Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
أمثلة توضيحية للقاعدة
وأعود للمثل الأول وهو ترك صلاة الجماعة، فهو منكر ظاهر لا يجوز لنا بأي حال من الأحوال أن نتهاون به، بل نبدأ به، وعليه يقوم إنكار المنكر الباطن، وأقل ما في الأمر إن لم أغير فعلى أن أتصل بمن يغير ولن يكلفني ذلك شيئاً، فبالتلفون -مثلاً- أتصل للهيئة وأبلغها عن هذا المكان وهذا المقهى وهذا التجمع.
ولا ننظر إلى من يقول: البدء بالحسنى، فنحن -أيضاً- نقول لا بد من البدء بالحسنى، وبالحكمة، لكن ليس ذلك في كل أمر وفي كل وقت، فصاحب المحل الذي تمر عليه كل يوم وهو يسمع الأذان ويبيع ويشتري، أو يشرب الشيشة في المقهى، ويسمع الأذان ويصلي الناس ويخرجون وهو في مكانه جالساً، فأول يوم تعظه، وثاني يوم تنصحه، وثالث يوم تخبر عنه الهيئة، فإذا قالوا: أخطأت التصرف، والدعوة إلى الله لا بد أن تكون بالحكمة، فما هي الحكمة التي تريدون؟ يقولون: حتى يقتنع الإنسان ويفهم.
فهل وصل بنا الحال إلى أن أصبحت الصلاة مما يُقنع بها المسلم؟ سبحانه الله! الصلاة أمر معلوم لدى كل إنسان، وبالذات في المدن والقرى، فإذا قال يجب علي أن أتلاطف مع تارك الصلاة، وأشرع معه في دعوى طويلة حتى يقتنع بعد شهور أو سنين، فإذاًَ متى أصل إلى تغيير المنكرات التي تحتاج إلى صبر وتحتاج إلى أناة؟ إن هذه الأمور لا نقول فيها بالعجلة والتهور، بل نحن هنا نضع الضوابط ونمنع التهور والاندفاع والعجلة؛ لكن الضوابط لا تعني الإلغاء، فشيء مؤلم ومؤسف أن بعض الإخوة الدعاة، يقولون: لا بد من الحكمة، ولا بد من ضوابط ولا بد من قواعد، فكانت النتيجة ألا إنكار لمنكر، فإذا وصلنا إلى ألا ننكر أي منكر بحجة الحكمة، والضوابط فهذه خسارة كبرى نعيشها، فلابد في المنكرات الظاهرة المعلوم أنها منكر يجب أن يكون تعامل المجتمع معها تعاملاً حازماً حاسماً فيها.
فالرسول ﷺ -وهو سيد الحكماء في دعوته وفي كل حياته- أمر أن نضرب الابن إذا لم يصلِّ لعشر، وقبل ذلك ثلاث سنوات موعظة، وأمر، وتشجيع، لكن في العاشرة ضرب، فإذا قيل: لماذا تضرب؟ فنقول له: هذا هو ما سنه رسول الله ﷺ أما لو أخطأت فلم آمر ولم أنهَ، ولم أشجع وأحث، وأحض، وبدأت بالضرب فأكون في ذلك الحين قد خالفت سنة المصطفى ﷺ ، وأكون قد أنكرت المنكر وأمرت بالمعروف بطريق مخالف للسنة، لكن الذي يقول: (إذا كبر ابنك آخيه) فإذا أصبح هذا حالنا، وكل واحد في المجتمع ترك ابنه يفعل ما يشاء فسوف يصبح المجتمع كله إخوة في المعصية، وهذا لا يجوز أبداً.
فيجب على الزوج أن يكون حازماً مع زوجته، فيعظها ثم يذكرها وينصحها؛ لكن لو أدى الأمر إلى أن يضربها حتى لا تذهب إلى السوق فليضربها، وهذا واجب، وإلا فهو -عياذاً بالله- ديوث، وإذا ذهبت إلى الخياط، والبقال، ودخلت الأسواق، وأماكن الملابس، وهذا يراها وهذا يكلمها، فتنطلق من البيت بعد العصر وترجع آخر الليل كما يفعل بعض الناس، وتذهب إلى الشواطئ، فلا شك أن من يرضى ذلك في أهله أنه ديوث وأنه يجب عليه الحسم ولو أدى إلى الضرب، ولو حسم كل أب وكل زوج لكنا قضينا على هذه العادة السيئة المقيتة التي نخشى أن يعمنا الله بعقاب من أجلها، فإذا حرصنا على القضاء على الزنا، فلنبدأ بالقضاء على التبرج لأنه منكر ظاهر وهو الوسيلة إلى الزنا.
فالذين يتأملون في هذه القاعدة يرون من الحكم في ذلك أن كل إنسان تتهمه أو تواجهه بمنكر خفي فإن في إمكانه أن ينكر، فترى فلاناً عنده مصنع خمر، فيقول: لا شيء عندي وينكر، ولا يستطيع أحد أن يعترف بذلك.
أو إذا كان شخص يمارس الزنا والفاحشة فإنه لن يقر أحد بهذا الشيء، لكن المنكر الظاهر، مثلاً: إذا قامت الصلاة وهو جالس في الشارع، فكيف يستطيع الإنكار؟ فمن فوائد ذلك أننا إذا اتبعنا أمر الله ورسوله تحققت المصالح بإذن الله.
فإذا أمرته بالذهاب إلى الصلاة، فإنه يوجد أي إنكار منه، ولا يستطيع أن يقول: لم أسمع الأذان، ولم أعلم ولهذا يقول غالباً جزاك الله خيراً، حتى لو لم يصل فإنه يكون مقهوراً، وليس لديه عذر ولا حجة، فهذا هو الذي ينبغي.
والمرأة المتبرجة في السوق أنت تستطيع أن تقول لها وأنت واثق أنها متبرجة، فالمنكر ظاهر، وأنت لست مجرد متهم، فالناس يسيئون الظن بالناس، ويتهمون أعراض الناس، ويفعلون كما يقال عادةً عن أهل الخير وعن الآمرين بالمعروف وعن الناهين عن المنكر، فأنت الآن أنت تتخاطب وتتعامل مع منكر ظاهر أمامك، فليس هذا الخياط بمحرم لها ولا صاحب الدكان بمحرم لها، وهي كاسية متبرجة في السوق، إذاً هذا منكر ظاهر لا نقاش فيه.
إذاً لا بد أن ينكر هذا المنكر، ولا بد أن يُقضى عليه بكل وسيلة، بالدعوة والوسائل العامة، بنشر الحق والخير بالتعليم، وأيضاً بالقوة وبالحزم المهم كقاعدة عامة: أن نبدأ بالمنكر الظاهر، ولنتعاون في القضاء عليه، وهذا -بإذن الله- يقضي على المنكرات الباطنة، دون أن نتهاون أيضاً في شأن المنكرات الباطنة.
стр. 1997
القاعدة الثانية: لا يجوز إنكار المنكر إذا أدى إلى منكر أكبر
ثانياً: إن إنكار المنكر إذا أدى إلى منكر أكبر، أو إلى مفسدة اعظم، فإنه لا يجوز الإنكار.
فليس الغرض مجرد أن تنكر، أو أن تتشفى بالإنكار، أو أن تنتقم من صاحب المنكر، بل الغرض هو أن يطاع الله ﵎، فإذا كنت تسعى إلى أن يطاع الله وجئت بما يؤدي إلى معصية أكبر فلا تفعل ذلك، وقد بين الله ذلك في القرآن للنبي ﷺ وأصحابه، يقول : ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام:١٠٨] فنهى الله ﵎ عن ذلك؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يتجرأ المشركون فيسبوا الله .
فإذا كنت في مجلس، أو جمعك ركب ما بقوم لو شتمت أهل المعاصي لشتموا وسبوا أهل الخير والإيمان، ولو أنك شتمت رءوس البدعة، ورءوس الشرك والضلال للعنوا وسبوا وشتموا رءوس أهل الإيمان والتوحيد، فعليك ألا تفعل ذلك، ولو ذهبت إلى إنسان تعلم من حاله أنك لو أمرته بمعروف ما لأعلن الكفر وسب الله ورسوله فلا تأمره.
ومن المصائب أن يقع هذا في مجتمعنا، وأن يوجد في ظل هذا المجتمع الذي ترتفع فيه المآذن في كل حين وتملأ الأجواء بالتكبير والشهادة لله تعالى بالتوحيد، ولمحمد ﷺ بالرسالة، من يسب الدين.
وإننا كنا نتوقع ألا يوجد سب الدين، في أي مجتمع مسلم وأن يخلو من سب الدين، فكيف يوجد هذا السبب في المجتمع الذي يعاقب الإنسان إذا لم يلتزم بصلاة الجماعة، فكيف بمن يسب الله ورسوله! لكن هذا هو الواقع للأسف.
فلا بد إذاً أن ننتبه إلى هذا الأمر، فلا ننكر المنكر إذا كنا نتوقع أن يقع منكر أكبر منه.
وأيضاً لا ننكر المنكر بوسيلة غير مشروعة، فالمنكر منكر، فلا ينكر المنكر بمنكر آخر؟ لأنهما منكران، فما هذا بأولى من ذاك، وإنما ينكر المنكر بالأمر المشروع وبالمعروف وبما أمر الله ﵎ وبما شرع.
стр. 1998
تأخير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ولهذا لا نصدم مشاعر الناس في أمور لو أخرت لكان خيراً، وهذه أحد القواعد التي تتفرع عن هذه القاعدة، فالرسول ﷺ يقول لأم المؤمنين عائشة: ﴿لولا أن قومك حديثو عهد بشرك أو بكفر، لهدمت الكعبة ولجعلتها على قواعد إبراهيم﴾ فهذا رسول الله ﷺ وهو الذي غيَّر ما كان عليه العرب من الدين، وقاتلهم على ذلك قتالاً، ودخلوا في دين الله برغبة وصدق، وبالسيف والجهاد، وهو ﷺ الذي يحكم جزيرة العرب جميعاً، والذي إذا قال أطيع، ومع ذلك يذكر المانع من أن يجعل الكعبة على قواعد إبراهيم، مع أن جَعْل الكعبة على قواعد إبراهيم مصلحة وتحقيق لأمر شرعي؛ وهي أن تكون كما بناها الخليل ﵇؛ لكن ما الذي يمنع من تحقيق هذه المصلحة؟ المانع هو أن العرب حديثو عهد بالكفر، وهم إنما آمنوا به ﷺ واتبعوه لأنه يعظم حرمات الله، ويعظم ما عظم الله، ويوحد الله، ويدعو إلى دين إبراهيم، وكثير من الناس ينظرون إلى الدين بهذا المنظار، ولا يفطنون إلى ما وراء ذلك من حكم ومصالح، فكل ما في الأمر عندهم أن هذا هو دين التوحيد، وأننا اتبعناه من أجل ذلك، والكعبة في أذهانهم تمثل حقيقة التوحيد ورمزاً للتوحيد وللدين، فإذا هُدمت وغُيرت فكأنها تغيرت ملة إبراهيم، وكأن المنهج الذي رسمته الأذهان فيه خلل وخطأ.
إذاً لا بد من الإنكار عليه، ولهذا لم يشأ النبي ﷺ أن يصدم هذه المشاعر.
ولهذا نقول: إن علينا أن نعلم أن الإنسان وإن آمن واهتدى، واستقام، فقد يُترك له بعض التجاوزات والمخالفات لا إقراراً لها، أو اعتقاد حلها والانكار على من أنكرها بدعوة مصلحة الدعوة ولكن يقال: مصلحة الدعوة أن يؤخر الإنكار وأن يؤخر التغيير.
أرأيتم لما وضعت الكعبة على قواعد إبراهيم أيام عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه ما الذي جرى؟ لم يجر شيء، لأنه قد انقضى ذلك الجيل وولدت أجيال على التوحيد، فالذي أمر به عبد الله بن الزبير أمر مشروع، ولم يحدث أي منكر ولا إنكار، لأنه جاء في حينه.
ومن هنا لا نتوقع أن ننكر المنكرات دفعة واحدة، والشيء المؤلم والمؤسف اليوم أن في المسلم جملة منكرات فتجده متهاوناً بالصلاة ويسمع الغناء، ويرى النساء الأجنبيات، ويغش في البيع والشراء، ويكذب، ويغتاب والله المستعان! إنها مصائب مجتمعة ومنكرات.
فإذاً نحن مع قولنا في الأول بالبدء بالأهم فالأهم، والبدء بالظاهر قبل الباطن، نقول أيضاً: إن مما يجب، هو أن نؤخر ما قد يصدم مشاعر هذا الإنسان، فيجعله يرجع عما هو عليه من الحق، فإذا اهتدى وبدأ يقيم الصلاة، فنحرص بعد ذلك أن نبين له أن سماع الأغاني حرام، وأن رؤية النساء في الشارع أو في التلفاز أو في المجلات حرام، ولنبدأ بذلك حتى يدخل في الدين تدريجياً، ويرسخ الإيمان في قلبه بالتدريج، ولا نتعجل ونقول: ما دام أنه اهتدى اليوم، فيجب في هذه اللحظة وفي هذا الوقت أن يبادر فيحافظ على الصلاة، ويترك المنكر الظاهر والباطن، وأن يترك جميع المنكرات التي هو عليها، فهذا من توقع المحال، وهذا مما يجعل بعض الدعاة يفشل في دعوته، لأنه توقع ذلك، والحقيقة أن النفس لا بد لها من التدرج، فبعض الأمور قد تؤجل إلى أمد ما محافظةً على الأصل الموجود، لكي ينمى الإيمان في قلبه، ثم بعد ذلك يترك ذلك.
стр. 1999
مثال توضيحي للقاعدة
ولعل من الأمثلة التي توضح هذا: أنه إذا اقتصر الدعاة إلى السنة على إنكار الغلو في محبة النبي ﷺ ، مع أن الغلو في محبة النبي ﷺ منكر، لأنه ﷺ هو الذي أنكره، وعلمنا أن ننكره، والأحاديث في ذلك معلومة؛ لكن لو أننا نقتصر فقط على أن نذكِّر أن الغلو في محبة الرسول ﷺ منكر، فإنه سوف يكون مدخلاً لأهل البدع، ومدخلاً لبعض المهتدين الذين هم قريبو عهد بالبدع أن يقولوا: إن هؤلاء الناس لا يعرفون من محبة النبي ﷺ إلا النهي عن الغلو فيها، ولا يتحدثون عنها، ولا يأمرون بها، إذاً ما هو الواجب في هذه الحال؟ الواجب أن نبدأ بالتذكير بمحبة الرسول ﷺ وطاعته، ونجعل النهي عن الغلو فيه مع ذلك وضمنه، وإلا فقد يفتن بعض الناس من هذا الباب، يفتنه الشيطان أو يفتنه شياطين الإنس بمثل هذا الشبهات، ولا يخفى عليكم الأمثلة التي توضح ذلك في واقعنا اليوم.
