← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وزارة التجارة كذلك وزارة التجارة، وما يتبعها من إدارات كإدارة مكافحة الغش التجاري، والتفتيش على المحلات من الناحية التجارية، كله داخل -كما رأينا في كلام الفقهاء- ضمن عمل الحسبة، فلو ضممنا فروع التجارة، وجعلناها تحت ولاية الحسبة، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وأدرجت ضمن الولايات الشرعية وتحت الأحكام الشرعية، فسوف تضبط هذه الأمور ويكون فيها الخير والصلاح بإذن الله. وهذا لا يعني أنه لا يوجد في البلديات، أو الشرطة، أو في الحقوق، أو في التجارة من هو على خير وعلى صلاح، ومن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ولا يرتشي، ولا يغش، فالحمد لله بعضها فيها خير كثير، ولكن المقصود من هذا الكلام ليس الأفراد، بل المقصود أصل الولاية. وفرق بين أن أشعر أني في الهيئة، فأرى أنني أمثل الشرع، وأمثل الدين في حركتي، وكلامي، وفي ذهابي إلى عملي، وأتقيد في أعمالي كلها بأحكام الشرع، وبين أن أشعر أني مجرد موظف إداري، أعمل طبق ما يأتيني من تعليمات، وأخالف فيها ولا أرى أنني آثم، وأزيد عليها ولا أرى أيضاً أنني قمت بما لا يجب، ولهذا بدأنا الموضوع ببيان أن المقصود من الولايات -كلها- أن يكون الدين كله لله، وأن يؤمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر.

стр. 772

الدفاع المدني الدفاع المدني بجميع فروعه نص الفقهاء في كل كتب الأحكام السلطانية على أنه من اختصاص الحسبة، فالدفاع المدني يفتش المحلات حتى لا يندلع حريق، ويفتش على أسلاك الكهرباء، على الطفايات -مثلاً- وهذه مذكورة بحسب عصرها من ضمن ولاية المحتسب، فإذا حولنا هذه الطاقات وما يتبعها من المعدات والسيارات إلى الهيئة!! فبعض محلات الدفاع المدني تمر شهور -والحمد لله- لا حريق ولا شيء، فترى الجنود والموظفين جالسين إما للعب أو لذكر الله إن كانوا ممن يذكرون الله، والهيئة تحتاج إلى الجندي الواحد فلا تجده!! لماذا لا نجعل هذا الشخص العاطل عن العمل في هذه الجهات أو الذي عمله شبه ضعيف، لماذا لا نجعله في جهاز عامل يحتاج إلى طاقة؟ ورواتبهم إنما هي من أموال المسلمين فلا فرق. وعندما نأخذ بطبيعة التقسيم الشرعي إلى ولايات، نجد أن هذا يريحنا من أمور كثيرة جداً، وتستقيم أحوال الناس وما يتعلق بشأن الدفاع المدني من الإنقاذ، ومن مكافحة الحرائق، ودرء أسباب الدمار والخراب، كل هذا يقوم به ديوان الحسبة أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الوضع الطبيعي الصحيح للدولة الإسلامية.

стр. 773

مكافحة المخدرات كذلك مكافحة المخدرات، والمخدرات كانت معروفة كالحشيش، لكن الآن الفرق أن الصناعة الآن أمريكية متحضرة!! والمفسدة كانت واقعة وموجودة، وكانت بطبيعة الحال من اختصاص رجال الحسبة، فأيضاً تدرج مكافحة المخدرات بأجهزتها ومكافحتها ضمن الهيئة في ديوان الحسبة، فتنقلب -أيضاً- إلى جهاز أكثر نفعاً، وأكثر عملاً، وأجدى في المكافحة، وأردع وأجدر عند الناس؛ لأنها أصبحت ولاية شرعية تتبع الأحكام الشرعية، وتتبع ما يقوله العلماء وتقوم بواجبها خير قيام.

стр. 774

وزارة الأوقاف بعض صلاحيات وزارة الأوقاف كما يسمى حالياً منصوص عليه في كتب الأحكام أنه من صلاحيات رجال الحسبة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". ومن أهم ذلك أن الإمام المبتدع لا يولى إمامة المسجد، فيحتسب رجال الحسبة ويبعدون هذا الإمام المبتدع أو الزنديق ويؤتى بالإمام الصالح. وكذلك الوعظ فهو -أيضاً- جانب وعمل من جوانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. بناء المساجد والاهتمام بها ورعايتها ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦] أي: ترفع حساً ومعنىً، ترفع معنىً في قلوب الناس، فترتفع وتصبح أقدس ما عند الناس، وأعظم ما عندهم، وأهم ما في الحي المسجد، فما نريد العشرات من الفلل الفخمة تحيط بمسجد متهدم مكسر، دورة المياه فيه لا يستطيع أحد أن يتوضأ فيها!! فهذا المسجد ما رفع حساً ولا معنىً، ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦] حقيقة ومعنىً، وكذلك حساً؛ بأن ترفع فلا تعلوها هذه البنايات الشاهقة، وأسوأ من ذلك أن تعلوها بنايات مما حرم الله، كالبنك السعودي الفرنسي فهو أعلى من المسجد!! ومصيبة أن تعلو المنكرات على المساجد، ولما لم ترفع ولم تعظم شعائر الله حتى كان الحال كما نرى!! وكذلك حفظ الأوقات من تعدي الناس عليها، والاهتمام بها، ومراعاتها، كل هذا يدخل ويندرج شرعاً وعملاً -خلال القرون الإسلامية- تحت ولاية المحتسب وديوان الحسبة.

стр. 775

الشئون الصحية نص العلماء على أن من عمل ديوان الحسبة، مراقبة الأطباء ومعرفة الخبير من غير الخبير، ومنع الذي لا يجيد الطب من التطبيب، حتى القوابل للولادة والتنبيه عليهن، وفصل الرجال عن النساء، وكل ما نعتبره الآن نحن من الرقابة الطبية فقد تكلم فيه العلماء وجعلوه ضمن ولاية المحتسب. وكذلك منع التطبيب بالسحر والشعوذة والكهانة، هذه من أعمال المحتسب، فيبحث، ويستمع، وإذا رأى أن الناس يذهبون إلى رجل فيتتبع ذلك الموضوع؛ فإن كان ساحراً فيقام عليه الحد. وكل هذه مندرجة تحت ولاية المحتسب، فجانب من جوانب الشئون الصحية في أيامنا الحاضرة هو من اختصاص هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الوضع الطبيعي في الدولة الإسلامية.

стр. 776

الشئون التعليمية كذلك يراقب رجل الحسبة وضع التعليم، فيذهب إلى المدارس ويتتبع ويرى ماذا يفعل المعلمون، حتى قال العلماء: إذا كان بعض المعلمين يأخذ أجراً أكثر على غير فائدة أو من غير تعليم فإنه يعاقب، وإذا كان يضرب التلاميذ أكثر مما ينبغي، فإنه يعاقب ويعزر، المهم: أن يكون وضع التعليم تحت إشراف الحسبة. ونحن لا نقول: كل وزارة المعارف تنتقل، لكن جانباً مهماً يظل خاضعاً لها، وهم الآن إذا أريد إلقاء محاضرة، قالوا: لا نقدر أن نسمح بمحاضرة في المدارس، سبحان الله! لماذا كلما أريد فتح توعية إسلامية في المدارس، يقولون: لا نستطيع، ولا نقدر، والوقت لا يسمح؟! فجزء عظيم من صلاحية إدارة التعليم، هو أصلاً خاضع للهيئة، وعندما تعطى هذا الصلاحية للهيئة التي هي ديوان الحسبة، ويخضع التعليم لرقابتها فإننا نرى أن التعليم يصلح بإذن الله. كيف لا وقد وصلت الأمور إلى حد أن بعض المدرسين -والعياذ بالله- قد يرتكبون الفاحشة مع الطلاب في المدارس، ويفعلون أموراً أخرى، ويتكلمون بألفاظ بذيئة، ولا أحد إلا وهو يعرف هذا، ولا نحتاج إلى أن ندخل في هذه الموضوعات، فمن يعالجها ومن يصلح الأمور؟! أليس هذا من عمل الحسبة، ولا بد أن يقوم به رجال الحسبة؟! - مدرس يأتي المدرسة سكران، ماذا يقول له المدير، يقيم عليه الحد، أو يحوله إلى الشرطة؟! هذا من عمل الحسبة أيضاً. - مناهج فيها بدع وضلالات وخرافات، تحال للحسبة، وهذا من صلاحيات واختصاصات ديوان الحسبة، ولا نكاد الآن نشعر أنها من صلاحياتها، فعمل الهيئة عندنا الآن هو المناداة للصلاة فقط، وما عدا ذلك فكأنه ليس من عملها، وهذا الكلام كما قلت: مضغوط وموجز، لكن لو أردت دليلاً على كل شيء فعليك بكلام العلماء في الأحكام السلطانية وكتب الفقه ومنها ما ذكره شَيْخ الإِسْلامِ في قاعدة في الحسبة.

