← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

مجاهرة الله بالمعاصي يقول سد سد قائد جيوش الانجليز في الحرب العالمية الثانية: ' لما كانت الطائرات الألمانية تضرب لندن كل يوم، وتنزل عليها الأمطار من القنابل، اضطر الناس إلى أن يضعوا المسارح والمراقص تحت الأرض ويقول العاملون فيها: إن الإقبال على المراقص وعلى المسارح وعلى شرب الخمر تضاعف، ويتضاعف عند القصف الألماني على البلد'. وفي بلد آخر عربي ما هو منا ببعيد نفس المشكلة، يقولون: إن المراقص والمسارح تحت الأرض، فإذا تقاتلت المليشيات، ينزلون فيسكرون ويرقصون، فإذا أُعلنت هدنة مؤقتة عادوا إلى بيوتهم! لا تظن أن الإنسان إذا ابتعد عن الله يمكن أن يعظه أي واعظ أو أي زاجر، ولهذا لما ذكر الله الأمم التي أهلكها، وما تركت من آبار معطلة وقصور مشيدة قال بعد ذلك: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] فالقلوب إذا عميت ترى الآثار شاخصة ولكنها لا تعتبر ولا تتعظ، يمر بقصر مهجور، وببئر معطلة، ويمر بآثار العذاب -وقد يكون قريب منه ولكنه في غفلة، ولو عرضت عليه أسباب اللهو، لانتهزها فرصة، وترك العبرة والموعظة، وهذا لا يفعله حيوان، فالحيوان إذا رأى حيواناً يذبح فإنه يفر، ويخاف، وأما هؤلاء الناس فإنهم يرون الدمار والخراب، ويستمرون في معصية الله ويعرضون عن طاعة الله وذكره، ولهذا كان التهديد من الله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [الأعراف:٩٧] في أثناء هذا الليل الطويل من السكر والعربدة واللهو ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف:٩٨] اللعب العام، فحياتهم كلها لعب، أو اللعب الخاص حين يجتمع في الملعب خمسون ألفاً أو مائة ألف ليس فيهم من يصلي -نسأل الله العفو والعافية- فماذا يريدون؟ ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]. نعوذ بالله من الأمن من مكر الله، ونعوذ بالله من الخسارة والدمار، ونسأل الله تعالى أن يحفظنا، وأمتنا، وإخواننا المسلمين من أسباب عقوبته وانتقامه، وأن يردنا إليه رداً حميداً؛ إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.

стр. 632

وسائل الوقاية من الانهيار يقول الشيخ عبد الله المحمدي: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، أما بعد: إن علاج هذا الموضوع بسيط جداً، ويتلخص في اتباع كلام الله، وسنة رسوله ﷺ ، وأول علاج هو عدم الشرك بالله، ثم عدم الابتداع في دين الله، ثم عدم الاختلاف بين المسلمين، وهذه سوف أترك الكلام فيها على الشيخ سفر، لكن أطرق علاج المشكلة من جوانب اجتماعية حذَّر منها الله ورسوله والإسلام.

стр. 633

محاربة الزنا فأول هذه المشاكل الاجتماعية التي تؤدي إلى انهيار الأمم وإلى الخسف والمسخ هو الزنا، يقول النبي ﷺ فيما يرويه عنه ابن عباس: ﴿إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله﴾ رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه. وكذلك يقول النبي ﷺ فيما يرويه ابن عباس: ﴿ما ظهر الغلول في قوم قط إلا ألقي في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنا في قوم قط إلا كثر فيهم الموت﴾. وكذلك يقول النبي ﷺ فيما ترويه ميمونة ﵂: ﴿لا تزال أمتي بخير ما لم يفشُ فيهم ولد الزنا، فإذا فشا فيهم ولد الزنا، فيوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده﴾ رواه الإمام أحمد. ويقول ابن القيم ﵀: 'إن الزنا من أسباب الموت العام، والطواعين المتصلة، ولما اختلطت البغايا بعسكر موسى ﵇ وفشت فيهم الفاحشة، أرسل الله عليهم الطاعون، فمات في يوم واحد سبعون ألفاً' فعوامل انهيار الأمم تكمن في موتهم بطاعون أو بغير ذلك. وإن أعظم نتائج الزنا اليومك انتشار الأمراض الجنسية وغيرها، من الزهري والسيلان والهربز والإيدز، هذه التي بدأت تفتك بالمجتمع الغربي اليوم حتى بدأت جذورها تنتقل إلينا. إننا في معالجة هذا الموضوع لا بد أن نضع نصب أعيننا أن نمنع الفاحشة بين المؤمنين، فإن الفاحشة ما انتشرت في قوم إلا عمهم الله بعقاب أو عمهم بمرض أو طاعون، كما قال النبي ﷺ ، ويكمن ذلك في تطبيق حدود الله بجلد الزاني إن كان غير محصن، أو برجمه إن كان محصناً، فوجود هذا الأمر هو أكبر علاج في القضايا الاجتماعية.

стр. 634

محاربة الربا لأن الله قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] فأسباب الهلاك أن نعاند الله وأن نحاربه فكم من ربا في ديار المسلمين، وكم من المسلمين ممن يتعامل بالربا، حتى أصبحت البنوك الربوية تتفاخر، وأصبح أحدهم يُعلن عن قيامه منذ خمسين عاماً، ويعلن الآخر عن قيامه منذ ستين عاماً، ويعلن له في جميع الصحف والمجلات، وأصبح الكثير منا يؤمن بالربا ويتعامل به، ويحث عليه، نسأل الله السلامة والعافية!! أليس هذا مرضاً خطيراً وداءً عظيماً، إن من أسباب العلاج إن أردناه أن ننبذ ما سوى شرع الله كالربا والزنا وكل ما حرم الله .

стр. 635

القضاء على شرب الخمر الخمر أم الخبائث كما سماها النبي ﷺ ، وليس هناك مجال لأذكر لكم الآيات والأحاديث في تحريمها، ولكن أبين لكم الجانب الذي تهدم فيه الخمر الأمم والشعوب. أذكر لكم إحصائيات في دول أوروبا حيث انتشرت هناك الخمر، إحصائية تقول: إن (٦٦%) من جنايات الاعتداء على الأشخاص مرتكبوها هم من مدمني الخمر؛ لأن الذي يشرب الخمر يعتدي ويقتل، فهذا سبب من أسباب انهيار الأمم، وإحصائية أخرى تقول: نسبة المدمنين من مجرمي العنف (٨٢%) وفي جرائم القتل (٥٣%) ممن قتلوا بسبب الخمر، وكذلك في التشريد، والمتشردين، والمتسولين (٨٠%) من الخمر.

стр. 636

الحد من عمل المرأة فقد بدأت تظهر في المجتمع علامات هذا الداء، ألا وهو خروج المرأة، وتبرجها، وسفورها، وخروجها إلى العمل؛ بل الأعظم من ذلك أننا جميعاً نعلن ذلك في صحفنا وإعلامنا وندعو نساءنا إلى التبرج، والسفور، وأن يتكلمن أمام الملأ، وندعوهن إلى كشف الوجه، وإلى الفن والأدب، ونطرق لهن أبواباً لم تطرق من قبل، حتى دعا بعضهم النساء والفتيات إلى الرياضة، والأندية الرياضية. إنه -والله- كما يقول النبي ﷺ : ﴿ما تركت فتنة بعدي أضر على الرجال من النساء﴾ إذا خرجت المرأة كما حدث في المجتمع الغربي، وشاركت الرجل في عمله، وخرجت ماجنة متعطرة فاجرة فاسقة، تضرب بالمثل والدين والقيم عرض الحائط، فعند ذلك لن يتربى جيلنا تربية إسلامية، ولا شبابنا أيضاً، ولن يجد الشارع المسلم الذي يمنعه من الرذيلة، فينبغي علينا جميعاً أن نتقي الله في نسائنا، وبناتنا وأخواتنا، وفي كل قريبة لنا، وأن نمنعهن من أن ينجرفن أمام الدعايات الفتاكة، والحياة الفتانة باسم الحرية والفن والتقدم وعدم الرجعية، كل ذلك يدعو شبابنا وشاباتنا؛ لأن ينجرفوا أمام الملهيات والمغريات، فلنتق الله، ولنعلم أننا مسئولون عن ذلك، فإن هذه الأمة تقدم على أمر خطير بيد قوم لا يرعوون عن مخالفة أمر الله فيها، ولا ينصاعون لأمر رسوله ﷺ . وفي الأخير أذكر لكم بعض النقولات، يقول باتلر وموريل، -وهما طبيبان أوروبيان-: 'يذهب الوالدان للعمل خارج البيت، ويتركان الأولاد المراهقين ليعتنوا بأنفسهم مما أدى إلى ضعف الصلات العائلية' أي: أن ذلك يؤدي إلى تفكك الأسرة والمجتمع، وضياع الأمة، ويؤدي إلى ترك الزوجة لزوجها، واتخاذ خدين لها، وإلى أن تتعرف البنت على صديق وعشيق لها، وما إلى ذلك! أترك المجال لنقاط أخرى في علاج هذه القضية، وأسال الله الكريم أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والسداد.

