← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الطائفة الأولى: أهل الكلام إنَّ أهل الكلام: هم الذين تُقرر كتبهم ومناهجهم الآن في الجامعات والمعاهد والمدارس الإسلامية خارج هذه البلاد إلا ما رحم الله, بل ربما قررت هنا في بعض الجامعات وتدرس في بعض المساجد. عقائد أهل الكلام التي يقولون فيها -كما يقول الباقلاني وهو من أكبر أئمة المذهب الأشعري المتقدمين والجويني -: 'إن الإيمان هو التصديق دون سائر أعمال القلب والجوارح' فالإيمان عندهم مجرد التصديق دون سائر أعمال القلب والجوارح, والجويني في الإرشاد يأتي بالخلاف فيقول: قال جهم: 'الإيمان هو المعرفة بالقلب وقال: السلف الإيمان قول وعمل ثم يقول: والذي نرتضيه ديناً هو: أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط' أي: غيَّر عبارة جهم والتي هي المعرفة، وجاء بالتصديق. إذاً: هو يرفض مذهب السلف بعد أن نقله وأورده وذكره، فكيف يكون هؤلاء من أهل السنة والجماعة كيف يكونون متبعين لمنهج السلف الصالح وهم يذكرونه ويتعمدون مخالفته، وإلى أي رأي يخالف! إلى رأي ليس ببعيد عن رأي جهم، وإن غيروا المعرفة وجعلوها تصديقاً. فإذا تجرد التصديق عن العمل، وعن بقية أعمال القلب والجوارح؛ فإنه يصبح في الحقيقة علماً مجرداً أو معرفة مجردة لا أكثر ولا أقل، فكأن الاختلاف بينهما -بين الأشاعرة والجهمية - لفظي فقط. إذاً: ماهي نتيجة أن تدرس عقائدهم الباطلة من أقصى إندونيسيا مروراً بـ الهند وبنجلادش وباكستان وغيرها إلى الدول العربية إلى تركيا إلى إفريقيا وتكون هذه هي المناهج التي يتعلمها الناس، فيقال لهم: إن الإيمان فقط هو التصديق ولا يدخل فيه أعمال القلب ولا أعمال الجوارح. إنه يترتب على هذا الكلام خطر عظيم، وهو الواقع في أحوال المسلمين اليوم؛ حيث اعتقدوا أن الكفر هو التكذيب، ما دام أن الإيمان هو التصديق، فمن اعتقد أن الله حق، وأن الرسول ﷺ صادق؛ فقد صدق وهو مؤمن، فالكافر هو الذي يعتقد أن الله ﵎ ليس حقاً وأن محمداً ﷺ ليس صادقاً، وكم من المسلمين من يعتقد ذلك؟! قليل جداً. فلما أهملوا التوكل والاستعانة واليقين والإخلاص وغير ذلك من أعمال القلوب؛ استُعين بغير الله، واستُغيث بغير الله، ودُعي غير الله، وعُبد غير الله؛ فامتلأت بلاد العالم الإسلامي بالقبور، والأضرحة، والمشاهد، والمزارات، وأصبح الناس يتقربون إليها، ويطوفون حولها، ويدعون أصحابها، ويبتهلون إليها، ويتضرعون إلى أصحابها، ويذبحون لهم، ويهدون إليهم، فإذا قلت: هذا شرك، وهؤلاء يقعون في الشرك، قالوا: ليس هذا بشرك أو كفر؛ لأنهم تعلَّموا أن الكافر هو الذي كذَّب الرسول ﷺ ، ولم يؤمن به، وهذا مصدق، فإذاً أنتم مبتدعة، وأنتم على مذهب الخوارج! وتهمة الخوارج هذه إذا سمعتموها وأنها تقال لمن ليس من أهلها، فاعلموا أن هذه هي سنة الله ﵎ كما قال: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥٣]، وكما قال الله ﵎ لمحمد ﷺ : ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت:٤٣]، فيقال: خوارج لكل من دعا إلى الله ﵎ على علم وبصيرة, وهو واضح أنه مجانب لمذهب الخوارج مثل ما بين السماء والأرض. فهكذا يتهم أهل الباطل وأهل الإفك من أراد أن يجرد التوحيد وأن يخلصه لله ﵎، في القديم والحديث، وفي كل زمان ومكان. إن إغفال أعمال القلوب هو الذي أدى إلى هذه الظاهرة العجيبة جداً لو تأملناها، وربما أن من خرج من هذه البلاد ورآها، تعجب كل العجب، فتجد أستاذاً جامعياً في كلية الشريعة أو في غيرها على درجة كبيرة من العلم يقول: ذهبت عند ضريح الشيخ فلان أدعو، فيقال: أنت دعوته، فيقول: لا أنا ما دعوته ولكن دعوت الله ﵎ بواسطته، فإذا قلت له: فما رأيك فيمن يدعوه! يقول: حتى من يدعوه فغرضه التوسل، فإذا قلت: وأين الدليل؟ يقول: الله ﵎ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] سبحان الله! كل هذه الآيات التي في أعمال القلوب تهمل, ويؤتى بمثل هذه الآية, ويتأولونها على غير وجهها, ويجعلونها معارضة لكل الآيات الصريحة الدلالة الواضحة على أنَّ القلوب لا بد أن تتجرد لرب القلوب ﵎.

стр. 702

الطائفة الثانية: الصوفية ولقد انحرفت الصوفية انحرافاً عظيماً في أعمال القلوب, فهم لم يهملوا أعمال القلب كالذين أغفلوها من المتكلمين، فـ الصوفية من جنس الضالين, وأما أهل الكلام فهم من جنس المغضوب عليهم. فمن ضل من أهل الكلام -وهم كلهم أهل ضلال- فهو من جنس المغضوب عليهم الذين عرفوا الحق ولكنهم تعمدوا مخالفته ولم يعملوا به، فعندهم علم في أقوالهم، ولكنهم يتركون ذلك، أما الصوفية فهم من جنس الضالين، لأنهم يعلمون أهمية التوكل، فأكثر ما يدعون ويتكلمون عن أعمال القلوب ويركزون على اليقين والإخلاص والإخبات والإنابة، ويجعلونها مقامات وأحوالاً. وهم يعادون أهل الفقه، أو أهل الظاهر, أو الشريعة، إلى غير ذلك من الألقاب التي ينبزون بها العلماء لأنهم يرون هؤلاء العلماء يغفلون عن أعمال القلوب, فيجلس أحدهم في المسجد يتكلم عن كتاب المياه والطهارة والوضوء والصلاة والحيض والغسل والزكاة, ولا يتكلم عن اليقين أو الإنابة أو الإخلاص أو الخوف أو الرجاء أو المحبة أو الخطرات أو الوساوس أو الشكوك أو غيرها، فيقولون: هؤلاء أهل الظاهر فقط، أي: أحكام ظاهرة فقط، ويتركون الأساس، نعم هذا تقصير كما ذكرنا أن تهمل هذه الجوانب، لكن لا يفر من انحراف إلى انحراف آخر. أما التوكل -مثلاً- عند الصوفية فهو التواكل، ولهذا عندما يأتي الغزالي في الإحياء فيجعل درجات الناس في هذا العمل العظيم, يقول: 'الناس درجات، منهم عامة الناس وهؤلاء يعملون ويتخذون الأسباب'، أي: يكدحون من أجل الحصول على لقمة العيش. ثم قال: 'ومن مقامات التوكل الذي يعتزل في المسجد ويذكر الله ويسبح الله ويتوكل على الله برجاء ما يقدم له'، أي هذا يعطيه دينار والآخر درهم، وآخر يقول: تعال اليوم العشاء عندي، وهو جالس يعبد الله ﵎ في المسجد، انظروا كيف يكون هذا مقام من مقامات التوكل. ثم قال: 'ومقام أعلى منه كمقام الخواص وأمثاله من أئمة الصوفية وهو الذي ينطلق ويمشي في البرية بغير زاد، توكلاً على الله تعالى، وترك الأخذ بالأسباب'، فإذا كان يريد الحج -مثلاً-: من بغداد، أو من خراسان، إلى مكة، فيخرج في البرية من غير زاد، وذلك ثقة في الله، وتوكلاً عليه، ولا يأخذ أي شيء، وهكذا يهيم في الصحراء وهذه هي الدرجة العليا من التوكل عند الصوفية، سبحان الله! كيف سيكون حال الأمة الإسلامية لو أخذت بذلك؛ لتركت الأسباب، ولتواكلت، ولأفنُيت تماماً، فيفنيها التتار والصليبيون وأمثالهما، -وفعلاً- فلما جاء الصليبيون اعتزل الغزالي الدنيا ولم يكن له أي مشاركة، والمقصود من هذا النموذج بيان خلل الصوفية في فهم أعمال القلوب كالتوكل. أما الرضا وهو عمل عظيم, فقالت عنه الصوفية: الرضا أن ترضى بكل ما ترى في هذا الكون، أي أن تشهد الحقيقة الكونية، فكل ما قدره الله ﵎ ترضى به، فالكفر، والشرك، والسحر، والزنا، والفساد، والسرقة، والظلم، والإفك، ترضى بها لأنها من عند الله ﵎ فتشهد الحقيقة الكونية. حتى أن بعضهم فعل الأعاجيب، فلما دخل هولاكو إلى بغداد أتى أحد شيوخ الطريقة وأخذ يقود الفرس لـ هولاكو، فقال الناس: شيخ وتقود الفرسان لعدو من أعداء الله, سبحان الله! لكن الشيخ أجاب: بأن هذا من شهود الحقيقة الكونية، فهذا قد يكون منافقاً في الحقيقة، ولا شك أن مثل هؤلاء عملاء، وفي الأصل هو أجاب بما اصطلحت عليه الصوفية، بأن هذه عقوبة من الله على المسلمين بذنوبهم، فيدخل مع أعداء الله ﵎ فيا سبحان الله على هذا الفهم! ولو أن كل واحد من المسلمين فهِم كفهم هذا الشيخ الضال، لكان كلما داهمنا عدو، ذهبنا مع اليهود، أو الصرب، أو الأمريكان، أو المجرمين، في كل مكان يحاربون فيه أو يهاجمون فيه المسلمين، سبحان الله! أما المحبة, فقالوا: المحبة إذا تعلق المحب بالمحبوب؛ رضي عنه ولم يؤاخذه بشيء, فأصبحوا -حتى في عبادتهم- إن تقربوا إليه بشيء تقربوا إليه بما يثير المحبة، يقولون: نحن أحببناه فلا يؤاخذنا في شيء، لأن الله ﵎ لما قال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨] قالوا: فإذا أحب الله العبد لا يعذبه بذنوبه، إذاً نحن نحب الله ويحبنا الله ﵎ فلا يعذبنا. فكل ما يعملونه هو تهييج المحبة فقط، فيجلسون ويجتمعون رجالاً ونساء، كباراً وصغاراً ومرداناً، وينشدون الأناشيد في المحبة والعشق والهيام والغرام، ومنها قصيدة امرؤ القيس فيأتون بها، والقصائد التي قالها المجنون في ليلى يأتون بها وليس فيها تغيير، ويتناغمون، ويتمايلون عليها ويقولون: هذه تهيج المحبة وتجعلنا نحب، فإذا جئنا إلى محبة رسول الله ﷺ فهم يرون أنها عشق للنبي ﷺ ، فانظر إلى سوء الأدب حتى في التعبير، يرون العشق هو عشق النبي، وقد هجاهم المعري على ما فيه من الانحراف لما قال: أرى جيل التصوف شر جيل فقل لهم وأهون بالحلول أقال الله حين عشقتموه كلوا أكل البهائم وارقصوا لي لقد بلغت -كما أوردت بعض المصادر- تكاليف بعض حفلات الصوفية التي كان يحضرها سلاطين المماليك وغيرهم آلاف الدنانير والمسومات والروائح والأطياب، فترى الشيء العجيب من الترف والبذخ، فعندما يحتفلون بعيد ميلاد الرسول ﷺ المبتَدَع ترى بذخاً هائلاً جداً، فيأكلون من هذا البذخ ثم يقومون يرقصون ويتمايلون إلى الفجر، فقول المعري هنا على ما فيه من الزندقة ينطبق عليهم: أقال الله حين عشقتموه كلوا أكل البهائم وارقصوا لي!! فإن أنكر هذه البدعة عليهم منكر, قالوا: هذا لا يحب الرسول ﷺ ، فلا تستغرب منه أن يقول: هذا خارجي، أو وهابي، أو هذا لا يحب رسول الله ﷺ ، فلو كان يحبه ويحب الله لأكل كما يأكلون ولرقص كما يرقصون, نسأل الله ﵎ العفو والعافية، إذاً هذا فهمهم للمحبة، ولذلك من غلوهم في فهم المحبة أنسوا الناس الخوف، بعكس الخوارج الذين أخذوا الخوف فقط، وأغفلوا الرجاء، فـ الصوفية أهملوا الرجاء كما قال الهروي: 'الرجاء أضعف مقامات المريدين'، إذاً هم أخطئوا وضلوا في الرجاء، والخوف، والرضا، والمحبة، وحتى في اليقين. أما اليقين عند الصوفية فهو شيء عجيب جداً، فاليقين عندهم أن الواحد منهم ينام بعد أن يدعو بدعاء معين ابتدعوه فيرى النبي ﷺ ، في تلك الليلة، بل وصل الحال بهم إلى أنهم يرونه -كما يزعمون- يقظة، بل ويدعون أن الله تعالى يكلمهم وهم يسمعونه. إذاً: وصلت الأمة إلى ما ترون من الحال، فالطائفة الأولى أناس انصرفوا إلى فقه مجرد, مع أن الفقه في حقيقته هو العلم الشريف العظيم الذي منه الفقه الأكبر وهو التوحيد، ولكنهم انصرفوا إلى مجرد أحكام ومسائل يبلغون فيها الدرجات والمناصب، ولكنهم في بعدٍ كامل وشديد عن تزكية القلب وتطهيره وتنقيته، والإجلال لله ﵎ والخشوع، والخضوع والإنابة له وتوحيده كما أمر الله ﵎. والطائفة الأخرى التي ينظر إليهم على أنهم هم أهل العبادة وأهل الذكر، تجدهم في الموالد وعند الأضرحة، وتجد العمائم والمظاهر ولكن كما قيل في القديم: 'العمائم أبراج، والأكمام أخراج، والعلم عند الله ﵎'، هذا هو حالهم، فهم أصحاب موائد، ومناسبات، واحتفالات، ويتكلمون عن أمور هي من أصل الدين كالمحبة والرضا واليقين وما أشبه ذلك, والكرامات والولاية وكيف يصل الإنسان إلى ولاية الله ﵎، والموضوع نفسه موضوع عظيم لكنهم يتكلمون فيه بجهل، وبدع وضلال؛ فضاعت الأمة بين هذا وذاك. والحق هو الوسط وهو ما كان عليه سلف هذه الأمة كما أخبر ﷺ في الحديث المعلوم، حديث الافتراق فقال: ﴿من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي﴾. نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع إنه سميع مجيب