стр. 777

مؤسسات الرفق بالحيوان ومن العجيب أن العلماء قد نصوا حتى على الاحتساب لمصلحة الدواب!! انظروا دين الرحمة، دين الإحسان، حتى لمصلحة الدواب، فمن عمل المحتسب أن ينظر إن كان صاحب الدابة يعذبها ويحملها ما لا تطيق؛ فيحتسب عليه ويأمره وينهاه. وهذا منصوص عليه، وهذا من كمال حكمة الله الظاهرة في هذا التشريع وهذا الدين، الذي لما تركناه، تغير حالنا تهدر حقوق الآدميين في مجالات كثيرة، وفي الغرب يقيمون جمعيات للحيوان -سبحان ال-هـ! هذه عندنا من ضمن أعمال رجال الحسبة، وكان هذا في الأمة أمراً معروفاً؛ فكانوا يمشون في الأسواق، فإذا رأوا دابّة عليها حمل ثقيل، أوقفوا صاحبها وأنزلوا من فوقها بعض الحمل، وقالوا: احمل هذا أنت أو استأجر دابة أخرى ولا تحملها ما لا تطيق. فكانت الأمة تشعر أن عليها رقيباً، ولهذا كانت أقرب إلى تقوى الله؛ ولهذا كانت تقاوم إذا ما تعرضت للغزو الخارجي، فقد جاء الصليبيون فقاومتهم، وجاء التتار فقاومتهم؛ لأن فيها حياة وفيها نبض. لكن انظروا إلى واقعنا الميت المؤلم، لماذا؟! لأننا قد أميتت فينا الشعيرة التي من شأنها أن تحيي قلوبنا وأن تحيينا كخير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

стр. 778

وزارة المواصلات، والمؤسسة العامة للموانئ أيضاً مما نص عليه العلماء: أن على رجال الحسبة تفقد المراكب، من أدوات النقل والسفن، وأن ينظروا إلى ما في حمولة السفن، وحتى قال أبو يعلى ﵀ في أحكام السفن: 'يتفقد المحتسب السفن، فيضع أماكن للرجال وأماكن للنساء، ويضع مكاناً لقضاء النساء للحاجة غير ما هو مُعدٌّ للرجال'. هذا ضمن السفن، إذن كل هذا يندرج ويدخل تحت أعمال الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 779

مصلحة المجاري والمياه مما نص عليه العلماء من الشعائر التي يجب على رجل الحسبة أن يحييها ويهتم بها: موضوع الطهارة، فالطهارة أصل ديننا كله، فديننا دين الطهارة الحسية والمعنوية، الظاهرة والباطنة، فإذا تُرك كل واحد ينزل النجاسات كما يشاء، وينزل المياه الملوثة، أو يفعل كذا أو كذا، فإنه قد يسد المجاري أو يلوث مياه الشرب مثلاً، فما يتعلق بالمياه ونقاوتها من الطهارة ومن الخبث ومن الأمراض أيضاً يندرج تحت الحسبة، فلا يدخل هذا ضمن مصلحة المياه والمجاري أو ضمن وزارة الصحة والطب الوقائي مثلاً أو غير ذلك؛ لأن كل هذا من أعمال رجل الحسبة التي نص عليها العلماء رحمهم الله تعالى كما قلنا.

стр. 780

إدارة شئون الموتى مما يراقبه -أيضاً- رجال الحسبة: المقابر وكيف يدفن الميت، وكيف يغسل. فترتكب أعمال فظيعة، وكثير من الناس لا والي له، كيف تكون الحال والإدارة هذه، مجرد أناس موتى يدفنون موتى؟! لا يهتمون ولا يأبهون بإقامة دين الله في هذا الشأن ولا يأبهون بالمقابر، ولو تركت المقابر من غير اهتمام ومن غير متابعة، لبني عليها!! وقد يبنى عليها ملاعب أو أي شيء آخر!! ولا يبالي الناس إذا قست قلوبهم عن ذكر الله وغفلوا عن الآخرة، لا يبالون حتى بحرمة المقابر، وهذه الأمور مما يتعلق بالموتى والمقابر هي من عمل رجال الحسبة أيضاً.

стр. 781

الجمارك وعندنا هنا في المملكة قبل خمس عشرة سنة أو ما يقرب من ذلك كان في كل مطار أو مدخل: رجل الهيئة مع رجل التفتيش في كل شيء، ثم تقلصت الصلاحيات وقلل العدد. من أهم الأعمال: إدارة الجمارك، ولا نعني جانب الضرائب والجبايات فهذه لها تفصيل، وهي أعمال إذا دخلت في المكس فهي من أعظم الذنوب والكبائر، لكن نتكلم في الجمارك من جهة أنها تضبط ما يدخل إلى البلد من الممنوعات، هذا العمل هو من عمل رجال الحسبة.

стр. 782

المراقبة الإعلامية ومن ذلك كثير من أعمال وزارة الإعلام، مثل المراقبة الإعلامية، من يحكم على المجلة، أتدخل أو لا تدخل، الآن أحياناً تأتيك مجلة مصور فيها امرأة عارية، فيطمسون الثدي وحدود العورة، ويبقى الصدر والشعر! وكأنه ما بقي شيء، فمن قال: إن هذا حرام وهذا ليس بحرام؟! وبأي معيار طمست هذا وتركت هذا؟! والحمد لله أنها تطمس، ولا نقول: لا تطمس، لكن لو راعينا الأصول الشرعية، وجعلنا هذه الأجهزة مرتبطة بإدارتها الشرعية التي جعلها الله لها، لرأيت أنه لا يتجرأ أحد على أن يدخل دواعي الرذيلة، والزنى، والفاحشة إلى البلد المسلم، لعلمه أن هناك إدارةً واعيةً، وشرعيةً، وحذرةً، ومتنبهةً، تتلف كل ما فيه محرم. ومراقبة الفيديوهات وما يتعلق بها -أيضاً- فيدرب موظف إداري ليراقب، ويعطي التصاريح، والرقابة الإعلامية معروفة أنها على المجلات، والفيديوهات ومحلات الأغاني، ولا نقول: لا يوجد عليها رقابة، بل هناك رقابة، ولكن هناك بعد عن الحكم الصحيح، فمثلاً: ما يتعلق بالأغاني، القضية ليست قضية رقابة بأن يمر ويراقب، لكن الحقيقة أنه لا يجوز شرعاً، ولا يحل أن يرخص لمحل أن يبيع الأغاني أو الأفلام الفاسدة مما هو موجود الآن، والترخيص بها حرام، وعملها كله حرام، وما يربحه مما يسمى المكاسب أو الدخل فهو خسارة، وسحت لا يجوز؛ ولذلك لو وضعت في الموضع الشرعي الصحيح وأحيلت إلى الولايات الشرعية، فالحكم فيها هو الإلغاء فوراً. وقد تعرضنا لذكر بعض الإدارات وبعض الصلاحيات هنا لنعرف من خلال كلام الفقهاء ﵏ سعة وصلاحيات ديوان الحسبة وهيئة ديوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما نسميها نحن الآن.

стр. 783

موقف المسلم من الحسبة بقي أن نقول: ما الواجب علينا في هذه الأمة؟ الواجب المتعين علينا أن نعيد الأمر إلى نصابه، وأن نتعاون جميعاً لأن تعود لهذا الجهاز أهميته، وقيمته، وصلاحياته التي كانت في ظل المجتمعات والحكومات الإسلامية السابقة، وأن يُدعم بكل الطاقات وبكل الوسائل الممكنة. ولا مانع أن تدمج بعض الإدارات في بعض كما تفكك، كما كانت البلديات -مثلاً- جزء من وزارة الداخلية وغيرها، ثم فصلت، ثم قسمت البلدية إلى بلديات، وزارة المواصلات -مثلاً- فصل منها وزارة البرق، والبريد، والهاتف إلى آخره؛ فالدمج والفصل وارد لمجرد المصلحة الإدارية، فكيف إذا كان يتعلق بمصلحة شرعية ضرورية لإحياء هذه الشعائر. وبدلاً من أن نقول: الهيئات ليست لديها وظائف، ولا عندها وسائل، ولا نستطيع أن نحدث وظائف جديدة، فلندمج هذه الأجهزة في جهاز واحد أو ولاية واحدة أو كما اقترح بعض الإخوة: أن تحول إلى وزارة، فلا يوجد مانع، المهم أنه بشكل ما، أو بصورة ما أن تدمج أو تعود على ما كانت عليه سابقاً، ونحن الآن نقترح المبدأ، أما التفاصيل فدعوها لأهل الاختصاص بحيث يحصل الهدف وهو: أن يعود إلى ديوان أو وزارة الحسبة اختصاصها الشرعي الواسع، وصلاحيتها الواسعة، وجنودها ورجالها في كل منطقة وفي كل مكان؛ فإن الأمة أحوج ما تكون إلى هذا النوع من الولاية في هذا الزمن وفي كل زمان.

