← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

منكرات صاحبت الأحداث السؤال بعد حدوث المصائب العظيمة مازالت المنكرات تعج بها أسواق المسلمين وبيوتهم، وكذلك وسائل الإعلام المسموعة والمرئية (من أغانٍ، ونساء متبرجات) فما تعليقك على هذا مع النصحية؟. الجواب ليس أكثر من قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٣].

стр. 842

متابعة وسائل الإعلام أثناء الأحداث السؤال ما رأيكم في من همه متابعة الوسائل والأخبار بدون تمييز ولا وعي، ودون الرجوع إلى الشرع أو إلى أهل العلم، نرجو منكم التوضيح مع الكلام عن ضرر كثير من وسائل الإعلام المضللة؟ الجواب العجيب! فعلاً -وإن كان ما يبرره- من كان يعلم أن أخبار المسلمين تأتي من إذاعة لندن ومنتكارلو، أو غيرها، وقد رأيت في مجالس كثيرة عندما تأتي أخبار لندن ومعها منتكارلو فيسمع الشخص واحدة ويسجل الأخرى، ثم يسمعها بعد ذلك فهذه مشكلة! أن نأخذ أخبارنا من عدونا! لكن للمشكلة ما يبررها وهو: أننا لا نجد في إعلامنا الإسلامي أو العربي التحليلات!! فلا توجد إلا في الصحافة التي تأتي من الخارج فهي التي تعطي بعض التصريحات، (فمثل بعض التصريحات التي قرأتها لكم التي تأتي من صحف لبنانية ونصرانية). فعندما يكون الإعلام بهذا المنوال فمن الطبيعي جداً أن يسمع الناس؛ لأن عندهم حساسية مرهفة في سماع اللحظة الآنية، ولا يهمهم الأخبار الماضية؛ ولهذا تعجب عندما يقال: ما رأيك هل تُضرب العراق أم لا؟! فليست مشكلتنا أنها تضرب أو لا تضرب، بل إن المشكلة في الأسباب والعبر والنتائج ولهذا اضطررت أن أقول: لا أتوقع ضربة عاجلة؛ لأن هؤلاء يريدون أن يعززوا مواقعهم؛ لأن أي ضربة غير حازمة قد تفشل، ولذلك يقولون: الضربة ستكون في أكتوبر، وبعد ذلك يقولون: في يناير، ليست القضية الضربة وانتهت. وإنما القضية. لماذا جاءوا الإعلام؟ لا شك أنه مظلل ولا سيما الإعلام الخارجي، ويجب أن ننتبه لهذا الجانب ونصحح أوضاعنا الإعلامية، وأن يكون فيما حدث من قصور في إعلامنا نقول لها: إن ما حدث عظة وعبرة، ونوصي إعلامنا والمسؤولين عليه بأن يتقوا الله، وأن يكون الإعلام على مستوى الأحداث -إن شاء الله تعالى- ثم نحن شباب المسلمين أوقاتنا ثمينة، وقد فرطنا في طلب العلم هذه الأيام، وفرطنا في سماع المواعظ! فرطنا في أشياء كثيرة، وقد كان عندي بعض الموضوعات التي أريد أن أتكلم فيها؛ وإذا بالشباب والناس لا يريدون إلا أن أتكلم في هذا الحدث. لكن علينا أن لا نضيع أوقاتنا ويكفينا أن نقرأ تحليلاً أو تحليلات لنعرف ما وراءها، ولنعرف أن هذا الأمر مخطط له من قبل سنوات، وعلينا أن نأخذ العبرة منه ثم ننطلق إلى ما بعد ذلك من الدعوة إلى الله، والصدع بكلمة الحق.

стр. 843

دور العلماء في أحداث الخليج السؤال أين دور علماء المسلمين في توضيح حقيقة مثل هذه الأحزاب -قبل الأحداث- وأعمالهم الخبيثة؟، وما تفسير ذلك: أهو جهل بواقع الأمة أم ماذا، الذين تكلموا عنها قبل الأحداث فهم قليل وعلى رأسهم الشيخ عبد الرحمن الدوسري ﵀ وكل ما نخشاه من سكوت العلماء أن تقع مصيبة ثانية، فما هي كلمتكم لعلماء المسلمين؟ الجواب علينا أن لا نضع اللوم على جهة معينة، فما دورنا نحن إلا إمام المسجد أو مدرس أو زميل له زملاء في العمل أو على الأقل أب وله إخوة وزملاء أو أسرة فما دورنا؟! لماذا نجعل اللوم على جهة معينة، وخاصة الذي يعيش معتركاً أو ظروفاً معينة تحتم عليه مجاملات أو أوضاعاً صعبة، فنحن في بحبوحة في أن نقول الحق في بيوتنا ونتكلم عن أنفسنا وعن واجبنا. هذه الأحزاب لابد أن تفضح، ونعوذ بالله أن يأتي يوم ونصطلح فيه مع صدام، ثم يأتي إلى الديار المقدسة. وهذه مشكلتنا، فليس لنا ولاءً، ولا عداوة ثابته، لأن هذه سياسة الغرب الذين يقولون: لا نعرف عداوات ثابته، ولا صداقات ثابته، ولكننا نعرف مصالح ثابتة. نقول: لا، أما إن آمن ورجع إلى الإسلام ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]، لكن: المشكلة أيضاً أن تصلح الأوضاع السياسية بالرجوع إلى الأخوّة العربية -ولا أحد يتكلم بعد ذلك- وهذا لا يصح؛ لأننا إذا أردنا ذلك يجب أن نضع أمام الناس المعايير العقدية الصحيحة في الولاء والبراء، ونعلمهم إياها وبذلك نفضح حزب البعث ذا الجناحين (أي: يحكم دولتين) وله أحزاب في دول أخرى، كل كلامنا الآن عن جناح واحد ودولة واحدة، وهناك جناح يجمع مصيبتين عقيدة كفرية وهذه العقيدة الجديدة وإلى الآن لم تتغير ولم تتبدل، أما الذين عداوتهم مكشوفة صريحة من يهود ونصارى، فعداوتهم هي الحد الأدنى الذي يجب أن نعلمه نحن المسلمين. وأقول: بكل أسف إننا لا نعلم عنهم إلا ما يعرض عن هؤلاء في حضارتهم واختراعاتهم واكتشافاتهم وتطوراتهم وتقدمهم، أما عداواتهم وخططهم فمبسوطة ومكشوفة في كتبهم، وهذه الكتب مطبوعة ومقروءة ومع ذلك لا نعرضها، فهذا الذي يجب علينا نحن الدعاة وطلاب العلم معرفته، وأن ننبه علماءنا إليه، ولا نقول: إنهم معصومون! لكن كفاهم أنهم أجهدوا أنفسهم في طلب العلم، وأعطوا الفتاوى في عباداتنا وفي عقائدنا وفي معاملاتنا، وهذه ثغرات لا نستطيع أن نسدها نحن: أقلُّوا عنهم لا أباً لأبيكم من اللوم أو سُدُّوا المكان الذي سدوا من منا يسد مكان العلماء؟ والله لا أحد؛ لكن نقول: نعم، عندهم تقصير في معرفة الواقع ونحن نستكملها، ليس من فضلنا عليهم، لكن لأننا نعايش الأحداث، أما هم فما عاشوا هذه الأحداث؛ بحكم الزمن الذي عاشوا أو بحكم أوضاع أخرى، فنقول: العلماء جزاهم الله خيراً نحن نكملهم ونتممهم ونبين لهم أمر الواقع، ومع ذلك أقول: المسئولية الأساسية علينا نحن طلبة العلم بالدرجة الأولى، فَكرِّوا فيمن سوف يخلفهم فأن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً، ولكن بموت العلماء، حتى إذا هلكوا اتخذ الناس رؤساءَ جهالاً نعوذ بالله. فقد أصبحنا نسمع وفي أكثر من مكان من الرؤساء الجهال، فعلموا الأمة من الذي يمكن أن تسمع منه؟ إنهم أهل العلم والحق والفضل. وعلينا الآن أن نعد العدة لاستكمال واجب ودور العلماء من جهة؛ وفيمن يخلفهم -بإذن الله- في قيادة هذه الأمة عملياً من جهة أخرى. والحمد لله رب العالمين.

стр. 844

درجة الخوف من الله تحدث الشيخ حفظه الله عن الخوف والرجاء ووجوب اقترانها لصلاح العمل، وبيّن الكيفية الشرعية للتوسل إلى الله ﵎، كما أورد صوراً من التوسل عند المشركين والأمم السابقة وحذر منها، ثم وضح المراد من آية الوسيلة، وفسرها تفسيراً ذكر فيه أركان العبادة الثلاثة: الخوف، والرجاء، والمحبة، موضحاً بعض صور الخوف المحرمة، مع ذكر كلام ابن القيم في التفريق بين الخوف والخشية، والرهبة والرغبة، والهيبة والوجل، والإشفاق. مبيناً خلال ذلك أن الخوف ليس مقصوداً لذاته؛ بل هو مقصود لغيره، وهو وسيلة للانزجار عما نهى الله عنه.

стр. 845

التوسل قال الإمام الطحاوي: 'ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم'. قال المصنف:- "وعلى المؤمن أن يعتقد هذا الذي قاله الشيخ ﵀ في حق نفسه وفي حق غيره، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء:٥٧] وقال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤١] ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠] ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْن﴾ [المائدة:٤٤] ومدح أهل الخوف فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧ - ٦١]. وفي المسند والترمذي عن عائشة ﵂، قالت: ﴿قلت: يا رسول الله، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَة﴾ [المؤمنون:٦٠] أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه﴾ قال الحسن ﵁: [[عملوا -والله- بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحساناً وخشية، والمنافق جمع إساءةً وأمناً]] انتهى. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٨] فتأمل كيف جعل رجاءهم مع إتيانهم بهذه الطاعات، فالرجاء إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله تعالى وشرعه وقدره وثوابه وكرمه، ولو أن رجلاً له أرض يؤمل أن يعود عليه من مَغَلِّها ما ينفعه، فأهملها ولم يحرثها ولم يبذرها، ورجا أنه يأتي من مَغَلِّها مثل ما يأتي من حَرَثَ وزَرَع وتعاهد الأرض، لَعّده الناس من أسفه السفهاء، وكذا لو رجا وحسن ظنه أن يجيئه ولد من غير جماع! أو يصير أعلم أهل زمانه من غير طلب علم وحرص تام! وأمثال ذلك، فكذلك من حَسُن ظنه وقوي رجاؤه في الفوز بالدرجات العلى، والنعيم المقيم من غير طاعة ولا تقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه' ا. هـ. الشرح: يقول المصنف رحمه الله تعالى: 'على المؤمن أن يعتقد هذا الذي قاله الشيخ في حق نفسه وفي حق غيره' فذكر ما نعتقده في غيرنا من الناس، سواءً المؤمن منهم والمحسن، أم المسيء والفاجر، فيضيف المصنف ويقول: هذا ما نعتقده في حق أنفسنا وفي حق غيرنا، والإشارة ترجع إلى الخوف والرجاء وعدم الأمن وعدم القنوط، فنحن لأنفسنا نعتقد ذلك، فنخاف الله ونخاف ذنوبنا، ولكن نرجو رحمة الله ومغفرته، وإذا عملنا عملاً صالحاً نخاف أن لا يقبله، ولكن نرجو أن يتقبله؛ لأنه لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فيكون حالنا بين الخوف والرجاء.