стр. 637

التوبة والاستغفار يقول الشيخ/ سفر الحوالي: الحمد لله رب العالمين؛ فإن من رحمة الله على العالمين أنه جل شأنه يقبل من أناب وتاب مهما عصى وفَجَرَ، ومهما عمل من السيئات، فاللحظات والأيام والليالي التي تسبق نذر العذاب هي أغلى ما تملكه أي أمة من الأمم أو فرد من الأفراد، فأغلى ما في حياة الإنسان هي تلك اللحظات التي تسبق نذر العقوبة بأن يتوب إلى الله ويستغفره. إن الله من كرمه وجوده فتح باب التوبة، لأعدى أعدائه الذين حرقوا أولياءه وشقوا لهم الأخاديد وألقوهم في النار ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج:١٠] يفتح باب التوبة لمن يحرق أولياءه المؤمنين الموحدين أحياء في النار، فما بالكم بمن كان ذنبه دون ذلك كالزنا أو الربا أو ما أشبه ذلك من المعاصي؟

стр. 638

القيام بتحمل المسئولية الحل بأيدينا فلا يقل أحدنا: الحل عند فلان، والمسئولية على فلان، فإن من أعظم الأدواء ومن أكثر أسباب انتشار واستشراء أسباب الدمار والهلاك أن نلقي بالتبعة وبالمسئولية على جهة معينة أو شخص معين، حتى مسئولياتنا في البيت قد يلقيها الرجل على الزوجة والأولاد، لا فالنبي ﷺ يقول: ﴿كلكم راع وكلم مسئول عن رعيته﴾ فابدأ بنفسك تجد الحل، وانظر إلى تقصيرك في طاعة الله وزن نفسك بالميزان الصحيح، فستجد أن ما فيك من الذنوب جدير وحقيق بالعقوبة، وأنك إن تبت إلى الله فسوف تجده غفوراً رحيما، وكلنا ذلك الرجل، فعلينا أن نبدأ بأنفسنا، وأن ننظر إلى ذنوبنا، وإلى حال غيرنا من الناس نظرة النصح والإشفاق، لا أن نحملهم كل المسؤوليات ونترك أنفسنا، فالحل هو الاستغفار والتوبة. قال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨] لما آمنوا كشف الله تعالى عنهم العذاب، وقد كان وشيك الوقوع. فنحن والله اليوم يوشك أن يعمنا الله بعذاب، فهذه الأرض، قد امتلأت بالخطايا والفجور والفحشاء بما لم يعهد في التاريخ المكتوب أبداً، فالحل أن نستغفر الله وأن نتوب إلى الله: أولاً: من الذنوب الكبار، من الشرك بالله تعالى، فهو أعظم ذنب عُصِيَ الله به، ونخلص في عبادتنا ودعائنا وخوفنا ورجائنا، وإنابتنا وتوكلنا لله رب العالمين، لا شريك له، ثم نتوب من الابتداع في دين الله والقول على الله تعالى بغير علم، والزيادة والنقصان في شريعة محمد ﷺ ، ثم نتوب من المعاصي التي زجرنا عنها الله ورسوله ﷺ ، ثم نتوب إلى ربنا توبة صادقة، ونتبع السيئة الحسنة، سنجد أن الخير والنعمة والرخاء يعود إلينا، ويعمنا الله بالنعيم بعد العذاب. عندما نقول: الفرد، والمسئولية الفردية، ونؤكد عليه، فإن السبب في ذلك أننا دائماً ننظر إلى أخطاء الآخرين ولا ننظر إلى أخطائنا، فكلٌ منا اليوم أصبح يشكو الوضع الاقتصادي، حتى أصبحت ظاهرة عامة في المجالس، فلماذا بدلت بعد ذلك بالترف والبطر؟ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣] لقد غيرنا، لاحظوا لماذا هذا النقص الاقتصادي الذي حصل؟ لقد قرأت إحصائية لوزارة المالية ووجدت فيها أن المملكة تستهلك من الدخان ما قيمته ألف ومائتي مليون ريالاً سنوياً!! لقد أحللنا بأنفسنا العقوبة، انظروا إلى الأفلام أو أشرطة الغناء، كم يصرف كل إنسان على هذه المعاصي؟ قبل سنوات ما كان هذا الباب يستهلك، والآن كم يشتري كل واحد بالإضافة إلى إيجار المحلات، ومزاحمتها في الأسواق ومنافسة الناس على ذلك صار سبباً من أسباب الغلاء، فهو بسيط لكن له أثر كبير أيضاً. المشاغل الرجالية التي يذهب إليها النساء أفواجاً وراء أفواج، كم ينفق فيها من الأموال، محلات الأزياء والعطورات، ومحلات التجميل ومشاغل الخياطة، كلها حول شيء واحد، فالمرأة المسلمة لا تتزين ولا تتجمل إلا في البيت لزوجها، فلما عصينا الله ، وأصبحت المرأة تتزين إذا أرادت الخروج، فكم من الملايين سوف نخسر نتيجة هذه المعصية التي لا يرى كثير من الناس كما أنها معصية، بل معصية خطيرة، ويترتب عليها أضعافاً مضاعفة من الخسارة في الدنيا والآخرة، وهؤلاء الخادمات كم يستهلكن من مال سنوياً؟ وأولئك السائقون كم ندفع لهم سنوياً من الملايين. ثم نقول: نحن في أزمة! لا والله. نحن اختلقنا هذه الأزمة، وأوجدناها وأحللنا عقوبة الله بأنفسنا وبأيدينا؛ لأننا لم نتب إلى الله ولم نستغفر الله، وارتكبنا ما حرم الله، لو ألغينا كل هذه الأشياء من حياتنا: لو ألغينا الدخان، ومشاغل الخياطة الرجالية، ومحلات بيع الأغاني، ومحلات الفيديو، والتعامل بالربا والفوائد الربوية، والخادمات الأجنبيات، والسائقين الأجانب وبالذات الكفرة، واقتصدنا في استيراد العمال الكفار من بلادهم، بالله كم من الملايين سنوفر؟ ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران:١٦٥] يريد أصحاب رسول الله ﷺ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] فنحن أولى بهذه الآية، فعلى الإنسان منا أن يكون حسيب نفسه قبل أن يحاسب، وما أكثر ما نحتاج أن نحاسب أنفسنا في هذا. نسأل الله أن يغفر لنا ولكم أجمعين، إنه سميع مجيب.

стр. 639

استقبال شهر رمضان إن من سنة الله الجارية في خلقه أنه فاضل بين عباده وبين مخلوقاته، وهذا التفاضل لا يكون إلا لحكمة ربانية، وإن من الأزمنة المفضلة عند الله شهر رمضان، فهو شهر الصبر والتقوى والجهاد والكرم، وكان الصحابة يتخذونه متجراً للحسنات وفرصة لرفع الدرجات، ويقبلون فيه على قراءة القرآن والصدقة، والناس في هذا الشهر يتباينون فمنهم من يستغل أوقاته في التزود من الطاعات والقربات، ومنهم من يتردد في الشهوات والمحرمات. ولعلنا ندرك أن الحكمة من فرض الصوم هو السمو بالنفس وتطهير القلب وتزكيته، فيجب على المسلم استغلال هذا الموسم في تغيير مسار حياته باتخاذ الوسائل المؤدية إلى ذلك كمحاسبة النفس والصبر، والسعي إلى إصلاح الذات، وتغيير مظاهر الفساد المتفشية في المجتمع المسلم في جميع مناحي الحياة.

стр. 640

المفاضلة بين المخلوقات إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: إن الله ﵎ خالق كل شيء، خلق الإنسان، وخلق الملائكة، وخلق الليل والنهار، وهو كما قال : ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨]. فاختار الله ﵎ من فضَّله على غيره من مخلوقاته. فاختار محمداً ﷺ وفضَّله على سائر البشر، وفضَّل بعض النبيين على بعض. واختار هذا البلد الحرام مكة وفضلها على جميع الأرض. واختار جبريل ﵇ وفضَّله على الملائكة. واختار أصحاب محمد ﷺ وفضلهم على جميع الأمة. واختار من الأزمان كما اختار من الأمكنة، فاختار هذا الشهر العظيم -شهر رمضان- وفضله على سائر الأيام والشهور. واختار -أيضاً- من هذا الشهر العشر الأواخر. واختار من العشر ليلة القدر، فليس في ليالي السنة ليلةٌ هي أفضل من ليلة القدر، وليس هناك من ليالٍ هي أفضل من الليالي العشر. وأما الأيام؛ فإن أفضل أيام العام أيام العشر الأول من شهر ذي الحجة، فتلك أفضل الليالي وهذه أفضل الأيام، كما رجح ذلك بعض العلماء، ومنهم شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ جمعاً بين الأقوال في التفضيل. وذلك أن لهذه الليالي من ليالي رمضان فضل عظيم اختصت به من حيث العبادات، كما أن أيام الحج امتازت عن سائر الأيام بكثير من العبادات ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨]. والله ﵎ جعل الليل والنهار يتعاقبان كما قال: ﴿خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦٢] فالإنسان يتبلد إحساسه ويغفل، إذا كان على حالة واحدة، فإذا تغيرت الحالة بحالة أخرى، كان ذلك أدعى إلى أن يفكر ويستيقظ وينتبه!! وجعل الله ﵎ فصلاً للحر، وفصلاً للبرد، وبين ذلك فصلان؛ لكي يتذكر الإنسان. قال تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان:٦٢] فهذه ذكرى حاضرة، ثم قال: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦٢] أي: أن يشكر الله ﵎، والشكر يشمل جميع العبادات والطاعات. والإنسان لو تأمل في أمر واحد من هذه الأمور لكفى، فلو أن الخلق تأملوا في طلوع الشمس وفي غروبها، وفي إدبار الليل وإقبال النهار، لكفاهم ذلك، ولكانت ذكرى وأيما ذكرى. لكن القلوب إذا تعودت شيئاً غفلت عنه ونسيته، فقليل من الناس من يُفكر ويعتبر بمرور الليل والنهار؛ لماذا؟! لأنه أمر متكرر، ولكن أولياء الله وعباد الرحمن، ومن كان قلبه معلقاً بالدار الآخرة لا تزيدهم إلا عبرة وعظة، فتتجدد لهم العبر والعظات بتجدد الليالي والأيام. فما هذه الأيام والليالي إلا رواحل، تنقلنا من دار إلى دار، وتقربنا من دار هي الدار الآخرة، وتباعدنا عن هذه الدار الدنيا، لكن من الذي يستشعر ذلك؟! وكما قال بعض السلف: الأيام والليالي خزائن، فضع في خزينتك ما شئت، فسوف تلقاه. فإن وضعت ذهباً وفضة، وجدت النهاية هناك ذهباً وفضة، وإن وضعت تراباً أو فحماً أو حصىً، وكذلك فإن الخزائن هناك إذا فتحت تجد فيها ما وضعت، فهذه الليالي والأيام هي بهذه المثابة.

стр. 641

مكانة شهر رمضان وإن الله ﵎ قد فضَّل هذا الشهر على سائر الشهور، وكان أصحاب النبي ﷺ -وهم أكثر الأمة اجتهاداً وعبادةً واعتباراً واتعاظاً- يقدرون لهذا الشهر قدره؛ تأسياً واقتداءً بالرسول ﷺ . فهذا الشهر هو شهر الصبر وشهر التقوى وشهر الكرم والجود، وإن ديننا هذا يقوم على أمرين: على الصبر وعلى الشكر، وأساس ذلك اليقين، لهذا قال عبد الله بن مسعود ﵁: [[الصبر شطر الإيمان، واليقين الإيمان كله]].