стр. 2000
القاعدة الثالثة: الإنكار على العالم ليس كالإنكار على الجاهل
ومن القواعد والضوابط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أن الإنكار على العالم أو على الفقيه أو على الكبير الفاهم ليس كالإنكار على المبتدأ وحديث العهد بالمعصية والجاهل.
أرأيتم لو أن أحداً من خيار الصحابة رضي الله تعالى عنهم جاء وبال في المسجد -وحاشاهم من ذلك- كيف يكون الإنكار عليه؟! سوف يكون شديداً؛ لأن هذا أمر لا يمكن أن يفعله إنسان من خيار الصحابة ممن عرف الإيمان وحقيقته، فسوف يكون الإنكار عليه بأشد ما يمكن، وبذلك وقائع من السيرة، كإنكار النبي ﷺ على أبي ذر لما قال لـ بلال: يا ابن السوداء، فأنكر عليه النبي ﷺ إنكاراً شديداً وقال له: ﴿يا أبا ذر: إنك امرؤ فيك جاهلية﴾ فهذا إنكار شديد، فالجاهلية التي هرب وخرج منها أبو ذر رضي الله تعالى عنه وتحمل المشاق، وجاء إلى الكعبة، وجاهر بالإيمان، وضُرب حتى أصبح كما يقول هو: [[كأنه صنم ذبح عليه]] من كثرة ما فيه من الدماء، وكل ذلك لذات الله ومن أجل الله، ويقول له النبي ﷺ : ﴿إنك امرؤ فيك جاهلية﴾ لأنك أمام إنسان يعرف الحق وعرف الجاهلية، وعرف قذارتها، وعرف نتنها، وعرف كيف يفر منها كما يفر من النار أو من الأسد، فتقول له هذا الكلام ليرتدع.
لكن لما جاء الأعرابي وبال في المسجد، فهذا أعرابي جاهل لا يفقه من أمر الله ودينه شيئاً، دخل وبال في المسجد، فأرشدنا النبي ﷺ وعلمنا أن الإنكار على الجاهل يختلف، فهذا نلاطفه، ونلاينة، ونداريه، ولا نعنفه.
стр. 2001
مثال توضيحي للقاعدة
فنجد في قصة هذا الأعرابي ما يشهد بهاتين القاعدتين: القاعدة الأولى: تحمل أهون المفسدتين لدرء أعظمهما.
والثانية: إن الجاهل لا يكون الإنكار عليه كالإنكار على العالم وعلى ذي الشأن.
فلو أن النبي ﷺ لم يزجر الصحابة وينههم عندما ثاروا عليه ليزجروه عن البول في المسجد، لانتشر البول في أجزاء كثيرة نتيجة فزع الأعرابي وهربه، بل وسينتثر البول في ملابسه، وربما لا يعود إلى المسجد وإلى الإيمان.
إذاً نتحمل المفسدة من أجل أن ندفع مفسدة أكبر منها، فهذا شيء.
والأمر الآخر أن هذا الإنسان جاهل، والجاهل نرفق به، كما منع النبي ﷺ الصحابة أن يضربوه، وأمر أن يغير المنكر، بصب دلو من الماء على البول وانتهت النجاسة.
فالآن قضينا على النجاسة، وبقي أن نقضي على ما في قلب هذا الرجل، والرسول ﷺ ، كما قال معاوية بن الحكم السلمي: ﴿والله ما كهرني ولا نهرني، بأبي وأمي ما رأيت قبله ولا بعده معلماً مثله ﷺ ﴾ فلا يوجد معلم أرفق من النبي ﷺ ولا أحكم، فلما رأى الأعرابي هذا الرفق وهذه المعاملة ممن كان يظن أنه أكثر الناس شدة -ولا شك أن الرسول ﷺ هو أكثر الناس محافظة على بيوت الله، وأكثر الناس قوة في الحق، لكنه كان يوازن بين المصالح والمفاسد ﷺ لما رأى منه اللطف واللين صلى فقال: ﴿اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحد﴾.
وذلك لأن القلب ما تزال فيه ضغينة لهؤلاء الذين ثاروا عليه، وأظهروه مظهر الإنسان الذي لا يليق، ولكن دعا أن يرحم الله محمداً ﷺ وهذا هو المطلوب، وهو أن يحب الرسول ﷺ وكان ذلك، ولكن أيضاً نحن لا ينبغي أن نجفو قلوب الناس عنا، فالجاهل نعلمه ونترفق به، ونبين له.
وكما ينقل في سيرة الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما أنهما كانا ذاهبين إلى المسجد، فدخل رجل يتوضأ فلم يحسن الوضوء، وهما صبيان صغيران فقالا له: أيها الشيخ! نحن طفلان صغيران واختلفنا كيف نتوضأ، فاحكم بيننا لترى أي منا يتوضأ أحسن من الآخر، فتوضأ الأول كما توضأ رسول الله ﷺ وتوضأ الآخر كما يتوضأ الرسول ﷺ ، ثم قالا له: احكم، فقال: أحكم بأنكما توضأتما على السنة وأنا لا أحسن الوضوء.
فعلماه كيف أنه يجب على الإنسان أن يتوضأ، وهو بنفسه عرف خطأه.
فإذا استطعنا أن نعرَّف الإنسان خطأه بنفسه فهذا مكسب لنا، ونكون قد كسبنا قلبه ومع ذلك عرف الحق، وسيتبعه بإذن الله ﵎.
стр. 2002
القاعدة الرابعة: عدم الإنكار في مسائل الخلاف
ثم نتكلم على مسألة وهي: أن من ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عدم الإنكار في مسائل الخلاف، وهذا الأمر مهم في ذاته لأنه كثيراً ما يفهم خطأً، ونقصد بذلك أن الأمر الاجتهادي المحض لا ينكر فيه.
وبعض الناس يقول: لا إنكار في مسائل الخلاف، فإذا جئت إلى إنسان لا يرفع يديه في الصلاة -مثلاً- إذا كبر لتكبيرة الإحرام، أو الركوع أو بعد الرفع منه، أو لا يقول: آمين، أو لا يجهر بها، أو ما أشبه ذلك، فإنك تجد من يقول: لا تنكر عليه لأن المسألة خلافيه.
وإذا جئت إلى إنسان يترك زوجته تخرج أمام الرجال كاشفة الوجه، ولو سترت كل شيء لكن بقي الوجه- والكفان- ثم يقولون لك: المسألة خلافية فلا تنكر عليه.
فنقول: ليس الأمر كذلك.
فالمسائل الخلافية التي لا إنكار فيها هي مسائل الاجتهاد المحضة التي يجتهد فيها العلماء فتختلف وجهات نظرهم، والجميع ينطلقون من الكتاب والسنة، وينتهجون منهج الكتاب والسنة، أما العالم أو المذهب الذي يخالف نصاً من النصوص عن رسول الله ﷺ أو في كتاب الله، فإنه ينكر عليه، ولو قد قال بذلك بعض الأئمة، فهذا لا يمنع من الإنكار، وإلا لاتبع الناس الأئمة في أخطائهم وأصبحت معروفاً، وتركنا سنة نبينا ﷺ من أجل أن فلاناً اجتهد فاخطأ، وهذه مصيبة: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور:٦٣] والفتنة الشرك، فلا بد أن نفهم ما هي مسائل الخلاف.
مثلاً: إذا أحرم الحاج مفرداً أو متمتعاً أو قارناً، فنقول: هذا لا إنكار فيه، ولو كنت ممن يرى أن التمتع هو الأفضل، فيحسن بك أن تقول ذلك، وأن تبينه له وترشده إليه إرشاداً، لكن أن تنكر عليه، وأن تقول: لا إحرام لك، فلا تفعل ذلك لأن هذه -فعلاً- من مسائل الخلاف.
لكن مسألة أن المرأة تسفر عن وجهها، فهذه المسألة لا تعتبر من مسائل الخلاف، وأخطأ من خالف فيها، فقد خالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والعالم له أجر اجتهاده، لكن نحن نأثم لو أننا سكتنا وقلنا: الأمر فيه خلاف.
وكذلك صلاة الجماعة فلا نقول: بعض العلماء لا يرى أنها واجبه، فلا ننكر ونجعلها من مسائل الخلاف؛ لأن النبي ﷺ هدد تاركي الجماعة بأن يحرق عليهم بيوتهم، ولولا ما فيها من النساء وما فيها من الأطفال لحرق عليهم بيوتهم، بل يجب الإنكار على من خالف سنة النبي ﷺ .
وكذلك بعض المنكرات الظاهرة كحلق اللحية، بغض النظر عن أن هذه الأمور تنكر بالحكمة والأسلوب الحسن، لكن لا نسكت ونقول: الأمر ليس فيه شيء لأن فيه خلاف، فليس كل خلاف معتبر، وسنة النبي ﷺ صريحة وقاطعة في تحريم حلق اللحية، ولم يثبت عنه ﷺ على الإطلاق أنه أخذ منها شيئاً فضلاً عن حلقها وقد أمرنا بذلك، فإذاً لا نقول: هذه مسائلُ خلافٍ، بل هذه مما يجب أن ننكر فيها، وألا نرضاه ولا نقره؛ فهذه أيضاً من القواعد والضوابط التي ينبغي أن تعلم.
أما مسائل الخلاف في المعاملات- في البيع والشراء وما يتعلق به- هل هي أمور تلحق بالمباح أو تلحق بالحرام، أو تلحق بالربا مثلاً.
وذلك مثل بعض الأشياء التي ليس فيها نص، وإنما اجتهد العلماء فيها هل يلحقونها بالحلال أو بالحرام، فاشتبه فيها الأمر، فنقول: نعم، هذه لا إنكار فيها، فلا نعاملها كالمنكر الصريح، ولكن موقفنا هو أن نرشد وننبه الأخ الذي يفعلها إلى ما نراه نحن هو الصواب، لأن الدين النصيحة، ولا يؤمن أحدنا حتى يحب لأخيه مثل ما يحب لنفسه، فإذا كنت أنا أرى أن هذا هو الراجح، ولا أوافق من خالفني في ذلك من العلماء، فأنصح لأخي وأبين له على سبيل النصح والبيان والإرشاد، لا على سبيل الإنكار كما في الأمر الظاهر المخالف لسنة النبي ﷺ .
وأعود لأقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو ضعيف في مجتمعنا، وضعيف حتى في أنفسنا، وفي بيوتنا إلا من رحم الله ﵎، وإنه لأمر عظيم، وإن له قواعده وضوابطه التي يجب علينا أن نعرفها وأن نتواصى بها، وأن نحث أنفسنا على تطبيقها بإذن الله ﵎، وأنه مهما كان قلة العدد، وضعف الإمكانيات، إذا تمسكنا بسنة النبي ﷺ في الدعوة، وفي الأمر والتغيير، فإننا بإذن الله ﵎ سوف نحقق ما نريد، بل ما يرضي الله لأن غرضنا إنما هو إرضاء الله.
نسأل الله أن يكتب لنا ولكم رضاه وتوفيقه ونصره، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2003
الأسئلة
стр. 2004
نصيحة حول الشك
السؤال
أنا امرأة متزوجة وزوجي رجل شكاك، كلما سمع كلاماً من أحد عني سواء أكان صحيحاً أم كذباً لا يتحقق من ذلك؟
الجواب
هذه المرأة تشكو من زوجها من أنه على كل حال يشك فيها، ويسمع الواشين، وأنه لا يتركها تذهب إلى أهلها، ولم يبتعد عن سماع ما يقوله هؤلاء الذين يتقولون عليها، والحقيقة أن هذا المشكلة منتشرة في المجتمع العام، فشك الرجال في نسائهم منتشر وليس خاصاً بهذه الأخت، وما سبب ذلك إلا التهاون في الاختلاط والمكالمات، وأمور أخرى تؤدي إلى حدوث الشك، والقضاء على الشك يكون بالآتي: أولاً: بتقوى الله ، وهو أن تتقي المرأة الله، وأن يتقي الرجل الله ، فلا يفتري أحد على أحد ولا يتقول عليه، وعلى الوشاة أو المشككين أن يتقوا الله ، لأن القذف في أعراض المحصنات الغافلات المؤمنات من الكبائر.
ثانياً: يكون بترك الأسباب المؤدية إلى الشك، أرأيتم المرأة المسلمة التي لا تخرج من بيتها إلا لضرورة ومع محرم، ولا تخاطب إلا من شرع الله لها أن تخاطبه، ولا تخلو إلا مع محرم وهكذا، أرأيتم كم تكون نسبة الشك فيها؟ وإن وقع الشك فإنه سيكون الإثم بالكامل على صاحب الشك أو على الواشي، لكن إذا شاركت هي فتبرجت أو اختلطت أو تساهلت حتى بالكلمات: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] وهذه الآية قالها الله ﵎ لأمهات المؤمنين، فإذا كان التساهل منها فإن مما تعاقب به هو أن يُشك فيها، وإن كانت بريئة مما هو أكبر مما تفعل.
وهذا ما يجب علينا جميعاً أن نتعاون عليه، ونرجو من هذه الإخت أن تجتنب كل أسباب الشك، وأن تصبر بعد ذلك، لأن المؤمن مبتلى، كما نرجو من زوجها أن يتقي الله وألا يشك لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات:١٢].
стр. 2005
حقيقة الستر
السؤال
من ستر على مؤمن ستره الله في الدنيا والآخرة، فما هو الضابط في عملية الستر؟
الجواب
بعض الناس يفهمون -الستر الذي هو بلا شك من سنن ديننا ومن آداب الإسلام- على أصحاب المعاصي والمنكرات أنه عدم إنكار المنكر، ويفهمون أنك لا تبلغ عن مصنع خمر لأن الستر طيب، ويفهمون أنك لا تبلغ عن بيت للدعارة لأن الستر طيب، والله تعالى يحب الستر، والحقيقة أن الأمر ليس كذلك.
أولاً: الجهات المكلفة شرعاً بتتبع المنكرات الباطن لا يجوز لها أن تتهاون في هذا الشأن، فرجال الهيئة ورجال مكافحة المخدرات وما يلحق بهم؛ الذين من مهمتهم ومن عملهم أن يتتبعوا المنكرات الباطنة، يجب عليهم أن يتتبعوا المنكرات الباطنة، ولا ينطبق في حقهم مسألة الستر.
والأمر الآخر أن الهدف في حال الكشف أو الستر: هو تحقيق مسألة الإيمان والدين، فالمرء قد يخطئ، والإنسان قد يهفو، وهو رجل صالح فاضل، فيختلي بامرأة لا تحل له، فهذا الستر عليه أولى مع الموعظة والنصح، ومع متابعة النصيحة بعد ذلك، فالستر عليه منك أولى، لكن لا تتركه على منكر، بل تنبهه إلى ذلك وتستر عليه، أما فاجر مجاهر معروف بالفجور فالحال معه يختلف.
