Полный текст (2 843 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
مقياس التمييز الوظيفي بين التربوي وغير التربوي
السؤال
نرجو أن توجهوا كلمة إلى المسئولين عن التربية والتعليم في هذا البلد الخير بسبب التمييز بين من يدرس المناهج التربوية الحديثة، ومن لا يدرسها في التعيين والمرتب- أي: تربوي وغير تربوي؟
الجواب
الحقيقة أن الإنسان يمكن أن يدرس التخصص في أي مجال حتى ينهيه، ثم يأخذ فصلاً في كيفية طرق التدريس ووسائل التربية بعيداً عن النظريات التربوية، وإنما كوسائل تطبيقية عملية، ثم إن كان يريد التدريس درس، وإن كان لا يريده فليذهب، وهذا ليس من عندي وحدي، بل شاركني فيه كثير من الإخوة الأفاضل في عدة كليات، لكن عقبات النظام والتطبيق واختلاف الكليات إلى آخره حالت دون هذا، وإلا فإن هذا هو الصحيح، فإن أراد الإنسان التخصص البحت يستمر، وإن أراد أن يكون مدرساً فله ذلك.
ولا غضاضة بعد ذلك أن يكون أخوك الذي درس سنةً زيادة عنك أن يكون أعلى منك في المرتبة، النفوس جميعاً تجد أن هذا عدلاً، لكن أن يكون هذا يعمل (١٤٠) ساعة، وهذا (١٤٠)، ثم تجد هذا في المرتبة السابعة، وهذا في المرتبة السادسة، وهناك مستويات، لا شك أنه يبقى في النفوس حرج، وخاصةً إذا كان المتخصص الدقيق يشعر أنه قد أفاد فائدة علمية كثيرة، بينما نجد ثلاثين ساعة أو نحوها درسها ذلك الآخر أكثرها لا خير فيها، إذا وجد هذا الشعور فتكون المصيبة مضاعفة على هذا المسكين!
стр. 877
التربويون في الجامعات
السؤال
نرجو أن نعطي أساتذة التربية الذين يفخرون بعلماء التربية الغربية ونظرياتهم المخالفة لديننا الإسلامي نصيحة بربط التربية بمفهومٍ إسلامي، وتنبيه أن تلك النظريات يجب أن يعلم أنها فاشلة ولا خير فيها.
الجواب
لا أظن أنه يوجد -إن شاء الله وخاصةً عندنا في جامعاتنا- أحد يمكن أن يثني على هذه النظريات أو أنه يفخر بها وهي مخالفة لديننا، وإنما يحدث ذلك نتيجة للجهل بالدين، وعدم المعرفة به، كما كان المتكلمون يقولون: الكتاب والسنة هذه كلها نقل، أي: نقليات أو سمعيات، أما العقل فهو كذا وكذا تعظيمًا له، مع أنهم لو قرءوهما لوجدوا العجب العجاب حتى في التربية.
السؤال: وهذا مثال آخر يقول الأخ: إن بعضهم عندما يتكلم عن المربين القدماء مثل أرسطو وأفلاطون؛ يمجدونهم وكأنهم هم الذين أسسوا الأخلاق والتربية على مر العصور، ونسوا خير مربٍ للبشرية محمداً ﷺ ، فهل هذا قادح من قوادح العقيدة؟ الجواب: لا يوجد شك في أن هؤلاء من الذين سماهم الله ﵎ في كتابه، حيث يقول: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ [الكهف:٥١] فهؤلاء ليسوا حكماء، وليسوا أدلاء على طريق الخير، وإنما هم مضلون أضلوا الإنسانية، واليونان أنفسهم كان لديهم ميراث من ميراث النبوة، أضلهم عنه هذا الوثني المشرك أرسطو، الذي كان مع ذا القرنين المشرك -وليس ذا القرنين الذي ذكره الله تعالى في القرآن- وكان وزيراً له، فكان مشركاً، وكتبه تنضح بالشرك، هؤلاء مضلون: أرسطو وأفلاطون وأمثالهم إلى كانت وديكارت، وهؤلاء غاية ما فيهم أن الإنسان منهم كان يؤمن بوجود الله، وهذا هو كل ما عندهم، أما غير ذلك فهم يعيشون في ظلام وضياع، وفي تخبط.