стр. 642

رمضان شهر الصبر والجهاد نعم! إنه شهر الصبر؛ لأنه يصبر الإنسان على الطاعة، ويصبر عن المعاصي، فإنه قد يفتن في نفسه وفي شهوته وفي جوارحه؛ فيكف ما كان يستمتع به، كما أمر الله ﵎ وكما شرع، إلى أن يأذن الله بأن يستمتع ويأكل. وهو -أيضاً- شهر الجهاد: والجهاد من الصبر، ورسول الله ﷺ غزا في هذا الشهر غزوتين، هما أعظم الغزوات جميعاً: الأولى غزوة بدر؛ فإن الرسول ﷺ قد خرج من المدينة في الثاني عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، وهو أول رمضان صامه ﷺ ، وفي اليوم (١٧) منه كان يوم الفرقان، وكانت معركة بدر الكبرى التي خلدها الله ﵎ في القرآن، ورفع أصحابها على سائر الأمة. وأما الغزوة الأخرى: فهي فتح مكة المشرفة، هذا البلد الحرام الأمين فتحها النبي ﷺ وأصحابه وكانوا في شدة الحر، لهذا أمرهم النبي ﷺ بالإفطار شفقة عليهم.

стр. 643

رمضان شهر التقوى وهو كذلك شهر التقوى؛ فالله ﵎ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]. فالتقوى هي غاية كل عبادة، كما في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ قال: ﴿إن الله ﵎ لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم﴾. فالعبرة في العبادات كلها بالتقوى، وليس مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، أو بمجرد الانحناء في الركوع والسجود، أو بمجرد أن يذبح الإنسان أو يحجَّ أو يتصدق كما في قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، فالأساس هو التقوى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]. ومن هنا كان اهتمام السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم باستقبال هذا الشهر، وبمعرفة ما يصلح قلوبهم فيه أعظم الاهتمام. ولو أننا قارنا بين حالنا وحالهم لرأينا العجب العجاب والبون الكبير!! اعلموا أن كل إنسان منا هو في الحقيقة تاجر، وبضاعتك هي عملك الذي تقدمه كل يوم، وسوف تعرف الربح والخسارة إذا نُصبت الموازين يوم القيامة، فهنالك يظهر الرابحون الفائزون، ويظهر الخائبون الخاسرون. وبما أن كل إنسان منا تاجر؛ إذاً فكيف نتاجر مع الله؟! أقول: إن الله ﵎ قد جعل لنا -نحن التجار- مواسم للتجارة، وكل أيام العام فيها تجارة؛ لكن هناك مواسم زمانية -كشهر رمضان- تضاعف فيها الأرباح، وتكون التجارة فيها أعظم منها فيما سواها. وكذلك جعل مواسم مكانية لهذه التجارة، فهناك أمكنة للتجارة أرباحها مضاعفة أضعافاً كثيرة عن غيرها من الأمكنة؛ فالبلد الحرام الطاعة فيه مضاعفة. فمثلاً: الصلاة في المسجد الحرام ليست كالصلاة فيما سواه لشرف المكان. وأيضاً: فإن شرف الزمان -كما هو الحال- في شهر رمضان له أثره في أن تكون الطاعة أكثر أجراً وأكثر قبولاً، فجعل الله تعالى هذا الشهر موسماً لذلك؛ ولهذا لما علم الجيل الأول بذلك، ظهر هذا في أعمالهم وفي حياتهم، فقد ورد أن الصحابة الكرام كانوا يدعون الله ﵎ ستة أشهر أن يبلغهم رمضان؛ فإذا صاموه دعوا الله ﵎ ستة أشهر أن يتقبل منهم رمضان. فالحول كله تفكير في رمضان واهتمام بشأنه، إما استقبالاً له، وإما رجاءً أن يُتَقَبَّلْ؛ لأنه أشرف ما في العام، فكان الصحابة الكرام يتاجرون طوال العام بالذكر، وبالجهاد، وبقراءة القرآن، وبالصدقة، وبالتفكر في ملكوت السموات والأرض؛ لكن! إذا جاء هذا الشهر؛ ضاعفوا ذلك وغيَّروا طريقة حياتهم، واستقبلوه استقبال البصير العالم بقيمته وأهميته.

стр. 644

الاستغلال الأمثل لرمضان كان العلماء من السلف وهم الذين أناروا للأمة طريقها بسنة رسول الله ﷺ وببيان الأحكام، وهم الذين قاموا مقام الأنبياء، وورثوا ميراث النبوة، ﴿وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم﴾. فهؤلاء العلماء كانوا إذا جاء شهر رمضان، يتركون العلم، ويتفرغون لقراءة القرآن، حتى قال بعضهم: [[إنما هما شيئان: القرآن والصدقة]]. وكان الإمام الزهري رحمه الله تعالى كذلك. وكذلك كان الإمام مالك، وهو ممن تعلمون منزلته وقيمته واهتمامه بحديث رسول الله ﷺ وتعظيمه له، حتى إنه كان لا يحدثهم إلا وهو على وضوء ويبكي ويتخشع، وكان يقدِّر ويُجل حديث رسول الله ﷺ ؛ ومع ذلك كان إذا دخل رمضان، لم يشتغل بالحديث بل يترك الحديث ويقبل على القرآن. وكذلك كان سفيان الثوري ﵁، وغيرهم من السلف كثير، ممن كانوا ينظرون إلى أن هذا هو موسم الخير تترك فيه الأعمال الفاضلة إلى ما هو أفضل منها، فهذا حالهم وهذا شأنهم.

стр. 645

الناس في رمضان لكن كيف يستقبل المسلمون اليوم شهر رمضان؟! لنكن صرحاء ولنبدأ بأنفسنا، وكيف نستقبل شهر رمضان؟! إن الأمة الإسلامية بأفرادها من: (تجار - موظفين - عمال - أصحاب شهوات - أخيار) يستقبلون هذا الشهر فكيف يستقبل التجار هذا الشهر؟!

стр. 646

التجار في رمضان ونقصد بذلك: التجار الذين يتاجرون بالدرهم والدينار، لا بالأعمال؛ كيف يستقبلون شهر رمضان؟! هل يقولون: قد جاء شهر الخير والبركة، فلنتصدق ولنؤد الزكاة، ولنحذر من الحرام، ومن الغش، ومن الربا؛ لأننا في شهر عظيم، وإذا صمنا دعونا الله ﵎، ونحن نأكل الحرام من أي مصدر كان! فيكون حالنا كحال ذلك الرجل الذي ذكره النبي ﷺ : ﴿أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنى يستجاب له؟!﴾. وأعجب من ذلك أن بعض التجار ينتهزها فرصة؛ لزحمة الناس ولكثرتهم ولإقبالهم على المطعوم والمشروب وسائر الكماليات؛ فينتهزها فرصة للغش في شهر رمضان، وقد يأتي الغش بألوان متعددة. فمن الغش: التخفيضات الكاذبة. ومن الغش أيضاً: إخراج البضاعة التي تقادم عهدها وانقضى أوانها، فيقول: هذا رمضان والناس تشتري ولا ترى!! اخرجوا كل ما في المستودعات وبيعوا منها!! فيكون موسماً للغش، وموسماً للتجارة الخاسرة في الدنيا والآخرة.

стр. 647

أصحاب الشهوات والعصاة في رمضان وأما الشهوات فماذا نقول عنها؟ فما من شهر تتوالى النذر فيه عن قلة الطعام والشراب أو احتمالها كشهر رمضان؛ ولهذا يسعى الناس بطمع وشره ليكون المخزون كافياً في شهر الصوم! وكل منا يشفق ألا يجد في رمضان ما يكفيه من بعض المؤن. ولهذا نستعد من أول شعبان أو في آخره، لنجمع أكبر ما نستطيع أن نتزود به لرمضان، حتى إن البيت الواحد قد يشتري ما يكفي لثلاثة بيوت؛ لماذا؟! لأنه شهر تعارفنا أنه ربما نقصت فيه المؤن، مع أن المخزون كافٍ والأمر متيسر، وكل البضائع من ضروريات وكماليات متوافرة في شهر رمضان، وكأننا مقبلون على شهر مأمورون فيه أن نعبَّ من الشهوات عباً، وأن نملأ البطون كل ساعة وكل حين. وليس هو شهر الصيام الذي كان يستقبله الصحابة الكرام بالفرح، حتى إن الفقراء وأصحاب الحاجة كانوا يُسَرُّون في رمضان؛ لأنهم يجدون أنهم هم والأغنياء سواء. أما الآن فالفقير يزداد حسرة على حسرة؛ لأنه ينفق في غير شهر رمضان (١٠٠٠) ريال، فيضطر أن يستدين في رمضان، ويقول للتجار: (أقرضوني! جاء رمضان وليس عندي شيء) لأنه سينفق بدلاً من الألف ألفين أو ثلاثة، وإلا ذهب هو والعيال في حسرة مما يرى الناس يتفننون فيه بأنواع الأطعمة، وهو على التمر والخبز كأنه في الفطر! فهذا واقعنا. وأشنع من ذلك وأشد أصحاب الشهوات المحرمة!! فرمضان عند أصحاب الشهوات المحرمة فرصة وموسم كبير، يستعدون له قبل رمضان بأشهر؛ فأصحاب السهرات يفكرون أين تكون الجلسات والسهرات في رمضان؟! وأصحاب الإجازات يقولون: نأخذ الإجازة في رمضان ونغادر إلى خارج البلاد؛ لنلعب بالشهوات كما نشاء. وأما وسائل الإعلام -ولأننا نريد الشهوات، ولأن فيها من يريد أن نتبع الشهوات- فيُستقبل هذا الشهر عندهم بأخبث المسلسلات والتمثيليات وأطول السهرات، وكذلك في الصحافة فأينما ذهبت تجد الكل -إلا ما رحم ربك- لا يشتد إلا إلى الشهوة الحرام وإن لم يكن إلى ذلك؛ فهو إلى الشبع وإلى النوم والكسل!! فيتعاون علينا شياطين الجن وشياطين الإنس ليضيعوا منا هذا الموسم العظيم، إلا ما رحم ربك وقليل ما هم.