وهكذا يجب أن نضع كل شيء في موضعه الصحيح، والنهي عن التجسس يعني ألا أشك في جاري، وألا أترصد من الثقوب لأرى هل يشرب الخمر أم لا؟ فهذا سوء ظن لا يجوز، لكن إذا كان جاري يجمع الناس على شرب الخمر، وقد نصحت ووعظت، ثم لم يُجد ذلك، فيجب علي أن أبلغ عنه، ولو عوقب.
فالأمر يجب أن يوضع له ضابط، وأن ننظر في المصلحة إن كانت في الستر أو في عدمه، حتى لو كان من رجال الهيئة ورجال الحسبة، ورأى أن المصلحة أن يستر على هذه المرأة، لأنها هفت وأخطأت، وسوف تستغفر الله وتتوب، فما فعلت إلا مقدمات للفاحشة كالخلوة فيمكن الستر إذا رأى ذلك، لكن من ظهرت عليه علامات الفسق وعلامات الفجور فلا يُستر.
وأيضاً الحاكم -صاحب السلطة- ليس من شأنه الستر، فالحدود إذا وصلت إلى ولي الأمر فلا يجوز أبداً إلا أن تقام الحدود وأن تطبق، فأنت قبل أن توصل الموضوع إلى ولي الأمر فبإمكانك أن تستر إذا رأيت المصلحة تتحقق في ذلك، لكن إذا أوصلته إليه أو تعلم أنه وصل إليه فلا تذهب وتشفع، وتقول: اتركوا هذا فهو رجل طيب، وسيهديه الله، وقد قبض عليه وهو زانِ أو شارب خمر، فهذه شفاعة في حد من حدود الله يأثم صاحبها ولا يؤجر عليها، ولا تجوز بأي حال من الأحوال.
стр. 2006
علاقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالجهاد
السؤال
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو قمة الجهاد، خصوصاً وأن المستعمرين للمسلمين لم يستخدموا السلاح -كما هو معروف في الاحتلال- بل استخدموا تفشي المنكرات بين الأمة، فلماذا لا يدعى الشباب إلى الجهاد في هذا المجال، ويوضح لدى الشباب أن الجهاد في هذا المجال أولى من حمل السلاح في أي بلاد، فما رأيكم في ذلك؟
الجواب
نعم هو جزء من الجهاد، والجهاد إنما يكون من أجله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] فهذا الإذن بالجهاد، ثم بعد ذلك بين الله تعالى بعدها بآية: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١] فالجهاد يكون من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو من الجهاد، ولا بد فيه من الصبر، حتى العبد الصالح لقمان قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧] فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقترن بالصبر كما أن الجهاد مقترن بالصبر.
إذاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من الجهاد، ولا يمكن لأمة أن تجاهد عدواً وتنتصر عليه والمنكرات متفشية فيها، فأمة تغلب أعداءها بأعمالها، ويغلبها أعداؤها بذنوبها، فإذا تركنا الذنوب تنتشر فلا نطمع في نصر الله بأي حال من الأحوال.
ولهذا فمن هو قائم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو قائم على جهاد في سبيل الله، قد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] والجهاد في الله أعم من مجرد قتال الكفار، فالجهاد في الله هو جهاد الدعوة التي تشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطلب العلم، وإحياء السنة، وقتال الكفار، وكل ذلك من الجهاد في الله الذي قال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨] نسأل الله أن يجعلنا كذلك.
فعلينا جميعاً أن نحث إخواننا على المرابطة في هذه الجبهات العريضة التي فتحها علينا أعداء الله، فأعداء الله لو احتلوا بلادنا بقواعد عسكرية لعرفوا أننا سوف نثور عليهم ونحرر بلادنا من هذه القواعد، ولكن إذا احتلوها بالأفلام الخبيثة وبالمجلات الخليعة، وبالنساء الفاجرات اللاتي يأتين في أشكال مضيفات أو ممرضات أو خادمات، وما أشبه ذلك، وبكل الوسائل التي تقتل الأمة قتلاً، وتدمرها، وتجعل عدوها يسيطر على اقتصادها وأخلاقها، وكل ما تملك، فماذا يريد العدو بعد ذلك بالتراب؟! وقد حصل على ما يطمع ويسعى إليه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].
ولكن اليهود والنصارى والشيوعيين يحاربون كل بلد بطريقة ما فقد تدخل الشيوعية بلداً من البلدان بالسلاح والقوة، وقد تدخل عن طريق الفكر والأدب والفن، والحداثة، ولكن هذه لها طريق وهذه لها طريق، فلا نقل: إن أعداء الله لا يعرفون إلا لوناً واحداً من ألوان العداء، بل هم يعرفون ألواناً كثيرة، فالشياطين يوحي بعضهم إلى بعض ليحاربونا بهذه الأنواع والأصناف من أنواع الحرب، وجهاد هؤلاء جميعاً واجب، وكل إنسان يحاربهم بما يستطيع، وبما يقتدر عليه وبما أعطاه الله من إمكانية، بالقلم أو باليد أو بالكلام، وأقل ذلك أن ينظف بيته وقلبه وسمعه وبصره من المنكرات، فهذا هو أقل ما في الأمر.
стр. 2007
كيفية محاربة التبرج
السؤال
النساء المتبرجات هل لكل أحد أن يأمرهن بالمعروف وينهاهن عن المنكر؟ وما الضابط في ذلك؟
الجواب
يجب علينا جميعاً أن نتعاون على إنكار تبرج النساء، لكن لا يعني ذلك أن على كل واحد منا أن يذهب إلى المرأة ويخاطبها في السوق، بل منا من يخاطب أولياء الأمور، ومنا من يخطب ويحاضر في خطبة جمعة وما أشبهها، ويحذر من ذلك، ورجل الهيئة والحسبة يذهب بنفسه ويباشر ذلك العمل في السوق، ومنا من يؤلف الكتب في هذا الشأن، ومنا من يأتي إلى كتب العلماء وفتاواهم فيطبعها ويوزعها وهكذا.
فالجهود يجب أن تتكاثف، وكل منا مسئول عن هذا الدين.
فالمذيع في الإذاعة مسئول أن يحارب هذا في الإذاعة، والمسئول في التلفزيون مسئول عن تطهيره من التبرج، وأن يدعو الأمة المسلمة إلى ترك التبرج وإلا يأثم، وأنا في مسجدي آثم إن لم أدعُ الناس وأعظهم بذلك، ورجل الحسبة يأثم إن لم ينزل إلى السوق ويباشر ذلك العمل ويأخذ التعهد على الآباء وهكذا.
فالتبرج وغيره من المنكرات يجب على كل إنسان كبيراً كان أم صغيراً أن ينكرها، ويجب علينا أن نتعاون بقدر ما نستطيع لأن نقضي عليها.
стр. 2008
المسلم بين التلقي والتبليغ
بدأ الشيخ هذا الدرس بذكر الثمار المرجوة من اللقاءات والندوات الخاصة، مبيناً أنه ينبغي على الدعاة أن يستغلوها في تدارس أمورهم وحل مشكلاتهم، مع الإشارة إلى أحوال الدعاة اليوم، ونبه على الأسلوب الأمثل الذي يتخذه الداعية لتربية الجيل، وحذر من الحماس الكاذب الذي يقع فيه بعض طلبة العلم والدعاة، ثم ذكر ما كان عليه النبي ﷺ من حرص على التعليم والدعوة، ثم بين ملامح الدعوة الناجحة التي ينبغي للدعاة التمثل بها لتؤتي الثمار المرجوة لها.
стр. 2009
ثمرة اللقاءات الخاصة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فإني أشكر الله الذي جمعنا برحمته، وأسأله أن ينفعنا -جميعاً- بما نقول وبما نسمع إنه سميع مجيب.
أقول: إنها لمناسبة طيبة وفرصة قيمة، أن نجلس ونلتقي مثل هذا اللقاء، لنتداول المشورة والرأي، ولنتباحث في قضايا كثيرة لا يتناسب المقام أن نتحدث فيها أمام عامة الناس، كما لو كان اللقاء في المسجد -ونِعمَ اللقاء في المسجد- ولكن هذه اللقاءات الخاصة ضرورية للدعوة.
وإنني أرى أن من خير ما تقوم به الجامعات والمعاهد والمؤسسات الدعوية أن تقوم بمثل هذا اللقاء، وأن تجمع المهتمين بأمور الدعوة؛ ليتباحثوا في الأمور المهمة، بحيث تكون اللقاءات منهجية، والموضوعات معدة مرتبة لاستقصاء جوانب كثيرة يعيشها الشباب، وتهم الدعوة، ويشعر الجميع بضرورة معالجتها.
وأنا أومن وأنادي بأن تكون الأمور على هذا المستوى من الأخذ والتلقي والطرح والتداول، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] وهي آية مكية، ولم يكن الحديث هنالك عن أمور المسلمين العامة، وعن أن الدولة الإسلامية شورية فقط، بل أمرهم شورى بينهم في كل شيء كما في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩].
والأمر من أعم الألفاظ في اللغة العربية وهو بمعنى الشأن، وكل ما يطلب المشاورة فيه؛ فالشورى فيه إن لم تكن واجبة فهي بلا ريب خير من الرأي المنفرد.
والحقيقة أننا معشر الدعاة نعيش واقعاً يكاد يكون متنافراً، بمعنى أن كلاً منا يحارب في ميدان ويصرخ في واد، لكن كيف نستفيد من هذه الثمرات؟ وكيف نوظف ونجمع هذه الجهود؟ وكيف يستفيد بعضنا من خبرة بعض؟ وما هو المنهج الصحيح في قول الحق ونشره؟ ثم كيف نحصد ردود الأفعال التي تنشأ عند الناس من قول الحق ومن نشره؟ وهذه كلها تحتاج إلى معالجات وإلى دراسات شاملة، وإني لأحمد الله على مثل هذا الاجتماع لنتحدث في مثل هذا الأمر، ولهذا سأجعل النصيب الأكبر من الوقت لاقتراحاتكم، واستفساراتكم، لأني أعاني فردياً من كثرة ما يرد عليَّ.
стр. 2010
الطريقة المثلى لتربية الجيل
فمثلاً: عندما تسأل: كيف يتلقى الشباب العلم؟ هذه مسألة ليست الإجابة عليها كما يظن بعض الإخوة أن تقول له: كذا وكذا؛ فتلك ليست إجابة سليمة متكاملة، هذه الإجابات لا تعطي ثمرة، بل الإجابة الحقيقية تكون بدراسة شاملة لوضع هذا السائل ومستواه، وكيف يمكن أن يتلقى، وما الذي يمكن أن يفلح فيه من العلوم إلخ، وكذلك السؤال الآخر الذي كثيراً ما يرد: كيف ندعو إلى الله؟ ومن هنا يتبين لنا ضرورة أن تكون هذه الأمور دائماً في حس وأذهان الشباب، وأن نركز على القضايا والمسائل المنهجية الأساسية.
ثم نحن -والحمد لله- لنا قدوة، نحن لسنا جدداً على هذه الأمور في التلقي، وطلب العلم، أو في التبليغ والدعوة، وإنما نحن أتباع متبعون قد سبقنا إلى ذلك السلف الصالح رضوان الله عليهم وسبقنا إلى ذلك أئمتنا المجددون، دعاة الخير والهدى في كل زمان ومكان، فهل أخذنا من خبراتهم؟! وهل عرفنا زماننا لنضع الأمور في مواضعها الصحيحة؟ هذا ما ينبغي أن يتدارس، ولا يكتفى فيه برأي واحد.
стр. 2011
الحماس الكاذب
إن الشباب المسلم تعصف بهم العواطف من كل جهة، فإن هبت الرياح لطلب العلم وجدت الاعتكاف الشديد، والنهم الذي يقبل به بعض الشباب -وهم مشكورون على هذا الحرص- لكن نجد الإقبال الذي يعقبه الفتور، فهذا يقرر أن يحفظ القرآن الكريم كاملاً ومعه كذا وكذا من الأحاديث، وهذا يقرر أن يرحل إلى أحد العلماء وينقطع عن الحياة ليتلقى على يديه، ويجتهد الجميع أول الأمر ثم يعقب ذلك فتور، ثم مراجعة الحساب، ثم يقول: كنت مخطئاً، وكثيراً ما نسمع مثل هذا: أخطأت، تسرعت، استعجلت، لم أفِ بوقتي، لم أكسب، ولم أحصل على ما أردت، أو ربما دفع به اليأس إلى الانقطاع الكلي.
وإذا هبت الرياح لإنكار المنكر -وهو حق لا شك فيه ولا مرية- والمنكرات تزحف علينا في كل مكان، بل قد اقتحمت بيوتنا ومكتباتنا، وشوارعنا، فأمة مستهدفة من كل مكان، فماذا يفعل الإنسان، في أي جبهة نصارع، وأي ملة نكافح، وأي عدو نتصدى له؟ في كل مكان يضطرب الشاب يميناً ويساراً، وتكون النتيجة في النهاية قريبة مما أشرنا إليه في طلب العلم.
وكذلك في الدعوة: يأتي بعض الإخوة الكرام ويعجبون من تقصير الدعاة في نشر الدعوة إلى الله، مع أننا نحن أمة الخير كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] نحن أمة الدعوة، وأمة الجهاد كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] وقال أيضاَ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
إن الإنسان ليعجب أن يرى الجهل في العقيدة، وكذلك في الأحكام الظاهرة، متفشياً ومنتشراً من حوله، وفي بيئته وما جاورها، وفي الأصقاع البعيدة أشد وأشد، ثم يقول: كل هؤلاء يعبدون الله على ضلالة وجهل، وكثيراً ما يقال: وهذه الملايين المشركة الملحدة مسئولية من؟! أليست مسئوليتنا؟! فيندفع الشاب باندفاع عاطفي، ويذهب ذات اليمين وذات الشمال، ويضع المشاريع الطويلة الكبيرة التي يخيل إليه بعدها أن الناس سيهتدون، أو أن بلاداً ستفتح للدعوة، ثم في ساحة العمل، وفي حقيقة الميدان يفاجأ بعد سنوات، وإذا به وحده، أو معه قلة، أو معه جهود لا تكاد تذكر، وإذا به لم يزرع شيئاً، ثم يأتي ويقول: ماذا أصنع؟ لم لا يكتب لنا منهج محدد؟ لم لا نفعل؟! أقول: هذا واقع موجود، وإلا فالحمد لله فإن هناك السائرون على المنهج السليم المحكم، الرتيب الهادئ، الذي لا تدفعه العاطفة ولا تحركه النوازع الارتجالية أو المؤقتة، هذا موجود -والحمد لله- وثمراته ظاهرة، وهم منارات الطريق للبقية الحائر والشباب التائه.
стр. 2012
من المسئول ؟
إنها مسئوليتنا جميعاً في أن نرسم الطريق الصحيح والسليم، طريقاً عملياً في الدعوة إلى الله تعالى.
