Полный текст (2 843 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
مرتكزات أحداث الخليج
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فسوف نتحدث بالتفصيل عن القضايا التي تتركز فيها هذه المشكلة الكبرى، وهي تتركز في عدة قضايا، كل قضية منها تحتاج إلى محاضرة، فموضوع: (حزب البعث والموقف منه) يحتاج إلى محاضرة أو أكثر، وموضوع: (موالاة اليهود والنصارى والموقف -أيضاً- من أمريكا) يحتاج إلى محاضرة، وموضوع: (موقفنا نحن من أنفسنا، وموقفنا مع ربنا يحتاج إلى محاضرة أو أكثر، وموضوع: (تصوراتنا عن مستقبل هذه الأمة، وما يمكن أن تكون) أيضاً يحتاج إلى شرح بالتفصيل؛ لأن لها تصورات مؤكدة، لا توقعات، وهي بطبيعة الحال اجتهادات واحتمالات على ما يُرى من هذا الواقع، فكل منها يحتاج إلى تفصيل أكثر.
وأول ما يجب أن أذكره في هذه القضية هو: أن الله لا يقدِّر في هذا الكون إلا ما هو خير، وإن كان هناك ضرر أو شر لأناس مؤمنين أو كافرين، ففي الجملة الشر ليس إليه فما يقع منه هو خير بإذن الله، لكن يجب علينا أن نعتبر ونتعظ ونستفيد من الأحداث، لتكون خيراً لنا من جميع الوجوه، فإن اشتملت على ضرر فإن الأمور بمجرياتها.
ونحن الآن في أيام المشكلة، ولا نتصور أن ما حدث هو مشكلة تحل في أسبوع، أو أسبوعين، أو شهراً، أو شهرين، فهذه مشكلة ستطول، ونهايتها لا يعلمها إلا الله ، ولا يمكن أن تنتهي في أيام معدودة.
فإن الغرب قد بدأ يتكالب، ويأتي من كل جهة، وبعض أساطيله إلى الآن لم تتحرك، وبعضها تحرك منذ أيام، ويحتاج إلى شهرين حتى يصل، ثم بعد وصول هذا الأسطول ماذا سيكون؟ الله تعالى أعلم.
فالأمر سيطول، وليست هذه المشكلة خارجة بأي شكل من الأشكال عن مشكلتنا الأساسية.
стр. 667
مشكلة الأمة الأساسية
نحن أمة الإسلام؛ ما مدى قربنا من الله ؟ وما مدى تمسكنا بكتاب الله ؟ فإن الله سوف يسلط علينا أعداءنا إن عصيناه، وسوف ينصرنا ويؤيدنا ويجعل الدولة لنا على أعدائنا إن تمسكنا بكتابه وسنة رسوله ﷺ ، وهذه قاعدة في جميع العصور، وفي جميع مراحل التاريخ.
فقد جاءت موجة التتار، وجاءت موجة الصليبيين في مراحلها الأولى، ثم جاءت الصليبية في شكل الاستعمار، ثم جاءت هذه الصليبية الجديدة، فهذه المعركة التي نعيشها الآن هي معركة صليبية، فالبعث صليبي، والغرب صليبي، والقضية كلها صليبية.
فيجب أن تكون لدينا القاعدة الإيمانية التي لا يجوز أن نتركها بأي شكل من الأشكال، فإن من سنن الله في الأمم وفي المجتمعات؛ إذا عصوا الله وخالفوا أمره أنه يجب أن يتضرعوا إلى الله .
والآن مرّ علينا أسبوعان أو أكثر، وأمة القرآن والإيمان والإسلام، التي جعل الله لها في كل مشكلة وأمر وكل ضائقة ونازلة حلاً في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
فالحل موجود، وقد تكلم عنه الكثير من دعاة الحقبة الأولى، إلى الآن لم نجد أي إشارة واضحة إلى أننا -فعلاً- بحثنا عن الحل في كتاب الله ، وأننا امتثلنا الحل الذي جعله الله .
стр. 668
قسوة القلب
يقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٣] فقد أصبحت قلوبنا فيها قسوة عجيبة، ويدل على ذلك أنه لما أشيع عن الغازات الكيماوية وتأثيرها على الأحياء ثار الرعب والهلع في نفوس الناس، وأنا لا أتكلم عنها على سبيل التخويف منها، مع أن هذه الغازات هي سامة فعلاً، لكنها ليست هي القضية.
لكن القضية هي: لماذا يُنشر مثل هذا الكلام الذي ليس له أصل ولا تصريح رسمي؟ ولماذا يقال للناس خذوا أقنعة أو احتاطوا؟ والمهم أن مصدره وقائله غير مؤكد وغير معروف.
ومع ذلك خاف الناس وذعروا، وبدأ كل إنسان يفكر جدياً: ماذا أصنع؟ وهل منطقتنا بعيدة عن الأحداث أم قريبة؟ وإذا وصل الغاز ماذا أفعل؟ سبحان الله!! القرآن كلام الله رب العالمين يحدثنا عن عذاب جهنم، وعن دخان جهنم، فأين هذه الغازات من دخان جهنم، نعوذ بالله من عذاب جهنم؟ أين هم من قوله تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات:٣٠]؟ وأين هم من قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤١] فهذا كلام رب العالمين وهو حق وصدق.
وقد ذكر الله تعالى أسباباً للعذاب، ومنها: المعاصي والذنوب، فهل اتخذنا وقاية من هذه الذنوب والمعاصي؟ وهل فكرنا في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١]؟ فكل إنسان واردها، وكل إنسان سيعبر الجسر المنصوب فوق جهنم كما أخبر الله ورسوله ﷺ بذلك، فهل أعددنا وقاية من عذاب الله ؟! وهل نخاف من الله ، كما أصابنا الخوف والهلع والذعر من البشر، حتى قلنا: ماذا نتخذ من وقاية لتلافي وقوع الغازات السامة أو غيرها؟! ونتسائل: لماذا أُصبنا بهذه النكبة؟ ولماذا حلّت بنا هذه المصيبة؟! والجواب معروف، وهو أنه لم نعد نخاف من الله ، ولم نعد نخاف من وقوع وعيده وعذابه.
ولم نعد نستمع إلى آيات القرآن وما فيها من وعد أو وعيد، وإن استمعنا فإننا نستمع إليه وقلوبنا غافلة إلا من رحم ربك، وننتظر متى نكف عن الغناء واللهو والطرب؟! ومتى سينتهي الربا؟! وهل انتهى التبرج واللهو في الأسواق والملاهي والمنتزهات؟ لم يحدث شيء من ذلك: هل أعيدت صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووضع لها اعتبارها؛ لعل الله أن يرحمنا، ويدفع عنا العذاب؟! وهل أعدنا وضع مدارس تحفيظ القرآن إلى وضعها الطبيعي؟! وغير ذلك كثير.
وأين الرقابة الإعلامية؟! فهناك الكثير من الصحف والمجلات الكويتية المخلة، فيا ترى هل هذه الصحف والمجلات عوقبت على فسادها وإلحادها وكفرها الذي كنا نتحدث عنه في أكثر الأسابيع؟! إننا لم نفعل شيئاً من هذا، وحالنا كما هو: الذي لا يصلي؛ لا يصلي قبل الأحداث وبعدها، والذي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر لم يتغير حاله إلا من رحم الله، فليس هناك اعتبار ولا اتعاظ ولا تضرع ولا رجوع إلى الله !! فمن الذي حاسب نفسه وقال: كان عملنا حراماً فلنبتعد عنه أو كان هذا الشيء واجباً ولم نفعله، فيجب أن نفعله؟ لم يحدث شيء من هذا إذاً ماذا نتوقع؟! كيف ندفع العذاب؟ قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون:٧٦] ويقول الله: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٣] ويقول الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ:٣٤] ويقول : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [الأعراف:٩٦ - ٩٧] وهذا ما حصل في الكويت -والعياذ بالله - ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف:٩٨] فأين الضراعة التي ذكرها الله ؟! فلا والله! ما تضرعنا! ولا استكنا! ولا تبنا! ولا أنبنا! وحالنا كما هو، فكيف تأتينا السكينة؟! وكيف يأتينا الأمان والارتياح؟!
стр. 669
هل ننتظر النصر من اليهود والنصارى ؟!
عندما قيل: إن الغرب والكفار سوف يدفعون عنا عذاب الله؛ سُررنا وفرحنا بذلك، نسأل الله العفو والعافية.
أمة التوحيد التي تقول في كل ركعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] هذا هو حالها وهذا هو شأنها في وقت الشدة! أنها لا تلجأ إلى الله ولا تتوب ولا تتضرع! وإنما تلجأ إلى الكفار، وتجعل ثقتها لهم! فإلى هذا الحد وصل بنا الأمر من ضعف العقيدة! ففي كل وقت نقول: العقيدة والعقيدة فأية عقيدة هذه! إن لم تكن واقعاً وسلوكاً فإن العقيدة مجرد كلام.
فأين العقيدة الصحيحة؟! وهل من العقيدة أن نأمن ونطمئن إلى الكفار؟! وهل نظن أن الكفار سينصروننا؟ وهل ننسى وعد الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨]؟ فمن هم هؤلاء المؤمنون الذين يدافع الله عنهم؟! وقد قال بعد ذلك: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] إلى أن قال بعد ذلك: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] وهؤلاء هم الذين يدافع الله عنهم، وهؤلاء هم الذين ينصرهم الله ، فنحن إنما ينصرنا الله، وليس الكفار هم الذين ينصروننا! وهذا الكلام ليس من حيث ضرورة الواقع، أو غير ذلك، بل هو من حيث التوجه القلبي، فإن هذه المسألة مشكلة خطيرة، وأرجو من كل مسلم أن يقرأ كتاب الله.
فالمشكلة والخطورة ليست أننا قد نقول: استعانتنا بالكفار أتجوز للضرورة أم لا تجوز؟ فليست هذه هي القضية؛ لأننا يمكن أن نبحث هذه المسألة أو أن نفعل هذا العمل وقلوبنا مطمئنة بالإيمان، وبالثقة والتوكل على الله، ويكون هذا سبباً من الأسباب.
ولكن ليست هذه هي المشكلة، بل المشكلة في أن القلوب انصرفت إلى غير الله من الكفار الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
فقد تعلقت الآمال بهم في سلامتنا وفي نجاتنا والعياذ بالله.
وأنا أريد أن نتناول القضية من جانبها الإيماني، ومن جانبها القلبي الإذعاني، وننبه إخواننا وأنفسنا وأهلنا، وأي شخص آخر، إلى أن عذاب الله قد يأتينا في أشكال لا نعلمها، وهذا إنما هو نذير فقط.
﴿ومَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣١] فأين نحن من التوكل؟! وأين الدعاة والخطباء والعلماء لإيقاظ الناس إلى هذه المسألة المهمة؟! وقبل أن نبحث الأسباب، وقبل أن ننظر في واقعنا، يجب أن نبحث عن هذه القضية من جذورها، وهناك إشارة وردت في بيان مجلس القضاء الأعلى إلى وجوب الاستغفار والتوبة لكن إذا نظرنا إلى وسائل الإعلام.
وإلى البيانات الصادرة، فإننا لا نجد فيها هذا التذكير، مع أنه هو الأصل، وفيه النجاة، وهو الذي امتن علينا به الله، فالله رحيم رءوف بنا عندما نقع في أي مشكلة.