стр. 703

الأسئلة

стр. 704

صلاح القلب وفساده السؤال نحن نعلم أن القلب من الناحية التشريحية عبارة عن عضلة تتصل بها الشرايين والأوردة, وأنها تضخ الدم, فكيف تكون هذه العضلة موضعاً لأعمال مختلفة مثل الحب والكره والحسد وغيرها، وما هي إلا عضلة تضخ الدم؟ وآخر يقول: إنه مع التقدم في طب القلب ربما يغير للإنسان عضلة قلبه، فهل تتغير أحوال المرء بتغيير القلب، ما رأي فضيلتكم؟ الجواب نحن لا نخلط بين عالم الغيب وعالم الشهادة، فحتى نحن عندما يقال هذا فلان، فإنك أخذته كعِلْمِ شهادة مجرد, الذي هو الطول والعرض والارتفاع، واللون والشعر والعصب واللحم، لكن إن أردت بفلان حقيقته الذاتية المعنوية، فأنت تتكلم عن شيء آخر غير ذلك تماماً, فلا نخلط بين الأمرين. والمقصود شرعاً بالقلب ليس هو مجرد ما يقصد به تشريحاً أنه هذه العضلة وغيره، إنما الحديث عن الجانب المعنوي الذي هو من عالم الغيب، فنحن نجهل الروح كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] وهذه العضلة توجد عند الميت والحي والحيوان، وتوجد عند أتقى الأتقياء، وأفجر الفجار، ولكن ليست القيمة بهذا الشكل المادي المشاهد المحسوس، وليس هو المقصود في كلام الله ورسوله بذاته المادية المحسوسة، وإنما المقصود القلب بكيفيته المعنوية، التي لا تدخل تحت الحس ولا تحت النظر, وهكذا سائر الأعمال وما يتفرع عن القلب من ذلك، فأرجو من الأخ أن لا يخلط بين عالم الغيب وبين عالم الشهادة، وكلام الإخوة الأطباء والمشرحين وأمثالهما له موضعه كناحية عضوية بحتة، ونحن نتكلم من الناحية المعنوية البحتة.

стр. 705

اتهام النفس بالنفاق السؤال إني أعد نفسي منافقاً حيث إني في الظاهر أمام الناس طيب وملتزم, ولكني إذا خلوت بنفسي ارتكبت المعاصي، ولا أستطيع أن أتركها إذا تذكرتها، ماذا أفعل هل أخبر الناس أنني أرتكب المعاصي؟ الجواب نسأل الله أن يعفو عنا جميعاً، ومن منا ليس كذلك يا أخي، إذا كان بعض الصحابة يقول: [[لو تعلمون ما أُغْلِق عليه بابي ما تكالبتم وتجمعتم هكذا]] وهو من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو لا يقصد بذلك أنه ينتهك المحرمات، ولكن المقصود -كما في حديث حنظلة - أن حالهم مع رسول الله ﷺ غير حالهم مع الخلوة، ونحن كذلك ليس حالنا في بيوت الله وفي حلقات الذكر ومع الإخوة الطيبين، كحالنا في حالة الضعف والخلوة وغلبة الشيطان، ولكن هل يعني ذلك أننا لا بد أن نكون بين حالتين، إما أن نكون على حال واحدة كما تخيل حنظلة، فيكون حالنا على وتيرة واحدة من ازدياد الإيمان ونتخيل أن الإيمان يبقى على حالة واحدة لا يقل ولا يضعف ولا يفتر, لا في حالة الوحدة والانفراد, ولا في حالة الاجتماع, ولا في حال إقبال النفس وتشوفها إلى الطاعة, ولا في حال جرمها وعنادها وإما أن نتصور النفاق والسقوط الذي قد يدفع إلى القنوط -والعياذ بالله- فعند ذلك يقول: الأفضل أن أترك هذه الأعمال الظاهرة, بل أقول للناس: أنا وإن صليت فإني أفعل كذا، ولو اتقيت ظاهراً فإني أفعل كذا، ليس الأمر هكذا، إما هذه وإما تلك، بل نحرص على أن نستديم هذه الحالة ما أمكن، فإذا ضعفت, فاعلم أن النفس طبيعتها الضعف، وطبيعة الإنسان هي الظلم والجهل، والله ﵎ يريد منك أن تقاوم هذا الظلم وهذا الجهل لتقوِّم النفس وتزكيها. ولهذا قال بعض السلف: جاهدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت، أي: قبل الأربعين كان يظن أنها لم تستقم بعد، ومع أنه كان في مثل هذه الحالة لكنه لم يقنط بل جاهدها، ولما سمع بهذه المقولة آخر: قال أو قد استقامت!! تعجب من أنها قد استقامت، لأنه يقول: نحن سنموت وما زلنا نجاهدها ولما تستقم، وهكذا كان حالهم ﵁، ولهذا يجب أن نبعد القنوط عنا وأن لا نُحدِّث الناس بذنوبنا, بل نحمد الله ﵎ أن ستر عنا ذنوبنا التي لا يعلمون. وأيضاً يجب علينا أن نجاهد أنفسنا وأن نحارب هذا النفاق والرياء، وهذا الخلل والتقصير ما استطعنا, فالحال حال مجاهد لا يضع سلاحه ولا يجد راحة, كما قال الإمام أحمد ﵀: 'لا يجد المؤمن راحة دون لقاء ربه' فلا تجد راحة إلا إذا لقيت الله ﵎, ولا تطمئن إلا إذا وضعت قدميك كلتيهما في الجنة، وهكذا نحن في دار ابتلاء فلا بد أن نصبر على ذلك وأن نجاهد ونصبر ونصابر، ولا نيأس ولا نقنط, فما دمت على هذه الحالة يا أخي, فأنت كما قال الحسن البصري ﵀ عن النفاق: ' ما أمنه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن '، لأن المنافق يرى ذنبه كذباب وقع على أنفه ففعل به هكذا فذهب، فلا يبالي بذنبه، أما المؤمن فيرى ذنبه كالجبل العظيم يوشك أن يقع فيخاف منه. فما دمت تخاف من النفاق -والحمد لله- وتستشعر هذه الحالة؛ فلا يدفع بك الشيطان إلى القنوط, ويقول: أخبر الناس وحدثهم بما خفي من أعمالك التي تخالف ظاهرك، بل احرص على أن تصلح باطنك، ونسأل الله أن يصلح سرائرنا وظواهرنا وأن يثبتنا على الحق إنه سميع مجيب.

стр. 706

الانشغال عن ذكر الله السؤال أنا طالب في كلية الطب، والإغراق في دراسة هذا العلم تشعرني بقسوة في القلب، بماذا تنصحني وكيف أجمع بين دراسة الطب والعلم الشرعي؟ الجواب أنا أخالف الأخ في أن دراسة الطب تؤدي إلى قسوة في القلب، أما إن كان القصد حال المذاكرة للاختبار فإن هذه توجد في أي علم، حتى لو كان في التفسير أو الفقه أو الحديث، لكن إن كان الإنسان في مجال كمجال الطب، وهو يرى عجائب خلق الله ﵎، وأسرار ما أودع الله في هذا الجسم البشري الذي آمن بسببه كثير من الناس وكانوا من عمالقة الكفر لما رأوه وتفكروا فيه، فما بالك بالمؤمن الذي يجب عليه أن يتفكر ويتدبر, وأعتقد أن هذا الأخ لو حدثنا عن تشريح العين وعن وظائف الكبد أو الكلية أو البنكرياس، لازددنا إيماناً بالله كما لو أننا سمعنا آيات الله وأحاديث الرسول ﷺ . والمقصود: أن يحصل الإيمان بهذه أو بتلك، ولو أصلحنا هذه العلوم والمناهج وأخلصنا فيها النية والهدف؛ فيمكن أن نسمي هذه العلوم علوم التوحيد المساعدة، كما في الاصطلاح الأكاديمي حيث نسمي بعض العلوم: العلوم التخصصية والعلوم المساعدة، فعلم التوحيد الحقيقي الذي نعلمه نجعله هو الأساس، لكن علم التوحيد المساعد هو علم الطب والتشريح والكيمياء والفيزياء وغير ذلك؛ لأنها كلها تأمل وتدبر في ملكوت الله ﵎ وفي السماوات والأرض، وفي الأنفس, قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣]، فيجب أن نسعى وننظر ونتأمل ونتدبر في السماوات والأرض والجبال، وفي الإبل والشجر، والماء، وحتى في الألوان، وفي مبدأ خلق الإنسان، وكيف تتكون النطفة، وكيف يتكون الجنين، وكيف يتعلم الإنسان بعد أن لم يكن كذلك، وأمور عديدة كلها تقوي الإيمان. أما إن كان الأخ ينظر إلى ما بعد التخرج, فالمشكلة بالنسبة للطب هي ما بعد التخرج، لأنك قد تعمل ثمان ساعات وفي مجال كله منكرات، وربما لا تستطيع أن تدعو إلى الله ﵎ كما ينبغي؛ لأنك مشغول دائماً بعمليات وبمعالجات, فنقول: كل ميسر لما خلق له، فليست هذه الأمة ميسرة لأن تكون كلها أطباء، ولا فقهاء، ولا محدثين، ولا وعاظاً، ولكن الله ﵎ نوّع فيها، فهذا يصلح للوعظ، ولا ينبغي له أن ينصرف عنه إلى غيره، وهذا الذي أعطاه الله ﵎ الفقه والقرآن والتلاوة وحسن العلم والتفقه في الدين لا ينبغي له أن يذهب ليصبح مثلاً مهندساً ميكانيكياً، لكن الذي لم يؤتَ إلا ذلك, فلا نقول له: أرغم نفسك ودع ما خُلقتْ له ويُسِّرَ لك, واذهب إلى هذا المجال الذي لا تحسنه ولا تتقنه بل كل يعمل فيما يحسن، فتتكامل الأمة لأن كُلَّاً منا قد عمل ما يتناسب مع ما خَلَقَهُ الله وجَبَلَه وفطره عليه, وكلنا ندعو إلى الله، فهذا الواعظ يدعو من جهة، وهذا الطبيب من جهة، وذاك من جهة، ورب طبيب يسلم ويهتدي على يديه ما لا يهتدي على يد عدد من طلاب علم يحدثون ويعظون ويعلمون في المساجد.

стр. 707

معنى: أن العبد سائر بين مشاهدة التقصير ومطالعة المنة السؤال هناك عبارة في كتاب مدارج السالكين هي: 'العبد سائر بين مشاهدة التقصير ومطالعة المنّة'، أرجو توضيح هذه العبارة؟ الجواب عبارات ابن القيم ﵀ ﵎ وأمثالها، عبارات عظيمة وعالية، وهي من أجود وأروع ما أبدعه العلماء أنهم عندما يتكلمون عن أعمال القلوب، يأتون بعبارات وبمصطلحات يجهلها علماء النفس المعاصرين. مثلاً الصبر: يتكلم عنه أي إنسان، لكن أن تقول: إن الصبر يأتي على عشرة أوجه، أو على كذا، لا يستطيع أحد أن يقولها، وكذلك اليقين له معانٍ وتفصيلات، فكلها أعمال خفية باطنية قلبية، فكيف إذا قسمت عمل القلب إلى أعمال، فكيف إذا قسم العمل الواحد إلى درجات وأنواع! فهذا علم عظيم لا يمكن أن يتمكن منه أو يعلمه ويدركه إلا الراسخون في العلم، ولا شك أن السلف الذين تكلموا في هذا قد بلغوا الغاية, ولا أظن أحداً بلغ في هذا مثل ما بلغ ابن القيم وابن تيمية رحمهما الله ورضي الله عنهما، وربما قد يسهل عليك فهم العبارة ولكن لا تستطيع بقلبك أن تستوعب المراد منها. فمثلاً: عندما تسمع بعض الآيات لا تستطيع أن تشرحها أو تفسرها لغيرك، لكن يظهر في قلبك أن هناك معانٍ عظيمة جداً, وبما أنَّ هذا العلم مأخوذ من مشكاة القرآن والسنة، فهو يشبه إلى حد محدود مثل ما جاء في القرآن والسنة. فالعبد في سيره إلى الله ﵎ بين مطالعة شيئين: التقصير والمنة، أي أن يعرف نفسه ويعرف ربه، تعرف ربك بجوده ومنِّه، وكرمه وفضله، فهو الذي هداك وأنعم عليك وأعطاك وعلمك، فأنت حتى لو عبدته وأطعته فالفضل له وحده وتعرف نفسك بضعفها وجهلها وعجزها وتقصيرها ونسيانها ومعصيتها، فأنت كلك تقصير فلو وُكِلْتَ إلى نفسك طرفة عين لهلكت. فأنت في سيرك إلى الله ﵎ لا بد أن تراعي الأمرين: أن تعلم نفسك وتقصيرها، وأن تطالع منَّة الله ﵎ عليك الذي له الفضل كله حتى في هدايتك وعبوديتك فإنك إن أطعته واتقيته فبمحض فضله وهدايته، ولك على ذلك الجزاء الأوفى في الجنة, وهو غير محتاج إلى طاعتك, وهو ﵎ غير مطالب بإثابتك ومجازاتك، ولكنه سبحانه كتب على نفسه الرحمة وفتح لك الأبواب، كما في الحديث الذي رواه أهل الشام ﴿يا عبادي يا عبادي﴾ فهو سبحانه يفتح لك الباب ويدعوك، و ﴿يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار, ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل﴾ فأنت المحتاج المضطر بذاتك إليه ﵎. ثم هو بعد ذلك لو فعل بخلقه ما شاء, لو لم يبعثهم ولم يجازهم، ولم يخلق الجنة ولا النار، فمن الذي يسأله، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، ومع ذلك جعل لأهل التقوى الجزاء العظيم، الذي فيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولأولئك العذاب الأليم الذي نسأل الله ﵎ أن يحفظنا منه. فهذه معانٍ قلبية قد يَقْصُرُ تعبيرنا نحن المتأخرين عن إدراكها ولكن نتأمل ونفكر فيها, ونحاول أن نشرحها وأن نفهمها، وأنا أنصح بمطالعة كتاب مدارج السالكين ما أمكن وغيره من كتب السلف , وإن شقت عليك بعض العبارات, فكلما طالعت كلما فهمت واستوعبت، أما قراءة المختصرات ومطالعة الكتب العصرية، أو الشروحات من كلام المعاصرين -وإن كان مأخوذاً من كلام المتقدمين- فإنه لا يغني طالب العلم عن الرجوع إلى نفس كلام المتقدمين ﵏.

