← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الإرجاء في عبادة الله بالرجاء ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ. وهو ما حصل لأمثال هؤلاء في القديم والحديث، حيث يعبدون الله تعالى بالرجاء وحده، وهذه ظاهرة عامة عند أكثر المسلمين، فتجدهم يُغَلِّبون الرجاء، لأن النفوس بطبيعتها مجبولة على ترك الواجبات وترك الالتزام بالحلال والحرام؛ لأنها تحب الحرية وارتكاب الشهوات، وقلة من النفوس التي تحب أن تتقيد وهنا يقع الغلو عند هذه النفوس التي تحب القيود والالتزام بها؛ ولذلك تجد أن الناس إذا ذكِّروا بالذنوب والمعاصي والنار، قالوا: نحن برحمة الله، والله غفور رحيم، فهذا مذهب الإرجاء. والمقصود: أن من استحل شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة كالمحرمات المعلومة التحريم من الدين بالضرورة، أو من حرم شيئاً مما أحل الله وأصر على ذلك فإنه يكفر، كما جاء في حديث عياض بن حمار في صحيح مسلم قال: ﴿وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم، وحرمت عليهم ما أحللتُ لهم﴾. فتحريم الحلال كتحليل الحرام كما نص على ذلك شَيْخ الإِسْلامِ ﵀، لأنه لا يُحِلُّ ولا يُحَرِّمُ إلا الله ، إما في كتابه وإما على لسان رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل:١١٦] ومن فعل ذلك فإن كان فرداً فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وإن كانت طائفة فإنها تقاتل، والله قد بَيَّنَ في كتابه حالَ المشركين الذين وقعوا فيما وقعوا فيه من تحريم أو تحليل بغير ما شرع الله وبغير ما أذن الله ، بالنسبة للأنعام والحرث والبحيرة والوصيلة والحام وغيرها.

стр. 807

أولياء الله وأولياء الشيطان بدأ الشيخ حفظه الله بالكلام عن حقيقة الولاية لله وبيّن الفرق بينها وبين الولاية للشيطان، ثم أوضح من هم أهل ولاية الله تعالى، مبيناً حالهم من حيث الدعوة والعلم والعمل، وتحمل الأذى في سبيل هذه الدعوة في أي زمان ومكان.

стр. 808

حقيقة الولاية الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد صَلَّى اللهُ وسلم عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فنسأل الله أن ينفعنا جميعاً بما نسمع وبما نقول. إنَّ أولياء الله هم كما قال الله ﵎: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] فلا يكون الكافر ولياً من أولياء الله، فالكافر هو عدوٌ لله وهو الطاغوت ووليه الشيطان وهم حزبه وجنده وأعوانه، وكذلك لا يكون المجنون أو من يعتريه الجنون في حال جنونه ولياً لله ﵎ كما يزعم ذلك الصوفية الضلال وأمثالهم، وكذلك بالنسبة للصبي ومن لم تبلغه الدعوة. فنقول: إن المقصود والمراد من الآية هو الرد على من يظنون أن لله ﵎ أولياء من غير المسلمين، قد يزارون أو يقصدون في بلاد نائية، أو جبال بعيدة، أو مغارات يذهب إليها بعض الناس، فيجدون بعض العباد والزهاد، ويظنون أنهم أولياء لله وهذا من تلبيس الشيطان وتلاعبه بعقول كثير من الناس سواء من الصوفية أم غيرهم نسأل الله أن يثبتنا وإياكم على الحق والإيمان والسنة إنه سميع مجيب.

стр. 809

الأسئلة

стр. 810

عوام أهل السنة والجماعة هم من الأولياء السؤال هل من الممكن أن يكون عوام أهل السنة والجماعة من أولياء الله، أم لا بد أن يكونوا علماء أو طلبة علم؟ الجواب الحمد لله، من خلال ما تقدم نعلم الجواب إن شاء الله، وهو: أن أولياء الله ﵎ لا يشترط فيهم أن يكونوا علماء أو طلبة علم كما ذكر شَيْخ الإِسْلامِ ﵀. فالأولياء هم من عموم هذه الأمة، فمنهم: التجار، ومنهم الصناع، ومنهم الزراع، ومنهم المجاهدون، ومنهم القراء، ومنهم العلماء، فالولاية: هي إيمان وتقوى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] فكل من حقق الإيمان والتقوى فهو ولي لله ﵎ بالمعنى الخاص، وكل من آمن بالله ورسوله ﷺ فهو ولي لله بالمعنى العام؛ لكن تنقص ولايته بمقدار ما يكون فيه من تقصير أو ارتكاب لما حرم الله، أو تفريط فيما أوجب الله ﵎. والعلماء إنما يفضلون على بعض العوام بأنهم يعلمون ما جاء عن الله ورسوله ﷺ بالتفصيل، وإلا فقد يوجد في بعض العوام من قوة الإيمان والصدق والإخلاص واليقين والرغبة والرهبة والإنابة وكل الأعمال الإيمانية الظاهرة أو الباطنة كما عند العلماء، أو ما هو أكثر من بعض العلماء؛ لكن المزية: أن العلماء يعلمون حدود ما أنزل الله على رسوله تفصيلاً، وهذه لا شك أنها مزية، ولكن لو تجرد العلم من التقوى لم ينفع صاحبه. وكذلك العامي لو عبد الله ﵎ بغير علم بل على جهالة ولم يسأل عن دينه في ضرورات الدين لكي يتعبد بها فإنه لا ينفعه ذلك، فلا بد للعامي من العلم ولو كان عن طريق السؤال كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، والعالم لا بد أن يعمل، وإن لم يعمل بعلمه فلا خير فيه، بل هو كما ضرب الله ﵎ المثل له بقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥]، وهذا من أسوأ الأمثلة. وفي مثل آخر في آية أخرى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦] هذا إذا لم يعمل العالم بعلمه ولم يؤد به علمه إلى تقوى الله ، كما قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]. فالعلماء هم الذين يخشون الله أكثر خشية من غيرهم؛ لأنهم يعلمون ويعرفون عن الله ما لم يحط به غيرهم. إذاً: عوام أهل السنة والجماعة هم من الأولياء، ونستطيع أن نوضح هذا بشكل أكثر فنقول: إن المؤمنين هم الأولياء، وكلمة الولاية من الألفاظ الشرعية؛ فإذا قلنا: الأولياء أو الأبرار أو المتقون أو المهتدون أو المستقيمون أو أهل الجنة أو أتباع السنة أو أي اسم من هذه الأسماء أو الأوصاف الشرعية فالمعنى واحد. إذاً: فالأولياء فيهم العامة وفيهم الخاصة، والمتقون والصالحون والمهتدون منهم العامة ومنهم الخاصة، وهكذا هذه الأوصاف الشرعية تترادف، فعلى ذلك يكون عوام أهل السنة والجماعة من عوام الأولياء، وعلماء أهل السنة والجماعة -أي: العلماء العاملين- هم من خاصة الأولياء أو من علماء الأولياء، ولا إشكال في هذا إن شاء الله.

стр. 811

لمز الملتزمين بالدين بالجنون السؤال جاء في كتاب كنز الدعاء أن أناساً ذهبوا يستسقون وهناك شخص يقولون: إنه مجنون، فقالوا له: ادعُ لنا، فقال لهم: أتيتم بقلوب أرضية أم بقلوب سماوية، ودعا لهم فنزل المطر! فما التعليق على ذلك؟ الجواب عبارة [يقولون: إنه مجنون] إذن لم يجزم القائل -بغض النظر عن صحة الرواية من عدمها- بأنه كان مجنوناً، ومن يقال له: إنه مجنون، قد يكون من أعقل الخلق، بل إنَّ الملاحظ الآن والمشاهد أن كثيراً من الناس يطلقون على الشباب المتدين المتمسك المستقيم الذي يترك الحرام ويبتعد عن الشبهات والشهوات، ويخاف الله ويقف عند حدوده يسمونه مجنوناً، ولا غرابة فقد قالوا ذلك للأنبياء وحتى لرسول الله ﷺ . فهكذا قالت كل أمة لنبيها إنه شاعر وساحر وكاهن ومجنون إلى غير ذلك؛ فإطلاق مجنون قد يكون تهمة، فربما يكون هذا الشاب أو هذا الرجل من أولياء الله الصالحين المستقيمين قد اعتزل ما عليه أهل هذه القرية من ظلم، وفساد، وفجور، وانحراف فسموه المجنون، فلما أرادوا الاستسقاء والدعاء، قالوا له: ادعُ الله، فدعا الله فمطروا، ولا غرابة في ذلك. فهذا هو الاستسقاء المشروع: أن يدعو من يرى الناس أنه خيرهم أو أبرهم، فكان رسول الله ﷺ يدعو ثم بعد وفاته ﷺ وفي زمن عمر رضي الله تعالى عنه لما خرجوا يستسقون أمر عمر رضي الله تعالى عنه العباس عم رسول الله ﷺ أن يدعو، ثم في عهد معاوية رضي الله تعالى عنه وفي جميع عصور الإسلام من السنن المتبعة أن يكون الداعي ممن يرى أنه من خير الناس وأفضلهم وأتقاهم فيستجيب الله ﵎ دعاءه، ويمطر ويسقى القوم جميعاً، فهذا لا غرابة فيه إن شاء الله. إذاً: لا تعارض مع ما تقدم من أن المجنون لا يكون ولياً؛ لأن هذا قيل: إنه مجنون وليس مجنوناً على الحقيقة، ودليل ذلك: أنه ذهب معهم ولا بد أنه تطهر وصلَّى ودعا فهذا لا يكون مجنوناً؛ لأن المجنون غير مكلف ولا يعي ولا يستطيع أن يقوم بهذه العبادات.

стр. 812

المفاضلة بين أهل السنة وأهل البدع السؤال ذكر شَيْخ الإِسْلامِ في بعض كتبه: أن علماء أهل السنة أفضل من علماء غيرهم، ومتكلميهم أفضل من متكلمي غيرهم، وصوفيتهم أفضل من صوفية غيرهم، أو كما قال رحمه الله تعالى، فماذا كان قصده بذكر متكلمي أهل السنة وصوفيتهم وجزاكم الله خيراً؟ الجواب كلام شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ هذا كان في مقام المفاضلة، وليس في مقام الثناء على المخالفين، فهناك فرق بين مقام الثناء على المخالفين للسنة -فهؤلاء لا يثنى عليهم ولا يمدحون- وبين مقام المفاضلة، ويشرح هذا الكلام أنه قال ﵀: كل خير عند أهل الكتاب أو بقية الأديان ففي هذه الأمة منه أكثر، وكل شر في هذه الأمة أو من المنتسبين لهذه الأمة ففي أهل الكتاب والملل الأخرى منه أكثر ثم نأتي إلى هذه الأمة منها أهل السنة ومنها أهل البدع، فأي شر قد يكون في أهل السنة فهو في غيرهم أكثر منهم، فلو قارنا بين أهل السنة والرافضة الشيعة وهما القسم الأكبر في الأمة، ولهذا يقال الآن: المسلمون سني أو شيعي، ولكن القسمة في الحقيقة ليست هكذا، وإنما هي قسمة بين السنة وأهل البدع، وأهل البدع فرق كثيرة منها الخوارج والمرجئة والصوفية، والفرق هي الاثنتان والسبعون فرقة فلماذا يقال: سني أو شيعي؟ وذلك لأن تخصيص الشيعة بهذا الوصف لكثرة شرهم وفتنهم وبلائهم على الأمة، فجرى العرف على أن الأمة لا تخرج عن أحد هذين الوصفين، ولهذا لا تصلح كلمة سني في مقابل الشيعي، ولا تكون بهذا مدحاً لأنه قد لا يكون شيعياً، ولكنه على بدعة أخرى، وكذلك قد يكون صاحب معاصٍ وفجور وإن كان منتسباً لـ أهل السنة. فاصطلاح أن كلمة سني مقابل كلمة شيعي؛ هذا اصطلاح في الكتب وفي الواقع، فإذا قارنا بين أهل السنة وبين الشيعة؛ فإن عند الشيعة كل ما عند الطوائف من الأوصاف فـ الشيعة فيهم المتكلمون، وفيهم الصوفية وفيهم العباد إلى آخره، وكذلك السنة بهذا المفهوم، فـ أهل السنة بمعنى الذين ليسوا شيعة نجد أن عبادهم خير من عباد الشيعة، وأن متكلمي أهل السنة خير من متكلمي الشيعة، وإن كان أهل الكلام من أهل السنة يعدون مبتدعة. لكن بما أنه ليس متكلماً شيعياً وإنما هو متكلم سني بالمفهوم العام فهو أفضل، فكل طائفة من أهل السنة وإن كان فيها ما فيها من خطأ أو انحراف أو بدع، فهي خير من أهل الرفض والتشيع مهما زعموا ومهما ابتدعوا، فهذا هو المقصود. فمصطلح أهل السنة يطلق بمعنيين: المعنى العام: وهو كل من ليس رافضياً، وقد يقال أحياناً في مقابل أيضاً من ليس معتزلياً محضاً، أو خارجياً محضاً، يعني المتمحض بالبدعة بالكلية، فمن كان على شيء من البدعة أو مقابل هؤلاء يقال: إنه من أهل السنة وإن كان متلبساً ببدعة. أما أهل السنة بالمعنى الخاص وهم الممدوحون والمفضلون، وهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة؛ فهم الذين لم يتلبسوا بهذه البدع، ولم يكونوا على منهج اعتقادي بدعي، وإن وقع منهم شيء من ذلك فيقع على سبيل الخطأ لا على سبيل المنهج المتبع، وإنما يقع منهم خطأ؛ لأنه ليس شرطاً ليكون الرجل من أهل السنة أن يكون معصوماً، فقد يخطئ، لكن هناك فرق بين من يخطئ فيوافق كلاماً لأهل البدع، وبين من يتبع أهل البدع في منهجهم الذي يعلم أنه مخالف لمنهج أهل السنة. هذا الذي يحمل عليه مثل هذا القول، أما أن يفهم منه بعضهم أن أهل السنة فيهم الصوفية وفيهم المتكلمون، وهم يقرون على ذلك وهم ممدوحون وهم من الفرقة الناجية والطائفة المنصورة فهذا فهم خاطئ، وشَيْخ الإِسْلامِ ﵀ بل كل واحد وليس فقط شَيْخ الإِسْلامِ لا بد أن تضم بعض كلامه إلى بعض، فلو أخذت جانباً من كلام أي واحد، فقد يظهر لك أنه خطأ أو تحكم عليه بالخطأ، لكن إذا ضم الكلام إلى بعضه فُهِمَ المقصود. فلو جئت إلى كلام شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ في مواضع أخرى يتكلم فيها عن المتكلمين وعن الصوفية وما فيهم من الضلال والبدع فإنه ينتقدهم ويذمهم، ويعيبهم، ويبين ضلالهم، وانحرافهم وإن كانوا ليسوا من الشيعة، وإن كان بعضهم يدعون أنهم من أهل السنة، فلا بد للحكم على أي إنسان أن تضم كلامه بعضه إلى بعض، وأن ترد المتشابه من كلام أي أحد إلى المحكم، وهذا عام حتى في غير القرآن أو السنة، فالكلام المحكم الجلي بمعنى القطعي وهو النص تحاكم إليه ما قد يشتبه عليك، أما أن تأخذ المتشابه من كلام أي أحد، فبهذا ضل النصارى والعياذ بالله، ويمكن أن يضل به -أيضاً- أي إنسان أو يجور في حكمه على من يقرأ كلامه أو يستمع إليه.