وعندما دخل النبي ﷺ مكة منتصراً، دخلها في ذلة لله، واستكانة له، مطأطئ الرأس، فكان النبي ﷺ في حال الاستكانة والذل لله وهو منتصر، ونحن في حالة الخوف والذعر والهلع ومع ذلك لم نتضرع ولم نستكن ولم نندب، بل على العكس من ذلك، تعلقنا بالمخلوقين الذين هم أعداء لنا، وعداوتهم لا تنتهي إلى قيام الساعة، فهذا هو العدو الحقيقي الذي لا يمكن أن ينصرنا؛ لأن هذا هو خبر الله ، وخبر من لا ينطق عن الهوى، الصادق المصدوق، كما ورد في الحديث الصحيح: ﴿لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بـ الأعماق﴾ فهناك تكون الملحمة والمعركة، وهي كما بينها النبي ﷺ ستنتهي لصالح المسلمين حتى لا نخاف ولا نيأس، لكن أين المسلمون؟! إن حالات الذل تمر بالأمة كما تمر بها حالات القوة، وأيضاً حالات الخذلان تمر بها كما تمر بها حالات التوفيق إذا اتقت ورجعت إلى الله.
وكنا في محاضرة: (مستقبل العالم الإسلامي في ظل الوفاق الدولي) ثم محاضرة: (الحروب الصليبية)، من هذا المنطلق كنا نتوقع ونعلم -دون معرفة التفاصيل- أن هذا الميثاق سيؤدي إلى أن الغرب سيتكتل، ويتكالب علينا، وأنه سيأتي إلى هذه المنطقة، لكن الله تعالى أعلم، كيف سيأتي، المهم أنه سيأتي.
فهل هذه الفرصة أتاحها لهم حزب البعث الصليبي، وقدمها لهم على طبق من ذهب؟! أم هل رتبوها مع بعضهم البعض؟ أم أنها جاءت فرصة فاهتبلوها؟ هذا لا يهم.
стр. 670
استعدادات أمريكا لغزو الخليج العربي
لكن المهم أن أمريكا من عام (١٩٨٠م - ١٤٠٠هـ) وهي تعد العدة وتدرب الجيوش، فأكثر من مائتين وخمسين ألف جندي أمريكي يتدربون في صحراء نيفادا وهي صحراء قاحلة في وسط أمريكا أجواؤها مشابهة لأجواء الصحراء العربية.
والمعركة الآن يسمونها معركة درع الصحراء، فهم يتدربون هناك على الإنزال في الخليج، وآخر خبر نذكركم به، عندما حدث الإنزال في بنما، وقيل: إن من أهدافه الاستراتيجية هو التمرين والتعود على الإنزال في الخليج، وهذه العملية ليس لها سوى أربعة أشهر، فالأمر مهم ووارد، ولقد جاءوا من كل حدب وصوب، كما قال ﷺ ، وهو الذي لا ينطق عن الهوى: ﴿تتداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما يتداعى الأكلة إلى قصعتها﴾.
فمن كل أفق، ومن كل المناطق جاءوا إلينا، بحجة أنهم يحموننا، ومما نُشر أنه من مائتين وخمسين ألف جندي ما لا يقل عن ثلاثين ألف امرأة! برتبة ضابط ونقيب ورقيب، فهؤلاء بنسائهم جاءوا ليحموا أبناء خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وأبناء الأنصار الذين فتحوا فارس والروم بعدد أقل من عددنا اليوم! وبعدة أقل من عدتنا اليوم!! ولو كنا كما أمر الله متقين لله، وقائمين على أمر الله، فوالله سوف نفتح العالم بما عندنا من عدة، وقوة، والله لم يكلفنا مالا نطيق: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٦٠].
стр. 671
بعض وسائل دفع الأعداء عنا
إن أسوأ ما يمكن أن يقع -وهذا واقع- هو أن يتكالب علينا أعداؤنا ولا نستطيع أن ندفعهم، ماذا نفعل؟ إن بين أيدينا سنة النبي ﷺ ، وسنة الخلفاء الراشدين، وعندنا عدة وسائل منها: إعطاؤهم شيئاً من المال، كما فعل النبي ﷺ ، فإنه أراد أن يعطي الأحزاب لما تكالبوا عليه من ثمر المدينة.
ويمكن -أيضاً- أن نساومهم على شيء من الأرض.
فهناك وسائل وبدائل، فلم يجعلنا الله تعالى في ضيق وحرج، إما هذا أو هذا، كما يظن بعض الناس، حيث يقولون في المجالس: لا ينفع شيء، إما الموت أو التعلق بالغرب -عياذاً بالله- فمن قال لك هذا؟! ومن قال: أنه ليس هناك إلا هذان البديلان ولا ثالث لهما؟ فلو فكرنا وتأملنا لوجدنا أن هناك أكثر من عشرة بدائل، نستطيع أن ندفع الشر بها بإذن الله .
стр. 672
ما هي مشكلتنا ؟
والمشكلة في الأساس: هي مشكلتنا مع الله رب العالمين، حيث أننا لم نصطلح مع الله، بل نحاربه! فلذلك غضب الله علينا، وأرسل علينا هؤلاء، وهو الذي أرسل على بني إسرائيل الفرس - بختنصر وجيشه- يقول تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤] فالفسق والفجور والطغيان والترف الذي كنا نعيشه، هل يمكن لأي عاقل أو ناظر في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ أن يصدق أن يستمر هذا الأمر إلى الأبد، مع عدم وجود توبة ولا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر؟ إن هذا لا يمكن، بل سوف نهلك وفينا الصالحون إذا كثر الخبث، كما أخبر عن ذلك النبي ﷺ .
فكان المفروض أننا ننظر إلى كل هذه الأمور من خلال كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وأن نحمد الله على هذه الأحداث فهي عبرة لنا لكي نتعظ.
وهل تظنون أن الله -وقد أخبرنا عن نفسه، وعن رحمته بالمؤمنين، وما أعده لهم، وما يبشرهم به- أنه يظلم الكفار أو المؤمنين؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس:٤٤] فهل يظلمنا الله وقد دفعنا لـ صدام حسين الملايين والمليارات طوال عشر سنوات، ثم ترتد أموالنا علينا؟ لا والله! لا يظلمنا، لكننا تعلقنا بالأسباب المادية.
فلو أننا كنا مستقيمين على أمر الله، فلا ننفق إلا حيث أمر الله أن ننفق، ولا نمنع إلا من أمر الله أن نمنع، وإذا أنفقنا فللدعوة إلى الله، وفي سبيل الله خالصة لوجهه، فلو فعلنا ذلك -والله- لنصرنا الله ولأذل أمريكا، ولأتى بها راكعة ذليلة، وقد أذلها من هو أضعف شأناً منا، فقد أذلها أمام كوبا وغيرها، فهي المضطرة إلينا.
فإذا اتقينا الله كفانا الله شرها، وبالمثل إذا خفنا من الله أخافها الله منا، وإذا لم نخف من الله أخافنا الله من كل شيء، وأصابنا بالرعب والذل والهوان.
فقضيتنا ومشكلتنا نحن المسلمين هي: موتنا ونحن على ماذا؟ وبماذا نلقاه؟ فكلنا سنموت، أصحاب الكمامات سيموتون، وغيرهم سيموتون، ولو كنا في بروج مشيدة.
فالقضية ليست قضية نظرة مادية، لكن عندنا قضايا أساسية مذكورة في كتاب ربنا، فإذا تبنا وتضرعنا ولجأنا إلى الله؛ فإن الله يسلط على عدونا جنداً من عنده يدفعهم عنا.
وقد دفع عنا شرورهم وهم أعظم ما يكونون ونحن أضعف ما نكون.
واقرءوا التاريخ، فقبل ستين أو سبعين سنة، كانت بريطانيا العظمى لا تغيب الشمس عن مملكتها، وكانت أكثر بطشاً من أمريكا اليوم، وكانت كل شعوب العالم ترهبها، وتخافها، فممن كانت بريطانيا تخاف؟
стр. 673
الشيء الذي كانت تخاف منه بريطانيا
إن أكثر ما كانت بريطانيا تخاف في المنطقة كلها هو من الإخوان الوهابيين -كما يسمونهم الإنجليز- فهذه مشكلتهم، وقد كان هؤلاء الإخوان يعيشون في الصحراء، وليس عندهم استراتيجيات، ولكن كان الإنجليز يخافون منهم خوفاً شديداً.
ومن الوثائق المنشورة حتى تعرفوا كيف يكون حالنا لو كنا مع الله! أنه كان هناك مقيم سياسي في البحرين كلف من قبل المندوب السامي في العراق أن يكتب شيئاً عن الإخوان -يريدون أن يعرفوا ماهية هؤلاء الإخوان- فكتب -والوثيقة محفوظة، وموجودة- يقول: أنا بنفسي ذهبت إلى شرق البحرين ورأيت: الإخوان أنهم كذا، وصفتهم كذا، ووجوههم صفتها كذا، وتعاملهم في السوق من أفضل التعامل، فهو يكتب عنهم ويحسبون لهم ألف حساب.
وسألوا أحدهم: كيف يمكن القضاء على الإخوان؟ فقال: إذا أرادت بريطانيا أن تقضي على الإخوان، فعليها أن تخصص خمسين ألف جندي بريطاني، ولكنهم سيموتون جميعاً تحت شمس الصحراء المحرقة.
وكان أخطر شيء وأهم شيء تخافه بريطانيا هو أن يهاجم الإخوان الحدود العراقية، فكانت بريطانيا العظمى تخاف من هؤلاء الإخوان!! وعندما وصلت جيوش الإخوان إلى بحرة، حيث أنه لم تفتح جدة، وكانوا قد دخلوا مكة ثم تقدموا إلى بحرة من أجل أن يفتحوا جدة، فجاء وزير الخارجية من العراق، ووقع معهم اتفاقية بحرة، وهي تتضمن عدم الاعتداء على الحدود العراقية، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى كان اليهود ومعهم الإنجليز الذين وجدوا في فلسطين يخشون أن يهاجم الإخوان العصابات اليهودية، لأنهم علموا قوتهم، فلو جاء هؤلاء الإخوان إلى فلسطين فإنهم سيقضون على اليهود قضاء مبرماً، وبالفعل في عام (١٩٢٨م) وصل الإخوان إلى عمَّان، وارتعب الإنجليز رعباً شديداً، وقالوا: إذا أخذ الإخوان الأردن، فسيتقدمون إلى فلسطين وسيقضون على اليهود.
وهم لم يكن لديهم أكثر من البنادق العادية، حتى أنهم في أحد المعارك أرادوا أن يتقدموا، والإنجليز كانوا يملكون طائرات تقذف ناراً، فقالوا: كيف نتقدم سيضربوننا؟ فقال لهم قادتهم: هذه الطائرات فوق الله أم الله فوقها؟ -انظروا كيف الإيمان- قالوا: الله فوقها! قالوا: إذاً توكلنا على الله.
فتأتي الطائرات، وتُصد بالبنادق العادية، وانهزم جيش الصليب الذي كان يملك الطائرات، ودخلوا إلى جدة، ثم تقدموا منها حتى أخذوا العقبة، ولم يكن عدتهم إلا الإيمان بالله تعالى والثقة به؛ فكان العالم يخاف منهم ويرهبهم، ونحن اليوم لدينا الطيران وقوة كثيرة ولكن الذنوب والمعاصي أثقلت كاهلنا.