стр. 846

التوسل عند المشركين ثم ذكر الشيخ هذه الآية العظيمة، وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الإسراء:٥٧] وفي قراءة لـ ابن مسعود: ((أُولَئِكَ الَّذِينَ تَدْعُونَ)) فيكون الخطاب فيها للكفار والمشركين لأنهم هم الذين يدعون آلهة من دون الله، والخطاب فيها بصيغة الغائب، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الاسراء:٥٧] ويوضح معنى هذه الآية الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء:٥٦] فهي توضح أن الله يقول للنبي ﷺ : قل لهؤلاء المشركين ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يستطيعون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، وهذه الأصنام والأرباب جميعاً -من حجارة أو من بشر- لا تملك رزقاً ولا أجلاً، بل لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا يخلقون شيئاً وهم يخلقون، فهم من خلق الله ولا يملكون الحياة والممات وتدبير الأمور والتقديم والتأخير والعطاء والمنع؛ بل هو لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا ينفع ذا الجد منه الجد، والنتيجة دعاء خاسر: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد:١٤] في الدنيا والآخرة ولكن تظهر عاقبته في الآخرة: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦] وتَبَرَّأَ الكبراء من الضعفاء، والرؤساء من الأتباع، وكانوا بعبادتهم كافرين، وأصبحت المودة التي كانت بينهم في الحياة الدنيا عداوة يوم القيامة، ويتلاعنون في النار كما بين الله في أكثر من موضع، فهذا هو حالهم مع أولئك، فلا يرجى من وراء دعوتهم ودعائهم وعبادتهم إلا الخيبة والندامة والحسرة والخسران في الدنيا والآخرة، ولذلك ضرب الله ﵎ المثل للمشركين الذين يدعون غير الله، سواءً أكانوا ملائكةً أم جناً أم عباداً صالحين أم حجارةً فقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] فليس له من ينقذه أو ينجيه أو يتمسك به، فهذا هو حال أولئك المشركين. ثم جاء بهذا البرهان القاطع الجلي، وهو: أن هؤلاء القوم المدعوين والمعبودين سواءٌ أكانوا ملائكة أم جناً أم أمواتاً أم صالحين -وهذا التفسير كما فسرها عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وغيره- الذين هم مؤمنون بالله ، كالملائكة فإنه لا شك في إيمانهم، وأيضاً مؤمنو الجن، وعباد الله الصالحون، كما جاء في الحديث عن الرجال الصالحين من قوم نوح، ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فكل من كان عبداً صالحاً لله فإنه لا يجوز أن يُعُبد؛ لأنه هو يعبد الله ويتقرب إلى ربه كما تتقرب أنت إلى ربك، فكيف تعبده وحاله حالك، وافتقاره افتقارك، وذُلّة ذلك، وخضوعه خضوعك، ورجاؤه رجاؤك؟! (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة). وهذه الوسيلة قد ضل فيها من ضل من الناس، ولو قابلت من الروافض المشركين، أو عباد القبور الصوفية في كل البلاد لقال: نحن نعتقد أن الله هو الخالق الرازق، وهؤلاء لا ينفعون ولا يضرون، وإنما نحن نذهب إلى الحسين والبدوي وندعو يا عباس، أو يا علي، أو يا حسن، أو يا حسين، ويقولون: نقصد بذلك الوسيلة، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] فيقول: إن الله أمرنا أن نتخذ وسيلة وواسطة إليه، أما أنتم أيها الوهابية فتنكرون كتاب الله، وتعادون أولياء الله، وتكرهون رسول الله ﷺ ، وتقولون: لا نتخذ وسيلة إلى الله، فنقول: يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥]، فهذه الآية تبين معنى الوسيلة وأنه وليس المقصود بالوسيلة الأشخاص والذوات، ولو كانت كذلك لما كان لهذه الآية معنى؛ لأن هؤلاء الأشخاص أو الذوات يبتغون إلى ربهم الوسيلة، فهل هؤلاء الأشخاص ببتغون أشخاصاً آخرين، لا يمكن هذا؛ لأنهم هم الذين يُبْتغَون ويُعبَدون.

стр. 847

معنى الوسيلة فالوسيلة هي: القُربة كما قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح ٨/ ٣٩٧؛ حيث يقول: 'والمراد بالوسيلة القربة أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري من طريق أخرى عن قتادة، ومن طريق ابن عباس أيضاً'. فالوسيلة هي: القربة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] أي: ابتغوا إليه القربة، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء:٥٧] فكلمة أقرب توضح أن المراد هو: القربة، حيث إن كلاً منهم يريد القربة، فهم يتنافسون ويتسابقون أيهم أقرب إلى الله ؛ وأيهم أكثر ذلاً وخضوعاً وانقياداً واستسلاماً وعبوديةً ودعاءً وضراعةً ورغبةً ورهبةً وإنابةً، فهذا هو المعنى الصحيح. ولهذا ذكر الإمام البخاري ﵀ بالسند المتصل عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: [[كان ناس من الإنس يعبدون ناساً من الجن، فأسلم الجن، وتمسك هؤلاء بدينهم]] فهم في الجاهلية كانوا يعبدون الجن ويوم القيامة تشهد عليهم الملائكة بذلك، كانوا يعبدون الجن وأكثرهم بهم مؤمنون، فلما بُعث رسول الله ﷺ واستمع إليه نفرٌ من الجن ولَّوا إلى قومهم منذرين، كما أخبر الله ﵎، وكما جاء في الأحاديث الأخرى أن النبي ﷺ ذهب إليهم وعلمهم فآمنت الجن وكان ممن آمن منهم جنٌ كان يعبدهم المشركون من الإنس، فآمن المعبودون وظل العابدون على شركهم يعبدون من قد أناب وتاب وآمن، وهو يعبد الله ويبتغي إليه الوسيلة يرجو رحمة الله ويخاف عذابه.

стр. 848

التوسل الممنوع يقول الحافظ ابن حجر: 'وهناك رواية عن ابن عباس أن المقصود في هذه الآية هم: الملائكة والمسيح وعزير'. ولكن قال: إنها ضعيفة، والمعنى في هذه الآية واضح، وهو أن هؤلاء عباد صالحون الملائكة والمسيح وعزير منهم، وكذلك من ذكرهم عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، فهذه أمثلة وأنواع فيمن يُعْبد من دون الله وهو غير راضٍ بهذه العبادة. وهناك الآن من يعبد علياً رضي الله تعالى عنه والحسن والحسين وأمثاله من الصالحين كـ جعفر وعبد القادر الجيلاني، فهؤلاء كانوا يعبدون الله ويخافونه ويرجونه. ولكن الناس في الحاضر قاموا بعبادتهم، وهذه الحجة القرآنية قائمة على كل هؤلاء، فمثلاً البدوي وأمثاله لم يعرف عنهم صلاح وما جاء من أحوالهم يدل على أنهم زنادقة، مما يدل على أن الناس يتوسلون إلى الله بمن لا يؤمن بالله، كما كان بعض شيوخ الطرق الصوفية. فالناس يرونه يترك الجمعة والجماعات ويمشي وهو بادي العورة في الطرقات، ويفعل أقبح القبائح، ومع ذلك يعتقدون ولايته ويعبدونه، ويدعونه حياً وميتاً، فهؤلاء ليس لهم ولاية ولا مكانة عند الله ، فمن يتقرب ويظن أنه يتقرب إلى الله بهم فهو واضح الخسارة والخيبة، وليس لديه عقل ولا فكر ولا رأي. وأما الذي يتوسل إلى الله ﵎ بالملائكة، ويقول هؤلاء ملائكة الله نتقرب إلى الله بعباده المكرمين، أو يتوسل إلى الله بأنبيائه أو بعباد الله وأوليائه وأصفيائه، ويقول: نحن نتقرب إلى الله بهؤلاء، فالجواب عليه واضح في الحجة القرآنية، وهي أن هؤلاء أنفسهم إنما يعبدون ويدعون ويتقربون إلى الله، فالواجب التقرب إلى الله كتقربهم ولا نجعلهم هم الوسيلة.

стр. 849

أركان العبادة في آية الوسيلة وقد ذكر الله في هذه الآية المراتب الثلاثة، وهي: أركان العبادة الثلاثة: الحب، والخوف، والرجاء، ونستطيع أن نستنبط الحب من قوله: (أيهم أقرب) فعندما تقول فلان أقرب إليك أي: أن محبته لك أكثر، فالقرب هو لازم المحبة. وأساس كل الطاعات هي المحبة، وأساس الإيمان بالله تعالى هو محبته ومحبة رسوله ﷺ ، ونستنبط الرجاء من قوله: (يرجون رحمته) والخوف من قوله: (يخافون عذابه) ولذلك حقيقة العبودية هي: كمال الذل والخضوع، مع كمال المحبة والإجلال. فإذا جردنا العبودية من المحبة، فإنها تصبح خوفاً محضاً، ولذلك نوضح بالأمثلة عبودية الأقوام السابقة، فالطواغيت نوعان في جميع العصور: إما طواغيت سلطان ورئاسة وعلو في الأرض، كما أخبرنا الله ﵎، وهؤلاء هم الذين يريدون علواً في الأرض، فهؤلاء طواغيت الرئاسة والحكم والسلطة والعلو يجعلون أنفسهم أرباباً وآلهةً من دون الله، ومن المعلوم أن من كره هؤلاء ومقتهم أنه غير عابد لهم، وإن كان مطيعاً لهم، فقد يكون من جنودهم وأتباعهم لكن ليس من عبادهم؛ لأن أساس العبادة هو: المحبة. والنوع الآخر من الطواغيت هم: طواغيت التدين والدين والخرافة والتبديل والتحريف، وهؤلاء لخطرهم ولضررهم هم الأكثر والتحذير منهم في القرآن أكثر، وأكثر شرك الناس بسببهم؛ لأنه لا يقترن بهم قوة ولا سلطان فإذا وجدت بين أهل مصر من يثني على فرعون، فيحتمل أنه يثني عليه خوفاً منه؛ لأنه الملك أو لمصلحة أو رابطة دنيوية ولا يكون عابداً له ولا مؤلهاً له، لكن من كان يحب البابا يوحنا أو شيخ الطريقة أو البدوي، فهذا لا سلطان له، وسبب محبته أنها محبة تَقَرُّب وتَنَسُّك وأنه يظن ذلك ديناً. والطاغوت: هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله ﷺ . فهؤلاء الذين ذكرهم الله من أول صفاتهم المحبة؛ لأنها الركن الأساس من أركان العبادة أو العبودية، والرجاء هو الركن الثاني، فبالإجلال والتقدير والمحبة تكون العبادة، فإذا اجتمع هذان أصبحت عبادة، وإذا انتفى أحد هذين لم تصبح عبادة.

стр. 850

الخوف من الله تعالى وقال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤١] وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠] ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤] أو ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة:١٥٠] فهذه الآيات كلها في الخوف والرهبة والخشية. قال: 'ومدح الله تعالى أهل الخوف وأثنى عليهم فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧ - ٦١] ' هذه الآيات من سورة المؤمنون آيات عظيمة ذكرها الله ، وسياقها يبين ما جاء في تفسيرها، وأنه تفسير حق ودلالته صحيحة. وسياق الآيات هذه في بيان المحسنين السابقين كما ذكر في آخرها: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٦١] فالذي يسارع في الخيرات ويسابق هو في درجة الإحسان والتقوى، وأما حال الفريق الآخر فقال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون:٥٤] وبين شعورهم ونظرتهم واعتقادهم فيما ينعم الله ﵎ به عليهم: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون:٥٥ - ٥٦] فالله ذكر صنفين: صنف معرض عن الله وغير مؤمن به، فهو في غمرة ولهو، وعندما يرزق ويعطى يظن أنه مسارعة من الله ﵎ له بالخيرات لفضله وخيره وصلاحه. والصنف الآخر: هم المؤمنون. وعندما يذكر الله ﵎ أحوال أهل الكفر مقابل أحوال أهل الإيمان فإنه يذكر أعلى صفاتهم، فعندما يذكر الكفار يذكر أعلى درجاتهم في الكفر، وكذلك عندما يذكر صفات أهل الإيمان يذكر أعلى درجاتهم في الإيمان، ولا يذكر ضعاف الإيمان في هذا المقام المقابل للكفر، إنما يذكر في مقابل الكفار أهل الإيمان وما هم فيه من الفضل والسابقة والمسارعة والخير، وفي هذا دليل على أن الآيات هي في هؤلاء، ولذلك ما جاء فيها من الحديث ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح في (٨/ ٢٩٩) أنه الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة وصححه الحاكم، وسكت الحافظ رحمه الله تعالى ولم يشر إلى أن فيه انقطاعاً ما بين عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني وعائشة؛ ولكن التفسير صحيح قالت: ﴿قلت يا رسول الله، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَة ٌ)) [المؤمنون:٦٠] أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟﴾، فكان مقصودها ﵂ أن هؤلاء العباد من إيمانهم وفضلهم وخيرهم إذا أتوا منكراً أو فعلوا فاحشة فإنهم يفعلونها وهم خائفون؛ لكن الأمر أجل وأعظم من ذلك، فقال النبي ﷺ : ﴿لا يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه﴾ فهم يؤتون ويعطون ويبذلون من القربات والطاعات وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، فلسان حاله يقول: نعم صمت وصليت وحججت واعتمرت وأحسنت إلى الفقراء والمساكين، وحفظت لساني عن غيبة إخواني المسلمين، وحفظت يدي عن حقوقهم، لكني والله لا أدري أتقبل مني هذه العبادة أم لا، وربما كان في الحج من الرفث واللغو والفسوق والجدال أو الرياء ما أحبط الحج، فلربما كان في الصلاة والزكاة ما يحبطها، وربما انتفت بعض الشروط أو بعض الواجبات، أو فسدت النية فلم تقبل هذه الطاعة، فالمؤمن يعمل الطاعة وهو يخاف أن لا تقبل منه. فهذه هي الدرجة التي ينبغي أن يكون عليها المؤمن، لكن الواقع من كثير من الناس أنهم يعملون المعاصي، ويرتكبون المحرمات ولا توجل قلوبهم، ولا يخافون من الله، والله تعالى يقول: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١] فالإنسان إذا عمل طاعةً أو معصيةً فعليه أن يتقي الله، ويشعر أنه راجع إلى الله، فإن كان ما عمله طاعةً فيخاف ألا تقبل وإن كان ما عمله معصيةً أو منكراً أو فاحشةً، فهو أحرى وأجدر أن يخاف الله، فليتب وينزجر عن معصية الله ﵎.