стр. 813

صبر الصحابة السؤال ذكرتم أن الصحابة كان عندهم قوة في تحمل الواردات، كما كان لديهم من الله فتح ما لم يكن لمن كان بعدهم، ولكن كما تعلمون قصة وقوع عمر بن الخطاب مغشياً عليه من إحدى الآيات التي كان يقرؤها في الصلاة فكيف توجهون ذلك؟ الجواب هذا لا إشكال فيه، وإنما المقصود أن من تقرب إلى الله ﵎ وقرأ القرآن وأكثر من تلاوته وأكثر من ذكر الله فإن الله يفتح عليه معاني الإيمان، وتجِدُّ على قلبه حقائق إيمانية، فإذا سمع الآيات من القرآن ازداد إيماناً ويقيناً، وفتح له أمور أو حقائق قد لا يستطيع أن يعبر عنها أكثر الناس، لكنه يجدها في نفسه. وهكذا كلما تفكر المسلم في خلق الله، وكلما ذكر الله، وكلما تذكر الآخرة والموت، وما أعد الله، ازداد إيماناً، وتجلت له حقائق ومعانٍ عظيمة، فمن الناس من يحتملها لقوة أعطاها الله إياه وهم الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- الذين كانوا في جاهليتهم لا يُذكرون ولا يُعدون شيئاً؛ فلما هداهم الله تعالى للإيمان، أحيا الله قلوبهم بهذا القرآن فأصبحت ينابيع الحكمة تتفجر في قلوبهم، ويظهر ذلك في أقوالهم وأعمالهم وسمتهم وهديهم ودلّهم، بما لا يشك عاقل أن هذا من أثر النبوة ومن أثر القرآن. ولهذا لما رآهم أهل الكتاب في دمشق ومصر وغيرها، قالوا: نشهد أنَّ هؤلاء يتخلقون بأخلاق الأنبياء الذين يقرءون عنهم، وهذا فضل من الله عليهم، أن كانت لهم هذه المعاني وهذه الحقائق، فالصلاة -مثلاً- في مظهرها الخارجي يصلونها مثلنا ركوعاً وسجوداً، والقرآن يقرؤنه كما نقرؤه نحن إن كان مجرد أداء حروف، لكن الحقائق الإيمانية التي هي الأساس تختلف عندهم. فإذن أوتوا مع ذلك قوة التحمل، وجاء من بعدهم من التابعين فكانوا إذا وردت عليهم بعض هذه الواردات لا يتحملون، فتجد أن المعنى نفسه لو ورد على قلب أحد التابعين لسقط -مثلاً- مغشياً عليه، أو تأثر، أو قد يصاب بعضهم بشيء؛ لأن بعض الناس قد يصاب بما يشبه الجنون، أو لا يستطيع أن يتحمل، ليس لأنه مجنون، لكنه ما استطاع ذلك، وقد يعتريه ما يفقده صوابه من شدة استشعاره لهذا المعنى. فمثلاً: الوقوف بين يدي الله خمسين ألف سنة فيقف يتذكر هذا اليوم وهذا الهول، فما يستطيع أن يتحمل، كما نشاهد في واقعنا العادي أن بعض الناس قد لا يتحمل أن يرى -مثلاً- منظر قتل أو حد قصاص يقام يوم الجمعة فيسقط، وبعضهم يراه فلا يتأثر، فالله أعطى النفوس قدرات مختلفة في التحمل. فالمهم أن أكمل الناس تحملاً في الجملة هم الصحابة ومن جاء من بعدهم؛ ولا نقول: إنهم أكملهم تحملاً للواردات، ولكن لَوْ ورد شيء مما يرد على الصحابة عليهم، لما استطاعوا أن يكونوا أكمل تحملاً، وعلى سبيل المثال ما نقل عن عمر -رضي الله تعالى عنه- إن ثبت أنه مرض أو حُمَّ أياماً لأنه سمع آيات من سورة الطور أو غيرها -مثلاً- هل هذا يناقض ذلك؟ نقول: لا، لأن هذا حالة عابرة عارضة، وإنما كان كلامنا على العموم، فالإنسان القوي الشديد قد يغلب أحياناً، وقد يضعف أحياناً ولاينافي ذلك وصفه بالقوة والشدة والتحمل. لكن الأصل في ذلك ما كان عليه النبي ﷺ وعامة الصحابة، فقد كان ﷺ إذا قرأ القرآن يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل، كأنه القدر الذي يغلي من شدة ما يفتح الله عليه من معارف وعلوم وأسرار، نحن لا نستطيع أن نعبر عنها بالألفاظ التي نستخدمها، إنما ثمرة قراءة الآيات وتأملها وتفكرها وتدبرها تعطي الإنسان مثل هذه الأمور، ومع ذلك فإنه ﷺ لم يسقط ولم يغم عليه من أجل آية من الآيات، أما الصحابة فقد وقع ذلك لبعضهم -أحياناً- ولا ينافي الحالة العامة، أما في التابعين فكثر ذلك، ثم في من بعدهم. وهذا المشاهد في الصوفية، فقد أصبح الواحد منهم يسقط إذا سمع -مثلاً- آية، أو إذا سمع كلاماً عاماً، بل حتى صار بعضهم من شدة ضعف احتماله ورقة حسه، إذا سمع بيتاً من الشعر يسقط مغمياً عليه، يتذكر الأحباب أو الأوطان أو كذا، ويقول: أنا تذكرت الجنة، أو ينوي بهذا البيت الجنة أو دار المقام هناك؛ فيسقط. وينبغي لنا أن نقتدي بسنة رسول الله ﷺ ، وما كان عليه الصحابة بقدرما نستطيع فنتفكر في آيات الله وفي ملكوت السماوات والأرض، ونكثر من ذكر الله في ملأ أو خالين مع أنفسنا، وفي الحديث: ﴿ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه﴾ فهذا من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ففضل عظيم أن نذكر الله وحدنا، وفي الحديث: ﴿إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه﴾. فيجب أن نقتدي بهؤلاء، ومع ذلك نقتدي بهم في قوة التحمل، فإذا قرأت آيات من كتاب الله وحصلت لك هذه المعاني الإيمانية، فاحمد الله واثبت، ولا تضعف واجتهد أن تكون كذلك من باب: فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إنَّ التشبه بالكرام فلاح وإلا فلن نحصل على ما يرد على قلوبهم من المعاني الإيمانية العظيمة ولن نكون مثلهم في التحمل، لكن فليكونوا هم قدوتنا الذين نسأل الله أن يحشرنا أتباعاً لهم، وفي زمرتهم إنه على ذلك قدير.

стр. 814

دخول الكفار إلى بلاد المسلمين السؤال ما رأيكم فيما ظهر في الأسواق مؤخراً من ألعاب وصور تحمل شعارات الكفر والصلبان والنجمة السداسية وغيرها؟ الجواب لو كنا ندعو إلى الله كما ينبغي لأسلم العالم كله إلا من كتب الله عليه الشقاوة، ومع ذلك كما ترون يأتينا دائماً من يذكرنا بعمل أعداء الله مثل هذه المسألة البسيطة -عند الكثير- هذه نجمة سداسية ملونة بعضها حمراء تأتي في بكلات الشعر، وفي الملابس، يريدون أن يغزونا، إن لم نجاهر بالكفر، فهؤلاء الكفار قبحهم الله، يرضيهم منا أن نتزيا بزي أهل الكفر، وأن نلبس شعار أهل الكفر من صلبان ونحوه، فنحن الآن مغزوون، وأصبحنا مستهدفين من هؤلاء الكفار حتى في الشعائر الظاهرة. وهذه ألعاب على صورة ملونة وجميلة من الممكن أن يجعلها الذي لا يدري بروازاً، ويعلقها، مع أنها وهي صورة كنيسة، والصليب واضح فيها ومع ذلك تدخل البلاد وتنتشر. وأنا أكرر وأقول: لا نقول المؤاخذون هم الجمارك فقط، أو الرقابة فقط، فهؤلاء جزء منا، فالتقصير عام، ويجب أن نعلم ذلك جميعاً. وهناك دعاية واضحة للكنيسة الألمانية الغربية، -فلم يخفوا حتى الكتابة؛ لأنهم أمة تدين بهذا الدين- جعلوا شعارهم الكنيسة، وكتبوا ذلك، فهي بضاعة لها شعار مقصود ومتعمد أن يكون رمزاً لدعوة كنسية، فهل اللوم على صاحب الدين الذي يريد أن ينشر دينه؟ أم اللوم على أهل الإيمان وأهل التوحيد الذين طمع فيهم الطامعون، وجعلوهم هدفاً لنشر دينهم وملتهم؟ ومثل هذه النجوم السداسية التي تأتي على الملابس وتوضع في بكلات الشعر وتوضع في أي شيء فيجب أن نحذر منها؛ لأنهم يبدءون بالشعار ثم ينتقلون إلى الشعائر بعد ذلك. كذلك جاءتني هذه الرسالة وتحتوي على صورة، وعلى رسالة، وهذه الصورة يزعمون أنها للمسيح ﵇، وأتوا بكلام من الكلام الذي نقرأ منه أحياناً -كما لا يخفى عليكم- تقول الرسالة: يا ابني الحبيب الغالي، سلام مني، أنا ملك السلام، أنت لا تعرف اسمي، هذا هو اسمي: عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام، أنا الرب. ولو تتبعتم بشائر النبي ﷺ في الأناجيل لوجدتم أنه هو الذي يدعى مشيراً وعجيباً. لكنهم جعلوا هذه الصفات للمسيح، وأدخلوا معها كلمات إلهاً ورباً وقديراً إلى آخره، وآخر التوقيع بالخط الكبير أنا الرب يسوع المسيح، تعالى الله عما يصفون كما قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥] الإله يأكل الطعام! ومن أكل الطعام فإنه يحتاج إلى الخلاء! لا يمكن ذلك للإله أبداً، ولذلك أول ما أنطقه الله قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾ [مريم:٣٠] لا ألوهية فالله تعالى بيَّن لنا هذا، ولكنهم يزعمون ذلك. والمهم أن ذلك مما في الرسالة ولا نطيل بقراءتها، فالأربع صفحات منها تشتمل على تعليمات، مفادها في آخرها أن يؤمن العبد بأن الرب هو يسوع المسيح، ملك الملوك، ورب الأرباب، خالق الكل تعالى الله عما يشركون، ما أضل عقول النصارى وما أسفه أحلامهم!! وذكر ابن القيم ﵀ في إغاثة اللهفان أن أحد ملوك الهند قال: إن النصارى سُبَّةٌ وعار على الإنسانية عموماً، مع أنه من حكماء الهند وما كان على دين كتابي؛ لكن العقل يرفض أباطيلهم وخرافاتهم فكيف يقولون إنه هو الله والرب، ثم يقولون: إنه ولد ونشأ طفلاً ثم في النهاية صلب وقتل، ويرضى أن أعداءه يتسلطون عليه ويصلبونه. وبعد ذلك يقولون: إنه وهو على الصليب قال: إيلي إيلي لماذا سبقتني؟ ومعناها: إلهي إلهي لم تركتني، لم تخليت عني؟ إذاً هذا عبد مخلوق؛ يقول: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ على كلامهم وإلا فعيسى ﵇ لم يصلب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، والذي صُلب هو رجل شبه لهم أنه المسيح؛ لأن جند الرومان ما كانوا يعرفونه، فلما رفع الله المسيح وألقى شبهه عليه قالوا: هذا هو المسيح فذهبوا به، فهو عبد كأي عبد لله وهو يتأوه على الصليب وعند ما أرادوا قتله كان يقول: يا آلهي لماذا تركتني؟ يدعوا الله كأي إنسان حتى لو كان كافراً يدعو، فهذا الذي يقول: إلهي إلهي لم تركتني؟ يقولون: إنه رب الأرباب وخالق الكل، وأعداؤه سلطوا عليه وقتلوه! تعالى الله عما يصفون! وبعد ذلك يقول: وضعوه في القبر ثلاثة أيام، وبعد ثلاثة أيام خرج، سبحان الله! من كان يدبر أمر السماوات والأرض ويرزق ويعطي ويمنع، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، في خلال هذه الثلاثة الأيام، وهو في القبر وهو فوق الصليب يشكو، سبحان الله عما يصفون!! فالمقصود أن هؤلاء النصارى لا يتورعون، ويرسلون هذه الأوراق إلى أي أحد، وأرسلوا -أيضاً- مع هذه الصورة صورة آخر اللحظات عندما كانوا يضعون الصليب ليصلبوه، وجاءوا بكلام من الإنجيل في ظهرها. وطباعتها طباعة أنيقة كيف أنه في "لوقا" قال المسيح: تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قدرتك، ومن كل فكرك. وكيف أنهم لما سألوه: احضروا شهود الزور، قال رئيس الكهنة: هل أنت المسيح ابن الله؟ فأجابه: نعم، فحكموا عليه بالموت، فيقول: تفرست جارية في بطرس، فقال: إنك مع يسوع، فخاف بطرس، فأنكر يسوع ثلاث مرات. فانظر سخافة العقول، بطرس كبير الحواريين باتفاق جميع طوائف النصارى، ورئيس الحواريين وأكثرهم التصاقاً وقرباً من المسيح ﵇ فينكر معرفته به ثلاث مرات ويتنكر له، ويقولون: إن المسيح قال له قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات فوقع ذلك، فهم يستدلون بذلك على أن المسيح يستطيع أن يعرف أو يعلم ما سيكون أو أخبر بشيء فوقع، ولكن ما هو الذي وقع على فرض أن هذا وقع؟ يقول: لكبير حوارييه وأصحابه قبل أن يصيح الديك تنكرني وتتبرأ مني، فالنتيجة أن هذا لا يصلح أن يكون حوارياً، ولا يصلح أن يكون من المقربين لدى عيسى ﵇، بغض النظر عن قضية دعوى الألوهية. فهذا طعن إذاً في الحواريين؛ لأنه أنكر علاقته به خوفاً من أن يصلب، وقال: لا أعرفه، فهذا ليس من مقامات المدح بل هو في مقام الذم والطعن والتنقص، لكن هؤلاء لا عقول لديهم، إنما القضية عندهم تقليد واتباع، فإذا كانوا بهذه المنزلة وبهذه العقلية وطمعوا فينا، فمعنى ذلك أنهم يتصورون أنه ليس لنا عقول لو آمنا بهذا الكلام الذي لا يقبله عقل. فلهذا قال لهم زويمر: لا تطمعوا أن تخرجوا المسلمين من الإسلام فتدخلوهم في نور النصرانية فهذه درجة عظيمة لا يستحقها كثير من المسلمين، لكن يكفيكم أن تخرجوهم من دينهم، وأن تجعلوا المسلم بلا دين فإن عمل فلشهواته، وإن جمع المال فلشهواته، وإن رضي فلشهواته، وإن غضب فلشهواته في كل شيء، فيكون مسلماً بالاسم لكنه بلا دين. فيكفي من المنصرين هذا العمل وهذه المرحلة الأولى التي يراها المنصرون أكثر ما يُعمل، وهي إخراج المسلم من دينه، والمرحلة الثانية: إدخاله في النصرانية، هذه مرحلة لاحقة فيما بعد. فهم إذن يحقروننا، ولا يرون لنا عقولاً وإلا لما كان سفهاؤهم هؤلاء يطمعون في أن ينصرونا، ولذلك هل طمعوا فينا أيام قوة عقيدتنا وإيماننا؟ والله ما طمعوا بهذا الشكل أبداً.

стр. 815

نظرة الغربيين للإسلام هذا أحد الإخوة الغيورين نسأل الله أن يبارك فيه، وأن يكثر من أمثاله من المقيمين في فرنسا، كتب هذه الرسالة المطولة عن نظرة الغربيين للإسلام، وما جمعه من حقائق حول ذلك، منها: السعي الغربي لتذويب المسلمين فيه باسم الاندماج، ومنها مظاهر العنصرية الدقيقة جداً، وعلى أبسط صورها، ومنها: الجار الغربي واختلافه عن الجار العربي، أو أسلوب التعليم إلى آخر الأشياء التي جمعها جزاه الله خيراً، وتدل على ما يكنه هذا الغرب للإسلام والمسلمين. ولا يخفى عليكم الآن، وكلنا نعلم ذلك أن الغرب الذي يفتخر أنه عرف العدالة والحرية، والمساواة، ومعاني الإنسانية، الآن من إيطاليا إلى أسبانيا إلى فرنسا إلى بريطانيا يغيرون قوانين الهجرة وقوانين الإقامة ليضيقوا على المسلمين، وليسلموا المسلمين إلى من يطلبهم من حكوماتهم، كيف يسلم فلان من أمريكا؟ وكيف يسلم فلان من ألمانيا؟ والقانون لا يسمح، فليغير القانون، فالغرب الذي يفتخر بأنه قانوني أو نظامي وأنه لا يتعدى القوانين والأنظمة، وأنه لا أحد فوق القانون، ولا شيء فوق القانون -كما يزعمون- لكنه يغير القانون، إذا كان في تغييره تحقيق مضرة بالمسلمين أو بمسلم أو بداعية من دعاة الإسلام ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨] والأخص منهم المتسلطون وأصحاب الرأي وأصحاب القرار، وإلا ففيهم لا شك من ينكر ذلك، لكن الأغلب وأصحاب القرار والمتنفذين هم بهذه الصفة كما نسمع هذه الأيام. ومن تشنيعهم وتشهيرهم أنهم ينشرون مثل هذه الصورة المزرية، صورة نوع من القردة، وهو لابس عقالاً عربياً وبيده خرطوش الأنبوبة (البنزين)، يعني أن العربي عندهم وفي نظرهم قرد كالح الوجه يلبس هذا العقال الذهبي، ورأس مالهم هذا البترول، وطبعاً رأس الأنبوبة ليس بنزيناً، إنما هو عملات ورقية، أي: أن أكثر الفئات قيمتها عشرون دولاراً، أو خمسون، فالمهم أن هذا هو العربي أو هذا هو المسلم في نظر الغربيين. فهذه الصورة صورة عادية عندهم، ونجد الآن في المكتبات لديهم أنها تباع ككروت مراسلات طريفة، فيمكن اختيارها وإرسالها إلى زميل، ليضحك إذا رآها ويرفه عن نفسه، وأن هؤلاء هم العرب وهؤلاء هم المسلمون، وقد قرأنا قبل فترة في إحدى الجرائد المحلية مقالاً بعنوان "عاصمة النور" وإذا به يتكلم عن باريس عاصمة النور -كما يسمونها- وهي بلاد الفسق، والدعارة، والكفر، والظلمات، والفجور، فهذه هي عاصمة النور!! فأي نور جاءنا من الغرب؟! ومتى؟ وفي أي مرحلة من تاريخنا جاءنا النور من الغرب؟ ما جاءتنا إلا الحروب الصليبية، وما جاءنا إلا الاستعمار القديم، والآن يأتينا الاستعمار الحديث وهو أخبث الثلاثة، أما النور فما رأينا أي نور على الإطلاق جاء من الغرب، وإنما يسمي الغربيون باريس عاصمة النور في نظرهم، لأن الثورة الفرنسية قامت ونادت بأن الناس سواء، وأن لهم حقوقاً متساوية، وألغت بعض الظلم الموجود، وهذا أمر معلوم عندنا. فحتى العرب في جاهليتهم لم يكن عندهم صورة من المظالم، كتلك التي كانت في أيام الإقطاع في أوروبا، بل كان العربي يأنف أن يستعبده أحد، أو يذله، ويقاتل عن حريته إلا إذا أُسِر فهذا مغلوب على أمره، فالنظام الإقطاعي البغيض الفظيع بمظالمه وظلماته التي كانت في أوروبا، لم نعرفه في جاهليتنا، فما بالك بعد أن منَّ الله علينا بالإسلام، وأنار قلوبنا، وحَرْرْنا العالم بالإسلام، والحمد لله. ولو أنصفوا لعلموا أن الثورة الفرنسية التي لم يمر عليها إلا ٢٠٠ سنة وقليل من السنوات، إن كانت دعت إلى خير أو إلى مساواة أو إلى عدالة، فهي جزء من تأثرهم بالإسلام، ولا شيء غير ذلك، والمسلمون علموهم ذلك، لكنهم ينكرون ويجحدون كل فضل، ويصورونا بهذه الصورة الشنيعة. وحتى لا نظلمهم، فهل يقصدون بهذه الصورة الشنيعة صورة الإنسان المسلم دائماً وأبداً؟ لا ندري ولا نجزم، لكنهم يقصدون أقرب شيء يحتجون به على الإسلام أو على المسلمين وهو واقع المسلمين المعاصرين الآن، فلا نقول: إنهم يريدون بهذه الصورة الصحابة أو الجيل الأول أو الثاني ولا نستطيع أن نجزم، لكن الجيل الحاضر الآن هو الذي تنطبق عليه الملامح وتنطبق عليه الملابس التي صوروها وجعلوها. ولنا دور كبير جداً، في الإساءة إلى أنفسنا وإلى ديننا، وكما قال الشاعر: ومن دعا الناس إلى ذمه ذموه بالحق وبالباطل هكذا قالت العرب في حكمتها: ذموه بالحق وبالباطل؛ لأنه دعا الناس إلى ذمه، فمن يذهب إلى تلك البلاد -وهم كثير خاصة في هذه الأيام، وقد قلنا: ذكِّروا الناس وعِظُوهم من السفر إلى بلاد الكفر- فإنه يدعو الناس إلى أن يذموه، وأن يذموا بلاده، دينه وحضارته وتاريخه بما يفعل من موبقات. إن سكر الغربي قليلاً فيسكر هذا أضعافه، وإن زنا الغربي أحياناً، فهذا لا يذهب إلا ليزني -والعياذ بالله- ولا نتكلم عن الأخيار الذين يذهبون لغرض شرعي محدود، وهذا قليل، ولكن أقصد من ذهب وهذا حاله فهم يتفننون؛ بل نقول: يخرجون عن الحدود المألوفة حتى في الفجور والفساد، والفسق، والكفر، ولدى كل واحد منهم مجموعة من الشيكات أو حزمة من الدولارات، وينفق ويبذِّر ويتلاعب كما شاء، والعالم المتحضر حين يرى هؤلاء تتحسر قلوبهم. ولذلك لا نقول: أين الضمير الغربي عندما يرى أموالنا تهدر، وعندما يأخذ خيراتنا، ويسيطر على كل مقوماتنا، لا نقول: أين ضمائرهم؟ لأننا -يا أخي- نحن سلبناه ضميره، فأي ضمير عنده؟ لو رأيت مجنوناً أو طفلاً أو عابثاً يرمي الذهب ويكسره، أو يقطع الريالات ويرميها، لقلت: أنا آخذها وأستفيد منها، أو أعمل بها مشروعاً خيرياً، أو أي شيء أحسن من هذا العابث اللاعب، فأعمالنا وتصرفاتنا هنالك تغريهم بأن ينسوا ضمائرهم وأن يتخلوا عنها. ثم أي ضمير يبقى مع الحقد الذي تؤججه وسائل الإعلام ليلاً ونهاراً؟ وأي ضمير يبقى مع الدعاية الصهيونية والصليبية العريضة التي تلبس كل جريمة ثوب الإسلام؟ فإذا قبض على مجرم في نيويورك أو في أي مكان قالوا: متطرف إسلامي. فكم مجرماً سمعتموهم قبضوا عليه ونسبوه إلى دينه؟ قبضوا على بعض المجرمين في مصر، مع أنهم جاءوا إلى مصر في عمل تنصيري خبيث، وكان من جملة ما يعملون، أنهم يوزعون مصاحف محرفة فيها تغيير الآيات التي فيها المسيح وغيره، ليوافق دين النصارى ويوزعونها بين الجهال في مصر، واكتشفوا القضية ثم سفروهم وانتهى الأمر؛ وكأنه لم يحدث شيء. ولم يقولوا: إنهم كفار بروتستانت أو نصارى أو كذا، وإنما: مجموعة من الأمريكان، وكانوا كذا، وانتهى الأمر، سبحان الله! حتى الجرائد التي نشرت هذا الخبر ليست من الجرائد الرسمية إنما هي إحدى الجرائد المعارضة -كما يسمونها- الوفد أما نحن فنلبَّس ذلك. حتى إن واحداً منهم في إحدى المجلات الإسلامية انتقد هذا، وكان عنده شيء من العدل، وقال: إن تحميل المسلمين لحادث تفجير المركز التجاري العالمي -جميع المسلمين- ذلك يشبه كما لو أن كوروش حمل النصارى جميعاً ما عمله، وقال: لماذا نحمّل الإسلام؟ ليس من العدل. فهكذا هم، ونحن الذين دعوناهم إلى مثل ذلك، ونشكر الأخ الذي أرسل هذه الرسالة، ونرجو إن شاء الله أن يوافينا بالمعلومات الأكثر؛ لأننا في حاجة أن نعرف هؤلاء ونعرف كيف نقاومهم، وكيف نجابههم، خاصة من فرض عليه أن يقوم هنالك؛ لأن الإخوة هنالك يقولون: كيف نعمل؟ وكيف يمكن أن نقاوم هذا؟ ونحن يجب علينا أن نمدهم بأي شيء نستطيعه، ليدرؤا الشر هناك في منابعه، وليروهم صورة الإنسان المسلم الطاهر التقي العفيف الورع الحكيم الذي لا يسرف في نفقته، وفي ماله، وفي مظهره ولا يقتر، نريد أن يروا الصورة الحسنة للإنسان المسلم، فيسلم منهم كثير بإذن الله، وهذا شيء طبيعي جداً أن يتقبل كثير منهم بإذن الله الإسلام، إن رأوا هذه الأخلاق -أخلاق النبوة-، فمن الواجب أن يكون بيننا هذه الصلة وهذا التعاون.

