Полный текст (2 843 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
الحث على تعلم القدر
السؤال
يقول السائل: قال بعض السلف: 'رأيت أعلم الناس بالقدر أجهلهم به، وأجهل الناس به أعلمهم به' ما رأي فضيلتكم في هذه العبارة؟ ثم اذكر موقف السلف حول الإيمان بالقضاء والقدر؟ وهل حرص العبد على الادخار لذريته ينافي القدر؟ وهل عرض قضايا القدر تفصيلاً بحضرة العوام يتعارض مع قول الإمام علي: [[حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله]]؟
الجواب
نبدأ أولاً بهذه العبارة 'رأيت أعلم الناس بالقدر أجهلهم به, وأجهل الناس به أعلمهم به' فهذه العبارة ليست عامة، وليس المقصود بهذه العبارة أحكام الخبر المنصوص عليها وما جاء في القدر من آيات وأحاديث وكلام السلف؛ لأن هذا من زيادة العلم الذي يزيد الإنسان يقيناً وإيماناً بهذا الركن العظيم من أركان الإيمان؛ لكن الذي يبحث في الدقائق ويتعمق في أسرار القدر؛ فمهما تعمق فإنه يرجع إلى الأساس الأول، وهذا هو الذي لو جهله لكان خيراً له.
فالقدَر المتعمق فيه هو الذي سلكه أهل الكلام وأمثالهم، وقد وردت عبارة عن السلف مثل هذه تماماً وهي تفسر هذه كما يقول أبو يوسف أو غيره: 'العلم بالكلام هو الجهل، والجهل به هو العلم' وعلم الكلام هو التعمق والتدقيق في أمور غيبية بالعقل المجرد، كالتدقيق في صفات الله وفي القدر وما أشبه ذلك؛ فهذا هو الجهل، لأن الإنسان يتكلف ما لا يمكن أن يصل إليه وما لا يطيقه، وهذا ينتج عنه الضلال والانحراف عافانا الله وإياكم.
أما العلم الذي هو في الكتاب والسنة وكلام الصحابة والأئمة المتعلق بهما -أي الكتاب والسنة- فليس داخلاً في ذلك.
وأما حرص العبد على الادخار لذريته فإنه لا يتنافى مع القدر؛ لأن الجوع قدر وإذا أكلت وشبعت أذهبت الجوع، وهذا أيضاً بقدر؛ ولهذا المؤمن مطالب بأن يدفع القدر بالقدر، فالقدر ينازع بالقدر، وهذه كلها أقدار أو أسباب جعلها الله ، وأنا لا أعلم بالمكتوب عند الله؛ وإنما المطلوب مني أن أدفع قدراً بقدر، فأدفع المعصية بالطاعة، وأدفع الغفلة في القلب بذكر الله وقراءة القرآن وبتذكر الموت والآخرة، وأدفع الداء بالدواء والعلاج وهكذا، فقد قال النبي ﷺ لـ سعد: ﴿إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس﴾ وهذا من الأخذ بالأسباب والقدر، ولا شيء في ذلك.
أما الحرص الذي يجعل الإنسان يمنع حق الله من المال، ويخاف على أولاده، ويقول: كيف يعيشون؟ وكيف يطعمون من بعدي؟! ويجزع ويهلع؛ فهذا هو الذي لا يجوز.
أما أن يدخر شيئاً مما أعطاه الله؛ ليصلح حال أبنائه من بعده؛ فهذا مأمور به ومطلوب شرعاً؛ ولهذا لا يجوز أن يوصي بأكثر من الثلث -كما ثبت ذلك في حديث سعد الصحيح الذي أشرنا إليه-.
أما عرض قضايا القدر في حياة العوام تفصيلاً فليس كل شيء ينبغي أن يعرض أمام العوام تفصيلاً، لكن بالنسبة لطلبة العلم ينبغي أن يتعلموا ما يحتاجون من علمه؛ حتى إذا سأل العوام يجيبونهم.
فمن لديه استعداد للعلم فليتعلم، وإن كان هو يجهل ذلك؛ لأنه ليس كل شخص يولد عالماً.
وأما إذا قلنا: هذا لا يعلم شيئاً فلا نعلمه شيئاً في القدر؛ فسيظل جاهلاً.
لكن ليتعلم شيئاً، ومن عنده استعداد أن يتعلم أكثر من ذلك فليعلّم ذلك، كما في الحديث الصحيح عن عمران بن حصين حين امتحن واختبر أبا الأسود الدؤلي في القدر.
فإذاً: هذا مما يدل على أن من الناس من يُعلَّمون ذلك، ولكن ليس كل واحد يعلَّم.
стр. 737
سبب الالتباس في مسألة القدر
السؤال
إنني أرى كثيراً من الناس يصلون ويصومون، ولكنهم مع ذلك لديهم التباس في مسألة القدر، فما السبب في ذلك؟
الجواب
السبب هو أن الشيطان حريص، فإما أن يأتينا بالمعاصي الظاهرة، وإما أن يأتينا بالمعاصي الباطنة -وهذا أشد- ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام:١٢٠] فالمعاصي الظاهرة هي نتيجة للشهوات، كترك الصلوات أو الزنا أو الخمر أو ما أشبه ذلك -عافنا الله وإياكم منها- لكن المعاصي الباطنة تكون نتيجة الشبهات -في الغالب- فيأتي الشيطان بالشبهة فيفسد على الإنسان دينه، فيضل بالقدر أقوام، وكم كفر من أناس نتيجة القدر! نسأل الله العفو والعافية.
فهذا عمرو بن عبيد كان عابداً زاهداً لا يكاد يملك من الدنيا شيئاً، لكنه كما قال عبد الله بن عمر ﵁: [[لو أنفق مثل أحد ذهباً ولم يؤمن بالقدر لم ينفعه أبداً]].
إذاً هذا هو الذي يريده الشيطان؛ فلقد عجز أن يأتي إلى بعض الناس من باب الشهوات والمعاصي؛ فأتاهم من باب الشكوك، ومن باب فساد الإرادة والإخلاص -عافانا الله وإياكم من ذلك- ولذلك هو حريص إما أن يجعلك لا تعمل، أو أن يجعل عملك فاسداً حابطاً وإن اجتهدت واستكثرت منه؛ ولهذا يجب أن نحذر هذا العدو، فهو عدو لديه تجارب طويلة، ولديه نفس ثابتة تعينه، ولديه -خاصة في هذا العصر- من الوسائل من مكر الليل والنهار والسيطرة على قلوب البشر والغفلة عن ذكر الله، الشيء الكثير جداً؛ حتى أصبحت هذه الشبهات تتلاحق على الناس.
فشبهات في القدر وشبهات في الصفات وفي الإيمان بالله وفي نشأة الكون، وفي سبب وجود الإنسان، وفي نهاية الإنسان، شبهات متلاحقة لا تكاد ترى كتاباً من هذه النوعيات أو مجلة أو فيلماً أو مقالة إلا وفيها شبهة فسبحان الله!! ولولا ثقتنا بنصر الله ووعده والإيمان به وأن الأمة فيها صحوة طيبة، وفيها فئة ثابتة؛ لقلنا انتهى الإسلام من كثرة ما تجد من مكر الليل والنهار بهذه الشبهات.
فقد كان الطفل ينشأ إلى أن يبلغ الحلم لا يسمع شبهة؛ أما الآن فإن الطفل تصب الشبهات في ذهنه صباً -كل يوم تقريباً- ولهذا ننصح بضرورة التربية على الإيمان وعلى العقيدة الصحيحة وعلى العلم الصحيح، ولا يكفي مجرد العواطف أو مجرد الاستثارة.
بل يجب أن نكون على علم ويقين، وإلا فسوف تصبح الشبهات مستعصية، وهذه ما يريده الشيطان، نسأل الله أن يكفينا وإياكم وإخواننا المسلمين من شره.
стр. 738
الرؤيا المبشرة
السؤال
يقول السائل: إذا رأى الإنسان رؤيا مبشرة فما الذي يجب عليه أن يعمله؟
الجواب
عليه أن يعمل لتحقيقها.
مثلاً: افرض أنك رأيت رؤيا بأن الله يهدي بك طائفة من الناس أسلموا واهتدوا على يديك! فعليك أن تتسلح بالعلم، وأن تستعد وأن تذهب إليهم، وأن تبذل الدعوة لهم؛ حتى تتحقق لك هذه البشرى، وكذلك لو رأى أو بُشِّر بأنه سيكون له أبناء كثيرون، فعليه أن يسعى ليتزوج المرأة الصالحة، ويسعى لأن يكسب هذه الذرية الصالحة الطيبة، أي: أنه يبذل الأسباب التي تجعل هذه البشرى حقيقة -إن شاء الله- كما أنه لو رأى أو ظن أو توقع ما يسيء إليه، فإنه يسعى إلى اجتنابه، ولو توقع أي شر فإنه يبذل الأسباب لاجتنابه، مع الفارق -طبعاً- بين البشرى وبين الفعل السيئ.