стр. 851

الفرق بين الخوف والخشية وابن القيم ﵀ في الجزء الأول من مدارج السالكين صفحة (٥٠٢) ذكر شرحاً لمنزلة الخوف، وكلام المصنف ﵀ مأخوذ من كلام ابن القيم حيث ذكر آية ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠] وآية: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْن﴾ [المائدة:٤٤] وذكر أن الله مدح أهل الخوف. ثم ذكر الآيات من سورة المؤمنون، والحديث الذي ذكرناه آنفاً، ثم أتى ﵀ بكلام نفيس في بيان الفرق بين هذه الألفاظ، مثل: الرهبة والوجل والخشية والخوف والإشفاق، والتفريق بينها من دقائق العلم التي لا يتفطن إليها إلا من وفقه الله، كما كان حال ابن القيم ﵀ فيقول: 'الوجل والخوف والخشية والرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة ' قال: 'قيل: إن الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره، وقيل اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف'. وحقيقة الخوف واضحة، وإيضاح الواضح من المشكلات، فالخوف معروف، لكن نأخذ ما بعده ليتضح الفرق، ويقول ﵀: 'الخشية أخص من الخوف؛ فإن الخشية للعلماء بالله' وأخذ هذا من قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] فالعلماء هم الذين يخشون الله؛ لأن الناس في هذا أنواع: فالنوع الأول: العالم بالله، والعالم بدين الله، فهم من يخشى الله . النوع الثاني: عالم بالله غير عالم بدين الله، وهذا الذي وقع فيه كثير من العباد، فهو لديه حقائق الإيمان واليقين والإخلاص والرجاء والرغبة والخوف؛ ولكنه غير عالم بدين الله، فلا يعرف الحلال من الحرام، وربما وقع في البدعة فخرج عن طريق الإيمان والعلم، ولم يعد عالماً بالله. النوع الثالث: من ليس عالماً بالله ولا عالماً بدين الله، وهذا حال أكثر الخلق، نسأل الله العفو والعافية. يقول ابن القيم: ' فهي -أي: الخشية- خوف مقرون بمعرفة، وقال النبي ﷺ : ﴿إني أتقاكم لله، وأشدكم له خشية ' وفي رواية أخرى: إني لأعلمكم بالله، وأشدكم له خشية﴾ فالخشية مقترنة بالعلم، ففيها زيادة العلم والمعرفة بالمعبود ، وبيَّن ابن القيم الفرق بينهما فقال: 'فالخوف حركة، والخشية انجماع وانقباض، فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك له حالتان: إحداهما: حركة للهرب منه وهي حالة الخوف. والثانية: سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه فيه وهي: الخشية ثم قال: وأما الرهبة فهي الإمعان في الهرب من المكروه -فالرهبة خوف؛ ولكن فيها زيادة إمعان في الهرب من المخوف منه وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه' فالرغبة زيادة عن مجرد المحبة، فالمحبة بلا رغبة لا يقترن بها الحرص والطلب، وأما الرغبة فيقترن بها العمل والحرص وطلب هذا المحبوب المراد، ثم يقول ﵀: 'وبين الرهب والهرب تناسب في اللفظ والمعنى'. وهذه عادة لغة القرآن واللغة العربية.

стр. 852

الفرق بين الرهبة والرغبة والوجل والهيبة ثم قال: 'وأما الوجل فرجفان القلب، وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته، أو لرؤيته' فالوجل خوف؛ ولكنه من نوع خاص بالنسبة لشعور الإنسان عندما يرى من يجل أو من يخاف منه أو إذا ذكر عنده من يخافه، ثم قال: 'وأما الهيبة فخوف مقارن للتعظيم والإجلال' فالهيبة خوف؛ ولكنه ليس خوفاً مجرداً، إنما خوف مقترن به التعظيم والإجلال، كما قالت العرب: أهابك إجلالاً ومابك قدرة علي ولكن ملء عينٍ حبيبها قال: 'وأكثر ما تكون مع المحبة والمعرفة، والإجلال: تعظيم مقرون بالحب، -ثم قال- فالخوف لعامة المؤمنين' فكل مؤمن لابد أن يخاف الله ، فهذا الذي نعتقده، وكل مؤمن مطالب أن يخاف على نفسه وعلى إخوانه المسلمين، وأن يخاف الله ﵎، فالمقصود أن الخوف لعامة المؤمنين والخشية للعلماء، فالعلماء عندهم زيادة خوف مع علم فتصبح خشية، والهيبة للمحبين سواء كانوا من العلماء أم من غيرهم، وهذه ليست متعارضة بل يوجد بينها قدر مشترك قد تزيد صفة، أو جانب من الجوانب في فرد وجانب يزيد في فرد آخر، كما كان الصحابة رضوان الله عليهم والسلف، فبعضهم يزيد عنده جانب الرجاء قليلاً، وبعضهم جانب الخوف، وبعضهم جانب الهيبة، وبعضهم جانب الخشية، فمثلاً أبو سليمان الداراني ﵀ وعامر بن عبد القيس، وعبد الله بن المبارك، والفضيل بن عياض، وسفيان الثوري، ﵏ غيرهم غلب عليهم جانب الخوف، وبعض العلماء يغلب عليهم جانب الهيبة والإجلال والمحبة، والله ﵎ جعل للنفوس التنوع في التعبدات؛ ليُعْبَد بكل أنواع العبوديات، وهي في الأصل مشتركة ولها أصل مشترك بين جميع الناس، فيقول: 'الخوف لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبين، والإجلال للمقربين، وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية، كما قال ﷺ : ﴿إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية﴾، وفي رواية ﴿خوفاً﴾ وقال: ﴿لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى﴾ فزيادة علم النبي ﷺ تدل على معرفته بربه وهيبته له ﵎، وإجلاله في قلبه، ومن معرفته لما أعده الله ﵎ للمؤمنين من الثواب، وللمجرمين من العقاب، ومعرفته ﷺ وعلمه بأيام الله وسنن الله في الذين خلوا من قبلنا. وهذه القلوب في مثل هذا تتفاوت تفاوتاً عظيماً جداً، وهذا هو موضع زيادة الإيمان ونقصانه وموضع التنافس: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] ثم يوضح ذلك بقوله: 'فصاحب الخوف يلتجئ إلى الهرب' فيهرب كلما رأى شهوةً دفعته إليها عينه أو أذنه أو قلبه، فعلم: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] فيهرب من هذه المعصية ويخاف، وهذا هو حال المؤمن، ثم قال: 'وصاحب الخشية يلتجئ إلى الاعتصام بالعلم' الذي في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ من أضرار هذه المعصية، ومن فسادها، وأثرها على القلب، وعلى الحياة في الدنيا والآخرة، ولذلك صاحب هذا العلم تحصن بأقوى حصن، فلا يرقى إليه هذا الوحش، ولا يطمع فيه ولا يصل إليه؛ لأنه ليس مجرد هارب، فالهارب قد يُدْرَك؛ لكن الذي يعتصم بحصن حصين لا يُنَال -بإذن الله فكذلك الإنسان يعتصم بالله ، ويعتصم بالإيمان بالله وبكتاب الله، وبالعلم الذي يقربه من الله ويعرفه بالله فلا يأتي شيئاً مما حرم الله؛ لأنه عرف ذلك بما أعطاه الله وما وهبه من العلم بخطر الذنوب والمعاصي وآثارها وضررها على الإنسان.

стр. 853

علاقة الإشفاق بالخوف يقول ابن القيم في صفحة (٥١٤): 'والإشفاق: رقة الخوف' الاشفاق خوف مع رقة، ثم يقول: 'وهو خوف برحمة من الخائف لمن يخاف عليه' وأرق الخوف هو الإشفاق والله ذكر ذلك في القرآن، حيث ذكر أن أهل الجنة يتذكرون ما كانوا فيه من الدنيا، فقالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦]، وقال في سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج:٢٧ - ٢٨] وقال في سورة فاطر: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر:٣٤]، فكانوا في الدنيا مشفقين، وكان الحزن في قلوبهم؛ لأنهم لا يعلمون كيف يلقون الله ، أما الذين كانوا في دنياهم فرحين بطرين، فإنهم يفاجئون يوم القيامة بأهوال لم يكونوا يتوقعونها. وأما المؤمنون فقد ذكر الله تعالى حالهم في الخوف فقال عنهم: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيرا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ [الإنسان:١٠ - ١١] فهذا جزاء الخوف والحزن ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر:٣٤ - ٣٥] فكانوا يعانون في الدنيا التعب والألم والأحزان والمصائب، ولهذا يقول ﷺ : ﴿الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر﴾ فالمسجون -دائماً- خائف ومشفق حزين؛ لأنه مسجون، ولكن من الناس من يكون مطمئناً كما كان شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ لما وضع في السجن قال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] فالجنود والسلاطين الذين يقفون في الخارج في العذاب، وهو في الرحمة بالمقارنة لما أعده الله في الآخرة، فالمؤمن مسجون في الدنيا مع طمأنينته وفرحه بفضل الله قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] فهو مع فرحته وطمأنينته وسعادته بذكر الله مسجون؛ لأنه لم يدخل الجنة ولم ير وجه الله ، ولا الحور العين، ولم يلتقِ بإخوانه المؤمنين على سرر متقابلين. وأما الكافر فقد يكون في الدنيا في منتهى الرفاهية والتنعم والتلذذ، ولكن هذه جنته بالمقارنة لما ينتظره هنالك من العذاب، ففي الآخرة ليس له جنة، حيث يقول تعالى للكافرين: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف:٢٠] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود:١٦] فجنتهم في الدنيا مع ما فيها من الشقاء والنكد والتنغيص، ولكن لأنهم ليس لهم في الآخرة إلا النار فإن جنتهم في الدنيا. ويُضرب مثل رائع لمقدار التمتع بالدنيا، فالحاكم عبد الرحمن الناصر حكم الأندلس خمسين سنة، والأندلس تسمى جنة الدنيا، ففي يوم من الأيام اجتمع في آخر ملكه مع بعض وزرائه، فتذاكروا هذا الأمر العظيم، وهل سبق أن أحداً حكم هذه المدة وهذه الجنة، وكعادة المنافقين من جلساء السلاطين في كل زمان ومكان أخذوا يمدحونه ويثنون عليه، ولكنه قال لهم: أتدرون كم أيام السرور في هذا الملك في الأندلس؟! قالوا: لا، قال: عددتها فإذا هي أربعة عشر يوماً! فالمقصود أنه لا بد للمؤمن من الخوف والرجاء والإشفاق والرهبة والرغبة والوجل.

стр. 854

الخوف والرجاء بين الإيمان والنفاق وكما قال الحسن ﵀ فيما نقله عنه ابن القيم قال: قال الحسن: 'عملوا والله بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحساناً وخشية، وإن المنافق جمع إساءة وأمناً' فإذا وجدت الخائف الوجل المشفق من عذاب الله، فتجد أن أعماله فيها الكثير من الخير والإحسان والفضل، وأما المطمئن فتجد فيه النفاق والبعد والمعصية، والعكس بالعكس، فالمؤمن يحسن العمل ولذلك أحسن الرجاء، وأما المنافق فإنه أمن من مكر الله ولم يخف الله ولم يبال بعقوبة الله؛ فلذلك اطمأن وعمل ما عمل، ولذلك إذا رأيت المؤمن شكا ذنوبه، وخاف من عدم قبول أعماله، ورأى ذنوبه كما جاء في الحديث: ﴿المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يخشى أن يقع عليه، وأما المنافق فيرى الذنوب -جميعاً من شرور وخمور وفجور ولهو وإعراض وتهاون في طاعة الله وأكل لحقوق الناس- كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار﴾ وإذا سألته وجالسته قال: نحن أحسن حالاً من غيرنا، ثم يذكر حسناته، أما المؤمن فلا يذكر حسناته لأنه يعلم أن هذا خطر عليه. لا بأس بذكر نعمة الله عليك؛ لكن مع شكر هذه النعمة، وأما في أمور الدين فينظر العبد إلى من هو فوقه في العبادة والإحسان، وأما في أمور الدنيا فينظر العبد إلى من هو دونه؛ لئلا يزدري نعمة الله عليه.