стр. 708

الكلام على كتاب الرعاية للمحاسبي السؤال ما رأيكم في كتاب الرعاية لحقوق الله للمحاسبي، وهل تنصح بقراءته؟ الجواب أما كتب المحاسبي فقد حذر منها السلف وإن كان فيها حديث عن الوساوس والخطرات، ولكن كما عبر أبو حاتم الرازي، وأبو زرعة، فقالوا: حسبنا ما قاله السلف.

стр. 709

الفتور في الطاعة السؤال إنني شاب مستقيم، وفي بداية التزامي كنت أقوم بالاعتناء بنفسي وإيماني كثيراً، ولكن مع طول الطريق، بدأت في التكاسل وانقلبت كثير من الأعمال إلى عادات، ويشكو آخرون بنفس الشكوى من أنهم بعد فترة من التزامهم شعروا بقسوة في قلوبهم, نرجو توجيه نصيحة لي وللباقين؟ الجواب نسأل الله أن يثبتنا وإياكم، هذه سنة الله ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد:١٦] لا شك أن طول الأمد وإن كان هو نسبي أنه يؤدي إلى ذلك، ولهذا نحتاج إلى تجديد الإيمان، كما في حديث: ﴿إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب﴾ أي: يبلى كالثوب إذا جئت إليه وقد بلي فإنه يتفتت في اليد، فالإيمان يبلى في القلوب فيحتاج إلى تجديد، فنحتاج جميعاً أن نجدد إيماننا. ومن هنا كان قدوم الإنسان خمس مرات إلى المسجد وسماعه في كل مرة آيات يقرؤها الإمام في المغرب ثم في العشاء، وما يلقى من مواعظ تجعل الإنسان يتدبر فيما يتكرر عليه، ومثل ما يتكرر كل يوم: موعظة الليل والنهار، ولكن أكثر الناس قد لا يتذكرها مرة واحدة، وبعضهم يتذكرها مرة واحدة، لكن المؤمن يحتاج في كل مرة وفي كل يوم أن يتذكر ويتفكر كما قال الله ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦٢]، فينظر إلى الليل وما فيه من حِكم أو عجائب، وإلى النهار من طلوع الشمس إلى غروبها، فلم يأتِ يوم من الأيام يقول الناس فيه: لم تطلع الشمس اليوم, سبحان الله! كذلك في الليل وفي أنفسهم، فهذه مجددات ومقومات الإيمان مما يتكرر، فما بالك فيما لا يتكرر، فعلى الإنسان أن يحرص على تجديد إيمانه. ولا شك أن الإنسان في بداية أمره وأول التزامه -وغالباً التائب- يكون أصدق ما يكون, كما جاء في حديث الرجل الذي قتل مائة نفس، عندما توجه بقلبه بصدق إلى الله لكن سبحان الله! بعد أن يتوب ويطمئن ويدخل في غمار الإيمان فترة, تبدأ الغفلة في الظهور ويمسه طائف من الشيطان, وما أشبه ذلك, وهذا حال القلوب جميعاً, ولكن لا بد من المصابرة ومن تجديد الإيمان بذكر الله، وقراء القرآن، وزيارة المقابر، والتفكر في ملكوت السماوات والأرض، والاعتبار بمصير الأحياء والأموات، وكل ما من شأنه أن يحيى إيمان القلب إن شاء الله.

стр. 710

صحة علامات قبول العمل السؤال هل عبارة: (من علامات قبول العمل: إتباع الحسنة الحسنة) صحيحة وعلى إطلاقها، لأنني هذا العام وبعد انتهاء صيام رمضان ارتكبت بعض المعاصي وفاتني صيام الست من شوال؟ الجواب هذه العبارة كقاعدة عامة صحيحة، لكن لكل قاعدة استثناء, وليس من أطاع الله ﵎ وأدى فريضة من فرائضه خالصة من قلبه يعصم فلا يقع في معصية، لا. فالنفس معرضة للضعف والذنوب والتقصير, وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون, ولكن من علامة القبول، أن يتبع الحسنة حسنات, فإن أذنب أتبع ذلك الذنب توبة، فما دام أنه كلما أذنب تاب، فإنه ما يزال متبعاً للحسنة حسنة -إن شاء الله- وليس المقصود أن يعصم فلا يقع في الذنوب، لكن ما دام أنه يتوب فهذا يدل على أن قلبه حي. والمقصود هو حياة القلوب، ولهذا يقول النبي ﷺ في وصيته الجامعة: ﴿اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها﴾ فكان في إمكانه أن يقول: ولا تعصِ الله مطلقاً, وهذه لا شك أنها مطلوبة, لكن في مقام الإرشاد العملي والواقعي الذي يخاطب النفس على واقعها وحقيقتها لا يمكن أن يعيش الإنسان فلا يعص الله ﵎ فكل ابن آدم خطاء. إذاً: عليه أن يتبع السيئة الحسنة حتى تمحها, فهذا من الاستقامة أنك كلما عصيت الله كفرتها بحسنة، أما الانحراف فهو الخروج عن الطريق بالكلية، أي: يستمرئ الإنسان المعصية ولا يبالي أن يتوب أو يستغفر الله ﵎ أو ينيب ويرجع إليه.

стр. 711

التقرب إلى الله لأمر دنيوي السؤال بوَّب صاحب كتاب التوحيد: (باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا) فهل إذا قام الإنسان مثلاً بالتصدق، وأراد بذلك دفع الضر عنه, أو مثلاً قام ليلة بالدعاء في أمر دنيوي هل هذا من الشرك، أرجو تفسير هذا وتوضيحه؟ الجواب ذكر ﵀ الآية ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود:١٦] ثم ذكر بعدها حديث: ﴿تعس عبد الدرهم, تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة﴾ والحديث يوضح الآية وهو أنَّ الإنسان إذا لم يريد من الزكاة أو الصدقة إلا أن يبارك الله له في ماله فقط، وهذه حالة تقع لكثير من الناس، فيقول: خشيت ألا أربح في البضاعة الفلانية، فتصدقت ذلك اليوم بألف أو ألفين ثم ربحت في الصفقة, وكثير من الناس يرى أن الصدقة وأن الإحسان له بركة فيدفع الله ﵎ به البلاء، ولكن لم يرد بذلك الدار الآخرة ولا ما عند الله ﵎، فأصبح هذا ممن يريدون حرث الدنيا وحدها، دون الآخرة مطلقاً، فهذا وقع في الشرك الخفي، الذي قل من ينجو منه، فهذه الحالة يقع فيها كثير من الناس وهم لا يشعرون، وهذا ينافي الإخلاص لله وابتغاء ما عنده، فيجب عليك أن تصوم وأن تصلي وأن تحج لله ، أما الذي يصلي أيام الاختبارات لينجح: صلى المصلي لأمر كان يقصده فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صاما أو يتصدق من أجل أن يربح، فهذا يدخل بلا ريب في هذا النوع من أنواع الشرك، نسأل الله ﵎ أن يحفظنا منه دقيقه وجليله. والحمد لله رب العالمين.

стр. 712

الإيمان بالقدر الإيمان بالقدر ركن من الأركان التي لا يتحقق الإيمان إلا بها، وهو من الأمور التي ظهر التشكيك فيها من قبل بعض الطوائف منذ العصور المتقدمة من عمر الأمة المحمدية. فقد أوردت هذه الفرق الكثير من الشبهات فتصدى لها أعلام أهل السنة في كل عصر ومن أشهرهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. وكما في العصور المتقدمة فقد ظهر من ينكر القدر في العصور المتأخرة، وإمامهم في ذلك من سبقهم ممن طبع الله على قلبه وصده عن السبيل.

стр. 713

أهمية الإيمان بالقدر الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، الذي أوضح الله تعالى به المحجة وأقام الحجة وأبان الدين، فلم يبق من أحد بلغته دعوته ﷺ إلا آمن أو قامت عليه حجة رب العالمين، ولله الحجة البالغة على خلقه أجمعين. أما بعد: فإن موضوع القدر موضوع عظيم، والإيمان به ركن من أركان الإيمان، ونحن في عصر كثُرت فيه الشبهات، والتساؤلات عن القدر، وهي قديمة في الحقيقة، ولكن في هذا الزمان اجتمعت شبهات الماضين مع شبهات المعاصرين، وما استجد عند الناس مما تلقيه شياطين الإنس والجن؛ فأصبح الناس في حاجة إلى تجلية هذه القضية، كما هو الشأن في بقية أركان الإيمان وقضايا العقيدة. والذي دفعني -في الحقيقة- إلى اختيار هذا الموضوع هو كثرة الأسئلة عن القدر، فأحببنا أن يكون هذا الموضوع عن هذا الركن المهم من أركان الإيمان، وبإذن الله تعالى سوف نجيب على أسئلة وإشكالات حول هذا الموضوع؛ لأنه موضوع دقيق وشائك، ونحاول بما يعيننا الله ﵎ ويفتح علينا به أن نأتي على ما نستطيع أن نأتي عليه من الشبهات في هذا الموضوع، بإذن الله ﵎.

стр. 714

مراتب الإيمان بالقدر ونبدأ لنعرف ما معنى الإيمان بالقدر؟ فإذا قلنا أننا نؤمن بالقدر -ونحن ولله الحمد مؤمنين بالقدر- فلا بد أن نعرف معناه، وهذا الإيمان كما جاء في كتاب الله ، وفي سنة رسوله ﷺ مقسّم على أربع درجات، ويمكن أن تختصر إلى درجتين؛ فما هي درجات الإيمان بالقدر؟ أي: ما هي مراتب القدر عامة؟

стр. 715

المرتبة الأولى: العلم أول مرتبة من مراتب القدر، أي: أول ما يجب علينا أن نؤمن به فيما يتعلق بالقدر هو: أن نعلم ونوقن ونؤمن بأن الله عليم بكل شيء، علم بما كان وعلم بما سيكون وعلم بما لم يكن لو كان كيف يكون؛ فهو يعلم السر وأخفى، ويعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون، ويعلم كل حركة في هذا الوجود وكل قطرة من المطر تنزل ويعلم متى تنزل، وأين تنزل، وكل لحظة عين وخائنة أعين وهمسة، وكل خاطرة تخطر على بال أي مخلوق؛ فالله يعلمها، وعلمه بها قبل أن يوجد هذا الكون، وقبل أن يوجد هذا الإنسان؛ فعلمه لم يزل أزلاً وما يزال أبداً، لا تخفى عليه خافية، يستوي في علمه السر والعلن بالنسبة لنا نحن المخلوقين. ولا يخفى على أحد الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على هذه القضية، أي: قضية العلم ومرتبة العلم، فنؤمن بأنه عليم؛ ولذلك فإن كل ما نعمله من طاعات ومن معاصٍ فالله عليم بها، ولم يستجد له علم بها بعد أن فعلناها؛ بل هو يعلمها قبل أن يخلقنا، بل قبل أن يخلق السماوات والأرض والكون أجمعين، ولا يزال بذلك عليماً. وهو محصٍ لذلك ويجازينا به ، وكذلك المصائب التي تقع وما يحدث في الكون من خير أو شر، فالله به عليم. فعلى المؤمن بالله أن يؤمن بالقدر، وأول شيء يؤمن به هو أن يؤمن بالله وبعلمه .

стр. 716

المرتبة الثانية: الكتابة الدرجة الثانية بعد العلم هي: مرتبة الكتابة. فنؤمن بأن الله فكتب كل شيء؛ كتب ما كان وما سيكون، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢] وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] وهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ -أم الكتاب- الذي كتبه الله ﵎ عنده أول ما خلق القلم. فأول ما خلق الله ﵎ القلم أمره أن يكتب؛ فكتب مقادير كل شيء، وكان عرشه على الماء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. فكان عرشه على الماء في ذلك الزمن الذي لم يكن هذا العالم الموجود المشهود قد وجد بعد! بل كان الله ولم يكن قبله شيء، ولم يكن غيره شيء، ولم يكن معه شيء، كما ورد في الروايات. وأول شيء خلقه الله من العالم الذي نعرفه وبلغنا الخبر عنه هو العرش والماء، ثم خلق بعد ذلك القلم، وأول ما خلق القلم أمره أن يكتب؛ فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، وهذا كان قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. فإذاً: هذا أمر قد قُضي وفرغ منه، وقد كتب إن كان خيراً وإن كان شراً.