стр. 816

تسلل الصليب إلى أطفالنا نشرت جريدة المدينة يوم الخميس ٢٥/ ١ / ١٤١٤هـ مقالاً بعنوان " الصليب يتسلل إلى أطفالنا " ونقول: الحرب ضد الإسلام والمسلمين تزداد عنفاً، والأعداء لم يتركوا وسيلة إلا واستخدموها لهدم عقول المسلمين في كل مكان، حتى الأطفال لم يسلموا من هذا الغزو، فشعار الصليب كما هو واضح تم إقحامه على لعب الأطفال في أسواقنا. إن الأمر يحتاج إلى وقفة صادقة لمعرفة المسئول عن هذا التهاون. وهو كما ذكرت، ونشكر الجريدة والأخ المحرر الذي اهتم بهذا، ويجب أن نعلم أن مهمة الإعلام هي حماية العقيدة أولاً، ثم حماية الخلق وحماية كل مصالح الناس أيضاً بعد ذلك، لكن الأساس هو العقيدة.

стр. 817

تنمية المواهب والقدرات السؤال لماذا لا يكون هناك محاضن ومراكز تهتم بأصحاب المواهب والقدرات وتنميها كما هو الحال عند الغرب؟ الجواب أنا أشكر كل الإخوان الذين يتقدمون باقتراحات أو آراء حتى إن بعض الإخوان أحياناً يتقدم باقتراحات ليس لي دخل فيها ولا أستطيعها، فمثلاً: قد يكون هناك اقتراح تعنى به -مثلاً- شؤون الحرمين أو أي إدارة أخرى، فالمهم أن الذي يفكر ويهتم بالإصلاح هذا فيه خير. ولعل هذا الاقتراح إن شاء الله يصل إلى من يهمه الأمر، فينفع الله به، وإن كان -مثلاً- غير عملي أو لا يمكن فعله فأجر من قدَّمه وأيضاً من قرأه يكتب إن شاء الله، فمثل هذا الأخ اقترح اقتراحاً -جزاه الله خيراً- في تخصيص محاضن تعتني بأصحاب المواهب، ويريد تنمية أصحاب المواهب والقدرات، وكيف أن هناك في الغرب الكافر المتمرد على الله، ويرى تكريمهم لأصحاب القدرات وأصحاب المواهب، ونحن أولى بالتكريم منهم، والحكمة ضالة المسلم فأنَّى وجدها فهو أحق بها، فهو يقترح صورة معينة وقد تكون هناك صور أخرى حول قضية كيف نستفيد من هذه المواهب. ولا توجد أمة في العالم لديها من المواهب والطاقات العقلية ما لدى هذه الأمة، وإن شئتم أن أضرب مثلاً على ذلك، فلنفرض أننا وهم سواء -ولا أقصد العنصرية- من الناحية الجسدية والتكوينية، فإننا سنتميز عليهم لأننا لسنا مثلهم لأن الخمر والزنا وفقدان الأم والأب تأخذ من عقولهم وأفكارهم كثيراً جداً، فالطفل عندهم ينشأ بلا تربية أسرية سليمة وبلا تربية اجتماعية قويمة، ثم يدمن على الزنا والعياذ بالله، والفسق، والفساد، والمخدرات، والخمور لسنوات من شبابه، وقليل منهم من يسلم من هذا، أو يسلم له عقله. إن هذا الذي يشتغل بنصف عقل أو بربع عقل وبهذه التربية المنحرفة أنّى يكون أفضل من أمة لديها -والحمد لله- تربية قويمة مهما كان عندنا من خلل، فنحن أفضل منهم من جهة التربية، ومهما كان عندنا في التربية الأسرية من انحرافات أحياناً، فنحن أفضل منهم على أية حال وعلى أية صورة، نحن أفضل من الغرب في الجملة، لا نعني آحاد الناس، ونحن -والحمد لله- نخطط ونفكر بعقل كامل، فكيف يغلبنا هؤلاء. المشكلة أننا نملك طاقات مهدرة ضائعة فمن ينميها ويربيها ويكتشفها؟! هذه هي المشكلة، فالنابغ مظلوم، وأحياناً نقول بلسان الحال إن لم نقل بلسان المقال: لا نريد النبوغ، فلنأخذ مثالاً صغيراً محدوداً: فمثلاً المدرسة أحياناً يكاد المدرس يقول: لا أريد أن يكون من طلابي من يرد عليَّ ويصحح أخطائي، أنا لا أريد طلاباً نابغين، بحيث إنه يكتشف أخطائي ويلاحظ علي، وكلما كانوا وسطاً أو أغبياء كانوا أحسن لي، والمدير -أيضاً- يريد أن يكون المدرسون كلهم -أيضاً- أغبياء أو وسطاً، حتى لا يكون هناك من هو أفضل منه. وكذلك -مثلاً- رئيس إدارة أو شركة لا يريد أحداً أن يأتي برأي أفضل من رأيه، فكأننا نقول: لا نريد النبوغ والنابغين! فيأتي أحدهم برأي جديد كتطوير فكرة معينة، فيقال له: هذا كلام فارغ ولا يصلح! ودع كل شيء مثلما هو! إياك أن تطور شيئاً! وإياك أن تُبدع، أو تفكر، أو تقترح، اتركه كما هو، ودع الأمور تسير مثلما هي، مهما كان فيها من الأخطاء! هذه مشكلة ولا يمكن أن تنهض الأمة وهذا حالها، وهذا شأنها، أما لو فتح المجال للإبداع وللفكر، وقيل لصاحب الفكرة نشكرك يا أخي الكريم مثلاً أو يا بني، أو يا تلميذي، أو يا أخي، أو يا زميلي في العمل على الفكرة، لكن -مثلاً- لا نستطيع أن ننفذها لهان الخطب، لكن مع هذا، فينبغي أن تشكره لأنه فكر. فنحن من ضيق أفقنا، وضيق تفكيرنا أصبحنا نضيق وننفجر بالضحك بمجرد معرفة الاقتراح وأنه لا يوجد بل ولا نريد تغيير، بل ربما يصل الأمر إلى الاتهامات وتركب على الشخص ألف تهمة، فنقول لهؤلاء: إن لم يعجبك الاقتراح -على الأقل- فلا توجد مشكلة، اسمعه وافتح صدرك له ولغيره من الناس، وفكر بعقل غيرك لا بعقل واحد تريد أن تسيِّر عليه كل الإدارة. ولذلك الغرب الخبيث الكافر المارد، وبالذات أمريكا تفوقت على غيرها لأنها لا يهمها أن يأتي هذا العقل من أي بلد، اذهب إلى مستشفياتهم ومؤسساتهم، تجد الصيني والهندي، والأفريقي، والمصري، والتركي، والياباني، والألماني، وكل جنس تجده في أمريكا في الأمور المهمة الحساسة القوية العميقة، سبحان الله! لم يُنَمِّ المواهب التي عنده فقط، بل يشتري العقل من أي مكان، ويغريه بأعظم الإغراءات، وأي طالب يأخذ الامتياز، ويتخرج بدورة الامتياز، فيحق له أن يأخذ الإقامة الدائمة، ويبقى عندهم لأنه أخذ الامتياز. ونحن نستغرب من تلك الأمة تريد أن تتفوق، وتحرص على الامتياز، وعندها من أبنائها من يكفي ومع ذلك أعطت المجال لقير أبنائها أيضاً، لأنها تريد أن توظف هذه الخبرات لها في باطلها وفي كفرها وفي كبريائها وفي تسلطها على عباد الله، فنحن أولى بذلك. فالمهم أنه اقتراح جيد ونشكر كل أخ يحاول أن يقترح ليطور الدعوة، ويحرك التطوير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي النواحي العلمية، وفي المجالات التربوية، وأكثرنا له علاقة بالأمور التربوية إن لم يكن مدرساً فبدعوته، فكل داعية هو مربٍ إلى أن يطور فكره لكي يعمل أفضل. والحكمة ضالة المؤمن فعسى أن يفتح الله ﵎ عليك بأمر، وكم من أفكار عظيمة تتبناها مجالس عليا أو قيادية انبثق أصلها من فكرة إنسان عادي جداً طورها ونقحها، ثم قدمها إلى من أضاف إليها أو عدل فيها حتى صار لها قيمة وفائدة.

стр. 818

وثيقة جون ميجور هذه الوثيقة لـ جون ميجور تكلمنا عليها فيما مضى، فالنص الإنجليزي موجود، ولا نجزم بالنص، ويمكن أن نقول: إن الوثيقة مزورة، فنحن لا يهمنا أن نجادل أنه كتب هذا الكلام أم لا، لكن هل لهذه الحقائق واقع أو لا؟ هذا الذي يهمنا. ما قيل في هذه الوثيقة هو حقائق واقعية وهذه مجلة المجتمع وغيرها نشرت هذا وهو منشور أصلاً في صحيفة ليليان البسنوية، والمصادر التي نسبت إليها هي مصادر إسلامية استطاعت أن تصل إلى هذه الوثيقة، فعلى أي حال هذا جزء مما تحدثنا عنه آنفاً في أن العدو عدو ولا تلمه. وهذا عمر أبو ريشة عندما قال: لا يلام الذئب في عدوانه إن يكنِ الراعي عدو الغنم وهي قصيدة معروفة بعد الهزيمة التي يسمونها النكسة أو النكبةومطلعها: أمتي هل لك بين الأمم منبر للسيف أو للقلم فلا تلمِ الذئب؛ لأن الذئب إنما خلقه الله، وكانت له تلك الأنياب والمخالب ليفترس، وإنما المشكلة فينا نحن أننا فرطنا، وجعلنا أمتنا فريسة لهؤلاء في البوسنة أو في أي مكان.