стр. 739
اختلاف الناس إلى طريقة الخير والشر
السؤال
قد يقول قائل: أنا أومن بأن الله بعلمه الأزلي قد علم ما سيكون من اختلاف الناس، وتفرقهم لطريق الخير أو الشر، فما السر الذي من أجله ذهب فلان إلى طريق الخير وفلان ذهب إلى طريق الشر؟ وقد تقول: إن هذا راجع إلى إرادة الإنسان، وحسن امتثاله وصبره، والتزامه بطريق الخير، فنقول: لماذا لم يخلق الله هذين الرجلين بإرادة واحدة متساوية؟ ولماذا استطاع هذا أن يتحكم في إرادته ويوجه همته نحو الخير، وذاك لم يستطع أن يفعل ذلك؟
الجواب
أنا معك أنني سأجيبك كما قلت، وسأقول لك: إن سألتني: لماذا اختار هذا طريق الخير، والآخر اختار طريق الشر؟ ولماذا ذهب هذا إلى طريق أهل اليمين، وهذا إلى طريق أهل الشمال؟ فسأجيبك بأنه فعل ذلك باختياره، والله قد قدر ذلك عليه وشاءه، لكنه ذهب وفعل ذلك بكامل إرادته واختياره.
وإن قلت: لِمَ لمْ يخلق هذان الرجلان بإرادة واحدة متساوية؟ فسأقول لك: هذا السؤال لم يعد متوجهاً إليَّ؛ فالسؤال الأول من حقك أن توجهه إليَّ؛ لكن إذا وصلنا إلى أنه لماذا كان اختياره هكذا؟ ولماذا أعطي هذا الاختيار؟ فهذا السؤال لا يتوجه إلا إلى الله ، ومن ذا الذي يستطيع أن يسأل الله: لماذا يا رب جعلت هذا يتوجه إلى الخير وهذا يتوجه إلى الشر؟ قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] كما قال عمران لـ أبي الأسود.
فإذا جاء هذا الإنسان يوم القيامة وقال: يا رب! لم اسمع بنبي ولا برسول قط، وقد قال الله تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] فلا يظلمه الله ولا يؤاخذه، مع أن الفطرة موجودة لكن الله لا يؤاخذه إلا بما بلغه.
ولو جاء يوم القيامة، وقال: كنت مجنوناً، أو كنت صغيراً، أو كنت هرماً، أو كنت أبكم، فلم أسمع شيئاً من الدين؛ فكيف تحاسبني يا رب؟! فإن الله لا يظلم الناس شيئاً أبداً.
إذاً: لو جاء في يوم القيامة هذا الذي اختار طريق الشر فهل يستطيع أن يسأل هذا السؤال، ويقول: ظلمتني يا رب! فالله أعطاك القدرة وأعطاك الاختيار وأنت اخترت؛ فلهذا لا يقول ذلك أحد؛ إنما الفلاسفة والمتكلمون استشكلوا هذا في رءوسهم، ولقنوا ذلك لغيرهم وهذه من شبهات الشيطان.
ونوضح المسألة أكثر: إذا قلت لأحد من الكفار لم يسمع بهذه الشبهة، ولم يلقنه إياها الفلاسفة: يا أخي في الإنسانية! هل أنت مسلم أم كافر؟ فسيقول لك: كافر.
فإذا قلت: ولماذا لم تسلم؟ يقول: لا أريد أن أسلم، تقول له: الإسلام هو الدين وهو طريق الجنة، والكفر يؤدي إلى النار، فيقول: لا.
أنا لا أريد الإسلام، فإذا قلت له: أنت مجبور على الكفر وإلا لكنت الآن مسلماً، عند ذلك يضحك منك، ويقول: لا.
لم يجبرني أحد! -وهو يضحك منك- ومن الذي يجبرني؟ فلو أريد الآن أن أسلم لأسلمت.
فإذا سألته: هل تتحمل مسئولية هذا الكفر الاختياري؟ فسيقول: نعم.
هو كافر باختياره وهي مسئوليته؛ وهذا ما قاله كفار قريش ويقوله كل كافر: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال:٣٢] أي: ليس ذلك عندهم قضية أنهم مجبورون بل يقولون: لا يمكن أن يكون حقاً؛ وإن كان حقاً فأمطر علينا حجارة.
فهذا الكافر يقول: نعم.
أنا مستعد أن أتحمل تبعة هذا الكفر حتى ولو كان إلى النار؛ فهذا ليس مجبوراً أبداً؛ ولهذا فهو محاسب يوم القيامة على كلامه، وهو فعلاً مختار، وأنه لو شاء لأسلم في هذه اللحظة.
وليس لنا وراء الخوض في هذا الموضوع إلا الاعتراض على الله ، ولا يمكن أن تصل العقول البشرية إلى إدراك ذلك، والتحدث والخوض في هذا الموضوع يؤدي إلى الضلال عن الصراط المستقيم.
стр. 740
القدر الإبليسي
السؤال
إن هناك شاباً يقول لي: إني أحس أن هناك يوماً سوف أهتدي فيه، ولا يزال على عصيانه، فهل هذا من القدرية الإبليسية؟
الجواب
نعم.
هذا نوع من القدرية الإبليسية، فالذي يقول: أنا أحس أنه سيأتي يوم أهتدي فيه، وهو ما يزال -الآن- على المعصية ما موقفه لو جاءه الموت الآن؟! ومن أين جاء هذا الإحساس، ومن قال له: إنك سوف تعيش، فضلاً عن أنك سوف تهتدي؟! فهذا من تسويف الشيطان -نسأل الله أن يعافينا وإياكم- فعلى العبد أن يبادر بالتوبة والعمل؛ ولهذا قال ﷺ : ﴿اعملوا فكل ميسر لما خلق له﴾ فبادر بالتوبة، وبادر بالعمل.
стр. 741
الأفكار الشيطانية
السؤال
الإنسان تعتريه بعض الأفكار الشيطانية: في أنه كيف يعلم الله كل شيء في آن واحد؟ وهل علم -مثلاً- من في المملكة، ومن في أمريكا في وقت واحد؟
الجواب
هذا أظنه لا إشكال فيه، والذي أنصح إخواني ونفسي أولاً: ألا نسترسل وراء الخواطر الشيطانية، فيأتيك الشيطان فيقول لك كما أخبر النبي ﷺ : ﴿يأتي الشيطان أحدكم يقول: من خلق كذا، من خلق كذا حتى يقول له: من خلق الله؟ فقل: آمنت بالله﴾.
قال المتكلمون: إذا جاءك الشيطان وقال لك: كذا، فقل له: إن التسلسل ممنوع، وهذا من التسلسل الممنوع.
ولكن النبي ﷺ لم يقل: لا تسلسل -والتسلسل ممنوع أصلاً- لكنه قال: استعذ بالله من الشيطان الرجيم، وقل: آمنت بالله.
فالشيطان إذا جاءك بهذه الشبهة البسيطة، وأنت المؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأنت المصلي والحاج والمعتمر المطيع لله ورسوله، وأنت ترى آثار علم الله ، وآثار حكمة الله، وآثار رحمة الله، وترى عجائب فعل الله بالعصاة، وعجائب نصرة الله وتوفيقه للطائعين؛ فكل هذه الحقائق عندك ملء السمع والبصر، ثم يضحك عليك الشيطان بشيء بسيط كهذا! ولهذا ما علينا عند هذه الخواطر إلا أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ونقول: آمنا بالله، فلا نحتاج إلى أن نبحث ونرد أو نضع جواباً مقنعاً.
فالذي ينكر الشمس، وينكر أن هذا الشعاع يأتي من الشمس وهذه الحرارة، هو يحس بها هذا لا يستحق الرد؛ والحرارة سببها الشعاع، والشعاع من الشمس وصحيح أنه لا يوجد دليل؛ لكنه في الحقيقة استدلال على شيء ظاهر وبارز.
ولهذا السلف الصالح من الصحابة لم تأتهم مثل هذه الأسئلة؛ بل حتى الأعرابي الذي جاء وقال: من خلق الله؟ ثم جاء إلى أبي هريرة ﵁ فقال له: صدق خليلي رسول الله، فهو أعرابي من الباديةوهذا هو حالهم: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة:٩٧].
فدرجة هذا الأعرابي من العلم مثل درجة أي واحد في آخر الزمان؛ لأن القضية ليست مجرد العصر، بل هو العلم.
فالمقصود أن الإنسان الذي أنار الله تعالى قلبه لدلائل الإيمان، لا يسترسل وراء هذه الأفكار، ونحن نعيب على المتكلمين، وعلى غيرهم من المتفلسفين، ونقول لهم: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ينطق بالحق، وتريدون أن نتبعكم في أدلة عقلية قد تضعف وقد تقوى؟! فنحن عندنا براهين أقوى من ذلك، وأنتم تريدون إثبات أن الله تعالى موجود، وهذا الجهد لا نحتاج إليه؛ لأن هدفكم في غير طائل فمن الذي أنكر وجود الله؟ وهل نحتاج نحن المسلمين أن نكرر أن الله موجود؟! بل نحن نحتاج أن نكرر أن الله هو وحده المعبود والمألوه والمطاع والمتبع، هذا هو الذي نحتاجه.
وهكذا من أمثال هذا السؤال.
стр. 742
قدرية اللون الأسود
السؤال
أرجو ألا يُفهم كلامي خارجاً عن إطار المرجع، وأنا أعلم أن المقياس الرباني للعباد للكرم والمفاضلة هو التقوى، وحديث رسول الله ﷺ : ﴿لا فضل لعربي ولا أعجمي إلا بالتقوى﴾ إلى آخر الحديث، ونحن نعلم أن اللون الأسود مضطهد إلى يومنا هذا، وأنت تعلم ما يحدث في عالمنا اليوم من تفريق إلى سادة وعبيد، والسؤال: لماذا قدر هذا الاضطهاد على اللون الأسود؟ وهو سبحانه كما قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [لأنبياء:٢٣]؟
الجواب
الأخ جزاه الله خيراً قد أجاب، لا يسأل عما يفعل.
