له العذر.
فالإمام النووي وابن حجر هما من أكبر الأعلام المشهورين الذين خدموا سنة النبي ﷺ ، وماكان منهما من أخطاء فنرجو أن يغفرها الله لهما، فهي كالقطرة في بحر ذلك العلم والخدمة لسنة النبي ﷺ ، وليسوا من أهل البدع بل ورد عنهم الذم لأهل البدع، في كتبهم المشهورة المتداولة.
فإذاً: الإنصاف والحق أن نقرأ كتبهم ونعلق على ما فيها من أخطاء، كما فعل سماحة الشيخ علامة العصر عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى في فتح الباري حيث علق عليه؛ وهذا ينبغي أن يكمل وتكمل فوائد باقي الكتب، وهي كتب عظيمة لا يستغنى عنها، فما فيها من خطأ يعلق عليه ويبين، فلا إجحاف ولا غلو، ولا إفراط ولا تفريط.
стр. 1980
سبب توبة المتكلمين
السؤال
ما سبب تألم بعض المتكلمين في آخر حياتهم، حتى إن بعضهم تمنى إيماناً كإيمان العجائز؟
الجواب
سببها أن من لم يكن على هدي الله ﵎، وعلى سنة الرسول ﷺ ، فلا بد أن يحار وأن يضطرب وأن يتخبط، ولهذا فإن من كانت لديه فطرة سليمة فإنه يعود في آخر عمره كما عاد أبو محمد الجويني، وكما عاد ابنه أبو المعالي الجويني، وكما عاد أبو حامد الغزالي، وكما عاد الفخر الرازي، وأمثالهم ممن رجع إلى الدين الصحيح وإلى العقيدة السليمة قبيل وفاتهم بزمن قد يطول أو يقصر، وإنما تمنوا دين العجائز لأنه الدين المتلقى بالفطرة، ودين العجائز بالنسبة لما كانوا عليه من علم الكلام نعمة ورحمة.
لكن أهل السنة والجماعة لا يتمنون دين العجائز، وإنما يتمنون دين وإيمان الراسخين في العلم، لأن دين العجائز عند أهل السنة والجماعة أدنى مراتب الدين، إذ هو مجرد التسليم أو مجرد علم، لكن ليس هناك حقائق تفصيلية فيه.
стр. 1981
الإيمان عند أبي حنيفة
السؤال
ما حقيقة الخلاف بين أهل السنة والجماعة والإمام أبي حنيفة في مسألة الإيمان؟
الجواب
أولاً: ورد عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه رجع عن قوله في الإيمان ذكر ذلك ابن عبد البر في التمهيد.
ثانياً: الإمام أبو حنيفة ومن تبعه في مسألة الإيمان الخلاف بينهم وبين السلف لفظي من وجوه، وحقيقي من وجوه، فأما كونه حقيقياً فإن أبا حنيفة وأصحابه يسمون صاحب الكبيرة مؤمناً، ويطلقون عليه كمال الإيمان، وينكرون زيادة الإيمان ونقصانه، وغير ذلك.
وأما كون الخلاف لفظياً فإنهم يتفقون مع أهل السنة في الحكم والمآل فيقولون: صاحب الكبيرة معرض للعقوبة ومع هذا فهو تحت المشيئة، وكذلك تارك الأعمال الواجبة مؤاخذ ومعرض للعقوبة، وهو تحت المشيئة.
إذاً فالخلاف في المآل والآخرة خلاف لفظي أو صوري.
стр. 1982
سبب تكفير الرافضة للصحابة
السؤال
ما الذي أدى بـ غلاة الرافضة إلى تكفير الصحابة رضوان الله عليهم؟
الجواب
الذي أدى بهم إلى ذلك الزندقة، فقد كانوا في زندقة ونفاق، وكانوا يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام -كما كان أولهم عبد الله بن سبأ اليهودي -فهؤلاء كانوا حاقدين على الإسلام الذي هدم مملكة الفرس وقضى عليها، وقضى على اليهود والنصارى، فحقدوا على الإسلام وعجزوا عن أن يقاوموه بالقوة العسكرية فلجأوا إلى النفاق، لأنهم لو جاءوا إلى المسلمين وقالوا: إن القرآن كَذِب، لقاتلهم المسلمون وما قبله منهم أحد، فجاءوا بحيلة أخرى وقالوا: إن الصحابة كاذبون فاجرون، والقرآن جاء عن طريقهم، فإذا كانوا فاجرين أو كافرين أو كاذبين فإن شهادتهم مردودة، وما نقلوه باطل.
وبهذه الحيلة يتوصلون إلى هدم الإسلام عن طريق تكفير الصحابة الكرام، ولهذا خرجوا عن سائر فرق الأمة، وتفردوا بما هو معلوم من النفاق والزندقة، والقول بتحريف القرآن، وأن الصحابة كفار، وعدم الاعتراف بالسنة التي نؤمن بها كالصحاح وغيرها من كتب السنة، فتميزوا بكل ذلك، وأصبح لهم منهجهم الخاص الذي خرجوا به عن الجادة، وفي كثير من الأمور عن الملة نسأل الله العفو والعافية.
стр. 1983
وجود الخوارج والمرجئة في هذا العصر
السؤال
هل يوجد في هذا الزمن خوارج ومرجئة؟
الجواب
يوجد في هذا الزمان الذين حكموا العقول والأهواء، وهذا يشمل جميع أهل البدع.
وأما الخوارج فإنهم متواجدون، وكذلك يوجد من ينادون بالإرجاء على المستوى العلمي والعملي بدون قصد أو فقه لحقيقة الإرجاء، ويوجد الذين يعالجون الدين بالمنامات والكشوفات وهؤلاء كثرة، والإلحاد والعصرية الحديثة التي جاءت في هذا الزمان والماديات والنتائج الوضعية المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ تدخل تحت هذا أو ذاك، إما أنها مناهج ومذاهب عقلية كـ الماركسية مثلاً والشيوعية والقومية فتدخل ضمن مخالفة ومعارضة الدين بالعقل المزعوم، وإما أنها مذاهب روحانية أٍو باطنية ذاتية داخلية كـ الوجودية والمذاهب الأدبية الأخرى، فهذه تدخل ضمن معارضة الدين بالتجارب الروحية أو التجارب العاطفية أو الأدبية أو الوجدانية، فمهما تجددت الضلالات فإنها لا تخرج عن هذه المذاهب؛ لكن كان قصدنا بيان تميز أهل السنة عن غيرهم ممن ينتسبون إلى الإسلام وإلى القبلة.