стр. 648

الاستعداد لرمضان متى نستقبل هذا الشهر العظيم كما استقبله أولئك الجيل الذين اصطفاهم الله ﵎ على جميع الأمم؟! لا بد أن نسأل أنفسنا هذا السؤال وأن نعد الإجابة؛ فإن كنا حقاً نريد أن نغتنم أوقات الخير وفرصه ومواسمه، وأن نتاجر مع الله تجارة رابحة فلنعمل كما عملوا والطريق أمامنا ميسر، ولله الحمد.

стр. 649

الاستعداد بالإيمان فلنستعد لشهر رمضان بإيمان صادق بالله ، وقد تقولون: نستعد بالإيمان! أولسنا مؤمنين؟! نحن مؤمنون -إن شاء الله- ولكن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء:١٣٦] فنؤمن بالله، أي: نجدد هذا الإيمان في قلوبنا، ونجدد توحيدنا، وننقي قلوبنا من الشوائب كالرياء والنفاق. فأول ما نفتش عنه ليس البطن وماذا نعد له؛ وإنما القلب وماذا نعد له؛ وكيف يكون هذا القلب في هذا الشهر العظيم.

стр. 650

الاستعداد للصوم الحقيقي بترك المحرمات والمنكرات فالصيام الذي هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، كل المسلمين يشتركون فيه، لكن الصيام الحقيقي الذي يجب أن نعد أنفسنا له، ونوطن قلوبنا عليه: هو أن نطهر قلوبنا وأن نزكيها وأن تكون هذه القلوب بعيدة عما حرم الله ﵎؛ فإذا كان الشرك والرياء والنفاق وما أشبهها كبائر ومصائب في الفطر، في شعبان أو رجب؛ فهي في رمضان أعظم، وأعظم! فلنستقبل هذا الموسم بقلوب خالية من ذلك، وإذا كان الغش والغل والحقد والحسد للمسلمين والشحناء والبغضاء والعداوات بين الإخوان والأرحام والزملاء والجيران حراماً في سائر العام وهي كذلك؛ فهي في رمضان أشد حرمة. فيجب أن ننتهز هذه الفرصة لنترك هذه المحرمات التي تشغل قلوبنا وتأكل حسناتنا؛ فإذا كان النظر إلى المرأة الأجنبية محرماً في سائر العام، فكيف يستحله الصائم في الليل أو في النهار؟ وإذا كان قبيحاً أن تجعل موسم الطاعة كغيره في الطاعة، فكيف إذا جعلنا موسم الطاعة موسماً للمعصية؟! إن ذلك لأقبح القبح!! فإذا لم يصم القلب عن الشهوات المحرمة، ولم تصم الأذن عن سماع الحرام، وأكثر المسلمين لا تصوم آذانهم لا في رمضان ولا في غيره، وكيف تصوم الأذن ومزمار الشيطان: (المعازف والموسيقى) لا يكاد يخلو منها بيت، ولا سيارة؟! وهل صامت عيوننا؟! وكيف تصوم، والإنسان لا يكاد يفطر إلا ويمتد بصره إلى تلك المناظر المحرمة؟! بل ولربما امتدت السهرات إلى وقت السحر أو طلوع الفجر!! ثم بعد ذلك يكون الموت ويكون الخذلان!! كيف يكون حال أسواقنا في هذا الشهر العظيم؟ إنما تعمر بما لا تعمر به في سائر الأيام، ويا ليت أنها تعمر -فقط- بالبيع والشراء! ولكن بالمعاصي والتبرج والسفور والاختلاط المحرم، وبالغش والنجش وبما لا يرضاه الله ﵎، حتى إن الإنسان إذا رأى هذه المناظر، لا يصدق أنه في رمضان وأنه في أمة الإسلام!! ولو كنا نستقبل هذا الشهر استقبال المؤمنين الأوابين، لكان أول ما يخف ويقل حتى يكاد يتلاشى هو الأسواق، فاللائق أن يقل إقبال الناس حتى على شراء المباحات، لماذا؟ لانصرافهم إلى اغتنام هذه الأوقات للعبادة، ولكن ليالي رمضان تشهد من الحركة ما لا يشهده سائر العام!!

стр. 651

من آثار الاستخفاف برمضان أولاً: لا نجد الصبر ولا نجد التقوى كما ينبغي لنا وكما أمرنا الله ﵎، وإن شئتم أن تروا دليلاً واضحاً أن هذه الأمة لا تقدر رمضان حق قدره، وأنه يجب علينا أن نأخذ بأنفسنا وبإخواننا المسلمين إلى طريق الخير ونذكرهم بذلك، فانظروا إلى حالنا قبل رمضان وإلى حالنا بعد رمضان، وإن شئتم أن أحدد، فانظروا إلى حال هذه الأمة أيام العيد؛ فإن علامة قبول الطاعة الاستمرار فيها، وعلامة ردها أن تعقب بمعصية. ثانياً: لو كنا نستعد لرمضان ونستقبله استقبال المؤمنين الأوابين، لظهر أثر ذلك فينا في رمضان؛ ولو كنا نصوم رمضان كما يجب أن يكون؛ لظهر أثر ذلك فينا فيما بعد رمضان، ولكن لا هذا ولا ذاك، فيأتي العيد فكأنما كان رمضان عقالاً ففك، فلننطلق ولنفعل ما نشاء!! والذين كانوا في ليالي رمضان يفرحون ويمرحون في الأسواق، ويتركون زوجاتهم وبناتهم يتبرجن فيها ويغفلون، يزدادون أيام العيد، وأعجب من ذلك أن الذين كانوا يقرءُون القرآن ويصلون التراويح، تجدهم في أيام العيد مشاركين لأولئك، وكأنهم منهم، وحالهم كحالهم. والغريب من الناس: من تراه في أيام العيد محافظاً على ما أمر الله، ومتمسكاً بالمقدار نفسه من التقوى، أو بقريب منه كما كان حاله في رمضان، فأين أثر القرآن؟! وأين أثر التراويح والقيام؟! وأين أثر الصيام؟! إنه أثر قليل، وربما كان معدوماً. إذاً يجب أن نعلم أننا ما دمنا كذلك؛ فإن واقعنا هذا لن يتغير أبداًَ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، فالمسلمون اليوم أذل أمم الدنيا جميعاً؛ وفي الفقر هم أفقر شعوب العالم، ولهم حظ وافر من المرض والجهل ومن كل مصيبة؛ مع أن القرآن والسنة بين أيديهم، ومواسم الخير تمر عليهم وتأتيهم، لماذا؟! لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم؛ فلو صاموا حق الصيام لتغيرت حياتهم لو حجوا حق الحج لتغيرت حياتهم، ولتبدل هذا الذل عزاً ونصراً؛ ولأَعقَبَ هذا الخذلان توفيقاً وسداداً؛ ولانتقلنا من هذا الهوان والجوع والفقر والمرض، إلى العزة والعافية والقوة والتمكين؛ كما كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، فالصوم الذي هو الإمساك عن الطعام والشراب هو هو، لم يتغير في الجيل الأول ولا في هذا الجيل، لكن أين القلوب من القلوب؟! وأين الأعمال من الأعمال؟! وأين الصيام من الصيام؟!!

стр. 652

الصوم الحقيقي وآثاره لم لا نفتش هذه القلوب؟! فنحن ما نزال في فسحة، ولم يدخل الشهر بعد، وأمامنا الفرصة. ولم لا نفتش أموالنا: أهي من حلالٍ أم من حرام؟! ونفتش أسماعنا: أتسمع الحلال أم الحرام؟! ونفتش أبصارنا: أترى الحلال أم الحرام؟! ونفتش أيدينا وأرجلنا؛ نفتش علاقاتنا: كيف علاقتنا مع أهلينا وزوجاتنا؟! كيف علاقتنا مع آبائنا وأمهاتنا؟! كيف علاقتنا مع جيراننا، ومع أرحامنا، ومع من ولانا الله عليهم من موظف أو عامل أو طالب منهم تحت أيدينا؟ هل هي كما يرضي الله ؟! أين التقوى والصبر إن كنا - كما هو حال كثير من المسلمين- إذا جاء نهار رمضان امتنع عن التدخين، فإذا أذن المؤذن ربما بدأ بعضهم بالتدخين قبل التمر أو الماء!

стр. 653

الصبر وحلاوة الإيمان أين الصبر وأنت تضيع موسم الصبر؟ فلو صبرت عن هذه المعصية الحقيرة؛ لكان لك في هذا الموسم عبرة وعظة، ولانتصرت على أمور أكبر!! أين الذي يقول: كنت أرى هذه التمثيليات أو المسلسلات وأرى فيها النساء في غير رمضان؛ أما الآن وقد أطل رمضان فلن أرى في رمضان وفيما بعده شيئاً من ذلك أبداً؟ نعم! هذه عزيمة تحتاج إلى صبر، وليست مما يفوت على الإنسان شيئاً، وما الذي يفوتك إن فعلت ذلك؟! فماذا علينا لو آمنا بالله؟! وماذا علينا لو كففنا أعيننا وجوارحنا عما حرم الله؟! بل إن هذا من الفوز بالدنيا والآخرة ﴿النظرة سهم من سهام إبليس من تركها خوفاً من الله آتاه الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه﴾ كما جاء في الحديث. فإذا غض الإنسان بصره عن الحرام إيماناً ويقيناً بأن هذا حرام، وامتثالاً لأمر الله القائل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] ﴿آتاه الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه﴾ وليس في هذه الدنيا قط حلاوة أعظم من حلاوة الإيمان؛ فهي التي إذا ذاقها الإنسان وطعمها ينسى حلاوة كل شيء، فقد ذاق الصحابة الكرام حلاوة الإيمان؛ فرأينا منهم العجب العجاب! أراد صهيب أن يهاجر وجاء أهل مكة ليمنعوه، فتحرك قلبه بالإيمان وتعلق بـ المدينة، وتعلق برسول الله ﷺ فشرى نفسه منهم بماله كله في مكة، ولسان حاله يقول: خذوا كل ما أملك ودعوني بهذا الجسد الذي لا شيء عليه؛ لأذهب إلى رسول الله ﷺ . وكذلك سلمان ﵁ الذي أخذ يسأل الأحبار والرهبان، يريد أن يعرف من هو نبي آخر الزمان، حتى رأى رسول الله ﷺ فآمن به وصدقه، فكل لذات الدنيا ونعيمها لا يساوي أن تذوق طعم ولذة الإيمان! والصحابي الذي كان يقرأ القرآن فذاق من طعم القرآن ومن حلاوة الإيمان ما شغله عن السهام وهي تخترق جسمه سهماً بعد سهم، وهو واقف منتصب لم يكفَّ عن قراءة القرآن؛ وكل إنسان يمكنه أن يجد من مطعومات الدنيا ومشروباتها ما يشاء، لكن طعم الإيمان فضل يختص الله به من يشاء.