стр. 784

الأسئلة

стр. 785

علاقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحقوق الدول السؤال ما علاقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحقوق الدول؟ الجواب إن الله جعل كل دولة تتخلى عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتؤيد المنكرات والفساد ساقطة هالكة، والتاريخ شاهد بذلك ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾ [الكهف:٥٩]، ﴿وَمَا كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧]. كل القرى التي ظلمت بالذنوب والمعاصي وارتكاب المحرمات، ولم يكن فيها مصلحون وتركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنها تعاقب بالهلاك والدمار، دمار اقتصادي بالغلاء، ودمار بالحروب، ودمار بانتهاك الأعراض وارتكاب الجرائم والفساد، ودمار بالزلازل والبراكين، وبما يشاء الله من عقوبات، وهو ينزلها على من يستحقها، ولا يظلم ربك أحداً.

стр. 786

كيفية إعادة الصلاحيات للحسبة السؤال كيف يمكن إعادة الأمر إلى نصابه بإعادة صلاحيات الحسبة؛ لأن الأمر أصبح لا يطاق؟ الجواب المهم نحن، فإذا أردنا ذلك وطالبنا، وأنشأنا الدراسات لهذا الموضوع، فإن ذلك سيكون بإذن الله ﵎، وما ضاع حق وراءه مطالب، لكن كل منا مطَالبٌ بأن يكون مُطِالباً، بأفضل أسلوب للمطالبة، كتابة، ومناصحة، ومشافهة، وكتابات علمية موفقة، كتابات فقهية تأصيلية، ونتعاون في كل ذلك بحيث إننا نعيد لهذه الشعيرة ولهذا الديوان صلاحياته وأهمياته.

стр. 787

التهكمات الصحفية السؤال ما قولكم في الصحفيين وتهكماتهم على الهيئة ورجالها؟ الجواب ليست القضية قضية الصحفيين، حتى في المجالس كثير من الناس يتهكم ويسخر من الهيئة ومن الملتزمين!! ولا يدري أن الأمر هو كما ذكر النبي ﷺ : ﴿الرجل قد يقول الكلمة من سخط الله أو من غضب الله لا يلقي لها بالاً؛ تهوي به في النار سبعين خريفاً﴾ والعياذ بالله!. والذين ذكر الله كفرهم في سورة براءة، وهم الذين استهزءوا وسخروا، ولذلك كفَّرهم الله تعالى، فهم لم يستهزءوا بالدين، ولم يستهزءوا بنص القرآن، ولا بألفاظ الحديث، إنما استهزءوا بالقراء من الصحابة، ومع ذلك يقول الله : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] فجعل الاستهزاء بمن يقوم بالعلم أو الدعوة أو مثلهم ممن ينكرون المنكر، جعله استهزاءً بالله وبآيات الله وبرسوله ﷺ ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] فالمسألة كفر، وليست شهوات، وفكاهات، وتندرات في المجالس. ثم اعلموا أنه لا يطعن في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أحد رجلين: - إما رجل جاهل بقيمتها وأهميتها للمجتمع ولا يعلم شيئاً؛ فهو أمّيٌّ يكاد يكون في حكم من هو ليس محلاً للخطاب ومرفوع عنه القلم، لجهله لما خلقه الله من أجله وبعمل هذا الجهاز، وهذا -إن شاء الله- قليل في الأمة. والثاني: صاحب فحشاء ومنكر وفساد، إما قد قبض عليه أو يخشى أن يقبض عليه، فلا بد أن يحتاط لنفسه فيسب ويتكلم!! وابحثوا وفتشوا فلن تجدوا أحداً يخرج عن هذا أبداً، لكن من يعرف دين الله، ويعرف حدود ما أنزل الله على رسوله ﷺ ، وهو بريء من هذه المنكرات، ويتقطع قلبه لها فلا بد أن ينكر. راجعوا: كتاب الاختيارات العلمية لشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية في باب حكم المرتد، فإنه يذكر من أنواع المرتد من يكفر بالله ورسوله أو يجحد شيئاً من الدين، وقال: 'ومن لم ينكر المنكر بقلبه' هذا نص عليه كثير من الفقهاء، فمن لم ينكر المنكر بقلبه بحيث رضيه 'صار كافراً مرتداً' فكيف من يتندر ويتفكه بمن ينكر المنكر؟! هذا ليس براضٍ فقط!! بل هذا معبر عن الرضا في أجلى صور التعبير، وهي المزح والضحك والسخرية!! فقد يكفر الإنسان وهو لا يعلم، نسأل الله العفو والعافية! والصحفيون إنما يتجرءون؛ لأنهم يخدمون أغراضاً خبيثة، وأهدافاً خبيثة يخطط لها أعداء الله في خارج هذه البلاد من اليهود والنصارى؛ والصحافة الأمريكية شاهدة على هذا، وإذاعة لندن، وصوت أمريكا شاهدة على هذا، فمن هناك ينصبَّ الكلام ويلفُّ ويدور حول الطعن في هذه الصحوة، واتهام هذه الصحوة، وضرب هذه الصحوة. حتى قال بعضهم: حزب الصحوة الإسلامية فهل هناك شيء اسمه حزب الصحوة؟! لأن كلمة الصحوة دارجة على ألفاظ الخطباء، فقالوا: هؤلاء اسمهم في السعودية حزب الصحوة. كلنا -والحمد لله- ننتمي إلى هذه الصحوة، والحمد لله ليست حزباً، وليست معارضة سياسية، كما يحاولون أن يصنفوها؛ فهم يريدون أن يصنفوا الدعاة، ويصنفوا الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر على أنهم معارضون سياسيون يريدون الحكم، الله أكبر! ليست الكراسي التي يبحثون عنها؟! أيريدون أن يكون أحدهم وزير تخطيط، وآخر وزير زراعة؟! إنهم لا يفكرون بهذا الكلام. ووالله إن هذه المناصب في مقابل ما أعطى الله تعالى الدعاة والعلماء من الإيمان بالله ومعرفته، والتوقيع عن رب العالمين ، والقيام مقام الأنبياء والله لا تساوي شراك نعل الداعية. وليسمع هذا من يسمع، والله مالها أية قيمة للذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أبداً إلا إذا كانت وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويقوم بها من يقوم -ولا أزكي نفسي ولا إخواني من الدعاة- لكن لا أعلم أحداً يقبل لو عرض عليه منصب من هذه المناصب حتى لو كان في منصب ديني ومفيد، أبداً والله؛ فمن أين جاءت التهم ولا أحد في مجتمعنا يتهم الدعاة إلا مغرض خبيث مخبث. لكن هذه أصداء لكلام الصحافة الغربية والإعلام الغربي الخبيث، الذي يريد أن يفسد وأن يطعن في هذه الأمة، وأن يفرق ما بينها، ويضرب بعضها ببعض، فهذا الذي يريدون. ولذلك يأتي هؤلاء مثل صاحب جريدة السياسة وأمثاله المعروفة علاقتهم وارتباطاتهم وولاؤهم للغرب ولأمريكا، فيتهكمون ويسخرون من الدعاة، حتى يقول أحدهم: أتاني واحد لحيته مثل التيس!! ويمر هذا الكلام، ويطبع في هذه البلاد، وينتشر، ويوزع، ولا عقوبة ولا رادع لاستهزائه بسنة النبي ﷺ ! ولو كان استهزاءً بشخص، أو رجل، أو واحد منا لاحمرت العيون وورمت الأنوف، ورأينا كيف تكون العقوبات، وكيف يكون النكير، ويكتب أكبر عالم في هذه البلاد وأقوى سلطة علمية فيها، وهو سماحة الشيخ عبد العزيز حفظه الله، ويكتب ويكرر الكتابة لمعاقبة هذا الرجل، وحتى الآن لا أدري لماذا لم يعاقب!! فهؤلاء الصحفيون المجرمون ممن ينتمي إلى هذه البلاد ومن كان من خارجها، ومن يطبع هنا، ومن جاء ليدخل صحيفته إلى هنا، وكل من يكتب ضد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هؤلاء صدىً لأعداء الله، ولا يتكلمون من عند أنفسهم، إنما أنا أقول: من يتكلم من أهل هذا المجتمع عن هذا فهو لا يخرج عن الحالات التي ذكرت.

стр. 788

الحسبة وبعض الصلاحيات السؤال لماذا هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تأمر بشيء وتتغاضى عن شيء آخر؛ مثلاً: أمرت بمنع وضع الكراسي في المحلات في سوق الخيمة، لتجلس عليه النساء الكبيرات في السن، وتشتكي وتقول: على ماذا تقعد؟! لأنها لا تستطيع المشي -أقول: من قال لك أن تذهبي إلى السوق يا جدتي؟! - مع أنها لم تأمر بإغلاق أو حتى منع بيع الأفلام والأغاني، مع أن هناك حكماً بتحريمها مع الدخان، فأين الإنصاف في ذلك؟ الجواب الأغاني والفيديو يقال لهم فيها: إنها ليست من اختصاصهم بل من اختصاص وزارة الإعلام!! ولهذا كانت المحاضرة، لتبين أن هذه من اختصاصات الحسبة.