стр. 1984
فرق الإسلام
السؤال
هل أهل هذه العقائد من معتزلة وأشاعرة كفار أم مسلمون؟
الجواب
أقول: إنهم متوعدون بالعقوبة والهلاك، وإن هذا الحكم الذي ذكره النبي ﷺ عنهم هو الحكم المجمل، وأما عند التفصيل فمنهم صاحب الهلاك الكلي كـ غلاة الشيعة وغلاة الخوارج -مثلاً- فهؤلاء خرجوا من الملة -نسأل الله العفو والعافية- ومنهم من كان أقل من ذلك؛ كمن كان من الشيعة مقتصراً على تفضيل علي على الشيخين مثلاً فهذا لا يخرج من الملة.
وكمن كان لديه شبهة المرتبة الرابعة من مراتب القدر -فقط- وهي مرتبة الخلق مع إثباته للعلم والكتابة والمشيئة، وأمثال ذلك مما قد يقع الإنسان فيه، ولا يكون بذلك خارجاً من الملة، فهذا صاحب كبيرة وهي أكبر من الكبائر العملية، أي أنها أكبر من كبيرة صاحب الزنا والسرقة أو شرب الخمر لأنها كبيرة اعتقادية.
ونسأل الله لنا ولكم القبول والتوفيق، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1985
قواعد وضوابط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل خصائص الأمة الحية، ومن أهم مقومات بقائها، وفي هذه المادة يتناول الشيخ بعض القواعد اللازمة للقيام بهذا الواجب على الوجه الصحيح، مشيراً إلى الخطأ الحاصل في فهم بعض هذه القواعد وتطبيقها، وسعى خلال ذلك إلى تصحيح المفاهيم المتعلقة بهذه القواعد.
стр. 1986
أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد الأمين، الذي أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وجاهد في الله حق جهاده حتى لحق بالرفيق الأعلى، وعلى أصحابه الكرام الذين اهتدوا بهديه، وتمسكوا بسنته، وجاهدوا في الله كما جاهد حتى وصل إلينا هذا الدين، فنحمد الله ﵎ على نعمة الإيمان، ونسأله أن يجعلنا من التابعين لأولئك السلف الكرام، إنه سميع مجيب، وبعد: فإن موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهو من أولى وأوجب ما ينبغي أن يتحدث عنه الدعاة والوعاظ والخطباء، فهو واجب من الواجبات التي شرعها الله ﵎، بل هو واجب يترتب على تحقيقه واجبات كثيرة، بل كل الواجبات إذا تأملنا نجد أنها لا تتحقق، وكل المنهيات لا يُنتهى عنها إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا أمر الله ﵎ هذه الأمة المباركة فقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] ثم عقب بعد هذه الآية فوصف حال هذه الأمة، وأفضليتها وخيريتها فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] ولو تأملنا هذه الآية لوجدنا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قدم على الإيمان بالله.
وكل المسلمين يعلمون أنه لا شيء يتقدم على الإيمان بالله، فلماذا قُدِّم في هذه الآية؟ ذلك لأن الآية تتحدث عن الخيرية والأفضلية، وعن الميزة والخاصية التي تتميز بها هذه الأمة عن غيرها من الأمم، فقدم فيها الخاص، ثم ذكر بعد ذلك الأمر الأساس الذي لا يقبل بدونه أي عمل، ولهذا عقب بوصف حال أهل الكتاب الذين كان من طبعهم أنهم تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩] فعقب على هؤلاء القوم بعد ذلك فقال: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران:١١٣].
فبين الله أنهم ليسوا كلهم بهذه المثابة، وإنما فيهم من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله أناء الليل وهم يسجدون، ويؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فأولئك وصفوا بالإيمان ثم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه هي الحالة الطبيعية، وهذا هو الوصف العادي الذي توصف به الأمم جميعاً، لكن هذه الأمة لأنها أُخرجت للناس لتخرجهم من الظلمات إلى النور، ولأن رسالة محمد ﷺ رسالة للعالمين فهي أولاً تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فهذا ما يميزها، وهذا ما تختص به دون غيرها من الأمم التي قَصَّرت في ذلك أو كانت دونها.
стр. 1987
علاقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحقيقة الدين
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما تعرف أهميته من معرفة حقيقة هذا الدين، ومعرفة حقيقة دعوة النبي ﷺ ، وإلى أي شيء دعا الرسول ﷺ .
فإذا عرفنا أن هذا الدين يقوم على أساس لا إله إلا الله، وأن النبي ﷺ -وكل نبي قبله- إنما جاء ليدعو الناس إلى هذه الكلمة، وإنما جاهد ﷺ من أجل تحقيق التوحيد الذي هو لا إله إلا الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
فلا إله: هذا النفي نبذ للشرك ولكل ما يتبعه من المعاصي والمنكرات.
وإلا الله: هذا الإثبات تحقيق للتوحيد.
والتوحيد هو المعروف الأكبر، والشرك هو المنكر الأكبر، ثم بعد ذلك تكون البدعة هي المنكر الذي يلي الشرك ثم المعاصي المعروفة.
فإذا علمنا أن النبي ﷺ عاش حياته كلها ومعه صحبه الكرام يدعون إلى توحيد الله، ويأمرون بالسنة، وينهون عن البدعة، ويأمرون بالطاعة وينهون عن المعصية، عرفنا أن حياتهم كلها إنما كانت أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وهكذا من سار بعدهم واقتفى منهجهم.
стр. 1988
من آثار ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ولما وقعت غربة الإسلام، واندرست معالمه، وأصبح المسلم يعيش كالقابض على الجمر، وتفشت المنكرات نتيجة تقصير الأمة وإخلالها بهذا الشأن، وكأن ما حل ببني إسرائيل قد وقع بها -ونعوذ بالله أن تنزل بها اللعنة كما نزلت بأولئك- فلقد نسينا أن الله ﵎ قد خصنا وميزنا بذلك، ونسينا أن الجهاد الذي هو أعلى درجات التضحية والفداء إنما هو من أجل أن يعبد الله وحده، ومن أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا لما قال : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] وصفهم بعد ذلك بآية، فقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].