стр. 654

التغيير ومحاربة الفساد لا بد أن نكف أعيننا عن مشاهدة هذه المناظر الخبيثة السافلة الهابطة، التي لو أن هناك أمة من الأمم الجادة العاقلة حتى من لا دين لها؛ فلن ترضى أن ينغمس شبابها فيها؛ فكيف بأمة القرآن وأمة الإيمان وأتباع محمد ﷺ ؟! الأمة التي قال الله عنها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠]. فواجب هذه الأمة أن تحارب الفساد والانحلال في أمريكا، وفي روسيا، في الشرق وفي الغرب؛ فكيف تعرضها وترضى بها وتراها وتسمعها؟! حتى إن الشاب الغريب الْمُسْتَنْكِر الذي لا يراها!! يُلمز ويقال عنه: (عجيب! ماذا لديه؟) (هذا عجيب! لقد تاب) ويستنكر منه -أيضاً- حتى في أوقات الخير وفي مواطنها!! فنحن إذاً لسنا أهلاً لأن نتاجر مع الله -في مواسم الخير هذه- ونحن على هذه الحال!

стр. 655

مدرسة رمضان هذه أيام تمضي شاهدة لنا أو علينا، والحجة قائمة، وإن كانت في أي مكان قائمة؛ فهي في هذه البلاد أكثر قياماً، ونحن إن شئنا الحق فهو موجود. والمسلمون في بعض البلاد يريدون أن يقوموا بما يفرض عليهم، فيفرض عليهم ألَّا يفعلوا، فيريدون -مثلاً- أن يقرءوا القرآن، أو فعل أي عمل آخر ويفرض عليهم ألَّا يعملوا. وأيضاً: كيف يقومون بذلك وهم لا يجدون العلم الصحيح ولا يجدون الدعوة الصحيحة؟ وأما نحن فمن فضل الله علينا أن العلم -عندنا- والوقت والمال والأمن كله موجود، وكل ما يوفر لنا العبادة متيسر وموجود، وحلقات الذكر موجودة، وتعليم القرآن متيسر، وإن كان في بعضها شيئاً من المشقة. وكما أننا في مواسم الدنيا قد نسهر ولا ننام فلنكن كذلك في مواسم الخير؛ فالحجة قائمة، والعلم بين أيدينا ظاهر، فما من حرام حرمه الله ورسوله ونرتكبه إلا ونحن نعلم أنه حرام، لهذا نخشى العقوبة؛ لأنه لا حجة لنا عند الله ولا عذر لنا بين يدي الله، فإننا نسمع العلماء في الإذاعة وفي الأشرطة المسجلة، وإن شئنا اتصلنا بهم بالهاتف ليفتونا ويعطونا الأدلة. فأين نحن من العمل؟! إذاً فهذا محك واختبار، فلنختبر أنفسنا -قبل أن يأتي هذا الشهر- ولنعدها، فالفرق بين المؤمنين والمنافقين: أن المؤمنين يعدون العدة وقد لا يبلغون ما يريدون، أما المنافقون فإنهم لا يعدون العدة؛ ولهذا قال الله تعالى عنهم: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة:٤٦] فالمنافقون لو كانوا -حقاً- يريدون الخروج، لأعدوا له العدة؛ ولذلك فإن نفاقهم يظهر في عدم إعدادهم للعدة. ونحن إذا أعددنا العدة بأن نطيع الله في هذا الشهر، وأن نتقي الله فيه، وأن نبعد أنفسنا عن كل ما حرم الله، ونجعله فرصة لنطيع الله طوال العام وإلى أن نلقى الله؛ فإذا عزمنا على ذلك؛ وفقنا الله ؛ وكان هذا من صدق الإيمان ومن صدق الاستقبال لهذا الشهر الكريم؛ وإذا أخلفنا ولم نُعِدَّ العدة؛ فمهما منَّينا أنفسنا؛ فإننا لن نحقق إلا الخسارة، ولا خسارة أكبر من أن يخسر الإنسان نفسه ووقته ويجوع ويعطش، وغاية ما فيه أنه أجزأه هذا الصوم. مع أن بعض الناس قد لا يجزئه صومه إذا ارتكب ما يفسد إيمانه، كالشرك بالله، وكالنفاق الكلي؛ فهذا يفسد الإيمان كله ويحبطه كله، لكنَّ ما يُنغص الصيام من المعاصي والشهوات، وتعلق القلب بالمحرمات، إن لم يحبط الأجر كله؛ فإن أعلى ما يحصل عليه صاحبها؛ أن يسقط عنه فريضة الصوم، فإذا نظرت بعد ذلك إلى الذي عمل واجتهد، فادَّخر عند الله أعظم الذخر، فأعتق من النار، ورُفِعَتْ درجته عند الله؛ علمت أنك في خسارة وغبن وتفريط! وهي أيامٌ وليالٍ مرت بك وبه، ولكن شتان بين حالك وحاله!! وأكرر النصح والوصية لي ولكم؛ بأن نتقي الله تعالى في رمضان وفي غير رمضان، وأن نعد العدة في استقبال هذا الشهر العظيم بإيمان صادق، وإخلاص لله ، وعمل صالح، وتجارة رابحة مع الله ﵎، وأن نكف أنفسنا عمَّا حرم الله، وأن نأمر بالمعروف، وأن ننهى عن المنكر، وأن نكون رسل خير وهداية مذكرين واعظين لإخواننا المسلمين بما قد لا يعرفونه عن حرمة هذا الشهر وعن فضله وخيره. نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم وأن يتوب علينا وعليكم.

стр. 656

الأسئلة

стр. 657

الصوم كفارة للذنوب السؤال فضيلة الشيخ: يستدل بعض الناس بحديث أبي هريرة الصحيح ﴿الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر﴾ على أن صغائر الذنوب تمحى بدون توبة منها؟ فما مدى صحة هذا الرأي؟ وما قولكم لمن يرتكب الصغائر ولا يتوب منها ويحتج بهذا القول؟ وما التوفيق بينه وبين حديث ﴿إياكم ومحقرات الذنوب﴾ نرجو التوضيح والله يحفظكم؟ الجواب الحديث صحيح وهو من البشائر للمؤمنين، لكن كيف نفهمه حق الفهم؟! فكل بني آدم خطَّاء، والصغائر لا يكاد يسلم منها أحد، لهذا جعل الله ﵎ الصلاة إلى الصلاة، ورمضان إلى رمضان، والجمعة إلى الجمعة مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر، أي: إذا لم تؤت الكبائر. فالصالحون المؤمنون لا يزنون، ولا يسرقون، ولا يكذبون، ولا يرابون، ولا يسمعون الغناء؛ لأنها محرمات ظاهرة وكبائر واضحة، لكن قليلاً منهم من يسلم من نظرة ومن سيئة من الصغائر التي قد لا يلقي لها بالاً من غمزة أو همزة، أو كلمة أو حركة، لا يلقي لها بالاً. فإذا اجتهد الإنسان، وأدَّى الصلاة بقنوت وخشوع، وحضر إلى الجمعة، وصلاها كما ينبغي، وصام على الوجه الصحيح وكما ينبغي له أن يصوم؛ صيام المتقين والصابرين، فإن ذلك يكفر عنه هذه الذنوب، وهذا من فضل الله . أما أن يفعل معصية ويقول: صغيرة وقد تكون كبيرة ثم يصر عليها، مع أن الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة ثم يقول: ﴿الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن﴾ فهذا خارج عن الحديث وعن مقصوده. والإنسان إذا اتقى الله فإنه يضع الأمور في مواضعها؛ فالإصرار على أية معصية صغيرة يجعلها كبيرة، ومحقرات الذنوب يجب أن تجتنب كما أمر النبي ﷺ ، وما مثلها إلا كما أشار ﷺ : ﴿كمثل رجل أتى بعود من هنا وعود من هنا وعود من هنا ثم أشعلها وإذا بها نار تضطرم﴾. ولا تعارض في الحقيقة بين هذه الأحاديث؛ وإنما الخلل في فهم الناس وفي تصورهم لحقيقة المعصية وحقيقة الصغيرة والكبيرة، وعلينا دائماً أن نتذكر مواعظ السلف حينما قالوا: [[لا تنظر إلى صغر المعصية وانظر إلى عظمة من عصيت]]. ونضع نصب أعيينا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].

стр. 658

السنن المؤكدة في رمضان السؤال ما الأعمال التي ورد أن النبي ﷺ كان يفعلها ويحرص عليها في رمضان مما ورد في السنة الصحيحة؟ الجواب أعظم شيء هو قراءة القرآن فقد ﴿كان النبي ﷺ يأتيه جبريل في شهر رمضان فيدارسه القرآن﴾ كما قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]. ثم الصدقة فقد ﴿كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان﴾. وكذلك الاعتكاف، إذ كان النبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان. وكذلك القيام وصلاة التراويح، فقد كان النبي ﷺ يصليها وأصحابه من بعده. فهذه أهم وأبرز ما كان النبي ﷺ يعمله ويواظب عليه؛ إضافة إلى ما ذكرنا من الصبر، فإن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يعرفون أن رمضان شهر الصبر، وكان صبرهم عظيماً على أعباء الدعوة إلى الله، وعلى أعباء الجهاد، وعلى طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله، فكان ﷺ وأصحابه يبلغون من الصبر غايته في شهر رمضان الذي هو شهر الصبر.