فواحد منا لو أعلن عن محاضرة في أي مسجد لجاءه جمع غفير، فنحن لا نشكو من قلة الناس، أو من قلة المقبلين على الخير؛ لكن نشكو من نوعية ما نقول نحن، ماذا نقول؟ وماذا نقدم لهم؟ وهذا القول ماذا بعده؟ وماذا سيترتب عليه؟ وهل نستطيع أن نتدارك الآثار التي تنتج عنه؟ هل نستطيع أن نوظف إيجابيات هذه الآثار، وأن نتلافى السلبيات التي تنتج عنه؟ فإنه بمجرد القول أو الكلمة -وهو خير عظيم ولا شك- يتأثر الكثير ولكن أين ما بعد ذلك؟ أترون اليوم أن المشكلة هي في وجود شباب يعرف الله، ويطيع الله ويتقيه، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقط؟ أقول: ليس الأمر كذلك، المشكلة التي يعاني منها الدعاة هي مشكلة هذا الشاب الذي اهتدى وأتاك رافع اليدين، مستسلماً يريد أن توضح له الحق، وتنير له الطريق، كيف تنير له الطريق؟ وكيف توضح له أمر الدعوة إلى الله تعالى؟ تقول له: هذا حرام.
نعم هو حرام، لكن كيف يتعامل مع المنكر ومع هذا الحرام؟ كيف يتعامل مع أسرته وقبيلته ومع زملائه في حيه؟ تصرفات كثيرة لابد أن تضبط على المنهج الصحيح لتقبل أولاً عند الله، ولتؤدي الثمرة المرجوة منها في واقع الناس، ولكي تكون الدعوة إلى الله تعالى -كما هو حقها دائماً- مكان التقدير، ومكاناً يليق بوظيفة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
стр. 2013
نظرة إلى ما كان عليه السلف من التلقي والدعوة
لننظر إلى تلقي الصحابة الكرام رضوان الله عليهم وكيف تلقوا هذا الدين، وماذا بعد التلقي.
النبي ﷺ لما أنزل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل:٥] قام ﷺ وتحمل هذا القول الثقيل، وأنذر الناس؛ فجاءه أولئك الثلة المؤمنة الذين آمنوا بالله وصدقوا رسول الله ﷺ ، فأول شيء حدَث أنهم غيَّروا قلوبهم، وغيَّروا نظراتهم وموازينهم وآراءهم، فكل شيء في حياته تغيَّر لأنه قد تحول من الكفر إلى الإيمان، وأصبحت النظرة نظرة الانقياد لشرع الله، ماذا أمر الله؟ وماذا أحل الله؟ وماذا حرم الله؟ هكذا كانوا، لماذا كان الجاهليون يرتكبون الموبقات، ويسفكون الدم في الشهر الحرام في البلد الحرام، ويقطعون الطريق، ويئدون البنات؟ وكانوا لا يتورعون عن أي فضيعة من الفضائع، فأصبح الواحد منهم بعد ذلك يرجف من خوف الله إذا قيل له: اتق الله، كلمة واحدة كانت تهز قلوبهم.
ولهذا ورد أن حماد بن زيد ﵁ قال لـ أيوب: أي العلم كان أكثر: في زماننا أو في ما كان قبلنا؟ فقال أيوب ﵁: العلم في الزمن الأول أكثر، ولكن الكلام اليوم أكثر.
هذا في زمنهم فكيف بزمننا؟! الكلام كثير، فبعض الكتب الآن عشرة مجلدات، لكن ما أثرها وما مفعولها؟ الصحابة رضوان الله عليهم كانت تنزل آية، أو يقول النبي ﷺ حديثاً، وهذه مواعظه ﷺ بين أيدينا، فتراهم يخفضون أصواتهم، ويبكون من خشية الله تعالى، ولا تنتهي الموعظة بل تستمر معهم، ويتذكرها الواحد منهم مادام حياً؛ لأن قلوبهم طهرت، ونقيت، وصفيت لتلقي هذا العلم، وتلقي هذا الدين؛ لأنهم أذعنوا واستسلموا لأمر الله تعالى، همهم دائماً هو قال الله وقال رسول الله ولا كلام بعد ذلك، علموا أن الله لا يقبل منهم إلا ذلك كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
حرم الله الخمر -وما أدراك ما الخمر إذا تعلق بها الشخص؟ - ودول العالم الآن جميعاً تعاني من مشكلة الإدمان، وكيف تقضي على الإدمان، ففي أمريكا الميزانية الإضافية لمشكلة المخدرات ثلاثة آلاف مليون دولار، هذه مبالغ إضافية لمكافحة الإدمان، هذا الشيء الذي يسلب لب الإنسان -نعوذ بالله-، لما أنزل الله ﵎ تحريم الخمر ماذا فعل الصحابة -رضوان الله عليهم- عندما سمعوا قول الله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١]؟ قالوا: انتهينا وربنا انتهينا -بدون تفتيش ولا محاكمات ولا هيئات مكافحات- أريقت الخمر حتى جرت في شوارع المدينة، إننا نقول: متى تفيق القلوب التي تتلقى أمر الله سبحانه تعالى.
ليس المسألة كما يُقال الآن: الوعي، الثقافة، المعرفة، وهل هناك مجتمع أوعى من مجتمع أمريكا في المجتمعات المعاصرة؟! أمريكا حرمت الخمر سنوات؛ ثم اضطرت أن تبيحها لما رأت انهماك الناس وإقبالهم عليها والمصانع في البيوت، فالدستور الأمريكي لم يتغير فيه إلا مادتين فقط مدة عمر هذا الدستور، هما: المادة التي حرمت الخمر، والمادة التي ألغت التحريم، وبقية الأمور ثابتة.
ومن الغرائب عن الشيوعيين -وهم الذين يتزعمون الجبهة الشرقية-ما جاء في كتاب ميخائيل جورباتشوف إعادة البناء يقول -فيما معنى كلامه-: إن الخمر فتكت بشبابنا، ونريد أن نقضي على مشكلة الخمور والإدمان، وقد بذلنا جهوداً في ذلك، وقد اقترح البعض عدة تشريعات لمنع الخمر، وقد فكرنا في ذلك، ولكن هذا لا يجدي؛ لأنه ما إن فُكِّرَ في اتخاذ هذا الإجراء حتى انتشرت صناعة الخمور الجوفية، فصنعوها في البيوت، إذاً فلا فائدة من ذلك، فالقضية ليست قضية وعي، ولا قضية ثقافة، ولا قضية أن الناس يرون شعارات براقة فيتركون ما حرم الله، إنما المسألة مسألة إيمان وقع في القلوب.
ولذلك كان شعار النبي ﷺ وأصحابه الكرام إذا كانت هناك معصية أن يقولوا: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥] فيحاول الإنسان ألا يقع في معصية أبداً ويقول: يجب أن أخاف من عذاب الله، وهذه تقع في الحالات التي لا تُراقب، ولا يطلع عليها أحد، وهذه هي حالة التقوى كما وقع ليوسف ﵇ مع التي راودته وهو في بيتها، قص الله ذلك بقوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ [يوسف:٢٣] امرأة العزيز راودته، وغلقت الأبواب وقالت: هيت لك، فكل الاحتياطات متخذة، فلا خوف من أي شيء، ومع ذلك لم يفعل! والرجل الذي ذكره النبي ﷺ في الحديث: ﴿ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله﴾ وكذلك: ﴿الرجل الذي أطبق عليه الغار، وكانت له ابنة عم وكان يراودها عن نفسها فامتنعت، فلما احتاجت جاءت إليه فرفض أن يعطيها إلا بعد أن تمكنه من نفسها، فلما جلس بين رجليها قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام خوفاً من الله﴾.
فهؤلاء هم الذين خافوا الله دون أي رقابة، وهذه هي القلوب التي تتلقى ما أمر الله به، فتظهر ثمرة خوفهم وبركته في أعمالهم هم، ثم بعد ذلك يدعون الناس إليه، ولا يتأخرون، فكانوا رضوان الله عليهم يستثقلون الإكثار من طلب العلم؛ لأنه حجة الله تعالى، يقول أحدهم: لماذا استكثر من حجة الله علي؟ مع أنهم أحرص الناس على العلم، ولكن إذا كنت أتعلم العلم فأعمل به، وأدعو إليه، فهذا شيء ثقيل، ومن هنا كان يستثقل أن يزداد شيئاً من العلم، لكي لا تزداد الأمانة عليه، وتزداد مسئوليته، فلابد أن يقف موقفاً ما.
ولهذا لما تعرض الإمام أحمد بن حنبل ﵁ للفتنة قيل له: تأول، فقد تأول بلال وتأول عمار، قل كلمة وانج بنفسك، فقال له: اخرج إلى الباب وانظر، فخرج فإذا الناس في الباب واضعين أقلامهم يكتبون، فقال الرجل: ماذا تصنعون؟ قالوا: نسمع إلى ما يقول أحمد فنكتبه، فقال الإمام أحمد: والله لا أضل هؤلاء.
سبحان الله! لما أن طلب العلم ورفعه الله به، وحفظ من السنة ما حفظ، ووعى منها ما وعى؛ كان مثالاً حياً لسنة النبي ﷺ ، فأصبح الناس يأخذون عنه ما يقول، فهم يحسبون حساب التبعة الثقيلة.
وليس كل أحد يسعه السكوت، وليس كل أحد تسعه التقية، بل لابد للأمة من قيادات، ولابد لها من أناس نذروا أنفسهم لله قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤].
ويكون الإنسان محباً لله إذا كان محباً لأوامر الله تعالى، ويكون محباً لرسول الله ﷺ ، إذا كان محباً لأوامره، ومن هنا يأتي ما نأمله من قلوب تتلقى ذلك بمحبة، وبإذعان، وبإخبات لله تعالى، وهذا هو مقتضى العبودية.
وهذا معنى أنني عبد مؤمن مسلم وليست تلك المعارضة، أو المنازعة، أو المدافعة لما جاء عن الله أو جاء به رسول الله ﷺ ، ولذلك كان وجوباً على أي متبع لشيخ، أو لإمام، أو لعادة من العادات، أو لأي أمر من الأمور، لابد أن يرغم النفس لتوافق قول الله وقول رسوله ﷺ .
стр. 2014
الدعوة الناجحة
إن تبعة الدعوة وثقل الأمانة عظيم، وهي تبدأ عندما تبلغ الناس الحق وتنتهي بأن تقود هؤلاء الناس، وتوجههم وتضبط تصرفاتهم حتى يستقيموا على الحق مادمت حياً على الأقل، وتضمن أن يستقيموا على ذلك فيما بعد، ثم هي مرحلة طويلة وخطوة عظيمة، وليست -كما يتصور البعض- أنها كلمة تقال!! ومن هنا كان النبي ﷺ مربياً ومزكياً، فهو يزكي هذه القلوب: بالخير، والإيمان، والجهاد، والصبر، والعلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تزكية يومية مستمرة، ومن هنا تجدون مراحل الدعوة كيف تغيرت.
стр. 2015
التربية بالمعارك في عهد النبي ﷺ
لما خرج النبي ﷺ إلى بدر خرج معه من خرج، وقد أراد الله أن يصطفي تلك الطائفة بأن تكون من أهل بدر الذين قال لهم: ﴿اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم﴾.
ويوم أحد خرج معه أول الأمر من خرج، ثم في آخر المعركة قال: ﴿لا يخرج معنا إلى حمراء الأسد إلا من خرج معنا في أحد﴾.
وفي يوم حنين فر من فر، ويأتي يوم تبوك يوم تخلف المنافقون الذين كانوا يقسمون بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن، وهذه هي طبائع المنافقين أصحاب الوعود الكاذبة، والأماني الزائفة، -إننا نخاف على أنفسنا من النفاق، ونخاف أن تنطبق هذه الآية علينا، وإن كانت عن النفاق؛ لكنها قد تنطبق علينا بسبب ما فينا من الفتور، وضعف الهمة، ووهن العزيمة- فهم يحلفون ويقسمون الأيمان، حتى إذا جاء النفير وقال لهم رسول الله ﷺ : انفروا؛ تخلفوا.
ثم يأتون بعد ذلك فيقسمون الأيمان إننا لمعذورون، فما منعكم؟ قالوا: شغلتنا أموالنا وأهلونا، ويعتذرون بالأعذار التي لا تنفعهم شيئاً عند الله، لكن الثلاثة الذين تخلفوا ولم يقبل منهم ولم يعتذروا بالكذب، والمقصود كيف عوقب الثلاثة؟ ولم؟ لأنهم تربوا، وزكيت قلوبهم على يد محمد ﷺ طويلاً، فلن تكون معاملتهم كأولئك! وذلك البناء الطويل بعد هذه الجهود العظيمة وهم من السابقين، رجلان شهدا بدراً والآخر شهد البيعة، فلا يمكن أن يكون الأمر بهذه البساطة.
انظروا إلى نوح ﵇ لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، فكانت الحصيلة أنه ما آمن منهم إلا قليل، قيل: بضع وثمانون رجلاً وامرأة؛ فكان مجموع من آمنوا مع نوح ﵇ حملتهم سفينة واحدة، والسفينة ليست لهم خاصة؛ بل حمل من كلِ زوجين اثنين، فكل من آمن مع نسائهم وأطفالهم، ومع من شاء الله له أن يحمل من الحيوانات.
وهؤلاء كلهم الذين نجوا نتيجة دعوة ألف سنة إلا خمسين عاماً لماذا؟ لأن الأمر ليس مجرد أن نوحاً ﵇ يقول للناس قولاً، أو أن هذا الإيمان هين وسهل، بل الإيمان بناء عظيم، وتبعة كبيرة، يستتبع الواجبات الثقال على الإنسان، ومن هنا كان تفاوت الناس في الإيمان بقدر تفاوتهم في الهمم.
انظروا إلى الصحابة ﵃ كيف كانت هممهم قبل أن يسلموا، وكيف كانت بعد أن أسلموا، ماذا قال أبو جهل يوم بدر قال: لا نرجع حتى ننزل بـ بدر، فتعزف القيان ونشرب الخمر، وتسمع بنا العرب فلا تزال تهابنا أبد الدهر.
هذه همة الجاهليين في كل زمان ومكان؛ لكن الصحابة -رضوان الله عليهم- همتهم عالية، عظيمة، بعيدة، فعندما عرض النبي ﷺ نفسه عام الوفود على بني فلان وبني فلان، والكل يتململ ويعتذر، قالوا: نخشى قومك، وقالوا له: هل يكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر لله، والأرض لله يورثها من يشاء.
ثم جاء أصحاب الهمم العالية والنفوس المتطلعة إلى الأمر الأعظم فقالوا: ما يكون لنا يا رسول الله إن نحن فعلنا؟ قال: لكم الجنة، فقالوا: الجنة؟ ربح البيع إذن! والله لا نقيل ولا نستقيل، همة عالية أعلى من هذه الدنيا، ولا يعني ذلك أنهم لن يرثوا الأرض، بل أخبرهم النبي ﷺ في حياته فقال: ﴿إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله﴾ فأنفقت في سبيل الله ، وورث سراقة سواري كسرى لما كانت الهمة العالية المتطلعة إلى الأعلى، أورثت الأدنى تلقائياً.