فالإنسان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في حال الضعف وفي حال بداية الدعوة، وهو -أيضاً- يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر في حال التمكين وفي حال القوة، وحسبنا أن نعلم أنك -أيها المسلم-! دائماً في حالة أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وأقل ما يجب -الواجب العيني- هو أن تأمر نفسك بالمعروف وأن تنهاها عن المنكر، فهذا فرض عين على كل مسلم.
ثم بعد ذلك كما قال رسول الله ﷺ : ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه﴾ ثم الدرجة الثالثة التي أصبحت هي ذاتها مفقودة إلا عند من رحم الله وهي الإنكار بالقلب.
ففرض عين على كل مسلم أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر في نفسه وفيما تملك يده، في بيته وإدراته، ومدرسته، وفي كل ما له عليه سلطة وولاية ومقدرة على التغيير باليد، وفرض على الأمة جميعاً أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
أقول: لما غابت هذه الحقائق عن الأمة أصبح المؤمن يعيش في حال الغربة، وأصبحت السنة بدعة، والبدعة سنة، وأصبحت بعض المعاصي علامة على أن الإنسان حسن الأخلاق، أو مهذب الطباع، أو اجتماعي، أو غير متشدد أو متزمت، وأصبحت الدعوة إلى ترك بعض المنكرات الظاهرة علامة على أن هذا الإنسان فيه وفيه من الصفات التي لا تليق، وليست بصفات مدح على أي حال.
فكيف وصلنا إلى هذه الحال؟ وما هو العلاج؟
стр. 1989
أهمية توضيح قواعد وضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ونحن في هذا الدرس لا نريد أن نتحدث عن أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ذاته، وعن وجوب ذلك، وعن فرضيته، ولكن الحديث إنما هو عن شيء من القواعد أو الضوابط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد تقولون: وهل يحسن أن نتحدث عن القواعد والضوابط مع قلة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؟ وهل وصل الأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى حد الانتشار والعموم الذي يحتاج إلى أن يوضع له قواعد وضوابط؟ فأقول: الحق أن الأمة ما تزال في غيبوبة عن هذا الأمر إلا من رحم الله ﵎، ولكن ذلك لا يعني أن نغفل عن هذه القواعد والضوابط الشرعية، التي يتحقق بها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولعل من أسباب ذلك وجود توبة وعودة إلى الله من قبل الشباب ومن قبل الشيوخ -الذكور والإناث- فأصبحت الأمة الإسلامية على أبواب فجر جديد بإذن الله ﵎، وأصبحنا نرى أن ما تعيشه الأمة من واقع مظلم، إنما هو ظلمة ما قبل بزوغ الفجر، وإنما هو مخاض تعقبه ولادة جيل لا تأخذه في الله لومة لائم.
هذا الذي نؤمله ونرجوه، ونسأل الله ﵎ أن يحققه.
ومن أجل هذا الجيل الذي نترقب أن يوجد، ومن أجل هذه القلة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، نريد أن يكون الطريق أمامها واضح المعالم، حتى يكتب لها الأجر كاملاً بإذن الله، وحتى لا تخطأ أو تضل في هذا الأمر، فيكون منكراً آخراً وانحرافاً جديداً يحتاج إلى تصحيح، وإلى أمر بمعروف ونهي عن منكر.
والحق أقول لكم: إن هذه القواعد والضوابط تحتاج إلى أكثر من رأي وأكثر من اجتهاد، لأنها مسائل تتبع في الغالب المصالح التي يتحقق بها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمصالح متجددة بحسب العقول، الأزمان، والأحوال، ولهذا ينبغي لنا جميعاً أن نجتهد وأن نفكر، من كان مستطيعاً لذلك ليصل بإذن الله إلى ما يحقق المصالح، وإلى ما يدفع المفاسد في هذا الجانب، ولكن لا يمنع ذلك أن نبدأ بخطوة أو خطوات.
ولعل الله ﵎ -وهو على كل شيء قدير- أن يبارك في كل الإخوان العاملين في هذا الشأن بأن يتموا ذلك، وأن يستدركوا عليه، فهذا واجبنا جميعاً.
стр. 1990
الدعوة جزء من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وأول ما نضعه من هذه الضوابط والقواعد: أن نعلم أن الآمر بالمعروف وأن الناهي عن المنكر إنما هو داعية إلى الله ﵎، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو جزء من الدعوة، وإن شئت فقل هو الدعوة كلها ولا غضاضة.
فليس المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: التشفي أو الثأر أو الانتقام من هذا الواقع المر، أو من هؤلاء العصاة وإن جاروا وإن بغوا على أهل الحق والخير، وإنما هو جزء من الدعوة إلى الله، فالصبر فيه صبر على الدعوة إلى الله.
وطلب العلم من أجل ذلك واجب.
والحكمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبة؛ لأن الدعوة إلى الله لا بد أن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن كما بين الله ذلك.
أي أننا نستطيع أن نقول: إن كل ما ينضبط به منهج الدعوة إلى الله ويقوم عليه، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيضاً يتقيد بتلك الضوابط، وينضبط بتلك القواعد.
стр. 1991
فقه الأولويات
والأمر الثاني: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له أولويات؛ فلا بد أن نقدم المنكر الأكبر في الإنكار، ثم المنكر الأصغر منه.
وحياة الرسول ﷺ كلها شاهدة على ذلك، حيث بُعث رسول الله ﷺ والناس يزنون، ويئدون البنات، ويشربون الخمر، ويقطعون الأرحام، ويأكلون الميتة، ويشركون بالله ﵎ ويعبدون غير الله.
فبماذا بدأ رسول الله ﷺ دعوته وإنكاره على المشركين؟ لقد بدأ بالنهي عن الشرك أولاً.
فإذاً نبدأ بإنكار الشرك، لأن الشرك هو المنكر الأكبر، وهو الذنب الأعظم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ونحن دعاة وهداة نريد أن ندعو الناس إلى طريق الجنة.