فتمجيد هؤلاء والثناء عليهم، لا شك أنه خطأٌ وخطرٌ على العقيدة كبير؛ لأننا نستمد قيمنا من عقيدة التوحيد، ومن التوحيد أن نوحد النبي ﷺ وسنته بالاتباع، بمعنى أن أي شيء يخالف سنة النبي ﷺ فهو مردود مرفوض -كما نقرأ في شرح الطحاوية - فهما توحيدان لا بد للعبد منهما: توحيد المرُسِل -أي شهادة أن لا إله إلا الله- وتوحيد متابعة الرسول الذي هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله ﷺ .
стр. 878
روَّاد العلوم الإسلامية
السؤال
بماذا نرد على مدرسي المواد التربوية الذين تخرجوا من مدارس داروين وأفلاطون وأرسطو وغيرهم، وهم يقولون: إن قسم العقيدة في الجامعة يعطي للطلاب معلومات خاطئة، فهم يكفرون ابن سينا مع العلم أنه هو رائد المسلمين في علم النفس والطب وغيره؟
الجواب
هذه قضايا متداخلة بالنسبة لـ ابن سينا، أو أبي زكريا الرازي، أو أمثالهما، ليسوا رواد علم التربية الإسلامية، أو الفلسفة الإسلامية، أو علم النفس الإسلامي! وهذه حقيقةٌ ذكرت في مقدمة ابن خلدون بل حتى علم السحر والسيمياء ذكرها ابن خلدون وفصل فيها، وإنما اعتبروا روادًا لأن الغرب اعتبرهم رواداً، ونحن نقلنا هذا من عند الغرب.
حيث إن الغرب تعرفوا على أرسطو وأفلاطون من ترجمة ابن رشد لكتبهما، ولهذا يعتبر الغرب العصر الحديث أو عصر النهضة يبتدئ بالدقة وبالتحديد من عام (١٢١٠م)، لأنها السنة التي وصلت إلى أوروبا ترجمة ابن رشد لكتب أرسطو، فتاريخهم الحديث يبتدئ بحصولهم وعثورهم على كتب أرسطو ترجمة ابن رشد، وتعليقات من ابن سينا فأخذوا إلحادهم القديم -مع الأسف- عنا عمن ينتسب للإسلام.
فاعتبروا المعلم الأول أرسطو، ثم الذين أسهموا بعد ذلك في هذا الدور هم ابن سينا وأبو زكريا الرازي لأن له كلاماً في هذا، والفارابي، والكندي، وابن رشد، لأنه في الخط نفسه.
حيث أخذوا من هذا المعلم -معلم الضلالة الأول- وزادوا، وشققوا، وفرعوا، واستدركوا، ثم نقلت ترجمته إلى أوروبا، ومنها انتقلت النهضة الأوروبية الحديثة -كما يزعمون- فأخذنا هذا عنهم، وهذه من تلبيساتهم، حتى إنهم يقولون: إن أول من ألف في العقيدة هو أبو الحسن الأشعري! وهذا كلام غير صحيح، لأن القرآن هو كله كتاب الإيمان والعقيدة، ومحمد رسول الله ﷺ هو الذي جاء بهذه العقيدة، والقضية نفسها في التربية، إن رسول الله ﷺ لم يكن إلا معلمًا، ومزكيًا، ومربيًا، فليس ابن سينا أول من جاء بعلم النفس، وإنما أخذنا ذلك من الغرب، ولأن الغرب لا يعتبرون الإسلام إلا وثنية كله، إلا من كان على منهجهم وعلى وثنيتهم، وهم هؤلاء الذين نقلوا إليهم هذه العلوم.