стр. 855

خوف يؤدي إلى الأمن وهنا فائدة عظيمة ذكرها ابن القيم ﵀ حيث يقول: 'والخوف ليس مقصوداً لذاته بل هو مقصود لغيره، فأهل الجنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون' والمحبة مقصوده لذاتها، ولهذا نحب الله ﵎ في الدنيا، وإذا أدخل الله تعالى المؤمنين الجنة يظلون يحبون الله بل يزدادون حباً له؛ لأنها مطلوبة لذاتها، وأما الخوف فليس لذاته بل هو وسيلة للإنزجار عما حرم الله ونهى عنه، فإذا أمِن العبّاد وبشرتهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. زال الخوف، ولهذا قال تعالى في الجنة: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] فنفى الله ﵎ عنهم الخوف والحزن، فلا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما وراءهم؛ لأن الله تعالى يتولى المؤمنين والمتقين والصالحين، فلهذا يقول: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] فالخوف ليس مقصوداً لذاته، وإنما لما يترتب عليه من معرفة الله، ومعرفة وعد الله ووعيده، والانزجار عما نهى الله ﵎ عنه، ثم قال: 'والخوف يتعلق بالأفعال، والمحبة تتعلق بالذات والصفات' فالخوف يتعلق بالأفعال، فتجد العبد يخاف من عذاب الله، والله ﵎ بين لنا أن العذاب فعله، وأن الرحمة والمغفرة صفته الذاتية، قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠] وهذا من كمال رحمة الله ، ولذلك نجد في الفاتحة قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٢ - ٣] ورحمة الله سبقت غضبه، ولهذا جعل المحبة تتعلق بالذات والصفات، وأما الخوف فإنه متعلق بالأفعال؛ لأن عذابه هو من فعله، وأما محبته فهو يُحَبُّ لذاته ؛ لأنه غفور رحيم ودود كريم، فاسم الله الودود يشعر بمحبة خاصة جداً. ولو تأمل الناس في صفات الله لعرفوا الله، وإذا عرفوه حق المعرفة وعرفوا أنه ودود وغفور ورحيم، أحبوه فلم يعصوه، وإذا انزجروا عن معصيته -لأنهم يؤمنون بأنه الرحمن الرحيم الغفور الودود- لكانوا من أهل الهيبة والإجلال، وهذا أفضل من أن يكونوا من مجرد أهل الخوف كما بين ابن القيم ﵀. والحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.

стр. 856

نظرات في التربية الحديثة تكلم الشيخ حفظه الله عن العلاقة بين التربية والتوحيد، وأن من حِكَم البعثة النبوية: التربية والتزكية، ثم تحدث عن شمولية التوحيد لكل جوانب الحياة، على عكس اعتقاد الغرب الذي يفصل بين الدين والحياة، بل بين الإنسان والروح، ثم أورد آخر بحوثهم التي أثبتت تكامل أوجه الحياة، مع إثباتها لأمور غيبية كانوا ينكرونها، ووصولهم إلى بطلان النظريات المادية الحيوانية التي كانوا يؤمنون بها ويروجون لها.

стр. 857

النظريات التربوية في ميزان التوحيد الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد إمام الموحدين وقائد الغر المحجلين. وبعد: فنبرأ إلى الله من طولنا وقولنا إلى حوله وقوته، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. أما بعد: فموضوع التربية الحديثة موضوع مهم وضروري لنا في الحياة، ولكن الموضوع أكبر من أن تحيط به محاضرة أو كتاب، بل لو صنف فيه مجلدات لكان محتاجاً لذلك، ولكن لعلنا نتناول هذا الموضوع من زاوية مهمة -هي أهم زاوية من زواياه- وهي: زاوية التوحيد. فللتربية علاقة كبيرة بالتوحيد، إذ أن النظريات التربوية والإنسانية بعامة لا نستطيع أن نفصلها عن التوحيد، لأن التوحيد هو الدين، والدين يشمل كل نواحي الحياة كما قرر ذلك الله تعالى لما بعث محمداً ﷺ ، وأمره قائلاً: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] فالتوحيد ليس ما يقوله علماء الكلام الذين جردوه عن حقيقته، فجعلوه مجرد اعتقاد الوحدة -أي أن الله ليس اثنين ولا ثلاثة- نعم. إنه تعالى ليس اثنين ولا ثلاثة، بل هو إله واحد. ولكن حقيقة التوحيد هي: توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، فلا بد أن يوحد الإنسان عبادته لله، كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أي ليوحدون، ونحن في كل ركعة من ركعات صلاتنا نقرأ سورة التوحيد -الفاتحة- ونقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فديننا هو دين التوحيد، ولا يصح أن ننظر إلى أية قضية من قضايانا إلا من خلال التوحيد، ولا سيما إذا كانت القضية تتعلق بأعمالنا وسلوكنا وتصرفاتنا، وهذا هو مضمون التربية. والنبي ﷺ ، يقول في الحديث الذي رواه أحمد والحاكم والبيهقي وغيرهم يقول: ﴿إني لخاتم النبيين وآدم منجدل في طينته، وأول ذلك دعوة أبي إبراهيم- ﵇ وبشرى عيسى بن مريم ورؤيا رأتها أمي﴾ فدعوة إبراهيم هي الدعوة التي دعا بها إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت، إذ قال الله حاكياً قولهما: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٩]. فلاحظ أن الدعوة تبتدئ بقوله: ﴿يَتْلُوعَلَيْهِمْ آيَاتِكَ) وهذا لا شك فيه، فقد جاءنا رسول الله ﷺ بالذكر الحكيم. ثم ثنَّى بقوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) ثم قال: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ فلما استجاب الله ﵎ لدعوة إبراهيم ﵇ قدم التزكية على التعليم كما بين ذلك في سورة البقرة فقال: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٥١] وفي سورة آل عمران: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤]. وفي آية الجمعة قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢] فقدمت التزكية على التعليم، لأن المهمة الأساس في دعوة الرسل وكل داعية هي التزكية قبل التعليم، والتزكية هي التربية -كما نسميها نحن- لكن لفظة (التزكية) أدل وأدق على المعنى من التربية.

стр. 858

معنى التزكية وحقيقتها التزكية كلمة أبلغ من أن تشرح أو تفصل بكلمة أخرى، فهي تعني: التطهير من الأدناس، والأرجاس في القلب، والجوارح، والمشاعر، والفكر، والعقل، وفي كل شيء. فالله ﵎ بعث محمداً ﷺ مزكياً لهذه القلوب من خلال التوحيد، فالتزكية بالتوحيد تعني: التخلص من الشرك، والذنوب، والمعاصي، والشهوات، والشبهات، وكل أدران النفس الإنسانية في اعتقادها، وسلوكها، وأعمالها، وتصوراتها، وقيمها، فحينما نشهد أن لا إله إلا الله، ونعبد الله، ونفرده بالعبادة، ونزن كل أعمالنا وأمورنا بمقياسٍ ومنهج ومعيارٍ واحد، وبقيمٍ واحدة، هي ما جاء بها محمدٌ ﷺ . وهكذا كان الجيل الأول: السلف الصالح ومن اتبعهم، كل أمرٍ في حياتهم كانوا ينظرون إليه من زاوية ما قاله الله ورسوله ﷺ ، من زاوية العقيدة، ومن باب الإيمان بالله تعالى، ومن باب هدي النبي ﷺ . واليوم نرى بعض المتخصصين في مجالٍ ما لا يخضعون هذا العلم للعقيدة، ويقولون: لا وصاية لعلمٍ على علم، لا وصاية لأناس على أناس، ولا كهنوت في الإسلام، ولا رجال دين في الإسلام. نعم. لا كهنوت ولا رجال دين، بل حتى ولا وصاية، ولكن شهادة أن لا إله إلا الله التي بعث بها محمد ﷺ هي أن يكون شعورنا وموازيننا، وقيمنا وعلومنا، وحركة فكرنا، ونشاطنا كله مأخوذٌ مما جاء به محمدٌ ﷺ ، وليس أحد في هذا بأولى من أحد، ولهذا فنحن لا نستطيع أن نتحدث عن التربية دون أن نتكلم عن علم الاجتماع، أو علم النفس، أو علم السياسة، أو علم القانون أو التشريع، أو الاقتصاد، لا يمكن ذلك حتى في الدراسات الجامعية، إذا درست التربية وأصولها تجدهم يبدءون من التربية عند القدماء -الرومان واليونان مثلاً- ثم التربية في العصور الوسطى، ثم التربية عند علماء المسلمين، ثم التربية الحديثة، ثم المعاصرة، فإن كان الطالب في الاقتصاد -أيضاً- فإنهم يبدءون بالسلسلة نفسها: الاقتصاد عند أرسطو -مثلاً- واليونانيين، ثم العصور الوسطى، ثم يتعرضون لنظريات هوبز، أو جان جاك روسو مثلاً، إلى آخره، وكذلك في علم الاجتماع يبدءون بنفس السلسلة، علم الاجتماع عند أرسطو، ثم أفلاطون، ثم هوبز، وروسو، وديكارت إلى آخره، الشيء نفسه في كل علم يبدءون بهذا.

стр. 859

شمولية التوحيد ونستنتج من هذا أن طبيعة ديننا هو دين التوحيد، والنظرة فيه واحدة شاملة، وكذلك هذه العلوم إذا نظرنا فيها نجد أن الأصل والمنبع واحد، فأي نظرية أخلاقية يمكن أن تكون نظرية تربوية، وأي نظرية اجتماعية يمكن أن تكون نظرية تربوية، وأي نظرية اقتصادية يمكن أن تكون نظريةً تربوية، وأي نظرية سياسية يمكن أن تكون نظرية تربوية، وبالتالي نستطيع أن نقول: إنه لا يمكن أبداً أن توجد وأن تنبثق نظرية تربوية إلا من عقيدة. وبالمعنى الأعم نستطيع أن نقول: ما من حضارة إلا من واقع. فالحضارة هي عبارة عن الواقع أو الجانب التطبيقي والواقعي للعقيدة التي تدين بها هذه الحضارة أو ذلك الشعب أو تلك الأمة التي صنعت الحضارة.

стр. 860

ظلمات النظريات القديمة والحديثة وبين يدي الآن كتاب مهم جداً، هو كتاب: العلم في منظوره الجديد، حبذا لو تصفحناه قليلاً، فإنه يفند النظريات القديمة، النظريات التي تجزئ النظرة إلى الإنسان، وتفصل ما بين الإنسان والدين، ومؤلفاه كاتبان غربيان لا يؤمنان بالإسلام، ولكنهما أثبتا فشل وبطلان كل النظريات الحديثة والقديمة والمعاصرة، في نظرتها إلى الله وإلى الدين وإلى الأخلاق والقيم، وأثبتا أنه لا بد أن يكون التصور الكلي الموحد. ونحن في غنى -والحمد لله- عن هذا، فنحن نعلم ذلك، لكن لكوننا نوجه الخطاب إلى إخوة لنا في الدين، خدعوا بتلك النظريات وغرتهم وأخذهم بهرجها، وربما كان للتخصص دوره المؤثر، فنخاطبهم بذلك لعلهم يضمون هذا إلى ما يستذكرونه من حقيقة عقيدتهم وإيمانهم -بإذن الله- فتنجلي الحقيقة. يقول المؤلفان في أول الكتاب ص١٥: 'لكل حضارةٍ من الحضارات تصور كوني للعالم -أي: نظرة يفهم وفقاً لها الكون ويقيم عليها حياته، إذاً: لا بد من تصور أي نظرة كونية يفهم كل شيء ويقيم كل شيء من خلال هذه النظرة- والتصور السائد في حضارة ما، هو الذي يحدد معالمها ويشكل اللُحمة بين عناصر معارفها، ويملي منهجيتها، ويوجه تربيتها، وهذا التصور يشكل إطار الاستزادة من المعرفة، والمقياس الذي تقاس به، وتصورنا للعالم هو من الأهمية بحيث أنا لا ندرك أن لدينا تصوراً ما، إلا حين نواجه تصوراً بديلاً إما بسفرنا إلى حضارة أخرى، وإما باطلاعنا على أخبار العصور الغابرة، وإما حين يكون تصور حضارتنا للعالم في طور التحول، والحضارة الغربية ما برحت منذ عصر النهضة تخضع لسلطان العلم الجريبي، بيد أن النظرة الكونية التي تولدت إبان عصر النهضة تواجه في الوقت الراهن تحدياً من علم القرن العشرين' عصر النهضة -الذي تحدثنا عنه- يمكن أن يكون القرن الثالث عشر، أو الرابع أو الخامس عشر، على تفاوت في التقدير والمقصود هو عصر الاحتكاك بالحضارة الإسلامية في الأندلس، وإيطاليا، وجنوب أوروبا عموماً، وبداية تسلم للقيادة العلمية، وبداية بواعث الانبعاث في الغرب إذاً: هم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يقولون: إنها تواجه تحدياً من العقيدة، أو من الإيمان الحق، لا، ولكن من علم القرن العشرين تبطل كل تلك النظريات، ويقول: 'الأمر الذي يفضي إلى وجود نظريتين علميتين متنافستين' وعلى حد تعبير أحد مؤرخي الحضارات وهو تومس بري، يقول: 'القضية كلها قضية نظرة ونحن الآن بالذات نواجه مشكلة' وهو يتكلم عن واقع الحضارة الغربية، 'لأنه ليس لدينا نظرة مقبولة، فلا النظرة القديمة تؤدي دورها على الوجه السليم، ولا نحن تعلمنا النظرة الجديدة' سبحان الله! هذا ما يعترفان به! إذاً هم لا يزالون يعيشون في تخبط وفي ظلمات نتيجة هذا السيل المتدفق من النظريات الحديثة، أو نظريات عصر النهضة، كما تسمى.