فالله خلق الإنسان من طين من الأرض، فقدَّر الرحمن قدْر كل شخص في الأرض؛ فكان الناس معادن في طباعهم وفي ألوانهم وفي أصالتهم.
فنجد أن الناس فيهم مثل الذهب نفيس جداً، ونجد أن فيهم مثل التراب والحجارة التي لا قيمة لها، ونجد أن فيهم الأبيض والأحمر والأسود، فيخلق الله ما يشاء.
ولما جعل الله هذه المعايير -كما تفضل الأخ وأشار إليها- جعل هنالك ابتلاء، فالناس مبتلون؛ فهناك من يعيرون بألوانهم وهناك أناس يعيرون بنسبهم، ومنهم من يعير بجنسه وعنصره وكذلك بدينه.
فالأنبياء والرسل الكرام عيروا بالإيمان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف:٦٦] أي نراك في ضلالة، إلى آخر ما عيّر به الأنبياء؛ فكيف نستغرب أن يعير الإنسان بنسبه أو بلونه أو منزلته الاجتماعية وغير ذلك.
فهذه الأخطاء يقع فيها الناس إذا انحرفوا عن دين الله ، وهذا الانحراف الذي يقع من الناس لله تعالى فيه حكمة؛ فيكون هذا الذي عيّر -إن عير في نسبه أو لونه أو عنصره أو في حرفته، أو أي شيء- فصبر فإن له في ذلك أجراً.
إذاً: هذا نوع من أنواع الابتلاء، ومن الأمور التي جعلها الله بحكمته مكاناً لتغاير الأفهام، وليحكم الله يوم القيامة بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون، وفي اختلافهم في هذه المعايير.
стр. 743
حديث السبعين ألفاً
السؤال
حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وذكر منهم أنهم لا يسترقون ولا يتطيرون، هل معنى هذا أن التداوي ينافي القضاء والقدر؟
الجواب
التداوي لا ينافي القضاء والقدر، بل هو دفع للقدر بالقدر، فهو من القدر؛ لكن السبعين ألفاً هؤلاء ترفعوا عن نوع معين فقط؛ وهذا من كمال التوحيد؛ لكنه لم يقل: لا يذهبون إلى الأطباء، ولا يتعالجون ولا يأخذون الدواء، ولم يأمر بالصبر مطلقاً في كل مرض.
فالذهاب إلى الطبيب للتداوي والأخذ بالأسباب المشروعة لا يُنزل الإنسان عن تحقيق التوحيد؛ لكن طلب الرقية هو الذي يؤثر.
فإذاً: النص محصور فقط فيمن ورد فيه النص، ولا يتعدى ذلك إلى غيره، جعلنا الله وإياكم من هؤلاء السبعين ألفاً.
стр. 744
عمود القدر لكل ما يحدث
السؤال
هل جميع ما يحدث للإنسان خيره وشره من القدر؟
الجواب
نعم، علمه الله كله وكتبه، وشاءه، وخلقه، حسب المراتب الأربعة
стр. 745
[مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ]
ما معنى قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]؟
الجواب
هذه الآية مما أشكل على القدرية وضل فيها المتكلمون وتاهوا، وهو أن الله رد على المنافقين فقال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٨ - ٧٩].
فالآية بحمد الله ليس فيها إشكال على مذهب أهل السنة والجماعة، وكما فسرها علماء السلف؛ لكن الحيرة جاءت من أنه كيف ينكر الله على المنافقين قولهم: إن ما أصابهم من حسنة فمن الله وما أصابهم من سيئة فهي من الرسول ﷺ والمؤمنين، ثم بعد ذلك يقول: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك.
إذاً: كيف ينفي كلامهم بقوله قال تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ [النساء:٧٨] ثم بعد ذلك هو يقول: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩].
والجواب: أن المقامين مختلفان، فالكافر والمنافق والعاصي والفاجر ما أصابه من حسنة فهي من الله فضلاً تفضل الله تعالى بها، وما أصابه من سيئة فهي من نفسه -أي: بسبب نفسه- أي: عقوبة، والحال أن الخير والشر كله من عند الله .
وكذلك -إذا نظرنا- لما قالوا: ما أصابنا من حسنة فمن الله، هذا حق، وما أصابنا من سيئة يقولون: هذه من عندك -يقصدون الرسول- أي: يا محمد! أنت السبب في هذه المصيبة، فنقول: لا.
ما أصابكم من حسنة فهي فضل من الله؛ لأن الله يعفو عن كثير، وإلا فالمصائب بسبب الذنوب، لكن يعفو عن كثير، وما أصابكم من سيئة فهي ليست بسبب محمد ﷺ بل بسبب معصيتكم وذنوبكم أنتم، فلذلك وضح الله ذلك في كتابه بما لا شبهة فيه، فقال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] فلم يقل: إنها من المنافقين، لكنهم قالوا: من محمد وأصحابه.
فإذاً ما يصيب الإنسان من خير، فمن الله فضلاً، وما يصيبه من شر فمن الله عدلاً، سواء كان هذا الإنسان صالحاً أو طالحاً.
وأما أن يُجعل غير الله هو الذي يصيب فلا؛ لكن! حتى وإن كان السبب من غيرك؛ فبالحقيقة أنك أنت السبب؛ فمعصيتك هي التي جعلت هذا الإنسان يسلّط عليك.
وهذه حقيقة واضحة عند المؤمنين جميعاً، فقد كان من السلف الصالح من يبتلون حتى من الكفار، ومع ذلك يؤمنون أن هذا من عند الله؛ حتى لما ابتلوا يوم أحد كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] فتسليط الكفار عليهم بالقتل هذا من عند أنفسهم، أي: بسبب ذنوبهم، وليس مجرد أن الله أراد هذا لمجرد عذابهم.
стр. 746
نظام الحسبة في الإسلام
جاء ديننا الحنيف بالحفاظ على الكليات الخمس: الدين، النفس، العقل، المال، النسل.
ويُعد الأمن سمة بارزة ناتجة عن المحافظة عليها.
وطبيعة المجتمع الإسلامي تفرض على أفراده التناصح والتعاون على الحفاظ على أمن هذا المجتمع، وكل مسلم على ثغر من ثغور هذه الأمة، ويتوجب عليه القيام بما عليه لحماية مجتمعه المسلم، ومن الأنظمة التي استحدثت في العصور المتقدمة للدولة الإسلامية نظام الحسبة، ويعد المحتسب من أقرب أجهزة الحكم في الدولة إلى العامة، وهو الأقدر على تلمس مشاكلهم وإيصالها إلى الحاكم الذي يغيب عنه الكثير من مثل هذه الأمور.
ونظام الحسبة يشابهه في حاضرنا نظام الشرطة، وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 747
ولاية الحسبة
إنِّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين: أما بعد: فحديثنا سوف يكون عن أمر عظيم وجانب مهم من جوانب هذا الدين، وشعيرة كبرى من شعائره، وولاية عظمى من ولاياته، ألا وهو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخاصة ولاية الاحتساب، وولاية الحسبة: إحدى الولايات المهمة التي تقوم عليها الدولة الإسلامية.
ولا يخفى على أحد منكم عِظم شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن الله ﵎ قد جعله شعاراً لهذه الأمة المصطفاة المجتباة حين قال الله ﵎: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقال ﵎ حاثاً الأمة عليه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] وبيَّن في كتابه أن هذا العمل هو عمل الدولة المسلمة ووظيفتها، كما قال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١].
إلى غير ذلك من الأدلة التي ليس المقام مقام ذكرها، وبيان فضله، وعِظم شأنه.
стр. 748
تاريخ نظام الحسبة
إنما المقصود كيف عِمل المسلمون بهذا الأمر؟ وكيف طَبقت الأمة الإسلامية هذه الآيات والأدلة الأخرى؟ وكيف أقامت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في واقع حياتها؟ وكيف استطاعت هذه الأمة أن تتطور إدارتها وولايتها لهذا المنصب العظيم والوظيفة الدينية، وأن تتكيف مع تغير الأحوال والأزمان؟ إلى أن جاء زمن السوء وزمن الفتنة المتأخر الذي كاد أن يُطمس فيه نور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى إنه لم يبق في أكثر بلاد الإسلام وظيفة ولا ولاية ولا شعيرة تحمل هذا الاسم، وبقي في هذه البلاد -والحمد لله- ما سمي بـ"هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ممثلة لولاية الحسبة المعروفة في التأريخ الإسلامي، إلا أنه اعتراها ما اعتراها من ضعف ونقص وتقليص في الصلاحيات وغير ذلك مما يجب مراجعته، والاعتناء، والاهتمام بتكميله وتحصيله على ما سنبين إن شاء الله تعالى.
стр. 749
الحسبة في عهد الرسول ﷺ
إن رسول الله ﷺ وهو الذي أنزل الله ﵎ عليه هذا القرآن الكريم وهذا الذكر الحكيم ليبينه للناس، فبين بعمله ﷺ المتوافر في حياته كلها: كيف أنه جاء حقاً يأمر العالمين بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويُحلُّ لهم الطيبات، ويُحرِّم عليهم الخبائث.