فأين الإيمان بالله وقوة التوكل عليه؟! وإن وجد ذلك عندنا -فوالله- لخاف منا الغرب والشرق بأسره.
وهل تظنون أن الغرب والشرق عندما يجتمع ويتكالب ويأتي إلى هذه المنطقة، أن هذا من أجلنا أو من أجل سواد عيوننا؟ والله ما يريد الكفار لنا خيراً أبداً، وإن جاءت الغازات السامة فهي علينا، والموت لنا نحن المسلمين.
стр. 674
الأهداف الغربية لغزو الخليج
إن أغراض الغرب في مجيئه إلينا كثيرة، فمنها: البترول، ولكن قبل البترول هناك الغرض الأساسي وهو إذلال هذه الأمة، وضرب الصحوة الإسلامية، وقد نشر في (١١) من ذي القعدة على لسان أحد المسئولين في الإدارة الأمريكية، ما معناه: هل تتخوفون من قوة العراق الضاربة في المنطقة؟ فكانت الإجابة: لا، لأن العراق يشكل أكبر قوة في المنطقة لضرب الصحوة الإسلامية التي أخوف ما نخاف، وهذا الخبر قد نشر سابقاً.
ووزير الخارجية البريطاني يقال له: كيف موقفكم مع العراق طوال السنوات الماضية؟ وما هو موقفكم الآن؟ قال: إن موقفنا مع العراق -سابقاً- كان المساندة له، فهذا أمر حتمي؛ لأنه كان يحارب الأصولية الإيرانية، ثم قال: وأكثر ما يزعجنا الآن هو أن تتحالف القومية مع الأصولية الإسلامية ضد موقفنا لتأييد صدام، فهو يقول: عندما كان صدام يحارب الأصولية في إيران وقفنا معه وساندناه، وعندما وقفت الأصولية مع صدام حاربنا صدام وهذا كلام واضح.
فالهدف الغربي هو: إذلال الأمة الإسلامية، وضرب الصحوة الإسلامية، واستنزاف المنطقة؛ لأنها منطقة مهيأة لأن تقود العالم، فـ روسيا الآن قد أصبحت تابعاً لأمريكا، وأساطيلها جزء من القوات التي دعت إليها أمريكا، وكلهم ضدنا نحن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١] فالشاهد: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١] فهل جاءت أمريكا لتحمي الكويت رحمةً بها؟! إن الغرب كلهم ليس فيهم رحمة على أحد إلا على الإنسان الأوروبي فقط، فهل سمعنا أن هناك مشكلة حدود بين أي دول أوروبية؟ لم نسمع بذلك؛ وبعد العام القادم، ستكون أوروبا دولة واحدة، إذاً الأساطيل والحشود لمن؟ وهذه المليارات التي تنفق على التسليح لمن؟! إن كل ذلك من أجل مواجهتنا، وقد جاءتهم هذه الفرصة، أو أنهم خططوا لها، المهم أنهم بدءوا يتوافدون، وسيتوافدون علينا لهذا الغرض.
فـ أمريكا من أجل هذا الحدث البسيط أرغمت أسبانيا، واليونان، وتركيا على استخدام القواعد التي في أرضها، وأخذت منهم صلاحيات واسعة في ذلك، واحتلت وطوقت المحيط الهندي، وبحر العرب والبحر الأبيض المتوسط، والمنطقة بكاملها ابتُلعت من أجل الكويت، فهم أناس يخططون للمدى البعيد.
ونحن لا نقول هذا من أجل الإخافة، فوالله إننا كما نؤمن أن الشمس ستشرق غداً -بإذن الله- نؤمن أن النصر لهذه الأمة -بإذن الله- لكن لمن؟ وعلى يد من؟ نحن نحتاج إلى معرفة هذه الأمور الأساسية.
стр. 675
من أجل مواجهة الغرب
يجب أن نذكر الناس ونربطهم بالله، وأن نقول لهم: ارجعوا إلى القرآن، واعمروا المساجد، وكفوا عن التبرج والاختلاط في الأسواق ومروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، وتوبوا إلى الله، وغيروا ما بأنفسكم فيغير الله ما بكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد:١١] وإذا غيرتم؛ ستجدون أن الله يُذهب صدام بانقلاب عسكري أو بأي شيء، فيجب أن نبدأ بالتغيير من الآن.
فالملحمة مع الروم لن تكون سهلة، ولن تكون يوماً وسنة، وسنتين، بل إنها ملحمة ومعركة طويلة، وهي تحتاج أول ما تحتاج إلى أمة مؤمنة صابرة متقية: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:١٢٠] فأول شيء نعمله أن نصطلح مع الله، فنلغي الربا، ونلغي الزنا الباطن المتمثل في الفاحشة، والزنا الظاهر المتمثل في التبرج والسفور؛ ونلغي الغناء والرشوة والغيبة والنميمة والحسد والبغضاء بيننا نحن المسلمين.
ونلغي كل نظام يخالف شريعة الله ، بحيث كل الأمور يكون الحكم فيها لكتاب الله وسنة النبي ﷺ ، ونراجع أنفسنا: ماذا أذنبنا؟ وماذا أخطأنا؟ وماذا فعلنا؟ ونتوب إلى الله ، ثم بعد ذلك نعد العدة ما استطعنا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٦٠].
فنعد لهم ما استطعنا، وسينصرنا الله ، فلا شك أن الروم والغرب هم أعداؤنا إلى قيام الساعة -كما أخبر النبي ﷺ فلنعد لهم العدة، ونعلم أنهم لا بد أن يواجهونا يوماً ما، ثم نجعل جميع موازيننا وفق كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فإذا أعطينا نعطي لله، وإذا منعنا نمنع لله، وإذا غضبنا نغضب لله، وإذا رضينا نرضى لله.
ونخشى لو حلّت هذه القضية أن نعود أصدقاء نحن وهؤلاء المرتدون؛ فيجب أن نعاملهم كما أمر الله أن نعامل الكفار، ويجب أن تكون موالاتنا ومعاداتنا في الله ولذات الله، فهذه العقيدة يجب أن نتمسك بها، فإن متنا نموت ونحن متمسكون بها، وقد عملنا ما استطعنا، وأعددنا ما استطعنا، وإن عشنا فالنصر لنا -بإذن الله وتأكدوا بأن الله سوف ينصرنا.
وإن لم يكن النصر في جيلنا هذا الذي هو جيل المعاصي، فسيكون في جيل آخر، يأتي به الله ، وهو الجيل الذي سيتربى بعيداً عن العقد النفسية.
وعندما جاءت الحملة الصليبية الأولى ودخلوا أنطاكية، كان عددهم خمسة الآف فقط، لكن الأمة كانت مشغولة بالشهوات، وقد فرقتها العصبيات والفرق والطوائف الضالة، وكان أغلى شيء في تلك الأيام هو المطربات، وأغلى سلعة في السوق كانت الجارية المغنية، حيث وصلت أسعارهن إلى عشرة الآف دينار، وإلى مائة ألف دينار، وكان أهم شيء عندهم هو الطرب واللهو واللعب.
وكانوا أمة كبيرة جداً، ومواردها هائلة، ثم بعد ذلك خمسة آلآف من الصليبيين يذلونها؛ والحملة الثالثة كانت ثلاثمائة ألف صليبي من جميع دول أوروبا جاءوا وهُزموا بعد خمسين سنة تقريباً؛ لأنه ظهر جيل مؤمن بالله لا يعرف ذلك الفسق والهبوط واللهو الذي كان عند أولئك.
стр. 676
نصيحة للمسلمين
ونقول نصيحة للمسلمين خاصتهم وعامتهم، نوجهها من هذا المكان، نسأل الله أن تبلغ إلى كل من ينفعه الله بها: إن الحرب هي أولاً مع أنفسنا، والصلح أولاً مع الله؛ فنحارب هذه النفس وهذه الشهوات، وهذه النفس الأمارة بالسوء، ونصطلح مع الله ونتوب إليه، ونعيد لأهل الدعوة قيمتهم واعتبارهم.
فنعيد لرجال الهيئات قيمتهم واعتبارهم، وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قيمته، ولكل أمر من أمور ديننا: الحق، والخير، والفضيلة نعيد لها قيمتها واعتبارها، ونكف عن كل المعاصي، غيروا وانظروا ماذا ستكون النتيجة! والله ليغيرن الله هذا الحال، ويكون هذا نصراً عظيماً جداً نفتخر به مدى الأزمان، ونظل نقول: الحمد لله الذي جعل هذه المشكلة سبباً لتغيير أحوالنا.
فإذا بقينا على حالنا، نتعلق بالأسباب المادية، ونسينا الله ، واستمر صاحب الغناء في غنائه، وصاحب المنكر في منكره، ومحلات السياحة في فسادها، ومحلات الخياطة والتعري في عملها، وتارك الصلاة ظل تاركاً لها، والذي يريد تغيير تسجيلات الغناء إلى تسجيلات إسلامية يمنع، والذي يريد أن يتوب لا يجد من يشجعه، فإذا بقينا هكذا؛ فالعذاب قادم، ونعوذ بالله أن يعذبنا، ولكن نسأل الله ونتضرع إليه ألا يؤاخذنا بما فعله السفهاء منا، وأنه إذا وقعت العقوبة والفتنة، أن يتوفانا غير مفتونين.
فيجب أن نتوب؛ لنلقى الله ونحن على توبة وإيمان، فواجبنا عظيم وكبير ولا يستهان به، ولا تقل: ماذا أفعل؟ فأنت تعظ، وهذا يخطب، وهذا يعقد المجالس ليذكر الناس بالله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦] فإذا أعرضنا، وعصينا؛ لا بد أن يصيبنا النقص: نقص في الوظائف والعملة والأرزاق.
نذكر الناس ونعظهم ونعظ أنفسنا قبلهم، ونقول كلمة الحق التي سيحاسبنا الله تعالى عليها، لماذا لا نقولها وفيها الخير لنا وللأمة؟ وأقول: علينا ألا ننام هذه الأيام، وألا نهنأ بأكل ولا شرب، ليس ذلك لأننا نخاف من الموت، أو لأن هؤلاء سينتصرون، لا والله، لكن لأننا سنسأل عن العلم الذي لم ننشره، والدليل الذي لم نبلّغه، وعن الحق الذي لم نصرّح به ولم نقل إلا بعضه، وربما لم نقل شيئاً منه، فلو تحرك العلماء والقضاة والمسئولون كل بحسب مسئوليته، نحو التضرع والتوبة والإنابة والاستغفار لكان أفضل وأخير لنا، أما بدون ذلك فالمسألة ستكون مجرد مهاترات.
стр. 677
توقعات حول الأزمة
وأنا أتوقع -والله أعلم- أنه لن تكون هناك ضربة قريبة، لا من هذا ولا من هذا، وإنما سيكون الحصار والإنهاك، فهذا يعزز مواقعه، وهذا يعزز مواقعه، فالبعثيون يحكمون قبضتهم على الكويت، والغربيون يحكمون قبضتهم على المنطقة بأكملها؛ وبعد ذلك سوف يأتي الله بالفرج من عنده.
ولن ينبع الأمل والفرج إلا من هذا الشباب الطيب المؤمن، إن اتقى الله وعرف واجبه في هذه الأحداث، وبدأ بالمرحلة الأساسية الأولى التي ذكرناها في الأسبوع الماضي، ثم ننتقل إلى المرحلة الثانية، ثم الثالثة، حتى لو استمر الحال مائة سنة أو مائتي سنة، فلا بد من يوم يتواجه فيه المؤمنون مع هؤلاء الكافرين.