стр. 861

أصل النظرية التربوية الغربية لو استعرضنا التربية الحديثة من خلال النظريات الكونية والعلمية، لوجدنا أن أصل النظرة في العالم الغربي النصراني- قبل دخول الدين النصراني كانت نظرة وثنية- وهذه النظرة النصرانية التي فرضت على الناس، هي: اعتقاد أن رجال الدين، هم كلمة الله المقدسة التي لا يجوز لأحد أن يخالفها بأي حال من الأحوال. والتربية الكنسية النصرانية كانت أول وأهم ما تفترضه أن تقتل في الإنسان مواهبه، ومشاعره، وتطلعاته إلى الأفضل في هذه الحياة الدنيا، كما قال الله ﵎: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧] ابتدعوا الرهبانية التي تقتل في الإنسان أي تطلع للعيش في هذه الحياة الدنيا كما أمر الله، وكما يريد الإنسان أن يعيش بحكم الفطرة التي فطره الله عليها.

стр. 862

الكنيسة والعلم ثم أضافت الكنيسة إلى قتل هذا التطلع وهذه المواهب أمراً آخر مهماً: وهو أنها حاربت العلم والعلماء، فأول النظريات التي اصطدمت بالكنيسة هي النظريات الكونية التي جاء العلم ليثبت صحتها بالجملة، مع أن النصرانية يوجد فيها بعض الحق في بعض الجوانب الأخلاقية من تربية الإنسان على: ألا يرائي، وألا يغش، وألا يكذب، وأن يتحلى بالأخلاق، فهذه موجودة في النصرانية المحرفة. واصطدمت النصرانية بما فيها من حق بالنظريات التي ثبتت صحتها أول الأمر، فاصطدمت بنظرية كوبر نيكوس في الكون وفي المجموعة الشمسية، وكذلك نظرية جاليليو في دوران الأرض، ثم نظرية نيوتن في الجاذبية أو الأجرام السماوية، وهي امتداد لنظرية كوبر نيكوس، لما اصطدمت هذه النظريات بالكنيسة، وأثبتت علوم الرياضيات والتجربة الحسية صحتها في الجملة، هزمت الكنيسة بحقها وباطلها في هذه المعركة، فظهرت بعد ذلك النظريات الإنسانية -التي ثبت زيفها وبطلانها- وقاس الناس النظريات الإنسانية على النظريات الكونية، فقالوا: العلم على صواب دائماً، والكنيسة والدين على خطأ دائماً.

стр. 863

ظهور النظريات المادية أهم نظرية في هذا المجال هي نظرية داروين، وتفرعت وتشعبت منها النظريات النفسية والاجتماعية والتربوية الكثيرة جداً، ومن أهم النظريات التي انشقت من الداروينية، النظرية المادية التي طغت على فكر القرن التاسع عشر، فظهر كارل ماركس وقال: لا تؤمنوا بالغيب، وآمنوا بالمادة وبالشيء المحسوس الذي لا يكلفكم شيئاً، أما عالم الغيب الذي تقوله الكنيسة فلا دليل على إثباته، وكله أساطيره، وهذا امتداد لنظرية هيجل وغيره، ثم ظهرت النظريات في التربية مثل نظرية التحليل النفسي، التي قال بها اليهودي فرويد، الذي فسر الدوافع الإنسانية بأن الإنسان بكامل نشاطاته، وبكل آماله، وأحلامه، وتطلعاته، وحضاراته، وبنائه، وتراثه، دوافعه في كل ذلك غريزة واحدة من غرائزه، هي الغريزة الجنسية! هكذا فسرها فرويد. ثم جاء ما هو أدهى من ذلك وأطم، المدرسة السلوكية التي تفسر الإنسان تفسيراً حيوانياً وآلياً معاً، أي التي لا تجعل للعقل أي دور، وإنما التحكم والتوجيه للغريزة الحيوانية البحتة، فهربوا من الإيمان بالغيب، والإيمان بإله الكنيسة، وأثبتوا أن الإنسان حيوان! فخططوا ونظروا على هذا الأساس، فكثير من علوم النفس، والتربية، والاجتماع، وعلم النفس التكويني تطبق النظريات الحيوانية على الإنسان، فتطبق التجربة على الكلاب، أو القرود، أو الفئران، أو الأرانب، والنتيجة تطبق على الإنسان، فيغفل جانب عظيم جداً، وجانب مهم وهو: إنسانيته، وروحه، وقلبه، وتبقى الأمور متعلقة فقط بالأعصاب، والميكانزم العصبي، وبالنواحي العضوية، الفسيولوجيا العضوية البحتة، وليس للروح ولا لعالم الغيب أي دخل أو مجال فيها. وهكذا توسعت النظريات على اختلافها، وإذا بنا نجد أن الإنسان لا يشكل إلا كومة من اللحم والدم والعظم يوضع على منصة التشريح، ثم يراد أن يخطط له اجتماعياً، وسلوكياً، وأخلاقياً، حتى الفنون وحتى الآداب أريد لها أن تنتكس لتخضع لكل تلك المعايير السابقة، ولا شك أنها نكسة كبرى ابتليت بها الإنسانية.

стр. 864

سقوط الشيوعية لتنكرها للدين إن الفنون وحتى الآداب أريد لها أن تنتكس لتخضع لكل تلك المعايير السابقة، ولا شك أنها نكسة كبرى ابتليت بها الإنسانية، ومن فضل الله أن إحدى النظريتين الغربيتين الكبيرتين قد انهارت وهي النظرية الشيوعية الماركسية فعندما كنا نتحدث عن هذه النظرية قبل سنوات، قبل ظهور جورباتشوف والبروسترويكا، كنا نحتاج أو نضطر أن نتكلم عن خلل وفساد الشيوعية، ومنافاتها للفطرة، وأنها لا تصلح أن تكون نظريةً اقتصاديةً، ولا اجتماعيةً، ولا تربوية، فضلاً عن أنها تصلح أن تكون عقيدة كما أراد أصحابها، أو نظرية في الأدب والفن اللذين هما أعمق وأعقد من أن تدخلها أي نظرية تجريبية عادية، كنا نحتاج إلى ذلك، وإذا بنا نرى انهيارها. فالثورة الشيوعية قامت وحكمت روسيا في عام (١٩١٧م)، والبروسترويكا -أي إعادة البناء- أعلنت في عام (١٩٨٥م)، فهذه المدة في عمر الأمم قليلة جداً، مثل أي دولة من الدويلات التي قامت في تاريخنا الإسلامي استمرت ستين أو سبعين سنة لا يكاد يؤرخ لها، أو لا تذكر إلا عرضاً، وإن كنا نحن الآن نرى الشيوعية بهذه الضخامة لأننا نعيش في الواقع، لكن بعد قرن أو قرنين أو ثلاثة، سيقال ظهرت في القرن العشرين أو في أوله نظرية، وفي الربع الأخير منه سقطت، وكان اسمها الشيوعية. فـ الشيوعية سيطرت وكادت أن تتحكم في ثلث البشرية تقريباً، وجعلت نفسها عقيدة عامة في التربية وفي كل نواحي الحياة، لكنها سقطت، وهذا السقوط نتيجة لافتقارها للإيمان بالله ، وستسقط أكثر فأكثر، ولن ينفعها أي إصلاح أو ترقيع إلا بأن تعود إلى الله، وتؤمن إيماناً حقيقياً، لا كما عبر جوربا تشوف وقال: 'الحل بالعودة إلى تراثنا وإلى مسيحيتنا' فنقول له: إن مسيحيتك هي التي فررت منها أولاً والتي فر منها كارل ماركس، عندما كان يقول: 'المادة هي هذه الأشياء'.

стр. 865

العلم يثبت الغيب وعلق على تلك النظريات العلماء -علماؤهم الآن- وقالوا: هذا كلامٌ مضحك، لأنهم اكتشفوا أن هناك موادَّ غير محسوسة، واكتشاف أن الذرة ليست أصغر شيء في الكون، وإنما الذرة عبارة عن: نواة ويدور حولها إلكترونات سالبة وبروتونات موجبة، عالم غريب جداً، إنهم يتكلمون عن الطاقة والحركة، وهي أمور غيبية والقضية الآن هي في عالم الغيب، فلم يعد الكلام عن الملائكة، ولا عن الجنة، ولا عن النار، ولا عن ذات الله ، بل الآن عالم الغيب بالنسبة لهم هي هذه المادة، فهم يبحثون عن سرها وتركيبها وتكويناتها، بل يقولون: لو أخذت أي جزيء من هذه الجزيئات في أي شيء وكبرته تكبيراً كبيراً جداً، لوجدت نفسك ترى فراغات هائلة ولا ترى المادة، فدفعتهم هذه الاكتشافات للعودة مرة أخرى للإيمان بالغيب من جهة أخرى. فالطلاب في كلية العلوم وغيرها يدرسون النواة، والذرة، والإلكترونات السالبة والبروتونات الموجبة، فيؤمنون بها دون أن يروها أو يحسوها، إذاً: فالقضية أصبحت قضية إيمان بالغيب، وإن كانوا في الأصل هربوا منه، لكن الفطرة أعادتهم. وهناك حقيقة لاشك فيها، وهي: أن ترك التوحيد هو وراء كل انحسار لأي مذهب من المذاهب. ونذكر قصة للرئيس الأمريكي جورج بوش، عندما كان سفيراً لدولته في الصين -في الحقيقة أنه كان جاسوساً كما يبدو- وكما عبر في كتاب التطلع إلى الأمام، فذكر قصة طريفة في كتابه الذي صدر حديثاً يقول في (ص١٩٥) معبراً عن لقائه هو وكيسنجر، وووستن لورد مع ماوتسي تونغ -الزعيم الشيوعي الكبير- بعد أن ضعف وأصبح صنماً مهترئاً لا قيمة له، ولكن الصينيين يقدسونه ويعبدونه، حتى إنه كان لا يتكلم إلا بإشارات خفيفة , وتتقطع منه الكلمات من كبر سنه، يقول بوش عن ذلك اللقاء: 'مع مرور وقت الاجتماع ظهر أن ماو أصبح أقوى وأكثر تيقظاً، أشار بيديه مراراً، وحرك رأسه من ناحيةٍ إلى أخرى، وظهر بأن الحديث يحفزه' أي: ينشط مع انفعالات الحديث مع أنه لا يقدر أن يتكلم ولا يعبر، قال: 'واستمر يشير في أحاديثه إلى الله' هذا ماو، والراوي جورج بوش فالسند عالي!! يقول: 'إذ علق مرةً قائلاً، لـ كيسنجر وبوش: إن الله يبارككم ولا يباركنا، إن الله لا يحبني لأنني قائد عسكري وشيوعي -يقول عن نفسه- كلا إنه لا يحبني، إنه يحبكم أنتم الثلاثة، وأشار برأسه إلى كيسنجر، وووستن لورد، وإليَّ' هكذا يقول الرئيس بوش عن ماو الذي كان في تلك الأيام، في عالمنا الإسلامي، بل في جزيرة العرب هنا وفي إحدى الدول التي قدّر لنا أن نذهب في رحلة جامعية إليها تخرج مظاهرة، ويقولون: لا إسلام بعد اليوم، ماو رب الكادحين -تعالى الله عما يقولون! - هذا المسكين الذي يحاول أن يعبر لـ بوش أنكم طيبون أنتم يا أمريكان لأنكم نصارى، أما هو يقول عن نفسه: إنه شيوعي فلن يباركه الله! ونحن نعرف أنه لا بارك لا في بوش ولا ماو، ولكن بالنسبة لـ ماو يعتذر لـ بوش أنه صاحب دين فهو خير منه، فهذا هو قائد نصف العالم الشيوعي في زمنه، وهذا تعبيره، وهذه حسرته، حسرة الكافرين في الدنيا، فما بالكم بحسرتهم يوم القيامة، بين يدي الله ! هذا التحسر على هذا العمر الذي ضاع على نظريات قتل من أجلها الملايين في الصين وفي الاتحاد السوفيتي وخاصة من المسلمين، قتلوا من أجل هذه النظريات، ثم تكون النتيجة بعد هذه التضحيات، وبعد إهدار الطاقات، وبعد الجهود الكبرى تكون النتيجة والنهاية أن هذا الزعيم يتحسر ويتمنى، كما قال الله عنهم: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر:٢] الله أكبر!! سبحان الله! كيف تستيقظ الفطرة ويستيقظ نداؤها؟!