فقد كان ﷺ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وما كانت دعوته من أولها إلى آخرها إلا أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر.
وبهذا نفهم المعنى الواسع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ كل ما أمر الله به فهو معروف، وأعظم المعروف هو توحيد الله ؛ لأنه أعظم مأمور به، وكل ما نهى الله ﵎ عنه إما إلزاماً أو كراهية -على التعريف الأصولي- فهو أيضاً منكر، وأكبر منكر هو الشرك بالله .
стр. 750
الحسبة في عهد الخلفاء الراشدين
جاء بعده صلوات الله وسلامه عليه: الخلفاء الراشدون، فكانوا ﵃ وأرضاهم- أعظم القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمة، ولهذا لا نجد في أيام الخلفاء الراشدين وظيفة تسمى "وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" أو "ولاية الحسبة" لأنهم كانوا يعلمون أن ذلك هو أعظم واجباتهم، وكانوا قائمين به حقيقة: ظاهراً وباطناً، وفي الأمصار والبوادي، والعواصم والأقاليم.
стр. 751
الحسبة في عهد عمر بن عبد العزيز
ومن أعظم من أحيا هذه الشعيرة بعد الخلفاء الراشدين: الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵁؛ فإنه جاء بعد أن اندرس جانب من هذا الشأن، فأحيا هذا الأمر، ومن جملة ما أحيا أنه جلس ﵁ لرد المظالم بنفسه، التي كان بنو أمية اغتصبوها وأخذوها بغير حق، وأعانه على ذلك وزراء الخير وجلساء النصح ممن كان لديه من علماء، ومن هنا عُرف في الأمة ما يسمى بولاية المظالم.
стр. 752
الحسبة في عهد الدولة العباسية وما بعدها
ثم تطور الحال حتى خُصِّصَ للمظالم ولاية مستقلة في أيام الدولة العباسية، وكذلك للقضاء -وولايته واضحة معروفة- وكذلك للحسبة وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثم أخذت هذه الصلاحيات تتقلص أو تكثر بحسب اختلاف الدول، فمن الدول كما بين شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ من توسعت في مفهوم ولاية الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى شملت أموراً عظيمة جداً.
ومنها ما كان أقل من ذلك بحيث إنه أعطى بعض صلاحيات ولاية الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما لولاية القضاء، أو لولاية المظالم، أو للشرطة أو لغيرها.
стр. 753
دواوين الدولة الإسلامية
في عموم التأريخ الإسلامي يمكن أن نعدد الولايات إلى الولايات التالية: ولاية الوزارة، وولاية القضاء، وولاية المظالم، وولاية الحسبة، فكانت ولاية الحسبة هي الركن الرابع من أركان الدولة الإسلامية، لأن الشكل الإداري للدولة الإسلامية لم يكن كما هو الحال عليه في الدول المعاصرة، عشرون وزارة أو أكثر، وإنما كانت دواوين، والغالب أن الدول كلها لا تخرج عن هذه الدواوين الأربعة: ديوان الوزارة أو الحجابة، وديوان القضاء وما يتعلق به، وديوان المظالم، وديوان الحسبة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسوف نرى أننا إذا وزعنا صلاحيات المؤسسات الحكومية والوزارات، أن هذا يمكن أن يطبق في جميع العصور وأن هذه الدواوين الأربعة تشمل كل الوزارات والمصالح والمؤسسات الحكومية في وضعنا المعاصر.
стр. 754
الغرض من الدواوين
قبل أن نفصل الكلام في هذه الولايات، ينبغي أن نربط الموضوع بأصله المهم جداً، كما فعل شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ وهو: أن نتحدث عن الغرض من هذه الولايات، ومن الحكومات، ومن الدول، ومن الإدارات قبل أن نتحدث في تفصيل هذه الولايات، لئلا يظن ظانٌ أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، محصور في هذه الولاية وفي هذا الديوان -ديوان الحسبة- وأن ما عداه فإنه خارج عن ذلك؛ فشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية -رحمه الله تعالى- بدأ كتابه الذي سماه قاعدة في الحسبة بعد خطبة الحاجة والمقدمة بتأصيل وتقعيد هذا الأصل العظيم الذي يجب علينا أن نعيه، وأن لا ننساه أبداً.
فقال رحمه الله تعالى: قاعدة في الحسبة: أصل ذلك أن تعلم أن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله إنما خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب، وبه أرسل الرسل، وعليه جاهد الرسول ﷺ والمؤمنون، قال الله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] '.
إلى آخر ما ذكر ﵀ من الآيات والأدلة، ثم بعد أن بين أن الناس لا بد أن يجتمعوا، وأن الإنسان مدنيٌ بطبعه، وأن الشرائع التي أنزلها الله إنما هي أمر ونهي، والناس في أي بيئة، وفي أي زمان وفي أي مكان يجتمعون لا بد لهم من أمر ولا بد لهم من نهي، وهذا من حكمة الله في خلقه.
ثم قال بعد ذلك: 'وإذا كان جماع الدين وجميع الولايات هي أمر ونهي، فالأمر الذي بعث الله به رسوله ﷺ هو الأمر بالمعروف، والنهي الذي بعث الله به رسوله ﷺ هو النهي عن المنكر -إلى أن قال- وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر'.
جميع الولايات، والمناصب، والوظائف، والإدارات، والأعمال إنما المقصود منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فكما يتعين على كل فرد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب حاله وبحسب استطاعته، كما قال ﷺ بصيغة العموم لأي منكر: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان﴾ فكذلك أيضاً -وهو على سبيل الإلزام- الولايات، والإدارات، والسلطة.
قال ﵀: 'سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى مثل نيابة السلطنة' يعني من أكبر الولايات والوظائف والمناصب في الدولة، فقد كانت أكبر الوظائف في أيامه: ولاية النيابة -نيابة السلطنة- والغالب أنه يكون بمثابة ما يسمى الآن رئيس الأركان، أو القائد العام للجيوش.
وكان من أشهر أولئك الذين كانوا كذلك صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، فقد كان قائداً لجيوش نور الدين السلطان العادل صاحب السيرة المحمودة رحمه الله تعالى، ثم بعد ذلك صار صلاح الدين هو السلطان وتولى بنفسه الجهاد، كما هو عادة السلاطين أن منهم من يتولى بنفسه الجهاد، ومنهم من يكون نائب السلطنة هو المتولي لذلك.
فتلك الولاية هي أعظم ولاية بعد الخليفة، فالخليفة عمله هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولايات التي دونه والتي تتفرع عنه، كما ذكر الماوردي، وأبو يعلى، وابن خلدون، والأزرقي، وغيرهم ممن كتب في السياسة الشرعية وفي الأحكام السلطانية كـ ابن حزم -له مؤلف في ذلك- فكلهم جعلوا هذه الولايات فروعاً من الولاية العظمى التي هي ولاية الخليفة أو الإمام، فيتفرع عن منصب الإمام هذه الدواوين أو المناصب؛ فجميعها كما قال شَيْخ الإِسْلامِ يقصد بها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء في ذلك الولاية الكبرى مثل نيابة السلطنة أو غيره.
ثم قال ﵀: ' والصغرى مثل: ولاية الشرطة، وولاية الحكم، وولاية المال -وهي ولاية الدواوين المالية- وولاية الحسبة'.
إذن: فكل الولايات وكل الدواوين إنما غرضها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والغرض من السلطة في الإسلام يختلف عنه في القوانين الوضعية والمذاهب الأرضية، وهذه حقيقة مهمة يجب أن تعلم؛ لأن المذاهب والقوانين الوضعية عندما تكثر من العساكر، أو الشرطة، أو الحرس أو غير ذلك؛ إنما مقصودها حفظ النظام، وضبط الناس، وحفظ الأمن، ولا زيادة على ذلك.
وهذا ما احترز عنه شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ فقال في موضع آخر غير ما ذكر في هذه القاعدة: ' ليس المراد من الشرائع مجرد ضبط العوام'.
أي: حتى يعلم الوالي أياً كانت ولايته ووظيفته في الدولة الإسلامية، أنه ليس الغرض أنه مجرد أن يضبط العمل الإداري أو يضبط الأمن فقط.
يقول ﵀: 'ليس المراد من الشرائع التي أنزلها الله مجرد ضبط العوام، بل المراد منها الصلاح باطناً وظاهراً'.
والقوانين الوضعية لا تفكر في شيء اسمه الصلاح الباطن، فهذه يعتبرونها مبادئ أخلاقية، والمبادئ الأخلاقية عندهم من شغل الفلاسفة الأخلاقيين، فلا تعنيهم، إنما يعنيهم الانضباط الظاهري فقط، وهذا مفرق عظيم بين شريعة أحكم الحاكمين التي جاءت لإصلاح القلوب ومداواة أمراضها، وبين ما يضعه الجاهليون بأهوائهم وآرائهم وتخرصاتهم من الشرائع الوضعية.
ثم قال: 'بل المراد منها الصلاح باطناً وظاهراً للخاصة والعامة -للحاكم وللمحكوم وللمدير وللمدار، وللرئيس وللمرءوس- في المعاش والمعاد'.
أيضاً الشرائع الوضعية إن ضبطت شيئاً فتضبطه في المعاش-في الدنيا- لكن في المعاد -في الآخرة- لا تضبطه ولا تتدخل فيه؛ فهكذا تظهر وتتضح عظمة وسعة مفهوم الولاية في دين الله ﵎.