стр. 717

أنواع الكتابة وهذه الكتابة لها تفصيلات وأقسام، فإن الله قدّر هذه الأقدار المعلومة المكتوبة بتقديرات مختلفة، بعضها لا يطابق بعضاً. فقبل أن يخلق الله هذا الكون كتب ماذا سيكون فيه، وهذه الكتابة نستطيع أن نسميها الكتابة الكونية. فكل الكون وما سيقع فيه مكتوب، ولما خلق الله ﵎ آدم واستخرج ذريته من صلبه في عالم الذر، وجعل طائفة منهم من أهل الجنة، وطائفة منهم من أهل النار. فكتب للنار أهلاً، وكتب للجنة أهلاً قبل أن يخلق الخليقة، وإنما قد خُلق في ذلك الوقت الإنسان الأول وهو آدم ﵇، واستخرج من ظهره ذريته وجعلوا فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، وهذه كتابة تتعلق بالنوع الإنساني، ونستطيع أن نسميها الكتابة النوعية، أي: لنوع الإنسان، فوضع منهم الشقي، ومنهم السعيد، بحسب علمه بما سوف يعملون. ثم هنالك كتابة تتعلق بكل فرد من مخلوقات الله من بني آدم؛ فالكون كله له كتابة، والجنس البشري كله -النوع الإنساني- له كتابة، وكل إنسان له كتابة أيضاً. فمتى تكون هذه الكتابة؟ هذه الكتابة هي ما أخبر عنه النبي ﷺ فيما رواه عنه عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأنس بن مالك في الصحيحين في الحديث المتفق عليه، يقول عبد الله بن مسعود ﵁ حدثني رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: ﴿إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقه مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالله الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها﴾ ونحو ذلك ورد في الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى عنه. والمقصود هنا أن هناك كتابة عمرية تتعلق بكل إنسان، فما من نفس منفوسة، وما من نسمة مخلوقة إلا وكتب الله ماذا سيكون لها، فكتب لها هذه الكلمات الأربع أول ما نفخ الروح في هذا الإنسان، وهو مضغة في الظلمات الثلاث -في الرحم- فكتب الله له الرزق، والأجل، والعمل، والشقاوة أو السعادة؛ فهذا نوع من أنواع الكتابة. ثم بعد ذلك الكتابة الحولية -تقديراً حولياً سنوياً- في الحول والسنة، وفي أي ليلة سيكون هذا التقدير؟ إنه يكون في ليلة القدر، التي فيها يفرق كل أمر حكيم. فيكتب الله في تلك الليلة ما هو واقع في عالم الوجود هذا إلى مثلها من السنة القادمة، حتى إنه كما ورد في الحديث: ﴿إن الرجل ليرى في الأسواق ماشياً، وهو مكتوب عند الله تعالى من الأموات﴾ أي: أن هذا الإنسان يمشي ويتحرك ويضحك، وموعده لن يصل إلى ليلة القدر القادمة، بل سيموت في هذه السنة، وفي الوقت الذي كتبه الله ، فهو أعلم بما كان وما سيكون. ثم بعد التقدير السنوي يكون التقدير اليومي، وهذا التقدير اليومي هو ما أخبر الله عنه بقوله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] فالله كل يوم يعز ويذل ويحيي ويميت ويعطي ويمنع ويخفض ويضع، كما يشاء . فهذه المقادير التي يقدرها يومياً وينفذها، وفق ما اقتضت إرادته ومشيئته، ووفق ما سبقت به الكتابة في اللوح من قبل. فهذه الدرجة الأولى من درجات القدر، ونستطيع أن نجعلها درجتين إذا قلنا: إن العلم درجة والكتابة درجة، ونستطيع أن نجعلهما درجة واحدة، فنقول: مرتبة العلم والكتابة؛ فما علمه كتبه أيضاً في ذلك اللوح المحفوظ وهو الإمام المبين.

стр. 718

المرتبة الثالثة: المشيئة والإرادة والمرتبة الثالثة من مراتب القدر: هي مرتبة المشيئة والإرادة، وهي: أن نؤمن بأن الله له مشيئة وله إرادة، وأنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يشاء، ويخلق ما يشاء، ويقدر ما يشاء كما يشاء، لا رادّ لأمره، ولا معقب لحكمه ، فهو رب العالمين وهو خالقهم، وهو الذي يصرفهم ويدبرهم كما يشاء، فمشيئته مطلقة، وأما العبد فله مشيئة مقيدة: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الإنسان:٣٠]. فمشيئة العبد وإرادته واختياره هي جزء من قدر الله الذي كتبه ليجازيه ويحاسبه عليها، ولكنها لا تكون إلا بعد مشيئة الله ، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن أبداً، كما قال النبي ﷺ في وصيته لـ ابن عباس: ﴿واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾. فهذه أمور قد قضيت وانتهت، والله هو الذي له المشيئة، ولا يكون إلا ما شاء ولو أطبق الثقلان الإنس والجن كافة، وكل القوى جميعاً على أن تعمل شيئاً أو توجده أو تنفع به أو تضر ولم يشأ الله أن يقع؛ فلن يقع ذلك على الإطلاق. وأيضاً لو اجتمعوا جميعاً على أن يردوا شيئاً مما كتبه الله وقدره وقضاه من خير أو شر؛ لا يستطيعون ذلك أبداً؛ لأنهم مقهورون مربوبون بقدرة الله ، وبمشيئته التي لا يردها شيء، ولا يحدها شيء. فالله هو الفعال لما يريد ولا يكون في خلقه إلا ما يريد وما يشاء .

стр. 719

المرتبة الرابعة: الخلق المرتبة الرابعة من مراتب القدر: مرتبة الخلق، فنحن نؤمن بالعلم، ونؤمن بالكتابة، ونؤمن بالمشيئة ثم نؤمن بعد ذلك بالخلق؛ لأن ما في هذه الدنيا هو خلق الله حتى أعمالنا نحن بني آدم مخلوقة لله، حتى ما نخلقه -أي: ما نصنعه- وما نركبه ونفعله أو نبنيه ونهدمه؛ فهو مخلوق لله كما نطق بذلك صريح القرآن: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] وفي آية أخرى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢] وجاء في الحديث الذي صححه العلماء، ومنهم العلامة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ أن النبي ﷺ قال: ﴿الله خالق كل صانع وصنعته﴾. فمهما عمل الإنسان إن بنى أو صنع أو عمل من طاعة أو معصية فكل ذلك من خلقه ، وكلها مخلوقة له ؛ إذاً فما دور العبد في هذا الموضوع؟ العبد فاعل، يفعل بمشيئته وباختياره ما يفعل من الأفعال الإرادية والأفعال الاختيارية.

стр. 720

الشبهات الواردة في مراتب القدر وهذه النقطة وعند هذه المرتبة نلاحظ أن الإشكالات بدأت تتوارد، وما يثيره الشياطين والمنحرفون والملحدون قديماً وحديثاً عند درجة الخلق والمشيئة. والذي أشكل على كثير من الناس أنهم قالوا: كيف يكون الله هو الذي خلق الإنسان، وكتب عليه أنه يفعل الخير ويفعل الشر، وقدّر عليه ذلك قبل أن يخلقه، ثم بعد ذلك يجازيه ويحاسبه عليه؟ وهذا السؤال الذي يظن الكثير من الناس أنه محير وأنه لا جواب له وأنه مشكل ومعضل؛ فبنوا عليه مذاهب باطلة، وما خرجت القدرية التي ظهرت في عهد صغار الصحابة -رضوان الله عليهم- وأنكرت القدر؛ إلا من أجل الشبهة التي يثيرها هذا السؤال! لكن هل تُركنا لتساؤلات المتسائلين أو لشبهات الملحدين؟ إن النبي ﷺ أوضح لنا هذا الدين مثل الشمس في رابعة النهار، فقد تركنا ﷺ وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وقد ذكر لنا منه علماً -كما أخبر بذلك الصحابة الكرام- فهذه القضية هل تركت ولم تبين؟ لا. فأعظم الناس عقلاً وأعظمهم فهماً وأكثرهم يقيناً وإيماناً وفكراً وعلماً وعملاً هم الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، فهم الذين سمعوا هذه الأحاديث وتدبروها وعقلوها، وهم أنفسهم الذين سألوا رسول الله ﷺ في عدة أحاديث عن هذه القضية، وكان يجيبهم ﷺ بأعظم جواب، وهو الجواب الذي لو ظل الناس يبحثون وينقبون؛ فلن يجدوا جواباً أبلغ ولا أبين منه، وأنا لا أذكر لكم إلا بعضاً منها، فأذكر لكم حديثاً فيه قصة تنطبق على هذه الشبهة. : ﴿كان عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه يجالس أبا الأسود الدؤلي، وفي أحد الأيام قال عمران لـ أبي الأسود يا أبا الأسود! أرأيت ما يعمله الناس، وما يكدحون فيه؛ أهو في أمر قد قُضي عليهم ومضى، أو فيما يستقبلون مما قامت عليهم به الحجة وبلغهم نبيهم ﷺ ؟﴾. فهذا الصحابي يمتحن التابعي، ويقول: هذه الأعمال التي يعملها الناس الآن من طاعات أو معاصي هل هي أمر قد قُضي ومضى وكتب عليهم قبل أن يوجدوا أم فيما يستقبلون مما قامت عليهم به الحجة وبلّغهم إياه النبي ﷺ ؟ فوضعه موضع الامتحان. قال أبو الأسود: ﴿قلت: لا. بل فيما قد قُضي ومضى، فقال له عمران: وكيف يجازيهم على ذلك؟﴾ أي: إذا كان قد قضى ذلك وكتبه فكيف يجازيهم على ذلك. ﴿فقال أبو الأسود: ففزعت لذلك فزعاً شديداً، وقلت: سبحان الله! ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] هو ربهم وهو خالقهم! فطمأنه عمران ﵁ وقال: إنما سألتك لأحزر عقلك﴾، أي: لأختبرك، هل أنت متمكن من الإيمان وقوي أم أنه لو جاءتك شبهة لذهبت بك يميناً أو شمالاً؟ ثم قال عمران: ﴿أتى النبي ﷺ رجلان -وفي رواية رجل من مزينة- فقال له: يا رسول الله! أرأيت ما يعمل فيه الناس ويكدحون، أفيما قد قُضي ومضى، أم فيما يستقبلون به مما قامت عليهم به الحجة وبلغه نبيهم؟ فقال ﷺ : بل فيما قد قضي ومضى﴾. وورد مثل ذلك في الحديث المتفق عليه عن علي بن أبي طالب ﵁، وعن غيره من الصحابة، أنهم سألوا النبي ﷺ هذا السؤال، فقالوا: ﴿يا رسول الله! أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال ﷺ : بل اعملوا فكل ميسر لما خلق له فمن كان من أهل السعادة يسر لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة يسر لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ ﷺ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]﴾.

стр. 721

من نتائج الإيمان بالقدر هذا هو الفهم الصحيح الذي فهمه الصحابة الكرام، وكان من أشد الأمور التي دفعتهم للاجتهاد، والحرص على طاعة الله . فإنسان يعلم أن من كان من أهل السعادة وأهل الجنة فهو ميسر لعمل أهل السعادة، ماذا تكون النتيجة؟ سيجتهد ويكدح ويحرص على أن يستكثر من الخيرات؛ ليكون من أهل السعادة ومن أصحاب الجنة. وأما المعرضون المنحرفون فإنهم يعارضون أمر الله، ودينه بمشيئته وبقضائه ويعجزون، بخلاف ما أمر به النبي ﷺ لما قال: ﴿المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك ولا تعجز، فإن أصابك أمر فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان﴾ فيجب على الإنسان أن يسعى، وأن يحرص على الطاعات وعلى ما ينفعه ويقربه من الله . فاحرص واجتنب واجتهد، فإن كنت مؤمناً قوياً؛ فاعلم أنك خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف. والمؤمن الحريص على كل ما يقربه من الله، والعامل المجتهد في طاعة الله أحب إلى الله وخير عنده من المؤمن الضعيف والعاجز الذي يُلقي كل ما يأتيه من الخير والشر على القدر ولا يعمل، فهذا شأنه، وهو أنه يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا؛ فنهى النبي ﷺ عن ذلك، وقال: ﴿فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان﴾ فهكذا يرشدنا النبي ﷺ ، وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم أكثر الناس حرصاً واجتهاداً في طاعة الله وفي عبادة الله، لماذا؟! لأنهم يعلمون هذه الحقيقة الواضحة النيرة، فهم حريصون على الأخذ بها. ومثال ذلك الرؤيا الصالحة: إنسان بحالة حسنة طيبة، فرأى رؤية صالحة بأنه سيكون له ذرية كثيرة، فإنها جزءٌ من ست وأربعين جزءاً من النبوة؛ أو شيء يطلع الله الإنسان عليه من الغيب الذي سيقع، فرأى في المنام هذا، واستبشر بهذه الرؤيا، وفرح وسر بها فإن ذلك يدفعه إلى أن يبادر إلى أن يتزوج الزوجة الصالحة، وإلى ألا يتخذ أي مانع مما قد يمنع الحمل من الأسباب المعروفة لتتحقق له تلك الذرية. وكذلك لو أنه بشر من عند الله -كما في زمن النبي ﷺ أو جاءته مبشرات -كرؤيا مثلاً- أنه سوف يكون لديه من هذه المزرعة ثمر ورزق ونخل كثير فما الذي يفعله الإنسان العاقل عادة؟ سيجتهد ويحرص أن يكسب أكثر ما يستطيع لتتحقق له تلك البشرى. لكن لو قال: أنا سيكون لي أولاد، ولم يأخذ بالأسباب، فهذا يكون إنساناً غير عاقل. فالقدر علم علمه الله وكتابة كتبها، ثم شاء ذلك، ولا بد أن تقع مشيئته ثم خلق ذلك فينا؛ فمعنى ذلك أنه يجب أن نتسابق، ونحرص على طاعة الله، ونجتهد في الطريق الموصل إلى مرضاة الله وإلى جنة الله لكي نكون من أهل السعادة الميسرون لها، كما أن أهل الشقاوة ميسرون لها، أجارنا الله وإياكم، وأعاذنا من الشقاوة وأهلها.