وإنما يزكى ويعظم الرازي الطبيب، وابن سينا وأمثالهما؛ لأن بعض المسلمين عاطفيون، يتأثر بالعاطفة أكثر من الحقائق العلمية، فالجانب العاطفي هذا جعلنا نقول: إن تاريخنا مقدس، لما رأينا الغربيين يهاجمون تاريخنا، يقولون: إن تاريخ المسلمين فيه سفك للدماء، فيه كذا، قلنا نحن: لا، تاريخنا ليس فيه شيء مذموم، نحن أمة العدل، فإن لم نعدل نحن فمن الذي يعدل؟! والحقيقة: نحن لماذا نقدس تاريخنا؟! والأصل أننا إنما نقدس الدين المعصوم، وهو ديننا الذي جاء في الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح وأجمعت عليه الأمة، أما ما عدا ذلك اجتهاد قد يخطئ وقد يصيب، لكنا كردة فعل لاحتقار الغربيين لعلمنا جئنا نحن فقدسنا ابن سينا والفارابي وأمثالهما، ونريد أن ندافع عنهم.
فإذا تكلم أحد عن عقائدهم الكفرية والإلحادية، قيل له: اسكت، أنت لأنك مثل الغربيين تشوه تاريخنا، فلما أخذنا تاريخنا من الغربيين، ورجالنا ورواد حضارتنا من الغربيين، وجدنا أن الرواد هم هؤلاء القائمة الملحدة، فإذا طعن في أحدهم قلنا: أنت تطعن الآن في علماء الإسلام، وفي بناة الحضارة الإسلامية، أنت تسيء إلينا، إذا كان الغرب يعترف بفضلهم، وبعظمتهم وأنت تطعن فيهم، إذاً أنت تكفيري ليس عندك إلا التعقيد وهذا الخطأ نشأ عن الخطأ الأول! والخطأ الثاني: أننا ندافع عن تاريخنا دفاعاً مطلقاً عاطفياً، وهذا خطأ، مثلما قام الغرب يحط من قيمة الدولة العثمانية، قمنا نحن ندافع عنها، ونزكيها، ونبرئها، بالعكس: لو كانت كما نزكيها تماماً لانتصرت، لكن فيها عوامل الخلل والضعف، والمقصود: هو أن نكون من أهل العدل.
وبعض الإخوان في التربية يقررون تفاسير كمراجع كـ تفسير المراغي والواضح والألوسي والقاسمي، وخيرٌ من هذه جميعاً تفسير ابن كثير، وهو الأصل والمتن، فهو خيرٌ منها جميعاً، وبعضها عليه ملاحظات أساسية وبعضها لا يخلو من أخطاء.
стр. 879
ضرورة الثبات والتغيير
السؤال
بعض مدرسي التربية جعل نفسه عالماً في الجرح والتعديل، فأخذ ينتقد العلماء الكبار، وأخذ يقول: إن العدد اثنين في العصر الحاضر يختلف عنه في عصر الرسول ﷺ ، فما رأيكم؟
الجواب
هذه نظرية جديدة طبعاً، وإلى الآن لم تسجل براءة اختراع، إلا إن كان الأخ لم يفهمها، وصدق من قال: علم الخراب.
وعلى كل حال هذا أمرٌ لا بد منه، والتصحيح طويل المدى، والتغيير والتصحيح سيطول مداه، المهم أن نصدق فيه وأن نستمر إن شاء الله.
стр. 880
من وسائل التربية الإسلامية
السؤال
ما هي أهم وسائل التربية الحديثة التي تعالج في الإنسان روحه ووعيه بطريقة إسلامية بحتة؟.
الجواب
أهمها إيجاد المحاضن الإسلامية، فيعاد دور المسجد -كما كان- فمحاضن التربية الإسلامية مثل: المسجد وحلقات العلم، كما كان السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم يربون في الإنسان أخلاقه وسلوكه، وليس مجرد مسائل علمية، أو خطبة جمعة وينتهي الأمر، ولنتذكر فعل النبي ﷺ من قبل، فتعاد المحاضن الإيمانية والتربوية أو التزكوية وأهمها المسجد، وارتباط الناس بالعلماء، وارتباط الناس بكتاب الله ، صباح مساء، وأن تُصَحَّحَ وسائل الإعلام التي أهلكتنا بالانحلال، والفساد الخلقي والعقائدي، بل وفي كل جانب، ولابد أن نكون كما يريد الله منا أن نكون، وأن تخاطب الأمة الإسلامية من خلال كتاب ربها وسنة رسولها ﷺ .