стр. 819

القرارات الدولية والكيل بمكيالين وفي الصفحة الأخرى من مجلة المجتمع نقرأ تأديب عيديد وتدليل كراديتش. وهذا شيء عجيب جداً أن نتعاطف مع عيديد، وعيديد علماني مهما قال: الإسلام أو الجهاد، فالمصلحة بالنسبة له هي نفعية، ولكن حتى على معيارهم هم، لماذا هذه المعاملة غير المتوازنة؟ فهذا يجب أن يقبض عليه ويؤدب وأن يفعل به وهو في بلده، وأما ذلك فيخالف القرارات الدولية، والشرعية الدولية والإجماع الدولي ويتحدى الجميع، ويدلل، فكل مرة تأتي خطة أفسد وأضعف مما قبلها، وتعطي الفرصة. لكن قضية المسلمين في البوسنة والهرسك تثير العجب، ولو تأملت أي نشرة أخبار أو تصريح غربي، أو أي كلام على ما سوف يفعلونه، لوجدت فحوى الكلام دائماً كالذي يقول: أيها الصرب عجلوا عجلوا ما فعلتم شيئاً، انتهوا سوف نعقد مؤتمراً، نجعل كذا، ونجمع كذا، ونقرر. كل هذا وكأنهم يقولون للصرب: هل انتهيتم من المسلمين؟! فيقولون: ليس بعد، فيقولون: حسناً نغير الخطة، ويدعون المسلمين إلى خطط أخرى ومؤتمرات، ثم يقولون بلسان حالهم: هل انتهيتم منهم أيها الصرب، فيقولون: تبقَّى القليل، فيدعونا الغرب من جديد إلى مؤتمرات وحلول وخطة أخرى وهكذا، ونحن المسلمين لا نعمل شيئاً إيجابياً. إن مشكلتنا من أنفسنا، والله تعالى قال عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]، فمشكلتنا في البوسنة والهرسك من عند أنفسنا. وليست المشكلة وليدة الآن، فعندما دخلت الجيوش التركية فاتحة، وفتحت تلك البلاد، بدأ الخطأ من تلك الأيام، فالحرب بين الصرب والترك قديم، وتدخل الإنجليز والأوربيين فيه قديم، ولو قرأنا تاريخ البوسنة فسنجد العجب كله، وإن ما يدور الآن هو صفحة من ماض، على وتيرة واحدة، وعلى منوال واحد، وعلى منهج واحد، والسبب فيه هو نحن أصلاً. فلم يدخل العثمانيون والأتراك فاتحين مسلمين بالمعنى الكامل الصحيح، إنما كانوا يقاتلونهم فإذا غلبوهم دعوهم في الجملة إلى الإسلام، وإلا بقوا مسيطرين عليهم بالقوة، ويقي أولئك على دينهم. وإلا فـ اليونان والبلقان ويوغسلافيا هذه الجمهوريات وما حولها وجزء كبير من الدول الشرقية ورومانيا كلها دخلها العثمانيون فاتحين، فلو نشروا العقيدة الصحيحة واللغة العربية وأدخلوا الناس في دين الإسلام، لكانوا مسلمين جميعاً. حكومة مسْلِمة تحكمهم (٤٠٠) سنة ثم تخرج عنهم، فإذا بالمسلمين أقلية!! نحن أصلاً ما كنا حملة عقيدة، ولا حملة رسالة بوعي. صحيح أن الدولة العثمانية كانت دولة قوة وجهاد لا ينكر ذلك أحد، والحمد لله أنها دفعت شر أوروبا فحولت المعركة من بلاد الشام ومصر، إلى أن صارت المعركة في قلب أوروبا نفسها، وهذا لا شك عمل كبير. لكن المشكلة أن الجهاد بلا عقيدة ولا علم ولا فقه لا يصلح، لا للأمم ولا حتى للأفراد. فالجهاد لا بد أن يكون على عقيدة وعلى علم، وعلى معرفة تفصيلية بما أنزل الله ﵎، كما جاهد النبي ﷺ وجاهد أصحابه، فيفتحون البلاد وإذا بهذا البلد المفتوح، يفتح الله قلوب أهله، فيدخلون في دين الله أفواجاً، ويأتون إلى هؤلاء الرجال الأخيار يتعلمون منهم الدين، ثم ينشرون هم الدين، ويصبحون مجاهدين ولكن قوة الحديد والنار والسيطرة العسكرية وحدها لا تدوم إلى الأبد، وهذا ما وقعت فيه الدولة العثمانية من خطأ كبير. فلما جاءت الشيوعية وجاء تيتو صديق العرب!! وانظروا من أصدقاؤه من العرب: جمال عبد الناصر، وحزب البعث، وأمثالهم ممن بعضهم باقٍ وبعضهم أهلكه الله. وتيتو هو الذي قتل المسلمين في يوغسلافيا، ومحا معالم الإسلام أيضاً. كوشيجين وخرباتشوف واستالين الذين فعلوا بالمسلمين ما فعلوا في روسيا. ونيريي الذي قتل المسلمين في زنجبار، ونهرو الذي فعل بالمسلمين في الهند وما حولها ما فعل، ومكاريوس الذي قتل المسلمين في قبرص، وأعداء الإسلام جميعاً كانوا كلهم أصدقاء للقومية العربية. فالمقصود من الحديث أن ما بنا فهو من عند أنفسنا فعلاً، فقد صادق القوميون العرب أعداء الإسلام، وأعانوا على قتل إخوانهم المسلمين، وأمدوهم بالمال وبكل أنواع العلاقات. وأبيد من المسلمين من أبيد، وفرقوا ومزقوا، ثم لما ذهبت الشيوعية وتهاوت -لا ردها الله- وأخذ المسلمون يبحثون عن الذات، والعالم كله بدأت فيه عودة إلى الدين، أراد المسلمون أن يرجعوا إلى دينهم، وقامت لهم دولة اعترف بها العالم، فكانت المأساة وبدأنا ندفع ضريبة قرون وعقود من المآسي والجهل والانحراف والضياع. وأحدنا يتعجب من الكروات! لم يصمدوا أمام الصرب ولا ساعات، والمسلمون الآن سنة وهم صامدون شيء عجيب، وهم بهذا الضعف وفيهم هذا الانحراف وهذا الخلل، وهذا القصور، وهذا التمزق، فلو أننا أمة مؤمنة حقاً، لكان من يقاتل الآن في البوسنة في إمكانه أن يهزم أكبر جيش أوروبي، وأن يفتح أوروبا بإذن الله؛ لأن قوتنا نحن في عقيدتنا وفي إيماننا، كما قال عمر ﵁: [[إنما يغلب المسلمون أعداءهم بتقواهم وإيمانهم، وبكفر أعدائهم، فإذا استوينا نحن وهم في المعصية، كان لهم فضل علينا في القوة]]. فسبحان الله! انظروا هذا الصبر العجيب للبسنويين الآن وهذا الصمود وأحياناً تتحقق لهم انتصارات، وهم في أول طريق العودة والأوبة إلى الله، وهذا هو السر المزعج الذي يزعج الغرب، ويجعله يفقد توازنه. فنجد أن كراديتش مجرم الحرب قد قتل من جنود الأمم المتحدة قرابة (٥٠) فرداً، ويمنع قوافل الأمم المتحدة من المرور ويطلق عليها النار كل يوم، ومع ذلك يتنقل بين عواصم العالم ويستقبل كزعيم يقابله الممثلون الدوليون وكأن شيئاً لم يكن. وهذا عيديد عندما قتل مجموعة من الباكستانيين، هرب الأمريكان، فصار المسلم يقتل المسلم ولم نستفد شيئاً، لكن مع ذلك لم يقتل عيديد جنود الأمم المتحدة، فإذا به يضرب ويُدمر، وأصبح يُقْتل حتى العوام في الصومال، وحتى المستشفى يدمر؛ لأن النار أطلقت على جنود الأمم المتحدة، والذين في البوسنة أليسوا جنوداً للأمم المتحدة، فانظر كيف المعيار. إن أعداء الدين يعرفون خطر هذا الدين، وأن خطره عليهم يكمن في العقيدة وفي الجهاد وما يسمونه الأصولية والتطرف، فعندهم هيبة ورعب يقذفه الله تعالى في قلوبهم، كما قال ﷺ : ﴿نصرت بالرعب مسيرة شهر﴾ وهذا ليس لشخصه ﷺ فحسب بل لجيوشه ولكل من يدافع لنصرة دينه، وذلك مثل ما جاء في الحديث ﴿وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً﴾. هذا أيضاً من آيات الله ومن فضل الله ومن مزايا هذه الأمة وتفضيل النبي ﷺ فهو له ولهذه الأمة كلهم. والمقصود أن هذا جانب من جوانب الرعب الذي ألقاه الله في قلوب الأعداء. كما أنهم يمتلكون قوة حقيقية غريبة لا يستطيع الكفار أن يواجهوها، وإلا فلماذا يذهب الشاب المسلم إلى أمريكا ويدعوا إلى الله على نافلة الوقت، ولا يرجع بإذن الله إلا وقد أسلم على يديه مجموعة من هؤلاء، وعن رضا وطواعية واختيار ومحبة في للدين، ويصبح قلبه وولاؤه إسلامياً، سبحان الله! وهم يبعثون آلاف المنصرين من أجل هذا، ومن تنصر فهو لجهله صحيح أنهم ينصرون بالملايين ولا نقلل من أهميتهم، لكن لا يستطيعون أن يملكوا قلبه وشعوره ولبه، فسبحان الله! فرق كبير بين الأمرين، وإن كان في الظاهر أن هناك نجاح. إذاً هذا الدين سره العجيب أنه حق، وأنه من عند الله ، وأنّ الله تكفل أن يظهره على الدين كله ولو كره المشركون. ولكن مهما أيقنوا أن الله مظهر دينه فإنهم لا يكفون عن محاربته بأنفسهم أو بعملائهم أو بأجهزتهم، فأي شيء أنت تراه عادياً جداً يخيفهم؛ لأن أهل الباطل دائماً يخافون من الحق. فلو أن عصابة اجتمعت من أعتى الدهاة فكرياً وسرقوا مالاً لأحد، ورآهم طفل، لظلوا يخافون من هذا الطفل الصغير أن يتكلم عليهم ويدلي بأوصافهم لأنهم على فجور وباطل، وذلك الطفل على حق، فلذلك نحن مهما كان ضعفنا؛ فإنهم يخافون من أي عمل نعمله، ويخافون من أي داعية يدعو، ومن أي كتاب، ومن أي فكرة وإن كانت صغيرة، يخافون منها؛ لأنها حق، وهم يعلمون أنهم على باطل. فمن هنا نعرف أن أول وأهم غرض يجب أن نسعى إليه هو أن نزرع هذه العقيدة والإيمان والولاء والبراء في نفوس هذه الأمة، فالعقيدة ليست كلاماً مجرداً ونظريات مجردة. بل لا بد أن تظهر العقيدة عملياً في صورة الولاء والبراء، بأن توالي من والى الله ورسوله، وتعادي من عادى الله ورسوله، وتعلن ذلك وتجتهد فيه. ومن هنا يجب أن نعلم أن أي حدث يقع في أي بلد من بلاد المسلمين لا يصح أن يفسر بأي تفسير، ولا ينبني إلا على أصل العقيدة والطاعة والمعصية. والقاعدة التي علمنا الله ﵎ إياها في كتابه وعلمناها رسول الله ﷺ أن هذه المصائب، وهذه المحن وتسليط أعداء الله علينا، لا تفسر إلا بمعصيتنا لله لنرجع إلى الله، كما قال النبي ﷺ : ﴿إذا تبايعتم بالعينة واشتغلتم بالزرع وأخذتم بأذناب البقر وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا

стр. 820

النقل الجماعي والشريط الخبيث السؤال نرجو من فضيلتكم توجيه نصيحة لشركات النقل الجماعي التي توظف عمالاً أو سائقي باصات من النصارى، وقد وجد مؤخراً شريط يباع في عدة تسجيلات يحمل الكثير من الخبث ويباع بريال واحد؟ الجواب هاتان قضيتان الأولى تتعلق بشركة النقل الجماعي، وقد بلغنا أن بعضاً من الحافلات قد يكون السائق فيها نصرانياً، ويفتح المسجل ويضع فيه شريطاً تنصيرياً. وبعض الحافلات على الطريق الطويل فيها تلفزيون أو فيديو وتعرض أفلاماً غير لائقة، فهذه بعض الملاحظات على النقل الجماعي، نرجو التأكد منها والتثبت من ذلك، وعلى أية حال فالمهم أن التناصح واجب بيننا وبينهم. وأنصحهم بنصيحة أخرى وهذه منذ زمن وأنا أتحين الفرصة لها، أن شركة النقل الجماعي توظف في بعض ورشها، أو في كثير منها النصارى، وأسوأ من ذلك أن بعضهم إذا أسلم، فإنه لا يعامل المعاملة اللائقة، فلعل هذا الصوت يصل إليهم إن شاء الله، ولعل من فيه غيرة منهم -ونرجو أن يكونوا كثيرين إن شاء الله- أن يهتم بهذا الموضوع. والموضوع الآخر يقول الأخ: إن هذا الشريط كما ترون وهو شريط مغلف وملون بشكل جميل، يبدو أنه باللغة التركية -والله أعلم- يقول: وهذا الشريط يباع بريال واحد في تسجيلات -ذكر اسمها- وهو من أقبح الأشرطة، وهو وسيلة لمحاربة دين الله. علماً بأنه لا توجد أي تسجيلات إسلامية تبيع بهذا السعر، كيف يعقل أن تكلفته وتسجيله ريال واحد؟! إذاً الأشرطة مدعومة، ولها أغراض خبيثة، أو وراءها ما وراءها، وإلا كيف يكون بريال واحد لاغير؟ كل واحد يحللها بما يشاء. والمقصود هذا الخبث والخلاعة، والفجور، والتنصير وبريال، هذا ريال للمفرد، والذي يأخذ بالجملة، فبكم سيكون؟ معنى ذلك أن هناك أيادٍ خبيثة تريد أن تهدم الإسلام والعقيدة الصحيحة، ولنفرض أنه لا يشتريه أو لا يسمعه إلا من يفهم هذه اللغة -إن كانت تركية أو أي لغة- أليس من الواجب علينا- وهؤلاء بين ظهرانينا- أن نعلمهم العقيدة الصحيحة وندعوهم إلى الله. كم عندنا من الدروس باللغة التركية في جدة؟، لا أعرف درساً، مع أن الأتراك في جدة بالآلاف، فانظروا المطاعم، وهناك شركات كثيرة وغيرها ولا يوجد درس واحد لهم! إذاً فنحن قد تركناهم فريسة لهؤلاء، فيأتي هؤلاء بهذه الأشرطة، وأشرطة الفيديو أخبث، ومجلات تأتي من تركيا أخبث، وليست تركيا وحدها، هذا مثال فحسب، وهناك أيضاً الفلبين وتايلاند وعندك من هم أشد، ونحن المقصرون في هذا الواجب، نسأل الله أن يوفقنا لتلافي ذلك، وأن لا يجعل حديثنا دائماً على سبيل أن نلوم أنفسنا أو بعضنا يلوم بعضاً، نريد أن يدفعنا كل ما يأتي من هذه الأمور للعمل، فلنفكر جميعاً على الأقل فيما نستطيع. أنا آخذ كتيبات باللغة التركية، وأعطي صاحب المطعم الذي بجواري في الحي، واشتري منه، إن كان يفهم اللغة العربية أيضاً أكلمه بها. وبالمناسبة -أيضاً- لو كان عندكم بعض الكتب عن الرافضة أو عقائدهم فاعطوهم إياها؛ لأن كثيراً من الأتراك المتكلمين باللغة العربية، والذين يعملون بالمطاعم والمسالخ هم نصيرية علوية، فهم من أقبح أنواع الرافضة من جنس النصيرية الذين في سوريا. إذاً لا بد أن ندعوهم إلى الله ونعرفهم العقيدة الصحيحة، وإلا حرمت ذبيحتهم علينا وأكلهم وطبخهم، ولا ندري فهم -أيضاً- يتعمدون أن يفسدوا علينا شيئاً من ذلك. وللأسف أن المرء منا يأتي بالعمال أياً كانوا، فيهمه أنهم متميزون في نظره ويقومون بالواجب في الشغل، ولا يسأل عن دينهم ولا عن عقيدتهم، وأيضاً الزبائن من أمثالنا، يهمه أن يشتري ويمشي، ولا يفكر كيف يدعوهم، وهكذا نصبح نحن المقصرين بكل حال، ونحن مسئولون بأي حال. هذه العبر سواء ما يتعلق منها بالواقع العالمي، أم بالواقع المحلي، أم ما نراه من مثل هذه النشرات والأشرطة والدعايات والبضائع، وكل هذه تذكرنا أن عقيدتنا مستهدفة، وأن الواجب علينا أن نحافظ عليها، ولا يكفي أن نقول -الحمد لله- نحن مسلمون وطيبون وموحدون ونحن ما قلنا: إننا مشركون، لكن قد ننسى هذا ونضيعه، وقد نصير إلى حالة، كما ذكرها الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] شَعَرَ أو لم يشعر. تنتشر شعائر الكفر وتنتشر معالمه وتنتشر دعاياته، ويحبب إلى نفوس الناشئين من الأجيال، غير ما في البث المباشر ومصائب الدشوش وغير ما في الصحف وغير ما في الإعلام الذي أصبح مفتوحاً للعالم كله، ونحن ما قمنا بالواجب لا في المسجد، ولا في الإدارة، ولا في العمل الذي نعمل فيه. فبارك الله فيكم اجتهدوا في هذا، ولا تملوا أن يكرر عليكم هذا الكلام؛ لأن الأعداء يستفزوننا كل حين، والشيطان عدونا يعمل كل حين، فيجب أن نذكر أنفسنا أيضاًَ، ونعمل كل ما نستطيع، ولا يقول الواحد منا: إنه لا يستطيع أن يتكلم أو يعظ. فمثلاً خذ كتاباً أو نشرة أو شريطاً وأعطه من يستفيد منه. نسأل الله أن يوفقنا وإياكم إلى ما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من الدعاة إليه على منهج رسوله ﷺ إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.

стр. 821

لماذا نستدعي أمريكا ؟ تحدث الشيخ حفظه الله عن الحرب المستعرة في الخليج العربي، ذاكراً الأسباب المؤدية إلى ضعف الأمة وتكالب الأعداء عليها، مبيناً واجب الأمة الإسلامية في ظل هذه الأحداث، ثم ذكر مخططات الغرب واستعداده وجمع جيوشه وحشوده الهائلة لهذه الحرب، وتحدث عن استمرار الحروب والعداوة مع الروم إلى قيام الساعة، موجهاً نداءه لشباب الإسلام داعياً إياهم إلى إخلاص التضرع واللجوء إلى الله، والإعداد الصحيح لمواجهة الأعداء.