стр. 722

شبهة القدرية والرد عليها والقدرية الذين من أجلهم روى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه الحديث عن أبيه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو حديث جبريل المشهور لما جاء إلى النبي ﷺ ، وذكر فيه أركان الإيمان، وأركان الإسلام، ومن أركان الإيمان: الإيمان بالقدر، وقد ذكر ذلك عبد الله بن عمر لما أن جاءه ركب العراق وأخبروه أن معبداً الجهني ومن معه ينكرون القدر، ويقولون: إن الأمر أنف. فقال عبد الله: [[أبلغوهم أنني منهم بريء، وأنهم مني برآء، والله لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً ما تقبل منه إلا أن يؤمن بالقدر]] ونقل مثل ذلك عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه بل إنه قال: ' لو مكنت من أحد منهم لدققت عنقه '. فهذا أول شرك يقع في هذه الأمة، وأول نقض يقع لعرى التوحيد، وكان أول ما وقع في مسألة الإيمان بالغيب هو إنكار الإيمان بالقدر؛ فقالوا: الأمر مستأنف، والعبد هو الذي يخلق ما يفعله من طاعة أو معصية. وحتى نعرف مذهب القدرية نذكر مذهب أهل السنة والجماعة؛ فالضد بالضد يعرف. فما هو مذهب أهل السنة والجماعة الذي تدل عليه الآيات والأحاديث؟ أما مذهب أهل السنة والجماعة فهو: أن كل عمل من أعمالنا نحن بني آدم من طاعات أو معاصٍ نحن نعمله ونحن نفعله، والله نسب لنا العمل ووصفنا به: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] وفي القرآن يتكرر كثيراً: وتعملون، تفعلون، وكذلك يقيمون الصلاة، يؤتون الزكاة وكل الطاعات؛ وكذلك المحرمات يشركون، يزنون، وما أشبه ذلك، فقد ورد في القرآن جميع الأفعال منسوبة إلى الإنسان. إذاً فالإنسان فاعل، والله خلق الإنسان وخلق عمله؛ ولكن العبد هو الذي فعل ذلك. والقدرية الذين أنكروا القدر قالوا: لا، إن الإنسان هو الخالق -هو الذي يخلق فعل نفسه- تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. وقالوا: لو قلنا: إن الله هو الخالق، فكيف يخلق الفعل في الإنسان ثم يجازيه عليه؟ فهذه هي الشبهة التي أثيرت. فيقول لهم أهل السنة والجماعة: الله خلق الفعل، ولكن الإنسان هو الذي فعله. والله هو الذي شاء ذلك، فشاء الله أن يعصيه من عصى وأن يكفر به من كفر، وأن يشرك به من أشرك، ولكن هل كل ما خلقه الله وكل ما شاءه رضيه؟ لا. إذاً لا بد أن نسلط الضوء على هذه القضية، حتى نعرف لماذا وقع اللبس عند المشركين؟ ولماذا وقع اللبس حتى عند كثير من الناس في مسألة القضاء والقدر؟

стр. 723

أنواع الإرادة يظن الذين لديهم شبهات في هذا الموضوع أن ما شاءه الله وقدره فقد رضيه، وهذا لا يصح! لا على مقتضى القرآن ولا السنة، ولا على مذهب أهل السنة والجماعة؛ لأن الله شاء الإيمان، وشاء الكفر، شاء الطاعة، وشاء المعصية، وهذه مشيئة كونية وإرادة كونية. فأراد الله بمقتضى الحكمة العظيمة الجليلة أن يكون في الناس مؤمن وكافر: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن:٢]. فحكمته اقتضت أن يجعلهم فريقين، فهذه مشيئته الكونية وإرادته الكونية؛ ولكن رضاه لا يتعلق بهذه المشيئة؛ بل رضاه يتعلق بمشيئته الشرعية وبإرادته الشرعية؛ فأرسل الله الرسل وأنزل الكتب لتبين للناس ما الذي يرضاه الله، وما الذي يحبه الله ، وما الذي يبغضه الله ، وما الذي يسخط الله، وما الذي لا يريده الله. ولهذا لو سألك أحدهم عن رجل لم يصلِّ أو فجر أو كذب أو زنا أو سرق، فقال لك: هل أراد الله أن يفعل هذا الرجل هذا الفعل؟ فإن قلت: نعم أراد الله -هكذا بالإطلاق- فقد أخطأت، وإن قلت: لا، لم يرد الله أخطأت أيضاً. فلابد أن نفصل في الكلام، فنقول: ماذا تريد: بأراد؟ فإن كنت تقصد بأراد، أي: أن الله شاء ذلك وعلمه وكتبه وقدره عليه؛ فنعم، فإن الله تعالى شاء ذلك حتى ولو كان شراً أو كفراً أو فجوراً أو معصية فهو الذي شاءه، فلا يقع شيء في الكون إلا أن يشاء الله، وبما يريد الله. وإن أردت بقولك: هل أراد الله من هذا أن يزني وأن يسرق؛ أن الله تعالى يرضى بذلك ويحبه؟ فلا، بل نقول: إن الله لم يرد أن يزني الزاني، ولم يرد أن يسرق السارق، أي: لم يحب ذلك. فالله لم يحب ذلك، ولم يشرعه، ولم يأمر به ولم ينزله في كتاب، ولم يرسل به رسول. إذاً: الإرادة هنا لها معنيان: إن أردنا بها الإرادة الكونية التي هي مطلق المشيئة - مجرد المشيئة - فنعم، فإن الطاعة والمعصية كلها أرداها الله ووقعت، لكن إن أردنا بالإرادة المحبة، فلا يريد الله -أي لا يحب الله- إلا ما شرع، وإلا ما أرسل به الرسل، وأنزل به الكتب.

стр. 724

شبهة القدرية المشركية ولهذا عندما احتج المشركون بالمشيئة، واعترضوا بالمشيئة، أبطل الله حجتهم في أربعة مواضع من كتاب الله، في سورة الأنعام: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] وأكد ذلك بعد أن وقع في سورة النحل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل:٣٥] فهذين موضعين احتج المشركون فيهما بالمشيئة، أي: في مضمون كلامهم: لو شاء الله تعالى ما أشركنا. وقال في سورة الزخرف: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف:٢٠] فما معنى ذلك؟ يقولون: الله شاء لنا أن نعبد هذه الأصنام، أي: أنه راضٍ بذلك، ولو شاء ما عبدناها، وهذا الكلام قالوه في موضع رد الرسالة وتكذيب الرسول ﷺ : ماذا تريد منا يا محمد؟ أن نترك عبادة الأصنام؟ لا، لو شاء الله ما عبدناها، ولو شاء الله ما أشركنا. وقالوا: ذلك في الموضع الرابع، في موضع الأمر بالإحسان: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس:٤٧] فلو شاء الله أطعمهم فكيف نحن نطعمهم؟ إذاً هم يريدون ألا يؤمنوا؛ لأن الله شاء الكفر، ويريدون ألا يحسنوا؛ لأن الله لو شاء الإطعام لأطعمهم. فالمقام هنا مقام الاعتراض والتكذيب والرد لرسالة الرسل، ولهذا عقب الله ﵎ على قولهم هذا في سورة النحل، فقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦] أي فضلاً وعدلاً منه ، فلو كان الأمر كما تقولون؛ فلماذا أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، يقولون لكم: هذا يريده الله ويحبه، وهذا يكرهه؟! فالمشركون إذاً لم يكونوا يثبتون القضاء والقدر، بل جاءوا إلى النبي ﷺ -كما في الحديث الصحيح في صحيح مسلم - يجادلونه في القدر؛ فأنزل الله ﵎ عليهم: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] فهم لا يؤمنون بالقدر؛ وإنما قالوا: نحن نؤمن بمشيئة الله؛ لأنهم قالوها معترضين بها على الشرع، ويريدون أن تكون لهم حجة في ترك الأمر والنهي؛ ولهذا قال عنهم في سورة الأنعام: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] سبحان الله يكذبهم في قولهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨] ثم يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل:٩]. فقليل البصيرة قد يقول لك: كأن بعض الكلام متناقض مع بعض -عياذاً بالله- وهذا خطأ، فالله لو شاء (كوناً وقدراً) لهدى الناس أجمعين، وفي هذه الحالة فلا يحتاج إلى رسل ولا يحتاج إلى كتب، فقد هداهم أجمعين؛ لكنه جعل لهم المشيئة فقال سبحانه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣] وقال: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] لكنه أقام الحجة عليهم بالرسل؛ فليس لأحد حجة على الله كما قال سبحانه: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]. إذاً: فهذا النوع الأول من أنواع الاعتراض، وهو اعتراض القدرية التي تسمى القدرية المشركية الذين اعترضوا بمشيئة الله واحتجوا بها على رد أوامره ونواهيه، ورد دينه وشرعه، وتكذيب أنبيائه .

стр. 725

شبهة القدرية الإبليسية والنوع الثاني من أنواع المعترضين -وهو واقع في الناس اليوم- هم: القدرية الإبليسية -نسبة إلى إبليس- الذي حكى الله قوله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٣٩] فإبليس أبى أن يسجد لآدم واستكبر وكان من الكافرين، فكتب الله عليه اللعنة إلى يوم الدين، وأخرجه وطرده من رحمته، وعندئذٍ اتخذ هذا الموقف من آدم وذريته -موقف العداوة والإضلال والإغراء- إلى أن تقوم الساعة؛ فأراد إبليس أن يحتج على فعله هذا، فلم يقل: فبعصياني وبكفري وبإلحادي وباستكباري سأغويهم، بل قال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٣٩]. فإبليس يقول: ما دام أنك يا رب أغويتني؛ فسوف أستمر في إغواء بني آدم. وهذا النوع واقع في حياة الناس اليوم، فـ القدرية تقول لأحدهم صلِّ، فيقول: لم يرد الله ولم يكتب لي أن أصلي -فيستمر في ترك الصلاة- ولو شاء الله ذلك لصليت؛ لكن لم يكتب الله ذلك لي؛ فلن أصلي. فهو يستمر في الغواية ويستمر في المعصية، ويقول: إن الله ما شاء وهو الذي عصى، ولو شاء هذا الإنسان لقام وتوضأ وصلى؛ لكن الشيطان ألقى الشبهة الإبليسية هذه في أتباعه من شياطين الإنس، ومن المتبعين له الذين وقعوا في حبائله فأصبحوا يحتجون بهذه الشبهة: ما دام أن الله أغواني وما هداني فسأستمر، وما دمت قد أغويتني فسوف أستمر في إغواء الناس، فالشبهة المشركية -أو الشبهة الشركية- والشبهة الإبليسية واقعتان في الناس اليوم.

стр. 726

شبهة القدرية المجوسية والشبهة المجوسية في القدر هي شبهة الذين قالوا: كيف يخلق الله الخلق، وكيف يخلق الأفعال في الإنسان ثم يحاسبه ويجازيه عليها؟ فقالوا: إذاً ننكر ما سبق، ونقول: الإنسان هو الذي يخلق فعل نفسه؛ وهؤلاء قد كذبهم الله فيها في قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] فالله هو الذي خلقهم. وهؤلاء القدرية من النوع المجوسي- القدرية المجوسية - يثبتون خالقين: إله النور (خالق الخير)، وإله الظلمة (خالق الشر) قالوا: فعل العبد من الطاعات خلق الله، وأما المعاصي فهي من خلق العبد حتى لا ننسبها إلى الله ، فماذا قال فيهم السلف ومنهم الإمام أحمد ﵀؟ وعلم الصحابة وعلم السلف علم كلماته قليلة لكن تحتها علم كثير غزير، فكيف ناظروهم، وكيف جادلوهم؟ هل بكتابة أربع أو خمس مجلدات في فلسفات طويلة في القدر؟! لا، بل على نفس منهج النبي ﷺ ، فناظروهم بجواب شاف كافٍ بأوجز الكلمات، قال الإمام أحمد ﵀ وغيره من السلف: 'ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروه كفروا'. فأول ما نبدأ معه أن نقول له: ماذا تقول في العلم؟ هل علم الله أنك تفعل هذا أم لا؟ فإن أقر به خُصم وقُطع، فتقول: هل علمه؟ فيقول: نعم. فهل كتبه؟ يقول: نعم. فهل شاءه؟ يقول: نعم. فهل خلقه؟ يقول: لا. فنقول: لا. أنت مخصوم ومحجوج، لأنه علمه وكتبه وشاءه وخلقه! فما هو المانع؟ لماذا تؤمن بثلاث مراتب والرابعة تتركها؟ لا يمكن هذا. إذاً: فهم إن أقروا بالعلم خُصموا، وإن أنكروه وقالوا: لم يعلمه -عياذاً بالله- فهذا كفر، فبعد ذلك ليس هنالك حاجة أن تتناقش معهم؛ فكون الله يعلم كل شيء، هذه حقيقة بديهة يعلمها جميع المؤمنين بل حتى من الأمم الكافرة يعلمون أن الله يعلم بكل شيء، وكل من يقر بوجود الله يعلم أنه يعلم بكل شيء. فمن يقول لك: لا. لم يعلم الله كل شيء! ولم يعلم أفعالي! فهذا بدون جدال هو كفر، ونكفره على أمر بين، لا على أمر قد تدخله الشبهة، فنكفره بأمر بين واضح، وهو إنكار العلم الذي لا يخفى على أي مؤمن، ولهذا نجد أن السلف الصالح ذكروا في كتبهم عن القدر حقائق وقصصاً ووقائع مما يوضح المراد، ولتعرف الفرق بين المؤمنين بالقدر وبين القدرية بأنواعهم. فقد ذكروا أن رجلاً جاء إلى عمرو بن عبيد وهو زعيم القدرية المعتزلة الأولين، وهو الذي أظهر مقالة معبد الجهني؛ لأن -كما تعلمون- أول من أظهر القدرية بعد معبد الجهني في البصرة هو غيلان الدمشقي الذي كان في المدينة ثم انتقل إلى دمشق، فتلقفها عمرو بن عبيد. وعمرو بن عبيد كان من النوع الذي يؤمن بأن الله لم يرد الشر، فليس عنده إرادة، إلا إرادة واحدة، وليس كما قلنا: إن الإرادة إذا كانت بمعنى المشيئة المطلقة فلها حكم، وإن كانت بمعنى المحبة فلها حكم آخر، فعنده إرادة واحدة، وكان من العباد الزهاد جداً، فجاءه أعرابي بدوي لا يعرف شيئاً من الدين، وقال: دلوني على رجل صالح، وكان هذا الأعرابي قد ضاعت منه ناقته، فجاء يبحث عن رجل صالح يدعو الله له أن يعيد له ناقته، فدلوه على عمرو بن عبيد، وقالوا: هذا رجل زاهد وعابد فاطلب منه أن يدعو الله لك، فجاء إلى عمرو فقال له: مالك؟ قال يا عمرو: إن ناقتي قد ضاعت وفقدت ولا أدري من الذي أخذها فادع الله لي؟ فقال عمرو بن عبيد: اللهم إنك لم ترد أن تُسرق ناقته، فردها عليه! فالأعرابي بفطنته رأساً قال: لا حاجة لي في دعائك، فقالوا له لماذا؟ قال: ما دام أنه قد أراد ألا تسرق فسرقت، فأخشى أن يريد أن ترجع فلا ترجع! فالإرادة عند عمرو بن عبيد إرادة واحدة فقط. ولهذا يقال: إن مجوسياً وقدرياً أيضاً ركبا في سفينة، وأخذا يتجاذبان في القدر، فقال المجوسي للقدري: الشيطان لما فعل وعصى هل فعل ذلك بقدر من الله؟ فقال القدري: لا. قال: إذاً غلبه. -عياذاً بالله- فقال له: لم لا تسلم؟ قال: أنا مع أقواهم. أي: على كلامك أن الله لم يرد أن يكفر الشيطان وكفر فاتركني أكون مع القوي!