стр. 659

أثر الذنب في رمضان السؤال أفتنا يا سماحة الشيخ في حكم مشاهدة الأفلام والتلفاز في نهار رمضان، ولعب الميسر، وسماع الأغاني، وليس هو بوقت الإمساك عن الطعام والشراب؟ الجواب أشرنا إلى ذلك، والقضية هي قضية الإيمان والقلوب، هذا القلب إن شُغِلَ بالحق؛ أثمر ذلك طاعات وعبادات وخيراً وبركةً في جميع الأعمال، وإن شُغِلَ بالباطل واللهو واللعب؛ أثمر ذلك ذنوباً وإجراماً وقبائح وشنائع. وهل رأيت أحداً ممن يديم مشاهدة هذه المحرمات وسماع الأغاني، هل رأيته خاشعاً أواباً لله ؟! أم أنك لو رأيت مجرماً محترفاً وسألت عن حاله؛ لوجدته مدمناً لهذه المحرمات. فثمرة كل شيء بحسبه، وهذه القلوب جعلها الله ﵎ مقراً ومستودعاً للإيمان به ولذكره؛ فأشرف ما في الإنسان قلبه، وأعظم وأشرف ما يُشْغَلُ به هو معرفة الله، وتقوى الله، والتعلق بالله، والتفكر في خلق الله، وفي أمر الله؛ فجاء شياطين الإنس والجن فأشغلوه بالملهيات وبالمغريات في رمضان وفي غير رمضان، فتعلقت قلوب الناس بالشهوات. حتى قرأنا قبل أيام من يطالبون ونحن في استقبال شهر رمضان أن توجد مسارح، وأن يكون فيها نساء، وقالوا: ما دمنا نرى المرأة في التلفاز والفيديو فلماذا لا نراها على المسرح؟! يريدون أن يكون في المدن الرئيسية وفي النواحي من هذه البلاد الطاهرة مسارح تتبرج بها النساء؛ والحجة (أننا نراها في التلفزيون والفيديو!) فمن الذي أحل هذه المنكرات في التلفزيون حتى تستدلوا بذلك على حلها في المسرح؟! أقول: استمراؤها واستمرارها وقلة إنكارها في التلفزيون والفيديو جعلها حجة لمن يريدها في أي مكان آخر!! فهذه المنكرات الظاهرة من أعظم ما يجب على الإنسان أن يُخلِّص منها بيته، ويُطهر منها قلبه وعينه، وإن كنا صادقين مع الله، وإن كنا نخاف الله ونتقيه؛ فيجب أن نطهر أنفسنا وبيوتنا وأزواجنا وبناتنا وأولادنا من هذه الآثار والملاهي الخطيرة؛ لأنها تدمر الأمة وتدمر المجتمع. ولا تقولوا: المسئولية في هذا على المسئول عن التلفاز أو عن الإذاعة أو عن الأغاني؛ فالمسئولية على الجميع، وكل ما يقدم فإنه يقدم باسم المشاهدين؛ لأن أكثر الناس يريدونها وإن كانت أفلاماً محرمة، وإن كانت من النكت التي قد يكون فيها تعريض بالدين أو استهزاء واستخفاف. فلماذا يُعمَّر هذا الشهر العظيم بهذه الأمور التي أقل ما فيها أنها لهو تُصْرِف عن القرآن؟! قالوا: لقد صام الناس وتعبوا، ويريدون؛ فمن من الناس اتصل وأنكر هذه الأمور؟ فتأكدوا أن أي شيءٍ ينكره -في يومٍ واحد- ثلاثون أو عشرون (فهذا يتصل بالتلفون، وهذا يكتب خطاباً) تأكدوا أنه يُغير، وقد غُيِّرت بعض الأفلام لما استنكرها هذا وهذا وذاك؛ لكن لما استمرأناها جميعاً وسكتنا، وأصبحنا نقول: اللوم على من يعرضها، ولئن سألت من يعرضها، لقال: أنا أعرض ما يريد الناس، والناس ساكتون. إذاً فالمسئولية على الجميع، وأنت الذي تأخذ بنفسك. ولو بقي الأمر في حدود ما يعرض عامة لقلنا ربما؛ ولكن! أليس الناس يشترون اللهو كما يشاءون، ويشترون الأفلام والأشرطة كما يشاءون؟! وفيها من الفساد غير ما يعرض عرضاً عاماً على الناس! فالاستعداد لدينا للشهوات موجود. لكن إذا سُئلنا، قلنا: يا أخي! ماذا نعمل؟ قال: الحق على الذي يعرضها، وكأننا مجبورون، وكأننا شددنا بالسلاسل، وربطت أعيننا وقيل: انظروا ولا بد أن تنظروا، من الذي قال ذلك؟! فإن أي أمر من المنكرات أو من الشر إذا عزفنا عنه وتركناه؛ فإنه يموت بذاته، ويحترق بذاته؟! ولذلك فإنه لو عُرضت شرور أكبر وشبهات أعظم على هذه الأمة؛ لأقدموا عليها. لكن نحمد الله أن هناك موانع كثيرة تحول دون كثير من الشهوات، وإلا لرأينا الإقدام عليها يفوق التصور؛ لأن الاستعداد في القلوب موجود، ولا أحد يخفى عليه حرمة الأفلام هذه أو الميسر أو الأغاني في كل شهر وحين، وهي في رمضان أشد وأغلظ كما ذكرنا.

стр. 660

طريقة مثلى للاستفادة من شهر رمضان السؤال نريد من فضيلتكم أن تجعل لنا طريقة مثالية نقضي بها وقت رمضان من أول اليوم إلى آخره؟ الجواب ليس هناك من طريقة أفضل من طريقة النبي ﷺ وصحبه والسلف الصالح، فنُعمر النهار بالصيام -صيام الجوارح وصيام القلب- وبقراءة القرآن ومدارسته، ونُعمِّر الليل بالقيام، ونترك لهذه النفوس أوقاتاً للراحة، وكلٌ بحسبه. لا أستطيع أن أقول: ضعها أربع ساعات أو ثلاث، فكل إنسانٍ بحسبه وبقدر طاقته واجتهاده؛ فهو موسم خير، ومن أراد أن ينافس فلينافس كما يشاء، فليس هناك من صورة محددة بذلك، وإنما أكرر على أمر هو أعظم ما في هذا الشهر -كما رأينا من سيرة النبي ﷺ ومن سيرة السلف - (وهو القرآن) حتى قال بعض العلماء: 'إن ختم القرآن في رمضان لا يكره في أقل من ثلاث كما في بقية الشهور'. ففي رمضان من استطاع أن يختمه في أقل؛ فليفعل. وقال بعض العلماء: 'إنه شهر القرآن وشهر التفرغ للعبادة'. فالمقصود أن أهم عمل يشغل به الإنسان نفسه آناء النهار هو قراءة القرآن، ففي الصلاة سيصلي جماعةً، ويسمع القرآن، وفي الحقيقة كأن الشهرَ كله شهرُ قرآن، ولابد أن نتفكر فيما نقرأ وفيما نسمع؛ لأنها فرصة عظيمة أن نسمع كتاب الله كاملاً مرة أو مرات في شهر واحد، فنعرف ما نهى الله عنه في كتابه، وما حذَّر منه، وما أمر وأوصى به؛ لأن هذا القرآن خطاب لنا فأُنزل لنا ليخاطبنا الله به، وليس مجرد آيات تسمع بالآذان، ونقول: صلينا أو سمعنا. فاعتبر كل ما تقرأ أو تسمع خلف الإمام خطاباً من رب العالمين إليك، ثم انظر كيف مقامك من هذا القرآن، وكيف منزلتك في التعامل مع ربك من خلال كلامه الذي أنزله، والذي أمرك أن تتبعه وتؤمن به. هذا ما أوصي به نفسي وإخواني: وأسأل الله لي ولهم القبول.

стр. 661

حكم الصوم بلا صلاة السؤال أخي لا يصلي ولكنه يصوم، فهل يصح صومه؟ وفي بعض الأحيان يساعدني ببعض النقود فهل يجوز أخذ النقود منه؟ الجواب أما بالنسبة لصيام من لا يصلي فلا يُقبل منه؛ لأن ترك الصلاة كفر مخرج من الملة، وتارك الصلاة بإطلاق مرتد كافر، والكافر لا عمل له، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣]. وصيامه ليس عن إيمان، وإنما هو عن عادة وعن مسايرة للناس؛ ولو صام عن إيمان لما ترك الصلاة قط؛ والأدلة على كفر تارك الصلاة مشهورة معلومة؛ وقد روى اثنان من الصحابة وواحد من التابعين أن الصحابة الكرام أجمعوا على أن تارك الصلاة كافر. أما بالنسبة للمال والنقود: فإن كان هذا الأخ لا يجد نفقة إلا عن طريق أخيه الأكبر، أو والده الذي لا يصلي؛ فإنه يأخذ منه ولا حرج عليه إن شاء الله تعالى، فذلك له ذمته وعليه وزر ترك صلاته، وعليه -أيضاً- وزر هذا المال الذي يتنعم به ولا يطيع ربه. وأما هذا فلا حرج عليه إن شاء الله، ولكن إن استغنى فهو خير له حتى يكون إنفاقه على نفسه من كسب يده، فإن أخذه للمال منه قد يجعله يقصر في دعوته، أو أمره بمعروف، أو نهيه عن منكر؛ ولا شك أن من ينفق عليك، فإنك ترى أن له عليك حقاً وفضلاً فتغض عن كثير مما ترى وتعلم.

стр. 662

نوم الصائم السؤال كثير من الناس ينام كثيراً في رمضان، ويقول: النوم في رمضان عبادة هل هذا صحيح؟ الجواب بعض الناس يقول: النوم في رمضان عبادة؛ وبناءً عليه؛ فإنهم ينامون أكثر النهار. فينبغي لنا أن نعرف كيف يكون النوم عبادة؛ وما معنى أن النوم عبادة؛ لأن هذا مما يُبتلى به عامة الناس، أو أكثرهم في واقعنا الحاضر. فالنوم يكون عبادة في رمضان وفي غير رمضان، إذا احتسب الإنسان نومته كما يحتسب قومته؛ وذلك بأن ينام ليستعين بهذا النوم على طاعة الله . ومن قال من السلف: 'نوم الصائم عبادة ما لم يغتب' فإن مراده به أن الصائم إذا لم يغتب؛ أي: إذا كف لسانه عما حرم الله، فنام؛ فهو مستمر في الطاعة. يعني: إذا صلى الإنسان الظهر وهو صائم، ثم نام بعد صلاة الظهر -مثلاً- إلى العصر، فإنه مستمر في العبادة التي هي الصيام، ثم استيقظ إلى المغرب -مثلاً- فهو صائم، فالصائم النائم صائم، فهو إذن مستمر في العبادة؛ هذا بالنسبة للنهار. وأما الليل: يحتسب النوم؛ ليستطيع أن يقوم وأن يصوم أيضاً؛ فيكون في هذه الحالة في عبادة؛ فليس المقصود أن الإنسان في رمضان ينام ويضيع أكثر الوقت في النوم، ويقول: النوم عبادة، وهو مفرط ومضيع لقدر هذا الشهر ومفرط في قراءة القرآن، وفي الذكر، وربما أدى التفريط إلى أن يتخلف الإنسان عن الصلوات!! وإنما المقصود أن الصائم إذا نام فإنه لا تنقطع عبادته بالنوم؛ وهذا فضل من الله ، فهو مستمر في العبادة ومتلبس بها في حال اليقظة وكذلك في حالة النوم، ومتى يكون النوم؟! أقول: للحاجة وللاستعداد بالاستعانة به على الطاعة.