وهنا ملاحظة أحب أن أنبه عليها، وهي: أننا لا نعترض على الوسائل أو عن التجارب البشرية التطبيقية البحتة في علم التربية، أو النفس، أو الاجتماع وغير ذلك، فهذه جهد إنساني بحت ومشترك، ويمكن لكل إنسان أن يفيد غيره، بل يجب علينا نحن أن نفيد غيرنا من أفضل الوسائل التربوية من ناحية الوسائل والتطبيق والأمور العملية، المهم أن الهدف عندنا يظل هو الهدف، فالنظرية نرفضها، لكن التطبيقات المادية أو العلمية أو التجريبية البحتة نحن أولى بها، والحكمة ضالة المؤمن يأخذها من أيٍ كان.
стр. 881
معنى قول: لا أزكيه
السؤال
قلت أن التزكية بمعنى: التربية والتطهير من كل دنس، ما الفرق بينها وبين كلمة متداولة بيننا عندما يقول فلان لشخص: إن فلاناً طيب ولا نزكيه على الله، وما معنى قوله: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢]؟
الجواب
أي لا تنسبوها إلى الزكاة، ولا إشكال فقوله: لا أزكيه، الفعل المتعدي يقتضي معنى النسبة، أي لا أنسبه إلى الزكاة.
стр. 882
حكم من يقول: إن التربية الإسلامية تُعَقِدُ الطفل !
السؤال
يقول بعض المتخلفين: إن الالتزام بالتربية الإسلامية للطفل قد يؤدي إلى تعقيده منذ الصغر، فما رأيكم في ذلك؟.
الجواب
حقيقة يؤسفني جداً، ويضحكني -وشر البلية ما يضحك- ونحن في هذا الزمن ابتلينا ببلايا كثيرة حتى أصبحنا كما قال المتنبي: تكسرت النصال على النصال.
فنقرأ من يقول: لا تدرسوا سور القرآن التي فيها -مثلاً- (تبت) أو آيات (الذي يكذب بالدين) أو فيها ذكر النار، لا تدرسوها للصغار لأن الطفل يخاف ويتعقد، نعوذ بالله! انظروا كيف أثر هؤلاء حتى في كتاب الله يريدون أن ينتقوا منه، وأن يخضعوه لهواهم، يقول لك: لا تذكر الطفل بالنار حتى لا يخاف.
سبحان الله! لو أن الطفل أخذ القلم أو السجارة منه، لقال له: أحطمك أو أدمرك أو أنسفك، يخوفه بشيء، لكن أن يتلو عليه -أحيانًا- من القرآن مثل ذكر النار، أو ذكر جهنم فلا.
وهذا خطأ! بل لابد أن يقرأها الأب ويكررها حتى يسأله عنها الابن، فيقول له: يا أبي ما هي الجنة وما هي النار؟ وينبغي للمدرس أن يتكلم عن الجنة وأنها للمتقين، والمؤمنين، والمهذبين، والطيبين، والنظيفين إلى آخره، وأن النار والجحيم هي للأشرار الفجار.
فهذه المعاني تحدد له معالم الطريق في حياته، فسر يا بني على طريق الجنة، واجتنب طريق النار.
ويذكره بمحبة الرسول ﷺ ، ومحبة منهجه وسيرته، ومعاداة من عادى الرسول ﷺ ، ومنهم أبو لهب وامرأته.
كيف نتجرأ على كتاب الله بالحذف أو بالتعديل؟! إن هذه من الغرائب! بل يقول بعض الناس: لابد من ديمقراطية التربية، فلا تستخدم العصا ولا ترهب الطفل! ورب العالمين -أحكم الحاكمين جعل هذه الحدود والعقوبات فيها الصلاح.