стр. 866

الغرب والدين أما في الغرب فيمكن أن نقدم نصاً واحداً فقط يبين لنا نظرتهم في مسألة الإيمان بالله، وحجمها في الحكمة الغربية أو في الفلسفة الغربية، ثم بعد ذلك أنقل لكم بعض نصوص ما قاله هذان المؤلفان. يقول هان ترينج في كتابه: الفلسفة أنواعها ومشكلاتها (ص٣٨): 'يتميز موقف الفيلسوف على خلاف موقف الديني' فانظروا الفصل هنا فيلسوف وهنا ديني، أي: أنّ أيَّ مفكر عندهم يستخدم عقله في التفكير مجرداً عن الدين يعتبرونه فيلسوفاً، فكأنه من المستحيل أن يكون مفكراً دينياً، فيقول: 'يتميز موقف الفيلسوف على خلاف موقف الديني بأنه موقف نظرٍ وتجردٍ خالص'. أي يتجرد بالكلية عن دينه وهو الأساس، وإن كانوا -أيضا- يقولون: وعن مشاعره، لكن لا يمكن أن يكون هناك تفكير موضوعي بحت على الإطلاق، ثم يقول: فهو يرى أن مسألة الله ﵎ بأسرها من حيث وجوده وطبيعته هي مسألة مفتوحة تماماً، فالفلسفة لا تعرف أموراً مقدسة لا يمكن الاقتراب منها، والمفكر الميتافيزيقي -أي الذي يبحث في عالم ما وراء الطبيعة- لا يشعر عند لمعالجته لمفهوم الكائن الأسمى -أي: الله ﵎ بخشوعٍ يزيد على ما يشعر به إزاء أية مسألة أخرى، فهو عندما يتكلم عن الله لا يوجد أي خشوع، فهو يتكلم عن الله، أو عن الإنسان، أو عن القذر، أو الأميبيا، أو أي شيء آخر لا فرق عنده؟ نعوذ بالله! انظر مضادة ومحادة الفطرة، إلى أن يقول: 'وكما يقال أحياناً على سبيل المزاح: حتى الله نفسه ينبغي أن يقدم أوراق اعتماده أمام مدخل مدرج الفلسفة' تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً!! فلا شيء عندهم إلا ويخضع للعلم في نظرهم، وللفلسفة، وللبحث، فليس هناك شيء مقدس -لا نص مقدساً، ولا نظرية مقدسة، ولا رجال مقدسين- بل كل شيء يجب أن يخضع في نظرهم للعلم، وفصلٌ تام بين هذا العلم وبين الإيمان الديني. وهذا الكلام وإن كان يقال على سبيل المزاح، وإن كان يقوله بعض المنتمين للإسلام أيضاً! ولكن الله ﵎ يقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]. فعندما يتعلق الأمر بالله ﵎، وبصفاته، وبالدين، وبالإيمان؛ فإن المسألة جدٌّ كلها ولا حاجة للمزاح، ولا يمكن أن تعتبر من المزاح.

стр. 867

ظهور الحق على لسان الغرب أحد الباحثين المعاصرين اسمه بنفيل -وهذا مشهور في أمريكا - اشتغل بالبحث يقول: 'طوال حياتي العلمية سعيت جاهداً -كغيري من العلماء- إلى إثبات أن الدماغ يفسر العقل' فهذا أساس من أسس التربية: أن الدماغ هو الذي يفسر العقل، أي: أن الجانب العضوي في الإنسان هو الذي يفسر الفكر والجانب التجريبي أو النظري. ويقول: 'غير أن الأدلة في آخر الأمر بعد البحث الطويل أوصلته إلى الإقرار بأن العقل البشري والإرادة البشرية حقيقتان غير ماديتين -ويعلن هذا فيقول- يا له من أمر مثير أن نكشف أن العالِم الآن يستطيع بدوره أن يؤمن عن حق بوجود الروح' فهذا هو العالم عندهم وليس رجل الدين. بل ذكر أن أحد الكتاب الموافقين لـ بنفيل في النتيجة نفسها قال: 'الإنسان في النظرة الجديدة ليس رزمة من ردود الفعل أو الدافع أو الآليات النفسية' وهذا تعريض بالنظريات والتربويات السلوكية والتحليلية وأمثالها. يقول: 'ولا هو نتاج فرعي لقوىً خارجية فالنظرة الجديدة' أي: نظرة النصف الثاني من القرن العشرين المبنية على الفيزياء، هذه النظرة الجديدة إلى الكون انبثق منها تصور في التربية، والأخلاق، والسلوك، والقيم، حتى في علم الجمال والفن والأدب، انبثاقاً كلياً يغاير النظرة القديمة التي قالها فرويد ومنها السلوكية، وكل النظريات التي لا تزال -مع الأسف- إلى الآن تدرس وتقرر في العالم الإسلامي. يقول: 'النظرة الجديدة تنشد نموذجاً إنسانياً لدراسة الإنسان، نموذجاً لم نستطع من دونه أبداً أن نمد يد العون للمحتاجين -ويحذرنا فرانك قائلاً:- لن نستطيع فعلاً أن نغيث الإنسان في ورطته إذا كنا نصر على أن تصورنا للإنسان ينبغي أن يصاغ على نمط نموذج الآلة، أو نموذج الجرم' أي: إما الميكانيكية: وهي النظرية البحتة التي تجعل الإنسان كالآلة، وإما النظرية الحيوانية، التي تجعل الفأر، أو الأرنب، أو الكلب، أو أي حيوان آخر؛ هو النموذج التي تقاس عليه الدوافع والسلوك الإنساني. ويقول الكاتبان: 'لو كان الإنسان مجرد كائنٍ مادي -كما تزعم النظرة القديمة- لو كان كذلك لكان من المعقول أن نتخذ أشياء مادية أبسط كالآلات نماذج للسلوك البشري، فلكل آلةٍ دافعةٌ تشغلها كالبخار، أو الكهرباء، أو الاحتراق الداخلي -مثل السيارة لها احتراق داخلي- وعلى ذلك كان أهم عنصر في الإنسان وفقاً لعلم النفس في النظرة القديمة هو قوته الدافعة' أي: الغريزة في عمومها، أم غريزة معينة كما تصور فرويد، أو أي أمر آخر. ويقول: 'والقوة المادية في الآلة الإنسانية تتخذ شكل غرائز وانفعالات هي مصدر جميع الأعمال التي يقوم بها الإنسان، أما العقل فلا يملك زمام الأمر؛ لأنه نتاج ثانويٌ للمادة -فبعد أن يتحدث عن فساد هذه النظرة، قال:- في أعقاب الحرب العالمية الثانية شعر كثير من علماء النفس أن إخضاع العقل للغريزة في طريقة التحليل النفسي وإلغاء العقل -كما هو الحال في السلوكية- قد أفضيا إلى تجريد الإنسان من إنسانيته في علم النفس، معتبرين أن هذا موقفاً لا يطاق في فرع من فروع المعرفة مكرسًا لخدمة الجنس البشري'. وقد عبر عن ذلك ركس كارل، وليكون نيوث في كتابه: مصير الإنسان، قال: 'إن الجبهة المادية من الحضارة تتقدم، وأما الجبهة الإنسانية فإنها في تأخر وتقهقر وتراجع كبير -ويقول:- وأخيراً التحمت في الخمسينيات من هذا القرن قوة ثالثة في علم النفس إلى جانب القوتين الأخريين: التحليل النفسي والسلوكية، هذه الحركة أتباعها لا يتكلمون بصوت واحد، ولا يشكلون مدرسةً فكرية مستقلة، ولاهم متخصصون في أي مجال ذي مضمون محدد' أي: بدأنا نرجع إلى مسألة التوحد، فالتفرق الشديد يرجعهم في النهاية إلى الوحدة، إذاً القضية أصلها التوحيد، فهم يتشعبون ثم يرجعون إلى شيء واحد، وهم مختلفون جداً، ولكن يقول: 'إن كل ما يجمع بينهم هو الهدف المشترك المتمثل في أنسنة علم النفس' أي: أن يصبح علم النفس علماً إنسانياً، فهو إلى الآن ليس إنسانياً بل حيوانياً أو آلياً، وبناءً عليه فكل النظريات التربوية تدرس الإنسان من زاوية الآلة أو الحيوان. ثم يقول: 'وفي اجتماع وطني للرابطة الأمريكية لعلم النفس، عقد في (١٩٧١م)، قررت هذه الحركة الجديدة أن تطلق على نفسها اسم: علم النفس الإنساني' فانظر متى اكتشف الغرب أنه لا يملك علم نفس إنسانياً، ولا رابطة لعلم النفس الإنساني، وأنه في حاجة أن يتخلص من الورطة -كما يعبرون- وأن يبحث في ضوء جديد وعلم جديد، عرفوا ذلك عام (١٩٧١م).

стр. 868

أثر التربية الغربية على المسلمين كل النظريات التي ندرسها نحن في العالم الإسلامي، كانت كلها قبل هذا العام بسنوات في الغرب، ونحن لا نزكي هذه المدرسة الأخيرة لكن نضرب مثالاً على أننا نلتقط ما رماه الغرب في نفاياته وما تجاوزه، بينما نحن ما نزال نعيش ونقتات عليه -مع الأسف- إلا القلة المؤمنة المخلصة في بعض الجامعات الإسلامية الذين بدءوا ينظرون إلى كل شيء من زاوية التوحيد والإيمان والدين، الذي لا يجوز أن ننظر إلى أي شيء إلا من خلاله. ثم يقول: 'قررت هذه المدرسة أن تطلق على نفسها اسم: علم الإنساني، وهذه هي سيكيولوجيا النظرة العلمية الجديدة'. ثم أخذ يتحدث عن أحد الأسباب الرئيسة في ذلك، فيقول عن أحدهم وهو أوبن هايمر يقول: 'إن أسوأ ما يمكن تصوره من حالات سوء الفهم هو أن يتأثر علم النفس تأثراً يجعله يصوغ نفسه على غرار فيزياء لم يعد لها الآن وجود -فيزياء القرن التاسع عشر وأول القرن العشرين- فيزياء عفَّاها الزمن، وأعتقد أن هناك إجماعاً في الرأي على أن هذا هو الطريق الذي قادتنا إليه السلوكية الوضعية المنطقية ' يعني أنه يقول: ويجب أن ننسى كل تلك النظريات؛ لأنها بنيت على فيزياء القرن التاسع عشر وأول القرن العشرين الذي قد تغيرت تغيراً تاماً.

стр. 869

التربية الحقيقية التربية الحقة هي التي تمتلك التصور الكوني الكلي للوجود، التي تحدد فيها صفات الله ، وتحدد فيها صفات الرسل وواجباتهم وأعمالهم، وما ينبغي لهم وما يجب علينا نحوهم، وتحدد فيها وظيفة الإنسان ومصيره، من أين جاء؟ وإلى أين يذهب؟ وكيف يعمل ويعيش؟ ومحددةٌ فيها كل جوانب النفس الإنسانية بحيث يجد الإنسان أنه في اقتصاده، واجتماعه، وآدابه، وأخلاقه، وسلوكه، يجد نفسه شيئاً واحداً لا تتعاوره الاتجاهات المتناحرة، وهذا لا يوجد في أي نظرية أو مبدأ أو دين إلا في الإسلام، حتى الإنسان الأوروبي لا يملك هذا التكامل على الرغم من وجود هذه المدارس وأمثالها التي بدأت تظهر، إلا أنه في تاريخه الطويل ألف المتناقضات والتناحرات، فكان يخضع لقيصر فيما كان لقيصر، ويخضع للكنيسة فيما كان لله، كما هي نظريتهم الباطلة التي تقول: 'دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله! '. ألفرد نورث وايتد عالم رياضي كبير إنجليزي يقول: 'مشكلة المشاكل التي يعيشها الإنسان والتي يعيشها العلم الحديث هي تجزئة الطبيعة' نقول: هذا جانب ديني، وهذا علمي، وهذا تربوي، وهذا اقتصادي، وهذا سياسي، ولو دقق الإنسان لوجد أن هذه الجوانب جميعاً لا يمكن أن تنفصل على الإطلاق، فلا يمكن أن نفصل بين دين الإنسان وبين أخلاقه -كما هو الحال في الغرب- أو بين أخلاقه واقتصاده، فالذي يتعامل بالربا من جهة لا يقول: أتحلى بالأخلاق من جهة أخرى، لا يمكن أن نفصل بين السياسة والأخلاق وبين الدين! ولكن الإنسان الغربي، تعود الفصل بين الأنا والعالم، بين الله والإنسان، بين الإنسان والطبيعة والعالم، بين الرجل والمرأة، صراع فاصل كبير وعنيف، صراع بين ما للقيصر وما للبابا، فالحياة الغربية تقوم على التناقضات والصراعات. أما دين الإسلام فهو دين التوحيد، تتجه النفس الإنسانية اتجاهاً واحداً، ومستمداً من شرعٍ واحد، كما ذكر الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨] قال: أهواء؛ لأنها مختلفة، وقال أيضًا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] أي: صراط واحد، وأهواء مختلفة، وأرباب متشاكسون متناحرون على هذا الإنسان، ماذا كانت النتيجة لهذا الإنسان؟