فلنبدأ إذن بإنكار الذنب الذي لن يصلوا أبداً إلى طريق الجنة وهم مرتكبون له، ونوضح لهم ذلك، وإذا كان ذلك يستلزم منا العلم فلنتعلم.
فيجب أن نتعلم ما هو التوحيد وما هو الشرك، وما هي أنواعه، وما هو الشرك الأكبر وما هو الأصغر، وما هي أحكامه، وما هي ذرائعه، ووسائله التي تُوصل إليه.
وذلك لأن الذرائع والوسائل لها حكم المقاصد، فننكر المنكر الأكبر، وننكر ما يؤدي إلى المنكر الأكبر، وهذه هي الدرجة الأولى، فإذا كان الداعية في أمة فليبدأ بذلك، وإذا كان مع فرد فليبدأ بذلك.
فمثلاً: رجل يدعو غير الله ، ورجل يتحاكم إلى الطواغيت، ورجل يذبح لغير الله ؛ أول ما نهتم به بأن ندعوه إليه هو أن يتخلى عن هذا الشرك، وأن يسلم قلبه وروحه لله وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
فيجب أن نهتم بأن ندعوه أولاً إلى تحقيق التوحيد.
أرأيتم لو أن أمة من الأمم تعبد الأضرحة والقبور، وتدعو غير الله، وتستغيث بغير الله، وتذبح لغير الله، وتتحاكم إلى غير شرع الله ﵎، ومع ذلك نجد أنها تملأ المساجد للصلاة، ونجد أن وعاظها ينكرون الزنا، وشرب الخمر، ويجتهدون في ذلك، هل ترون هذه الأمة يمكن أن تصل إلى أن تكون من الأمة التي فضلها الله على العالمين؟ أو أن تلك الدعوات ستنجح في أن تصبح هذه الأمة كذلك؟ لا مهما دُعي ومهما تُكلم عن تلك الفروع فلا يمكن أبداً بأي حال من الأحوال أن تكون من الأمة التي لها الخيرية على العالمين.
فكل دعوة إصلاحية أخلاقية لم تقم على الأمر بالمعروف الأكبر وهو التوحيد، وعلى النهي عن المنكر الأكبر وهو الشرك، فإنها دعوة مخفقة لا تنجح بأي حال من الأحوال.
وكذلك الفرد: فلو دعوت إنساناً من هذا النوع فحافظ على الصلاة، وترك الخمر والزنا، ولكنه يدعو غير الله، ويحلف بغير الله، ويعدل بالله ﵎ غيره، ويعترض على قضاء الله، وما أشبه ذلك مما يخل بالإيمان والعقيدة، فنجده يصلي لله، ولكنه لا يدري أين الله -كما يقول بعض الناس إنه في كل مكان- وهو قد أخبرنا أنه على العرش: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فهو فوق المخلوقات على العرش، فإذا صلى هذا الرجل وتهجد وتعبد ولكنه يتعبد لإله يظنه في كل مكان، فإن هذا الإنسان لم يحقق حقيقة الإيمان.
إذاً نقول: إن البدء بالعقيدة، والتوحيد هو الأساس حتى نعبد الله ﵎ على بصيرة وبرهان، ومن هنا كانت هذه هي البداية التي لا تُتجاوز، وبعد ذلك ينطلق الإنسان.
فالإنسان العاق لوالديه -عافانا الله وإياكم من ذلك- وهو أيضاً قاطع لرحمه من الأقربين، نبدأ معه في الدعوة والإصلاح والإنكار بالحق الأعظم، لأنه ليس لأحد بعد الله ﵎ حق أعظم من حق الوالدين، وحقهم قبل بقية الأرحام، والجار، وسائر الحقوق.
فإذا أردت أن تأمر بالمعروف أو تنهى عن المنكر، فرتب هذه الحقوق، ورتب أنواع المعروف، وكذلك رتب أنواع الشرك، وأبدأ بالأهم ثم الأهم.
ولا يمنع ذلك أن تبدأ دعوتك بالمحبة وبالحكمة وبالحسنى، ونحن نقول: إنها جزء من الدعوة إلى الله، لكن يكون الاهتمام هو أن أغير المنكر الأكبر عنده، وأن أزيل عنه هذا المنكر، حتى إذا بقيت عنده كبائر فهي أهون من المنكر الأكبر، وهي كبائر أسعى إلى تغييرها، ولكن بعد أن أكون قد اطمأننت إلى أن المنكر الأكبر قد قضي عليه، وأنه لا وجود له.
стр. 1992
أهمية الدعوة إلى التوحيد في المجتمعات التي يقل فيها الشرك
والمجتمعات التي يقل أو يختفي فيها الشرك بوضوحه -الشرك الأكبر المخرج من الملة- يجب ألا تغفل هذه القضية، وأنا أنبه إلى هذا لأننا مغزوون، ولأن المجتمعات التي ورثت التوحيد وهي عليه بفضل الله ﵎، ثم بفضل الذين قاموا بدعوة التوحيد التجديدية مع ذلك هذه المجتمعات تغزى، والقلوب إذا طال عليها الأمد تقسو، والغفلة تعتري الناس، والشيطان يوسوس، وإلا فقد كانت الأمة كلها على التوحيد، حتى حدث الشرك في قوم نوح.
إذاً لا نطمئن ونقول: دعونا من هذا الكلام، والآن نتكلم في الربا والزنا والخمر، وما أشبه ذلك، ونترك التوحيد والشرك، فهذا الكلام خاطئ، لابد أن ندعو إلى ذلك حتى الذين لا شرك فيهم، ونذكرهم ونذكر أنفسنا بذلك، ولذلك قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء:١٣٦].
وهنا يلاحظ الثبات على الإيمان، والاستمرار عليه فهو الأساس، وبعد ذلك على هذه القاعدة تقوم جميع الطاعات، ولو أننا عرفنا حقيقة التوحيد، ولو أننا اجتنبا المنكر الأكبر الذي هو الشرك لما أكلنا الربا، ولا رضينا بالخمر، والزنا أبداً.
стр. 1993
علاقة المعاصي بالشرك
ولننظر إلى الذي يأكل الربا لماذا يأكله أليس لأن قلبه قد غلب عليه حب الدنيا؟ فهو يأكل الربا، والرشوة وأمثال ذلك من المنكرات التي يرتكبها، وهو يعلم أنها حرام؛ لأن القلب في الحقيقة ضعيف الإيمان، أو فاقد الإيمان، ولهذا آثر الحياة الدنيا على الحياة الأخرى، وأتبع نفسه هواها.