ثم احترز حتى لا يقول قائل: والعقوبات التي شرعها الله تعالى لضبط الناس وردع من يرتكب المحرمات، أليست لضبط العوام؟! فقال: 'لكن في بعض العقوبات المشروعة في الدنيا ضبط للعوام' نعم.
بعض العقوبات هي لضبط العوام كما قال عثمان بن عفان ﵁: [[إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن]] فلا بد من هذا كجانب من الجوانب التي تكون الولاية فيه تحت التشريع، وقد أنزل الله تعالى في هذا الشرع ما يكفي، ولا بد أن يندرج أيضاً تحت السلطة التنفيذية فيكون المقصود منه الضبط.
стр. 755
أقسام الدواوين وعلاقة بعضها ببعض
بعد هذا نذكر أقسام الدواوين وعلاقة بعضها ببعض.
الديوان الأول: فأما "ديوان التنفيذ" أو "ديوان الحجابة" أو "ديوان السلطنة": هكذا كان يسمى سابقاً بينما يسمى في وقتنا الحاضر "رئاسة الحكومة" أو "الحكومة" أو "الوزارة" فرئيس الوزراء والوزراء معه هؤلاء يسمّون "الحكومة" أو "الوزارة"، أو "السلطة التنفيذية" بالمصطلح السياسي القانوني -وهذه ليست موضوع حديثنا- ويتبعها الجند والعسكر لأنهم ذراع تنفذ بهم السلطة ما تريد، فهم تبع لوزارة من وزاراتها وهي التي تسمى في وقتنا الحاضر "الوزارة الحربية" أو "وزارة الدفاع".
الديوان الثاني: هو ديوان المظالم: والفرق بينه وبين القضاء وبين الحسبة هو: أن المظالم يكون فيها المدعى عليه أو صاحب المنكر المراد تغييره، إما السلطة أو من يمثل السلطة، فإذا كان المدعي يدعي على إدارة حكومية، أو على السلطة، أو على من يمثل السلطة في وظيفته وفي عمله، فهذه تعتبر من قضايا المظالم؛ لأن الذي يقوى على إعطاء المظلوم حقه من هذه الإدارة أو من صاحب المنصب الحكومي هو هذا الديوان الذي اختصاصه هذا، وعلى هذا درجت الدول والممالك الإسلامية منذ أن تصدى عمر بن عبد العزيز ﵀ لهذا الموضوع الجلل بنفسه، وإن كان ذكر عن عبد الملك بن مروان أنه جعل أيضاً يوماً للمظالم -لكن كما ذكرنا- أن الخلفاء الراشدين كانوا يتولون ذلك كله بدون تفريق؛ لأن الذي كان يهمهم هو الحقائق، فكانت بغير الأسماء والأقسام الشكلية التي وضعها من جاء بعدهم.
لكن فيما بعد درجت الدول الإسلامية على اعتبار ديوان المظالم هو الذي يبتُّ ويفصل في كل من يدعي مظلمة ضد الدولة، أو ضد السلطة، أو ضد من يمثلها من الموظفين.
الديوان الثالث: ديوان القضاء أو ولاية القضاء: وهي معروفة للجميع، وموضوعها هو الفصل بين الخصومات، وبين المتداعين من الناس، وهذه لها جانب عظيم في حياة الأمة، ولها اختصاص معروف في القديم والحديث.
الديوان الرابع: وهو الذي يهمنا الآن، وهو الحسبة أي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إذا كانت الدولة لا تشمل إلا هذه الدواوين الأربعة في أغلبها، فلنا أن نتصور سعة الصلاحيات بالنسبة لعصرنا الحاضر عندما قسمت الصلاحيات إلى عشرين وزارة مثلاً أو ثلاثين أو عشرين مؤسسة وأكثر من ذلك مثلاً من الإدارات، فكل هذه الوزارات لا بد أن نقسمها، لتندرج تحت هذه الدواوين؛ لنعرف ماذا كانت عليه ولاية الحسبة، وماذا كانت قيمتها عند الأمة وكيف كان ذلك.
стр. 756
الفرق بين الحسبة والقضاء
فصَّل الإمام الماوردي الفرق بين الحسبة والقضاء تفصيلاً لا بأس أن نورده هنا، يقول: 'إن ولاية الحسبة تقصر عن ولاية القضاء من وجهين: الوجه الأول: قصورها عن سماع عموم الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات، من الدعاوى في العقود والمعاملات وسائر الحقوق والمطالبات، فليس من وظيفة الحسبة أن تسمع الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات' أي: أن القضايا الحقوقية المتنازع عليها لا تدخل في هذه الشئون التي هي من شئون القضاء، لكن عملها في منكر ظاهر فتزيله، أو في حق ثابت فتؤديه، أما ما يحتاج إلى دعاوى وما هو موضع تجاحد وتناكر بين الأطراف فهذا يرجع فيه إلى القضاء لسماع البينات والحكم فيما بين الخصوم، لكن إذا كان حقاً ثابتاً فإنه يملكه المحتسب.
'الوجه الثاني من الفرق بين الحسبة والقضاء: أن موضوع الحسبة هي الحقوق المعترف بها، فلا يدخل فيها ما يتعلق بالتجاحد والتناكر '.
ثم قال: 'أما زيادتها عن القضاء فمن وجهين أيضاً: الوجه الأول: التعرض لتصفح ما يؤمر به من المعروف ويُنهى عنه من المنكر، وإن لم يحضره خصم يستدعي' بمعنى: أن القاضي لا يبحث عن أية قضية إلا إذا جاءه من يقول: أنا أدعي عندك على فلان، فهذا عمل القاضي، أما المحتسب فهو الذي يبحث بنفسه ويتعرف ويتفحص، فإذا علم أن رجلاً ظلم بناته فلم يزوجهن -مثلاً- فإنه يحتسب وينكر عليه.
وإذا علم أن رجلاً قصَّر في حق يتيم ولم يقم بحق الكفالة فإنه يذهب ويحتسب عليه، فضلاً عما هو من صلاحياته الأساسية، مثل: المعاملات في الأسواق وغير ذلك مما سنوضحه إن شاء الله.
والمقصود هو: إيضاح الفرق، فالقاضي إذا لم يأته المدعي لا يتدخل، هذا بعد أن تقسم الدواوين، لكن المحتسب يتعرض ويسأل وينقب؛ يشم رائحة ويقول: ربما كان هذا مصنع خمر فيذهب ويستكشف ويغير المنكر يمشي في الليل فيسمع صوت طنبور أو مزمار، فيقول: هذا منكر ويغيره.
يرى آلات ملاهي فلا بد أن يكسرها يرى تماثيل لا بد أن يحطمها، وهذا له أصل عظيم جداً، وهو أن النبي ﷺ لما مر بالسوق فوضع يده في الطعام فوجد البلل، فقال: ﴿ما هذا يا صاحب الطعام؟! من غش -وفي رواية من غشنا- فليس منا﴾، وكان عمر ﵁ يفعل ذلك ويدور في الأسواق، ويتعرض، ويرى، فهذه وظيفة المحتسب لا وظيفة القاضي.
ثم قال: 'الوجه الثاني: أن للمحتسب من السلطة ما ليس للقضاء؛ لأن الحسبة موضوعه على الرهبة، والقضاء موضوع للمناصفة' هكذا تعبيره ونقلها ابن خلدون عنه حرفياً.
فالحسبة موضوعه على الرهبة، فهي سلطة تنفيذية ترهب صاحب المنكر، أما القضاء فليس فيه إرهاب من القاضي، بل هناك مناصفة، وعنده ميزان، يسمع من هذا كما يسمع من هذا، ثم يحكم بالحق.
أما الوالي أو المحتسب -عموماً- فإن موضوع عمله هو الرهبة، وكأنه في هذه الحالة قاضٍ وزيادة، فمجرد ما يسمع من أحد الأطراف أنه يشتكي أن منكراً وقع عليه، ينكر ويغير باليد في آنٍ واحد معاً، هذا من جهة التفريق بين ولاية الحسبة وبين ولاية القضاء من الناحية الفقهية.
стр. 757
الفرق بين المحتسب والمتطوع
فرق المؤلفون في الأحكام السلطانية الإسلامية بين المتطوع وبين المحتسب، فأوردوا تسعة فروق، لكن يمكن أن نوجزها فنقول: المتطوع: هو كل مسلم متطوع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمعنى أنه ينكره تطوعاً لا وظيفة، فليس المقصود أن الإنكار لا يكون واجباً عليه.
لكن المتطوع هو من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من تلقاء نفسه من غير ولاية رسمية، يتعرض للواجب، ويتعرض للمكروه وغير ذلك، ويتحمل الأذى في سبيل هذا، فهذا لا يأخذ أجراً من بيت المال، ولا يمكنه أن يقيم الحدود، ولا أن يعاقب، ولا أن يعزر إلا في حالات معينة؛ كأن يرى رجلاً يعمل الفاحشة -والعياذ بالله- أو يغتصب مالاً حراماً أو ما أشبه ذلك من الأمور التي لا يمكن التباطؤ فيها، ولا يمكن تأجيلها.
أما المحتسب فهو صاحب ولاية، وصاحب سلطة وتنفيذ، فله أن يفعل ذلك وزيادة.