стр. 789

عمر بن عبد العزيز ومعاونوه السؤال ذكرتم أن عمر بن عبد العزيز عمل بالحسبة بنفسه مع بعض وزرائه وجلسائه، نرغب بذكر بعض أسماء وزراءه وجلسائه إكراماً لهم، وليعلم جيل اليوم من الشباب المسلم من هؤلاء الرجال ﵏؟ الجواب لن أجيب بل أريد كل واحد منكم أن يحضر لهذا الموضوع من سيرة عمر بن عبد العزيز به، والكتب عن عمر ﵁ مشهورة موجودة، فلماذا لا تكتبون بحوثاً حتى نعلم من هم هؤلاء الرجال وأدوارهم، وننشرها بين الناس؛ لأن الأمة الآن لا تعرف إلا الممثلين، والمطربين، والراقصين، بل والأمريكيين منهم، فهؤلاء رجال الأمة. ممثل هندي زار مصر فاحتشدت -كما قرأت في الصحف المصرية- الآلاف المؤلفة لتراه وهو هندي. مَن مِن الناس يعرف وزير عمر بن عبد العزيز؟ كم من الناس يعرف من هو العالم الذي أشار على سليمان بن عبد الملك أن يولي بعده عمر بن عبد العزيز؟ كم من شبابنا يعلم ماذا كان عمل ابن عمر بن عبد العزيز مع أبيه؟! لا أحد يعلم، لأننا انشغلنا عن رجالنا وعن قادتنا بهؤلاء الأرجاس الأنجاس.

стр. 790

التنصل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة وجود الحسبة السؤال ما رأيكم في كثير ممن يرون المنكرات وإذا قلت له: لماذا لا تنكر المنكر؟! قال: إنه من شأن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! الجواب هذه قضية نرجو ألا نسمعها -إن شاء الله- وألا تتكرر!! فإن رسول الله ﷺ يقول: ﴿من رأى منكم منكراً﴾ فكل واحد يجب عليه أن ينكر بحسب الاستطاعة، إلا إذا كانت شيئاً عملياً تنفيذياً فنعم، لكن هل معنى ذلك أني أقول: إن هذا يحتاج إلى تنفيذ وإلى عمل من اختصاص الهيئة فأسكت!! لا. بل أخبر الهيئة، وأكتب، وأبين لها.

стр. 791

تعديل نظام الشركات السؤال كثير من الأسئلة عن موضوع ما صدر بخصوص إلغاء بعض مواد نظام الشركات؟ الجواب الحقيقة أنا من النوع الذي لا يسمع الإذاعات نهائياً، فاليوم في الصباح جاءني أحدهم وقال: الجرائد فيها كلام عن نظام الشركات وأحضر لي الجريدة، وإذ مكتوب فيها إلغاء بعض مواد نظام الشركات، لكن لم أتمكن من مراجعتها وهل هي التي تعرضنا لها في المحاضرات الماضية أو غيرها. وعلى كل حال نسأل الله أن يوفق هذه الأمة عامتها وخاصتها للرجوع إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله ﷺ ، وأن يريهم الله الحق حقاً ويرزقهم اتباعه، ويريهم الباطل باطلاً ويرزقهم اجتنابه. ونرجو -إن شاء الله- أن تكون هناك خطوات لإصلاح نظام الشركات بأكمله، ولإلغاء كل ما يخالف الشريعة في النظام الاقتصادي كله، وهو أوسع من الشركات، وأيضاً إلغاء كل ما يخالف ديننا، وشريعتنا في جميع مجالات الحياة صغيرها وكبيرها بإذن الله.

стр. 792

احتساب رجال الهيئة السؤال كثير من الإخوان كتبوا عما يتعرض له رجال الهيئة؟ الجواب نوصي إخواننا في الهيئة أن يحتسبوا الأجر عند الله، فزيادة على احتسابهم قلة الرواتب، والتعب المضني، والسهر المتواصل؛ فنوصيهم أن يحتسبوا ما يقال فيهم؛ فالمسألة احتساب، وصبر، وجهاد لوجهه تعالى، حتى تلقوا ربكم .

стр. 793

العاصي بين الستر والعقوبة السؤال إذا وجد من يشرب الخمر أو يعمل معصية من المعاصي، وهو يستتر به، فهل يجوز تعزيره وتشهيره، أو ينصح ويستر عليه؟ الجواب أما إن كان من الجيران ومن الزملاء في العمل فالأصل أن ينصح وأن يستر عليه، وأما من كان شره متعدياً، كأن يعلم أبناء الحارة كيف يصنعون الخمر، فلا يجوز السكوت عنه؛ والتفصيل لا يتسع الوقت له، إنما المقصود إذا كان يدخل في قوله ﷺ على ما في الحديث من كلام ﴿أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم﴾ ذوي الهيئات ليسوا العلماء، وليسوا أهل الخير والصلاح -كما فسرها بعض الفقهاء- إنما هم أهل الحسب أو النسب أو من له مقام، أن يقال عثرته كأن يخطئ فيفعل شيئاً، فلو عزر وفضح لكان ذلك فضحاً عاماً، فهو ليس مثل أي إنسان عادي يفضح. ويقاس على ذلك الوالدين، أو الجار، أو الصديق؛ فالأولى والأصل هو النصح، بأن ينصح ويستر عليه. فإذا تعدى ضرره أو كان ممن لا يرتدع، لأن من الناس من لا يرتدع وخاصة في الخمر، فهي إدمان، والإدمان حتى من الناحية الطبية قد يصل صاحبه إلى أنه لا يمكن أبداً أن يقلع عن شربه، ولهذا قال بعض العلماء: حديث ﴿وإذا شرب الرابعة فاقتلوه﴾ يعمل به في مثل هذه الحالات، أي في حالة المدمن الذي مهما نهيته فلا بد أن يشرب، فهذا يقتل؛ لأنه قد فسد بالكلية، فليس فيه خير.

стр. 794

إدارة المباحث تدخل ضمن الحسبة السؤال هل إدارة المباحث يمكن أن تندرج تحت الحسبة؟ الجواب المباحث الجنائية تطلق على الشرطة، وقطعاً يمكن أن يندرج عملها في الحسبة، إذا ضبطت الأمور ضبطاً شرعياً وأصلت تأصيلاً شرعياً، ولا نعني التجسس الذي نهى الله عنه، لكن بعض ما تقوم به المباحث، من تحريات وملاحقة المجرمين وما أشبه ذلك، وما يسمونه علم الجريمة، وما أشبه ذلك، هذه كلها من عمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء أدرجت في عصرنا الحاضر ضمن المباحث، أو ضمن الشرطة، أو ضمن المباحث الجنائية، أو أي اسم من الأسماء.

стр. 795

حكم مصادرة البضائع السؤال مصادرة البلدية للبضائع هل هذا عمل صحيح؟ الجواب إذا كان لسبب شرعي فهو صحيح، وإن كان لسبب غير شرعي فهو غير صحيح، وهو من الظلم الذي لا يقر، والنبي ﷺ نهى عن قيل وقال وإضاعة المال، فإضاعة المال وإتلافه من غير مصلحة شرعية لا تجوز، وينكر على البلدية أو على غيرها لكن بطريقة الإنكار الشرعية الصحيحة. ونسأل الله أن يكتب لكم الأجر والثواب، والحمد لله رب العالمين.

стр. 796

الخلاف في أهل الوعيد نفى الشيخ حفظه الله عن المرجئة أنهم يقولون: (إن الإيمان لا يضر معه ذنب)، وبين أن عقيدة الإرجاء من العقائد التي ظهرت في عصور الإسلام المتقدمة، وقد قال أوائل المرجئة بعدم دخول أهل الكبائر النار. كما بيّن وجوب اقتران المحبة بالخوف والرجاء، موضحاً خطر عبادة الله بالمحبة وحدها؛ لأنها تؤدي إلى الزندقة، وخطر عبادة الله بالخوف وحده؛ لأنها تؤدي إلى الغلو في الدين، وخطر عبادة الله بالرجاء وحده؛ لأنها تؤدي إلى الإرجاء.