فإذاً ابدأ معه وذكره بالأساس، وإن كان يقول أنا على التوحيد وعلى الإيمان ولا شرك عندي، فنقول له: هل نسيت شرك الإرادة؟ وهل نسيت شرك المحبة؟ فإن محبة الشيء محبة شيء إذا تغلغلت في القلب، حتى طمست على محبة الله ورسوله فإنه شرك، وإذا أريد عمل أمر ما يقدم على أمر الله ورسوله فهذا شرك خفي.
فإذاًَ لا بد أن نعرف أن كل منكر له أساس من الشرك، بل قد كان بعض السلف يطلق على كل الذنوب شرك، ولا يقصد أنها تخرج صاحبها من الملة كما فعلت الخوارج، وهذا معلوم ونحن لا نكفر من يشرب الخمر، أو يأكل الربا، أو يزني، فمذهب أهل السنة والجماعة أنه مسلم لكنه ليس لديه إيمان، فالإسلام فوقه درجة هي درجة الإيمان، والإيمان فوقه درجة هي درجة الإحسان، لكن بعض السلف سمى الذنوب جميعها شرك؛ لأن أصلها جميعاً هو اتباع الهوى، فمن اتخذ إلهه هواه فقد أشرك بهذا الشرك الخفي، وإن كان لا يأخذ حكم الشرك الظاهر الذي يخرج من الملة.
فهذه القاعدة يجب أن نتنبه لها ونحن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وندعو إلى الإيمان بالله ﵎.
والقواعد والضوابط التي يجب الاهتمام بها في حال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي:
стр. 1994
القاعدة الأولى: البدء بإنكار المنكرات الظاهرة
أولاً: أن نبدأ بإنكار المنكرات الظاهرة، أو بعبارة أخرى: أن نهتم بإنكار المنكرات الظاهرة أكثر من اهتمامنا بإنكار المنكرات الخفية والمستترة.
وهذه القاعدة تحقق المصالح جميعاً، حيث تحقق القضاء على المنكر الظاهر، وتحقق القضاء على المنكر الخفي، ولكن بعض الدعاة إلى الله والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لا يفطنون إلى ذلك، ولو نزلنا إلى أرض الواقع، وتأملنا فيما حولنا في المجتمع، واتخذنا أمثلة على ذلك لوجدنا أن هذا الأمر واضح جلي.
ماذا تقول الأمة المؤمنة في الصلاة؟ سيقولون: إنها واجبة ولا شك، فالصلاة لا يجادلك فيها إلا من مرق من الدين، لكن المقصود أن الصلاة ليست موضع نقاش.
ولكن صلاة الجماعة نجد أن الأمر أقل فيوجد من يناقش فيها، ويوجد من يحافظ على الصلاة ولكن في بيته، ويوجد من يشرب الخمر، ومن ينشئ مصانع للخمور ويوزعها، ويوجد من يهرب المخدرات.
فإذا أردت أن أدعو إلى الله ، وأردت أن أقضي على الخمر، والمخدرات وترك الصلاة، فما الذي أبدأ به؟ ونحن هنا نعني ترك صلاة الجماعة أولاً ولندع الحديث الآن عن الصلاة ذاتها، لأن تارك الصلاة الذي لا يصلي أبداً هذا كافر لا حظ له في الإسلام، لكن نتحدث عن الذين يتركون صلاة الجماعة ويقولون: نصلي في البيت، أو بعد نصف ساعة، أو بعد قليل.
أي الأمرين أولى بالإنكار: أن أذهب إلى هؤلاء الذين في المقاهي أو على الطرقات ولم يحضروا الجماعة فأنكر عليهم، أو أن أذهب لأتتبع مصنعاً من مصانع الخمر لأقضي عليه؟
стр. 1995
أسباب الابتداء بإنكار المنكرات الظاهرة
أنا أقول: لو قارنا لظهر لنا الأمر: إن الواجب في الحقيقة هو أن نبدأ بالقضاء على المنكر الظاهر، فالمنكر الظاهر شيوعه وانتشاره مما يوجب غضب الله ﵎ ومقته، وأما المنكر المستتر فإنه مستتر بذاته وما يزال دون درجة الشيوع، وإنما يظهر ويشيع المنكر المستتر إذا تركت المنكرات الظاهرة حتى تصبح معروفاً، فإذا أصبحت المنكرات الظاهرة معروفاً انتقل المنكر المستتر إلى أن يصبح منكراً ظاهراً، وهكذا الحال.
ونحن في هذا المجتمع عايشنا هذا الأمر، بل كل العالم الإسلامي، فقبل ثمانين أو سبعين سنة أو ما أشبه ذلك لم يكن في العالم الإسلامي وفي جزيرة العرب بالذات من يحلق لحيته أبداً، وأول من علمنا هذه العادة هم الغربيون -الإنجليز وأتباعهم- لما جاءوا إلى بلاد المسلمين، فالناس في المدن والقرى لا يفعلون هذا المنكر الظاهر.
مثال آخر: التدخين كيف كان حال الذي يدخن قبل أربعين أو ثلاثين سنة، كان منكراً ظاهراً كبيراً لكن لما سُكت عن هذين المنكرين، ووقع ما وقع في شأنهما، حتى أصبحا الآن كأنهما شيء مباح، وعند الذي ينكر المنكر أصبحت أقل شأناً؛ لأن التهاون وقع بل أصبح عند كثير من الناس أن الإنكار أو الحديث عن هذه الأمور أمر لا قيمة له.
فإنسان يتحدث عن حلق اللحية والتدخين إنسان متخلف! والذي يتحدث عن غطاء الوجه، وأنه يجب على المرأة أن تغطي وجهها متزمت، ونجدهم يقولون لك: يا أخي! نحن الآن في أمور أخطر من هذا، وأنت تكلمنا في هذه الموضوعات.
أما لو كلمت هذا الإنسان عن الزنا، لقال: نعم لا بأس بهذا.