وفي ظل هذه الظروف الحالية نحن نحتاج إلى القاعدة الأولى؛ لأن عليها يبنى كل شيء، وتجاوزها إلى أي شيء آخر خطأ، ولا يصح أن يقرّ بأي حال من الأحوال، ومن أراد الأدلة فما ذكرنا يكفي.
стр. 678
شبهات وردود
وهناك مشكلة أخرى خطيرة جداً، وحقيقةً أنه لا يمكن أن نسكت عنها، وهي الاستدلال بأدلة غير صحيحة، ولا تؤدي إلى المطلوب، ونحن نقول هذا دفاعاً عن ديننا، بغض النظر عن رأينا في أي حدث من الأحداث، وذلك لكي لا يُفترى على الله أو يُكذب على رسول الله ﷺ ، ولكي لا يقال على الله غير الحق.
فهنالك من تكلم واستدل لبعض الأمور، فأخطأ الاستدلال، فيجب أن نبين خطأه، فنقول:-
стр. 679
الاستدلال بقصة عبد الله بن أريقط
أولاً: الاستدلال بحديث عبد الله بن أريقط، وهو أن النبي ﷺ استعان به واتخذه دليلاً إلى المدينة، وهذا من باب استئجار الكافر، أليس البيع والشراء مع الكفار جائز أم لا؟ طبعاً جائز، والكل متفق على هذا، وهل الشركة مع الكفار تجوز؟ على القول الصحيح أنها لا تجوز؛ لأن الشركة مشاعر مشتركة: الرأي واحد، والأمنيات واحدة، فلا تجوز الشركة.
أما الاستئجار: فإن كان استئجار عين أو استئجار منفعة معينة، فهذا جائز؛ لأنه ليس كالشركة، وهو أقرب للبيع لكنه بيع مؤقت، فلا يجوز الاستدلال بهذا الحديث في غير موضعه الصحيح.
стр. 680
الاستدلال بالمعاهدة التي عقدها النبي مع اليهود
الأمر الآخر: هو المعاهدة التي عقدها النبي ﷺ مع اليهود في المدينة، فسكان المدينة الأصليون هم اليهود والأوس والخزرج، فمن الأمور الجديدة على المدينة مجيئ الرسول ﷺ ، والمهاجرون، إذ أنهم كانوا في نظر أهل المدينة كأنهم محتلون، ولكن النبي ﷺ كتب المعاهدة، ومن ضمن ما كتب: أن الأمر في المدينة كلها مرجعه إلى رسول الله ﷺ -هذا شيء مهم جداً- وإذا داهم المدينة عدو، فإن الدفاع عنها يكون من قبل الجميع، فهل من المعقول أن يتصدى الأنصار والمهاجرون للعدو، واليهود لا يعملون شيئاً، وهم أهل البلد الأصليون؟ ليس هذا معقولاً! فهذه القضية هي مسألة تختلف تماماً.
وشيء آخر وهو: هل استعان النبي ﷺ بالمشركين في أي معركة من معاركه؟ لا لم يستغن أبداً؛ وقد جاء في بيان هيئة كبار العلماء أن الأمر يرجع إلى الضرورة؛ وهذا صحيح أن الأمر يرجع إلى الضرورة، ولكن الضرورة لها أحكام ولها تفصيل، وهذا ليس موضوعنا، لكن موضوعنا هو أن النبي ﷺ لم يستعن بمشرك في أي حرب، بل في صحيح مسلم أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال له: ﴿أسلمت، قال: لا، فقال النبي ﷺ : ارجع فإنا لا نستعين بمشرك﴾ وهذا حديث صحيح، أما ما نسب إليه -مما ذكره الشافعي ﵀ أنه استعان ببعض يهود خيبر، فهذا الحديث غير صحيح، ولم يستعن بهم، وإنما استعملهم في الأرض.
стр. 681
الاستدلال بقصة الدروع المستعارة
السؤال
هل استعار النبي ﷺ دروعاً من الكفار؟
الجواب
أولاً: الحديث الصحيح في سنن النسائي وغيره أن النبي ﷺ استعار من يعلى بن أمية، ويعلى بن أمية صحابي جليل مسلم، لكن ورد في روايات موجودة في السنن والمسند وغيره من الكتب أنه استعار من صفوان بن أمية وهو مشرك، لكن الصحيح أنه استعار من يعلى بن أمية وليس من صفوان بن أمية، فهذا شيء.
ثانياً: وعلى فرض صحة أن النبي ﷺ استعار دروعاً، فإن ذلك أمر طبيعي؛ لأن النبي ﷺ يحكم الجزيرة العربية، وهو قائد الأمة، وجيشه اثنا عشر ألف.
فالجيش المسلم يمكنه أن يستعير أو يشتري السلاح من تجار الكفار، وهذا ليس فيه شيء! وليس هنالك إشكال في هذا! لكن هل هذا من باب أن النبي ﷺ استعان بالكفار، وحاربوا معه كفاراً آخرين؟! الجواب: لا.
ونقول هذا براءة للذمة، لأنه مهما كانت الظروف والضغط النفسي علينا؛ فلا يجوز أن نبرر لأنفسنا أي عمل بدليل غير صحيح، فلا يصح أن نستدل به في وقت الضرورة.
مثلاً: الميتة ليس هناك دليلٌ أن أكلها حلال، لكن في حالة الضرورة تأكل الميتة، ومتى تكون الضرورة؟ وهل هي ضرورة؟ فهذا شيء آخر، فالاستدلال بدليل ضعيف أو موضوع أو غير صحيح؛ لا يجوز.
стр. 682
حكم الاستعانة بالكفار في القتال
والعلماء قد ذكروا أنه: إذا كنا في عهد مع عدو، وكنا نأمن غائلتهم، وأردنا أن نحارب عدواً آخر، وأمكننا أن نغلب كل منهما على حدة، في هذه الحالة يجوز أن نستعين بالعدو الذي بيننا وبينه عهد.
مثلاً: أردنا أن نحارب الفرس، ففرح الروم بذلك، فعرضوا مساعدتهم، فإذا كنا قادرين على التغلب عليهم جميعاً؛ ففي هذه الحالة يمكن أن نستعين بالروم على الفرس.
فهذه الحالة ذكرها الفقهاء، وقالوا: إنه بالإمكان الاستعانة للقضاء على عدو آخر، والأمر المهم أننا مهما كانت الظروف والأمور، يجب أن نتقي الله، إذا قلنا: قال الله، أو قال رسوله ﷺ ، أو هذا من الدين، أو هذا يجوز، أوهذا لا يجوز، فإنه يجب أن نقف عند كلام العلماء.
ومن العجيب أننا نجد أنهم يخيفوننا، ويقولون: إن المطاوعة سوف يموتون؛ لأن الكمامات الواقية لا يمكن استخدامها مع اللحية، وهذا الكلام تكلم به مسئول في الحاخامية اليهودية -المقر الديني لليهود بإسرائيل- وقالوا: يجب أن تصطحبوا معكم مقصات؛ لأنه في حالة وضع القناع سيكون الأمر صعب مع اللحية.
وأقولها بكل أسف: إسرائيل سكانها كما يقال: ما يقارب أربعة أو خمسة ملايين، وهي مستعدة أن تجند مليون جندي خلال أربع وعشرين ساعة، فالجيش جاهز، والاحتياط جاهز، والكمامات جاهزة، وكل شيء جاهز، فهي أمة تعيش الحرب مع أن الانتفاضة تؤرقها من الداخل، ومع أن اقتصادها منهك ومنهار من الداخل، ومع أن مجتمعها متفكك ومكون من عدة جنسيات، ولديهم مشاكل كثيرة؛ لكنها مستعدة في خلال أربع وعشرين ساعة أن يكون لديها ما يقارب المليون جندي جاهزين لأية حرب.
стр. 683
أهمية أعمال القلوب
لقد حثنا الدين الإسلامي الحنيف على الاهتمام بالقلب وتزكيته، وتطهيره من الشوائب والأمراض، وذلك لأن عليه المعول في صلاح الأعمال أو فسادها، وفي هذه المادة يبتدئ الشيخ حديثه عن أهمية الاهتمام بأعمال القلوب، مبيناً أن الإيمان هو أعظم أعمال القلوب، مستعرضاً لأقسام القلوب، ومحذراً من أمراضها التي قد تؤدي أحياناً إلى موتها.
ولقد اتخذ أهل البدع من أعمال القلوب مدخلاً لدس بدعهم وخرافاتهم، وخلخلة عقيدة الأمة ودينها.
فعلى المسلم أن يكون حريصاً على دينه ولا يؤتى من قبل هذه الدعوى
стр. 684
موقع التربية من الدعوة إلى الله
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الأمين، محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
وبعد: فإن موضوعنا سوف يكون عن جانب عظيم ومهم جداً من جوانب الإيمان، وهو ما يتعلق بأعمال القلوب التي غفل كثير من الناس عن أهميتها، ولا أعني بالغافلين عنها الذين انحرفوا فيها كالمتكلمين والصوفية، ولكنني أقصد تقصيرنا نحن أهل السنة والجماعة المتبعين لمنهج السلف الصالح، ومنهج رسول الله ﷺ ، في الدعوة والتزكية والتربية، نحن قد لا نعطي لهذه الأمور ما تستحق من العناية والتركيز, مع أنها من أهم الأمور كما سنوضح بإذن الله ﵎.
والتذكير بالأمور الأساسية والمهمة واجب لا يجوز ولا ينبغي لأحد أن يجد غضاضة منه، فإن الله ﵎ أكثر ما ذكر في القرآن ووعظ ونوَّع في الأساليب بالإيمان بالله وتوحيده والإيمان باليوم الآخر، مع أن المخاطب به قوم قد آمنوا بذلك من قبل في الغالب، لكن هذه هي الأمور المهمة والأساسية والأصلية التي تنبني عليها حياة المؤمن وعبادته وأعماله والتي يجب أن يُذكِّر بها، وأن يُتَحَدَّث عنها كثيرا، ً فكيف إذا وجدنا أنها ربما أهملت لأسباب مختلفة.
стр. 685
الاهتمام بأعمال القلوب
إنَّ علينا جميعاً -نحن طلبة العلم- أن نراجع أول ما نراجع موقف قلوبنا مع ربنا ﵎، وحال هذه القلوب من التزكية والطهارة والتصفية والنقاوة، وأن نتعرف على أعمال القلوب، ونعلم مقدار ما لدينا منها، وماذا ينقصنا، وكيف فهمنا لها، ومعرفتنا وعلمنا بها، أهي كما يرضي الله وكما كان السلف الصالح, أم هنالك شيء من الخلل فيها فيتدارك، فإذا صلحت هذه القلوب؛ فإن الحال يكون كما في الحديث الصحيح ﴿ألا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ﴾ رواه البخاري ومسلم وابن ماجة والدارمي وأحمد.
إنَّ هذا الدين إنما نزل في حقيقته لتزكية القلوب وإصلاحها، ولهذا يقول ﷺ : ﴿أنا دَعْوَةُ أبي إِبْرَاهِيمَ﴾ رواه أحمد.
ودعوة أبينا إبراهيم هي ما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٩] فإبراهيم ﵇ دعا الله لما بنى هذا البيت العظيم "العتيق" أن يبعث في هذه الأمة هذا الرسول ﷺ وبهذه الأهداف والأغراض، وقد استجاب الله دعوة إبراهيم ﵇ كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢].