стр. 758
الفرق بين سلطة المحتسب وسلطة القاضي
ولاية الحسبة عموماً من أهم صلاحياتها ومن أوسع اختصاصاتها: العقوبة، فتمتاز عن القضاء بالعقوبة الفورية، ولا بد أن تؤديها، وعلى هذا نص شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ فقال: 'الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية؛ فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور ' لكن من العقوبات ما تسمى بالعقوبات المقدرة، وهي الحدود التي قدَّر الله تعالى عقوباتها، فهذه يتولاها القضاء.
أما المحتسب فكل أعماله داخلة في باب العقوبات الغير مقدرة؛ أي: التعزيرات من توبيخ، أو تسفيه، أو ضرب، أو حبس، أي: قد يتطور الأمر حتى كان للحسبة في بعض الدول سجون، ولها معاملات، ولها ضبوط، وشهود، وأمور عظيمة جداً، بحسب أحوال الدول وقربها من الاقتداء بالنبي ﷺ وإحياء هذه الشعيرة العظيمة.
стр. 759
صلاحيات المحتسب
لعلنا نتعرض فقهياً بإيجاز لبعض أنواع العقوبات ودرجاتها، ثم نتعرض للصلاحيات التي يتمتع بها هذا الديوان في الحكومة الإسلامية.
стр. 760
النوع الأول: إتلاف المنكر
وأعظم هذه العقوبات التي يمكن أن يقوم بها رجل الحسبة هي: إتلاف المنكر بعينه، كالأعواد وآلات اللهو، وأعظم من ذلك الأصنام، فلو علم أن بعض القبائل أو بعض المناطق في البادية أو ما أشبه ذلك تعبد أصناماً، أو تقدس حجارة أو أشجاراً وتتبرك بها، فيجب على المحتسب أن يقطعها، وعلى ولاية الحسبة إزالة هذه الصخور وتدميرها وإتلافها بالكلية وقطع الأشجار، فهذه أحد الأمور التي هي من الوظائف الأساسية لعمل الحسبة: أن يقضي على المنكر ويغيره.
ومع تطور الحياة والحضارة في الأمة الإسلامية، تفرعت قضايا أخرى، وتكلم الفقهاء فيها، فمثلاً قالوا: ما حكم اللبن المغشوش، هل يدخل فيما يتلف؟ فقال بعض العلماء: يتلف، واستدلوا على ذلك بأن عمر ﵁ أراق اللبن المغشوش، فمن عمل المحتسب أن يمر بالأسواق فإذا رأى لبناً مغشوشاً يتلفه، وقال بعض الفقهاء: لا يتلف وإنما يتصدق به، وليس هناك كبير خلاف إن شاء الله لو نظرنا من جهتين: - من جهة أن هذا اللبن المغشوش لا يباع ويجب أن يعاقب صاحبه بإتلافه، وهذا ما نظر إليه من قال: يراق، وقال: هذا من التعزيرات المالية، وهي حق ولها أصل شرعي في عدة أحاديث ليس هذا مقام التفصيل فيها، وقال: هذا من إتلاف عين المنكر، وهذا منكر يتلف بعينه، عقوبة لصاحبه حتى لا يعود إلى الغش.
- والذي قال لا يراق: نظر إلى أنه لبن قد يشرب، وبعض الناس قبل أن يشرب اللبن يضع عليه ماء، فقال: إذن لا يراق وإنما يتصدق به.
فأنا أقول: يمكن أن يعاقب صاحب اللبن هذا أو ما أشبهه -فاللبن كمثال- بأن يؤخذ منه هذا الشيء، ويأخذه المحتسب ويتصدق به على الفقراء.
ومثل: صاحب الفاكهة المغشوشة أو صاحب الطعام المغشوش أو ما أشبهه، يصادر منه، ويعطى للفقراء تحت نظر ولاية الحسبة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
ولو أن ثوباً نسج من الحرير هل يتلف، أم يتصدق به؟ الأرجح أن مثل هذا يتلف، والخمور تتلف مع أوعيتها، وآلات اللهو هل يقول قائل: إنه يمكن أن تغير ويستفاد منها أعواد (خشب آخر؟) فنقول: هذا قد قيل في بعض المذاهب والأولى والأرجح أن تتلف إلا أن تؤخذ وقوداً، أو توضع في نار للتدفئة.
فمن عمل المحتسب أنه إذا رأى طنبوراً أو مزماراً أو طبلاً إلى آخر آلات اللهو أتلفه بعينه ولا ينظر إلى كونه ذا ثمن أو قيمة مهما كان ارتفاع ثمنه، ومن ذلك الآن ما يسمى في أيامنا هذه -مع الأسف- الذهب الرجالي!! فإذا ذهب أحداً إلى سوق الذهب، وقال: أريد ذهباً، فيقال له: رجالي أو نسائي، سبحان الله!! أيوجد ذهب رجالي، كيف وهو حرام على الذكور؟! فيقال لأهله: الحكم فيه الإتلاف، فإذا حولوه أو صاغوه بطريقة معينة بحيث يصبح مما يحلى به للنساء، فلا بأس.
أما إذا كان الثوب مغشوشاً، بأن كان يعرض على أنه من القطن (١٠٠%) وليس فيه إلا (٣٠%) أو (٢٠%) من القطن، فيكون مثل اللبن المغشوش، هل نقول: يحرق عقوبة لصاحبه؟ قال بذلك بعض العلماء، والبعض قال: يتصدق به.
المقصود أنه يعاقب صاحبه؛ لئلا يغش بعد ذلك فهذه من جملة صلاحيات المحتسب، وتكلم فيها الفقهاء؛ لأنها كانت أمراً واقعاً تعيشه الأمة الإسلامية، ورجل الحسبة يقوم بهذه الأعمال، هذا أمر عادي وطبيعي في المجتمع، وما كانت هناك صحافة في تلك الأيام تحارب المتدينين وأهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتسبهم وتحقرهم ولا كان هناك مجالس غيبة ولا نميمة، ولا مجالس فجار وسكارى يشتمون رجال الدعوة ورجال الهيئة، والأمة كلها تعرف أن هذا من عملهم ومن شأنهم، وليس لأحد الحق أن يتدخل فيه إلا أن يفتي العلماء أن هذا مما لا يجوز لكم -مثلاً- أو لا تتلفوا ذلك الشيء أو افعلوا به كذا؛ لأنهم منفذون لما يفتي به العلماء.
стр. 761
النوع الثاني: تغيير المنكر مع بقاء عينه
وذلك مثل القرام الساتر الذي كان في بيت النبي ﷺ وكان فيه صور، فإن النبي ﷺ قسمها وسادتين توطآن، وهذا حديث عظيم رواه الإمام البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي وجعله شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ من الأصول في هذا الباب.
وفيه ﴿أن جبريل لما أتى النبي ﷺ فامتنع أن يدخل البيت، فقال: إنه ما منعني أن أدخل عليك البيت إلا أن فيه تمثالاً﴾ وكان فيه أيضاً القرام الساتر الذي فيه الصور وكان فيه -أيضاً- كلب، فكيف عمل النبي ﷺ ؟ وكيف غير؟ أما التمثال فقطع رأسه حتى أصبح كهيئة الشجرة، وأما القرام فإنه قطعه وسادتين توطآن.
إذن: فالصور الممتهنة المحتقرة التي لا يؤبه لها في الفرش قد عفي عنها، وقد ابتلينا في هذا الزمن بصور لا عد لها ولا حصر في كل شيء.
وأما الكلب فإنه يُخرج؛ لأنه ذات منفصلة.
فهذا الحديث أصل في أنواع التغيير، فلم يجعل النبي ﷺ الحكم واحداً، بأن يحطم الصنم، ويحرق الستار، ويقتل الكلب -مثلاً- إنما هذا له معاملة، وهذا له معاملة، وهذا من حكمة التشريع الذي أنزله الله ﵎ وهو أحكم الحاكمين جل شأنه.
فالمنكر إما أن يتلف وإما أن يغير.
أما التلفاز وأشرطة الأغاني وأشرطة الفيديو، فهذه لها حالتان بحسب المصلحة: إن كانت المصلحة أن يعاقب صاحبها، فإنها تحرق وتتلف، ولا سيما إذا كانت فيها صورٌ فاحشة أو أغانٍ ماجنة، فهذه لا بد أن تتلف وأن تحرق، وإن نظر ناظر أنه يمكن أن يستفاد منها، فيسجل عليها مادة علمية مفيدة، ثم يستفاد من الشريط، فلا بأس، وهذا يدخل فيما سبق، فالأمر واسع، فهو بحسب ما يراه المحتسب، وللمجتهد أو المفتي أو العالم أن يفتي فيما يراه أنه الأرجح لديه، ولا بأس في ذلك، فهذا أمر يرجع إلى المصلحة.
- ما هي اختصاصات المحتسب من حيث العمل؟ وما ميدانه؟
стр. 762
اختصاصات المحتسب
стр. 763
ردع المتخلفين عن الصلاة
هل عليه أن يمر بالسيارة وبالميكرفون ويقول: صلوا!! هل هذه هي ولاية الحسبة؟! وهل هذا عمل المتحسب؟! لا.