стр. 727

الآثار السيئة للانحراف في القدر فانظروا كيف تحدث هذه الشبهات طعناً في الدين وثلمةً فيه؛ فيفضي ذلك القول بالطرف الآخر إلى ردة الفعل، فمن هو الطرف الآخر؟ الطرف الآخر هو الذي يقول: إن الله هو فاعل كل شيء كما قال بذلك الجهمية ومن اقتفاهم، كالكسب عند الأشعرية، والكسب أصلاً كان عند النظام عند المعتزلة، ثم أخذه منهم الأشعرية. فـ الشيعة قدرية ينكرون القدر، والأشعرية جبرية، أي يقولون: إن الله هو الفاعل، ولا يقولون: إن الله هو الخالق، وتبعهم على ذلك غلاة الصوفية الذين يقولون: إن أي فعل يقع يجب عليك أن تعتقد أن الله هو الفاعل -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- فالناس يفعلون الزنا، وشرب الخمر، والمحرمات الكثيرة، فهل نقول: إن الله هو الفاعل؟! لا. ولكن الله شاء ذلك وأراده كوناً ولكنه لم يحبه ولا يحبه شرعاً؛ خلقه فيهم؛ لكن ليس هو الفاعل له؛ وإنما الله خالق، والعبد هو الفاعل. والشبهة الأخيرة هي قولهم: كيف يجازيهم الله ؟ فنقول: هل يجازي الله العباد على ما يعلم؟ وهل يبعثهم يوم القيامة ويقول: أنا أعلم أنك تفعل المعاصي فأجازيك عليها، أو أعلم أنك تفعل الطاعات فأثيبك عليها، أم يجازيهم على ما فعلوا؟ فالله يجازيهم على ما فعلوا؛ ولهذا يسترسل الإنسان: ﴿وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف:٥٤] ولا يصدق بما يقرره عليه ربه، ويتهم الملائكة الكاتبين الكرام، ويقول: يا رب! لا أقبل شاهداً إلا من نفسي، فيختم الله على أفواه أولئك العصاة وتتكلم أيديهم، وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون، وتنطق جلودهم بأنها عملت المعاصي. إذاً: فهذا الإنسان عندما يحاسب ويدخل الجنة أو يدخل النار فهو نتيجة للأسباب التي اتخذها، والأعمال التي عملها، وإلا لو كان الحساب على مجرد العلم؛ لكان أوّل ما خلق الله آدم واستخرج من ظهره ذريته وقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي، انتهى الأمر ولا حاجة إلى أن يخلقوا، وأن يأتوا إلى هذه الدنيا، لكنه يجازيهم على أعمالهم، وهذه الأعمال التي يعملها الناس منها ما هو غير اختياري فلا يحاسب عليه الإنسان. فهل يحاسب الله تعالى المجانين؟ بل ورد أن أربعة من الناس يتظلمون إلى الله يوم القيامة: المجنون، والهرم، والصغير، والزّمِن أصحاب العاهات- كل منهم يوم القيامة يقول: يا رب! لما جاء الرسول كنت مجنوناً أو كنت هرماً أو كنت صغيرا، ً فكيف تحاسبني يا رب! وأنت الذي لا تظلم أحداً شيئاً؟! فالله يمتحنهم ويختبرهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً﴾ [يونس:٤٤] فالله غني عن الناس، وغني عن ظلمهم: ﴿يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا﴾ فالذين يقولون: إن الله قدّر ذلك وكتبه علينا فكيف يحاسبنا؟ نقول: أنت جعلت نفسك كالمجنون أو الصغير أو الزمن الذي لم يدرك شيئاً من الدين، وهذا لا يصح أبداً. فأنت قد جاءك الدين والإيمان وبلغك، فلو أن هذا الأمر خفي عليك كحكم من الأحكام لم تعلمه، فتقول كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فيقول : قد فعلت. وهذا الأمر فيما بلغك وأخطأت فيه أو نسيته، لكن في أمر تعمدته كعلمك بأن الله أمرك بالصلاة ولم تصلِّ، فهل ينفعك يوم القيامة أن تقول: يا رب! قدّرت هذا علي أو قضيت؟ هذا لا ينفع أبداً! فاعلم أن الله أمرك أن تأمر بالمعروف، وأن تنهى عن المنكر، وأن تطيع الله ورسوله فيجب عليك أن تحقق ذلك.

стр. 728

الأسئلة

стр. 729

الإنسان مخير أم مسير السؤال هل الإنسان مخير أم مسير؟ الجواب الذي يجب أن نعلمه أن السؤال إذا كان خطأً؛ فهذا لا نجيب عليه إجابة مباشرة؛ لكن نبين خطأ السؤال. وهذا مثلما سأل بعضهم فقال: يقول الملحدون الغربيون: إذا كان الله على كل شيء قدير فهل يقدر أن يخلق مثل نفسه؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وأيضاً السؤال هنا خطأ؛ فلا نجيب عليه إجابة مباشرة، ولكن نبين خطأ السؤال؛ فمن الخطأ أن يقال: إن الإنسان مخير أو يقال: إنه مسير؛ بل من الخطأ أن يُسأل هذا السؤال، فمن الخطأ أن تسأل فتقول: الإنسان مخير أو مسير؟ وتتوقع أن يجيبك المجيب بأن يقول: مسير، أو يقول: مخير؛ فلو أجابك وقال: مسير، لقلت: إذا كان مسيراً فكيف يحاسبه الله ، وهناك أمور هو مخير فيها، وإذا قال لك: هو مخير، قلت له: كيف مخير ولم يأت إلى هذه الدنيا بإرادته، ولم يفعل الأفعال التي يشاء، فهو يشاء أحياناً أموراً كثيرة ولا تقع، وأحياناً لا يشاء الأشياء وتقع، فكيف تقول: إنه مخير، ففي مثل هذه الحالة نعرف أن السؤال نفسه خطأ. فهذا السؤال لم يرد عند الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ولا عند السلف الصالح؛ لأنهم قوم أعقل من أن تخطر عليهم هذه الأسئلة، وهذا السؤال إنما يرد في كتب الفلسفة عند المتفلسفين الذين يخوضون في قضايا عميقة ودقيقة ونظرية لا أساس لها في الشرع، ولا حتى في العقل الصريح. فالله قال وليس هناك أوضح من هذا القول ومن هذه العبارة: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] فأثبت الله لنا مشيئة، ولكنها لا تكون إلا بعد مشيئة الله، ووفق ما أراد الله، فإذا عملنا عملاً من الأعمال باختيارنا؛ فإن الله يكون قد أراده، وإذا أردنا أن نعمل عملاً من الأعمال، ولكن الله لم يشأه؛ فإنه لا يكون ولا يقع مهما اجتهدنا في تحصيله. ويقول لك أحدهم: أنا مخير وأنا حر، وأريد أن أعمل هذا العمل! ولكنه لا يقع ذلك -حتى في واقع الحياة- والقصص على هذا كثيرة جداً. فمما ذكره بعض العلماء: أنه كان رجلان في طائرة -مسلم والآخر كافر- والرحلة كانت إلى لندن فقال الكافر للمسلم: كم تبقى من الوقت لنصل إلى لندن؟ قال: تبقى ساعة إن شاء الله -قالها هكذا عادية مثل أي مسلم- فضحك الرجل وقال: لماذا تقول: إن شاء الله، فالطائرة ذاهبة والمطار موجود؟! بل قل: بعد ساعة ولا تقل: إن شاء الله، فقال له: لا. أنا مسلم، وأقول إن شاء الله؛ لأننا قد نشاء أشياء نسعى لها والأسباب متوفرة، ولا يقع ذلك فأبى الكافر أن يقتنع، فيقول الرجل المسلم: فقدر الله أنه عندما وصلنا قريباً من لندن وإذا بالمطار مقفل؛ فهناك ضباب والهبوط ممنوع، ولا بد أن يكون الهبوط في باريس، ولا أعرف كم تبعد باريس عن لندن فقلت له: كم بقي حتى نصل إلى باريس، فقال: ساعة إن شاء الله؛ فعرف أن هناك إلهاً فعلاً بعد أن قال: لماذا تقول: إن شاء الله؟ فهو لا يدري لعل باريس تكون مقفلة أيضاً. فالقصد أن الإنسان مهما كابر ومهما قال: لا. كل الأسباب موجودة، وأنا أقدر فلماذا تقول لي: إن شاء الله؟! فإن الله هو الذي إذا شاء وقع ما شاء، لا ما خططت أنت وأحياناً لا تخطط لشيء فيحدث ويكون قد شاءه الله لك وهكذا. وبهذا نعرف قدرة الله وعظمته ، وأنه هو الذي يدبر الكون ويصرفه، ونعرف أن الإيمان بالقدر يولد الطمأنينة في نفس الإنسان: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦] فالإيمان بالقدر يعطي الإنسان طمأنينة، وراحة فلا يندم ولا يأسى على ما فاته، ولا يفرح بما أوتي كما أخبر الله بذلك في كتابه. فإذاً الإنسان له مشيئة وله اختيار؛ ولكنه اختيار محدود وفي حيز مشيئة الله له، ولا تكون مشيئة الإنسان ولا تنفذ إلا إذا شاء الله ذلك. فلو كان الإنسان مجبوراً بإطلاق؛ لكان مثل الحجر أو الشجر في مهب الريح وليس الإنسان كذلك، ولو كان مخيراً بإطلاق؛ لكان يفعل ما يشاء، دون أن يقع له أي عارض أو أي مانع إلا تحصيل الأسباب؛ لكننا إذا نظرنا فسنجد أن الله هو خالق الأسباب، وأنه إذا شاء أبطل الأسباب وأبطل أفعالها. فهو الذي شاء وجعل المطر سبباً في إخراج الزروع: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل:٦٠] أنبتنا به أي: أن الله جعل المطر والغيث سبباً في الإنبات، ولو شاء الله لكان كما ورد في الحديث في آخر الزمان: ﴿يصبح المطر قيظاً﴾ كما قال ﷺ في الحديث الآخر: ﴿ليس الجدب ألا تمطر السماء ولكن أن تمطر السماء ولا تنبت الأرض شيئاً﴾. فهل لاحظتم كيف جعله الله سبباً؟ ولو شاء الله لجرَّد هذا السبب من الفعل كما يشاء؛ وما الآيات والبراهين والبينات التي جعلها الله ﵎ للأنبياء إلا جزء من ذلك؛ فالنار عادة تحرق، وكل ما يقع في النار فإن النار تحرقه، وهذا أمر خلقه الله تعالى هكذا؛ لكنه لما شاء الله أبقى الخليل ﵇ فيها، قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] فما أحرقته. وكذلك ليس من الأسباب العادية المعروفة أن البحر بضربة العصا ينفلق حتى يكون كل فرق كالطود العظيم، ولا يمكن ذلك بالأسباب العادية؛ لكن الله جعله لموسى وقلب تلك العصا حيه، وهكذا فهذه إرادة الله، ومشيئته، فالإنسان له مشيئة لكنها ليست حرة، ومطلقة.