فنلاحظ هنا أن هذه الأمور الثلاثة المدعو بها اختلف اختلفت ترتيبها، فتقدمت التزكية على التعليم، ولاشك أن الإنسان لا يمكن أن يتزكى إلا بأن يتعلم الكتاب والسنة، فيتعلم الهدى الذي جاء به النبي ﷺ ؛ لكن عندما تتقدم التزكية فهي من باب تقديم الغرض والغاية على الوسيلة التي تؤدي إلى هذه الغاية.
فالأصل هي: تزكية هذه القلوب التي هي موضع نظر الله من العبد كما في الحديث: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ﴾ رواه مسلم، وهذه القلوب هي محل الابتلاء والتمحيص ومحل الأعمال التي لو استعرضناها؛ لعجبتم ولعلمتم أن لهذه القلوب شأناً عظيماً عند الله ﵎، كيف لا والقلب هو الذي إذا كان حياً فإن الجسد يحيا معه، وإذا مات مات الجسد.
стр. 686
حياة القلب وموته
فالحياة حياة القلب، والموت موت القلب، والمرض مرض القلب.
ولذلك نجد آيات عظيمة وكثيرة تتحدث عن أعمال القلوب، وأعظم هذه الأعمال بلا ريب هو الإيمان الذي هو الدين كله، ونحن الذين خاطبنا الله ﵎ باسم الإيمان حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٠٤] والمقصود به: الذين استجابوا لله ﵎، وأذعنوا ظاهراً وباطناً، قولاً وعملاً، فالإيمان عند أهل السنة والجماعة هو -كما تعلمون- (قول وعمل).
فالقول قولان والعمل عملان.
فالقول: قول القلب وهو: إقراره وتصديقه، وقول اللسان وهو: إقراره وتصديقه، أي: نطقه.
والعمل عملان: عمل القلب، وعمل الجوارح.
فلا أحد من المسلمين يجهل أنه لا بد من عمل الجوارح كالصلاة والصيام والزكاة وما أشبه ذلك، والأوضح عند المسلمين عامة الإقرار باللسان أي: (قول اللسان) , لكن ما يتعلق بالقلب -وهو الأهم- قد يخفى على كثير من المسلمين.
ولهذا نجد أن الله يخاطبنا بذلك ويبين لنا أهمية القلب فمثلاً: لما جاءت الأعراب، وقالوا -كما حكى الله عنهم-: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] فالأعراب أسلموا بمعنى أنه: حصل منهم الانقياد الظاهر، وأصل الإقرار والتصديق الذي يكون بالقلب، ولكن لم يدخل الإيمان في قلوبهم.
فالقلب لم يصل بعد إلى أن يكون قد آمن حقاً، وهذه درجة لا يجوز لأحد أن يدعيها، فالإيمان في الحقيقة هو إيمان القلب، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧] وذلك في مخاطبة المؤمنين، فهكذا يكون تزيينه في القلب، ودخوله فيه، أما المؤمنون السابقون فقد زينه في قلوبهم، وأما الأعراب فهو لما يدخل قلوبهم بعد، مع أن الجميع مع رسول الله ﷺ , مثلما نكون نحن الآن في الصلاة -مثلاً- في المسجد وفي الجهاد, فكلنا في مسجد واحد وفي معركة واحدة, لكن بين هذا وذاك من التفاوت مثل ما بين السماء والأرض، بقدر الإيمان وبقدر أعمال القلوب من الإخلاص والخشوع والإنابة والإخبات وغير ذلك من أعمال القلب.
أما أعمال الجوارح فإنها لا تكفي من دون أعمال القلب كما حصل في عهد الرسول ﷺ ، الرجل الذي كان يبلو بلاءً شديداً ضد المشركين، ومع ذلك يقول الرسول ﷺ : ﴿هو من أهل النار﴾، ربما يكون ذلك مع وجود من هو من أهل الإيمان والتقوى ومن أهل الجنة في الجيش, ولم يبل ذلك البلاء ولم يقتل مشركاً واحداً ولم يَصُلْ ولم يجل في المعركة، وكذلك في الإنفاق والصدقة والإحسان وسائر أعمال الخير التي إنما نريد أن نعبد ونتقرب إلى الله ﵎ بها.
إذاً: الإيمان هو: إيمان القلب، والتقوى -أيضاً- هي: تقوى القلب، كما قال الله: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] ويقول ﷺ : ﴿التَّقْوَى هَاهُنَا، التَّقْوَى هَاهُنَا، التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ رواه مسلم، وأحمد، فمحل التقوى هو القلب، والتقوى تشمل كل أعمال الخير والبر والصلاح، ولاسيما إذا أفردت, وقد بحث هذه المسألة شَيْخ الإِسْلامِ في أول كتاب الإيمان عند كلامه على لفظ البر ولفظ التقوى، وأمثالها من الألفاظ التي تأتي في القرآن والتي إذا جاءت فهي تشمل كل أعمال الإيمان الظاهر منها والباطن.
стр. 687
أقسام القلوب
أقسام القلوب ثلاثة وهي التي تسلم، أو تقسو، أو تمرض، والقسوة هي الموت، وهذه الثلاث الحالات تنتاب القلوب.
أما القلوب السليمة: فقد جاءت في كتاب الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] أي: خالص متجرد من الشرك، لا تشوبه شائبة من شرك، أو نفاق، أو رياء.
ويقول الله ﵎ في موضع آخر عن سلامة القلب في حق إبراهيم الخليل: ﴿إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات:٨٤] فإبراهيم ﵇ حقق ذلك، ولذلك أمر رسول الله ﷺ بالائتساء والاقتداء به؛ لأن قلبه ﵇ سَلِمَ من الشرك، ومن الولاء لغير الله، ومن المداهنة، والرياء، والنفاق، فخلص وتجرد، وتطهر لله وحده لا شريك له.
أما القلوب المريضة: فكما قال الله تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور:٥٠] فالقلوب تمرض، والآيات التي تذكر مرض القلب كثيرة منها قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً﴾ [البقرة:١٠].
وهناك طائفة كبيرة محسوبة ومنسوبة إلى هذا الدين, ويأتي الحديث عن أمراض القلوب غالباً مقترناً بها، وهم المنافقون -نسأل الله العفو والعافية- وهل هناك مؤمن يخاف من شيء أكثر من خوفه أن يكون منافقاً، فهذا أخشى وأخطر ما يجب أن نخافه، فلا ينفعنا عمل مهما كبر وعظم مع النفاق، لأن المنافقين ينفقون ولكن ينفقون وهم كارهون، ويصلون ولكن يصلون وهم كارهون، ويخرجون للجهاد ولكن كما قال تعالى ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً﴾ [التوبة:٤٧].
فليست المسألة في أن الأعمال تقع، لكن أن تكون هذه الأعمال تقع مع قلب سليم من المرض، ولهذا خاطبهم الله ووصفهم بأنهم قالوا: آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، فلا ينفع من آمن بفيه ولم يؤمن قلبه، إلا السلامة من سيف المؤمنين في الدنيا؛ لأنه قد دخل في دائرة من عصم دمه بقول هذه الكلمة ظاهراً، ولهذا لما ضرب الله تعالى المثل لهم في أول سورة البقرة قال فيهم: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:١٩] أي: أنهم ليسوا كالكفار الذين لم يروا نوراً مطلقاً، فقد رأو نوراً ولكن هل ينفعهم هذا الصِّيب، وهذا البرق؟ لا ينفعهم مطلقاً، بل هو مخيف لهم، لأنهم لم يذعنوا بقلوبهم لله ﵎, ولو أذعنوا وآمنت قلوبهم لاستنارت ولما كان ذلك إلا نوراً في قلوبهم وحياة يحيون بها، ويزكون بها أعمالهم، وتسلم قلوبهم من المرض فتطمئن، كما قال الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
وأما القلوب الميتة: فإنه إذا اشتد المرض بالقلب؛ حصل الموت، والموت: هو القسوة كما في قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٧٤] وقوله تعالى أيضاً: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم﴾ [الزمر:٢٢].
стр. 688
من نتائج مرض القلوب
هناك ألفاظ قريبة من القسوة أو شبيهة بها تدل على موت القلب -والعياذ بالله- إذا كان صاحبه ممن أهمله حين مرض, ولم يتنبه له ولم يعالجه بذكر الله؛ فأوصله إلى نتائج مرض القلب مثل: ١ - أن يقفل عليها، كما قال تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] فيقفل على هذه القلوب.
٢ - الران، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ [المطففين:١٤].
٣ - أو التغليف، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة:٨٨].
٤ - عدم الفقه، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩].
٦,٥ - الطبع والزيغ، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥].
٧ - العمى، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ [الحج:٤٦]، وقد ذكر الله ﵎ الكثير من نتائج موت القلب من مثل هذا، ولو تدبرنا في القرآن حق التدبر لوجدنا الكثير من هذه المواضع، فيما يتعلق بمرض القلب وموته، وأكثر من ذلك أو مثله فيما يتعلق بأعمال القلوب.
стр. 689
أعمال القلوب
حياة القلوب لها أعمال ولها صفات وأحوال، والأعمال القلبية كثيرة جداً منها:
стр. 690
الوجل
كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢].
стр. 691
المحبة
والمحبة قطعاً محلها القلب؛ ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ُيحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَءَامَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لله﴾ [البقرة:١٦٥] ويقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] ويقول: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، فهذه مزاعم ودعاوى باطلة، ولكن المؤمنين هم الذين يحبون الله ورسوله ﷺ ، ويحبون المؤمنين والصالحين وكل ما من شأنه أن يقربهم إلى الله ، وإلى محبته ورضاه.
стр. 692
الإخلاص
الإخلاص عمل عظيم، وبه يكون الفارق بين المؤمنين والمنافقين، لأنَّ المنافقين حتى وهم يشهدون شهادة الحق، فإنهم يشهدون وهم كاذبون، فإذا أردنا أن نفرق بين المؤمنين والمنافقين فالصدق والإخلاص هما أساس ذلك, وهما من أعظم أعمال القلوب إضافة إلى المحبة واليقين، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة﴾ [البينة:٥] نعم هكذا أمروا، فلو عبدوا الله من غير إخلاص, لما قبل منهم ولما نفعهم ذلك في شيء، لا سيما إذا فقد الإخلاص كله, أما إذا كان الإخلاص ناقصاً أي غير مفقود فشابته شوائب؛ فهذا له حكم أهل الوعيد والعصاة.
стр. 693
الإخبات
الخبت في اللغة: هو الأرض المنبسطة، والإخبات: أخبت إذا طأطأ حتى يساوى بالأرض، ففي هذا دليل على كمال الانقياد والإذعان ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٥٤] فالإخبات هو عدم الاعتراض, فلو ارتفعت لكان فيها نوع من الاستكبار.
ولهذا يقولون في قلوب الكفار: إنها قلوب متكبرة جبارة, وكثيراً ما يصفهم الله بوصف الاستكبار؛ لأنهم يستكبرون عن عبادة الله وطاعته والانقياد لأمره، فالاستكبار ضد الإخبات.
والإخبات في الشرع هو: الخضوع الكامل والمطلق، فكأنه التصق بالأرض، فليس لديه أي اعتراض على ما يأتي من عند الله ﵎، فهو كما قال الله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] والتسليم هو: حالة الإحسان التي ذكرها النبي ﷺ في حديث جبريل العظيم المشهور، وهو: ﴿أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك﴾ لأنه كما قال ابن القيم ﵀ تحكيم رسول الله ﷺ في مقام الإسلام.