стр. 870

من نتائج الانحراف في التربية ظهرت مدارس اليأس والقنوط نتيجة هذه التربويات والنظريات، فـ الوجودية -كما عبر عنها سارتر أو ألبير كاميو وأمثالهم- يقولون: 'لا حل إلا اليأس' أي: اليأس من الوصول إلى المعرفة، اليأس من أن الإنسان يعرف الحكمة من وجوده أو من أين جاء؟ أو إلى أين يذهب؟ لأنهم قالوا: لا يمكن أن تصل الإنسانية إلى معرفة هذه الحقائق، فخير لنا أن نريح أنفسنا من هذا، وأن نعيش الحياة العبثية. وهذا ما قرره كانون -الفيلسوف الفرنسي الشهير- بقوله: 'لو كنت شجرة بين الأشجار أو قطاً بين الحيوان لكان لهذه الحياة معنى، أو على الأصح لما كانت المشكلة مطروحة -لم تكن عنده مشكلة في: من أنا؟ وإلى أين أذهب؟ - لأنني أكون منتمياً إلى هذا العالم الذي أقادمه الآن بكل إدراكي'. فالصراع سببه الضلال عن الهدى، ونحن نذكر قول النبي ﷺ : ﴿أحد جبل يحبنا ونحبه﴾ جبل! سبحان الله! بل نحن نعلم أن كل هذه الموجودات تسبح الله، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]. فالمسلم عندما يصلي، ويذكر الله وهو خالٍ في طريق، أو يتأمل وهو يسير، ثم يتذكر هذه النجوم والشمس، والكون كله يسبح الله، لاشك أنه لا يشعر بعداوة مع الموجودات؛ لأن الكل يعبد الله ويسبحه، ولكن كلٌ على طريقته، والله قد علم صلاته وتسبيحه. أما أولئك فيقول أحدهم: 'إن هذا العقل السخيف هو ما يجعلني متضاداً مع كل الموجودات' سبحان الله! بل أوردوا على اليأس أدلة ليصححوا نظريتهم الجديدة، فقد قال الفيلسوف فريدرك نيتشه: 'إن الفلسفة الحديثة بكاملها تنحصر في نظرية عن المعرفة، وهي فلسفة لا تستطيع أن تتخطى عتبة ذاتها، وقد حرصت كل الحرص على إنكار حقها في الدخول، هذه بالتأكيد فلسفة تلفظ أنفاسها الأخيرة، إنها نهاية واحتضار، وشيء يثير الشفقة' يقول: الآن الحضارة والفلسفة مفلسة، فليس لديهم أي شيء، لا قيمة ثابتة ولا معيار صحيح. ثم يقول الكاتبان: 'إذاً: فكسوف العالم في الفلسفة المعاصرة كسوفٌ كاملٌ ومطلق، إن البذرة شديدة الضآلة، البريئة في الظاهرة التي زرعها بيكون وجاليليو في القرن السابع عشر، قد استغرقت نيفاً وثلاثمائة عام لتثمر في عصرنا هذا ثمرة اليأس الفكرية المرة والعدمية، وانفصام الإنسان عن العالم' أي: فبعد ثلاثمائة سنة من تركهم للدين، وقولهم إننا نسير على مقتضى العلم كانت الثمرة هي اليأس الفكري، والعدمية، وانفصام الإنسان عن العالم يقول: 'هذه هي المحصلة النهائية للفلسفة في إطار النظرة القديمة، وهذا يستتبع بالضرورة أنه إذا كنا لا نستطيع أن نعرف شيء عن العالم، فسنون أيضاً قد خسرنا العلم'. فبعد جهد ثلاثمائة سنة، يتضح لهم أن حقائقهم ومعرفتهم بالعالم والإنسان صفر! فقد خسروا العالم وخسروا العلم، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]، وهؤلاء هم الذين ليسوا بخاسرين، فحصيلة أكثر من ثلاثمائة سنة من التجربة، والنظريات، والكد الذهني في الجانب الإنساني، لو أنها كانت على إيمان ودين؛ لأعطت البشرية علوماً عظيمة، وأنجزت لها إنجازات، وأرباحاً هائلة، ولم تكن هذه الخسارة التي يعترفون بها الآن. لكنَّ العجب ممن يتبع الخاسرين! وممن يعيش في النور ثم يتبع السائرين في الظلمات! من الذي ينتمون إلى هذه الأمة العظيمة المجتباة المصطفاة، التي أورثها الله تعالى الكتاب والحكمة ثم يعيشون في ركاب هؤلاء المخدوعين، والتائهين، والحيارى!

стр. 871

الحكمة بمفهومها العام إذا عدنا إلى بداية الكلام وتطرقنا إلى معنى كلمة الحكمة التي آتاها الله النبي ﷺ في الآيات السابقة لعرفنا أن السلف فسرها بالسنة -وهي حق- والسنة كلها حكمة، ولكن أيضاً نلحظ أو نلمح معنى آخر لا يتعارض مع ذلك، وهي أن ما يسميه الغرب فلسفة ومنه اشتقت كل النظريات التربوية، والاجتماعية، والنفسية، يسميها الله حكمة، لأن الله ﵎ في سورة الإسراء ابتدأ آيات عظيمة بقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣]، ثم استمرت الآيات تتحدث -بعد الكلام عن الوالدين- عن الإحسان إلى الأقربين، وعن ترك التبذير، وعن الاقتصاد في النفقة، وعدم قتل الأولاد، وعن ترك الزنى، والقتل، والتحذير من هذه الجرائم البشعة، وعدم أكل مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، وعن الوفاء بالكيل والميزان والعهود، ونهى الإنسان عن أن يقول ما لا يعلم، ونهاه عن الكبر ثم قال بعد ذلك كله: ((ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ)) ثم عقَّب بقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً﴾ [الإسراء:٣٩] فأول شيء بدأت به الحكمة هو التوحيد بقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]. وآخر وصية ختمت بها الحكمة التوحيد في قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الإسراء:٣٩] فالتوحيد أساس كل حكمة، وأساس الحكمة العملية الحقيقية هي هذه الوصايا، هي ترك ما حرم الله من: الزنى، والقتل، والإسراف، والتبذير، والإفساد، واقتفاء ما ليس للإنسان به علم، والاستقامة على أمر الله ودينه، ثم القيام بالإحسان إلى الوالدين وإلى الأقربين، والاقتصاد في النفقة، هذه هي الحكمة القرآنية، والحكمة الحقيقية، وهذه هي التي بعث الله بها محمداً ﷺ ، ومرجعها في أول الأمر وفي آخره إلى التوحيد، إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، فلنكن -إن شاء الله- جميعاً موحدين مؤمنين، في أي علمٍ ومجال وميدان، أياً كانت المسميات: اقتصاداً أو سياسة أو اجتماعاً، أو أموراً عسكرية، أو داخلية، أو علاقات أسرية، أو اجتماعية- أياً كانت يجب أن نكون موحدين مستمدين كل المعايير والقيم والأحكام من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذه هي حقيقة التوحيد. أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعلني وإياكم من المؤمنين الموحدين، وأن يمنَّ علينا بفضله وجوده وكرمه، إنه سميعٌ مجيب.

стр. 872

الأسئلة

стр. 873

الموقف الصحيح من المعلومات الخاطئة التي تدرس في الجامعات السؤال طلاب التربية يتلقون كثيراً من الأحكام العلمانية التي تتعارض مع مبادئ الإسلام. فالسؤال: ما موقف المسلم نحو هذه المعلومات، وكيف تكون دراستها والاختبار فيها وخاصة وهو يعلم خطأها، وحبذا لو كانت كلمة توجه لمن بيده وضع المناهج والكتب؟ الجواب ليس المقصود بالتربية الذين يدرسون في كلية التربية! وإنما حياتنا جميعها هي التربية، أياً كانت التربية، لكن عموماً نوجه النصح لأنفسنا ولإخواننا جميعاً بأن تكون قيمنا، ومعاييرنا، وعلومنا، ومناهجنا كلها متفقة مع ديننا، والحمد لله قد تهيأ لنا -وبالذات في جامعة الإمام محمد بن سعود كما أعلم ولا أزكيها- وجود نخبة طيبة بدأت بل قطع بعضهم شوطاً في أن يؤصلوا هذه العلوم وفق المنهج الإسلامي، وهذا أمر يستحق التشجيع من جميع الأقسام، والكليات، ومن الإدارة، ومراكز البحث لتنمو هذه المجالات بإذن الله. أما المناهج فلها شأن آخر، فبالنظر إلى بعض ما اطلعنا عليه من المناهج كان عجباً، ولا أظنكم نسيتم قبل سنتين أو ثلاثاً في هذه القاعة، وكان معالي مدير الجامعة موجوداً فقام أحد الطلبة وجاء بكتاب مقرر -ولا أدري من قرره عليه- وفيه أن التربية الاشتراكية هي أفضل أنواع التربية! وهذا الكتاب كتب في أيام دعوة جمال عبد الناصر للاشتراكية وقرر أو ذكر كمرجع، والطلاب يدرسونه هنا، وبعد ترك الاشتراكيين للاشتراكية، وهلاك عبد الناصر، وخيبة كل هذه النظريات ما يزال يدرس أن النظرية الاشتراكية هي أفضل أنواع التربية، فالله المستعان! فيجب في الحقيقة إعادة النظر في هذه المناهج، وهذا واجب على الجميع وليس على واحد أو قسم بعينه.

стр. 874

التبعية للغرب وآثارها السؤال إن كثيراً من النظريات الاجتماعية والسلوكية والأخلاقية عند الغرب التي ربما صرح بعضهم ببطلانها ما زلنا نحن ندرسها في مواد التربية وبعض المواد العلمية، وكذلك تدرس في كليات التربية لبناتنا على أنها مسلَّم بها، مع العلم أنه لا يدرس في هذه الكليات مقرر مستقل لتعليم القرآن الكريم، فما هو تعليقكم؟ الجواب الله المستعان! نحن في الحقيقة ما زلنا نعيش في التبعية للغرب، ونخشى -لا قدر الله- أننا في بعض الجوانب تزداد هذه التبعية، وإن كانت الصحوة قد بدأت في جوانب أخرى، فالتبعية للغرب هي مشكلة المشاكل، وبهذا أخبر النبي ﷺ : ﴿لتتبعن -أو لتركبن- سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟﴾. فنحن لا نزال على خطاهم، خاصةً أننا أخذنا هذه العلوم عنهم، والإنسان عدو ما جهل -وإن كان دينه- والذي لا يدرس دينه وإنما درس هذه النظريات هنا، ثم ابتعث هناك لاشك أنه سيعطي مما درس! وإن كان يوجد فيهم من فيه خير ويحاول أن يجتهد، لكن هذا نتاج فساد خطتنا التعليمية في الماضي، وفساد توجيهنا التربوي، وتقصير القائمين على شئون التربية التي لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن الدين، فعندما ينحصر الإسلام في مجالات معينة، ويقال: الإفتاء لهيئات الإفتاء فقط! أو هو لكلية الشريعة، أو لكلية الدعوة، فهذه علمانية موضوعية وإن لم تكن علمانية واضحة وصريحة، فقد يظهر من يرى أن علم النفس، أو التربية، أو الاجتماع، أو حتى الأحياء والفيزياء تدرس بمعزل عن الدين، وهذا الذي نلمسه، ندرس النظريات التي قال عنها الغربيون: قد عفّاها الزمن وقد انتهت، وأصبحوا الآن يرون ضرورة تمحيص العلوم من كل ما فيه إنكار لله أو للروح أو لعالم الغيب!

стр. 875

التخلص من انحراف النظرية التربوية السؤال تعلمون أن معظم الجامعات في البلاد الإسلامية تقوم على تدريس مناهج التربية الحديثة مع ما فيها من انحرافٍ شديد، فما هو الحل المناسب للتخلص من ذلك الانحراف الخطير؟ الجواب أول ما يجب علينا جميعاً أياً كان موقع الإنسان منا وعمله، هو: أن نتعرف على ديننا الحق، فما كان النبي ﷺ إلا مزكياً ومربياً بمفهومنا وبتعبيرنا المعاصر، فنتعرف على تزكية النبي ﷺ لأصحابه، ولأهل بيته، وللأمة والمجتمع كما قال الله تعالى. ثم نتعلم منهم طرق تزكية العالم كله، وهي تزكيةٍ عظيمة موجودة نستطيع أن نقرأها، لأن مراجع التزكية عندنا هي كتاب الله، ثم صحيح البخاري -مثلاً- أو زاد المعاد، أو نحوهما من الكتب، فـ زاد المعاد -مثلاً- يحدثك عن كل شيء من هدي النبي ﷺ ، في لباسه، وآدابه، وصلاته، ومعاملاته، وفي حربه وسلمه، فما التربية إلا هذا، وهو نموذج حي جعله الله لنا أسوة حسنة، ولهذا لا نجد في سيرة النبي ﷺ أي جانب غامض لا نعرفه عنه، بعكس أكثر عظماء العالم المتبوعين في أقطار الأرض من سياسيين ومفكرين وغيرهم، تجد جوانب كثيرة في حياتهم غير معروفة، فقد نعرف أن لهم نظريات كذا أو كذا، ولكن لا نعرف حياته الأسرية، ولا زواجه، ولا علاقاته. أما الرسول ﷺ فلأنه القدوة لنا جميعاً، فإن سيرته كلها أمامنا، حتى قسمته بين زوجاته، واغتساله من الجنابة، وكل شيء أمامنا واضح، فالذي أرسل إلينا هذا الرسول يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة، هذه المنة لا نجحدها، ولا ننكرها، بل نتبعه ﷺ ، ونتأسى به، وهذه مصادر التربية الحقيقية أياً كان المجال.