стр. 730

حديث "فحج آدم موسى" والاحتجاج به على المعاصي السؤال حديث: ﴿فحج آدم موسى، فحج آدم موسى﴾ اشرح لنا هذا الحديث؟ وآخر يقول: هل للعصاة حجة فيه للاحتجاج على المعاصي؟ الجواب هذا الحديث أولاً: هو حديث صحيح لا شك في صحته عند علماء السنة. يقول النبي ﷺ : ﴿احتج آدم وموسى، فقال موسى لآدم: أنت آدم الذي خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة﴾ هكذا في بعض الروايات وكلها متقاربة، وهكذ احتج موسى على أبينا آدم ﵉: ﴿فقال له أبونا آدم ﵇: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وخط لك التوارة بيده، تلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فقال ﷺ : فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى﴾ أي: غلبه بالحجة. فآدم غلب موسى، وهنا وقع الإشكال؛ فـ القدرية المعتزلة وأشباههم قالوا: هذا الحديث لا يثبت وردوه، وإذا قيل لهم: كيف تردونه وهو صحيح؟! قالوا: هذا فيه حجة لأهل المعاصي، فيعصي الإنسان ويقول: قدَّر الله عليَّ؛ لأن آدم قال: قدر الله عليَّ قبل أن أخلق بأربعين سنة، فنحن نرد هذا الحديث، فردوه وهو حديث صحيح. وأما القدرية المرجئة -والكل يسمون القدرية لكن الأخص يطلق على النفاة- فقالت: لا. بل هذا الذي نريده، فاحتجاج العاصي بذلك جائز له؛ لأنه في الحقيقة لا فاعل إلا الله، وكما يقول غلاة الصوفية: أصبحت منفعلاً لما تختاره مني ففعلي كله طاعات أي كل أعمالي من الله. فهذا الحديث يدل عندهم على أن للعاصي أو لأي مذنب أو مجرم أن يحتج بالقدر، وهذا أيضاً باطل. وقد وقع في هذا الحديث خصومة شديدة بين المعتزلة الذين أنكروا الحديث، والأشعرية والصوفية الذين أثبتوه؛ ولكن على غير الوجه الصحيح، حتى قال الشيخ المقبلي ﵀: من يقرأ في مجادلة الفريقين يظن أن آدم أشعري وموسى معتزلي. فجعلوا آدم أشعرياً، وجعلوا موسى معتزلياً، سبحان الله! من كثرة ما تجادل الطرفان، وكلاهما أخطأ في الفهم. والفهم الصحيح للحديث هو كما فهمه الصحابة الكرام، فلم يقع عندهم أي تعارض، وهم أفقه الناس وأعلمهم وأذكاهم، وهو أن موسى ﵇ لم يعتب ويلم آدم على الذنب، ولم يقل لآدم كيف تذنب وتعصي أو كيف تأكل من الشجرة، وهذا هو الفهم الذي تفهمه الجبرية. وهنا إشكالات يكفي أن نذكر منها إشكالين بالنسبة لكل واحد من هذين الرسولين: أولاً: أما بالنسبة لآدم ﵇ فالجواب سهل جداً، فإذا قال له: لماذا تعصي؟ فسوف يقول: إن الله قد غفر لي ذنبي، ولست أنت ربي حتى تحاسبني؛ ومن هذا الذي يلوم أحداً على ذنب قد فعله، وعنده علم من الله أنه قد غفر له؟ ومثلاً الكافر إذا أسلم؛ نحن نعلم -وإن كان ليس بنفس اليقين- أن هذا الإنسان ما دام أسلم فإن الإسلام يجب ويهدم ما قبله، فعندما أقول له: لماذا كفرت؟ فهو يقول: لا داعي للسؤال فأنا قد أسلمت، واعتراضك هذا ليس له وجه. فالجواب إذاً سهل بالنسبة لآدم، فيقول: إن الله قد غفر لي ذنبي، ولست أنت بربي، وأيضاً موسى ﵇ أعلم بالله وبآدم وبالحق من أن يلوم أباه آدم على ذنب يعلم أن الله قد غفر له. إذاً إلى أي شيء يتوجه اللوم؟ إنما يتوجه موضع اللوم؛ إلى الإخراج فاللوم أنك خيبتنا وأخرجتنا، فموسى ﵇ ينظر كيف كنا، وأين كنا، كما قال ابن القيم: فحي على جنات عدنٍ فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم ولكننا أسرى العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم فنحن نزلنا إلى هذه الدنيا وهذا التراب حتى يقال: إن آدم ﵇ بكى طيله ثلاثمائة سنة، ولا بد أن يبكي ﵇ لما أنزل إلى التراب، فهي مصيبة كبيرة أن يخرج من الجنة وينزل إلى التراب. فموسى ﵇ يلومه على هذه المصيبة، فيقول: يا أبانا آدم! خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. إذاً هذا اللوم يتوجه إلى هذه المصيبة، وهي الخروج من دار النعيم، ومن دار القرار إلى دار الشقاء والنكد والمصائب، فآدم ﵇ يقول: أنا ليس لي ذنب في الإنزال، بل هي مصيبة ليس لي ذنب فيها؛ لأنه أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة، وهذا صريح القرآن: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] أي: أن هذا قبل أن يخلقه: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة:٣٠]. إذاً فالله قدر قبل أن يخلق آدم في الفترة التي لم يكن فيها آدم شيئاً مذكوراً، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان:١] وهي أربعون سنة. فيقول آدم ﵇: يا موسى! الإنزال في الأرض ليس له علاقة بي، عصيت أو لم أعص فالنزول واقع واقع، لأنه قُدر وكُتب قبل أن أخلق بأربعين سنة بأنني أنزل إلى الأرض فلماذا تلومني؟ أتلومني على أمر قد كتبه الله عليَّ قبل أن أخلق بأربعين سنة؟! إذاً انتهى الجواب: ﴿فحج آدم موسى﴾ وفي رواية أخرى: ﴿ألم تقرأ في التوراة أن الله تعالى كتب أنه سوف ينزلني إلى الأرض وأنه سيجعلني خليفة في الأرض﴾. إذاً ليس هناك مجال للاحتجاج بالقدر على المعاصي؛ ولكن نحتج بالقدر على المصائب، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد:٢٢] وهذا ما أمرنا به النبي ﷺ بأن نقول: ﴿قل قدر الله وما شاء فعل﴾. فإذا وقعت المصيبة ووقع الشيء خلاف ما تريد؛ فإنك حينئذ تحتج بالقدر وتقول: قدر الله وما شاء فعل، إنا لله وإنا إليه راجعون، لله ما أخذ ولله ما أعطى، فهذه أقدار الله ؛ فالقدر يحتج به على المصائب، ولا يحتج به على المعائب والذنوب. أما أخطاؤنا التي نرتكبها عصياناً لله، فلا نحتج بها إلا في حالة واحدة! حالة أن يكون الاحتجاج بالقدر على المعصية مجرد إخبارٍ عن أمر قد مضى أو أمر واقع وليس فيه معارضة على القضاء والقدر. فالمشركون احتجوا بالقدر على الشرك، فقالوا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام:١٠٧] ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل:٣٥] ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠] ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] فاحتج المشركون به في مقام الاعتراض على الرسل؛ لكن لو أن أحداً من الصحابة أسلم، فقيل له: لماذا لم تسلم إلا في السنة السابعة من الهجرة؟ فقال: لو شاء الله لأسلمت قبل ذلك، فإننا نقول: الاحتجاج هنا صحيح؛ لأن هذه مصيبة، فيحتج بالقدر على المصيبة، أو يحتج به على ما ظاهره أنه معصية، لكنه بمنزلة المصيبة. وأما إذا قال لك أحد: هؤلاء جيرانك محتاجون -وهم مسلمون- فأطعمهم، فقلت: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] فهذا لا يجوز؛ لأنه يعتبر رداً لأمر الله وشرعه الله بمشيئته، لا يجوز. ولو قيل لك: يا أخي! يوجد في أمريكا الوسطى أناس فقراء، وفي الصين كل يوم يموت من الجوع ألف؛ فما هو رأيك؟ فقلت: يا أخي! لو شاء الله أطعمهم، وهذه مشيئة الله، فكلامك هنا صحيح، فإنه لو شاء الله ما ماتوا في إفريقيا ولا في أمريكا الوسطى ولا في الصين ففي هذا الموضع لا يكون الاحتجاج دافعاً لعدم الإنفاق ولا منعاً للإحسان؛ وإنما تقول هذا من باب الإخبار المجرد؛ فهو في هذه الحالة يتحول إلى كلام على المصيبة وليس على المعصية. وقد ورد عن النبي ﷺ ﴿لما ذهب يتفقد علياً وفاطمة وحضهما على قيام الليل، فقال علي: إن أنفسنا بيد الله فمتى شاء بعثنا، فولى النبي ﷺ وهو يضرب على فخذه، ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف:٥٤]﴾ وهذا ليس من باب قول أحدهم: أنا أنام ولا آخذ بالأسباب، وإذا قدر الله لي أن أستيقظ استيقظت! فهذا احتجاج بقدر الله -بأنه هو الذي يحيي ويوقظ النفس- لترك الطاعة، وهذا لا يجوز، لكن علياً فطن إلى المحاجة والمجادلة مثلما فطن آدم في محاجة موسى، أي أنه إذا وقع النوم بعد أخذ الأسباب فهو من الله. ولهذا فالنبي ﷺ في غزوة بني المصطلق لما نام هو وأصحابه ولم يوقظهم إلا حر الشمس، قال: ﴿إن أرواحنا بيد الله فمتى شاء بعثها﴾ وهذا استدلال بقدر الله على المصيبة، فأنت إذا تحريت واجتهدت ونمت في الوقت المناسب، وقد تكون وضعت المنبه، وكل شيء؛ ثم استيقظت وإذا بالناس قد صلوا الفجر؛ فهنا تقول: أرواحنا بيد الله. لكن أحدنا ينام ولا يبالي ولا يستعد ولا يريد أن يصلي الفجر جماعة، ثم يقول: أرواحنا بيد الله، فالفرق كبير بينهما، فهذه معصية وتلك مصيبة، وهناك فرق بين المعصية والمصيبة من حيث الاحتجاج.

стр. 731

محو الله للقدر ورد القدر بالدعاء السؤال هل يمحو ويغير الله ما يكتبه على العباد ويكتب غيره، وهل يرد الدعاء شيئاً من القدر؟ الجواب نعم، فالله ﵎ يقول: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] ويقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿لا يرد القضاء إلا الدعاء﴾ وهذا يحفزنا ويدفعنا للاجتهاد في طاعة الله باستمرار، وأن نكثر من دعاء الله ونجتهد في طاعته، وندعوه أن يجعلنا من السعداء، وأن نعمل بعمل أهل السعادة.

стр. 732

جواز الدعاء بطلب السعادة السؤال هل يجوز أن يقول الإنسان: اللهم إن كتبتني شقياً فامحني واكتبني من السعداء؟ الجواب مثل هذا جائز، وقد ورد عن السلف؛ لأنك لا تعلم الغيب، ولا تدري ما حالك عند الله، وهذا -كما قلنا- من أكبر الأسباب التي جعلت السلف الصالح يجتهدون في طاعة الله، وكذلك يجتهدون لأن يكونوا من المقربين ومن أصحاب السعادة؛ فاجتهد وادع الله أن يجعلك من أهل السعادة؛ فحينئذٍ تكون قد بذلت الأسباب، والله يوفق من دعاه ولا يخيبه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. لكن أم الكتاب لا نقض فيها ولا تغيير ولا تبديل، لأنها كتبت حسبما سيكون عليه الحال كما علمه الله .

стр. 733

خلق القلم وكتب الأقدار قبل خمسين ألف سنة السؤال يقول السائل: إن الله خلق القلم، وكتب الأقدار قبل خمسين ألف سنة فما هو الدليل على ذلك؟ الجواب الدليل قوله ﷺ : ﴿أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، فكتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء﴾ رواه مسلم. فقد كتب الله مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء، في الوقت الذي لم تكن السماوات والأرض قد وجدت، بل بينهما خمسين ألف سنة. فيجب أن يكون الإنسان على إيمان ويقين بأن كل ما يصيبه من خير أو شر فأمر قد قضي وانتهى؛ فقد رفعت الأقلام وجفت الصحف، ولم يبق إلا ما كتبه الله فليجتهد العبد في الطاعة وفي فعل الخير، وفي دعاء الله أن يجعله عنده من أصحاب اليمين، ومن المقربين، ومن المتقين، ومن الميسرين لليسرى.

стр. 734

حكم استخدام كلمة (لو) في الرد على القدر السؤال حصل لرجل حادث، فقال له رجل آخر: لو أنك لم تذهب، فهل يجوز هذا القول؟ الجواب قوله: لو أنك لم تذهب لما وقع الحادث لا يجوز؛ لأن هذا ما قاله المنافقون: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٥٦] فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] أي: لو كان الإنسان في بيته، والله كتب أنه يذبح هنا، فإنه يخرج إلى مضجعه ويضطجع ويذبح؛ فهذا شيء لا بد منه. فأمر كتبه الله لا بد أن يقع، ولا يجوز الاعتراض بكلمة (لو) هذه؛ لأن النبي ﷺ قال في الحديث السابق: ﴿استعن بالله واحرص على ما ينفعك ولا تعجز، وإن أصابك أمر فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان﴾ وهذه لا يستخدمها المؤمن في القدر، في مثل هذا الموضع.

стр. 735

أنواع كتابة القدر السؤال هل الكتابة الكونية ليس فيها الكتابة النوعية؟ وهل الكتابة النوعية ليس فيها الكتابة الحولية؟ وهل الكتابة الحولية ليس فيها الكتابة العمرية؟ وما فائدة هذه الأنواع من الكتابة إذا كانت متضمنة مكتوباً واحداً؟ الجواب هي في الحقيقة تقدير بعد تقدير، فالكتابة الكونية في اللوح المحفوظ هي وفق علم الله، ومن الممكن أن نعتبر أن العلم والكتابة مرتبة واحدة، لكن الكتابة النوعية والكتابة العمرية والكتابة الحولية والتقدير اليومي، هذا تقدير بعد تقدير، وكتابة بعد كتابة، ولله في ذلك حكمة، فلما خلق الإنسان؛ جعل الله له قدراً خاصاً وهو موافق للقدر الأول، ولما خلق كل إنسان منا في ذاته -أيضاً- كتب قدره، فهو من نفس القدر الأول، وكذلك كل عام، وكل يوم يفعل الله ما يشاء، فهذه أخبرنا الله بها، حتى يزداد إيماننا ويقيننا، ونعلم أن الكون كله بقدر، فجنس الإنسان كله بقدر، وعمرك كله بقدر، وسنتك هذه بقدر، ويومك هذا بقدر. إذاً فكل شيء بهذا الترتيب العجيب الذي لا يمكن أن يعلم إلا عن طريق الوحي، فهل تتخيلون أن العقل وحده يستطيع أن يعرف أنواع هذه التقديرات؟ إن هذا لا يمكن على الإطلاق؛ وهذا فيه فائدة عظيمة لنؤمن بالغيب، ولنعرف قيمة الوحي، ولنزداد يقيناً بأقدار الله وإلا فكلها مُتضمَنة ومكتوبة بالقدر الأول الذي هو أم الكتاب الذي لا يبدل ولا يغير.