فمن لم يحكم رسول الله على قلبه ونفسه, ويجعل هواه تبعاً لما جاء به في أصل التحكيم؛ فإنه ليس بمؤمن ولا بمسلم, إذ التحكيم في مقام الإسلام هو كما قال: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥]، وانتفاء الحرج يكون في مقام الإيمان، فالإيمان درجة أعلى من درجة الإسلام، فالدرجة هذه أنه حكم وانتفى الحرج من قلبه فلا حرج فيما يحكم به رسول الله ﷺ .
والمقصود هو: ما جاء به عامة، أي: ما جاءنا من حكمه ﷺ ، وهديه وسنته الظاهر منها والباطن، فنجعل كأنّ رسول الله ﷺ ، بنفسه قائم بين أظهرنا, يقول: اعملوا كذا ولا تعملوا كذا.
فرسول الله ﷺ غاب بجسده, وأما دينه وسنته وهديه فهي بين أيدينا وحجته قائمة علينا, فلا بد من انتفاء الحرج هذا في مقام الإيمان.
стр. 694
التسليم
يقول: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] وهذا التسليم هو الذي لا يخطر على البال معه أدنى اعتراض كما كان الصديق ﵁.
ففي صلح الحديبية كان الصديق ﵁ هو الوحيد من بين الصحابة جميعاً الذي سلم في هذا ولم يعترض، أما ثاني رجل في هذه الأمة في الإيمان والدين، وهو عمر ﵁ فقد أبى واعترض، وقال: ﴿يا رسول الله! ألسنا بالمؤمنين، وأليسوا بالكافرين، قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟!﴾ فكأن الشروط مجحفة وما سلم تسليماً، لكن ليس في ذلك رد لأمر رسول الله ﷺ ، أو تقديم بين يدي الله ورسوله، وإنما ذلك غيرة منه على دين الله، وحرصاً منه على علو الدين وظهوره وتمكينه وانتصاره على أعدائه, فيرى أن هذه الشروط مجحفة للمسلمين -كما هو ظاهر الحال- فما سلم تسليماً بحيث لا يكون لديه أي ممانعة أو مدافعة أو منازعة، وإذا علمنا ذلك علمنا أهمية أعمال القلوب، وأن التزكية تحتاج إلى صبر ومصابرة ومثابرة ومجاهدة ومحاضن تربوية، وعمل ذاتي من المربي أو المزكي بنفسه ومن المجتمع أو الأمة، حتى تصلح هذه القلوب وتصلح هذه الحالة (حالة الإحسان).
ولهذا يقول عمر ﵁: [[فأعتقت وتصدقت لذلك]]، أي: أعتق وتصدق من أجل موقفه في ذلك اليوم, لأنه أنزله عن دائرة التسليم المطلق الذي فعله الصديق ﵁، وكان الصحابة مع عمر لكن لم يستطيعوا وليس فيهم جرأة عمر ﵁، فلما رأوا رسول الله ﷺ يحلق ويتحلل؛ عندها أذعنوا عملياً لمشورة أم المؤمنين ﵂.
стр. 695
الإنابة
قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤] والإنابة معناها قريب من معنى الإخبات، وأناب في اللغة معناه: عاد ورجع، فالإنابة: أن يعود الإنسان ويرجع إلى الله رجوعاً كلياً متجرداً خالصاً لله ﵎، فيرجع عن كل ما لديه من أهواء، وشهوات، ودوافع، ونوازع ويجعل همه هو رضا الله ﵎.
стр. 696
الخشية
الخشية أمرها عظيم، وقد مدح الله وأثنى على الذين يخشونه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ولا خير في علم لا يؤدي إلى خشية الله ﵎.
стр. 697
الخشوع
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَءَامَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد:١٦] والخشوع هذا بمعنى الخشية أو قريب منه.
فأعمال القلب تتقارب؛ لأنها أعمال باطنة، فنجد -مثلاً- الوجل، والخوف، والخشية، والخشوع؛ متقاربة المعنى، ولكل واحد منها معنى, لكنها متقاربة في ذلك وكلها تدل في النهاية على كون هذا القلب خاضعاً وذليلاً للعزيز الجبار المتكبر الذي خلقه فسواه وعدله، وافترض عليه ما افترض، وشرع له ما شرع، وتعبده بما تعبد.
فإذاً الوجل والخوف والخشية والخشوع هي جملة من أعمال القلب لها دلائل، ويقابلها الرجاء والمحبة والرضا والفرح, فتتوازن النفس الإنسانية بين هذه الأربعة وتلك الأربعة, فيكون الإنسان حقاً قد جمع كل أعمال القلوب وأنواعاً من العبوديات التي يحبها الله ﵎ والتي لا يريد أن يقع أو يحصل بعضها ويترك ويهمل البعض الآخر.
стр. 698
التوكل
إنَّ أعمال القلوب كثيرة، والقاعدة في ذلك: كل ما نسب إلى القلوب أو إلى الصدور في كتاب الله فهي من أعمال القلوب، وهي أحياناً لا تنسب إلى القلب أو إلى الصدر ولكن هي محلُ ذلك، كالتوكل مثلاً، فهو من أعظم أعمال القلب؛ لأن التوكل يدخل في الاستعانة، والله في سورة الفاتحة التي هي أم القرآن والسبع المثاني يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، وكل الدين داخل في هذه الآية وهذه، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك:٢٩]، فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] هي ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ [الملك٢٩] و ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] هي ﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَاِ﴾ [الملك٢٩].
فهناك أمران: أن يكون الله ﵎ وحده هو المعبود والغاية وهو المراد الذي نسعى إليه, وأن يكون هو المستعان به وحده على تحقيق هذه الغاية, والمتوكل عليه وحده في أمورنا وحدها، فأعمال القلوب كثيرة نستطيع أن نستخلصها من كتاب الله.
стр. 699
ضلال الناس في أعمال القلب
كيف ضلت الأمة في أعمال القلوب، وكيف أخطأت، وكيف صار حالها؟ في أول الحديث تعرضنا من أجل بيان أهميتها إلى التقصير والخلل الذي يحصل من أهل السنة والجماعة في هذا، فلعلنا نبدأ في هذا ثم ننتقل إلى المناهج الأخرى التي ضلت وانحرفت، فنقول: إن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم والسلف الصالح، فهموا كتاب الله ﵎, وأقاموه علماً وعملاً، وعلموا أهمية الإخلاص واليقين والصدق والمحبة وغير ذلك من أعمال القلوب، فتحققت فيهم العبودية الكاملة لله ، وعلموا أن لا إله إلا الله ليست كلمة تقال باللسان، وعلموا أن الإنسان إذا انقاد بقلبه وخضع وخشع، فلابد أن يعمل وأن تنقاد جوارحه؛ ولذلك كانت حياتهم واقعاً وترجمةً وتجسيداً لهذه الحقائق الإيمانية التي تعيشها قلوبهم ﵃ وأرضاهم.
أما الذي حدث في العصور المتأخرة لبعض أهل السنة والجماعة -ولا نتكلم عمن عداهم- أنهم اعتراهم ما اعترى غيرهم, ولكن بقدر، فاعتراهم الضعف، وانحسر وتضاءل المفهوم في أذهانهم، فأصبح الدين كأنه الشعائر الأساسية, وأصبحت شهادة أن لا إله إلا الله مجرد قول فقط.
فلم يعد أهل السنة بتلك القوة وفي تلك القمة العالية التي كانت عليها الأجيال أو القرون الثلاثة؛ لأن النبي ﷺ عندما قال: ﴿خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم﴾ هؤلاء الذين يأتون بعد القرون الثلاثة، ليسوا من أهل البدع ومن أهل الأهواء، بل هم على نفس الخط ولكنهم أقل، ففيهم ضعف، وفيهم من الأمور التي لا تخرجهم عن السنة، لكنها تخرجهم وتنزلهم عن درجة القرون الثلاثة المفضلة التي هي في قمة العمل والإيمان والتصديق بهذا الدين.
ودليل ذلك: أن الذين فهموا حقيقة أعمال القلوب من العلماء وتكلموا عنها قوبلوا بشيء من الاستغراب, فقد استغربهم أو ربما أنكر عليهم البعض, ولا نعني بالبعض أهل البدع, ولكن بعض أهل السنة ظنوا كأنما جاءوا بشيء جديد, أو كأن هذا العالم أتى بأمر ما كان يؤتى به من قبل، أو أنه على الأقل جاء بشيء هم لم يألفوه من شيوخهم، وانظروا -مثلاً- كيف استُغْرِبَ ما جاء به شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية وما جاء به الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله ﵎، فبعض الناس فيه الخير والصلاح, ولا يحب أهل البدع ولا يركن إليهم، وكانوا أيام دعوة الشيخ محمد وفي أثنائها وقبلها ومع ذلك ما دعوا إلى مثل ما دعا إليه ولم يجددوا مثل ما جدد؛ لأنهم ما فطنوا إلى ما فطن إليه، لكن الشيخ ﵀ ﵎ وقبله ابن تيمية والإمام أحمد، فهموا وعلموا أن هذه العقيدة قول وعمل، وأن القلب إذا حيَّ وتحرك وانطلق, فلا بد أن تتحرك الجوارح وتنطلق في الحياة, فليست المسألة تقرير بأن نجلس ونقرر عقيدة الأسماء والصفات، وعقيدة القدر, وعقيدة اليوم الآخر، وكل منا يحفظ هذا العلم، ثم ينصرف راشداً إلى بيته ويكون قد حصل له الخير والعلم والفضل، لا شك أنه حصل له خير وعلم وفضل والحمد لله وهذا شيء عظيم، لكن الأمر أكبر من ذلك أما هؤلاء الأئمة فقد تعلموا كما كان ﷺ يعلم الصحابة الإيمان قبل القرآن.
وهؤلاء الذين ورثوا هذا العلم علموا أنه لا بد أن يتحول هذا العلم إلى عمل ودعوة وجهاد وصبر ومصابرة، لذلك انطلقوا في واقع الحياة، فلا يمكن أن يقر الإمام أحمد الأمة وهي تنصرف وتنحرف عن العقيدة الصحيحة إلى عقيدة فاسدة، وإنْ أُوذِي، وضرب، وجلد، وإن حصل له ما حصل -كما تعلمون- وكذلك شَيْخ الإِسْلامِ أراد أن يحرك هذه الأمة في الجهاد وهو في أول الصفوف، فيجاهد طواغيت التتار ويذهب بنفسه ويخاطبهم بأقوى الكلام.
أما الباطنية فيأخذ طلابه ويجاهدهم بالجدال، ويدعو الأمة لمقاتلة الصليبيين، إنها حياة حقيقية التقت فيها حياة أعمال الجوارح مع حياة القلب، وعمل القلب, ولكن ليست كل الأمة فيها ذلك, فالتقصير حصل عند أهل السنة في هذا, فعندما أتت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ كان الأمر كذلك.