стр. 2016
بناء الهمة العالية في نفوس شباب الصحوة
ومن هنا يجب أن تكون الهمة العالية في طلب العلم، وأن تكون الهمة العالية في بناء الإيمان في القلب، ثم في نقله وتحويله إلى الناس في واقع منضبط يأتمر بأمر الله تعالى، لا نريد الإيمان الذي يتحول إلى حركات وارتجالات وانفعالات فقط، إنما نريد من الشباب المؤمن أن يزداد إيماناً، حتى تنضبط هذه العاطفة على الإيمان، وتصبح تأتمر وتنتهي بأمر الله وبأمر رسوله ﷺ .
تكون كما كان قلب الصديق ﵁ في يوم الحديبية، عندما قال عمر ﵁: ﴿يا رسول الله ألسنا مؤمنين؟ ألسنا على الحق؟ فعلام نعطيهم الدنية في ديننا؟ قال له الصديق: لا يا عمر، إنه رسول الله﴾ والنبي ﷺ قال له: ﴿إنني رسول الله ولن يضيعني الله﴾.
هكذا التسليم لأمر الله، ولأمر رسول الله ﷺ مهما كانت العاطفة تجيش، ونظن أن هذا الحماس لمصلحة الحق والدعوة، لكن الكل يضبط بضابط محكم، وهو الاتباع لسنة الرسول ﷺ .
ولذلك تجد كثيراً من الإخوة لديهم غلو في طلب العلم، وغلو في تطبيق بعض الأمور، وغلو في الدعوة، وفي تعجل النتائج الخ، والطائفة الأخرى لديها من التثاقل ومن التثبيط، ومن عدم التجاوب ما يميت، فيكسل بعض الدعاة، فلا شعور ولا إحساس يمكن أن يحركه! فلو أن الدعاة أو المدعوين من أمثال هذه النوعية فلن تتقدم الدعوة خطوة واحدة أبداً.
يجب أن نجعل كل أوقاتنا، واهتماماتنا بأمر الدعوة كأساس وأصل، ومنهج، كيف نطلب العلم؟ كيف نعمل لهذا العلم؟ كيف نصبر؟ وأن يكون ذلك كله منضبطاً بأمر الله، وأمر رسول الله ﷺ ، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣] وتكون سيرة النبي ﷺ وسيرة السلف الصالح أمامنا دائماً.
فنطلب من العلم ما طلبوا، ونهتم بمثل ما اهتموا به، ولا ننظر إلى العاجل، ولانخاف في الله لومة لائم، كما ذكر الله ، ندعو كما دعوا؛ ففيهم الأسوة والقدوة، ونصبر كما صبروا، ونتحمل كما تحملوا، ونلاقي في ذات الله كما لاقوا.
فإذا كنا على آثارهم فثقوا أننا سنصل -بإذن الله- إلى شيءٍ مما وصلوا إليه، أو يشملنا الله تعالى برحمته فيوصلنا إلى ما وصلوا إليه، وينشر الله دعوته ودينه على أيدينا، فيكون لنا بذلك فضل السبق في زمن الغربة، وفي زمن الفتنة، ونكون من الغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس، أو يصلحون عند فساد الناس.
إن الواجب عظيم، فأوصي نفسي وإخواني أن نتذكر دائماً أن هذا الواجب عظيم وثقيل، وأننا نحن طلبة العلم أكثر الناس مسئولية عند الله وهذه أمانة عظيمة لا ننساها أبداً، ولن يشفع لنا إلا ما عملنا أو قدمنا، وكل ما نعمله وكل ما نبذله من جهد فلنراجع أنفسنا فيه، ماذا أثمر؟ وماذا أنتج؟ وبذلك نكون -إن شاء الله- على المنهج القويم الذي فيه تتحول الجهود إلى حركة ذاتية منضبطة على أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، وليس مجرد هيجانات، أو ثورات عاطفية سرعان ما تخبو، وسرعان ما تخفت.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم لي ولكم الثبات على الحق في المحيا والممات إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2017
الأسئلة
стр. 2018
دور الشاب مع أسرته التي يكثر فيها المنكرات
السؤال
أنا شاب أعيش في عائلة تكثر فيها المنكرات، حاولت معهم بقدر استطاعتي لإزالة المنكرات التي تكاد تكون ضعيفة جداً ولكن لا فائدة، مع العلم أنني لا آمن على نفسي أن أرتكب كبيرة من الكبائر؟
الجواب
هذه حالة من حالات الأمة، ومن حالات الشباب، نأخذها الآن نموذجاً؛ فهذا شاب -ولا أعنيه بذاته- سمع النصائح والمواعظ والتوجيهات، وعاشر بعض الإخوة وخالطهم، وسمع أشرطة طيبة؛ فاستقام واهتدى، والآن يريد أن يدعو إلى الله، فيأوي إلى بيته وإذا به يرى أبويه متلبسين بالمعاصي، وأخواته وإخوانه كذلك، فماذا يصنع؟ من هنا نعرف واجبنا نحن طلبة العلم، وهذا الواجب لا يقع على عاتق خطيب خطب وذهب، أو واعظ وعظنا وذهب إلى حاله، ولا على عاتق مؤلف ألف كتاباً فاشتريناه وقرأناه، بل يجب علينا جميعاً أن نعاون مثل هذا الشاب، ناصحين ومربين له.
إن إمام المسجد الذي يصلى عنده، أو مُدرسه، أو شيخه الذي يتلقى على يديه العلم، وأمثال أولئك، يجب أن نعيش مع مثل هذه الحالة، فالتوجيهات العامة لا تكفي، لأننا نستطيع أن نقول: يجب عليك يا أخي المسلم أن تصبر على أذى الوالدين، وإن الله يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] نعم، لكن كيف يطبق هذه الآية؟ وعلام يصبر، وعلام لا يصبر؟ فتحقيق المناط له صفات معينة لابد منها، فنحن ننصح هذا الأخ وبقية الإخوة عموماً بما يلي: أولاً: بأن يقوي إيمانه؛ لأنه يقول: بأنه لا يستبعد أن يرتكب كبيرة من الكبائر -نسأل الله العفو والعافية- وإذا انتكس الإنسان فرجوعه أصعب من هدايته أول الأمر، فنسأل الله لنا وله الثبات ونقول له: قو إيمانك، وتوكل على الله واعزم على الحق، وخذ هذا الدين بجد، وأقبل عليه، وعوامل تقوية الإيمان كثيرة منها: الصحبة الطيبة، ومنها: ذكر الله، ومنها: قراءة القرآن، ومنها: التفكر في ملكوت السماوات والأرض، ومنها: زيارة المقابر وغيرها مما يقوي الإيمان.
ثانياً: لابد أن تكون العلاقة مع الوالدين -مهما فعلا- علاقة طيبة مع الصبر؛ لأنه كما ذكر الله أنه ليس بعد الشرك ذنب، وأن الشرك أعظم ذنب؛ لكن مع ذلك فقد أُمِرَ الإنسان بأن يصاحبهما في الدنيا معروفا، والأصل أن لا يخالطهما ولا يقرهما فيما يفعلان من المنكرات، وعليك أن تجتهد بذلك بقدر المستطاع، وأن تستشير من يرشدك.
стр. 2019
موقف الشاب إذا كانت أسرته صوفية
السؤال
والدي ومعظم أقاربي يعتقدون بشرعية الاحتفال بالمولد، ويؤمنون بأن قراءة الأوراد الصوفية المنمقة النص والترتيب قربة، ولكن يؤمنون بالله، وأنه لا إله غيره، وأن محمداً رسول الله، ولكنه عبد ليس كالبشر بل أرفع منهم درجة بما اختصه الله، فما واجبنا -نحن الأبناء- نحو والدينا وأقاربنا؟
الجواب
إن من أعظم المنكرات أن تنتشر البدع، بل هي أخطر وأخوف على المؤمن من المعاصي، والنبي ﷺ يقول: ﴿إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة﴾، وحسبكم ما ورد في الخوارج، فقد صح فيهم الحديث من عشرة أوجه، ولقد أخبر النبي ﷺ عن صفاتهم وأحوالهم، فقال: ﴿تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم﴾ ولكن ما الذي جعلهم بهذا المآل القبيح؟! إنها بدعتهم -نسأل الله السلامة- فالبدعة خطر، وهنا لا بد من المنهج في مثل هذه الحالات التي يعج بها المجتمع أحياناً.
وبالنسبة للعلاقة بالوالدين فلا بد أن تكون بمحبة، وأن تقدم لهما الخير والحق والهدى، على طبق من المحبة والاحترام والتقدير.
وأقم الحجة على الأقارب الأقرب فالأقرب بالحكمة والسهولة واللين، فبقدر قرابته وفضله تحرص على أن تقيم الحجة عليه، وتعظهم وتذكرهم بالله ، وأن تقول لهم ذلك بعلم، ولذلك نقول: لابد من العلم، ولو أننا استطعنا أن ننقل أسرنا ومجتمعنا إلى درجة عالية من العلم؛ لاستطاعوا هم أنفسهم أن يفرقوا بين البدعة وبين السنة.
إنّ هذه البدع تنتشر بالتلبيس، يأتي الملبسون الدجالون قطاع الطريق، الذين يقطعون طريق الصحوة المباركة، ويصرفون الشباب ذات الشمال في البدع، فيلبسون على عامة الناس، إلا من كان لديه علم وبصيرة، أما العامة فيلبس عليهم حتى وإن كان تاجراً كبيراً، نعم مهارته وفكره وعلمه في التجارة؛ لكن في الأمور الشرعية يلبس عليه أي مبتدع فيضحي بماله في سبيل البدعة.
أو بمنصبه في سبيل البدعة، فلا بد من نشر العلم بين المجتمع، لتقوية الجانب العلمي، فإذا ظنوا أن الحق هو الباطل أعطيناهم مناعة، أو حصنّاهم ضد أي بدعة أو شبهة، وما أكثر البدع والشبهات!
стр. 2020
مواجهة الشباب الملتزم لسخرية العامة
السؤال
إذا التزم الشاب وتمسك واجهته مشكلة كبيرة هي: سخرية العامة منه وخاصة من الأقارب، فمعظم الشباب يرجع على ما كان عليه، فكيف يواجه الشاب هذه السخرية؟
الجواب
السخرية والاستهزاء أوذي بها كل الناس، فهذا نوح ﵇ وهو يصنع الفلك كان كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه، فالسخرية لابد أن تأتي، وقد سُخِرَ واستُهزِئ بالنبي ﷺ ، واستهزئ بالرسل من قبله كما أخبر الله تعالى، فلا جديد فيها، ولكن كيف نتعامل معها؟ أقول: ننتبه إلى أمر تربوي مهم، وهو أن الشباب المقبل على الله، حديث العهد بالهداية والتوبة لا نجعلهم في واجهة البركان، أو في واجهة التيار فلا يستطيعون المقاومة.
فالاستهزاء باللحية -مثلاً- أو بتقصير الثياب، أو ببعض السنن الظاهرة أكثر ما يواجه الشاب الملتزم الاستهزاء بها، أما الباطن فلا يمكن لأحد أن يعمله إلا الله، ومن هنا نقول: يعطى هذا الشاب الإيمان والهدى على جرعات؛ حتى يستقيم على هدى الله تعالى، ولا يعني ذلك أن نتركه يمشي على معصيته، لكن عندما أخاطبه فيكون راغباً في الحق أعطيه قليلاً قليلاً، أما إذا كنت أريد منه دفعة واحدة أن يذهب فيكسر الغناء الذي في البيت والموسيقى، ويحطم ما فيه من الصور المحرمة، ويقطع العلاقات بتاركي الصلاة من أقاربه، ويفارق الزوجة؛ فهذا في الحقيقة بدلاً من أنه كان مستسلماً طائعاً فسأجعله في معركة لا يستطيع أن يواجهها، وأتحمل مسئوليته بعد ذلك إذا انحرف، وكثيراً ما ينحرف الشباب بسبب الثقل.
لكن نريد من هذا الشاب أن يوغل في الدين برفق، ونحن نعينه على ذلك، لكن برفق في التربية، فيبدأ بالأساسيات أولاً، وكيف يعالج الأمور بحكمة؟ وكيف يكون في موقع دون أن يعصي الله تعالى، ولكن دون أن يثير عليه السخرية؟ أن نضمن أنه يستطيع أن يتحمل ما يعطى، كما يعطى المريض جرعات من التطعيم تجعله في النهاية يدخل بين المرضى ولا يبالي، فبدون تطعيمه لا تنقله بين المرضى، لكن أعطه من اللقاحات الكافية ثم اعمل له اختبارات حتى تطمئن عليه، بعد ذلك سينطلق ولا تخاف عليه، فهذه أمثلة من الواقع يجب أن ننتبه لها.
ويجب ألا نعرض مثل هذا الشاب لمشاكل، فإذا جاءنا هذا الشاب واستقام قلنا له: أترك عملك، إن كان له عمل! وتعال لتلتحق بدرس من الدروس في المسجد -مثلاً- فالحقيقة أنك حملته ما لا يطيق وعرضته لكلمات الناس، فيقال: اهتدى وترك الوظيفة، أو اهتدى وضيع عائلته، أو اهتدى وفعل كذا؟ فمن المسئول؟! أنا الداعية الذي قلت له هذا الشيء، بخلاف ما لو حذرته وحرصت على تربيته.
فمثلاً: يأتيك إنسان يعمل في بنك ربوي -ولا شك أن العمل في جميع هذه البنوك حرام- ومع ذلك إذا جاءك مثل هذا فلا تقل له اترك عملك، مع أن هذا هو الواجب؛ ولكن لو قلت له اترك، ما الذي يحصل؟ بعضهم ترك فجأة، فلم يجد عملاً، فعاد إلى البنك، وقال: لم أجد عملاً ويكون بخلاف ما لو أنك قلت له: ابق حتى تجد عملاً مناسباً.
ثم اجتهدت معه حتى يجد له عملاً مناسباً، ثم صبرته وقلت له: إن الله سيعوضك خيراً منه، ثم ينتقل بعد ذلك نقلة طبيعية ويضمن أنك كنت معه حتى انتقل، فتكون بذلك قد ضمنته، نعم مثل هذا الأمر وهذا العمل يجب أن يتركه، وإذا استطاع أن يتركه اليوم فلا يؤجل ذلك إلى الغد، لا شك في ذلك.
لكن نقول: هذا هو حال الحرام، فكيف يؤدي الواجبات أو الطاعات أو يطلب العلم؟! هل تربطه بحيث يبدأ يحفظ من العلوم، ويضيع اختصاصه الدراسي ويضيع الحقوق التي عليه، فتكون النتيجة أن يقول الوالدان والأهل: منذ أن تعرَّف على فلان، وبدأ يحفظ القرآن، بدأ يضيع المال، فلا يصح هذا! ولا يفيد ذلك شيئاً.