فهذه وظيفة أي واحد منا، فكل واحد منا في حيه لا بد أن يمر على ما لديه من دكاكين ومن جلسات ومن أناس وينبههم على الصلاة كل يوم، حتى تصبح إذا مررت في إحدى الممرات، وأنت لا تدري أأذن أم لا، وليس من قصدك أن تقول: صلوا، فإذا بهم يقولون: توكلنا على الله؛ ويذهبون إلىالصلاة!! لأنه قد ترسخ في أذهانهم أنك لا تمر إلا وتذكرهم بالله وبإقامة شعائر الله.
إذا عودنا الناس على هذا الأمر ربما إذا نصحتهم أنا وخافوا مني ثم جاء شخص آخر وما كان قصده أن يأمر أو ينهى، أو أنا جئت وليس من قصدي أن آمر أو أنهى، تكون قد ترسخت في أذهانهم الصورة الأولى، فبمجرد رؤيته يقولون: أبشر يا شيخ، أبشر!! فتستغرب ولا تدري أن شخصاً قد أنكر قبلك!! فإذا أحيينا هذه الشعيرة في المجتمع، أصبح لطالب العلم مكانته بمجرد أن يرى لأنه يمثل دين الله ويسعى لإقامته ولإعلاء كلمته.
فهذا التذكير بالصلاة يجب أن يشارك فيه كل مسلم، أما المحتسب فعليه العقوبة، فإذا حضرت الصلاة وشخص لم يغلق دكانه، نصحناه بالحكمة وبالأسلوب الطيب وأعطيناه فتوى الشيخ عبد العزيز أو فتوى الشيخ ابن عثيمين، أو غيرهما، فإذا لم يستجب فهنا ننادي المحتسب: يا محتسب! تعال، فإن هذا الرجل عاص، والمحتسب يتفاهم معه إما بالموعظة الحسنة أو بالقوة، فهذا عمله بالنسبة للصلاة.
أما ما يحصل الآن من أنه يدور فقط وينادي: صلوا، والأندية والدكاكين كلها مفتحة ولا يمر إلا على خمسة دكاكين إن اتسع الوقت، فتقام الصلاة ولم يصنع شيئاً! ومع هذا فإن بعض الناس يقول لهم: عندما تمر علينا، فكلمنا بلطف!! وكأن هذا من الغلظة ومن العنف الذي يرتكب، وهو لم يقم ولا بـ (١%) من عمل المحتسب، وإنما هذا من عمل أي شخص منا مما يجب أن نقوم به.
فمن أعمال المحتسب ردع المتخلفين عن الجمع والجماعات؛ ولهذا قال ﷺ : ﴿لولا ما في البيوت من النساء والذرية، لأمرت بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى أقوام لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم﴾ هذا وهو ﷺ الحريص عليها، الذي حَرّضنا على الصف الأول وعلى تكبيرة الإحرام، يأمر بالصلاة فتقام حتى لا تؤجل فلا يضيَّع ولا يؤخر الذين في المسجد من أجل المتخلفين، ثم يخالف إلى أقوام لا يحضرون الجماعة فيحرق عليهم بيوتهم، فعمل المحتسب أن يعاقب أولئك الذين يتخلفون عن الجماعات وعن الجمع، حتى ذكر العلماء صلاة العيدين والاستسقاء وغير ذلك مما يدخل ضمن ولايته، وإن لم يكن واجباً فليحث عليه الناس حثاً.
стр. 764
الإشراف على التجارة والأسواق
ومن ذلك -وهذا كان يمارس في الدولة الإسلامية- الإشراف الكامل على التجارة والأسواق، فكان الناس في جميع الولايات الإسلامية كـ الأندلس ومصر وبغداد وخراسان وكل الولايات، يعرفون أن السوق كله تحت نظر المحتسب؛ الغش في المعاملات، التطفيف في المكاييل والموازين، مراقبة الجودة والنوعية، حتى في الدراهم كان لديهم ضبط، حتى الكيماوية فـ ابن تيمية ﵀ في الحسبة يقول: 'يراقب الكيماوية الذين يقلبون -زوراً- الخسيس من المعادن إلى نفيس' وكانت عندهم ضوابط من مختبرات للجودة والنوعية، وهيئة المواصفات والمقاييس -كما تسمى الآن- وكل ذلك يندرج تحت الحسبة، وكذلك مراقبة الأسواق، ومراقبة الشوارع العامة، من ناحية الاختلاط، ومراقبة مواضع الريب، فعليه أن ينظر إلى مواضع الريب، فيتتبعها ليزيل الريبة، أيما رجل رآه مع امرأة في مكان فيه ريبة -مثلاً- أو أي عمل من الأعمال المشبوهة والمريبة فكان كل ذلك تحت ولايتهم، وهذا باب واسع، ولكم أن تتصوروا كم يدخل في هذا من أحكام!!
стр. 765
صيانة المدن والطرقات والقناطر
ومما كان ضمن ولاية الحسبة -أيضاً- ما يتم به إصلاح المدن، والطرق التي هي تحت ولايتهم، فالمتعدي على طرق المسلمين لا يردعه القاضي، فالقاضي يحكم بين الناس، ولا الشرطة كذلك فهذا ليس من شأنهم، بل كل ذلك يدخل ضمن ولاية الحسبة؛ كالتعدي في الطرقات، أو التعدي في أراضي الغير، كالذي يبسط بسطة في السوق، أو كما في عهد الإمام أحمد كانوا يتحيلون على الشارع ليضيقوه، فيبنون المسجد ثم يبنون على صفه، فقال الإمام أحمد ﵀: ' يُزال؛ لأنهم ما أرادوا به الصلاة، إنما أرادوا التحيل به ليصفوا على منواله'.
ومراقبة المدينة، حتى قالوا: لو أن الأسوار تهدمت، أو أن الثغور ضعفت لكان من وظيفة المحتسب أن ينبههم إلى ضعف الأسوار والثغور!! وكذلك القناطر والجسور كل ذلك يدخل ضمن ولاية المحتسب ويتنبه له ويحث الناس عليه، ولهذا سنفصل فيما بعد ما هي الولايات والإدارات التي يمكن أن يقوم المحتسب بها في مقابل الإدارات المعاصرة.
стр. 766
منع المعاملات المحرمة
يدخل كما نص عليه شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ في ولاية المحتسب، كل أنواع المعاملات والعقود، فتصحيح العقود الشرعية، ومنع المعاملات الربوية كل ذلك داخلٌ ضمن ولاية المحتسب، فعليه أن يمنع أكل الربا، وأن يهدم بيوته وأوكاره وأن يبيدها وأن يردع المتعاملين به؛ لأن المتعاملين بالربا غالباً ما يقعون فيه رضاً لا اغتصاباً.
فالغالب أن يكون الربا بالتراضي بينهما، فهل هناك أحد من الناس من يأتي ويشتكي ويقول: أخذ مني ربا؟!! فالمحتسب يبحث ويتحرى، وحتى المعاملات المحرمة الأخرى، كالنجش -والنجش هو الزيادة بغير قصد الشراء- كمعارض السيارات، فالميكرفونات من العصر إلى آخر الليل تصيح، وكله نجش إلا ما رحم الله، فهذه من وظيفة المحتسب.
وكذلك تلقي الركبان عندما يأتيون الآن الحلقة، ويكون فيها من الغش ما فيها، فهذا أيضاً من وظيفة المحتسب.
إذن كانت أعمال عظيمة جداً، نص شَيْخ الإِسْلامِ عليها وتكلم الفقهاء كلهم فيها.
وقال بعضهم: من ولاية المتحسب ضبط الأسعار وهذه مسألة فقهية خلافية والخلاف فيها كبير، هل يسعر أو لا يسعر؟ إنما يدلكم هذا إلى أن كل النواحي المالية والتجارية والمعاملات تحت نظر وإشراف رجال الحسبة ودواوين الحسبة.
في كل سوق، وفي كل حي مركز أو مقر لرجال الحسبة، وهم موجودون -دائماً- فيها لأن هذا شأنهم وهذه وظيفتهم، فلا يمكن أن يتخلفوا أو يتأخروا عنها.
هكذا كان وضع جميع الدول الإسلامية على مدار التاريخ إلى أن حصل ما حصل كما تعلمون.
стр. 767
هيئات الحسبة في الحكومات الجديدة
بقي أن نقول: ما هي الهيئات والإدارات الحكومية في عصرنا الحاضر التي تقابل ديوان الحسبة، بحيث إذا أنشئ ديوان للحسبة وأعطيت صلاحيات لهذا الديوان على الحقيقة، فما هي الإدارات التي يمكن أن تندرج ضمنه أو تتفرع عنه؟ بعد أن رأينا ما كتب الفقهاء، وما هي أقسام الدواوين الأربعة -كما ذكرنا- نجد أشياء قد لا تتخيلونها.
стр. 768
الرقابة العامة
منها على سبيل المثال: كثير من اختصاصات ديوان المراقبة العامة، كهيئة الرقابة، وهيئة التحقيق، وهيئة التأديب، وهذه الهيئات بدرجة وزارة، ولها صلاحيات في الرقابة المالية، وفي التحقيق، وفي التأديب إلى غير ذلك، وهذه في واقعنا الحالي كأنه لا علاقة لها بالأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، هي إدارية بحتة، وربما كان كثير من أنظمتها مأخوذ من القوانين أو الأنظمة المستوردة مع أنها من ضمن ما يدخل في ولاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الحسبة.