стр. 797

موقف الفرق الإسلامية من أهل الكبائر الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول ابن أبي العز ﵀ في شرح العقيدة الطحاوية: وأراد المصنف ﵀ بقوله: [ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله] مخالفة المرجئة وشبهتهم كانت قد وقعت لبعض الأولين، فاتفق الصحابة على قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك؛ فإن قدامة بن مظعون شرب الخمر بعد تحريمها هو وطائفة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة:٩٣] فلما ذُكِرَ ذلك لـ عمر بن الخطاب ﵁، اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على استحلالها قتلوا، وقال عمر لـ قدامة: [[أخطأت استُك الحفرة، أما إنك لو اتقيت، وآمنت، وعملت الصالحات، لم تشرب الخمر]] اهـ. الشرح: قال المصنف ﵀: وأراد الشيخ ﵀ بقوله: "ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، مخالفة المرجئة ". لكن هذا القول لم يثبت عن قائل معين من المرجئة أنه يقول: ' لا يضر مع الإيمان ذنب ' كما ذكر ذلك شَيْخ الإِسْلامِ ﵀، ولكن الثابت من مذهبهم هو مسألة حكم أصحاب الوعيد والكبائر، فإن المرجئة أو طوائف منهم يرون أنه يجوز ألا يدخل النار أحدٌ من أهل الكبائر، فما كان دون الشرك فإنه يجوز أن يغفره الله تعالى للناس كافة، فلا يدخل النار أحد من أهل الكبائر، وإنما الذي يدخلها فقط هم أهل الكفر والشرك، وفي معتقدهم هذا يقابلون الخوارج حيث تقول الخوارج: إنه لا يدخل أحد من أهل الكبائر الجنة، وجعلوهم خالدين مخلدين في النار كالكفار المشركين بالله تعالى، أما المرجئة فوصفوا أهل الكبائر بالإيمان والتوحيد، وقالوا: حاشا الله أن يجعل المسلمين من المجرمين والموحدين كالكافرين؛ فلذلك يجوز ألا يدخل النار أحد من المسلمين ولو كان عاصياً. وأهل السنة والجماعة وسط بين أهل التفريط وأهل الإفراط، وأهل الغلو وبين أهل التقصير، فقالوا: يدخل النار قطعاً بعض أهل الكبائر من أهل التوحيد، ويغفر الله لمن شاء منهم فلا يدخلونها، وكل صاحب كبيرة عليه أن يخاف وأن يتوقع أنه ربما يكون ممن لا يُغفر له، لكن النهاية لا يمكن أن يخلد أحد من أهل التوحيد والإيمان في النار، وإنما الخلود فيها لأهل الكفر والشرك، فأهل النار الذين هم أهلها كما بين النبي ﷺ في حديث الجهنميين هم أهل الشرك والكفر، وأما من دونهم فإنهم يخرجون منها. ويدل على ذلك ما تقدم في موضوع الشفاعة من أحاديث كثيرة، ولذلك فـ الخوارج ينكرون الشفاعة؛ لأن هذا الإنكار مبني على مذهبهم الخبيث في مرتكب الكبيرة، فالأدلة الدالة على الشفاعة كثيرة جداً، ومنها حديث الجهنميين الذين يخرجون بشفاعة الشافعين، وكلها برحمة الله وفضل منه، فيخرجون من النار بعد أن لبثوا فيها ماشاء الله أن يلبثوا. أيضاً هناك كثير من الأحاديث الصحيحة الثابتة في دخول أهل المعاصي النار، ومن ذلك الأحاديث الواردة في الإسراء والمعراج وفي رؤيا النبي ﷺ ، حيث رأى الزناة، وأكلة الربا، والذين يأكلون لحوم الناس وغير ذلك. والمقصود هنا هو إجمال المذاهب الثلاثة، وأن فيها طرفين ووسط، وأن أهل السنة والجماعة هم المذهب الوسط، وأما المرجئة فيلزم من قولهم أن من كان من أهل التوحيد فلا يضره ذنب؛ لأنه لن يدخل النار فليفعل ما يشاء.

стр. 798

تأويل الصحابة للنصوص ثم قال: وشبهتهم -شبهة أن الإيمان لا يضر معه ذنب- كانت قد وقعت لبعض الأولين ممن ليسوا من المرجئة، واتفق الصحابة على قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك، فإن قدامة بن مظعون شرب الخمر بعد تحريمها هو وطائفة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات﴾ [المائدة:٩٣]. هذه قصة عظيمة وعجيبة، وفيها كثير من العبر والأحكام العقدية والفقهية؛ حيث إن قدامة بن مظعون وهو رجل من الصحابة ومن السابقين، وقد جاء في سيرته أنه هاجر إلى الحبشة، وشهد بدراً وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وتوفي سنة (٣٦هـ). وكانت هذه الشبهة العظمى التي وقعت له في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وكان له صلة بـ عمر ﵁ فإنه خال حفصة وعبد الله ابني عمر بن الخطاب ﵁، وأخوه هو الصحابي المعروف بـ عثمان بن مظعون الذي دعا له ﷺ برفع الدرجة، حيث قال: ﴿أما عثمان فقد أتاه اليقين من ربه﴾. فهذا قدامة رجل من السابقين والمهاجرين، ولكنه وقعت له هذه الشبهة، وهذا يدل على أن الشبهة العلمية أو الاعتقادية تعرض -مثلما تعرض الشهوة النفسية والجسدية- لأهل الفضل والخير والسابقة، والمعصوم من عصمه الله ، وهذه القصة أوردها كثير من العلماء منهم: عبد الرزاق في المصنف، وابن أبي شيبة، والحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري (١٢/ ٧٠)،. والقصة مذكورة في كتب الفقه عامة كـ المغني وغيره، والمقصود أن هذه الحادثة حادثة عزيزة، حيث ذكر العلماء أن رواية ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: شرب قوم من أهل الشام الخمر، وعليهم يزيد بن أبي سفيان أخو معاوية بن أبي سفيان، وقد كان والياً لـ عمر ﵁ على الشام، وكان قدامة ومن معه يسكنونها، فقالوا هي لنا حلال، وتأولوا هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة:٩٣]. فكتب يزيد إلى عمر بن الخطاب ﵁ يستشيره في شأنهم، فأشار عليه ﵁ وسائر الصحابة بأنهم يستتابوا، فإن تابوا جلدوا ثمانين جلدة -وهي حد الشرب- وإن لم يتوبوا قتلوا؛ لأنهم استحلوا المحرم القطعي، ولذلك نجد عبارة المصنف: ' اتفق الصحابة على قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك '؛ لأن القصة اشتهرت عندهم، واستدعاهم عمر ﵁ واستشار فيهم الصحابة، وعَلِمَها كافةُ الناسِ وأهلُ الشورى وأهلُ الرأي، واتَّفَقَ رأيهم على هذه الفتوى، فأصبحت كأنها إجماع.

стр. 799

كيفية معاملة المتأول والمستحل وهذا يدل على كيفية معاملة المُتَأَوِّلِ والْمُسْتَحِلِّ، فأما المتأول فتكشف شبهته، وكل من استحل محرماً أو وقع في شرك أو بدعة أو محرمٍ بشبهة، فتكشف -أولاً- الشبهة، ويناقش مناقشة علمية، والناس في هذا على نوعين والوسط هو الحق والعدل، فبعض الناس إذا رأوا من فعل ذلك، قالوا: هذا من أهل العلم، أو إمام مشهور، أو صحابي جليل، فلا يفعل هذا الشيء إلا وهو محق، فيقلدونه. وبهذا التقليد ارْتُكِبَ كثيرٌ من المحرمات -نسأل الله العفو والعافية-، وهذه الشبه تقع كثيراً، حتى في موضوع الخمر، فأهل الكوفة وفقهاء العراق يرون أن الخمر المحرم هو ما كان من العنب إذا غلى وقذف بالزبد، وأما ما عداه فهو لا يقاس عليه. ولهذا روى البخاري ﵀ أحاديث كثيرة عن أنس ﵁ وعن غيره من الصحابة أنهم قالوا: نزلت آية الخمر وما في المدينة زبيبة؛ إنما كان فيها التمر ولم يكن يصنع الخمر بـ المدينة من العنب، لكن وقعت هذه الشبهة. فالمقصود أن من الناس من إذا وقعت مثل هذه الفتنة اتبعوا من فعلها، وقالوا: هؤلاء أئمة، وفي المسألة خلاف، ولم يكن الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- على هذه الحالة، ولو أن الإنسان تتبع أخطاء العلماء وتأويلات المتأولين لكان مصيره كما قال بعض العلماء: من تتبع رخص الفقهاء تزندق. فيأخذ من هذا شيئاً يتعلق بالوضوء، ومن آخر شيئاً في الصلاة أو الزكاة أو الصيام، ثم يجمعها؛ فلا يبقى لديه من الدين شيئاً صحيحاً، فيصبح زنديقاً مارقاً، كما ذكر أبو نواس الشاعر الماجن الخبيث لما قال: أجاز العراقي النبيذ وشربه فقال الحجازي كلاهما خمر قال: وقال الحجازي: الشرابان واحد فحلت لنا من بين قوليهما الخمر فيقول: إن فقهاء العراق يقولون: إن النبيذ حلال، وفقهاء الشافعية وأهل المدينة يقولون: قال الحجازي: الشرابان واحد فحلت لنا من بين قوليهما الخمر فهو أخذ من هذا ومن هذا، فقال: بما أن النبيذ حلال كما يقول أهل العراق، ولا يقولون إذا أسكرت حرام، فأخذ منهم أن النبيذ حلال، وأخذ من قول أهل الحجاز أنهما واحد فحكمهما سواء، ثم توصل إلى أن تكون الخمر حلالاً والعياذ بالله، فلا شك أن من تتبع رخص العلماء تزندق واستحل المحرمات. ومن ذلك من يسمون بفقهاء الحيل الذين ابتدعوا الحيل الشرعية، وهي ليست من شرع الله ولا من دينه، كنكاح التحليل وأشباهه مما أطال فيه العلماء، كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀ في كتابه إغاثة اللهفان، فذكر كيفية تلبيس الشيطان على أصحاب التحليل والحيل، فهؤلاء هم الطائفة الأولى. وأما الطائفة الأخرى فما أن يقع من عالم زلة وإن كان صحابياً أو تابعياً، فإنه يسقط من أعينهم بالكلية، ويشنعون عليه، ولا يحفظون له قدراً ولا مقاماً، وهذا جور وظلم وإجحاف.