وأحياناً يقال: منذ أن تعرف على هؤلاء الشباب الطيبين ذهبوا به إلى المسجد، وبعد ذلك أصبح عاقاً لوالديه، كانت أخلاقه طيبة، كان يحب أمه وأباه، ويلبي لهم أي طلب، ولما اهتدى واستقام تركهم؛ لأنه لم يرب التربية الصحيحة.
ولذلك لو أن الآباء أصبح شعورهم أن الابن إذا استقام يعقهم، فسيصبح الآباء يدعون: اللهم لا تهدِ أولادي! ولهذا لابد أن نضع مناهج واقعية وجدية ومرحلية، بمعنى أن يكون الإيغال في هذا الدين برفق، وتربية الشباب عليه تربية صحيحة، ليضمن ثبات هذا الشاب بإذن الله في المستقبل.
وعلى أي حال نوصي هذا الأخ بالصبر، وكلنا من المأمورين بذلك.
стр. 2021
الحكمة في تبليغ الحق
السؤال
من المعلوم أن تبليغ الحق إلى الناس يحتاج إلى حكمة بالغة، ومن الملاحظ من بعض من هداهم الله للحق، أنه يتخذ طرقاً في التبليغ قد تعود عليه بمشاكل عدة وعلى إخوته في هذا المجال، وإذا قلت له: لابد من الحكمة قال: إن الحكمة التي تدعيها هي في الحقيقة مداهنة، ويقوم أحياناً بأمور يستطيع عليها أهل الحسبة لما لهم من سلطة ولكنه تسرع، فما توجيهكم له؟
الجواب
هذا واقع، وهذه حقيقة، ونحن بغض النظر عن الأذى وعن الألم، بعض الناس عندما تذكره يقول: أنا مضحٍ ولا يهمني سبحان الله! لننظر إلى حال السلف الصالح، الصحابة ﵃ أكثر منا تضحية، فقد كانوا يطلبون من النبي ﷺ أن يأذن لهم في قتال الكفار وهم في مكة، ولو أذن لهم لربما قامت منهم مجموعة وهجموا على المشركين في دار الندوة، ففتكوا بهم، وانتهت القضية، ولكن كان النبي ﷺ يأمرهم بالصبر.
ولما نزل الأمر بالجهاد ما نزل أمراً، ولكن نزل إذناً كما قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]؛ لأن القلوب متشوقة متحرقة من قبل يريدون ذلك.
والحمد لله هذه علامة خير، وعلامة إيمان، لكن المطلوب تغيير المنكر فإذا رأيت مثلاً جهاز أغاني بجوار بيت الله الحرام هل أدخل فأحطمه؟ لا ينبغي أن أقوم بعمل فتنة، لكن أنصحه وأعظه، ولا أقول: دعهم ولا تتكلم معهم، فهذا غلط وألف غلط.
إن القضية: هل هذا العمل صحيح؟ وهل هو سديد؟ هل فعل هذا النبي ﷺ وأصحابه الكرام؟ هل لك أنت أن تغير باليد؟ وهناك أسئلة كثيرة يجب أن توقف مثل هذا الشاب عند حده.
فنجاح الدعوة الحقيقي يقاس بمقدرتك على أن تعري المنكر أمام الناس، حتى تضمن من أنهم إذا رأوه تقشعر منه جلودهم، لا بأن تحجبهم عنه.
في أمريكا بلاد العهر والفجور والدعارة والفسق والفساد، الشاب الذي لديه مكافأة ضئيلة يقتطع من مكافأته للمراكز الإسلامية، ليقاوم الشهوات، ويقاوم المغريات، والمنكرات، فهذا الشاب ترتاح لمثله.
نحن لا نقلل من أهمية إنكار المنكر أبداً، ولكن يُنكر بالطرق المشروعة، والمهم عندنا هو نجاح الداعية بحيث يستطيع أن يجعل الناس مقتنعين بإنكار المنكر بقلوبهم، ويرفضونه حتى ولو عرض عليهم، حتى لو بذل لهم الثمن، بحيث لو جئت إلى شاب تقي مؤمن، وقلت له: هذا مليون ريال، وهذه مخدرات أو سجارة فاشربها، لا يشربها -انظر كيف تبذل المليارات لمكافحة المخدرات أو لغيرها- أما هذا فيرفض أن يأخذ مليون ريال! هذا من الإيمان، وهذا النوع لا يرجوه أي غاصب، وهذا الذي تطمئن إلى أنه صار جندياً لهذا الدين، وسيستمر على ذلك بإذن الله أما مجرد أن هذا المنكر ذهب أو زال أو اختفى؛ فالحقيقة لو أن الأمر بهذه الطريقة، فهذا يعتبر أمراً سهلاً، وليس صعباً.
وأضرب لكم مثالاً: لما دخلت الشيوعية إلى أفغانستان دعا داع الجهاد، فقام وهب الفلاحون والعمال والطلاب والموظفون، وفي أشهر معينة أو في عدة أسابيع تدربوا على معظم أنواع الأسلحة، وتقدموا في هذا المجال فهزموا الشيوعيين والحمد لله.
وهذا دليل على أن كون الإنسان يستوعب الإنكار باليد أو يجاهد باليد ليس بتلك الصعوبة؛ لكن المشكلة هل يستطيع أن يأتي هذا الشاب إلى جاره، أو أمه، أو زوجته، فيجعلهم ينكرون المنكر، هنا الصعوبة، ومن هنا كان دور الأنبياء شاقاً وصعباً.
فهذا نوح ﵇ مكث ألف سنة إلا خمسين عاماً، لم يسلم له إلا قرابة المائة؛ لأنه يخرج الإنسان من الكفر والشرك والمعاصي راضياً مختاراً، ولو عرضت عليه لأباها، أما مجرد التهور أو التسرع والتعجل فلا يفيد، والعاقبة لن تكون سليمة قطعاً.
стр. 2022
كيف يتعامل الداعية مع المسائل الخلافية
السؤال
ما هي الخطوات التي يتبعها الداعية المهتدي الذي لم يتمكن من معرفة الخلاف المذهبي بين الناس في قضية دعوتهم، ما هو موقفه أمام المسائل الخلافية؟
الجواب
لا يصح لنا أن نعود الشاب من أول أمره على أن المسألة فيها قولان، خاصة العامة، فلا ينبغي أن نبدأ: هذه المسألة فيها خلاف، وهذه فيها خلاف، وبذلك نكون قد شتتنا الناس! وفي المقابل يقول البعض: أنا لا أريد أقرأ عليهم بكتاب فقه معين فأوقعهم في التقليد، إذا كان التقليد خطأ -وهو خطأ طبعاً- فأيضاً هذا الضياع خطأ، وقد تفر من تقليد إنسان أو عالم، فتقع في تقليد من لا يستحق أن يقلد.
فهنا تأتي الحكمة، فإن هناك أساسيات يجب أن تعرض بدون خلاف، وهناك أمور قد عرف الخلاف فيها، فيعرج عليه على أنه يوجد ولكنه مرجوح، ويفصل في أدلة القول الراجح ولا يفصل في الآخر؛ لأن القلوب قد يعلق بها شيء من أدلة المرجوح أحياناً، هذا في الناحية التربوية، ولا نعني الناحية العلمية مثل البحث العلمي؛ لكن نحن نتكلم في نواحي التطبيق والتربية، بعد ذلك إذا اطمأننت إلى مستواه العلمي، تقول له: هذه المسألة فيها كذا، وهذه المسألة فيها كذا.
ولذلك لماذا نجد التسرع عند طلبة العلم فنرى أحدهم يقول: إن هذا القول خطأ؛ لأن هناك حديثاً ضده، فلا يصبر مع أنه لم يعرف الأحاديث الأخرى، ولا ماعند المخالف، وهذا التسرع أخذه الطالب ممن علمه.
فأقول: منهج طلب العلم مضبوط، فالذي يقول لا نقبل هذا الكلام، ولا نقبل المذاهب، ولا نقلد، ولا ندعو إلى التقليد فهذا حق ولكن لا يقوله كل أحد، قال الشافعي: 'إذا رأيتم قولي مخالف لقول الله وقول رسول الله فاضربوا به عرض الحائط'.
إذاً المسألة مسألة اتباع، لكن كيف تنفذ؟ كيف تعلن؟ الحمد لله في هذا البلد أنعم الله علينا بنعمة عظيمة، واسألوا كيف حال البلاد التي علماؤها مداهنون مفرقون كلٌ على طريقة أما نحن أنعم الله علينا -والحمد لله- أن علماءنا فتاواهم وعملهم ومنهجهم بفضل الله على منهج السلف الصالح.
ولذلك فإنه يقال: هذه فتوى من الشيخ عبد العزيز، هذه فتوى من اللجنة الدائمة، فإنها تقابل بالاحترام والقبول، ألا ترون أن الواحد منا إذا أخذ فتوى اللجنة الدائمة في تحريم الغناء الذي يظهر في التلفزيون والإذاعة، هي ورقة واحدة إذا قرئت على الناس، أو علقت في مسجد، أثر على الناس التأثير العظيم.
لكن لو قلت: هذه الفتوى فيها قولان، وأنا أقول كذا وكذا، نعم هذا صحيح، ولكن حتى لو ألفت مجلداً، فهل ستؤدي هذه الفتوى نفس التأثير التي تؤديه الفتوى الصادرة من اللجنة الدائمة؟ وإذا قلت هذه فتوى الشيخ ابن عثيمين في المجلات وزعها أو اطبعها، أو علقها على المسجد، فإنك تسمع الناس يقولون هذه فتوى الشيخ ابن عثيمين، فلا يناقشون، هكذا تعلم الناس أن يحترموا العلماء.
لكن ثقوا بأن من لم يسلك هذا المنهج، أو ربى الشباب على عدم احترام العلم والعلماء، فأول من يجني الثمرة هو من دعاهم إلى ذلك.
إن المنهج العلمي منضبط، والسلف الصالح هؤلاء بين أيدينا، واقرءوا سيرة السلف الصالح، هل تجدون رجلاً منهم تعلم الحديث والرجال في خلال شهرين ثم أخذ يصحح ويضعف؟ لكن هذا الشيء واقع اليوم في حياتنا، وهو عجيب جداً، ويدل على خلل كبير جداً نعاني منه.
وأُذكِّرُ بالقضية الأساسية، ألا وهي قضية هذا الشاب الذي اهتدى، وعرف الحق، وبدأ يقرأ كتب العلم، كيف يستقيم على الهداية، وكيف يستمر ويواصل الدرب في سبيل الدعوة، فهذه هي المسئولية ولا نُعفى إن تخلينا عنها.
стр. 2023
الأسلوب الحسن من شروط الدعوة
السؤال
بعض الناس ليس لهم أسلوب في الدعوة كما ينبغي، فقد يفسد أكثر مما يصلح، فهل يعذر بترك الدعوة إلى الله؟
الجواب
الحقيقة هذه مشكلة، أن يصبح الشاب المسلم عبئاً على الدعوة، ويتمنى زملاؤه أن يتوقف عن الدعوة -ولا حولا ولا قوة إلا بالله- لأنه لم يضبط نفسه، ولم يملك من كبح الهوى ما يضبط تصرفاته، يظن أن كبح النفس عن الهوى أنك تمنعها عن الخمر والزنا والغناء، لا؛ بل كل شيء لا ينضبط على أمر الشرع فهو اتباع للهوى، وقد يكون من اتباع الهوى أن يقول الإنسان: لئن مكنني الله من الكافر فلان الفلاني لأقطعنه إرباً وأمثل به، وهذا لما كان متوقعاً من شباب المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦].
فينبغي أن تضبط النفس بما شرع الله تعالى، ولا ينبغي أن يكون الداعية بهذه الحالة، ولكن لو حصل فعلاً أن أحداً هذه تصرفاته، فهذا لا يصلح أن يكون داعية، وقد يكون من الخير له أنه يبحث عن مجال آخر، وألا يثير مشكلة، ونحن نعاني من القطيع الذي لا يعمل، ونعاني من المتهور الذي لا يتأمل، والله المستعان.
стр. 2024
متى يكون الداعية مؤهلاً للدعوة
السؤال
متى يكون الداعي مؤهلاً للدعوة إلى الله بالفعل والكلام والكتابة؟
الجواب
بعض الإخوة يفهم أن الداعي إلى الله لا بد أن يدرس وقتاً طويلاً، فيكمل فتح الباري كله، والمغني، ويسمع كل الأشرطة التي قيلت في الفتاوى والعلم والموعظة، وبعد ذلك كله إذا صار مجتهداً يدعو إلى الله! هذا خطأ، والبعض من الناس يسمع كلمة من بعض الخطباء، أو يسمع موعظة من شريط فيقوم يفتي كما سمع في الشريط، وكل هذا خطأ! إلى أي شيء ندعو الناس؟ ندعو الناس إلى أساسيات واضحة، وإلى أمور شبه واضحة، وإلى أمور دقيقة غامضة، هذا هو الواقع، إذا دعونا الناس إلى الأمور الجلية الواضحة فقط فهذه يمكن أن يدعو إليها أي إنسان مستقيم، العامي وصاحب المتجر، وصاحب المخبز، والبقال، كلهم يستطيعون أن يقولوا: إن الزنا حرام، وإن الربا حرام، والاختلاط بين النساء والرجال حرام، وهذا واجب على الجميع.
وما كان غير ذلك مما اختص به طلبة العلم، كالكلام في الطرق الصوفية فهذا لأهله، وما كان أدق من ذلك فلأهله الخاصة، وهكذا نضع كل شيء في موضعه.
وأنت في كل مرحلة من المراحل بقدر ما تتهيأ له تدعو، ومن الدعوة إلى الله أنه إذا جاءك أمر وأشكل عليك، أو كان فوق طاقتك، أن تحيله إلى من هو أهل له، ثم تدعو الناس، وهكذا كان الصحابة ﵃ يدعون الناس، فإن أشكل عليهم أمر سألوا النبي ﷺ ، وبعد موت النبي ﷺ كانوا يستفتون الصحابة العلماء، وهم معدودون ومعروفون، فيرجعون إليهم ويسألونهم ثم يدعون الناس، وهذا أيضاً من الدعوة، ولا يشترط أن أكون حافظاً لكل شيء لكي أقول للناس كل شيء، وهكذا التأهيل على خطوات، ومع التأهيل لكل مرحلة تكون الدعوة، وتكون الانطلاقة.
стр. 2025
التخصصات العلمية
السؤال
هناك قضية التخصص، فبعض الشباب يبرزون في النواحي العلمية، ولكن ليس لهم القدرة على التعامل مع الناس فما نصيحتكم لهم؟
الجواب
التخصص بذاته لابد منه، ولكن لابد مع التخصص من حد أدنى معقول مقبول في بقية الأمور، فهناك من وفقه الله في الأسلوب الناجح في الدعوة والتعرف، لكن لابد أن يكون عنده حد أدنى من العلم، وهناك من يكون قد وفق في علم مثل علم الحديث -مثلاً- لكن لابد أن يكون عنده حد أدنى في اللغة، وهكذا فلابد مع التخصص من حد أدنى في بقية الأمور.