ولكم أن تتصوروا لو أن هذه الوظائف فعلاً أدرجت على أنها وظائف دينية احتسابية، وأنها عملٌ يراد به وجه الله، كيف سيكون حالها وحال الأمة التي تكون فيها هذه الوظائف جزء من ولاية من ولاياتها؛ وهي ولاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الحسبة؟!
стр. 769
الشرطة وإدارة الحقوق المدنية
وكذلك بعض اختصاصات إدارات الشرطة في عصرنا الحاضر، وبالذات ما يسمى بإدارة الحقوق المدنية؛ لأن الأصل في وظيفة الإدارة المدنية هو الحقوق الثابتة لا الحقوق المتخاصم عليها.
فالحق الثابت الذي يلزم صاحبه أن يؤديه هو من اختصاصات المحتسب، فكيف لو ضمت هذه الإدارات وضم رجال الشرطة الذين يقومون بها إلى ديوان الحسبة، وأصبحوا تابعين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأصبح عملهم ليس مجرد أي عمل إداري، وإنما عمل ديني احتسابي يقومون به وفق النظم والضوابط الشرعية الفقهية، وتحت ولاية الإفتاء وما يفتي به العلماء.
كيف تتخيلون أن تكون حالة الأمن؟ من المؤكد أنه سيعم ويسود الأمن، وتقل الجرائم أو تنعدم -بإذن الله تعالى- لأن رهبة الناس من التداعي ستزول، وأي إنسان له حق ثابت سيذهب مطمئناً إلى رجال الحسبة فيعطى حقه، وأي إنسان مماطل فإنه سيخاف، وقد نص العلماء في كل الكتب -تقريباً- على أن من عمل المحتسب أخذ الحق من الغني المماطل.
هذا الذي تقوم به الآن إدارات الحقوق المدنية -وهذه تسمية مستوردة- والقضية ليست قضية الأسماء، فالحق أن هذا من عمل وديوان الحسبة.
стр. 770
البلديات
عندنا البلديات والتي تشرف على الجسور، والطرق، والرقابة على الأسواق، وكل هذه في الحقيقة تتبع الحسبة، فالإدارات التي تتبع البلدية الآن وهي في كل حي، لو أنها تتبع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتخضع للإفتاء وللضوابط الشرعية الفقهية، لرأيتم حال الأمة كيف يتغير إلى الصلاح والخير، ورأيت أن ذلك أردع وأبعد عن الرشاوى وعن المشكلات التي لا نريد الدخول في تفاصيلها، فكل واحد منا يعلمها.
وأكثر الناس يعرفون البلديات ويعانون منها خيرها وشرها، كأنها عند الناس لعبة، لكن لو كانت البلدية قائمة على أساس شرعي لرأيتم الإنصاف، ورأيتم الخير يعم المجتمع، فما تقوم به البلديات من إصلاح الطرق والجسور، ومنع التعديات، ومراقبة البضائع، وإتلاف المغشوش، هو مما نص الفقهاء على أنه من ديوان الحسبة.
стр. 771
وزارة التجارة
كذلك وزارة التجارة، وما يتبعها من إدارات كإدارة مكافحة الغش التجاري، والتفتيش على المحلات من الناحية التجارية، كله داخل -كما رأينا في كلام الفقهاء- ضمن عمل الحسبة، فلو ضممنا فروع التجارة، وجعلناها تحت ولاية الحسبة، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وأدرجت ضمن الولايات الشرعية وتحت الأحكام الشرعية، فسوف تضبط هذه الأمور ويكون فيها الخير والصلاح بإذن الله.
وهذا لا يعني أنه لا يوجد في البلديات، أو الشرطة، أو في الحقوق، أو في التجارة من هو على خير وعلى صلاح، ومن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ولا يرتشي، ولا يغش، فالحمد لله بعضها فيها خير كثير، ولكن المقصود من هذا الكلام ليس الأفراد، بل المقصود أصل الولاية.
وفرق بين أن أشعر أني في الهيئة، فأرى أنني أمثل الشرع، وأمثل الدين في حركتي، وكلامي، وفي ذهابي إلى عملي، وأتقيد في أعمالي كلها بأحكام الشرع، وبين أن أشعر أني مجرد موظف إداري، أعمل طبق ما يأتيني من تعليمات، وأخالف فيها ولا أرى أنني آثم، وأزيد عليها ولا أرى أيضاً أنني قمت بما لا يجب، ولهذا بدأنا الموضوع ببيان أن المقصود من الولايات -كلها- أن يكون الدين كله لله، وأن يؤمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر.
стр. 772
الدفاع المدني
الدفاع المدني بجميع فروعه نص الفقهاء في كل كتب الأحكام السلطانية على أنه من اختصاص الحسبة، فالدفاع المدني يفتش المحلات حتى لا يندلع حريق، ويفتش على أسلاك الكهرباء، على الطفايات -مثلاً- وهذه مذكورة بحسب عصرها من ضمن ولاية المحتسب، فإذا حولنا هذه الطاقات وما يتبعها من المعدات والسيارات إلى الهيئة!! فبعض محلات الدفاع المدني تمر شهور -والحمد لله- لا حريق ولا شيء، فترى الجنود والموظفين جالسين إما للعب أو لذكر الله إن كانوا ممن يذكرون الله، والهيئة تحتاج إلى الجندي الواحد فلا تجده!! لماذا لا نجعل هذا الشخص العاطل عن العمل في هذه الجهات أو الذي عمله شبه ضعيف، لماذا لا نجعله في جهاز عامل يحتاج إلى طاقة؟ ورواتبهم إنما هي من أموال المسلمين فلا فرق.
وعندما نأخذ بطبيعة التقسيم الشرعي إلى ولايات، نجد أن هذا يريحنا من أمور كثيرة جداً، وتستقيم أحوال الناس وما يتعلق بشأن الدفاع المدني من الإنقاذ، ومن مكافحة الحرائق، ودرء أسباب الدمار والخراب، كل هذا يقوم به ديوان الحسبة أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الوضع الطبيعي الصحيح للدولة الإسلامية.
стр. 773
مكافحة المخدرات
كذلك مكافحة المخدرات، والمخدرات كانت معروفة كالحشيش، لكن الآن الفرق أن الصناعة الآن أمريكية متحضرة!! والمفسدة كانت واقعة وموجودة، وكانت بطبيعة الحال من اختصاص رجال الحسبة، فأيضاً تدرج مكافحة المخدرات بأجهزتها ومكافحتها ضمن الهيئة في ديوان الحسبة، فتنقلب -أيضاً- إلى جهاز أكثر نفعاً، وأكثر عملاً، وأجدى في المكافحة، وأردع وأجدر عند الناس؛ لأنها أصبحت ولاية شرعية تتبع الأحكام الشرعية، وتتبع ما يقوله العلماء وتقوم بواجبها خير قيام.
стр. 774
وزارة الأوقاف
بعض صلاحيات وزارة الأوقاف كما يسمى حالياً منصوص عليه في كتب الأحكام أنه من صلاحيات رجال الحسبة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
ومن أهم ذلك أن الإمام المبتدع لا يولى إمامة المسجد، فيحتسب رجال الحسبة ويبعدون هذا الإمام المبتدع أو الزنديق ويؤتى بالإمام الصالح.
وكذلك الوعظ فهو -أيضاً- جانب وعمل من جوانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
بناء المساجد والاهتمام بها ورعايتها ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦] أي: ترفع حساً ومعنىً، ترفع معنىً في قلوب الناس، فترتفع وتصبح أقدس ما عند الناس، وأعظم ما عندهم، وأهم ما في الحي المسجد، فما نريد العشرات من الفلل الفخمة تحيط بمسجد متهدم مكسر، دورة المياه فيه لا يستطيع أحد أن يتوضأ فيها!! فهذا المسجد ما رفع حساً ولا معنىً، ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦] حقيقة ومعنىً، وكذلك حساً؛ بأن ترفع فلا تعلوها هذه البنايات الشاهقة، وأسوأ من ذلك أن تعلوها بنايات مما حرم الله، كالبنك السعودي الفرنسي فهو أعلى من المسجد!! ومصيبة أن تعلو المنكرات على المساجد، ولما لم ترفع ولم تعظم شعائر الله حتى كان الحال كما نرى!! وكذلك حفظ الأوقات من تعدي الناس عليها، والاهتمام بها، ومراعاتها، كل هذا يدخل ويندرج شرعاً وعملاً -خلال القرون الإسلامية- تحت ولاية المحتسب وديوان الحسبة.
стр. 775
الشئون الصحية
نص العلماء على أن من عمل ديوان الحسبة، مراقبة الأطباء ومعرفة الخبير من غير الخبير، ومنع الذي لا يجيد الطب من التطبيب، حتى القوابل للولادة والتنبيه عليهن، وفصل الرجال عن النساء، وكل ما نعتبره الآن نحن من الرقابة الطبية فقد تكلم فيه العلماء وجعلوه ضمن ولاية المحتسب.
وكذلك منع التطبيب بالسحر والشعوذة والكهانة، هذه من أعمال المحتسب، فيبحث، ويستمع، وإذا رأى أن الناس يذهبون إلى رجل فيتتبع ذلك الموضوع؛ فإن كان ساحراً فيقام عليه الحد.
وكل هذه مندرجة تحت ولاية المحتسب، فجانب من جوانب الشئون الصحية في أيامنا الحاضرة هو من اختصاص هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الوضع الطبيعي في الدولة الإسلامية.
следующие страницы →