سمعت تصريحاً لأحد رؤساء الدول العربية، التي أقيم فيها حد الإعدام على قاتل أطفال، فيقول: 'مع أنني شخصياً لا أؤمن بحكم الإعدام لما فيه من البشاعة، لكن هذا الرجل بالذات يستحق أن يعدم لأنه قتل أربعة عشر أو ستة عشر طفلاً' وفي الوقت نفسه لجنة حقوق الإنسان والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في دولة أخرى يتكلمون ويقولون: نحن ألغينا حكم الإعدام في هذه الدولة! أعوذ بالله! إلغاء الحدود جرأة على الله، وعلى أحكامه -أو ما يسمى بالعقوبات عندهم- وهذه حكمة من الله أنه يعطى الإنسان حق التأديب، فالرجل يؤدب زوجته بالضرب، وهذا في كتاب الله، حتى الطفل كما قال النبي ﷺ : ﴿مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر﴾.
فهذه التربية بالعقوبة، أو بالحد، بمعناه العام لا بالمعنى الفقهي الضيق، المعنى العام للحد وهو المعاقبة بالتعزير أو التأنيب، أو أي نوع من أنواع العقوبة، هذه سنة من سنن الله ، الذي هو أعلم بنا، فهو القائل: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠] والقائل: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] فهو أعلم بما يصلحنا .
ولا يمكن أن أحداً يطبق النظرية الديمقراطية في التربية مهما تشدق بها، لأننا إذا قلنا: لا نستخدم العقوبة مع الطالب، ولا نستخدم العصا في المدرسة، فيتمرد الطالب إذا لم يؤدب، فلابد أن يعاقب؛ لأنها طبيعة وفطرة، حتى الزوجة لو قلنا: لا تعاقبها إذا أخطأت، واصبر ثم اصبر، لا شك أن هذا يمكن أن يتلفها بالكامل، فيقتلها.
وهكذا النفوس لا بد أن تُضبط فتكون كما أمر الله أو تكبت فتؤدي في النهاية إلى انفجار لا يحده أي حد، فلا بد من إعادة العقوبة، ورحم الله تلك الأيام التي كنا بعد الدراسة في العصر أو المغرب إذا رأينا المدرس في آخر الشارع ونحن نلعب الكرة هربنا واختفينا، لأننا نخاف منه وله رهبة، أما الآن تجد الطلبة في الفصل ومعلمهم فيهم يصيح عليهم اهدءوا! اسكتوا! اجلسوا! فلا يسمع له؛ لأنها ديمقراطية التربية.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده محمد ﷺ .
стр. 883
كيف نحيا بالقرآن؟ (ندوة)
نقل مقدم الندوة مقطعاً من كلام ابن القيم ﵀ عن حياة القلب بالاستجابة لله وللرسول.
ثم تحدث الشيخ سعيد شعلان عن القرآن مبيناً أنه مادة حياة، ومدللاً على ذلك بآيات من القرآن الكريم.
ثم تكلم الشيخ سفر عن أحوال السلف مقدماً لذلك بذكر حالة العرب قبل الإسلام والتغير الشامل الذي أحدثه الإسلام في حياتهم، كما أشار إلى أحوال سائر الأمم، موضحاً أسباب حياة القلوب عند السلف، مؤكداً أن المخرج من الأزمة التي تعيشها الأمة الإسلامية اليوم هو العودة إلى القرآن.
ثم تحدث الشيخ سعيد عن الوسائل الصحيحة لتهيئة النفوس للانتفاع بالقرآن، مركزاً على أهمية التدبر في آياته، والتخلص من مفسدات القلوب، والإقلاع عن الذنوب والمعاصي.
стр. 884
كلام مقدم الندوة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد: أيها الإخوة: أحييكم في هذه الأمسية المباركة التي نسأل الله أن يجعلها أمسية خير لنا ولكم، وأن نتعلم فيها كيف نحيا على كتاب ربنا استجابةً لأمر الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤] فالله أمرنا بالاستجابة له ولرسوله الكريم، وقبل أن نبدأ موضوعنا فإني رأيت كلاماً نفيساً قيماً لابن القيم يتعلق بتفسير هذه الآية، وفي بيان أن القرآن مادة حياة للناس.