وانظروا إلى الصحابة الكرام خالد بن الوليد سيف الله المسلول، ومعاذ أعلم الناس بالحلال والحرام، وأبي بن كعب أقرأ الناس، وزيد أفرضهم، فالتخصصات موجودة بين الصحابة رضوان الله عليهم لكن مع ذلك كل منهم كان لديه قدر معين مشترك، فنحن يجب أن نكون كذلك، فعندنا معرفة في العقيدة، وفي الحديث، وفي أصول العلوم الشرعية عموماً، فلابد من حد أدنى، وبعد ذلك ينبغ الإنسان في مجال تخصصه، ولا تتعارض هذه التخصصات أبداً.
стр. 2026
التأثير الوقتي يزول بزوال المؤثر
السؤال
تلقيت العلم من أهله وتأثرت، ولكن سرعان ما زال التأثير بزوال المؤثر، فما هي نصيحتكم لي ولأمثالي؟
الجواب
هكذا طبيعة النفس، ولهذا جاء في حديث حنظلة: ﴿لو أنكم بقيتم على ما أنتم عليه عندي لصافحتكم الملائكة، ولكن ساعة وساعة يا حنظلة﴾ فهذه طبيعة النفس البشرية، والإيمان يزيد وينقص، ولهذا يجب عليك أن تسعى دائماً إلى تقوية إيمانك، وتقويته تكون بصلتك بالله تعالى والتزام وسائل تقوية الإيمان.
стр. 2027
حقيقة الغلو والتطرف
السؤال
هل التمسك بالحق من الغلو؟ وما هو حد الغلو والتطرف.
جزاكم الله خيراً؟
الجواب
التمسك بالحق ليس من الغلو، بل التمسك بالحق هو الحق، لكن الغلو ما جعله الشرع غلواً، لا ما جعله الناس غلواً، فالغلو ما جاء في كتاب الله، وفي سنة الرسول ﷺ ، وما جاء عن منهج السلف الصالح وعرف على أنه غلو، هذا هو الغلو أو ما يسمى بالتطرف، أما الصراط المستقيم الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، فليس فيه غلو بل هو الحق.
стр. 2028
الزواج وطلب العلم
السؤال
هل الزواج يتعارض مع طلب العلم؟
الجواب
ذكر الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد عندما تعرض لمسألة العلماء العزاب الذين ضحوا في سبيل العلم ولم يتزوجوا، أن هذا ليس من سنة النبي ﷺ ولا أصحابه، ونحن ديننا دين التكامل، ودين الحنيفية السمحة، ودين الفطرة الذي يلبي كل الرغبات.
فإذا كان المقصود من السؤال أن الإنسان لا يتزوج ويقول: أنا أطلب العلم ولا أتزوج، فنقول: لا.
هذه هي رهبانية النصارى.
أما إذا كان قصده أن يؤخر الزواج حتى يكمل الدراسة أو شيئاً من هذا، فنقول: إن هذه الأمور بحسب الأفراد، بحسب الحالة الشخصية، لكن الأصل والقاعدة في زمن الفتنة، والفساد الذي نعيش فيه، والإغراءات والمثيرات أن الزواج حصن حصين للشباب يجب أن نسعى إليه، ويجب أن ندعو ونحث عليه، ليس عند طلبة العلم فحسب؛ بل عند عامة الناس بما نستطيع، يجب أن نسعى وأن نكوِّن رأياً عاماً؛ ليضغط على الآباء وعلى الأمهات وعلى أولياء الأمور، وعلى المسئولين أن يهتموا بقضية الزواج.
وفي مثل هذه الظروف التي تعيشها الأمة الإسلامية اليوم؛ حتى لو كان ليس لديه رغبة قوية في الزواج، أو لو كانت قدرته البدنية على المعاشرة الزوجية فيها شيء من الضعف، فأقول كما قيل عن عمر ﵁ ولا أعلم صحته ولكنها حقيقة، أنه قال: [[إني لأتكاره وأمني نفسي لعل الله أن يخرج مني نسمة تعبد الله ]].
ونحن الأمة الإسلامية الآن لو عزفنا عن الزواج، فسنصبح أقلية مع هذا الوجود الصليبي الضخم، ونحن أيضاً في هذا البلد بالذات أقلية، فنحن في الحقيقة بحاجة إلى قوة بشرية وهي رأس كله قوة، وأهل السنة بالذات بحاجة إلى أن يتكاثروا.
صحيح أن هذا يكلف أشياء ومسؤوليات لكن نتوكل على الله، والإنسان كما يقال: هو أساس كل شيء، وهو أساس كل مُنتَج، والإنسان إذا كان في شارع يزدحم بالناس فإنه يفتح أكبر مؤسسة، لكن في قرية صغيرة لا يفتح شيئاً، لأن وجود الناس هو الذي يحرك العمل، وكثرة الناس في مكان العمل تساعد على نهوض العمل.
والمقصود أن العوامل التي تحث على الزواج كثيرة والحمد لله، لكن أتأسف وأتألم عندما أجد بعض الإخوة يجعل الأمرين متعارضين: الزواج، وطلب العلم.
أما ما يكون من بعض الشباب حيث جعل الزواج استغراق في المتعة وفي الشهوة، وتمشية الزوجة، وغير ذلك من هذه الأمور، وجعل شهر العسل سنة، فهذه الأمور لا تصح ولا تنبغي، ولكن أعط كل ذي حق حقه، فتزوج ولكن أيضاً قم بطلب العلم، ولا تترك الدعوة إلى الله، ولذلك اختر ذات الدين لأنها لن تعيقك عن الدعوة، بل ستعينك على أمور الدعوة إن شاء الله.
стр. 2029
ظاهرة إيثار دروس الوعظ والرقائق على دروس وحلقات العلم
السؤال
نجد أن كثيراً من الشباب الملتزم المتمسك، لا يحضرون الدروس العلمية ولا المحاضرات العلمية المركزة، وإنما يحضرون المحاضرات التي تعتمد على الرقائق غالباً، كما يحضرون المحاضرات للمشهورين من العلماء، فما نصيحتكم لهؤلاء؟
الجواب
قد يترك العالم الجليل المشهور الذي نتمنى أن يتاح لنا أن نجلس معه ساعة، ويترك حضور حلقة علم، ويحضر عند وعاظ أو أصحاب رقائق، هذه ليست ظاهرة جديدة بل هي ظاهرة قديمة؛ فقد كان بعض الوعاظ يجلس عنده عشرون ألفاً، وإن كان ليس في روايته ذكر صحيح وضعيف وربما اختلطت مواعظه بالأحاديث الموضوعة حتى هجرت أحاديث القصاص؛ لأن القاص غالباً مع العاطفة والتذكير ربما يأتي بحديث وليس بصحيح، ويقول: قال الله ولم يقل الله ذلك، همه العبرة أكثر من الصحة أو الضعف.
فالمقصود أن هذه المشكلة قديمة، وإقبال الناس على المواعظ والرقائق قديم، بل حتى على الأشعار، فـ الصوفية عندها ذكر الأشعار أو سماع الأناشيد، أفضل من سماع القرآن؛ لأن الأشعار والنغمات تحرك القلوب والعاطفة، فمن الممكن أن تزيد العاطفة بغناء من يغني شوقاً إلى ليلى ولبنى الخ، لأن الفاصل بين العاطفة والنفس دقيق جداً؛ لكن الفاصل الواضح الكبير هو ما يتعلق بالعلم وبالعقل الذي يعتبر الجانب الواعي في الإنسان، فهذا الذي تكون فيه الأمور دائماً واضحة، والقصد أن العاطفة تتأثر وتستجيب للمؤثرات العاطفية، وخاصة أنها لا تكلف شيئاً.
أما حضور حلقات العلم المشهورة، كما يحصل في شهر رمضان يأتي الرجل إلى الحلقة، ويبدأ الشيخ في اليوم الأول في الصيام وأحكامه وأنواعه، ويدخل في الكفارة، وكيف اختلف العلماء، فيخرج من المحاضرة وهو ما استفاد أي شيء؛ لأن مشكلتنا أنه ليس عندنا صبر ولا جلد على العلم، وكأنه يكلفنا ما لا نطيق.
وإذا لم تضبط لديه المسألة يأتي إلى الشيخ فيقول: ارجع إلى كتاب كذا رقم كذا؛ فيقول الشاب: مراجع! كتب! وأذهب لأشتري الكتاب وأقرأه! هذه مشكلة! فيبدأ يحب الأشرطة؛ لأنها سهلة، ويستطيع أن يضعها في السيارة، ويستمع لها إذا ركب السيارة وذهب إلى عمله، لكن الكتاب يحتاج إلى فهم وتركيز وتعليق فيكرهه.
ولا أعني ترك ذلك على الإطلاق بل بالعكس، أنا أقول: إن المواعظ يجب أن تنشر بأكبر وأقصى حد عند العامة، لكن الموعظة الحقة، لا خيالات، ولا منامات، ولا أقاصيص كاذبة فيها، بل المواعظ السليمة، والرقائق الصحيحة وهي كثيرة -والحمد لله- والله إن فيها الفائدة، فالقصص النبوي والقصص القرآني كثيرة وفيها الدروس والعبر، فنريد أن نعرضها على العامة، ونريد أن يكون فينا من يجيد أن يعرضها على العامة بأجمل أسلوب من حيث الأداء ومن حيث الإثارة الخطابية.
أما طالب العلم، فينبغي أن يُصبِّر نفسه ليتعلم -مثلاً- مسألة من مسائل العقيدة، أو من مسائل العلم، ثم يفهمها ويعيدها، ثم يوصلها إلى غيره فإن لم يحصل هذا فربما بعد فترة من الزمن نتحول كلنا إلى عوام، ويبرز فينا مجموعة من الوعاظ يعظون والباقي عوام يسمعون، وهذه مشكلة فالأمة لا تقاد إلا بالعلماء، ولا يحركها إلا العلماء.
شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ لما غزا التتار الشام، وقف فأفتى بفتواه المشهورة فتحركت الأمة للجهاد بها، تحركت على علم وجُمعت قلوب الناس على علم، لأنها مبنية على قال الله وقال رسول الله، فهذا هو الذي نريده وإن كان شاقاً.
فأنا مع الأخ في كونه قد يُترك العلماء المشهورون، فيكون الحضور عندهم أقل من العشر مما يحضر للوعاظ والقصاص، فهذه ظاهرة سيئة وخطيرة، ويجب أن نقاومها؛ مع أني قلت أن لكل إنسان فائدته في مجاله، لكن لسنا أنفع من العلماء، ولا أنفع من أن نقول: قال الله وقال رسول الله ﷺ ، ويأتيك بالأدلة التفصيلية التي تعطيك حجة علمية، كما بعث الله الرسل -رضوان الله عليهم- بالحجة، فأقول: إقامة الحجة العلمية لا تكون إلا بذلك.
أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يكتب لي ولكم أجر هذا اللقاء، وأن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وأن لا يجعل فينا شقياً ولا محروماً، وأن يأجر خيراً القائمين عليه، وأن يثيبنا ويثيبهم جميعاً بحسن الثواب، والحمد لله رب العالمين، وصلِ اللهم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2030
الصبر على مجاهدة النفس
بدأ الشيخ حفظه الله بالتذكير بتقوى الله، وبواجب الأخوة في الله والمحبة فيه، وبأهمية الصبر في سبيل الله، ثم ذكر بعد ذلك حال هذه الأمة وما يجب عليها أمام ما تلاقيه الأمة من هجوم أعدائها وتكالبهم عليها، وداعياً إلى العودة إلى كتاب الله، مذكراً أن الملتجأ والمعتصم به هو الله، مبيناً أن الصبر وضبط النفس وعدم الاستعجال من أهم ضرورات الدعوة والجهاد.
стр. 2031
التذكير بتقوى الله
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فنحن نعيش هموماً وآلاماً وأموراً يجب أن نلحظها بعين البصيرة، وبعين النقد أحياناً، وبعين المراجعة، فيجب أن تكون القاعدة في ذلك هي التذكير، وليس شرطاً أن تكون جديدة.
التذكير بالأمور التي قد نغفل عنها جميعاً، أو ننساها في زحمة العمل، وأهمها وأعظمها تقوى الله ﵎، فإن الله أوصى بها الأولين والآخرين كما في كتابه المبين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] أن نتقي الله تعالى في كل ما نأتي ونذر، في حركات أبداننا وخلجات قلوبنا، وألفاظ ألسنتنا، وأن يكون الله تعالى -وهو كذلك مطلعاً ورقيباً علينا، فلنستشعر نحن هذه الرقابة دائماً، وأن نعامله ما استطعنا بدرجة الإحسان كما قال ﷺ : ﴿أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك﴾.
والأولى بهذه الدرجة هو طالب العلم، والداعية إلى الله، أن يعبد الله بهذه المرتبة (أن تعبده كأنك تراه) فنحن آمنا به بالغيب، فيجب أن نستشعر هذه الحالة، وبقدر يقيننا وإيماننا ورسوخ الإيمان بالغيب في قلوبنا، نجد أننا نسمو ونرتفع في آفاق إيمانية عظيمة، تعجز عن وصفها الألفاظ والعبارات والألسن، ولكنها منازل يبلغها الله ﵎ من شاء من عباده ويرفعهم إليها درجات.
فأولى الناس بأن يرتقوا هذه المنازل ويرتفعوا في هذه الدرجات العلى هم طلبة العلم، ونعوذ بالله أن يكون أحدنا شمعةً تحترق لتضيء لغيره، أن يستفيد الناس من مواعظنا ومحاضراتنا وندواتنا، ونكون نحن آخر من يستفيد منها، إنما الواجب علينا أن نجعل تقوى الله ﵎ نبراساً لنا في حياتنا وفي كل أمورنا، نحفظ قلوبنا وجوارحنا كما قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] وقال أيضاً: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] فطالب العلم أولى الناس بهذا، إذا نطق أن يكون نُطْقُه ذكراً، وإذا صمت فصمته عبرة، وإذا نظر فنظره فكر، ولا تخلو حال المؤمن من هذا.
وقد عبر عن ذلك بعض السلف -رضوان الله عليهم- فقال في معنى الإخلاص: [[أن تكون حركاته وسكناته لله تعالى، لا يمازجه شيء ولا يخالطه شيء]]، وهذه هي الدرجة التي تجعل الإنسان ولياً لله ﵎ كما في الحديث القدسي: ﴿وما يزال عبدي يتقرب إليًّ بالنوافل حتى أحبه﴾.