стр. 822

مفاجأة الأحداث الحمد لله القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١]، والقائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد القائل: ﴿إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، واشتغلتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم﴾، وعلى آله وأصحابه والتابعين، الذين جاهدوا في الله حق جهاده، ولم تأخذهم في الحق لومة لائم، أما بعد: أهمية الموضوع: فيأتي هذا الكلام، في ظروف حرجة، وفي أزمة صعبة تعيشها الأمة الإسلامية من أقصاها إلى أدناها، وفي فتنة تدع الحليم حيران، ولكن ماذا عسى أن يفعل المؤمن؟ وماذا عسى أن يفعل طالب العلم وطالب الحق إذا عرف شيئاً من الحق وفتح الله بصيرته له؟ ليس إلا أن يبلغه؛ ليكون من الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه، ولا يخشون أحداً إلا الله؛ وذلك عملاً بقول النبي ﷺ : ﴿الدين النصيحة﴾، وكما كان النبي ﷺ يبايع أصحابه؛ فقد بايعه جرير بن عبد الله ﵁ ﴿على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم﴾. إذاً: فلابد أن تقال النصيحة، ولابد أن تقال كلمة الحق لهذه الأمة التي غرقت في شهواتها وملذاتها؛ إلا من رحم الله ﵎؛ فلابد أن تقال النصيحة، فإن قبلت فذلك ماكنا نبغي، وإن لم تقبل فكم رُدَّ من نصائح من قبل، وفما كان منها من صواب فهو من الله، وما كان من خطأ فمن النفس والشيطان، أعاذني الله وإياكم من شره. إننا نعيش هذه الأيام أزمة ونريد وقفة، بل إنه نحتاج إلى وقفات عاقلة، متأنية، بعيدة عن العواطف؛ لننظر في هذه المصيبة الراهنة، وما الذي أوصلنا إليها؟ وكيف آل بنا الحال إلى هذا المآل؟ وماهي الأسباب وراء ذلك؟ وهل من سنن لله ﵎ في تغيير هذه الحال؟ وماذا نفعل؟ وماذا يجب علينا -نحن طلبة العلم بالأخص- أمام هذه المواقف العصيبة؟ أقول: إن الأحداث التي حدثت فاجأتنا جميعاً، وسر المفاجأة عندي يكمن في عنصرين: الأول: غفلتنا إلا من رحم الله تبارك وتعالىعن قراءة سنن الله في الكون، وفي الأمم قبلنا، مع أنها في كتاب الله واضحة كل الوضوح، وكذلك غفلتنا عن قراءة تاريخنا الإسلامي، وماذا يكتنفه في كل صفحة من صفحاته من العداء ومن البلايا والمحن؟ فقد عشنا حقبة من الزمن في هذه البلاد في ترف ونعمة ورخاء، وماكنا نحسب أن هذا الحال قد يتغير أو يتبدل أو يهتز، فكأننا قد أمنا عقاب الله، وأمنا مكره ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] نسأل الله العفو والعافية. وكأننا قد أخذنا من الرحمن موثقاً أن لا يعذبنا؛ وإن ارتكبنا ما ارتكبته الأمم قبلنا فعذبت به، وكأننا ينطبق علينا ما ذكره الله ﵎ عن بعض كفار قريش، فقال: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ [مريم:٧٨]، لا والله لا نعلم الغيب، فالمستقبل محفوف بالمخاطر، وينبغي أن نتوقع ذلك، ولا عهد لنا من الله، إذ ليس بين الله تعالى وبين أحدٍ من خلقه نسب إلا التقوى، وإنما عهد الله وتأذن بالنصر والتمكين لمن شكر النعمة، أما من كفرها وبطرها وبدَّلها كفرًا؛ فإن مصيره كما ذكره الله في كتابه الكريم في آيات كثيرة. الثاني: الذي جعل المفاجأة بهذا الشكل: هو أننا لا نقرأ ما يقوله أعداؤنا؛ بل لا نحاول أن نتعرف عليه، ومن هنا وقعنا في خطأ كبير أدى إلى هذه المفاجأة وهذا الذهول، وقد صدق وهو كذوب من قال: 'إن العرب لا يقرءون، والمشكلة أنهم إن قرأوا فإنهم لا يحللون ولا يفهمون، وإن فهموا فإنهم لا يعملون، وإن عملوا فإنهم لا يصيبون ولا يسددون ماداموا عرباً" أي: ما دامت الرابطة والجامع هو العروبة، ومادام الاسم ليس اسم الإسلام، وليست رابطة الإسلام. في الواقع أن هذه الأحداث التي نراها هذه الأيام ليست بجديدة ولا غريبة على من تتبعها، أو على من يتتبع ما يقال وما يكتب، فضلاً عمن يقرأ ما ذكره الله من أحوال الأمم قبلنا حين عصت الله. فإن زوال النعم متوقع، وإن نقص الأموال والأنفس والثمرات، هو الذي يجب أن يتوقع؛ لأننا لسنا على مستوى من الإيمان، والتقوى والصبر الذي يؤهلنا لدفع هذا العذاب عنا، إلا أن نكون مجاهدين بدلاً من أن نُغزى في عقر دارنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أما الجانب الأول من الأعداء -وهو الذي هزنا جميعاً وفاجأنا- هو حزب البعث، ذلك الحزب الملحد المرتد الكافر. إني أقول بكل أسف: كنا نعلم أنه حزب مرتد كافر -أعني: من يعلم ذلك منا- ولكن ذلك لم يُبَيَّن، ولم تُقَلْ كلمة الحق كما ينبغي؛ ونحن الدعاة أول المسئولين في هذا الجانب، فقد قصَّرنا كثيراً في توعية الأمة بحقائق هؤلاء القوم، ثم إننا نسينا أنه حزب صليبي، وأن الذي أسسه رجل صليبي ومايزال الرجل الثاني -تقريباً- فيه صليبي، فكان ينبغي لنا أن نعلم ذلك. وقد ذكر لنا ربنا أن اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، وأنهم صليبيون يأتوننا بأسماء أو شعارات عربية، ويأتوننا بوجوههم الكالحة المكشوفة في العالم الغربي، وكلهم عداوتهم للإسلام واضحة. ولن أطيل في ذكر الحديث عن هذا الحزب وكفره وضلاله، ولا عن هذه العداوة التي يكنها للإسلام والمسلمين، ولا عن هذا الهجوم الذي أراد أن يُباغت به المسلمين، وأن يكتسح به ديارهم، فذلك معلوم معروف، وقد ظهر الآن، ولكني أحب أن أعرج -ما أمكن- على الجانب الآخر من العداوة. وهو: جانب اليهود والنصارى والغرب، إذ يخشى الإنسان في زحمة الأحداث، ومعتركها أن يضيع أمراً وجانباً عظيماً من جوانب العقيدة، وهو: الولاء والبراء، ويخشى أن يؤدِّي ماحصل من أحداث إلى أن يكون في قلوبنا مودة للذين كفروا وهم أعدى أعدائنا، نسأل الله العفو والعافية. فمن هنا لما رأيت الخطر محدقاً على إيماني، وعلى إيمان إخواني المسلمين فيما يتعلق بموالاة المؤمنين، ومعاداة الكافرين، والموقف من اليهود والنصارى، وأن الاستثناء ربما أصبح عندنا قاعدة عامة، قلت: لابد أن أبين لإخواني هذه الحقيقة، وأن أعرفهم بخطر هذا العدو الآخر مهما يظهر لنا من أوجه أو تقنع بأقنعة؛ فإنه عدونا إلى قيام الساعة، وكما قلت: إن البعثيين هم أعداء ساعة، وما هي إلا نطحة أو نطحتان -كما جاء في الحديث عن فارس- ثم يذهبهم الله كما يشاء، ولكن العدو الأبدي الذي هو عدونا إلى قيام الساعة كما أخبر النبي الصادق المصدوق ﷺ هم هؤلاء الروم (الغرب) الذين تكالبوا علينا من كل جهة، وجاؤونا من كل فج عميق. إذاً يجب أن نُقدِّر الضرورة بقدرها، ولكن علينا مع ذلك أن نُقدِّر أسباب هذه الهجمة، ولماذا جاءوا؟ وماهي العواقب الوخيمة التي قد تنتج عن وجودهم بيننا؟ ولنكن في كل أمورنا ملتزمين بأمر الله، وبشرعه، وبدينه؛ ولا مانع أن يذكر بعضنا بعضاً بما نسينا أو غفلنا عنه في هذا الجانب.

стр. 823

احتلال الخليج والإعداد الأمريكي المسبق له تبتدئ مشكلة ما يمكن أن يُسمى الوجود الغربي في الشرق الأوسط -كما يسمى- منذ عهد الرئيس نيكسون بعد مرحلة من مراحل الوفاق الدولي، والتي لم تتم كاملة مع الاتحاد السوفيتي. وقد ذكر الرئيس نيكسون في مذكراته -وهي مطبوعة ومترجمة إلى اللغة العربية- وكذلك في كتابه الحرب الحقيقية، فألمح إلى ضرورة وجود أمريكي في المنطقة في منابع النفط، وعلل ذلك بتعليلات يهمنا منها أنه ركز على قوة العراق وهيمنتة وخطره، أو أن يُتخذ أداة من قبل الاتحاد السوفيتي، أو من قبل زعامات إقليمية فيكتسح منابع النفط ومناطقه، فمن هنا كان لابد من تفكير وعمل جاد لردع هذا العدوان المتوقع. ثم أعقب ذلك قراراً أصدره الرئيس كارتر في (١٨ أغسطس عام ١٩٧٧م) أي: قبل (١٣ سنة) من طرح الموضوع وتضمن القرار أنه لابد من وجود حماية عسكرية لمصالحنا في الخليج، وكان ذلك بعد تمثيلية الرهائن الذين كانوا محتجزين في طهران، وبعد الحدث الرهيب الذي هز الأمة الإسلامية جمعاء: وهو احتلال الاتحاد السوفيتي الشيوعي لأرض أفغانستان المسلمة المجاهدة، الذي كان بعد عملية الرهائن بستة أسابيع، ثم اتخذت الاحتياطات العملية للتنفيذ، وبُدِئُ في تشكيل هذه القوة أول عام (١٩٨٠م) أي: أن هذا الأمر قد رُتِّب له في أواخر السبعينيات، ثم بدأ في أوائل الثمانينات، فقد شكلت أو عينت الفرقة التي سوف تقوم بالعمل، وهي الثانية والثمانين التي نفذت عملية الرهائن.

стр. 824

كتاب قوة الانتشار السريع وتوقعاته للأحداث ولكي نأتي ببعض الأدلة على هذا ولكي يتضح الواقع بالبينات المقروءة حسياً، فهذا كتاب من الكتب قوة الانتشار السريع والتدخل العسكري الأمريكي في الخليج الذي صدر سنة (١٩٨٣م- ١٤٠٣هـ) أقرأ لكم بعض الإثباتات منه. وهذا الكتاب عبارة عن تقرير أُعدِّ ونُشِرَ في مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية، وهو تقرير أمني، ومع ذلك نشر وترجم إلى اللغة العربية، وصدر وطبع عام (١٤٠٣هـ) كما ذكرنا. يبدأ التقرير بذكر التهديدات التي يُمكن أن تجتاح منطقة الخليج، وذكر ثلاثة منها: أولاً: عدوان سوفييتي مباشر على المنطقة كما حدث في أفغانستان. ثانياً: العدوان بواسطة قوات إقليمية أخرى ضد دولة منتجة للنفط. ثالثاً: الإرهاب أو التمرد أو الثورة داخل الدول المنتجة للنفط. لكن التقرير -نفسه- يستبعد الاحتمال الأول، ويقول: إن الاتحاد السوفيتي لم ولن يفعل ذلك. وقد تأكد ذلك بعد الوفاق الدولي الذي تم في أيام جورباتشوف. أما الاحتمال الثاني: وهو القوة الإقليمية فهو الذي ركز عليه كثيراً في هذا التقرير. يقول التقرير: إن إمكانية بروز العراق كقوة عسكرية مهيمنة على شبه الجزيرة العربية يشكل تهديداً محتملاً وتحدياً عسكرياً لمصالح الولايات المتحدة في الخليج، واحتمال وقوع هجوم عراقي على الكويت أو العربية السعودية، احتمال يستحق اهتماماً خاصاً للأسباب الآتية:- أولاً: كان هذا الاحتمال وارداً حتى قبل الحرب العراقية الإيرانية، ومؤثراً على التخطيط للقوات الأمريكية اللازمة لمواجهة احتمالات خارج دائرة اختصاص حلف شمال الأطلسي. ثانياً: القوات المسلحة العراقية ذات التسليح السوفيتي هي الأكبر بين القوات المسلحة لـ دول الخليج. ثالثاً: كون حقول النفط الرئيسية في الكويت والسعودية قريبة -نسبياً- من الحدود الجنوبية للعراق. ثم يُذَكَّر أنه قد حاول العراق غزو الكويت في عام (١٩٦١ - ١٣٨١هـ) ولم يردعه إلا القوات البريطانية وقوات الجامعة العربية. ويقول التقرير: هذه العداوات تُشكل عامل تفجير محتمل في المنطقة -خصوصاً- إذا أخذنا في الاعتبار الضعف العسكري النسبي لجيران العراق. ثم يقول أيضاً: لا جدال في أن استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية لصالح دولة مهددة من قِبَلِ العراق ينبغي أن يستند إلى طلب أكيد للمساعدة من جانب الدولة المهددة؛ إلا أن المشكلة تكمن فيما إذا كان من الممكن ورود مثل هذا الطلب قبل أن يبدأ القتال؛ لأن وصول القوات الأمريكية المقاتلة قبل الحرب -إلى أراضي الكويت والسعودية - سوف يُعرض شرعية حكومتيهما للشبهة في أعين شعبيهما وفي أعين العالم العربي ككل، ناهيك عن أن مثل هذا العمل قد يُتَّخذ ذريعة لوقوع الغزو الذي جاءت هذه القوات لمنعه. ثم يقول التقرير بعد ذلك: إن الحساسيه السياسية التي تشعر بها الدول التي يمكن أن تكون دولاً مضيفة تجاه أي وجود عسكري أمريكي -دائم- على أراضيها أمر مفهوم؛ لإن مثل هذا الوجود سيكون بمثابة إثبات لصحة الانتقادات التي يوجهها الثوريون العرب إلى دول الخليج المحافظة عن التزلف للإمبرياليين، ومن ثم زيادة الاضطراب الداخلي الذي يشكل أهم التهديدات المحتملة. ثم يؤكد على أن العديد من دول الخليج مازالت تعتبر دعم الولايات المتحدة لإسرائيل أكثر تهديداً لأمن العالم العربي، مما يُؤدِّي إلى احتمال ظهور أفغانستان أخرى في شبه الجزيرة العربية؛ بل وإن بعضها يشك في نوايا في الولايات المتحدة، ويرى أنها طامعة في حقول النفط في الجزيرة، ويذكر التقرير أمثلة على ذلك قائلاً: يبدو هذا الشك واضحاً في التصريح التالي للشيخ صباح الأحمد الصباح وزير خارجية الكويت؛ ثم ذكر تصريحين: الأول: للسفير الكويتي في أمريكا، والثاني: لـ صباح الأحمد الصباح وزير خارجية الكويت هذا قبل عشر سنوات من الموضوع- عندما عرضت أمريكا عليه إفساح المجال لإعطاء تسهيلات في المنطقة، وخوفهم من أن العراق سوف يهاجم الكويت. فكان جواب وزير خارجية الكويت يقول: الدفاع عنا ضد من؟! من الذي يحتلنا؟! إننا لم نسأل أحداً أن يدافع عنا، ورغم ذلك نجد كل هذه السفن حولنا تطلب تسهيلات إن المسألةً -كلها- تبدو وكأنها جزءٌ من فيلم لمخرجين اثنين هي (روسيا والولايات المتحدة) ولكن كيف ستكون نهاية هذا الفيلم؟ ربما باتفاق القوتين العظميين على أن يقولوا هذا النفط لنا، وتلك لكم، وسوف نقسم المنطقة من هنا إلى هناك. وعن ذلك أجاب السفير الكويتي بهذا القول عندما قيل له: العراق قد تهاجمكم، قال: لن تهاجم إخوانها. فقيل: قد يقوم ضدكم بعض المقيمين من بعض الشعوب في الكويت؟ قال: هؤلاء إخواننا ونشأوا في عطفنا وفي رعايتنا، ولا يمكن أن يكونوا علينا؛ ولكن أنتم بصدد إخراج فيلم، وسوف تخرجونه إن طلبنا وإن لم نطلب. والعجيب! أن الفيلم كان قد أعد -فعلاً- وبالتقرير -أيضاً- ما يدل على ذلك وليس غريباً، بل مذكور أنهم عمدوا إلى أنواع من الإجراءات -كما يسمونها: السيناريو- (بدائل) عن كيف يمكن أن يكون الإخراج، وكيف يمكن أن تكون العملية؟؟!! فقد ذكر التقرير ص (١٤٣) [في عديد من سيناريوهات الطوارئ المحتملة في العالم الثالث أنه: سيكون على سلاح مشاة البحرية أن يواجه عدواً متفوقاً بالعدد والعدة، وربما كانت قوته بالعدة نوعياً وكمياً معاً. فعلى سبيل المثال: إذا تصورنا إمكانية تدخل سلاح مشاة البحرية لمساعدة السعودية ضد هجوم عراقي، فسنجد أننا بإزاء جيش عراقي مؤلف من (١٨٠ ألف) مقاتل -هذا ما ذكروه قبل هذه السنوات- مقابل جيش سعودي مكون من (٨٠ ألف) فقط بما في ذلك الحرس الوطني السعودي، وأن الجيش العراقي يضم أربع فرق مدرعة وفرقتين ميكانيكتين ومن ضمن معداته دبابات ( emx) ثلاثين، والعربات المدرعة ( bmb) وراجمات صواريخ متعددة الأنابيب، إلى آخره، وأن الجيش تسانده قوة جوية مكونه من (٣٣٩) طائرة قتال من بينها طائرات (ميج٢٣ وسوخوي ٢٠، وميراج ف١) بينما نجد أن ما لدى السعودية من معدات حديثة أقل بكثير مما لدى العراق، وقد تكون فعالياتها العملياتية أقل أيضاً]. ذكر هذا -كما قلنا- منذ عشر سنوات، ثم لم يبق الأمر عند ذلك.

стр. 825

التقرير الأمني السنوي للكونجرس الأمريكي ولم يكتفوا بهذا؛ بل إنهم في القريب الذي ليس ببعيد، أي: منذ أربعة أشهر وفي شهر شعبان الماضي -قد نشروا التقرير الأمني السنوي للكنجرس الأمريكي ومجلس الأمن القومي الأمريكي- وذكروا فيه أموراً لاداعي للتفصيل فيها الآن؛ إنما من جملة ما ذكروا: لأن المصالح الحيوية الأمريكية في الشرق الأوسط تستحق وجوداً عسكرياً فعلياً، وأنه لابد للقوة التي أنشئت أن تبدأ عملياً في البحث عن حل لإيصالها إلى المنطقة. ويقول: [وتوقف التقرير أمام العنف الناتج عن صراعات دينية في الشرق الأوسط، والذي يحظى باهتمام مسئولي السياسة الأمريكية، الذين يعتقدون بأن التطرف الديني الذي سيستمر في تهديد حياة السكان الأمريكيين، والدول الصديقة هي من الشرق الأوسط والتي يعتمد العالم الحر على مصادر الطاقة فيها]. وقد تكرر هذا الكلام في عدة تقارير أن الغرض أمران: الأول: حماية منابع النفط والمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية. والثاني: القضاء على التطرف الديني الذي يريد أن يهدد وجود إسرائيل، ووجود الولايات المتحدة، وذلك بتقوية الدول أو بدعمها أو بالقضاء على التطرف قضاءً مباشراً إن خشي عليها من هذه الدول أو هذه المجتمعات. هذا التقرير نشر في (٢٦ شعبان ١٤١٠هـ) في جريدة الحياة، وقد نشر أيضاً قبله بـ (٣ أيام) في جريدة الحياة في (٢٣ شعبان) تقرير آخر بعنوان (القوات الأمريكية تعيد تنظيم تشكيلاتها للتدخل الطارئ) وتفصيلات عسكرية كثيرة ليس هناك حاجة لها، إنما الجديد فيها أنهم ذكروا أن عدد القوات (١٩٧ ألف) من الرجال والنساء، وقد يساندهم -أيضاً- (١٠٠ ألف) من الاحتياطي، وأنهم مجهزون بوسائل خفيفة وثقيلة إلى آخر ما ذكروا من أمور عسكرية. وكلنا يعلم أنه في ذلك الظرف بالذات: تم توقيع إتفاقية الحدود بين المملكة والعراق، ولا شك أنها كانت خطوة وقائية جيدة وفي محلها، ولكن حزب البعث لم يكن ليرعوي -أبداً- لأن الإخراج أكبر من أن يردع باتفاقية إذ كانت المسألة مبيتة، والغدر لا يمكن أن يتأخر، بل إن الغدر هو: سمة من سمات هذا الحزب أصلاً.