يقول ابن القيم في تفسير هذه الآية: 'إن الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ولرسوله، فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له، وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات فالحياة الحقيقية هي حياة من استجاب لله ولرسوله ظاهراً وباطناً، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان، ولهذا كان أكمل الناس حياة هو أكملهم استجابة لدعوة الرسول ﷺ ، فإن كل ما دعا إليه النبي ﷺ ففيه الحياة، فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول ﷺ '.
ثم بين ابن القيم ما ذكره المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤] يقول: 'يعني للحق.
ثم قال: وقال قتادة: هو هذا القرآن فيه الحياة والثقة والنجاة والحكمة في الدنيا والآخرة'.
وهذا هو موضوع ندوتنا لهذه الأمسية: كيف نحيا بالقرآن؟ ويحدثنا الشيخ سعيد شعلان في بيان أن القرآن مادة حياة كما قال ابن القيم، وكما قال قتادة في ذلك.
стр. 885
القرآن قوام الحياة
يقول الشيخ سعيد: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداًَ عبد الله ورسوله خاتم النبيين وأشرف المرسلين، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فإني كما يعلم الله ﵎ لم أكن أحب أن أكون مبتدئاً بالكلام في هذه الندوة، ولا أن أكون مستأثراً بأكثر الكلام فيها، وحاولت مع فضيلة الشيخ سفر -حفظه الله تعالى وجزاه الله خيراً- أن يأخذ نصيباً أوفر من الكلام، لكنه رأى أن هذا التنظيم جيد ومناسب، فأرجو المعذرة للحيلولة بينكم وبين الاستماع إليه فترة طويلة من هذه الندوة، وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما نقول ونسمع، على أي لسان كان هذا الكلام، طالما كان كلاماً مستنداً إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما رآه السلف الصالح في تفسير هذا الكلام وشرحه وبيانه والله المستعان.
стр. 886
القرآن طريق للحياة الطيبة
لا شك أننا جميعاً نريد لأنفسنا وللمسلمين -كافة- حياة طيبة في الدنيا والآخرة، ولا شك أن الرائد إلى بيان كيفية هذه الحياة هو كتاب الله ، وفي كتاب الله دلالة على كيفية حصول هذه الحياة، فالله تعالى يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] والحياة الطيبة المذكورة في هذه الآية هي الحياة في الدنيا، وإلا لو كانت حياة الجنة لكان قوله تعالى -كما قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى-: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] من قبيل التكرار، فالدنيا فيها حياة طيبة لمن جعل القرآن رائده وقائده وإمامَه.
وهذه الحياة الطيبة تكون بأن يوفق الله العبد للطاعة، وللعمل بها، وبأن يشرح صدره وقلبه لها، وأن يرزقه العافية والرزق الحلال في هذه الدنيا، كما قال أهل العلم في بيان هذه الحياة الطيبة، وقصدي من ذلك أن أقول: إن القرآن الكريم مشتمل على مادة الحياة الطيبة، وقد بين أن العمل الصالح مع الإيمان يمكن أن يؤدي بالعامل المؤمن إلى ما يريده لنفسه ولأهله وعشيرته وأهل دينه من الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة.
стр. 887
الأدلة على أن القرآن طريق للحياة الطيبة
إن اشتمال القرآن الكريم على مادة الحياة يمكن أن أستدل له بموضعين من كتاب الله ، وأتبع كل موضع بما يشهد له من الآيات، وأرجو أن لا أطيل في ذلك: - الدليل الأول:- أول الموضعين هو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧]، هذه الآية تبين اشتمال القرآن على مادة الحياة، فماذا قال العلماء في تفسيرها؟! وهل بينت كيف تكون الحياة طيبة، كما دلت هذه الآية عليها؟ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس:٥٧] أي: تعظكم وتنذركم عن الأعمال الموجبة لسخط الله تعالى المقتضية لعقابه، جاءتكم موعظة من ربكم في هذا الكتاب العزيز، وهذه المواعظ في الكتاب العزيز من عناصر مادة الحياة مع الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، والتذكير، والعلم اليقيني، وما إلى ذلك مما سيأتي بيانه، تنذركم عن الأعمال الموجبة لسخط الله، فإذا اجتنبتموها حييتم حياة طيبة في الدنيا والآخرة، وفزتم؛ وعادت لكم كرامتكم التي كانت أوفر ما تكون لـ سلفنا الصالح في قرون الخير والإخلاص لله والمتابعة لرسول الله ﷺ .