فإذا جعل الإنسان هذه الرقابة والحصانة على أعضائه ومشاعره، وصارت حركاته وسكناته لله، استحق هذه المرتبة، فإذا كان كذلك صار كما قال الله ﵎ في الحديث القدسي: ﴿كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه﴾ فلما حفظ هذه الأمور جميعاً، وزكاها وما دساها، نال ذلك بإذن الله، فتقوى الله مع الإخلاص لله تعالى في القول والعمل هو أول ما نوصي ونذكر به إخواننا.
стр. 2032
التذكير بواجب الأُخوة في الله
ومن باب التذكير أيضاً أن نذكر بواجب الأُخوة في الله والمحبة، وهذه المحبة لا نعني بها ما قد يكون عند بعض الشباب من أنه يسر برؤية أخيه، ويفرح بأن يجالسه، وأن يسهر معه، وأن يذهب معه، مجرد هذا لا يكفي وإن كان في هذا خير، وإنما نعني المحبة الإيمانية بلوازمها وموجباتها الشرعية.
ومن لوازم ذلك وموجباته: التناصح، فالمحبة مقتضاها التناصح وتسديد العيب، وبيان التقصير، ودوام الانتباه لأمراض القلوب التي قد تعتري أخيك أو تعتريك، فكل منا يكون مرآة لأخيه، والمرآة -كما تعلمون- لا تدخر شيئا من العيوب، ولا تجامل ولا تحابي، لكنها لا تشهر، هذه هي الميزة.
فالإنسان يجب أن يكون بالنسبة لأخيه مرآة له، يريه ويبصره بما يرى على سبيل التناصح، فالنصيحة واجبه بيننا، أما إن كانت علاقاتنا عاطفية أو أخوية تتجرد عن التناصح، وعن تسديد الأخطاء، وعن بيان الواجب في الدعوة إلى الله؛ فإننا مع الزمن تتضخم لدينا الأخطاء، ولا نستفيد من هذه العلاقة إلا راحة نفسية يجدها الإنسان عندما يرى إخوانه، ولا شك أن هذه الراحة مطلوبة، وأنها دليل الإيمان -إن شاء الله- ولكنها لا تكفي وحدها، وأنا أعزو هذا الارتياح الذي نجده عندما يقابل بعضنا بعضاً إلى شدة وطأة الغربة والألم الذي نعيشه، فالإنسان عندما يسمع دائماً عن أهل الشر والفساد والمنكر، والبدعة، والضلالات، فإذا رأى أخاً له فرح وأنس به وتحدث معه، وهذا ما عبر عنه الشاعر:
ولا بد من شكوى إلى ذي مروءةٍ يواسيك أو يسليك أو يتندم
حتى قال بعض السلف 'ذهبت لذاتُ الدنيا كلها، وبقي من لذات الدنيا محادثة الإخوان' أو 'مناجاة الإخوان' فلذة النساء تذهب بعد الشباب، ولذة المال أيضاً للعاقل ليست شيئاً، وإنما بقي منها محادثة الإخوان.
وهذه من لذات الدنيا التي تبقى مهما كبر الإنسان في السن، ومهما تقدم في العمر، ومهما افتقد من الدنيا، فإذا وجد أخاً له في الله يحبه وجلس معه، استمتع ووجد راحة لا يجدها في أيٍ من اللذات الأخرى التي تضمحل وتذهب.
إن هذا يعود إلى وطأة الغربة -أحياناً- ولكن ذلك لا يعني أن نسترسل ونسترخي لعواطفنا، وإنما محبتنا -حتى لله ولرسوله ﷺ هي محبة إيمانية، وليست مجرد علاقة أو محبه عاطفية، وإنما هي محبة إيمانية لها مقتضيات ولوازم، وتتطلب منا أعمالاً وأموراً لا بد أن نحققها في واقعنا وفي أنفسنا، هذا الشيء لا ينبغي أن يغيب عن أذهان الإخوة الدعاة، وهذه العلاقة ضرورية في مثل هذا الخضم الذي نعيشه.
نحن الآن نرى آثار التفكك وضعف الأُخوة والعلاقة بين الشباب، حتى سأل بعض السلف بعضاً من طلابه فقال لهم: 'هل بلغ من محبة أحدكم لأخيه أن يدخل يده في جيبه، فيأخذ ما شاء ويدع ما شاء؟ قالوا: لا.
قال: فما المحبة عندكم إذاً؟! ' انظر كيف كان السلف الصالح ﵃، وأروع مثال على ذلك مؤاخاة النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وكيف تلاحمت هذه الأمة فأصبحت لحمة واحدة مع اختلاف القبيلة والوطن والحال، ولكن جمعهم الإيمان والعقيدة، ومحبة رسول الله ﷺ ، وجمعتهم الهجرة إلى الله ورسوله، ونصرة دين الله فلما كان الهدف والغاية وجه الله اجتمعوا على ذلك فكانت هذه الأُخوة العميقة، بحيث إنك أحياناً إن لم تكن تعرف القبائل أو لا تعرف حال هذا الصحابي من قبل، إذا قرأت اسمه من المهاجرين أو من الأنصار، فبمجرد أنك قرأت خبراً أنه ذهب فلان وجاء فلان، تحتاج إلى أن تعرف هل هو من المهاجرين أو الأنصار، ذهبت كل الفوارق تماماً، وأصبحوا أمة واحدة، فهذه هي المحبة التي لا بد منها.
стр. 2033
التذكير بالصبر
ثم أمر ثالث يجب أن نكرر الوصية به لا نملُّ في ذلك وهو الصبر، فلا بد من الصبر، ومن أعجب ما نراه الآن ونفقده في الدعاة إلى الله وطلبة العلم: قلة صبرنا، سبحان الله! لا نصبر على طاعة نستمر فيها، الواحد منا قد يكون له شيء من كتاب الله أو من السنة يدرسه ولكنه لا يصبر عليه، فينقطع في نصف الطريق، هذا عجيب! أين الصبر؟ بعض السلف لما قيل له: 'بمَ عرفت ربك؟ قال: عرفته بضعف الهمم، وفتور العزائم' لأن العزائم والهمم تضعف، فيعرف الإنسان حقيقة نفسه وضعفه؛ فيعرف ربه ﵎ المتصف بصفات الكمال والثناء ، فهذه حالة تعتري الناس، لكن هناك فرق بين أن تضعف وأنت تريد الدرجات العلى فتضعف عنها، وبين أن تضعف وأنت في أول الطريق.
ومما يذكر أن أحد العظماء قال لابنه: 'يا بني! من تريد أن تكون مثله؟ فقال: يا أبتِ أريد أن أكون مثلك، قال: يا بني! إذا كان كذلك فلن تكون؛ لأنني اجتهدت أن أكون مثل عمر بن الخطاب، فكنت كما تراني، فإذا أردت أن تكون مثلي فلن تكون' يقول له: أنت لا بد أن تكون همتك أعلى، وتصبر وتصابر ومع ذلك لن تصل -والله أعلم- إلى النصف أو الربع مما تأمل.
стр. 2034
الصبر على الدعوة والعلم
فلا بد أن يكون لدينا الصبر على طلب العلم، والصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحن -ومع الأسف- نعلن عن بعض المشاريع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بعض المبادرات الخيرة فلا نصبر، أحدنا يقول: قد ذهبنا إلى السوق مرات ولم نستفد، سبحان الله! النبي ﷺ يقول: ﴿رأيت النبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد﴾ ونحن اليوم نملُّ من الدعوة لأن بعض الناس استجابوا وبعضهم لم يستجب! لقد ظل نوح ﵇ يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً لم يمل ولم يكل، والنبي ﷺ جاهد قومه، ودعاهم إلى الله كثيراً، فطريق الدعوة هو طريق الصبر على الأذى: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ [إبراهيم:١٢] والصبر إما على الطاعة، أو عن المعصية، أو على الابتلاء.
أما نحن فقد ضقنا ذرعاً حتى بالدروس العلمية، فبعض الإخوة يلقي المواعظ والدروس، وفي أول الأمر يحضر عنده عدد عشرين ثلاثين طالباً، ثم ينقص العدد فيقول: لقد صاروا أربعة أو خمسة ثم يترك، وما علم أن هناك علماء كبار يستمرون ثلاثين وأربعين سنة على خمسة طلاب أحياناً أو على عشرة ولا يملّون، والذين يعرف قيمة العلم ينظر لهذه القضية من زاوية أخرى، من زاوية أنه ينفق علمه، والعلم إن لم تنفقه ضاع، فلا تنظر إلى كثرة من حضر واستفاد؛ لكن انظر إلى أنه يجب عليك أن تُعَلِّم.
ولهذا لو قلت اليوم: أنا اقرأ ما تيسر من كتاب الله، وشيئاً من السنة، بعد صلاة الفجر، ثم أقوم بعد صلاة العصر، فأعظ به الناس في المسجد، فإن هذا العلم سيثبت في ذهنك، لكن في الأيام التي لا تعظ فيها بما قرأت فإنكن كله أو بعضه، ففما يثبت العلم ومما يحفظه الوعظ به، وتعليمه، والعلم هو الشيء الذي يزيد بكثرة الإنفاق منه، وأما غيره فينقص بالإنفاق ولو كان البحر على كبره.
أيضاً لا يوجد عندنا صبر حتى على التعلم، وما أكثر هذا ومع الأسف، فبعض الإخوة نطلب منهم ونلاحقهم شهوراً على التعلم ثم إذا جاء فلا يلبث حتى يترك محتجاً بأن الكتاب لم يعجبه، أو أن الشيخ يطيل أو غير ذلك، وكأن الطالب يريد أن يفعل الشيخ كما يشاء هو، وهذا أول شرط من الشروط التي تخل بطلب العلم، فطالب العلم يجب عليه أن يوطن نفسه على أن يتعلم كما يريد الشيخ، وقد كان بعض الأئمة المحدثين الكبار يرحلون إلى آفاق بعيدة من أجل الحديث والحديثين.
بعض الناس يجلسه الحياء أول الأمر -والحياء خير كله- وكما قال النبي ﷺ : ﴿أما الأول فآوى فآواه الله وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه﴾ فالذي لا يريد أن يستفيد، فليأتِ من باب الحياء.
وعندما يأتينا من يريد أن يعلمنا، ونعرف أن له فضلاً، ولن يتكلم إلا بخير فلنحضر ولو كان لدينا أعمال، أو ظننا أننا لن نستفيد منه، وكم من محاضرات وكتب وأشرطة تركناها نظن أن لدينا ما هو أهم وأعظم فائدة فإذا بدأنا بها ندمنا وقلنا: ليتنا قرأناها من قبل.
كم من أناس نقول عنهم إذا أرادوا أن يحاضروا أو يدرسوا: من هو هذا في العلم والمعرفة؟ فإذا حضرت له استفدت، وهذا فيه احترام وتقدير للزائر، ولن تخلو من فائدة -إن شاء الله ﵎ فهذه كلها داخلة في نطاق الصبر.
стр. 2035
الصبر على مجاهدة النفس
إن الإنسان إذا ابتلي في نفسه أو ماله، أو أهله صبر، وهذا نوع، لكن الصبر له أنواع ومنها: الصبر على مرض النفس.
واعلم أخي المسلم أن أعدى عدو لك هو هذه النفس، ولو عاداك الناس كلهم وسلمت من شرها؛ أنّك آمن بإذن الله ولن يضروك أبداً؛ لكن المشكلة هي: (كيف أحترس من عدوي، إذا كان عدوي بين أضلعي؟) والمشكلة هي العدو الداخلي، هذه النفس والهوى والشهوة، وحب الإخلاد إلى الدنيا، والتكاسل عن طاعة الله والميل إلى ما يريحها وإن كان مُتعِباً فيما بعد، وهذا من إيثار العاجل، وهكذا طبعت هذه النفس فيجب أن تصبر على ذلك.
بعض الناس عنده نفس غضوبة، فهذا يجب عليه أن يسأل الله دائماً أن يهديه إلى أحب الأخلاق وأحسنها إليه، لكن -أيضاً- من الابتلاء أن أكون إنساناً غضوباً فأصبر على غضبي، وأحاول أن أصبر عليها وأجاهدها؛ فإنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما الصبر بالتصبر، نعود النفوس الصبر حتى تستقيم.
بعض الناس مشكلته أنه لينٌ جداً، أي أنه متساهل، وليس عنده فطانة.
وبعض الناس يقول: ليس عندي فطنة، فنقول له: مارس الحياة، واعرف أن فيك هذا العيب، وهذا عليه ألا يثق بكل أحد، إنما يتأكد ويتأنى ويفكر، فلا يعطي كل من طلبه كتبه أو ماله حتى يتأكد من حاجته.
والبعض يشكو من أن نفسه تتوق إلى شيء من مظهر الدنيا فلا يصبر، فهو لا يخرج إلا بالثوب والغترة والشكل المعين، وإلا اعتذر عن الحضور، فهذا عليه أن يعود نفسه رويداً رويداً، على أن يذهب أحياناً بشكل عادي أقل من هذا، قليلاً قليلاً حتى ينتهي هذا الأمر وهكذا.
وهذه النفس مشكلتها أنها حرون مثل الدابة مرة تمشي، ومرة تقف وسط الطريق، لا تتحرك، ولذلك القاعدة التي علَّمنا إياها السلف الصالح في التعامل مع النفس، أنها إذا أسلست لك القياد حركها بسرعة حتى إذا حرنت، تكون قد قطعت مسافة كبيرة، وكل إنسان يجد في نفسه الفتور والخير، فإذا جاءت أوقات الاندفاع والإقبال على الله تعالى فحركها، فإذا جاء وقت الفتور فستجد أنه ليس فتوراً كلياً وإنما إلى حد ما.
فمن أهم ما يصبر عليه هذه النفوس التي بين جنبينا، فبعض الإخوة لم تكمل ما أخبرته به حتى يعطيك رأيه سريعاً فيحكم بسرعة ولا يصبر ويتأنى.
والبعض مشكلته كثرة الكلام، فأصبحت مجالسنا فيها كثرة كلام وقلة ثمرة، وفي الحديث: ﴿كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع﴾ ونترك وكالة أنباء (قالوا) ونرفعها عنا، ولا نتحدث بـ (سمعنا وقالوا) ولكن نتركها ونصبر، وقد قال النبي ﷺ ، وهذا حديث عظيم جداً في معالجة القلوب والنفوس: ﴿ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب﴾ هو الذي إذا قلت له: اتقِ الله ولا تغضب، وقف.
فيجب أن تجعل أهم شيء تعالجه في حياتك هذه النفس، فإذا وطنتها على أمر الله حتى تصبح مواطئة له، فأبشر بما سبق أن ذكرنا من فضل الله عليك، فتصبح لا تفكر، ولا تهم، ولا تعزم، ولا تعمل، ولا تخطو إلا كما بين الله تعالى في الحديث القدسي: ﴿فبي يسمع وبي يبصر إلى آخره﴾، هذه الحال لا تصل إليها إلا بعد المجاهدة، مع أن كل نفس ركب فيها هذا الأمر إلا من عصم الله من الأخيار والمتقين.
следующие страницы →