стр. 826

جدية الأمريكان في الإعداد لحرب الخليج ثم بعد ذلك حصل إنزالان إمريكيان: الإنزال الأول: في غرنادا. والثاني: في بنما، وقد صرحت الأجهزة الأمريكية المسئولية، وكذلك بينت الصحافة أن هذا الإنزال في بنما إنما هو عبارة عن نموذج أو (بروفة) للإنزال في الخليج، وهذا قبل بضعة أشهر. وذكروا في جملة ما ذكروا أيضاً: أن الإنزال في بنما تم بإنزال (١٠ آلاف) جندي في ٨ ساعات، أما إذا كان يُراد إنزال (٢٠٠) أو ٢٥٠ ألف) جندي في الخليج فإنه قد يستغرق مدة (٢١ يوماً) باعتبار المسافة والبعد، فتُستكمل التجهيزات في خلال (٢١ يوماً). ومن الأمور التي يجب أن نعلمها: أن الإعداد كان جاداً وكان صادقاً؛ فقد تم تدريب هذه الفرقة الـ (٨٢) وغيرها في صحراء نيفادا وهي صحراء أمريكية في أجواء مشابهة لأجواء الشرق الأوسط، ولصحرائنا العربية! وأكثر من ذلك أنهم اختاروا نوعية المجندين والمجندات، من الجنس القريب للجنس العربي -أي: من الجنوبيين- ومن الأصول الأسبانية في جنوب أمريكا وأمريكا الوسطى؛ وأكثر من ذلك أنهم علموهم اللغة العربية -وباللهجة البدوية- وكيف يعيش أحدهم في الصحراء، ويتكلم اللغة العربية، ويلبس اللباس العربي؛ وقد نشر في ذلك عدة كتابات صحفية كان من آخرها ما نشر في جريدة عرب نيوز من أن أحد هؤلاء -الذين يجيدون اللغة العربية في الجيش الأمريكي- دخل في بعض المحلات في الظهران أو الخبر وتكلم معهم باللهجة البدوية، واشترى وخرج ولم يعرفوه، بل ظنوا أنه عربي بدوي مقيم في تلك المنطقة. والقضية التي -حقيقة- تستحق أن نقف عندها، لننتقل إلى الحل وإلى العلاج بعد ذلك، وهو المهم جداً -أن هؤلاء الناس- مهما قلنا عن الضرورة التي جاؤوا من أجلها، أو المبرر الذي جاؤوا من أجله، وأن الموقف لم يكن يحتمل إلا ذلك؛ فكل هذا شيءٌ ندعه جانباً، ولكن الشيء الذي أصبح واقعاًً ملموساً بين أيدينا هو: ماذا يجب علينا أن نفعل إزاء هذه المشكلات؟ بدايةً يجب أن نشير إلى ما نشر في الصحافة الأمريكية وفي غيرها؛ عن بعض المخاطر التي يجب أن نتنبه لها في هذا المجال. ومن ذلك: ما نشر في جريدة عرب نيوز نقلاً عن محلات لبيع أدوات التجميل وكريمات ودهانات الحرارة بعنوان: (صفقة سماوية) يقصدون بذلك تضخيم صفقة البيع، لمجمع تسويق (كيمارك). وهي عبارة عن: طلبات نسائية -طلبتها المجندات اللاتي سيذهبن إلى الخليج - وتحتوي على (٥٥٠٠) زجاجة من كريم منعم للجلد، و (٢٤٠٠) علبة لطرد الحشرات، و (٥٥٠٠) أنبوبة مرطب شفائف، و (٥٥٠٠) علبة بودرة أقدام، و (٥٥٠٠) زجاجة لكريم الجلد ضد الشمس. ولا يخفى على أحد منكم لأي شيء سوف تستخدم هذه، وفي أي مكان يمكن أن تستخدم. وهناك قضية أخرى لابد أن نعيها جانباً وأن نحذر فيها، فالله تعالى أمرنا أن نأخذ حذرنا، وأمرنا أن لا نركن إلى الكفار وأن لا نصدقهم وأن نحتاط منهم- وهي أنه ظهرت عدة تصريحات -غريبة في الواقع- ونشرتها الصحف الأمريكية -وبعضها موجود لدي على قلة تتبعي، وضعفي جداً في هذا المجال، لكنها في أعداد الأسبوع الماضي وما قبله- عن أن هذه القوات سوف تقيم طويلاً إن خرجت من بلادها. وأما الرئيس بوش بنفسه فقد صرح الأسبوع الماضي: 'بأن وجود القوات الأمريكية رهن باستقرار الأوضاع في المنطقة'. وهذه عبارة لا يمكن أن يفسرها إلا هم (فمتى تستقر الأوضاع؟) لا ندري، فهم الذين يحكمون بأنها استقرت أو لم تستقر. فأما وزير الدفاع الأمريكي في المقابلة التلفزيونية -أيضاً- والتي نشرت صحفياً، فإنه يقول: " لسنا على استعداد أن نرجع كل عشر سنوات إلى هذه المنطقة المتفجرة من العالم " وكذلك هناك تصريحات وكتابات أخرى مثل ما نشر في التايمز العدد ٣٥ الثلاثاء الماضي ١٩٩٠م.

стр. 827

موقف المسلم من أحداث الخليج إذاً: فهؤلاء اليهود والنصارى والبعثيون كلهم أعداءٌ للإسلام، وكلهم أعداءٌ لهذه الأمة، ولا يؤمنون بأي حال من الأحوال؛ لأن الله حذَّرنا وبيَّن لنا عداوتهم في الكتاب كما بينها لنا النبي ﷺ في السنة وفي واقعه العملي، ولكننا نذكر بعض الدلائل الواضحة، التي نسأل الله بأن تكون عامل خير لهؤلاء الشباب في أن يعرف واجبه، ولا نعني بمعرفة الواجب: الثوران العاطفي، الذي لا يؤدي إلى نتيجة، والذي أتعب الدعوة في كل مرحلة من مراحلها؛ وإنما نعني: أن نعي واقعنا، وأن ندرس بحكمة وبأَناة: كيف نتصرف مع هذا الواقع، وكيف نعتذر إلى الله ونحن نعيش هذه الأزمة، بل وأكثر من ذلك: أن نراجع ديننا وإيماننا، وعقيدتنا وثقتنا وتوكلنا بالله ، فهذا أهم عندنا من أي شيء آخر. يقول في التايمز: الولايات المتحدة يجب عليها أن تعتبر أن وجودها دائمٌ في المملكة فعلى أية حالة! الوجود كان دائماً أو غير دائم؛ فهو موجود بأعدادٍ كبيرة، وهو لا يخفى عليكم الآن. يجب أن نعلم أموراً مهمة، ولابد من تذكير بها وهي: أنه عندما يأتي هؤلاء القوم يأتون بعاداتهم، وبدينهم وبما يحملونه من مبادئ. فقد كنا نشكو في الرياض وفي جدة وفي غيرها من أعمال هؤلاء الكفار مع ضعفهم النسبي قبل هذه الأيام، ومع قلة عددهم أيضاً، وقبل أن يكثروا بهذه الكثرة، ومع كل هذه الأمور وكل هذه الاعتبارات، كنا نشكو، والهيئات، والجيران، والمجمعات السكنية كلها تشكو مما يحدث فيها ولا غرابة! فهؤلاء الكفار هذه حياتهم؛ لأن الله قد أعمى بصائرهم عن الآخرة؛ فهم كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ [يونس:٧]، فهذا حالهم قال تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦]، فهل يريد أحدهم أن يقاتل وأن يموت في سبيل الله؟ لا والله، وهل يريد أن يموت ليدخل الجنة؟ لا. فلم يخطر ذلك على باله؛ ولذلك لا نعجب أن تُعجل لهم حسناتهم في هذه الحياة الدنيا من شهوات وملذات، فإذا وقع وأتوا إلينا فماذا سنفعل؟ إن مثل هذه الصفقات من الكريمات والدهونات والتعري، لابد أننا سنلمس لها أثراً واقعياً عند وجود هذا العدد بأجياله. وكما تعلمون أن هؤلاء القوم فيهم المتدينون، ففي موجز التاريخ الأمريكي الذي أصدرته السفارة قريباً يقول: ' إن الشعب الأمريكي فيه عاطفة دينية وفيه رغبة دينية '. فإذاً يجب أن نتوقع وجود كنائس، أو حمل للصلبان، أو حمل لأي شعارات أخرى غير إسلامية معادية لديننا وإيماننا وعقيدتنا، حينها لا نضع رؤوسنا في الرمال. هذه حقائق يجب أن نقولها، وأن نتحدث بها، وأن نفكر كيف نعالجها العلاج الصحيح؛ وذلك بالتعاون مع من يمكن أن يساعدنا على ذلك -إن شاء الله- ممن بيده الأمر. فهذا واجبنا نحن الدعاة، ولا يجوز لنا أن نتخلى عنه بأي شكل من الأشكال. فقد جاءوا بالخنازير كما كتب لي أحد الإخوان، وكما ذكر لي أخ آخر بأن بعض المطابخ جيء إليها بالخنزير، وقيل له: اذبح لنا، نريد أن نأكل ولا غرابة! لأن هذا أكلهم، وهذه حياتهم: الخمر، والخنزير، والزنا، والمخدرات وغيرها من الأمراض الأخرى التي نتعفف أن نذكرها، فكان لابد من أن نتوقعها؛ لأنهم لابد أن يأتوا بها فلا تكفي -أبداً- الأوامر أو الاحتياطات أو القرارات؛ فالأوامر والتعاهدات قد أخذت على المسلمين أنفسهم فلم يلتزموا بها ولم ينفذوها، وترون ما ترون من المدرسات، وقد أخذت عليهن التعهدات الوثيقة، ومن المضيفات والممرضات، وقد أخذت عليهن أقوى التعهدات.

стр. 828

الدعوة إلى الله لابد من الدعوة إلى الله، لأنها هي الحل في هذه المجتمعات التي في دور الإسلام وكذلك في قلب المجتمع الإمريكي. وإن مما يجب أن نقوله: إن الشعب الأمريكي في الغالب هو شعب حر -لا سيما في التدين- وإن كثيراً منهم إذا عرض عليه الإسلام فإنه يسلم، فبعض الإخوان في أمريكا قد أخبرونا أنهم لا يستيطيعون أن يستوعبوا الداخلين في الإسلام من كثرتهم -والحمد لله- لأن الإسلام دين الفطرة؛ ولأنهم يعيشون في ضنكٍ، وضيقٍ لا يعلمه إلا الله، وهذه الأمور لمستها ولمسها كل أخ زار تلك البلاد بنفسه وبأم عينيه. فالواجب إذاً هو على الدعاة في مثل هذه الأحداث، فهؤلاء سيأتوننا بكل المفاسد، ولا نتوقع إلا ذلك، ولا يجوز لدعاة الإسلام أن يضعوا رءوسهم في الرمال، ويتناسوا هذا الخطر المحدق، أو أن يغفلوا عن هذا الواجب، فلن يقوم به إلا أنتم أيها الشباب، وأنتم أيها الدعاة، فاتقوا الله فيما حملكم الله من هذا الواجب، وادرءوا عن الأمة هذا الخطر بقدر ما تستطيعون.

стр. 829

الرجوع إلى الله وقول الحق هناك أمور يجب أن تكون نصب أعيينا ونحن نتحدث عن هذه المشكلة، وعن هذه الأزمة الخطيرة، وهي: أن ما أُصِبنَا به وما خطط له الأعداء، وما جاءوا به؛ فإنما هو بسبب ذنوبنا، وتفريطنا في أخذ العدة والاستعداد لمواجهة أعداء الله وأخطارهم، أي: لأننا عصينا الله وخالفنا أمره، كما قال أبو الدرداء لما بكى ﵁ عندما رأى أسرى قبرص فقال: 'ما أهون الخلق على الله إذا خالفوا أمره' فبينما هم ملوك في بلادهم، إذا هم أسارى في أيدي المسلمين. إن ما حل بنا يجب أن نفكر جدياً في أسبابه، ثم نتخذ الحلول ولا بأس أن نتخذ وجهة نظر واحدة والكل يعرفها، وكلنا -إن شاء الله- متفقون على أكثرها، وهي: أولاً: يجب علينا أن نعيد النظر في حياتنا جميعاً، ولا أعني الأوضاع العامة، بل حتى في أوضاعنا الخاصة؛ فكلٌ منا ينظر في خاصة نفسه، كيف ذنوبي؟ وكيف أعمالي؟ وكيف علاقتي وصلتي بالله ؟ ولماذا سُلِّطُ علينا أعداؤنا؟ فكل منا يفتش عن نفسه، لأن من مصائبنا -مع الأسف- أن الذنوب والمعاصي تقع، ولكن سرعان ما تعلق بمشجب معين، فيقال مثلاً: التقصير من الحكومة، أو من الشعب، أو من العلماء، أو من الفرقة الفلانية، لأنها ما أخذت موقعها. ودائماً نحن في جميع أمورنا نحاول أن نجد مشجباً فنعلق عليه كل الأخطاء، وهذا غير صحيح، فمن سنة الله ﵎ أن كل واحد منا مسئول عن ذنوبه، ويلحقه شيء من هذه المصائب، ويعفو الله تعالى عن كثير، كما ذكر ذلك بقوله: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة:١٥] فنحن بضعفنا وبأعمالنا استجلبنا ذلك. ما الذي غيَّر فينا دخول هذا الهجوم البعثي؟ ثم ما تلاه من تكالب صليبي؟ ما الذي غيرّ فينا، وما الذي جعلنا لا نرجع إلى الله تعالى ولا نرجع إلى ديننا كما أخبر النبي ﷺ ، فالأمر والحال كما ترون. فكل تبرج أو فسق أو استهتار في الأسواق أو في المجلات الداعرة أو في الكتب أو في الشعر الماجن أو في الأغاني الخليعة أو في محلات بيع الفيديو أو وسائل الإعلام نفسها، كل ذلك لا يزال كما كان ولم يتغير. فأي بنك ربوي أغلق بعد أن جاء الهجوم؟ وإنما قلنا: يجب أن نرجع إلى الله، لأن الله يقول: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩]، فنحن نحارب الله أم نحارب هؤلاء. لم يقع شيءٌ من ذلك؛ بل إننا نحاول أن ندعم هذه البنوك؛ لأن الناس بدأوا يسحبون الأرصدة منها، فيجب أن ندعمها لكي لا تتأثر. فنحن بهذا قد تشبهنا بالكفار في حياتنا وسلوكنا ومعاملاتنا، فهل تغير هذا؟ وهل قلنا: كيف نتشبه بأعدائنا في الشعارات التي كنا نرددها مثل الأمة العربية، والقومية العربية، والواجب العربي، وما أشبه ذلك، هل تركنا ذلك؟ وهل نسخناه من صحافتنا التي كانت قبيل فترة تقول: الحملة الظالمة على العراق فكانت الصحافة الغربية تذكر شنائع حزب البعث وأنه دَّمر المسلمين والأكراد وأحرقهم بالغاز السام؟ فتقوم الصحافة العربية كلها وتقول: هذه حملة ظالمة على العراق يشنها الغرب، ونحن نعلم أن الأمر كذلك، والآن اعترفنا بأنه كذلك؛ فلابد أن نلغي هذه الشعارات؛ لأننا أمة الإسلام أمةٌ واحدة كالجسد الواحد، فلا نؤمن بمبادئ القومية، ولا الوطنية، بل كلها عصبية جاهلية وضعها النبي ﷺ تحت قدميه. فنحن لا نحب إلا في الله ولا نبغض إلا في الله، ولا نوالي إلا في الله، ولا نعادي إلا لله؛ وإن أعطينا فلله وإن منعنا فلله، فهذا هو الواجب الذي ينبغي أن تكون عليه حياتنا وسياستنا وخططنا، فيذكر به بعضنا بعضاً إذا غفلنا؛ أما أن نستمر في هذه الشعارات، وفي قرارات وأمور اتخذناها، فكان من شأنها الحد من الدعوة إلى الله أو الحد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا والله هو الوقت المناسب للسماح للدعاة إلى الله بأن ينطلقوا لأداء واجبهم، فنحن الآن أحوج ما نكون إلى دعاة يصدعون بكلمة الحق؛ لأن أعداءنا -من غربيين وبعثيين وغيرهم- إذا رأوا أن في الأمة من يصدع بهذا فإنهم يخافون منا، ولا مانع من أن نظهر -إن كان على سبيل الإظهار- في وجه الأعداء بأننا طائفتين: طائفة تسكت، ولكن هناك طائفة تنكر؛ فنكسب الموقف بالاختلاف بين هاتين الطائفتين مثل ما يفعلون بنا إذا كان على سبيل التخطيط. فالأمريكان إذا طلبوا من الإدارة الأمريكية شيئاً اعتذرت بأن الكونجرس يرفض. لماذا؟ نحن لا نقول: إن العلماء والدعاة يرفضون، ولكن لماذا لا يكون لنا نفس الشيء؟ فنكسب مصالح لأمتنا قبل أن تأتي الطامة الكبرى التي لا علاج بعدها نسأل الله العفو والعافية. فأقول: إننا لم نغير في هذا الواقع أي شيء، فمدارس تحفيظ القرآن وغيرها من المدارس -مثلاً- كيف رضينا أن تتقلص أعدادها إلى هذا الحد وبالمقابل يتم فتح ثانويات وكليات كثيرة جداً ومعاهد متنوعة؟! لماذا التقليص فقط لمدارس تحفيظ القرآن؟! المدارس التي كانت نور ومشعل للهداية، فلابد أن نُعيد النظر -أيضاً- في هذه الأمور، ثم لابد أن نعيد النظر في علاقاتنا، وفي صداقاتنا؛ ماذا أجدت بنا هذه الصداقات، فكل دولة وقفت ضدنا أو تحفظت على قرارات نرى أنها من صالحنا؛ فهي دولة أعطيناها أبلغ العطاء، فـ العراق نفسه أعطيناه أبلغ العطاء. ومما يدل على هذا الأمر قول الرئيس المصري: بأن العراق كان يريد أن يقدم له رشوة قبل سنتين. إذاً فالأمر كان مخططاً لاحتلال الكويت برشوة قدرها (٢٥ مليار دولار) فَمِنْ أين كان سيدفعها صدام؟! إذاً يجب أن نعيد النظر فيما نعطي وفيما نمنع، وأن نتقي الله في ذلك.