لكن لماذا ينتشر الزنا؟ ومتى يصبح الزنا منكراً ظاهراً؟ إنما ذلك إذا أصبح التبرج هو المعروف، فإذا أصبح التبرج معروفاً في المجتمع صار الزنا منكراً ظاهراً، ثم بعد ذلك يتحول الأمر فيصبح الزنا هو المعروف -عياذاً بالله- ثم تستمر نفس العملية، ولهذا لما أصبح التدخين كأنه من المعروف أصبح الخمر منكراً، وقد يظهر أحياناً، فلما انتشرت الخمر على نطاق واسع ووفدت المخدرات أصبح الكلام عن الخمر كأنه عفا عليه الزمن، وأصبح المطلوب -الآن- من الخطباء والوعاظ أن يتحدثوا عن المخدرات.
فتجدهم يقولون: يا شيخ! لا تتكلم عن الخمر، فهو بسيط، والمصيبة الكبرى الآن هي المخدرات.
فنقول له: هذا صحيح.
ولكن إنما انتشرت لأننا تهاونا في السيجارة، وجاء الكأس وتهاونا فيه، فجاءت المخدرات، ولا ندري ماذا يكون حالنا لو تهاونا أيضاً في المخدرات والتهاون حاصل ويجب علينا أن نعترف بذلك؛ لنشجع أنفسنا على أن ندعو إلى الله، وأن نتدارك أنفسنا قبل أن يعمنا الله بعذاب وهلاك ومصيبة من عنده.
стр. 1996
أمثلة توضيحية للقاعدة
وأعود للمثل الأول وهو ترك صلاة الجماعة، فهو منكر ظاهر لا يجوز لنا بأي حال من الأحوال أن نتهاون به، بل نبدأ به، وعليه يقوم إنكار المنكر الباطن، وأقل ما في الأمر إن لم أغير فعلى أن أتصل بمن يغير ولن يكلفني ذلك شيئاً، فبالتلفون -مثلاً- أتصل للهيئة وأبلغها عن هذا المكان وهذا المقهى وهذا التجمع.
ولا ننظر إلى من يقول: البدء بالحسنى، فنحن -أيضاً- نقول لا بد من البدء بالحسنى، وبالحكمة، لكن ليس ذلك في كل أمر وفي كل وقت، فصاحب المحل الذي تمر عليه كل يوم وهو يسمع الأذان ويبيع ويشتري، أو يشرب الشيشة في المقهى، ويسمع الأذان ويصلي الناس ويخرجون وهو في مكانه جالساً، فأول يوم تعظه، وثاني يوم تنصحه، وثالث يوم تخبر عنه الهيئة، فإذا قالوا: أخطأت التصرف، والدعوة إلى الله لا بد أن تكون بالحكمة، فما هي الحكمة التي تريدون؟ يقولون: حتى يقتنع الإنسان ويفهم.
فهل وصل بنا الحال إلى أن أصبحت الصلاة مما يُقنع بها المسلم؟ سبحانه الله! الصلاة أمر معلوم لدى كل إنسان، وبالذات في المدن والقرى، فإذا قال يجب علي أن أتلاطف مع تارك الصلاة، وأشرع معه في دعوى طويلة حتى يقتنع بعد شهور أو سنين، فإذاًَ متى أصل إلى تغيير المنكرات التي تحتاج إلى صبر وتحتاج إلى أناة؟ إن هذه الأمور لا نقول فيها بالعجلة والتهور، بل نحن هنا نضع الضوابط ونمنع التهور والاندفاع والعجلة؛ لكن الضوابط لا تعني الإلغاء، فشيء مؤلم ومؤسف أن بعض الإخوة الدعاة، يقولون: لا بد من الحكمة، ولا بد من ضوابط ولا بد من قواعد، فكانت النتيجة ألا إنكار لمنكر، فإذا وصلنا إلى ألا ننكر أي منكر بحجة الحكمة، والضوابط فهذه خسارة كبرى نعيشها، فلابد في المنكرات الظاهرة المعلوم أنها منكر يجب أن يكون تعامل المجتمع معها تعاملاً حازماً حاسماً فيها.
فالرسول ﷺ -وهو سيد الحكماء في دعوته وفي كل حياته- أمر أن نضرب الابن إذا لم يصلِّ لعشر، وقبل ذلك ثلاث سنوات موعظة، وأمر، وتشجيع، لكن في العاشرة ضرب، فإذا قيل: لماذا تضرب؟ فنقول له: هذا هو ما سنه رسول الله ﷺ أما لو أخطأت فلم آمر ولم أنهَ، ولم أشجع وأحث، وأحض، وبدأت بالضرب فأكون في ذلك الحين قد خالفت سنة المصطفى ﷺ ، وأكون قد أنكرت المنكر وأمرت بالمعروف بطريق مخالف للسنة، لكن الذي يقول: (إذا كبر ابنك آخيه) فإذا أصبح هذا حالنا، وكل واحد في المجتمع ترك ابنه يفعل ما يشاء فسوف يصبح المجتمع كله إخوة في المعصية، وهذا لا يجوز أبداً.
فيجب على الزوج أن يكون حازماً مع زوجته، فيعظها ثم يذكرها وينصحها؛ لكن لو أدى الأمر إلى أن يضربها حتى لا تذهب إلى السوق فليضربها، وهذا واجب، وإلا فهو -عياذاً بالله- ديوث، وإذا ذهبت إلى الخياط، والبقال، ودخلت الأسواق، وأماكن الملابس، وهذا يراها وهذا يكلمها، فتنطلق من البيت بعد العصر وترجع آخر الليل كما يفعل بعض الناس، وتذهب إلى الشواطئ، فلا شك أن من يرضى ذلك في أهله أنه ديوث وأنه يجب عليه الحسم ولو أدى إلى الضرب، ولو حسم كل أب وكل زوج لكنا قضينا على هذه العادة السيئة المقيتة التي نخشى أن يعمنا الله بعقاب من أجلها، فإذا حرصنا على القضاء على الزنا، فلنبدأ بالقضاء على التبرج لأنه منكر ظاهر وهو الوسيلة إلى الزنا.
فالذين يتأملون في هذه القاعدة يرون من الحكم في ذلك أن كل إنسان تتهمه أو تواجهه بمنكر خفي فإن في إمكانه أن ينكر، فترى فلاناً عنده مصنع خمر، فيقول: لا شيء عندي وينكر، ولا يستطيع أحد أن يعترف بذلك.