هذه الموعظة تحذركم من المعاصي ومفاسدها وتبين لكم آثارها ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي أن هذا القرآن شفاء لما في الصدور من أمراض الشهوات الصادرة عن عدم الانقياد للشرع، فهذا القرآن يشفيها إذا كانت قلوباً قابلةً واعيةً راضيةً بهذا الكلام ساعيةً إلى الانتفاع به، مؤمنةً به مصدقةً عازمةً على العمل فهو شافٍ لما في هذه الصدور من أمراض الشهوات الصادرة عن عدم الانقياد للشرع.
وفيه شفاء لما في الصدور من أمراض الشبهات القادحة في العلم اليقيني بألوهية الله، وربوبيته، وأسمائه وصفاته وأفعاله، واستحقاقه بعبادة عباده له ، وأن يفردوه -وحده- بذلك دون غيره إلى غير ذلك، فالقرآن شفاء لما في الصدور من هذه الأمراض؛ أمراض الشبهات التي تحول بين العبد وبين أن يحقق في نفسه عبودية صحيحةً لله ، فإن في هذا القرآن من المواعظ والترغيب والترهيب ما يوجب للعبد رغبة في الخير ورغبة عن الشر، هذه عناصر مادة الحياة: مواعظ، وترغيب وترهيب، ووعد ووعيد، وإذا وجدت فيه الرغبة في الخير والرغبة عن الشر؛ يرغب في فعل الخير، ويرغب عن فعل الشر فلا يفعله، إذا وجدت فيه هاتان الرغبتان ونمتا -أي: زادتا وعظمتا- على تكرر ما يرد إليها من معاني القرآن؛ أوجب ذلك للعبد تقديم مراد الله على مراد النفس، وصار ما يُرضي الله أحب إلى العبد من شهوة نفسه.
وكذلك ما فيه من البراهين والأدلة التي صرَّفها الله غاية التصريف وبينها أحسن بيان، براهين على وحدانيته، وعلى قدرته على البعث؛ والأدلة على قدرته وعظمته التي صرَّفها في القرآن غاية التصريف، وبينها أحسن بيان، مما يزيل الشبهة القادحة في العلم اليقيني، ويزيل كل شهوة تخالف أمر الله .
وإذا صح القلب من مرضه ورفل بأثواب العافية تبعته الجوارح كلها؛ فإنها تصلح بصلاحه وتفسد بفساده، وما الذي يصلح هذا القلب؟! لا يصلحه إلا ما في هذا القرآن: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس:٥٧]، وهذا الشفاء الذي تضمنه هذا القرآن عامٌ لشفاء القلوب من الشبه، والجهالة، والآراء الفاسدة، والانحراف السيئ، والمقاصد الرديئة، فإنه مشتمل على العلم اليقيني الذي تزول به كل شبهة وكل جهالة، ومشتمل على الوعظ والتذكير الذي تزول به كل شهوة تخالف أمر الله ، وهذا الشفاء أيضاً عامُّ لشفاء الأبدان، ففي القرآن شفاء للقلوب من الشهوات والشبهات، وشفاء للأبدان من الآلام وأسقامها بالرقى.
﴿وَهُدىً﴾ في القرآن من عناصر مادة الحياة هدى، فما هو الهدى؟ هو: العلم بالحق، والعمل به.
﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧] والرحمة هي من عناصر مادة الحياة وهي: ما يحصل من الخير والإحسان والثواب العاجل لمن اهتدى بهذا القرآن، فالهدى أجل الوسائل، والرحمة أكمل المقاصد والرغائب.