стр. 800

حكم الصحابة على المتأولين للأحكام وأما الصحابة -رضوان الله عليهم- فإنهم تعاملوا بالعدل الذي أمر الله تعالى به فقالوا: تكشف شبهتهم، وتقام عليهم الحجة، ويُوَضَّحُ لهم الْحَقُّ، فإن استجابوا وعادوا فإنهم يجلدون الحدَّ، وذلك ردعاً لهم ولغيرهم؛ حتى لا يتأول أحد فيما أحل الله أو فيما حرم الله، فيعلم أنه بسبب شربه الخمر لابد أن يجلد، وإن أصر على ذلك بعد أن تقام الحجة وتكشف الشبهة، فإن حكمه في هذه الحالة هو القتل؛ حتى لا يأتيَ أحدٌ فيفتريَ على الله ويشرع في دين الله ما لم يأذن به الله، وهذا مما اتفق عليه الصحابة -رضوان الله عليهم- عليه بالنسبة للفرد. وكذلك الطائفة: إذا كانت طائفة أو قبيلة أو مدينة أو إقليم أو دولة اتفقت وتواطأت على شيء من هذا، فهذه تسمى الطائفة الممتنعة، ينظر فإن كانت لديهم شبهة كشفت وبينت، وإن لم تكن فإنهم يقاتلون على ما استحلوا مما حرم الله ، وقد جاء في المسند: ﴿أن النبي ﷺ لما أخبر عن وفد اليمن أو بعض قبائل من أهل اليمن أنهم لا يتركون الخمر فقال: إن تركوها وإلا قاتلوهم﴾. فلو أن طائفة أو قبيلة أبت أن تترك شرب الخمر، فإنها تقاتل حتى تتركه، وكما ذكر شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ حيث يقول: اختلف العلماء فيمن ترك بعض السنن المؤكدة مثل صلاة الخسوف، فلو تواطأت قرية أو قبيلة، وقالوا: نترك صلاة الخسوف أو صلاة الاستسقاء أو ركعتي الفجر، فهؤلاء قد اختلف فيهم العلماء، فما كان من الواجبات الظاهرة كالأذان لو ترك، أو كان من المحرمات الظاهرة كاستحلال الخمر أو الربا فإنهم يقاتلون. وقد ذكر شَيْخ الإِسْلامِ أنه ورد في بعض السير -أن قبيلة ثقيف أرادت أن تَسْتبقِيَ الرِّبَا، ولا تُحَرِّمَه بالتحريم الذي وصفه النبي ﷺ في خطبة الوداع، وكان الربا من آخر ما نزل من الأحكام، وآياته من آخر ما نزل من القرآن، فتجهز النبي ﷺ لقتالهم. فالمقصود أنه إذا أَصَرَّت على ترك الواجب الظاهر من دين الله أو ارتكاب المحرم الظاهر في التحريم، فإن حكمها هو الاستتابة، وتقام عليهم الحجة العلمية؛ فإن لم يتوبوا فإنه يجب قتالهم، فهذا الذي اتفق عليه الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- بشأن هؤلاء كما يقول المصنف: فلما ذكر ذلك لـ عمر ﵁ اتفق هو وعلي بن أبي طالب. لأنه استشاره بذلك ' وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على استحلالها قتلوا، وقال عمر لـ قدامة: [[أخطأت استك الحفرة]] وفي هذا كناية عن الخطأ في الرأي، ويقصد أنك أخطأت في هذا الرأي، حيث فهمت استحلال الخمر من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات﴾ [المائدة:٩٣] فقال له: [[أما إنك لو اتقيت، وآمنت، وعملت الصالحات، لم تشرب الخمر]] لأن شرب الخمر يتنافى مع الإيمان والتقوى والعمل الصالح، فكيف تجمع بين هذا وهذا؟!

стр. 801

سبب نزول قوله تعالى: [لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ] ثم بين المصنف ﵀ سبب نزول هذه الآية، فقال: وذلك أن هذه الآية نزلت بسبب أن الله سبحانه لما حرم الخمر وكان تحريمها بعد وقعة أحد، فقال بعض الصحابة: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، بين فيها أن من طعم الشيء في الحال التي لم يحرم فيها فلا جناح عليه إذا كان من المؤمنين المتقين المصلحين، كما كان مِنْ أمرِ استقبال بيت المقدس حيث إنه لما حولت القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه﴾ [البقرة:١٤٤]. وبعد أن صلّى النبي ﷺ وأصحابه ثمانية عشر شهراً تقريباً إلى بيت المقدس، وكانوا في حرج شديد، وكان رسول الله ﷺ في حرج من ذلك، ويريد أن يستقبل الكعبة فنزلت هذه الآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة:١٤٤] فتحول الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- وحولت القبلة إلى الكعبة، وكان ذلك أحد العلامات الفاصلة بين المسلمين وبين أهل الكتاب، فأصبحنا لا نستقبل قبلتهم ولا هم يستقبلون قبلتنا، ولا نتبعهم ولا يتبعوننا، فلما حصل ذلك جاء السؤال من بعض الصحابة وقالوا: كيف حال إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ هل تقبل منهم صلاتهم أم لا تقبل؟ فإن الناس كانوا حديثي عهد بالنسخ، ولم يتعودوا أن ينزل أمر من أمور الدين ثم ينسخ، وخاصة مثل هذا الأمر الظاهر المعلوم لدى كل فرد من المسلمين، فقالوا: إذا كانت الصلاة لا تقبل إلى بيت المقدس، فما حال إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إليها؟ فأنزل الله ﵎ تطميناً لهم فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] فصلاتكم إلى القبلة المنسوخة باقية، ولكم عليها أجر كبير؛ لأنكم أطعتم الله في استقبالها، وفي تركها واستقبال القبلة التي أمر الله ﵎ بها، وبهذا يتبين أن من حكم النسخ العظيمة الابتلاء والامتحان للمؤمنين. فالعبد المؤمن دائماً يقول: سمعنا وأطعنا، ولا يقول كما قال أهل الكتاب من قبلنا: سمعنا وعصينا، وهكذا كان حال السلف الصالح -رضوان الله تعالى عليهم-، ومن حكم النسخ تحقيق العبودية، فلو أعجبتك طاعة من الطاعات، لكن الله تعالى يأمرك في وقت معين بطاعة أخرى غيرها لسبب من الأسباب الشرعية، فلا تذهب إلى ما تميل إليه نفسك، بل تتعبد الله فتفعل ما أمر الله به وما أمر به رسوله ﷺ . فالمقصود أن الموضوع الأول هو موضوع القبلة، والموضوع الآخر هو موضوع تحريم الخمر؛ لأنه كما جاء في الصحيح: ﴿مات قومٌ يوم أحد والخمر في بطونهم﴾ وهم من أفاضل الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-، فاستشهدوا في سبيل الله والخمر في بطونهم، فجاء هذا السؤال مرة أخرى عند الصحابة الكرام، فقالوا: ما حال إخواننا الذين ما توا وهم يشربون؟ وروى الحاكم وغيره أن هذا السؤال أثاره اليهود، وهذا لا يستبعد. فتحريم الخمر ليس حدثاً هيناً، بل هو أمر عظيم جداً، فقد أنزل الله تحريمها، وبَلَّغ رسول الله ﷺ ذلك للمؤمنين، فجرت بها سكك المدينة وطرقها، وقال الله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] قالوا: انتهينا، وكلٌ أراق ما عنده، فأصبحت الخمر تجري في طرقات المدينة، كأنها السواقي أو الأنهار الحمراء من هذا الشراب الخبيث؛ وانتهوا لأن الله أمرهم بذلك، فحسدتهم اليهود، وقد حسدوهم عندما تحولت القبلة، فقال اليهود: حرمت عليكم الخمر؟ قالوا: نعم؛ قالوا: فكيف حال إخوانكم الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فأنزل الله هذه الآية تطميناً لهم.