стр. 830

الصدق في التوكل على الله علينا أن نراجع أنفسنا في مسألة الاعتماد والتوكل على الله والأخذ بالأسباب، ويجب علينا أن نراجع قلوبنا ونعيد الإيمان الصادق والتوكل في قلوبنا؛ فنقول ونحن صادقون: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فلا نستعين إلا بالله ، ولا نستعين على أعدائنا بأعداء الله نتيجة تفريط منا، فنحن كنا السبب فيه، وأن نكون صادقين مع الله في الاستعانة به والتوكل عليه . فلو أخلصنا أعمالنا لله وصدقنا في التوكل عليه لنصرنا الله ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، وقال أيضاً: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠]، وقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]، وقبل ذلك يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨]. فلابد أن نكون متوكلين على الله وحده، معتصمين بحبل الله وحده، مؤمنين بالله وحده، ثم إن علينا أن نأخذ بالعلاج القرآني؛ العلاج الذي جعله الله مانعاً لوقوع العذاب إذا أدرك أمة من الأمم، يقول الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٢ - ٤٥]، ويقول تعالى في سورة أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) [الأعراف:٩٤]، فيريد الله منا في هذه الآيات الضراعة واللجوء إليه، وأن نعلم أنه لا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه؛ وأنه لن ينصرنا إلا هو، وأن بيده كل شيء، ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:٤٢] وهو خالق كل شيء، وخالق الأسباب والمسببات، وهو الذي إن شاء سلط على الكفار عذابًا من عنده أو بأيدينا؛ فهو يدافع عنا إذا كنا صادقين معه بما يشاء وكما يشاء ، ولكن! أين نحن من هذا؟! قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٦ - ٩٩]، فقد أصبح حالنا -مع الأسف- مثل الذين قال الله فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥١ - ٥٢]. فوالله لو صدقنا مع الله ونصرنا دين الله، وأعززنا كلمة الله، ورفعنا شأن الدعاة إلى الله ، ونشرنا الخير في مجتمعنا، وقضينا على بذور الشر، وحذرنا من هذا العدو بجبهتيه وكلا طرفيه وانتبهنا له، وقاومنا شره وفساده عسكرياً وأخلاقياً؛ فإن الله لن يخذلنا ولن يتركنا أبداً، وإن كان غير ذلك نحشى -وهذا أخشى ما أخشاه- أن تكون هذه بداية الملاحم.

стр. 831

عداوة الروم المستمرة للمسلمين الملاحم مع الروم مستمرة إلى قيام الساعة، بل قد أخبر النبي ﷺ من حديث عوف بن مالك الأشجعي في صحيح البخاري فقال: ﴿اعدد ستاً قبل قيام الساعة: أولهن موتي، وهدنة ثم هدنة ثم هدنة، ثم يكون بينكم وبين بني الأصفر فينزلون فيأتونكم تحت ثمانين غاية - أي: راية- تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً﴾، أي: (تسعمائة وستين ألفًا) وفي حديث ضعيف لكن يعتضد بكثرة رواية هذا الحديث وبكونه صحيحاً، يقول ﷺ : ﴿ثم تأتيكم الروم بألف ألف، خمسمائة ألف بالبر، وخمسمائة ألف في البحر﴾. فالفتن والحروب والملاحم مع الروم ستستمر إلى قيام الساعة، ولن تنتهي؛ حتى يظهر الدجال وعيسى بن مريم ﵇، ثم لا يكون بعد ذلك إلا العلامات الكبرى، ونهاية الوجود فيظلون حرباً علينا. ولكن النبي ﷺ قد بشر بالنصر عليهم ٠ولله الحمد والمنة- فقال: ﴿تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله لكم، ثم تغزون فارس فيفتحها الله لكم، ثم تغزون الروم فيفتحها الله لكم﴾، ولكن غزو الروم وحرب الروم بعيد المدى، كما جاء في الحديث -أيضاً- وإن كان فيه ضعف، ولكنه يستند إلى أحاديث الملاحم الكثيرة؛ فيقول النبي ﷺ : ﴿فارس نطحة أو نطحتان، ثم يفتحها الله لكم﴾، (فارس نطحة أو نطحتان) أي: (القادسية ثم نهاوند) وهي قادسية سعد بن أبي وقاص لا قادسية المجرمين المشركين، فقال: ﴿القادسية ونهاوند، ثم يفتحها الله﴾ -فالحمد لله- قد قضي على ملك كسرى.

стр. 832

نبذة عن الحرب مع الروم أما الروم ذات القرون، فكلما هلك منهم قرن ظهر قرن آخر، ولذلك حاربونا أيام النبي ﷺ في غزوة تبوك، ثم حاربونا في أيام أبي بكر وكانت اليرموك وما بعد اليرموك؛ ثم جاءوا في الحروب الصليبية وحاربهم نور الدين وصلاح الدين ﵄ ورحمهما- على ما بذلا؛ لأنهما أعطيانا العبرة والقدوة في حالة الضعف. فكيف يمكن أن ننهض -كما هو حالنا الآن، من هذا الذل والضعف والهوان الذي نسأل الله أن يرفعه عنا؟! ثم جاءوا في حروب الإستعمار -كما سمي-، ثم جاءت هذه الهجمة التي لا يعلم عاقبتها إلا الله، ونسأل الله أن تكون نهايتها للمسلمين، ولكن بالشروط التي ذكرناها، إن شاء الله تعالى. فالروم ذات القرون كلما هلك منهم قرن ظهر آخر؛ فقد أهلك الله الإنجليز الذين كانوا يخافون أشد الخوف ويخشون أشد الخشية من دعوة التوحيد في هذه الجزيرة؛ وأي مسلم -والحمد لله- يطلع على التاريخ الحديث المتخصص يجد في الوثائق البريطانية العجب العجاب!! فهناك دراسة عن الدولة السعودية عند أول نشأتها الأولى ثم الثانية ثم الثالثة؛ وهذا يدل على خوفهم ورهبتهم من وجود هذه الدعوة (دعوة التوحيد) فهذا قرن من قرون الروم، ظهر وحارب الإسلام والمسلمين طويلاً؛ فدمره الله، ثم جاء قرن آخر وهو الأمريكان، وقد يأتي قرن ثالث، والله أعلم كيف تنتهي الأمور. فهذا عدو أبدي مقيم لا تنتهي عداوته إلى قيام الساعة، ولابد أن تعد له العدة، ولا تكون هذه العدة أموراً أو تصرفات عجلة؛ أو عواطف تثار؛ لأنها حرب طويلة الأمد؛ فأول ما يجب أن نبدأ به الآن في مرحلتنا هذه هو نشر الدعوة إلى الله والضراعة واللجوء إليه، فنعلم أنفسنا وجميع الناس التوكل على الله وحده، وننشر مفاهيم عقيدة الولاء والبراء في الله ، ثم تأتي مرحلة الجيل التي ذكرها الله بعد آيات الولاية التي في سورة المائدة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [المائدة:٥٤] أي: حين يوالي الكفار، ويكون مثلهم، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] إذاً: هذا الجيل سيخرج -بإذن الله ولن يخرج إلا في مثل هذه المحن وهذه الفتن والشدائد؛ لأنه سيخرج صلب العود، قوي الإيمان متماسك البنيان؛ فعلينا أن نعد له العدة الآن وذلك بتمهيد ونشر عامٍ للعقيدة الصحيحة، ولكل المفاهيم التي سبق ذكرها؛ ثم تكون بعد ذلك الملاحم مع الروم التي ستطول، ولكنه قدرُ هذه الأمة فتنزل الروم بالأعماق بدابق اليهود كما أخبر النبي ﷺ ، وسوف تكون معارك طويلة جداً؛ فإذا كنا مع الله وصدقنا؛ فسوف ينصرنا الله . إذاً: فالأمر لن يكن مفاجأة، ولكنها عملية خطط ورتب لها، ولها أدلة كثيرة، والأمر -أيضاً- لن يكون بالسهولة التي نتصورها؛ بأن هؤلاء الأعداء لن يفعلوا ما يضيرنا؛ وسيرحلون بهدوء، فلا نقصد فقط أمتنا هذه، بل الأمة الإسلامية عموماً كلها، فهي تهمنا؛ لأنها أمة مؤمنة، فـ الكويت قد احتله العراق؛ ولكن مقابل هذا الاحتلال احتلت الأساطيل الغربية -وعلى رأسها أمريكا - المحيط الهندي، والبحر الأبيض المتوسط، والشرق الأوسط والمنطقة بأكملها، وأصبحت تحت ولا يتها وهذا إحدى علامات ومصداقية وثمرات الوفاق الدولي الذي تريده أمريكا فـ الاتحاد السوفيتي -فعلاً- التزم بالقرارات الدولية؛ ولأنه جزءٌ من الغرب، داخل ضمن الهيمنة الأمريكية، فليس له رأي منفرد. -وكما سمعنا مراراً وتكراراً في الواقع- فلم يسبق للغرب في أي مرحلة من مراحل تاريخه أن توحد بمثل هذا الإتحاد إلا في الحروب الصليبية الأولى، ففي الحرب العالمية الثانية كان هناك محور شرقي ودول الحلفاء، أما الآن فقد توحد الكل؛ فها هي ألمانيا قد غيرت دستورها من أجل أن تشارك في هذه العملية. إذاً فالغرب قد توحد ولكنه لم يتوحد إلا لأهداف بعيدة المدى، وإنه يؤلمني جداً ويؤلم كل مؤمن أن تظل هذه الأهداف بعيدة عن كثير من الناس ولكن يعلم الله أني لو رأيت من يقول هذا الكلام ويوضحه؛ لما احتجت أن أقوله؛ لأنها أمانة يجب أن نقولها، فهؤلاء ما تألبوا ولا تكالبوا إلا لأمر عظيم.

стр. 833

نداء إلى شباب الإسلام فيا شباب الإسلام! أَعدوا للأمر عدته، وأول هذه العدة الضراعة إلى الله قال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨] أي: أن قوم يونس خرجوا لما رأوا عذاب الله، قال بعض المفسرين: " خرجوا بنسائهم وأطفالهم ودوابهم وتضرعوا إلى الله" وقيل: إنهم بكوا أربعين ليلة حتى كشف الله عنهم العذاب والله سبحانه يقول: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون:٧٦]، فلما استكانوا وتضرعوا كشف الله عنهم العذاب، وفي هذه الآية يقول الحسن البصري لما جاءه القراء، وقالوا له: لماذا يا أبا سعيد لا نخرج على الحجاج ونقاتله-مع ابن الأشعث ممن خرجوا وهو من العلماء- فقال لهم: يا أهل العراق، يا علماء العراق. إن الحجاج عذاب الله سلطه عليكم بذنوبكم فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم وأرجلكم ولكن ادفعوه بالاستكانة والتضرع؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون:٧٦] وكذلك فإن هذا الحاكم المجرم في العراق ما هو إلا بذنوبنا ومخالفاتنا لكتاب ربنا، وسنة نبينا ﷺ وشريعته وسياسة الخلفاء الراشدين؛ فهذه هي نتيجتها، وهي عقوبة الله لنا، ونحن الذين بأيدينا دفعنا ثمنها. فنسأل الله توبة وإنابة وتضرعاً يدفع به عنا هذا العذاب، فهو القادر على كل شيء، ونسأله أن يبعث عليهم -الشرقيين والغربيين والبعثيين والصليبيين- عذاباً من عنده، وأن يقيظ لهم أمةً مؤمنةً مجاهدةً تشفي قلوب المؤمنين فيهم إنه على كل شيء قدير، وأحب أن أقف عند هذا الحد لأفسح المجال لأسألتكم. أيها الإخوة الكرام: كل ما قلته هو رأي أخ أحبَّكم في الله تعالى، وأحبَّ أن يُبرئ نفسه، لعله يصل إلى آذان صاغية -إن شاء الله- ولعله يكون منه حل وفرج قريب، وأوصيكم ونفسي بأن تلجأوا إلى الله تعالى دعاةً وأفرادًا، وأن يدعو كل منكم الآخر، فإنه كما قال ﷺ : ﴿إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم﴾ - فينفع الله به، أُوصيكم ألاَّ تنسوا دعاء الله والضراعة إليه في جوف الليل، فمن قام فليقدر المصيبة التي وقعت فيها الأمة، وليعلم أن الدعاء واجب ولا أعني بذلك القنوت فقط، بل كل منا -وحده مع الله- يتوب ويستغفر ويلوذ إلى الله ويلح بالدعاء، فإن الله قدير على أن يبصر هذه الأمة ويفتح لها باب كل خير، وأن يبرم لها أمر رشد يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويأمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

стр. 834

الأسئلة

стр. 835

الولاء والبراء السؤال بماذا تنصحون من يفرح بعد هذه الأحداث، ويقول: نريد أن تحتلنا أمريكا؟ الجواب يكفيكم أن تسمعوا مثل هذا الكلام؛ لتعلموا أن الأمة بحاجة إلى العقيدة الصحيحة، وإلى بيان الولاء والبراء، وإلى بيان ما حذَّر الله ﵎ منه من عداوة الكفار وضررهم لنا، ونسأل الله لهذا الأخ الهداية والتوبة، ويجب عليه أن يتوب ويستغفر الله، وليعلم أنه قد قال قولاً عظيماً، نخاف على إيمانه والعياذ بالله.

стр. 836

مخالفة الشيخ لفتوى هيئة كبار العلماء وحجته في ذلك السؤال يقول بعض الإخوة: في شريطكم الأخير خالفتم بعض العلماء في جواز الاستعانة بالكفار، فما جوابكم حول بطلان بعض الأدلة التي طرحتموها؟ الجواب بالنسبة لبيان هيئة كبار العلماء: لم يكن إلا في الضرورة، وأنا أقول: نعم! الضرورة تبيح أكل الميتة -نسأل الله العفو العافية- قد يكون هذا ضرورة، لكن أنا لا أتكلم عن الواقع، وهل الضرورة موجودة أم غير موجودة؟! وقد ذكرت ما سمعتَ حول الموضوع، لكني أقول: إذا بقي الاستدلال على الضرورة، فيبقى الخلاف في تطبيقها على الواقع، وهل هو ضرورة أو غير ضرورة؟ أما إذا استدل بأدلة غير صحيحة فيجب على الإنسان أن يتكلم. قد يقول الأخ: إن هناك بيان هيئة كبار العلماء؟ أقول: فليس في بيان هيئة كبار العلماء أي دليل، فقد ذكر بعض مشايخنا الأفاضل -الذين نُجِّلهم، بل وإن كان فينا خير فهو جزء مما تعلمناه منهم- فقد ذكروا أدلة لا أرى ولا أدين لله بأنها صحيحة مثل حديث خزاعة، وهي قبيلة مؤمنة مسلمة، يقول: رئيسهم عمرو بن سالم: هم بيتونا بالهجيع رقدا وقتلونا ركعاً وسجدا يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا فقتلونا ركعاً وسجدًا، فهم مؤمنون يركعون ويسجدون؛! فدخلوا مع النبي ﷺ . فحاشاه أن يستعين بمشرك، وقد صح عنه ذلك فقال: ﴿إنا لا نستعين بمشرك﴾ أي إنا لا نستعين بالمشركين على المشركين، فهذه قاعدة قالها على سبيل القاعدة العامة، ولم يثبت أنه ﷺ استعان بكافر في أي غزوة من الغزوات. أما ما قيل من يهود خيبر، فالحديث في هذا مرسل، بل هو منقطع أيضاً. أوما قيل من حديث عبد الله بن أريقط من أن النبي ﷺ اتخذه في أحكام الإجارة، والإجارة غير الجهاد. فليعلم أن الإجارة شيء والجهاد شيء آخر. وهناك أدلة أخرى ليس المجال هنا لتفصيلها، أما كلامنا الماضي فما كان إلا مجملاً لكن لا مانع لديَّ على الإطلاق أن نتباحث في مسألة صح الاستدال بها مثلاً، وأعدكم أنه إذا صح لي الاستدلال بأي حديث منها أن أقوله ولا حرج في ذلك أبداً.

стр. 837

فتن المشرق السؤال ما هي الفتنة التي تخرج من نجد أو العراق؟. الجواب هذه إحدى الفتن، أي: الفتن من قبل المشرق كما أخبر ﷺ حتى أنه تأتي الفتنة ويراد بها جنس الفتن، فتكون من المشرق عموماً. انظروا إلى الجناح الغربي من العالم الإسلامي: كم ظهر فيه من الفتن في القديم والحديث؟ قليل، كفتنة ابن تومرت، وبعض الدويلات، وزيرة الخارجية التي قامت هناك فهي فتنة عادية. أما بالنسبة للشرق فكم وراءه من فتن؟! انتهينا من فتنة الخميني فجاءت فتنة البعثية، وقبلها وقبلها فتن دائمة، فمن قبل ذلك كانت الباطنية، ثم جاء جيش التتار من الشرق، فهي فتن عظيمة جداً، وهذه إحدى هذه الفتن نسأل الله أن ينجي بلادنا منها.

стр. 838

حديث: (لا يُغلب اثنا عشر ألفاً) السؤال نريد منكم شرح حديث لا يُغلب اثنا عشر ألف من قلة؟ الجواب نعم، العبرة ليست بالعدد، فاثنا عشر ألفاً وليس فيهم تارك صلاة لا يغلبون من قلة؛ فإن غلبوا وهزموا فليست غلبتهم وهزيمتهم لقلة العدد، ولكن لسبب آخر غير القلة، وفي هذا بيان بأننا لا نحارب أعداء الله بعددنا، ولا بعدتنا، وإنما نحاربهم (بأننا مؤمنون وهم كافرون). كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى سعد بن أبي وقاص فقال: [[إنما يغلب المسلمون عدوهم بتقواهم لله ومعصية عدوهم له، فإذا استوينا نحن وهم في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة]] أي: في كثرة الدبابات أو كثرة المجندين إلى غير ذلك؛ إذا استوينا نحن وهم في المعصية والأمر الآخر أنه إذا عصى الله من يعرفه سلط عليه من لا يعرفه، وهذه سنة من سنن الله قد ذكرها الله في القرآن في أول سورة الإسراء عندما سلط بختنصر على بني إسرائيل فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً. فكذلك يسلط الله تعالى على المؤمنين إذا هم عصوه وخالفوا أمره، وألقوا كتاب الله خلف ظهورهم، ولم يحكموا دينه وشرعه فإنه يسلط عليهم الكافر المشرك الذي لا يؤمن بالله -أصلاً- عقوبةً وعذاباً لهم حتى يرجعوا إلى دينهم.