стр. 663

الإفطار في السفر السؤال ما حكم الإفطار في رمضان في السفر؛ مع أن ذلك ليس فيه مشقة عليَّ في نظري؟ الجواب العلماء -رحمهم الله تعالى- اختلفوا في هذه المسألة: هل الإفطار أفضل أم الصوم أفضل؟ والذي يترجح إن شاء الله، أنه بحسب حال الإنسان، فقد يكون الصوم أفضل، وقد يكون الفطر أفضل؛ فمن وجد شيئاً من المشقة أو الحرج؛ فليعلم أن الله يحب أن تؤتى عزائمه ورخصه كما يكره أن تؤتى معاصيه. ومما يحبه الله: (أن تؤتى رخصه) فليأخذ برخصة الله تعالى، وأما إذا اشتد عليه الجهد والمشقة فإنه يحرم عليه أن يصوم؛ ولهذا أمر النبي ﷺ من صاموا واشتد عليهم ذلك بالفطر أمراً، كحال الرجل الذي كانوا يُظللونه من شدة الحر؛ لأنه كان صائماً. ففي هذه الحال لا يجوز الصيام، وأما من لم يكن عليه في ذلك أدنى حرج ولا مشقة، والأمر بسيط في حسه وفي نظره، فإننا لا نستطيع أن نلزمه بأن يفطر، فليصم إذا أراد ولا شيء عليه إن شاء الله، بل له الأجر كاملاً كما لو كان مقيماً.

стр. 664

حكم الأكل بعد أذان الفجر السؤال ما حكم الأكل عند الأذان لإعلان الفجر، مع علمي بأنه الأذان فأكلت وشربت، فهل في ذلك بأس؟ الجواب الصائم أُمِرَ بالإمساك عن الطعام والشراب إذا طلع الفجر، فلهذا إن كان المؤذن لا يؤذن إلا وقد طلع الفجر، فمن أكل أو شرب بعد ذلك فإنه أكل في وقت الصيام، ومعنى هذا أنه لم يصم وعليه القضاء. وأما إن كان المؤذن كعادة بعض المؤذنين (يؤذنون قبيل الوقت)، وذلك بغرض تذكير الناس أو تنبيههم إلى أن الوقت قد قرب، ويعلم أن هذا المؤذن يفعل ذلك؛ فهذا لا حرج عليه؛ لأن الأساس هو: (طلوع الفجر، وليس الأذان)، وقد يُؤذن بعض الناس مبكرين، وقد يؤذن بعض الناس متأخرين. إذاً فالعبرة والمدار على طلوع الفجر وليس على الأذان، ولا ينبغي أن يؤذن قبل الوقت؛ لأنه في هذه الحالة قد يُحرِّج على الناس. وأيضاً: دخول العبادة في غير وقتها لا يجوز؛ ولكن نحن نتحدث عن واقع مشاهد، وهو: أن بعض المؤذنين -في بعض المناطق- من عادته أنه يحتاط، ويقول: أنا -إن شاء الله- لست آثماً، فالمسألة دقيقتان أو أكثر فقط، لكي يحتاط الناس ويكفوا عن الطعام والشراب! فإذا كان الأخ مؤذنه يفعل هذه الحالة، فيكون قد أكل في وقت لم يجب عليه الإمساك عليه، فلا يقضي ولا شيء عليه إن شاء الله.

стр. 665

الأحداث في الخليج إن الله قدر لهذه الأمة أن تمر بفترات من القوة والضعف، وأهم معيار يتوقف عليه حال الأمة هو قربها وبعدها من المنهج الإلهي الذي شرعه الله لها. والأمة الإسلامية هذه الأيام تمر بفترة ضعف وتفرق قلّما مرت بمثيل لها من قبل، وخير شاهد على هذا الحال الأحداث الأخيرة التي تمر بها منطقة الخليج، والتي أدت بالبعض إلى الاستعانة بأعداء الإسلام، وفتح المجال لهم للإقامة في جزيرة العرب مستدلين بأدلة يحملونها على غير ما تحتمل. فجاء أعداء الله من الأمريكان ومن عاونهم مستغلين هذه الفرصة ليكون لهم موطئ قدم في أرض التوحيد متعللين بأنهم جاءوا ينصرون الضعيف على من اعتدى عليه، بالرغم من أن الأحداث التاريخية والوقائع أثبتت أن الأمريكان كانوا يخططون لغزو الجزيرة منذ سنين، منتظرين الفرصة المواتية لإحكام قبضتهم على ثروات الأمة. فعلى الأمة الإسلامية التنبه لما يحاك لها، وعلى المسلمين أن يصدقوا الرجعة إلى الله، والتضرع إليه ليكشف عنهم الضر الذي لحق بهم.

стр. 666

مرتكزات أحداث الخليج الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فسوف نتحدث بالتفصيل عن القضايا التي تتركز فيها هذه المشكلة الكبرى، وهي تتركز في عدة قضايا، كل قضية منها تحتاج إلى محاضرة، فموضوع: (حزب البعث والموقف منه) يحتاج إلى محاضرة أو أكثر، وموضوع: (موالاة اليهود والنصارى والموقف -أيضاً- من أمريكا) يحتاج إلى محاضرة، وموضوع: (موقفنا نحن من أنفسنا، وموقفنا مع ربنا يحتاج إلى محاضرة أو أكثر، وموضوع: (تصوراتنا عن مستقبل هذه الأمة، وما يمكن أن تكون) أيضاً يحتاج إلى شرح بالتفصيل؛ لأن لها تصورات مؤكدة، لا توقعات، وهي بطبيعة الحال اجتهادات واحتمالات على ما يُرى من هذا الواقع، فكل منها يحتاج إلى تفصيل أكثر. وأول ما يجب أن أذكره في هذه القضية هو: أن الله لا يقدِّر في هذا الكون إلا ما هو خير، وإن كان هناك ضرر أو شر لأناس مؤمنين أو كافرين، ففي الجملة الشر ليس إليه فما يقع منه هو خير بإذن الله، لكن يجب علينا أن نعتبر ونتعظ ونستفيد من الأحداث، لتكون خيراً لنا من جميع الوجوه، فإن اشتملت على ضرر فإن الأمور بمجرياتها. ونحن الآن في أيام المشكلة، ولا نتصور أن ما حدث هو مشكلة تحل في أسبوع، أو أسبوعين، أو شهراً، أو شهرين، فهذه مشكلة ستطول، ونهايتها لا يعلمها إلا الله ، ولا يمكن أن تنتهي في أيام معدودة. فإن الغرب قد بدأ يتكالب، ويأتي من كل جهة، وبعض أساطيله إلى الآن لم تتحرك، وبعضها تحرك منذ أيام، ويحتاج إلى شهرين حتى يصل، ثم بعد وصول هذا الأسطول ماذا سيكون؟ الله تعالى أعلم. فالأمر سيطول، وليست هذه المشكلة خارجة بأي شكل من الأشكال عن مشكلتنا الأساسية.

стр. 667

مشكلة الأمة الأساسية نحن أمة الإسلام؛ ما مدى قربنا من الله ؟ وما مدى تمسكنا بكتاب الله ؟ فإن الله سوف يسلط علينا أعداءنا إن عصيناه، وسوف ينصرنا ويؤيدنا ويجعل الدولة لنا على أعدائنا إن تمسكنا بكتابه وسنة رسوله ﷺ ، وهذه قاعدة في جميع العصور، وفي جميع مراحل التاريخ. فقد جاءت موجة التتار، وجاءت موجة الصليبيين في مراحلها الأولى، ثم جاءت الصليبية في شكل الاستعمار، ثم جاءت هذه الصليبية الجديدة، فهذه المعركة التي نعيشها الآن هي معركة صليبية، فالبعث صليبي، والغرب صليبي، والقضية كلها صليبية. فيجب أن تكون لدينا القاعدة الإيمانية التي لا يجوز أن نتركها بأي شكل من الأشكال، فإن من سنن الله في الأمم وفي المجتمعات؛ إذا عصوا الله وخالفوا أمره أنه يجب أن يتضرعوا إلى الله . والآن مرّ علينا أسبوعان أو أكثر، وأمة القرآن والإيمان والإسلام، التي جعل الله لها في كل مشكلة وأمر وكل ضائقة ونازلة حلاً في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فالحل موجود، وقد تكلم عنه الكثير من دعاة الحقبة الأولى، إلى الآن لم نجد أي إشارة واضحة إلى أننا -فعلاً- بحثنا عن الحل في كتاب الله ، وأننا امتثلنا الحل الذي جعله الله .