стр. 802

التوبة والمغفرة بين المعتزلة والخوارج وأهل السنة فلما علم قدامة ومن معه أنهم ارتكبوا حراماً، وانكشفت لهم الشبهة، قالوا: الخمر كبيرة، ولن يغفرها الله، فأيسوا من التوبة والرحمة، لأنهم تصوروا الأمر بهذه الفظاعة، والبشاعة، والمؤمن وسط بين الحالين، فلا يستهين بالمعاصي والذنوب، ولا يقنط من ﵀ ﵎، ولهذا لما ندموا ووصل بهم الحال إلى أن يئسوا من التوبة قال: ' [[فكتب عمر إلى قدامة يقول له: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذي الطول﴾ [غافر:١ - ٣] ما أدري أيُّ ذنبيك أعظم، استحلالك المحرم أولاً؟ أم يأسك من رحمة الله ثانياً]] '. فكتب له هذه الآيات من صدر سورة غافر، التي بين الله فيها هذه الثلاث الصفات، غافر الذنب، قابل التوب، شديد العقاب؛ وهناك فرق بين معنى غافر الذنب ومعنى قابل التوب، فغافر الذنب: هو يغفر الذنب لمن يشاء قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. فمن لقي الله وهو مذنب، ولم يتب فالله يغفر لمن يشاء، وأما قابل التوب: فإنه يقبل توبة من تاب وأناب حتى ولو كانت من الشرك، كما ذكر الله في المشركين في صدر سورة (براءة): ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] وفي الآية الأخرى ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]. فالتوبة تكون من جميع الذنوب، أما المغفرة فلا تكون للمشرك أبداً، فإن من مات وهو مشرك فلا يغفر الله تعالى له أبداً، وأما من مات وهو مرتكب ذنوباً من دون الشرك، فهو إلى رحمة الله ومشيئته: إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، كما هو فهم أهل السنة والجماعة، أما المعتزلة والخوارج فإنهم قالوا -حتى يُخَرِّجوا الآية على أصلهم الفاسد-: إنما يغفر الذنوب لمن تاب فَيُرَدُّ عليهم، ويقال: إن الله تعالى وصف نفسه بوصفين مختلفين: غافر الذنب وقابل التوب، فكيف يكون غافراً فقط لمن تاب؟! وهذه الثلاثة الأوصاف لله فهو يغفر الذنب لمن يشاء مالم يك مشركاً، ويقبل التوبة من كل من تاب من أي ذنب. وهو شديد العقاب؛ حتى لا يقول أحد من الناس: (إن الله غافر الذنب وقابل التوب، وبناءً على ذلك سأفعل ما أشاء) وهذا من فقه عمر رضي الله تعالى عنه، فقد كتب بهذه الآية إلى قدامة، ولو أنهم في البداية تذكروا أن الله شديد العقاب، وأنه قد حرم الخمر وسيعاقبهم بها لما شربوها واستحلوها، ولو أنهم في النهاية علموا أنه غافر الذنب وقابل التوب لما قنطوا ويئسوا من رحمة الله .

стр. 803

الانحراف في العبادات فهذا دليل على أن المؤمن لابد أن يكون دائماً بين الخوف والرجاء، كما قال عبد الله بن المبارك رضي الله تعالى عنه وغيره من السلف: "الخوف والرجاء كجناحي الطائر للمؤمن" وللسلف عبارة مأثورة في هذا، قالوا: " من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري ".

стр. 804

من أسباب الزندقة فمن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق. حتى إن بعضهم يسميه العشق الإلهي، كما يقولون عن رابعة العدوية: شهيدة العشق الإلهي، كما ذكر عبد الرحمن بدوي وأمثاله، فهؤلاء يعبدون الله تعالى بالحب فقط، ويقولون: لا نعبده طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره، إنما نعبده محبة لذاته حتى ولو كان مصيرنا إلى النار، عياذاً بالله! ويبنون على هذه المحبة أن الله لا يعذبهم، ويقولون: إن الحبيب لا يعذب حبيبه!! وهؤلاء كما قال الله عمن قبلهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨] فدعوى أن الإنسان إذا أحب الله فإن الله لا يؤاخذه هي دعوى الزنادقة الذين كانوا في القرن الثاني وأول القرن الثالث، ومن تتبع وقرأ سير أئمة التصوف الكبار والمشهورين كـ الجنيد، أو النوري، أو الكرخي، أو ذي النون المصري، لوجد أنهم كانوا متهمين بالزندقة -والعياذ بالله- سواء صحت أم لم تصح؛ لأنهم كانوا يتدينون بهذا الدين، وهو من بقايا الرهبانية النصرانية، وهي مأخوذة عن رهبانية الهندوس، الذين غلوا في المحبة، وادعوا أن الله يحبهم ويحبونه، وإذا فعلوا ذلك فلا حرج عليهم كما ينسبون إلى رابعة: أحبك حبين حب الهوى وحب لأنك أهل لذاكا فأما الذي هو حب الهوى فشغلي بذكرك عمن سواك وأما الذي أنت أهل له فكشفك للحجب حتى أراك فينقلون هذا الكلام عن أولئك العباد الذين اتهموا بالزندقة كما قال أبو داوود ﵀ قال: ورابعة رابعتهم في الزندقة، وكان قد ذكر جابر بن حيان ورياح بن عمرو القيسي وكليباً ً ثم قال: ورابعة رابعتهم على الزندقة، والمقصود أن من عبد الله بالحب وحده أو ادعى ذلك أو زعمه، فإنه زنديق. ومن اعتقد ذلك فقد أزرى بالأنبياء، وقد أزرى بالصحابة الكرام الذين كانوا يعبدون الله خوفاً وطمعاً، والنبي ﷺ كما روى عنه خادمه أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه وهو من أكثر الصحابة خلطة له ﷺ يقول: ﴿كان أكثر دعاء النبي ﷺ : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾، والله تعالى يقول عن أولئك الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَبا﴾ [الأنبياء:٩٠] وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧]. وتفسيرها هو أن أولئك المدعوين والمعبودين الذين يدعوهم المشركون هم عباد يعبدون الله ، ويبتغون هم أنفسهم إلى ربهم الوسيلة، ويرجون القرب، ويرجون رحمة الله ويخافون عذابه سواء كانوا من الملائكة أو من الأنبياء أو من الصالحين، فإذا كان هذا حال المدعوين؛ فكيف يكون حال الداعين؟! فيجب عليهم أن يتوبوا وأن يستغفروا الله ﵎؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم﴾ [آل عمران:٣١]. فمن ادعى محبة الله وجب عليه أن يطيعه باتباع رسوله ﷺ ، وهذه هي آية الامتحان كما قال بعض السلف: [[ادعى قوم محبة الله، فأنزل الله تعالى آية الامتحان ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١]]] فهذا جواب الشرط المقترن بالفاء "فإن كنتم تحبون الله فاتبعوني"، ثم جعل جواب الشرط شرطاً له جواب آخر حيث قال: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. فالمقصود أن محبة الله لا تعطى لكل من زعم أنه يحبه، وإلا فعبّاد الهندوس يحبون الله، وعباد النصارى يتقربون ويدعون ويبكون ويخشعون ويقولون: (نحب الله)، لكن هل الله يحبهم؟ هذا هو الأهم. شرط حصول محبة الله أن يكون العبد متبعاً لرسول الله ﷺ ومؤمناً به، فمن كان كافراً به، ومن كان يدعي الانتساب إليه أو أنه من أمته ولكنه لا يعبد الله كما شرع لنا رسول الله ﷺ فالدعوى باطلة.