والآن ونحن -والحمد لله- نعيش على هذه العقيدة وعلى بقايا هذه الدعوة, نجد فينا من الضعف الظاهر البيّن، والواضح الجلي، والذي يدل على أننا لم نحقق أعمال القلوب كما ينبغي، وإن كنا -والحمد لله- في الجملة مجانبين لأهل الأهواء والبدع، ولكن ليس الأمر فقط أن تجانب أهل الأهواء, ولكن أن ترتقي في درجات الإيمان واليقين والإخلاص والدعوة، ولذلك كم من المسلمين ومن طلاب العلم من لا يعلم شروط لا إله إلا الله، والتي هي: العلم والإخلاص واليقين والصدق والقبول والمحبة والانقياد، ولو رجعنا لأعمال القلب التي نتحدث عنها، فـ: "لا إله إلا الله" تقتضي هذه الشروط، والتي هي أساسيات الإيمان، فنحن رجعنا إلى هذه القضية، فالشخص الذي لم يتعلم هذه الشروط ولم يوفقه الله لها، بل ربما لا يتخيل أن لها شروطاً أو أركاناً أصلاً، لكن مع ذلك فهو إن شاء الله ﵎ على الإيمان والسنة وفيه خير ولا يأتي بالبدع، ولكن هذه الإشارة تكفي لنعلم أن الأمة لديها هذا الخلل والنقص الواضح.
стр. 700
أعمال القلوب عند المبتدعة
ما ذكرناه من أهمية أعمال القلوب، هو ما يعتقده أهل السنة أما غيرهم من أهل البدع فلهم مواقف أخرى.
стр. 701
الطائفة الأولى: أهل الكلام
إنَّ أهل الكلام: هم الذين تُقرر كتبهم ومناهجهم الآن في الجامعات والمعاهد والمدارس الإسلامية خارج هذه البلاد إلا ما رحم الله, بل ربما قررت هنا في بعض الجامعات وتدرس في بعض المساجد.
عقائد أهل الكلام التي يقولون فيها -كما يقول الباقلاني وهو من أكبر أئمة المذهب الأشعري المتقدمين والجويني -: 'إن الإيمان هو التصديق دون سائر أعمال القلب والجوارح' فالإيمان عندهم مجرد التصديق دون سائر أعمال القلب والجوارح, والجويني في الإرشاد يأتي بالخلاف فيقول: قال جهم: 'الإيمان هو المعرفة بالقلب وقال: السلف الإيمان قول وعمل ثم يقول: والذي نرتضيه ديناً هو: أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط' أي: غيَّر عبارة جهم والتي هي المعرفة، وجاء بالتصديق.
إذاً: هو يرفض مذهب السلف بعد أن نقله وأورده وذكره، فكيف يكون هؤلاء من أهل السنة والجماعة كيف يكونون متبعين لمنهج السلف الصالح وهم يذكرونه ويتعمدون مخالفته، وإلى أي رأي يخالف! إلى رأي ليس ببعيد عن رأي جهم، وإن غيروا المعرفة وجعلوها تصديقاً.
فإذا تجرد التصديق عن العمل، وعن بقية أعمال القلب والجوارح؛ فإنه يصبح في الحقيقة علماً مجرداً أو معرفة مجردة لا أكثر ولا أقل، فكأن الاختلاف بينهما -بين الأشاعرة والجهمية - لفظي فقط.
إذاً: ماهي نتيجة أن تدرس عقائدهم الباطلة من أقصى إندونيسيا مروراً بـ الهند وبنجلادش وباكستان وغيرها إلى الدول العربية إلى تركيا إلى إفريقيا وتكون هذه هي المناهج التي يتعلمها الناس، فيقال لهم: إن الإيمان فقط هو التصديق ولا يدخل فيه أعمال القلب ولا أعمال الجوارح.
إنه يترتب على هذا الكلام خطر عظيم، وهو الواقع في أحوال المسلمين اليوم؛ حيث اعتقدوا أن الكفر هو التكذيب، ما دام أن الإيمان هو التصديق، فمن اعتقد أن الله حق، وأن الرسول ﷺ صادق؛ فقد صدق وهو مؤمن، فالكافر هو الذي يعتقد أن الله ﵎ ليس حقاً وأن محمداً ﷺ ليس صادقاً، وكم من المسلمين من يعتقد ذلك؟! قليل جداً.
فلما أهملوا التوكل والاستعانة واليقين والإخلاص وغير ذلك من أعمال القلوب؛ استُعين بغير الله، واستُغيث بغير الله، ودُعي غير الله، وعُبد غير الله؛ فامتلأت بلاد العالم الإسلامي بالقبور، والأضرحة، والمشاهد، والمزارات، وأصبح الناس يتقربون إليها، ويطوفون حولها، ويدعون أصحابها، ويبتهلون إليها، ويتضرعون إلى أصحابها، ويذبحون لهم، ويهدون إليهم، فإذا قلت: هذا شرك، وهؤلاء يقعون في الشرك، قالوا: ليس هذا بشرك أو كفر؛ لأنهم تعلَّموا أن الكافر هو الذي كذَّب الرسول ﷺ ، ولم يؤمن به، وهذا مصدق، فإذاً أنتم مبتدعة، وأنتم على مذهب الخوارج! وتهمة الخوارج هذه إذا سمعتموها وأنها تقال لمن ليس من أهلها، فاعلموا أن هذه هي سنة الله ﵎ كما قال: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥٣]، وكما قال الله ﵎ لمحمد ﷺ : ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت:٤٣]، فيقال: خوارج لكل من دعا إلى الله ﵎ على علم وبصيرة, وهو واضح أنه مجانب لمذهب الخوارج مثل ما بين السماء والأرض.
فهكذا يتهم أهل الباطل وأهل الإفك من أراد أن يجرد التوحيد وأن يخلصه لله ﵎، في القديم والحديث، وفي كل زمان ومكان.
إن إغفال أعمال القلوب هو الذي أدى إلى هذه الظاهرة العجيبة جداً لو تأملناها، وربما أن من خرج من هذه البلاد ورآها، تعجب كل العجب، فتجد أستاذاً جامعياً في كلية الشريعة أو في غيرها على درجة كبيرة من العلم يقول: ذهبت عند ضريح الشيخ فلان أدعو، فيقال: أنت دعوته، فيقول: لا أنا ما دعوته ولكن دعوت الله ﵎ بواسطته، فإذا قلت له: فما رأيك فيمن يدعوه! يقول: حتى من يدعوه فغرضه التوسل، فإذا قلت: وأين الدليل؟ يقول: الله ﵎ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] سبحان الله! كل هذه الآيات التي في أعمال القلوب تهمل, ويؤتى بمثل هذه الآية, ويتأولونها على غير وجهها, ويجعلونها معارضة لكل الآيات الصريحة الدلالة الواضحة على أنَّ القلوب لا بد أن تتجرد لرب القلوب ﵎.
стр. 702
الطائفة الثانية: الصوفية
ولقد انحرفت الصوفية انحرافاً عظيماً في أعمال القلوب, فهم لم يهملوا أعمال القلب كالذين أغفلوها من المتكلمين، فـ الصوفية من جنس الضالين, وأما أهل الكلام فهم من جنس المغضوب عليهم.
فمن ضل من أهل الكلام -وهم كلهم أهل ضلال- فهو من جنس المغضوب عليهم الذين عرفوا الحق ولكنهم تعمدوا مخالفته ولم يعملوا به، فعندهم علم في أقوالهم، ولكنهم يتركون ذلك، أما الصوفية فهم من جنس الضالين، لأنهم يعلمون أهمية التوكل، فأكثر ما يدعون ويتكلمون عن أعمال القلوب ويركزون على اليقين والإخلاص والإخبات والإنابة، ويجعلونها مقامات وأحوالاً.
وهم يعادون أهل الفقه، أو أهل الظاهر, أو الشريعة، إلى غير ذلك من الألقاب التي ينبزون بها العلماء لأنهم يرون هؤلاء العلماء يغفلون عن أعمال القلوب, فيجلس أحدهم في المسجد يتكلم عن كتاب المياه والطهارة والوضوء والصلاة والحيض والغسل والزكاة, ولا يتكلم عن اليقين أو الإنابة أو الإخلاص أو الخوف أو الرجاء أو المحبة أو الخطرات أو الوساوس أو الشكوك أو غيرها، فيقولون: هؤلاء أهل الظاهر فقط، أي: أحكام ظاهرة فقط، ويتركون الأساس، نعم هذا تقصير كما ذكرنا أن تهمل هذه الجوانب، لكن لا يفر من انحراف إلى انحراف آخر.
أما التوكل -مثلاً- عند الصوفية فهو التواكل، ولهذا عندما يأتي الغزالي في الإحياء فيجعل درجات الناس في هذا العمل العظيم, يقول: 'الناس درجات، منهم عامة الناس وهؤلاء يعملون ويتخذون الأسباب'، أي: يكدحون من أجل الحصول على لقمة العيش.
ثم قال: 'ومن مقامات التوكل الذي يعتزل في المسجد ويذكر الله ويسبح الله ويتوكل على الله برجاء ما يقدم له'، أي هذا يعطيه دينار والآخر درهم، وآخر يقول: تعال اليوم العشاء عندي، وهو جالس يعبد الله ﵎ في المسجد، انظروا كيف يكون هذا مقام من مقامات التوكل.
ثم قال: 'ومقام أعلى منه كمقام الخواص وأمثاله من أئمة الصوفية وهو الذي ينطلق ويمشي في البرية بغير زاد، توكلاً على الله تعالى، وترك الأخذ بالأسباب'، فإذا كان يريد الحج -مثلاً-: من بغداد، أو من خراسان، إلى مكة، فيخرج في البرية من غير زاد، وذلك ثقة في الله، وتوكلاً عليه، ولا يأخذ أي شيء، وهكذا يهيم في الصحراء وهذه هي الدرجة العليا من التوكل عند الصوفية، سبحان الله! كيف سيكون حال الأمة الإسلامية لو أخذت بذلك؛ لتركت الأسباب، ولتواكلت، ولأفنُيت تماماً، فيفنيها التتار والصليبيون وأمثالهما، -وفعلاً- فلما جاء الصليبيون اعتزل الغزالي الدنيا ولم يكن له أي مشاركة، والمقصود من هذا النموذج بيان خلل الصوفية في فهم أعمال القلوب كالتوكل.
أما الرضا وهو عمل عظيم, فقالت عنه الصوفية: الرضا أن ترضى بكل ما ترى في هذا الكون، أي أن تشهد الحقيقة الكونية، فكل ما قدره الله ﵎ ترضى به، فالكفر، والشرك، والسحر، والزنا، والفساد، والسرقة، والظلم، والإفك، ترضى بها لأنها من عند الله ﵎ فتشهد الحقيقة الكونية.
حتى أن بعضهم فعل الأعاجيب، فلما دخل هولاكو إلى بغداد أتى أحد شيوخ الطريقة وأخذ يقود الفرس لـ هولاكو، فقال الناس: شيخ وتقود الفرسان لعدو من أعداء الله, سبحان الله! لكن الشيخ أجاب: بأن هذا من شهود الحقيقة الكونية، فهذا قد يكون منافقاً في الحقيقة، ولا شك أن مثل هؤلاء عملاء، وفي الأصل هو أجاب بما اصطلحت عليه الصوفية، بأن هذه عقوبة من الله على المسلمين بذنوبهم، فيدخل مع أعداء الله ﵎ فيا سبحان الله على هذا الفهم! ولو أن كل واحد من المسلمين فهِم كفهم هذا الشيخ الضال، لكان كلما داهمنا عدو، ذهبنا مع اليهود، أو الصرب، أو الأمريكان، أو المجرمين، في كل مكان يحاربون فيه أو يهاجمون فيه المسلمين، سبحان الله! أما المحبة, فقالوا: المحبة إذا تعلق المحب بالمحبوب؛ رضي عنه ولم يؤاخذه بشيء, فأصبحوا -حتى في عبادتهم- إن تقربوا إليه بشيء تقربوا إليه بما يثير المحبة، يقولون: نحن أحببناه فلا يؤاخذنا في شيء، لأن الله ﵎ لما قال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨] قالوا: فإذا أحب الله العبد لا يعذبه بذنوبه، إذاً نحن نحب الله ويحبنا الله ﵎ فلا يعذبنا.