أو إذا كان شخص يمارس الزنا والفاحشة فإنه لن يقر أحد بهذا الشيء، لكن المنكر الظاهر، مثلاً: إذا قامت الصلاة وهو جالس في الشارع، فكيف يستطيع الإنكار؟ فمن فوائد ذلك أننا إذا اتبعنا أمر الله ورسوله تحققت المصالح بإذن الله.
فإذا أمرته بالذهاب إلى الصلاة، فإنه يوجد أي إنكار منه، ولا يستطيع أن يقول: لم أسمع الأذان، ولم أعلم ولهذا يقول غالباً جزاك الله خيراً، حتى لو لم يصل فإنه يكون مقهوراً، وليس لديه عذر ولا حجة، فهذا هو الذي ينبغي.
والمرأة المتبرجة في السوق أنت تستطيع أن تقول لها وأنت واثق أنها متبرجة، فالمنكر ظاهر، وأنت لست مجرد متهم، فالناس يسيئون الظن بالناس، ويتهمون أعراض الناس، ويفعلون كما يقال عادةً عن أهل الخير وعن الآمرين بالمعروف وعن الناهين عن المنكر، فأنت الآن أنت تتخاطب وتتعامل مع منكر ظاهر أمامك، فليس هذا الخياط بمحرم لها ولا صاحب الدكان بمحرم لها، وهي كاسية متبرجة في السوق، إذاً هذا منكر ظاهر لا نقاش فيه.
إذاً لا بد أن ينكر هذا المنكر، ولا بد أن يُقضى عليه بكل وسيلة، بالدعوة والوسائل العامة، بنشر الحق والخير بالتعليم، وأيضاً بالقوة وبالحزم المهم كقاعدة عامة: أن نبدأ بالمنكر الظاهر، ولنتعاون في القضاء عليه، وهذا -بإذن الله- يقضي على المنكرات الباطنة، دون أن نتهاون أيضاً في شأن المنكرات الباطنة.
стр. 1997
القاعدة الثانية: لا يجوز إنكار المنكر إذا أدى إلى منكر أكبر
ثانياً: إن إنكار المنكر إذا أدى إلى منكر أكبر، أو إلى مفسدة اعظم، فإنه لا يجوز الإنكار.
فليس الغرض مجرد أن تنكر، أو أن تتشفى بالإنكار، أو أن تنتقم من صاحب المنكر، بل الغرض هو أن يطاع الله ﵎، فإذا كنت تسعى إلى أن يطاع الله وجئت بما يؤدي إلى معصية أكبر فلا تفعل ذلك، وقد بين الله ذلك في القرآن للنبي ﷺ وأصحابه، يقول : ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام:١٠٨] فنهى الله ﵎ عن ذلك؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يتجرأ المشركون فيسبوا الله .
فإذا كنت في مجلس، أو جمعك ركب ما بقوم لو شتمت أهل المعاصي لشتموا وسبوا أهل الخير والإيمان، ولو أنك شتمت رءوس البدعة، ورءوس الشرك والضلال للعنوا وسبوا وشتموا رءوس أهل الإيمان والتوحيد، فعليك ألا تفعل ذلك، ولو ذهبت إلى إنسان تعلم من حاله أنك لو أمرته بمعروف ما لأعلن الكفر وسب الله ورسوله فلا تأمره.
ومن المصائب أن يقع هذا في مجتمعنا، وأن يوجد في ظل هذا المجتمع الذي ترتفع فيه المآذن في كل حين وتملأ الأجواء بالتكبير والشهادة لله تعالى بالتوحيد، ولمحمد ﷺ بالرسالة، من يسب الدين.
وإننا كنا نتوقع ألا يوجد سب الدين، في أي مجتمع مسلم وأن يخلو من سب الدين، فكيف يوجد هذا السبب في المجتمع الذي يعاقب الإنسان إذا لم يلتزم بصلاة الجماعة، فكيف بمن يسب الله ورسوله! لكن هذا هو الواقع للأسف.
فلا بد إذاً أن ننتبه إلى هذا الأمر، فلا ننكر المنكر إذا كنا نتوقع أن يقع منكر أكبر منه.
وأيضاً لا ننكر المنكر بوسيلة غير مشروعة، فالمنكر منكر، فلا ينكر المنكر بمنكر آخر؟ لأنهما منكران، فما هذا بأولى من ذاك، وإنما ينكر المنكر بالأمر المشروع وبالمعروف وبما أمر الله ﵎ وبما شرع.
стр. 1998
تأخير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ولهذا لا نصدم مشاعر الناس في أمور لو أخرت لكان خيراً، وهذه أحد القواعد التي تتفرع عن هذه القاعدة، فالرسول ﷺ يقول لأم المؤمنين عائشة: ﴿لولا أن قومك حديثو عهد بشرك أو بكفر، لهدمت الكعبة ولجعلتها على قواعد إبراهيم﴾ فهذا رسول الله ﷺ وهو الذي غيَّر ما كان عليه العرب من الدين، وقاتلهم على ذلك قتالاً، ودخلوا في دين الله برغبة وصدق، وبالسيف والجهاد، وهو ﷺ الذي يحكم جزيرة العرب جميعاً، والذي إذا قال أطيع، ومع ذلك يذكر المانع من أن يجعل الكعبة على قواعد إبراهيم، مع أن جَعْل الكعبة على قواعد إبراهيم مصلحة وتحقيق لأمر شرعي؛ وهي أن تكون كما بناها الخليل ﵇؛ لكن ما الذي يمنع من تحقيق هذه المصلحة؟ المانع هو أن العرب حديثو عهد بالكفر، وهم إنما آمنوا به ﷺ واتبعوه لأنه يعظم حرمات الله، ويعظم ما عظم الله، ويوحد الله، ويدعو إلى دين إبراهيم، وكثير من الناس ينظرون إلى الدين بهذا المنظار، ولا يفطنون إلى ما وراء ذلك من حكم ومصالح، فكل ما في الأمر عندهم أن هذا هو دين التوحيد، وأننا اتبعناه من أجل ذلك، والكعبة في أذهانهم تمثل حقيقة التوحيد ورمزاً للتوحيد وللدين، فإذا هُدمت وغُيرت فكأنها تغيرت ملة إبراهيم، وكأن المنهج الذي رسمته الأذهان فيه خلل وخطأ.