стр. 839

بين الإعداد والتوكل السؤال ما حكم الاهتمام الزائد بتخزين الأقوات والأرزاق مع إهمال، ما هو أهم من ذلك هل ينافي كمال التوكل؟ الجواب هذا ينطبق عليه ما ذكره النبي ﷺ من أننا: ركنا إلى الدنيا وكرهنا الموت، وأخذنا بأذناب البقر، واشتغلنا بالزرع، وتركنا الجهاد، وأصبح همنا في هذه الدنيا: الطعام، والشراب. فقد كان العربي في الجاهلية يهجي: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي سبحان الله! ما كان يهجى به العربي في الجاهلية ويأنف منه الآن، فنحن الآن نفرح إذا بُشِّرنا بالطعام والشراب، قد كان هذا موجودًا في الجاهلية، لكن الإسلام ليس فيه إلا أن المؤمن يعلم أن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وأننا أمة جهاد، أمة شهادة. فهذا العمل من ضعف التوكل على الله ، وعلامةًً على ركوننا إلى هذه الدنيا، ومحبتنا وإيثارنا لها على الجنة. ولكن هذا لا يعني أن المسلم لا يأخذ بالأسباب في وقتها أو متى جاءت، ولكن الهلع عندما يدب إلى النفوس من قلة الأرزاق أو الغازات الكيماوية أو غيرها يجعلنا نتصرف تصرفات أشبه بالمعتوهين المذعورين، والأمر بعيد، وقد لا يصل إلى هذا الحد -والحمد لله- فسواحلنا ضخمة، موانئنا كبيرة وكثيرة على البحر، ومنافذنا كثيرة وواسعة، بل إن العالم يحتاج أن يبيع لنا. والذي يجب أن نكون عليه (الإيمان بالله، وأن نعد العدة لكي نجهاد في سبيل الله ، مع أنه لم ينقصنا المال ولم تنقصنا التعبئة العامة. ففي أي بلد -في العالم- يواجه حالة حرب، فإن من بديهيات العمل العسكري أن التعبئة العامة تكون بجمع (١٠%) من السكان، والعراق لم يُعد (١٠%) -مثلاً- فنحن إذا أعددنا (١٠%) والله لن تقف أمامنا أي قوة؛ فالمال موجود ولسنا نحن فقط حتى الكويت وغيرها؛ لأن الحرب الآن ليست بكثرة البشر أو كثرة العدد أو الدبابات، بل إن المؤمن الصادق والجاد -وإن لم يكن مؤمناً كحال الدول الغربية عليه أن يعد العدة، فبالإمكان وضع حواجز رهيبة جداً، لا يمكن لدبابات صدام أن تتعداها. نعم! نستطيع فعل ذلك؛ لكن المشكلة ليست في العدد والعدة، ولكنها هل أردنا ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة:٤٦] فنحن في عصرٍ إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب، وهذا سعي العالم، ومن كان جاهلاً فليعلم أنه كلما قيل: ' إن هؤلاء إخواننا، وهؤلاء جيراننا، وهناك معاهدات! دولية بيننا وبينهم' وأمريكا وروسيا لن ترضيا، كله تبختر ساعة العدوان. إذاً ما الحل؟ الحل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦٠]. أبداً: لا يستطيع أحد بأن يفكر أن يعتدي عليك إذا علم أن لديك القوة الكافية الرادعة. ولله الحمد والمنة، الذي أعطانا إمكانيات بشرية ومادية وحدودية، فلو صدقنا مع الله، وأردنا الجهاد، والله إننا لنستطيعه وحدنا وبمفردنا، ولينصرنا الله، ولنفتحن البلاد -أيضاً- ولندخلنها تحت شرع الله، فإن أبينا فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].

стр. 840

موقف إسرائيل من حرب الخليج السؤال لماذا إسرائيل الآن تلتزم الصمت هذه الأيام، مع علمي بدورها الأكيد في القضية؟ الجواب لا يوجد ظرف مر على إسرائيل أفضل ولا أحسن ولا أنسب من هذا الظرف؛ فالتجمعات العربية تفككت وانهارت، والأمة العربية -كما تسمى- وليس في تاريخنا شيءٌ يسمى أمة عربية وإنما هي أمة إسلامية -لكننا نستخدم ما يقولون! - وإنما هناك مسلمون وهناك من انحاز مع غير المسلمين، فأي شيء تريده إسرائيل أعظم من هذه الفرحة، فإننا نسينا مشكلة اليهود المهاجرين. فمنذ الأحداث وأنا أقول -عن نفسي-: هل سمعتم من أعاد موضوع المهاجرين أو ذكره؟ فالانتفاضة تأتي الأخبار عنها قليلة وكذلك كانت الإمدادات الكبيرة للانتفاضة من الكويت ثم انتهت والله المستعان! فقد نسينا قضايا إسلامية كبيرة تهم أمريكا وتهم إسرائيل -أيضاً- بسبب هذا الحدث، فنسينا أفغانستان والفلبين وإرتيريا، نسينا مسلمي سرلنكا يقتلون هذه الأيام بالمئات، ونسينا أنهم يذبحون باكستان لأنها أقوى دولة إسلامية وهي التي يمكن أن تهب لنجدة المسلمين في هذه الظروف، فتسلط عليها الهند وقضية كشمير، وأما تركيا فقد جعلوها تابعاً لهم، ويريدون أن يستغلوا هذه الأحداث لضمها ضمن الحلف الأطلسي كاملة، وهو حلف قديم من شروطه: أن لا يكون فيه إلا دول نصرانية، واسمه (الحلف المقدس) الذي كان بضم الدول النصرانية فقط. وأما أكثر دولة عربية من الناحية البشرية: مثلاً مصر والتي يمكن أن تؤثر على إسرائيل وغيرها، فلو لم يكن عندها هذه المرة مشكلة، إلا الألوف الذين عادوا بدون أعمال، فكانت مشكلة على مشاكلها السابقة فنقول: من حيث النظرة القريبة أن إسرائيل هذا يوم فرحتها الكبرى، ومع ذلك فإنها قد تتدخل عسكريًا، وإذا تطورت الأحداث ربما تزال دولة الأردن. بحيث تهاجمها إسرائيل لدخول العراق، وهو تهديد قديم. فكل دولة في المنطقة قريبة من إسرائيل أو بعيدة إلا ولها -الآن- ما يشغلها عن إسرائيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 841

منكرات صاحبت الأحداث السؤال بعد حدوث المصائب العظيمة مازالت المنكرات تعج بها أسواق المسلمين وبيوتهم، وكذلك وسائل الإعلام المسموعة والمرئية (من أغانٍ، ونساء متبرجات) فما تعليقك على هذا مع النصحية؟. الجواب ليس أكثر من قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٣].

стр. 842

متابعة وسائل الإعلام أثناء الأحداث السؤال ما رأيكم في من همه متابعة الوسائل والأخبار بدون تمييز ولا وعي، ودون الرجوع إلى الشرع أو إلى أهل العلم، نرجو منكم التوضيح مع الكلام عن ضرر كثير من وسائل الإعلام المضللة؟ الجواب العجيب! فعلاً -وإن كان ما يبرره- من كان يعلم أن أخبار المسلمين تأتي من إذاعة لندن ومنتكارلو، أو غيرها، وقد رأيت في مجالس كثيرة عندما تأتي أخبار لندن ومعها منتكارلو فيسمع الشخص واحدة ويسجل الأخرى، ثم يسمعها بعد ذلك فهذه مشكلة! أن نأخذ أخبارنا من عدونا! لكن للمشكلة ما يبررها وهو: أننا لا نجد في إعلامنا الإسلامي أو العربي التحليلات!! فلا توجد إلا في الصحافة التي تأتي من الخارج فهي التي تعطي بعض التصريحات، (فمثل بعض التصريحات التي قرأتها لكم التي تأتي من صحف لبنانية ونصرانية). فعندما يكون الإعلام بهذا المنوال فمن الطبيعي جداً أن يسمع الناس؛ لأن عندهم حساسية مرهفة في سماع اللحظة الآنية، ولا يهمهم الأخبار الماضية؛ ولهذا تعجب عندما يقال: ما رأيك هل تُضرب العراق أم لا؟! فليست مشكلتنا أنها تضرب أو لا تضرب، بل إن المشكلة في الأسباب والعبر والنتائج ولهذا اضطررت أن أقول: لا أتوقع ضربة عاجلة؛ لأن هؤلاء يريدون أن يعززوا مواقعهم؛ لأن أي ضربة غير حازمة قد تفشل، ولذلك يقولون: الضربة ستكون في أكتوبر، وبعد ذلك يقولون: في يناير، ليست القضية الضربة وانتهت. وإنما القضية. لماذا جاءوا الإعلام؟ لا شك أنه مظلل ولا سيما الإعلام الخارجي، ويجب أن ننتبه لهذا الجانب ونصحح أوضاعنا الإعلامية، وأن يكون فيما حدث من قصور في إعلامنا نقول لها: إن ما حدث عظة وعبرة، ونوصي إعلامنا والمسؤولين عليه بأن يتقوا الله، وأن يكون الإعلام على مستوى الأحداث -إن شاء الله تعالى- ثم نحن شباب المسلمين أوقاتنا ثمينة، وقد فرطنا في طلب العلم هذه الأيام، وفرطنا في سماع المواعظ! فرطنا في أشياء كثيرة، وقد كان عندي بعض الموضوعات التي أريد أن أتكلم فيها؛ وإذا بالشباب والناس لا يريدون إلا أن أتكلم في هذا الحدث. لكن علينا أن لا نضيع أوقاتنا ويكفينا أن نقرأ تحليلاً أو تحليلات لنعرف ما وراءها، ولنعرف أن هذا الأمر مخطط له من قبل سنوات، وعلينا أن نأخذ العبرة منه ثم ننطلق إلى ما بعد ذلك من الدعوة إلى الله، والصدع بكلمة الحق.

стр. 843

دور العلماء في أحداث الخليج السؤال أين دور علماء المسلمين في توضيح حقيقة مثل هذه الأحزاب -قبل الأحداث- وأعمالهم الخبيثة؟، وما تفسير ذلك: أهو جهل بواقع الأمة أم ماذا، الذين تكلموا عنها قبل الأحداث فهم قليل وعلى رأسهم الشيخ عبد الرحمن الدوسري ﵀ وكل ما نخشاه من سكوت العلماء أن تقع مصيبة ثانية، فما هي كلمتكم لعلماء المسلمين؟ الجواب علينا أن لا نضع اللوم على جهة معينة، فما دورنا نحن إلا إمام المسجد أو مدرس أو زميل له زملاء في العمل أو على الأقل أب وله إخوة وزملاء أو أسرة فما دورنا؟! لماذا نجعل اللوم على جهة معينة، وخاصة الذي يعيش معتركاً أو ظروفاً معينة تحتم عليه مجاملات أو أوضاعاً صعبة، فنحن في بحبوحة في أن نقول الحق في بيوتنا ونتكلم عن أنفسنا وعن واجبنا. هذه الأحزاب لابد أن تفضح، ونعوذ بالله أن يأتي يوم ونصطلح فيه مع صدام، ثم يأتي إلى الديار المقدسة. وهذه مشكلتنا، فليس لنا ولاءً، ولا عداوة ثابته، لأن هذه سياسة الغرب الذين يقولون: لا نعرف عداوات ثابته، ولا صداقات ثابته، ولكننا نعرف مصالح ثابتة. نقول: لا، أما إن آمن ورجع إلى الإسلام ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]، لكن: المشكلة أيضاً أن تصلح الأوضاع السياسية بالرجوع إلى الأخوّة العربية -ولا أحد يتكلم بعد ذلك- وهذا لا يصح؛ لأننا إذا أردنا ذلك يجب أن نضع أمام الناس المعايير العقدية الصحيحة في الولاء والبراء، ونعلمهم إياها وبذلك نفضح حزب البعث ذا الجناحين (أي: يحكم دولتين) وله أحزاب في دول أخرى، كل كلامنا الآن عن جناح واحد ودولة واحدة، وهناك جناح يجمع مصيبتين عقيدة كفرية وهذه العقيدة الجديدة وإلى الآن لم تتغير ولم تتبدل، أما الذين عداوتهم مكشوفة صريحة من يهود ونصارى، فعداوتهم هي الحد الأدنى الذي يجب أن نعلمه نحن المسلمين. وأقول: بكل أسف إننا لا نعلم عنهم إلا ما يعرض عن هؤلاء في حضارتهم واختراعاتهم واكتشافاتهم وتطوراتهم وتقدمهم، أما عداواتهم وخططهم فمبسوطة ومكشوفة في كتبهم، وهذه الكتب مطبوعة ومقروءة ومع ذلك لا نعرضها، فهذا الذي يجب علينا نحن الدعاة وطلاب العلم معرفته، وأن ننبه علماءنا إليه، ولا نقول: إنهم معصومون! لكن كفاهم أنهم أجهدوا أنفسهم في طلب العلم، وأعطوا الفتاوى في عباداتنا وفي عقائدنا وفي معاملاتنا، وهذه ثغرات لا نستطيع أن نسدها نحن: أقلُّوا عنهم لا أباً لأبيكم من اللوم أو سُدُّوا المكان الذي سدوا من منا يسد مكان العلماء؟ والله لا أحد؛ لكن نقول: نعم، عندهم تقصير في معرفة الواقع ونحن نستكملها، ليس من فضلنا عليهم، لكن لأننا نعايش الأحداث، أما هم فما عاشوا هذه الأحداث؛ بحكم الزمن الذي عاشوا أو بحكم أوضاع أخرى، فنقول: العلماء جزاهم الله خيراً نحن نكملهم ونتممهم ونبين لهم أمر الواقع، ومع ذلك أقول: المسئولية الأساسية علينا نحن طلبة العلم بالدرجة الأولى، فَكرِّوا فيمن سوف يخلفهم فأن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً، ولكن بموت العلماء، حتى إذا هلكوا اتخذ الناس رؤساءَ جهالاً نعوذ بالله. فقد أصبحنا نسمع وفي أكثر من مكان من الرؤساء الجهال، فعلموا الأمة من الذي يمكن أن تسمع منه؟ إنهم أهل العلم والحق والفضل. وعلينا الآن أن نعد العدة لاستكمال واجب ودور العلماء من جهة؛ وفيمن يخلفهم -بإذن الله- في قيادة هذه الأمة عملياً من جهة أخرى. والحمد لله رب العالمين.

стр. 844

درجة الخوف من الله تحدث الشيخ حفظه الله عن الخوف والرجاء ووجوب اقترانها لصلاح العمل، وبيّن الكيفية الشرعية للتوسل إلى الله ﵎، كما أورد صوراً من التوسل عند المشركين والأمم السابقة وحذر منها، ثم وضح المراد من آية الوسيلة، وفسرها تفسيراً ذكر فيه أركان العبادة الثلاثة: الخوف، والرجاء، والمحبة، موضحاً بعض صور الخوف المحرمة، مع ذكر كلام ابن القيم في التفريق بين الخوف والخشية، والرهبة والرغبة، والهيبة والوجل، والإشفاق. مبيناً خلال ذلك أن الخوف ليس مقصوداً لذاته؛ بل هو مقصود لغيره، وهو وسيلة للانزجار عما نهى الله عنه.

стр. 845

التوسل قال الإمام الطحاوي: 'ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم'. قال المصنف:- "وعلى المؤمن أن يعتقد هذا الذي قاله الشيخ ﵀ في حق نفسه وفي حق غيره، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء:٥٧] وقال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤١] ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠] ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْن﴾ [المائدة:٤٤] ومدح أهل الخوف فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧ - ٦١]. وفي المسند والترمذي عن عائشة ﵂، قالت: ﴿قلت: يا رسول الله، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَة﴾ [المؤمنون:٦٠] أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه﴾ قال الحسن ﵁: [[عملوا -والله- بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحساناً وخشية، والمنافق جمع إساءةً وأمناً]] انتهى. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٨] فتأمل كيف جعل رجاءهم مع إتيانهم بهذه الطاعات، فالرجاء إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله تعالى وشرعه وقدره وثوابه وكرمه، ولو أن رجلاً له أرض يؤمل أن يعود عليه من مَغَلِّها ما ينفعه، فأهملها ولم يحرثها ولم يبذرها، ورجا أنه يأتي من مَغَلِّها مثل ما يأتي من حَرَثَ وزَرَع وتعاهد الأرض، لَعّده الناس من أسفه السفهاء، وكذا لو رجا وحسن ظنه أن يجيئه ولد من غير جماع! أو يصير أعلم أهل زمانه من غير طلب علم وحرص تام! وأمثال ذلك، فكذلك من حَسُن ظنه وقوي رجاؤه في الفوز بالدرجات العلى، والنعيم المقيم من غير طاعة ولا تقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه' ا. هـ. الشرح: يقول المصنف رحمه الله تعالى: 'على المؤمن أن يعتقد هذا الذي قاله الشيخ في حق نفسه وفي حق غيره' فذكر ما نعتقده في غيرنا من الناس، سواءً المؤمن منهم والمحسن، أم المسيء والفاجر، فيضيف المصنف ويقول: هذا ما نعتقده في حق أنفسنا وفي حق غيرنا، والإشارة ترجع إلى الخوف والرجاء وعدم الأمن وعدم القنوط، فنحن لأنفسنا نعتقد ذلك، فنخاف الله ونخاف ذنوبنا، ولكن نرجو رحمة الله ومغفرته، وإذا عملنا عملاً صالحاً نخاف أن لا يقبله، ولكن نرجو أن يتقبله؛ لأنه لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فيكون حالنا بين الخوف والرجاء.
следующие страницы →