فكل ما يعملونه هو تهييج المحبة فقط، فيجلسون ويجتمعون رجالاً ونساء، كباراً وصغاراً ومرداناً، وينشدون الأناشيد في المحبة والعشق والهيام والغرام، ومنها قصيدة امرؤ القيس فيأتون بها، والقصائد التي قالها المجنون في ليلى يأتون بها وليس فيها تغيير، ويتناغمون، ويتمايلون عليها ويقولون: هذه تهيج المحبة وتجعلنا نحب، فإذا جئنا إلى محبة رسول الله ﷺ فهم يرون أنها عشق للنبي ﷺ ، فانظر إلى سوء الأدب حتى في التعبير، يرون العشق هو عشق النبي، وقد هجاهم المعري على ما فيه من الانحراف لما قال:
أرى جيل التصوف شر جيل فقل لهم وأهون بالحلول
أقال الله حين عشقتموه كلوا أكل البهائم وارقصوا لي
لقد بلغت -كما أوردت بعض المصادر- تكاليف بعض حفلات الصوفية التي كان يحضرها سلاطين المماليك وغيرهم آلاف الدنانير والمسومات والروائح والأطياب، فترى الشيء العجيب من الترف والبذخ، فعندما يحتفلون بعيد ميلاد الرسول ﷺ المبتَدَع ترى بذخاً هائلاً جداً، فيأكلون من هذا البذخ ثم يقومون يرقصون ويتمايلون إلى الفجر، فقول المعري هنا على ما فيه من الزندقة ينطبق عليهم:
أقال الله حين عشقتموه كلوا أكل البهائم وارقصوا لي!!
فإن أنكر هذه البدعة عليهم منكر, قالوا: هذا لا يحب الرسول ﷺ ، فلا تستغرب منه أن يقول: هذا خارجي، أو وهابي، أو هذا لا يحب رسول الله ﷺ ، فلو كان يحبه ويحب الله لأكل كما يأكلون ولرقص كما يرقصون, نسأل الله ﵎ العفو والعافية، إذاً هذا فهمهم للمحبة، ولذلك من غلوهم في فهم المحبة أنسوا الناس الخوف، بعكس الخوارج الذين أخذوا الخوف فقط، وأغفلوا الرجاء، فـ الصوفية أهملوا الرجاء كما قال الهروي: 'الرجاء أضعف مقامات المريدين'، إذاً هم أخطئوا وضلوا في الرجاء، والخوف، والرضا، والمحبة، وحتى في اليقين.
أما اليقين عند الصوفية فهو شيء عجيب جداً، فاليقين عندهم أن الواحد منهم ينام بعد أن يدعو بدعاء معين ابتدعوه فيرى النبي ﷺ ، في تلك الليلة، بل وصل الحال بهم إلى أنهم يرونه -كما يزعمون- يقظة، بل ويدعون أن الله تعالى يكلمهم وهم يسمعونه.
إذاً: وصلت الأمة إلى ما ترون من الحال، فالطائفة الأولى أناس انصرفوا إلى فقه مجرد, مع أن الفقه في حقيقته هو العلم الشريف العظيم الذي منه الفقه الأكبر وهو التوحيد، ولكنهم انصرفوا إلى مجرد أحكام ومسائل يبلغون فيها الدرجات والمناصب، ولكنهم في بعدٍ كامل وشديد عن تزكية القلب وتطهيره وتنقيته، والإجلال لله ﵎ والخشوع، والخضوع والإنابة له وتوحيده كما أمر الله ﵎.
والطائفة الأخرى التي ينظر إليهم على أنهم هم أهل العبادة وأهل الذكر، تجدهم في الموالد وعند الأضرحة، وتجد العمائم والمظاهر ولكن كما قيل في القديم: 'العمائم أبراج، والأكمام أخراج، والعلم عند الله ﵎'، هذا هو حالهم، فهم أصحاب موائد، ومناسبات، واحتفالات، ويتكلمون عن أمور هي من أصل الدين كالمحبة والرضا واليقين وما أشبه ذلك, والكرامات والولاية وكيف يصل الإنسان إلى ولاية الله ﵎، والموضوع نفسه موضوع عظيم لكنهم يتكلمون فيه بجهل، وبدع وضلال؛ فضاعت الأمة بين هذا وذاك.
والحق هو الوسط وهو ما كان عليه سلف هذه الأمة كما أخبر ﷺ في الحديث المعلوم، حديث الافتراق فقال: ﴿من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي﴾.
نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع إنه سميع مجيب
стр. 703
الأسئلة
стр. 704
صلاح القلب وفساده
السؤال
نحن نعلم أن القلب من الناحية التشريحية عبارة عن عضلة تتصل بها الشرايين والأوردة, وأنها تضخ الدم, فكيف تكون هذه العضلة موضعاً لأعمال مختلفة مثل الحب والكره والحسد وغيرها، وما هي إلا عضلة تضخ الدم؟ وآخر يقول: إنه مع التقدم في طب القلب ربما يغير للإنسان عضلة قلبه، فهل تتغير أحوال المرء بتغيير القلب، ما رأي فضيلتكم؟
الجواب
نحن لا نخلط بين عالم الغيب وعالم الشهادة، فحتى نحن عندما يقال هذا فلان، فإنك أخذته كعِلْمِ شهادة مجرد, الذي هو الطول والعرض والارتفاع، واللون والشعر والعصب واللحم، لكن إن أردت بفلان حقيقته الذاتية المعنوية، فأنت تتكلم عن شيء آخر غير ذلك تماماً, فلا نخلط بين الأمرين.
والمقصود شرعاً بالقلب ليس هو مجرد ما يقصد به تشريحاً أنه هذه العضلة وغيره، إنما الحديث عن الجانب المعنوي الذي هو من عالم الغيب، فنحن نجهل الروح كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] وهذه العضلة توجد عند الميت والحي والحيوان، وتوجد عند أتقى الأتقياء، وأفجر الفجار، ولكن ليست القيمة بهذا الشكل المادي المشاهد المحسوس، وليس هو المقصود في كلام الله ورسوله بذاته المادية المحسوسة، وإنما المقصود القلب بكيفيته المعنوية، التي لا تدخل تحت الحس ولا تحت النظر, وهكذا سائر الأعمال وما يتفرع عن القلب من ذلك، فأرجو من الأخ أن لا يخلط بين عالم الغيب وبين عالم الشهادة، وكلام الإخوة الأطباء والمشرحين وأمثالهما له موضعه كناحية عضوية بحتة، ونحن نتكلم من الناحية المعنوية البحتة.
стр. 705
اتهام النفس بالنفاق
السؤال
إني أعد نفسي منافقاً حيث إني في الظاهر أمام الناس طيب وملتزم, ولكني إذا خلوت بنفسي ارتكبت المعاصي، ولا أستطيع أن أتركها إذا تذكرتها، ماذا أفعل هل أخبر الناس أنني أرتكب المعاصي؟
الجواب
نسأل الله أن يعفو عنا جميعاً، ومن منا ليس كذلك يا أخي، إذا كان بعض الصحابة يقول: [[لو تعلمون ما أُغْلِق عليه بابي ما تكالبتم وتجمعتم هكذا]] وهو من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو لا يقصد بذلك أنه ينتهك المحرمات، ولكن المقصود -كما في حديث حنظلة - أن حالهم مع رسول الله ﷺ غير حالهم مع الخلوة، ونحن كذلك ليس حالنا في بيوت الله وفي حلقات الذكر ومع الإخوة الطيبين، كحالنا في حالة الضعف والخلوة وغلبة الشيطان، ولكن هل يعني ذلك أننا لا بد أن نكون بين حالتين، إما أن نكون على حال واحدة كما تخيل حنظلة، فيكون حالنا على وتيرة واحدة من ازدياد الإيمان ونتخيل أن الإيمان يبقى على حالة واحدة لا يقل ولا يضعف ولا يفتر, لا في حالة الوحدة والانفراد, ولا في حالة الاجتماع, ولا في حال إقبال النفس وتشوفها إلى الطاعة, ولا في حال جرمها وعنادها وإما أن نتصور النفاق والسقوط الذي قد يدفع إلى القنوط -والعياذ بالله- فعند ذلك يقول: الأفضل أن أترك هذه الأعمال الظاهرة, بل أقول للناس: أنا وإن صليت فإني أفعل كذا، ولو اتقيت ظاهراً فإني أفعل كذا، ليس الأمر هكذا، إما هذه وإما تلك، بل نحرص على أن نستديم هذه الحالة ما أمكن، فإذا ضعفت, فاعلم أن النفس طبيعتها الضعف، وطبيعة الإنسان هي الظلم والجهل، والله ﵎ يريد منك أن تقاوم هذا الظلم وهذا الجهل لتقوِّم النفس وتزكيها.
ولهذا قال بعض السلف: جاهدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت، أي: قبل الأربعين كان يظن أنها لم تستقم بعد، ومع أنه كان في مثل هذه الحالة لكنه لم يقنط بل جاهدها، ولما سمع بهذه المقولة آخر: قال أو قد استقامت!! تعجب من أنها قد استقامت، لأنه يقول: نحن سنموت وما زلنا نجاهدها ولما تستقم، وهكذا كان حالهم ﵁، ولهذا يجب أن نبعد القنوط عنا وأن لا نُحدِّث الناس بذنوبنا, بل نحمد الله ﵎ أن ستر عنا ذنوبنا التي لا يعلمون.
وأيضاً يجب علينا أن نجاهد أنفسنا وأن نحارب هذا النفاق والرياء، وهذا الخلل والتقصير ما استطعنا, فالحال حال مجاهد لا يضع سلاحه ولا يجد راحة, كما قال الإمام أحمد ﵀: 'لا يجد المؤمن راحة دون لقاء ربه' فلا تجد راحة إلا إذا لقيت الله ﵎, ولا تطمئن إلا إذا وضعت قدميك كلتيهما في الجنة، وهكذا نحن في دار ابتلاء فلا بد أن نصبر على ذلك وأن نجاهد ونصبر ونصابر، ولا نيأس ولا نقنط, فما دمت على هذه الحالة يا أخي, فأنت كما قال الحسن البصري ﵀ عن النفاق: ' ما أمنه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن '، لأن المنافق يرى ذنبه كذباب وقع على أنفه ففعل به هكذا فذهب، فلا يبالي بذنبه، أما المؤمن فيرى ذنبه كالجبل العظيم يوشك أن يقع فيخاف منه.
فما دمت تخاف من النفاق -والحمد لله- وتستشعر هذه الحالة؛ فلا يدفع بك الشيطان إلى القنوط, ويقول: أخبر الناس وحدثهم بما خفي من أعمالك التي تخالف ظاهرك، بل احرص على أن تصلح باطنك، ونسأل الله أن يصلح سرائرنا وظواهرنا وأن يثبتنا على الحق إنه سميع مجيب.
следующие страницы →