стр. 876

مقياس التمييز الوظيفي بين التربوي وغير التربوي السؤال نرجو أن توجهوا كلمة إلى المسئولين عن التربية والتعليم في هذا البلد الخير بسبب التمييز بين من يدرس المناهج التربوية الحديثة، ومن لا يدرسها في التعيين والمرتب- أي: تربوي وغير تربوي؟ الجواب الحقيقة أن الإنسان يمكن أن يدرس التخصص في أي مجال حتى ينهيه، ثم يأخذ فصلاً في كيفية طرق التدريس ووسائل التربية بعيداً عن النظريات التربوية، وإنما كوسائل تطبيقية عملية، ثم إن كان يريد التدريس درس، وإن كان لا يريده فليذهب، وهذا ليس من عندي وحدي، بل شاركني فيه كثير من الإخوة الأفاضل في عدة كليات، لكن عقبات النظام والتطبيق واختلاف الكليات إلى آخره حالت دون هذا، وإلا فإن هذا هو الصحيح، فإن أراد الإنسان التخصص البحت يستمر، وإن أراد أن يكون مدرساً فله ذلك. ولا غضاضة بعد ذلك أن يكون أخوك الذي درس سنةً زيادة عنك أن يكون أعلى منك في المرتبة، النفوس جميعاً تجد أن هذا عدلاً، لكن أن يكون هذا يعمل (١٤٠) ساعة، وهذا (١٤٠)، ثم تجد هذا في المرتبة السابعة، وهذا في المرتبة السادسة، وهناك مستويات، لا شك أنه يبقى في النفوس حرج، وخاصةً إذا كان المتخصص الدقيق يشعر أنه قد أفاد فائدة علمية كثيرة، بينما نجد ثلاثين ساعة أو نحوها درسها ذلك الآخر أكثرها لا خير فيها، إذا وجد هذا الشعور فتكون المصيبة مضاعفة على هذا المسكين!

стр. 877

التربويون في الجامعات السؤال نرجو أن نعطي أساتذة التربية الذين يفخرون بعلماء التربية الغربية ونظرياتهم المخالفة لديننا الإسلامي نصيحة بربط التربية بمفهومٍ إسلامي، وتنبيه أن تلك النظريات يجب أن يعلم أنها فاشلة ولا خير فيها. الجواب لا أظن أنه يوجد -إن شاء الله وخاصةً عندنا في جامعاتنا- أحد يمكن أن يثني على هذه النظريات أو أنه يفخر بها وهي مخالفة لديننا، وإنما يحدث ذلك نتيجة للجهل بالدين، وعدم المعرفة به، كما كان المتكلمون يقولون: الكتاب والسنة هذه كلها نقل، أي: نقليات أو سمعيات، أما العقل فهو كذا وكذا تعظيمًا له، مع أنهم لو قرءوهما لوجدوا العجب العجاب حتى في التربية. السؤال: وهذا مثال آخر يقول الأخ: إن بعضهم عندما يتكلم عن المربين القدماء مثل أرسطو وأفلاطون؛ يمجدونهم وكأنهم هم الذين أسسوا الأخلاق والتربية على مر العصور، ونسوا خير مربٍ للبشرية محمداً ﷺ ، فهل هذا قادح من قوادح العقيدة؟ الجواب: لا يوجد شك في أن هؤلاء من الذين سماهم الله ﵎ في كتابه، حيث يقول: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ [الكهف:٥١] فهؤلاء ليسوا حكماء، وليسوا أدلاء على طريق الخير، وإنما هم مضلون أضلوا الإنسانية، واليونان أنفسهم كان لديهم ميراث من ميراث النبوة، أضلهم عنه هذا الوثني المشرك أرسطو، الذي كان مع ذا القرنين المشرك -وليس ذا القرنين الذي ذكره الله تعالى في القرآن- وكان وزيراً له، فكان مشركاً، وكتبه تنضح بالشرك، هؤلاء مضلون: أرسطو وأفلاطون وأمثالهم إلى كانت وديكارت، وهؤلاء غاية ما فيهم أن الإنسان منهم كان يؤمن بوجود الله، وهذا هو كل ما عندهم، أما غير ذلك فهم يعيشون في ظلام وضياع، وفي تخبط. فتمجيد هؤلاء والثناء عليهم، لا شك أنه خطأٌ وخطرٌ على العقيدة كبير؛ لأننا نستمد قيمنا من عقيدة التوحيد، ومن التوحيد أن نوحد النبي ﷺ وسنته بالاتباع، بمعنى أن أي شيء يخالف سنة النبي ﷺ فهو مردود مرفوض -كما نقرأ في شرح الطحاوية - فهما توحيدان لا بد للعبد منهما: توحيد المرُسِل -أي شهادة أن لا إله إلا الله- وتوحيد متابعة الرسول الذي هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله ﷺ .

стр. 878

روَّاد العلوم الإسلامية السؤال بماذا نرد على مدرسي المواد التربوية الذين تخرجوا من مدارس داروين وأفلاطون وأرسطو وغيرهم، وهم يقولون: إن قسم العقيدة في الجامعة يعطي للطلاب معلومات خاطئة، فهم يكفرون ابن سينا مع العلم أنه هو رائد المسلمين في علم النفس والطب وغيره؟ الجواب هذه قضايا متداخلة بالنسبة لـ ابن سينا، أو أبي زكريا الرازي، أو أمثالهما، ليسوا رواد علم التربية الإسلامية، أو الفلسفة الإسلامية، أو علم النفس الإسلامي! وهذه حقيقةٌ ذكرت في مقدمة ابن خلدون بل حتى علم السحر والسيمياء ذكرها ابن خلدون وفصل فيها، وإنما اعتبروا روادًا لأن الغرب اعتبرهم رواداً، ونحن نقلنا هذا من عند الغرب. حيث إن الغرب تعرفوا على أرسطو وأفلاطون من ترجمة ابن رشد لكتبهما، ولهذا يعتبر الغرب العصر الحديث أو عصر النهضة يبتدئ بالدقة وبالتحديد من عام (١٢١٠م)، لأنها السنة التي وصلت إلى أوروبا ترجمة ابن رشد لكتب أرسطو، فتاريخهم الحديث يبتدئ بحصولهم وعثورهم على كتب أرسطو ترجمة ابن رشد، وتعليقات من ابن سينا فأخذوا إلحادهم القديم -مع الأسف- عنا عمن ينتسب للإسلام. فاعتبروا المعلم الأول أرسطو، ثم الذين أسهموا بعد ذلك في هذا الدور هم ابن سينا وأبو زكريا الرازي لأن له كلاماً في هذا، والفارابي، والكندي، وابن رشد، لأنه في الخط نفسه. حيث أخذوا من هذا المعلم -معلم الضلالة الأول- وزادوا، وشققوا، وفرعوا، واستدركوا، ثم نقلت ترجمته إلى أوروبا، ومنها انتقلت النهضة الأوروبية الحديثة -كما يزعمون- فأخذنا هذا عنهم، وهذه من تلبيساتهم، حتى إنهم يقولون: إن أول من ألف في العقيدة هو أبو الحسن الأشعري! وهذا كلام غير صحيح، لأن القرآن هو كله كتاب الإيمان والعقيدة، ومحمد رسول الله ﷺ هو الذي جاء بهذه العقيدة، والقضية نفسها في التربية، إن رسول الله ﷺ لم يكن إلا معلمًا، ومزكيًا، ومربيًا، فليس ابن سينا أول من جاء بعلم النفس، وإنما أخذنا ذلك من الغرب، ولأن الغرب لا يعتبرون الإسلام إلا وثنية كله، إلا من كان على منهجهم وعلى وثنيتهم، وهم هؤلاء الذين نقلوا إليهم هذه العلوم. وإنما يزكى ويعظم الرازي الطبيب، وابن سينا وأمثالهما؛ لأن بعض المسلمين عاطفيون، يتأثر بالعاطفة أكثر من الحقائق العلمية، فالجانب العاطفي هذا جعلنا نقول: إن تاريخنا مقدس، لما رأينا الغربيين يهاجمون تاريخنا، يقولون: إن تاريخ المسلمين فيه سفك للدماء، فيه كذا، قلنا نحن: لا، تاريخنا ليس فيه شيء مذموم، نحن أمة العدل، فإن لم نعدل نحن فمن الذي يعدل؟! والحقيقة: نحن لماذا نقدس تاريخنا؟! والأصل أننا إنما نقدس الدين المعصوم، وهو ديننا الذي جاء في الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح وأجمعت عليه الأمة، أما ما عدا ذلك اجتهاد قد يخطئ وقد يصيب، لكنا كردة فعل لاحتقار الغربيين لعلمنا جئنا نحن فقدسنا ابن سينا والفارابي وأمثالهما، ونريد أن ندافع عنهم. فإذا تكلم أحد عن عقائدهم الكفرية والإلحادية، قيل له: اسكت، أنت لأنك مثل الغربيين تشوه تاريخنا، فلما أخذنا تاريخنا من الغربيين، ورجالنا ورواد حضارتنا من الغربيين، وجدنا أن الرواد هم هؤلاء القائمة الملحدة، فإذا طعن في أحدهم قلنا: أنت تطعن الآن في علماء الإسلام، وفي بناة الحضارة الإسلامية، أنت تسيء إلينا، إذا كان الغرب يعترف بفضلهم، وبعظمتهم وأنت تطعن فيهم، إذاً أنت تكفيري ليس عندك إلا التعقيد وهذا الخطأ نشأ عن الخطأ الأول! والخطأ الثاني: أننا ندافع عن تاريخنا دفاعاً مطلقاً عاطفياً، وهذا خطأ، مثلما قام الغرب يحط من قيمة الدولة العثمانية، قمنا نحن ندافع عنها، ونزكيها، ونبرئها، بالعكس: لو كانت كما نزكيها تماماً لانتصرت، لكن فيها عوامل الخلل والضعف، والمقصود: هو أن نكون من أهل العدل. وبعض الإخوان في التربية يقررون تفاسير كمراجع كـ تفسير المراغي والواضح والألوسي والقاسمي، وخيرٌ من هذه جميعاً تفسير ابن كثير، وهو الأصل والمتن، فهو خيرٌ منها جميعاً، وبعضها عليه ملاحظات أساسية وبعضها لا يخلو من أخطاء.

стр. 879

ضرورة الثبات والتغيير السؤال بعض مدرسي التربية جعل نفسه عالماً في الجرح والتعديل، فأخذ ينتقد العلماء الكبار، وأخذ يقول: إن العدد اثنين في العصر الحاضر يختلف عنه في عصر الرسول ﷺ ، فما رأيكم؟ الجواب هذه نظرية جديدة طبعاً، وإلى الآن لم تسجل براءة اختراع، إلا إن كان الأخ لم يفهمها، وصدق من قال: علم الخراب. وعلى كل حال هذا أمرٌ لا بد منه، والتصحيح طويل المدى، والتغيير والتصحيح سيطول مداه، المهم أن نصدق فيه وأن نستمر إن شاء الله.

стр. 880

من وسائل التربية الإسلامية السؤال ما هي أهم وسائل التربية الحديثة التي تعالج في الإنسان روحه ووعيه بطريقة إسلامية بحتة؟. الجواب أهمها إيجاد المحاضن الإسلامية، فيعاد دور المسجد -كما كان- فمحاضن التربية الإسلامية مثل: المسجد وحلقات العلم، كما كان السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم يربون في الإنسان أخلاقه وسلوكه، وليس مجرد مسائل علمية، أو خطبة جمعة وينتهي الأمر، ولنتذكر فعل النبي ﷺ من قبل، فتعاد المحاضن الإيمانية والتربوية أو التزكوية وأهمها المسجد، وارتباط الناس بالعلماء، وارتباط الناس بكتاب الله ، صباح مساء، وأن تُصَحَّحَ وسائل الإعلام التي أهلكتنا بالانحلال، والفساد الخلقي والعقائدي، بل وفي كل جانب، ولابد أن نكون كما يريد الله منا أن نكون، وأن تخاطب الأمة الإسلامية من خلال كتاب ربها وسنة رسولها ﷺ . وهنا ملاحظة أحب أن أنبه عليها، وهي: أننا لا نعترض على الوسائل أو عن التجارب البشرية التطبيقية البحتة في علم التربية، أو النفس، أو الاجتماع وغير ذلك، فهذه جهد إنساني بحت ومشترك، ويمكن لكل إنسان أن يفيد غيره، بل يجب علينا نحن أن نفيد غيرنا من أفضل الوسائل التربوية من ناحية الوسائل والتطبيق والأمور العملية، المهم أن الهدف عندنا يظل هو الهدف، فالنظرية نرفضها، لكن التطبيقات المادية أو العلمية أو التجريبية البحتة نحن أولى بها، والحكمة ضالة المؤمن يأخذها من أيٍ كان.
следующие страницы →