стр. 805

منشأ الغلو في العبادة ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري. وهذا هو حال الخوارج، نسأل الله العفو والعافية! فإنهم ضيقوا على أنفسهم، وأخذوا من الدين جانب الرهبة والخوف والترهيب والإشفاق والحذر، وقد تقع شبهتهم لبعض العُبَّاد وإن لم يكونوا على مذهب الخوارج، كعُبَّاد البصرة وغيرهم ممن ذكرهم في كتاب حلية الأولياء أو صفوة الصفوة، حيث كان بعضهم يغلو غلواً شديداً في الخوف من الله مما يؤدي إلى اليأس من رحمة الله. وهذا النوع دخل فيهم أهل التصوف حتى أفسدوا عليهم عبادتهم!! وهذه من الحكم التربوية العظيمة، وهي أن الإنسان إذا غلا في الخوف والرهبة، فإنه قد يؤدي به ذلك إلى الوقوع فيما هرب منه، وحتى يعلم الناس أن الحق مع السنة التي لا غلو فيها ولا جفاء، كما قال الحسن ﵀ في أهل السنة: [[إن أهل السنة لم يذهبوا مع أهل الغلو في غلوهم، ولا مع أهل الترف في ترفهم، وإنما هم وسط بين ذلك]]. فلو رأيت إنساناً مشدداً على نفسه وعلى أتباعه في أمور كثيرة، بحيث يجعل المستحبات واجبات والمكروهات محرمات، فاعلم أنه سيقع في استحلال المحرمات؛ لأن من خرج عن المنهج الصحيح في تهذيب النفس وتقويمها، فإنه لا بد وأن يقع في ضده، فـ الخوارج أول ما ابتدءوا، ابتدءوا بهذا الغلو الذي ذكره النبي ﷺ في أحاديث صحيحة متواترة حيث قال: ﴿تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وقراءتكم إلى قراءتهم﴾ وبعد ذلك جاءهم أناس فناقشوهم، وقالوا لهم: هذه سورة يوسف ذكر فيها العشق، وذكر فيها أن امرأة العزيز راودت نبياً من الأنبياء، وغلقت الأبواب، فقالوا: هذه ليست من القرآن! فكفرت طائفة منهم بسورة يوسف. ومن كفر بحرف من القرآن فقد كفر به كُلَّه، وكَفَّروا الصحابة الكرام، وكانوا بذلك كفاراً، وأدى بهم الغلو إلى أنهم كانوا يقعون فيما كانوا ينفرون منه، كاغتيابهم الصحابة، بل واستحلوا دماءهم، فقتلوا عبد الله بن خبيب وبقروا بطن جاريته، وهو ابن الصحابي الجليل خبيب بن عدي، ثم وجدوا نصرانياً في الطريق فقالوا: لا تخفروا ذمة نبيكم!. ووجد أحدهم تمرة سقطت من نخلة فأخذها، وذهب إلى الأمير وقال: هل يجوز أن نأكلها؟ ففكر وقال: قد تكون من نخل الخراج أو من نخل الصدقة، قد تكون لا، لا، اتركها، فهذا الغلو شر، فالمقصود أن من عبد الله بالخوف وحده فهو حروري.

стр. 806

الإرجاء في عبادة الله بالرجاء ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ. وهو ما حصل لأمثال هؤلاء في القديم والحديث، حيث يعبدون الله تعالى بالرجاء وحده، وهذه ظاهرة عامة عند أكثر المسلمين، فتجدهم يُغَلِّبون الرجاء، لأن النفوس بطبيعتها مجبولة على ترك الواجبات وترك الالتزام بالحلال والحرام؛ لأنها تحب الحرية وارتكاب الشهوات، وقلة من النفوس التي تحب أن تتقيد وهنا يقع الغلو عند هذه النفوس التي تحب القيود والالتزام بها؛ ولذلك تجد أن الناس إذا ذكِّروا بالذنوب والمعاصي والنار، قالوا: نحن برحمة الله، والله غفور رحيم، فهذا مذهب الإرجاء. والمقصود: أن من استحل شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة كالمحرمات المعلومة التحريم من الدين بالضرورة، أو من حرم شيئاً مما أحل الله وأصر على ذلك فإنه يكفر، كما جاء في حديث عياض بن حمار في صحيح مسلم قال: ﴿وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم، وحرمت عليهم ما أحللتُ لهم﴾. فتحريم الحلال كتحليل الحرام كما نص على ذلك شَيْخ الإِسْلامِ ﵀، لأنه لا يُحِلُّ ولا يُحَرِّمُ إلا الله ، إما في كتابه وإما على لسان رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل:١١٦] ومن فعل ذلك فإن كان فرداً فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وإن كانت طائفة فإنها تقاتل، والله قد بَيَّنَ في كتابه حالَ المشركين الذين وقعوا فيما وقعوا فيه من تحريم أو تحليل بغير ما شرع الله وبغير ما أذن الله ، بالنسبة للأنعام والحرث والبحيرة والوصيلة والحام وغيرها.

стр. 807

أولياء الله وأولياء الشيطان بدأ الشيخ حفظه الله بالكلام عن حقيقة الولاية لله وبيّن الفرق بينها وبين الولاية للشيطان، ثم أوضح من هم أهل ولاية الله تعالى، مبيناً حالهم من حيث الدعوة والعلم والعمل، وتحمل الأذى في سبيل هذه الدعوة في أي زمان ومكان.

стр. 808

حقيقة الولاية الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد صَلَّى اللهُ وسلم عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فنسأل الله أن ينفعنا جميعاً بما نسمع وبما نقول. إنَّ أولياء الله هم كما قال الله ﵎: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] فلا يكون الكافر ولياً من أولياء الله، فالكافر هو عدوٌ لله وهو الطاغوت ووليه الشيطان وهم حزبه وجنده وأعوانه، وكذلك لا يكون المجنون أو من يعتريه الجنون في حال جنونه ولياً لله ﵎ كما يزعم ذلك الصوفية الضلال وأمثالهم، وكذلك بالنسبة للصبي ومن لم تبلغه الدعوة. فنقول: إن المقصود والمراد من الآية هو الرد على من يظنون أن لله ﵎ أولياء من غير المسلمين، قد يزارون أو يقصدون في بلاد نائية، أو جبال بعيدة، أو مغارات يذهب إليها بعض الناس، فيجدون بعض العباد والزهاد، ويظنون أنهم أولياء لله وهذا من تلبيس الشيطان وتلاعبه بعقول كثير من الناس سواء من الصوفية أم غيرهم نسأل الله أن يثبتنا وإياكم على الحق والإيمان والسنة إنه سميع مجيب.

стр. 809

الأسئلة

стр. 810

عوام أهل السنة والجماعة هم من الأولياء السؤال هل من الممكن أن يكون عوام أهل السنة والجماعة من أولياء الله، أم لا بد أن يكونوا علماء أو طلبة علم؟ الجواب الحمد لله، من خلال ما تقدم نعلم الجواب إن شاء الله، وهو: أن أولياء الله ﵎ لا يشترط فيهم أن يكونوا علماء أو طلبة علم كما ذكر شَيْخ الإِسْلامِ ﵀. فالأولياء هم من عموم هذه الأمة، فمنهم: التجار، ومنهم الصناع، ومنهم الزراع، ومنهم المجاهدون، ومنهم القراء، ومنهم العلماء، فالولاية: هي إيمان وتقوى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] فكل من حقق الإيمان والتقوى فهو ولي لله ﵎ بالمعنى الخاص، وكل من آمن بالله ورسوله ﷺ فهو ولي لله بالمعنى العام؛ لكن تنقص ولايته بمقدار ما يكون فيه من تقصير أو ارتكاب لما حرم الله، أو تفريط فيما أوجب الله ﵎. والعلماء إنما يفضلون على بعض العوام بأنهم يعلمون ما جاء عن الله ورسوله ﷺ بالتفصيل، وإلا فقد يوجد في بعض العوام من قوة الإيمان والصدق والإخلاص واليقين والرغبة والرهبة والإنابة وكل الأعمال الإيمانية الظاهرة أو الباطنة كما عند العلماء، أو ما هو أكثر من بعض العلماء؛ لكن المزية: أن العلماء يعلمون حدود ما أنزل الله على رسوله تفصيلاً، وهذه لا شك أنها مزية، ولكن لو تجرد العلم من التقوى لم ينفع صاحبه. وكذلك العامي لو عبد الله ﵎ بغير علم بل على جهالة ولم يسأل عن دينه في ضرورات الدين لكي يتعبد بها فإنه لا ينفعه ذلك، فلا بد للعامي من العلم ولو كان عن طريق السؤال كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، والعالم لا بد أن يعمل، وإن لم يعمل بعلمه فلا خير فيه، بل هو كما ضرب الله ﵎ المثل له بقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥]، وهذا من أسوأ الأمثلة. وفي مثل آخر في آية أخرى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦] هذا إذا لم يعمل العالم بعلمه ولم يؤد به علمه إلى تقوى الله ، كما قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]. فالعلماء هم الذين يخشون الله أكثر خشية من غيرهم؛ لأنهم يعلمون ويعرفون عن الله ما لم يحط به غيرهم. إذاً: عوام أهل السنة والجماعة هم من الأولياء، ونستطيع أن نوضح هذا بشكل أكثر فنقول: إن المؤمنين هم الأولياء، وكلمة الولاية من الألفاظ الشرعية؛ فإذا قلنا: الأولياء أو الأبرار أو المتقون أو المهتدون أو المستقيمون أو أهل الجنة أو أتباع السنة أو أي اسم من هذه الأسماء أو الأوصاف الشرعية فالمعنى واحد. إذاً: فالأولياء فيهم العامة وفيهم الخاصة، والمتقون والصالحون والمهتدون منهم العامة ومنهم الخاصة، وهكذا هذه الأوصاف الشرعية تترادف، فعلى ذلك يكون عوام أهل السنة والجماعة من عوام الأولياء، وعلماء أهل السنة والجماعة -أي: العلماء العاملين- هم من خاصة الأولياء أو من علماء الأولياء، ولا إشكال في هذا إن شاء الله.
следующие страницы →