стр. 736

الحث على تعلم القدر السؤال يقول السائل: قال بعض السلف: 'رأيت أعلم الناس بالقدر أجهلهم به، وأجهل الناس به أعلمهم به' ما رأي فضيلتكم في هذه العبارة؟ ثم اذكر موقف السلف حول الإيمان بالقضاء والقدر؟ وهل حرص العبد على الادخار لذريته ينافي القدر؟ وهل عرض قضايا القدر تفصيلاً بحضرة العوام يتعارض مع قول الإمام علي: [[حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله]]؟ الجواب نبدأ أولاً بهذه العبارة 'رأيت أعلم الناس بالقدر أجهلهم به, وأجهل الناس به أعلمهم به' فهذه العبارة ليست عامة، وليس المقصود بهذه العبارة أحكام الخبر المنصوص عليها وما جاء في القدر من آيات وأحاديث وكلام السلف؛ لأن هذا من زيادة العلم الذي يزيد الإنسان يقيناً وإيماناً بهذا الركن العظيم من أركان الإيمان؛ لكن الذي يبحث في الدقائق ويتعمق في أسرار القدر؛ فمهما تعمق فإنه يرجع إلى الأساس الأول، وهذا هو الذي لو جهله لكان خيراً له. فالقدَر المتعمق فيه هو الذي سلكه أهل الكلام وأمثالهم، وقد وردت عبارة عن السلف مثل هذه تماماً وهي تفسر هذه كما يقول أبو يوسف أو غيره: 'العلم بالكلام هو الجهل، والجهل به هو العلم' وعلم الكلام هو التعمق والتدقيق في أمور غيبية بالعقل المجرد، كالتدقيق في صفات الله وفي القدر وما أشبه ذلك؛ فهذا هو الجهل، لأن الإنسان يتكلف ما لا يمكن أن يصل إليه وما لا يطيقه، وهذا ينتج عنه الضلال والانحراف عافانا الله وإياكم. أما العلم الذي هو في الكتاب والسنة وكلام الصحابة والأئمة المتعلق بهما -أي الكتاب والسنة- فليس داخلاً في ذلك. وأما حرص العبد على الادخار لذريته فإنه لا يتنافى مع القدر؛ لأن الجوع قدر وإذا أكلت وشبعت أذهبت الجوع، وهذا أيضاً بقدر؛ ولهذا المؤمن مطالب بأن يدفع القدر بالقدر، فالقدر ينازع بالقدر، وهذه كلها أقدار أو أسباب جعلها الله ، وأنا لا أعلم بالمكتوب عند الله؛ وإنما المطلوب مني أن أدفع قدراً بقدر، فأدفع المعصية بالطاعة، وأدفع الغفلة في القلب بذكر الله وقراءة القرآن وبتذكر الموت والآخرة، وأدفع الداء بالدواء والعلاج وهكذا، فقد قال النبي ﷺ لـ سعد: ﴿إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس﴾ وهذا من الأخذ بالأسباب والقدر، ولا شيء في ذلك. أما الحرص الذي يجعل الإنسان يمنع حق الله من المال، ويخاف على أولاده، ويقول: كيف يعيشون؟ وكيف يطعمون من بعدي؟! ويجزع ويهلع؛ فهذا هو الذي لا يجوز. أما أن يدخر شيئاً مما أعطاه الله؛ ليصلح حال أبنائه من بعده؛ فهذا مأمور به ومطلوب شرعاً؛ ولهذا لا يجوز أن يوصي بأكثر من الثلث -كما ثبت ذلك في حديث سعد الصحيح الذي أشرنا إليه-. أما عرض قضايا القدر في حياة العوام تفصيلاً فليس كل شيء ينبغي أن يعرض أمام العوام تفصيلاً، لكن بالنسبة لطلبة العلم ينبغي أن يتعلموا ما يحتاجون من علمه؛ حتى إذا سأل العوام يجيبونهم. فمن لديه استعداد للعلم فليتعلم، وإن كان هو يجهل ذلك؛ لأنه ليس كل شخص يولد عالماً. وأما إذا قلنا: هذا لا يعلم شيئاً فلا نعلمه شيئاً في القدر؛ فسيظل جاهلاً. لكن ليتعلم شيئاً، ومن عنده استعداد أن يتعلم أكثر من ذلك فليعلّم ذلك، كما في الحديث الصحيح عن عمران بن حصين حين امتحن واختبر أبا الأسود الدؤلي في القدر. فإذاً: هذا مما يدل على أن من الناس من يُعلَّمون ذلك، ولكن ليس كل واحد يعلَّم.

стр. 737

سبب الالتباس في مسألة القدر السؤال إنني أرى كثيراً من الناس يصلون ويصومون، ولكنهم مع ذلك لديهم التباس في مسألة القدر، فما السبب في ذلك؟ الجواب السبب هو أن الشيطان حريص، فإما أن يأتينا بالمعاصي الظاهرة، وإما أن يأتينا بالمعاصي الباطنة -وهذا أشد- ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام:١٢٠] فالمعاصي الظاهرة هي نتيجة للشهوات، كترك الصلوات أو الزنا أو الخمر أو ما أشبه ذلك -عافنا الله وإياكم منها- لكن المعاصي الباطنة تكون نتيجة الشبهات -في الغالب- فيأتي الشيطان بالشبهة فيفسد على الإنسان دينه، فيضل بالقدر أقوام، وكم كفر من أناس نتيجة القدر! نسأل الله العفو والعافية. فهذا عمرو بن عبيد كان عابداً زاهداً لا يكاد يملك من الدنيا شيئاً، لكنه كما قال عبد الله بن عمر ﵁: [[لو أنفق مثل أحد ذهباً ولم يؤمن بالقدر لم ينفعه أبداً]]. إذاً هذا هو الذي يريده الشيطان؛ فلقد عجز أن يأتي إلى بعض الناس من باب الشهوات والمعاصي؛ فأتاهم من باب الشكوك، ومن باب فساد الإرادة والإخلاص -عافانا الله وإياكم من ذلك- ولذلك هو حريص إما أن يجعلك لا تعمل، أو أن يجعل عملك فاسداً حابطاً وإن اجتهدت واستكثرت منه؛ ولهذا يجب أن نحذر هذا العدو، فهو عدو لديه تجارب طويلة، ولديه نفس ثابتة تعينه، ولديه -خاصة في هذا العصر- من الوسائل من مكر الليل والنهار والسيطرة على قلوب البشر والغفلة عن ذكر الله، الشيء الكثير جداً؛ حتى أصبحت هذه الشبهات تتلاحق على الناس. فشبهات في القدر وشبهات في الصفات وفي الإيمان بالله وفي نشأة الكون، وفي سبب وجود الإنسان، وفي نهاية الإنسان، شبهات متلاحقة لا تكاد ترى كتاباً من هذه النوعيات أو مجلة أو فيلماً أو مقالة إلا وفيها شبهة فسبحان الله!! ولولا ثقتنا بنصر الله ووعده والإيمان به وأن الأمة فيها صحوة طيبة، وفيها فئة ثابتة؛ لقلنا انتهى الإسلام من كثرة ما تجد من مكر الليل والنهار بهذه الشبهات. فقد كان الطفل ينشأ إلى أن يبلغ الحلم لا يسمع شبهة؛ أما الآن فإن الطفل تصب الشبهات في ذهنه صباً -كل يوم تقريباً- ولهذا ننصح بضرورة التربية على الإيمان وعلى العقيدة الصحيحة وعلى العلم الصحيح، ولا يكفي مجرد العواطف أو مجرد الاستثارة. بل يجب أن نكون على علم ويقين، وإلا فسوف تصبح الشبهات مستعصية، وهذه ما يريده الشيطان، نسأل الله أن يكفينا وإياكم وإخواننا المسلمين من شره.

стр. 738

الرؤيا المبشرة السؤال يقول السائل: إذا رأى الإنسان رؤيا مبشرة فما الذي يجب عليه أن يعمله؟ الجواب عليه أن يعمل لتحقيقها. مثلاً: افرض أنك رأيت رؤيا بأن الله يهدي بك طائفة من الناس أسلموا واهتدوا على يديك! فعليك أن تتسلح بالعلم، وأن تستعد وأن تذهب إليهم، وأن تبذل الدعوة لهم؛ حتى تتحقق لك هذه البشرى، وكذلك لو رأى أو بُشِّر بأنه سيكون له أبناء كثيرون، فعليه أن يسعى ليتزوج المرأة الصالحة، ويسعى لأن يكسب هذه الذرية الصالحة الطيبة، أي: أنه يبذل الأسباب التي تجعل هذه البشرى حقيقة -إن شاء الله- كما أنه لو رأى أو ظن أو توقع ما يسيء إليه، فإنه يسعى إلى اجتنابه، ولو توقع أي شر فإنه يبذل الأسباب لاجتنابه، مع الفارق -طبعاً- بين البشرى وبين الفعل السيئ.

стр. 739

اختلاف الناس إلى طريقة الخير والشر السؤال قد يقول قائل: أنا أومن بأن الله بعلمه الأزلي قد علم ما سيكون من اختلاف الناس، وتفرقهم لطريق الخير أو الشر، فما السر الذي من أجله ذهب فلان إلى طريق الخير وفلان ذهب إلى طريق الشر؟ وقد تقول: إن هذا راجع إلى إرادة الإنسان، وحسن امتثاله وصبره، والتزامه بطريق الخير، فنقول: لماذا لم يخلق الله هذين الرجلين بإرادة واحدة متساوية؟ ولماذا استطاع هذا أن يتحكم في إرادته ويوجه همته نحو الخير، وذاك لم يستطع أن يفعل ذلك؟ الجواب أنا معك أنني سأجيبك كما قلت، وسأقول لك: إن سألتني: لماذا اختار هذا طريق الخير، والآخر اختار طريق الشر؟ ولماذا ذهب هذا إلى طريق أهل اليمين، وهذا إلى طريق أهل الشمال؟ فسأجيبك بأنه فعل ذلك باختياره، والله قد قدر ذلك عليه وشاءه، لكنه ذهب وفعل ذلك بكامل إرادته واختياره. وإن قلت: لِمَ لمْ يخلق هذان الرجلان بإرادة واحدة متساوية؟ فسأقول لك: هذا السؤال لم يعد متوجهاً إليَّ؛ فالسؤال الأول من حقك أن توجهه إليَّ؛ لكن إذا وصلنا إلى أنه لماذا كان اختياره هكذا؟ ولماذا أعطي هذا الاختيار؟ فهذا السؤال لا يتوجه إلا إلى الله ، ومن ذا الذي يستطيع أن يسأل الله: لماذا يا رب جعلت هذا يتوجه إلى الخير وهذا يتوجه إلى الشر؟ قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] كما قال عمران لـ أبي الأسود. فإذا جاء هذا الإنسان يوم القيامة وقال: يا رب! لم اسمع بنبي ولا برسول قط، وقد قال الله تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] فلا يظلمه الله ولا يؤاخذه، مع أن الفطرة موجودة لكن الله لا يؤاخذه إلا بما بلغه. ولو جاء يوم القيامة، وقال: كنت مجنوناً، أو كنت صغيراً، أو كنت هرماً، أو كنت أبكم، فلم أسمع شيئاً من الدين؛ فكيف تحاسبني يا رب؟! فإن الله لا يظلم الناس شيئاً أبداً. إذاً: لو جاء في يوم القيامة هذا الذي اختار طريق الشر فهل يستطيع أن يسأل هذا السؤال، ويقول: ظلمتني يا رب! فالله أعطاك القدرة وأعطاك الاختيار وأنت اخترت؛ فلهذا لا يقول ذلك أحد؛ إنما الفلاسفة والمتكلمون استشكلوا هذا في رءوسهم، ولقنوا ذلك لغيرهم وهذه من شبهات الشيطان. ونوضح المسألة أكثر: إذا قلت لأحد من الكفار لم يسمع بهذه الشبهة، ولم يلقنه إياها الفلاسفة: يا أخي في الإنسانية! هل أنت مسلم أم كافر؟ فسيقول لك: كافر. فإذا قلت: ولماذا لم تسلم؟ يقول: لا أريد أن أسلم، تقول له: الإسلام هو الدين وهو طريق الجنة، والكفر يؤدي إلى النار، فيقول: لا. أنا لا أريد الإسلام، فإذا قلت له: أنت مجبور على الكفر وإلا لكنت الآن مسلماً، عند ذلك يضحك منك، ويقول: لا. لم يجبرني أحد! -وهو يضحك منك- ومن الذي يجبرني؟ فلو أريد الآن أن أسلم لأسلمت. فإذا سألته: هل تتحمل مسئولية هذا الكفر الاختياري؟ فسيقول: نعم. هو كافر باختياره وهي مسئوليته؛ وهذا ما قاله كفار قريش ويقوله كل كافر: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال:٣٢] أي: ليس ذلك عندهم قضية أنهم مجبورون بل يقولون: لا يمكن أن يكون حقاً؛ وإن كان حقاً فأمطر علينا حجارة. فهذا الكافر يقول: نعم. أنا مستعد أن أتحمل تبعة هذا الكفر حتى ولو كان إلى النار؛ فهذا ليس مجبوراً أبداً؛ ولهذا فهو محاسب يوم القيامة على كلامه، وهو فعلاً مختار، وأنه لو شاء لأسلم في هذه اللحظة. وليس لنا وراء الخوض في هذا الموضوع إلا الاعتراض على الله ، ولا يمكن أن تصل العقول البشرية إلى إدراك ذلك، والتحدث والخوض في هذا الموضوع يؤدي إلى الضلال عن الصراط المستقيم.

стр. 740

القدر الإبليسي السؤال إن هناك شاباً يقول لي: إني أحس أن هناك يوماً سوف أهتدي فيه، ولا يزال على عصيانه، فهل هذا من القدرية الإبليسية؟ الجواب نعم. هذا نوع من القدرية الإبليسية، فالذي يقول: أنا أحس أنه سيأتي يوم أهتدي فيه، وهو ما يزال -الآن- على المعصية ما موقفه لو جاءه الموت الآن؟! ومن أين جاء هذا الإحساس، ومن قال له: إنك سوف تعيش، فضلاً عن أنك سوف تهتدي؟! فهذا من تسويف الشيطان -نسأل الله أن يعافينا وإياكم- فعلى العبد أن يبادر بالتوبة والعمل؛ ولهذا قال ﷺ : ﴿اعملوا فكل ميسر لما خلق له﴾ فبادر بالتوبة، وبادر بالعمل.
следующие страницы →