стр. 668

قسوة القلب يقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٣] فقد أصبحت قلوبنا فيها قسوة عجيبة، ويدل على ذلك أنه لما أشيع عن الغازات الكيماوية وتأثيرها على الأحياء ثار الرعب والهلع في نفوس الناس، وأنا لا أتكلم عنها على سبيل التخويف منها، مع أن هذه الغازات هي سامة فعلاً، لكنها ليست هي القضية. لكن القضية هي: لماذا يُنشر مثل هذا الكلام الذي ليس له أصل ولا تصريح رسمي؟ ولماذا يقال للناس خذوا أقنعة أو احتاطوا؟ والمهم أن مصدره وقائله غير مؤكد وغير معروف. ومع ذلك خاف الناس وذعروا، وبدأ كل إنسان يفكر جدياً: ماذا أصنع؟ وهل منطقتنا بعيدة عن الأحداث أم قريبة؟ وإذا وصل الغاز ماذا أفعل؟ سبحان الله!! القرآن كلام الله رب العالمين يحدثنا عن عذاب جهنم، وعن دخان جهنم، فأين هذه الغازات من دخان جهنم، نعوذ بالله من عذاب جهنم؟ أين هم من قوله تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات:٣٠]؟ وأين هم من قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤١] فهذا كلام رب العالمين وهو حق وصدق. وقد ذكر الله تعالى أسباباً للعذاب، ومنها: المعاصي والذنوب، فهل اتخذنا وقاية من هذه الذنوب والمعاصي؟ وهل فكرنا في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١]؟ فكل إنسان واردها، وكل إنسان سيعبر الجسر المنصوب فوق جهنم كما أخبر الله ورسوله ﷺ بذلك، فهل أعددنا وقاية من عذاب الله ؟! وهل نخاف من الله ، كما أصابنا الخوف والهلع والذعر من البشر، حتى قلنا: ماذا نتخذ من وقاية لتلافي وقوع الغازات السامة أو غيرها؟! ونتسائل: لماذا أُصبنا بهذه النكبة؟ ولماذا حلّت بنا هذه المصيبة؟! والجواب معروف، وهو أنه لم نعد نخاف من الله ، ولم نعد نخاف من وقوع وعيده وعذابه. ولم نعد نستمع إلى آيات القرآن وما فيها من وعد أو وعيد، وإن استمعنا فإننا نستمع إليه وقلوبنا غافلة إلا من رحم ربك، وننتظر متى نكف عن الغناء واللهو والطرب؟! ومتى سينتهي الربا؟! وهل انتهى التبرج واللهو في الأسواق والملاهي والمنتزهات؟ لم يحدث شيء من ذلك: هل أعيدت صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووضع لها اعتبارها؛ لعل الله أن يرحمنا، ويدفع عنا العذاب؟! وهل أعدنا وضع مدارس تحفيظ القرآن إلى وضعها الطبيعي؟! وغير ذلك كثير. وأين الرقابة الإعلامية؟! فهناك الكثير من الصحف والمجلات الكويتية المخلة، فيا ترى هل هذه الصحف والمجلات عوقبت على فسادها وإلحادها وكفرها الذي كنا نتحدث عنه في أكثر الأسابيع؟! إننا لم نفعل شيئاً من هذا، وحالنا كما هو: الذي لا يصلي؛ لا يصلي قبل الأحداث وبعدها، والذي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر لم يتغير حاله إلا من رحم الله، فليس هناك اعتبار ولا اتعاظ ولا تضرع ولا رجوع إلى الله !! فمن الذي حاسب نفسه وقال: كان عملنا حراماً فلنبتعد عنه أو كان هذا الشيء واجباً ولم نفعله، فيجب أن نفعله؟ لم يحدث شيء من هذا إذاً ماذا نتوقع؟! كيف ندفع العذاب؟ قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون:٧٦] ويقول الله: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٣] ويقول الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ:٣٤] ويقول : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [الأعراف:٩٦ - ٩٧] وهذا ما حصل في الكويت -والعياذ بالله - ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف:٩٨] فأين الضراعة التي ذكرها الله ؟! فلا والله! ما تضرعنا! ولا استكنا! ولا تبنا! ولا أنبنا! وحالنا كما هو، فكيف تأتينا السكينة؟! وكيف يأتينا الأمان والارتياح؟!

стр. 669

هل ننتظر النصر من اليهود والنصارى ؟! عندما قيل: إن الغرب والكفار سوف يدفعون عنا عذاب الله؛ سُررنا وفرحنا بذلك، نسأل الله العفو والعافية. أمة التوحيد التي تقول في كل ركعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] هذا هو حالها وهذا هو شأنها في وقت الشدة! أنها لا تلجأ إلى الله ولا تتوب ولا تتضرع! وإنما تلجأ إلى الكفار، وتجعل ثقتها لهم! فإلى هذا الحد وصل بنا الأمر من ضعف العقيدة! ففي كل وقت نقول: العقيدة والعقيدة فأية عقيدة هذه! إن لم تكن واقعاً وسلوكاً فإن العقيدة مجرد كلام. فأين العقيدة الصحيحة؟! وهل من العقيدة أن نأمن ونطمئن إلى الكفار؟! وهل نظن أن الكفار سينصروننا؟ وهل ننسى وعد الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨]؟ فمن هم هؤلاء المؤمنون الذين يدافع الله عنهم؟! وقد قال بعد ذلك: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] إلى أن قال بعد ذلك: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] وهؤلاء هم الذين يدافع الله عنهم، وهؤلاء هم الذين ينصرهم الله ، فنحن إنما ينصرنا الله، وليس الكفار هم الذين ينصروننا! وهذا الكلام ليس من حيث ضرورة الواقع، أو غير ذلك، بل هو من حيث التوجه القلبي، فإن هذه المسألة مشكلة خطيرة، وأرجو من كل مسلم أن يقرأ كتاب الله. فالمشكلة والخطورة ليست أننا قد نقول: استعانتنا بالكفار أتجوز للضرورة أم لا تجوز؟ فليست هذه هي القضية؛ لأننا يمكن أن نبحث هذه المسألة أو أن نفعل هذا العمل وقلوبنا مطمئنة بالإيمان، وبالثقة والتوكل على الله، ويكون هذا سبباً من الأسباب. ولكن ليست هذه هي المشكلة، بل المشكلة في أن القلوب انصرفت إلى غير الله من الكفار الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. فقد تعلقت الآمال بهم في سلامتنا وفي نجاتنا والعياذ بالله. وأنا أريد أن نتناول القضية من جانبها الإيماني، ومن جانبها القلبي الإذعاني، وننبه إخواننا وأنفسنا وأهلنا، وأي شخص آخر، إلى أن عذاب الله قد يأتينا في أشكال لا نعلمها، وهذا إنما هو نذير فقط. ﴿ومَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣١] فأين نحن من التوكل؟! وأين الدعاة والخطباء والعلماء لإيقاظ الناس إلى هذه المسألة المهمة؟! وقبل أن نبحث الأسباب، وقبل أن ننظر في واقعنا، يجب أن نبحث عن هذه القضية من جذورها، وهناك إشارة وردت في بيان مجلس القضاء الأعلى إلى وجوب الاستغفار والتوبة لكن إذا نظرنا إلى وسائل الإعلام. وإلى البيانات الصادرة، فإننا لا نجد فيها هذا التذكير، مع أنه هو الأصل، وفيه النجاة، وهو الذي امتن علينا به الله، فالله رحيم رءوف بنا عندما نقع في أي مشكلة. وعندما دخل النبي ﷺ مكة منتصراً، دخلها في ذلة لله، واستكانة له، مطأطئ الرأس، فكان النبي ﷺ في حال الاستكانة والذل لله وهو منتصر، ونحن في حالة الخوف والذعر والهلع ومع ذلك لم نتضرع ولم نستكن ولم نندب، بل على العكس من ذلك، تعلقنا بالمخلوقين الذين هم أعداء لنا، وعداوتهم لا تنتهي إلى قيام الساعة، فهذا هو العدو الحقيقي الذي لا يمكن أن ينصرنا؛ لأن هذا هو خبر الله ، وخبر من لا ينطق عن الهوى، الصادق المصدوق، كما ورد في الحديث الصحيح: ﴿لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بـ الأعماق﴾ فهناك تكون الملحمة والمعركة، وهي كما بينها النبي ﷺ ستنتهي لصالح المسلمين حتى لا نخاف ولا نيأس، لكن أين المسلمون؟! إن حالات الذل تمر بالأمة كما تمر بها حالات القوة، وأيضاً حالات الخذلان تمر بها كما تمر بها حالات التوفيق إذا اتقت ورجعت إلى الله. وكنا في محاضرة: (مستقبل العالم الإسلامي في ظل الوفاق الدولي) ثم محاضرة: (الحروب الصليبية)، من هذا المنطلق كنا نتوقع ونعلم -دون معرفة التفاصيل- أن هذا الميثاق سيؤدي إلى أن الغرب سيتكتل، ويتكالب علينا، وأنه سيأتي إلى هذه المنطقة، لكن الله تعالى أعلم، كيف سيأتي، المهم أنه سيأتي. فهل هذه الفرصة أتاحها لهم حزب البعث الصليبي، وقدمها لهم على طبق من ذهب؟! أم هل رتبوها مع بعضهم البعض؟ أم أنها جاءت فرصة فاهتبلوها؟ هذا لا يهم.

стр. 670

استعدادات أمريكا لغزو الخليج العربي لكن المهم أن أمريكا من عام (١٩٨٠م - ١٤٠٠هـ) وهي تعد العدة وتدرب الجيوش، فأكثر من مائتين وخمسين ألف جندي أمريكي يتدربون في صحراء نيفادا وهي صحراء قاحلة في وسط أمريكا أجواؤها مشابهة لأجواء الصحراء العربية. والمعركة الآن يسمونها معركة درع الصحراء، فهم يتدربون هناك على الإنزال في الخليج، وآخر خبر نذكركم به، عندما حدث الإنزال في بنما، وقيل: إن من أهدافه الاستراتيجية هو التمرين والتعود على الإنزال في الخليج، وهذه العملية ليس لها سوى أربعة أشهر، فالأمر مهم ووارد، ولقد جاءوا من كل حدب وصوب، كما قال ﷺ ، وهو الذي لا ينطق عن الهوى: ﴿تتداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما يتداعى الأكلة إلى قصعتها﴾. فمن كل أفق، ومن كل المناطق جاءوا إلينا، بحجة أنهم يحموننا، ومما نُشر أنه من مائتين وخمسين ألف جندي ما لا يقل عن ثلاثين ألف امرأة! برتبة ضابط ونقيب ورقيب، فهؤلاء بنسائهم جاءوا ليحموا أبناء خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وأبناء الأنصار الذين فتحوا فارس والروم بعدد أقل من عددنا اليوم! وبعدة أقل من عدتنا اليوم!! ولو كنا كما أمر الله متقين لله، وقائمين على أمر الله، فوالله سوف نفتح العالم بما عندنا من عدة، وقوة، والله لم يكلفنا مالا نطيق: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٦٠].
следующие страницы →