إذاً لا بد من الإنكار عليه، ولهذا لم يشأ النبي ﷺ أن يصدم هذه المشاعر.
ولهذا نقول: إن علينا أن نعلم أن الإنسان وإن آمن واهتدى، واستقام، فقد يُترك له بعض التجاوزات والمخالفات لا إقراراً لها، أو اعتقاد حلها والانكار على من أنكرها بدعوة مصلحة الدعوة ولكن يقال: مصلحة الدعوة أن يؤخر الإنكار وأن يؤخر التغيير.
أرأيتم لما وضعت الكعبة على قواعد إبراهيم أيام عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه ما الذي جرى؟ لم يجر شيء، لأنه قد انقضى ذلك الجيل وولدت أجيال على التوحيد، فالذي أمر به عبد الله بن الزبير أمر مشروع، ولم يحدث أي منكر ولا إنكار، لأنه جاء في حينه.
ومن هنا لا نتوقع أن ننكر المنكرات دفعة واحدة، والشيء المؤلم والمؤسف اليوم أن في المسلم جملة منكرات فتجده متهاوناً بالصلاة ويسمع الغناء، ويرى النساء الأجنبيات، ويغش في البيع والشراء، ويكذب، ويغتاب والله المستعان! إنها مصائب مجتمعة ومنكرات.
فإذاً نحن مع قولنا في الأول بالبدء بالأهم فالأهم، والبدء بالظاهر قبل الباطن، نقول أيضاً: إن مما يجب، هو أن نؤخر ما قد يصدم مشاعر هذا الإنسان، فيجعله يرجع عما هو عليه من الحق، فإذا اهتدى وبدأ يقيم الصلاة، فنحرص بعد ذلك أن نبين له أن سماع الأغاني حرام، وأن رؤية النساء في الشارع أو في التلفاز أو في المجلات حرام، ولنبدأ بذلك حتى يدخل في الدين تدريجياً، ويرسخ الإيمان في قلبه بالتدريج، ولا نتعجل ونقول: ما دام أنه اهتدى اليوم، فيجب في هذه اللحظة وفي هذا الوقت أن يبادر فيحافظ على الصلاة، ويترك المنكر الظاهر والباطن، وأن يترك جميع المنكرات التي هو عليها، فهذا من توقع المحال، وهذا مما يجعل بعض الدعاة يفشل في دعوته، لأنه توقع ذلك، والحقيقة أن النفس لا بد لها من التدرج، فبعض الأمور قد تؤجل إلى أمد ما محافظةً على الأصل الموجود، لكي ينمى الإيمان في قلبه، ثم بعد ذلك يترك ذلك.
стр. 1999
مثال توضيحي للقاعدة
ولعل من الأمثلة التي توضح هذا: أنه إذا اقتصر الدعاة إلى السنة على إنكار الغلو في محبة النبي ﷺ ، مع أن الغلو في محبة النبي ﷺ منكر، لأنه ﷺ هو الذي أنكره، وعلمنا أن ننكره، والأحاديث في ذلك معلومة؛ لكن لو أننا نقتصر فقط على أن نذكِّر أن الغلو في محبة الرسول ﷺ منكر، فإنه سوف يكون مدخلاً لأهل البدع، ومدخلاً لبعض المهتدين الذين هم قريبو عهد بالبدع أن يقولوا: إن هؤلاء الناس لا يعرفون من محبة النبي ﷺ إلا النهي عن الغلو فيها، ولا يتحدثون عنها، ولا يأمرون بها، إذاً ما هو الواجب في هذه الحال؟ الواجب أن نبدأ بالتذكير بمحبة الرسول ﷺ وطاعته، ونجعل النهي عن الغلو فيه مع ذلك وضمنه، وإلا فقد يفتن بعض الناس من هذا الباب، يفتنه الشيطان أو يفتنه شياطين الإنس بمثل هذا الشبهات، ولا يخفى عليكم الأمثلة التي توضح ذلك في واقعنا اليوم.
стр. 2000
القاعدة الثالثة: الإنكار على العالم ليس كالإنكار على الجاهل
ومن القواعد والضوابط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أن الإنكار على العالم أو على الفقيه أو على الكبير الفاهم ليس كالإنكار على المبتدأ وحديث العهد بالمعصية والجاهل.
أرأيتم لو أن أحداً من خيار الصحابة رضي الله تعالى عنهم جاء وبال في المسجد -وحاشاهم من ذلك- كيف يكون الإنكار عليه؟! سوف يكون شديداً؛ لأن هذا أمر لا يمكن أن يفعله إنسان من خيار الصحابة ممن عرف الإيمان وحقيقته، فسوف يكون الإنكار عليه بأشد ما يمكن، وبذلك وقائع من السيرة، كإنكار النبي ﷺ على أبي ذر لما قال لـ بلال: يا ابن السوداء، فأنكر عليه النبي ﷺ إنكاراً شديداً وقال له: ﴿يا أبا ذر: إنك امرؤ فيك جاهلية﴾ فهذا إنكار شديد، فالجاهلية التي هرب وخرج منها أبو ذر رضي الله تعالى عنه وتحمل المشاق، وجاء إلى الكعبة، وجاهر بالإيمان، وضُرب حتى أصبح كما يقول هو: [[كأنه صنم ذبح عليه]] من كثرة ما فيه من الدماء، وكل ذلك لذات الله ومن أجل الله، ويقول له النبي ﷺ : ﴿إنك امرؤ فيك جاهلية﴾ لأنك أمام إنسان يعرف الحق وعرف الجاهلية، وعرف قذارتها، وعرف نتنها، وعرف كيف يفر منها كما يفر من النار أو من الأسد، فتقول له هذا الكلام ليرتدع.
لكن لما جاء الأعرابي وبال في المسجد، فهذا أعرابي جاهل لا يفقه من أمر الله ودينه شيئاً، دخل وبال في المسجد، فأرشدنا النبي ﷺ وعلمنا أن الإنكار على الجاهل يختلف، فهذا نلاطفه، ونلاينة، ونداريه، ولا نعنفه.
следующие страницы →