وما في هذا القرآن من الأسباب والوسائل التي يحث عليها متى ما فعلها العبد فاز بالرحمة، والسعادة الأبدية، والثواب العاجل والآجل، ولكن هذا الهدى وهذه الرحمة لا تكون ولا تحصل إلا للمؤمنين بهذه الآيات المصدقين والعاملين بها؛ كما قال الله ﵎ في أول سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢]، فمفهوم ذلك أن من لم يكن متقياً لم يكن له في هذا الكتاب هدى.
وقال تعالى في موضعين من سورة المائدة: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [المائدة:٦٤] فيزيد غير المؤمنين القرآن طغياناً وكفراً، ويقول تعالى في سورة التوبة: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤ - ١٢٥]، وقال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ [الإسراء:٨٢]، فلعدم تصديق الآيات ولعدم العمل بها لا تزيد الظالمين آيات القرآن إلا خساراً، إذ بها تقوم عليهم الحجة، وقال تعالى في سورة فصلت: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٤٤]، وإذا حصل الهدى، وحصلت الرحمة الناشئة عنه؛ حصلت السعادة والفلاح والربح والنجاح والفرح والسرور.
- الدليل الثاني:- وأما الموضع الثاني فهو: قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٢]، أو من كان من قبل هداية الله له في ظلمات الكفر، والجهل، والمعاصي فأحياه الله بالقرآن، وبنور العلم والإيمان، والطاعة، ووفقه لعبادته، واتباع رسله، فصار يمشي بين الناس في نور، متبصراً في أموره، مهتدياً لسبيله، عارفاً للخير مؤثراً له، مجتهداً في تنفيذه في نفسه وفي غيره، عارفاً بالشر مبغضاً له، مجتهداً في تركه وإزالته عن نفسه وعن غيره، هل يكون هذا كمن هو في ظلمات الكفر والجهل والبغي، والمعاصي ليس بخارجٍ منها، ليس له منفذٌ ولا مخلصٌ من هذه الظلمات هل يكون مثله؟! لا، فهذا قد اختلطت عليه الطرق، وأظلمت عليه المسالك، وحضره الهم والغم والحزن والشقاء.
فنبه العقول بما تعرفه وتدركه من أنه لا يستوي هذا ولا هذا، كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلمة، والظل والحرور، والأحياء والأموات.
ومن أمثال هذه الآية الكريمة في سورة الأنعام، قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، وقوله تعالى في سورة هود: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ [هود:٢٤] أي: المؤمنين والكافرين: ﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ [هود:٢٤]، ومنها قوله تعالى في سورة النمل: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِى الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل:٨٠ - ٨١] وقوله تعالى في سورة فاطر: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٢]، ومنها قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد:١٦ - ١٧]، أي: حان وآن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لأجل ذكر الله، وما يتكرر على قلوبهم من زواجر ومواعظ القرآن وما يرد إليها منه.
والخشوع: خشية من الله تداخل القلب، وتظهر آثارها على الجوارح بالسكون والانخفاض والطمأنينة، حان للمؤمنين أن يكونوا كذلك وألا يكونوا كالذين: ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦].
ثم نبه الله تعالى بهذه الآية: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد:١٧] على أنه كما يحيى الأرض بعد موتها بالمطر، كذلك يحيى القلوب بهذا القرآن، وبنور العلم والإيمان والطاعة.
جعلنا ا
стр. 888
السلف والقرآن
والآن أيها الإخوة ننتقل إلى النقطة التي بعدها وهي كيف حيَّ أسلافنا بالقرآن، لفضيلة الدكتور: سفر الحوالي.
يقول الشيخ سفر: الحمد لله الذي أنزل الكتاب على خير خلقه محمد ﷺ ، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، الذي جاهد في الله حق جهاده، فكانت رسالته رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الذين حيَّت قلوبهم بالإيمان والقرآن، فنشروا العدل في الدنيا وهي ظالمة، ونشروا النور فيها وهي مظلمة، فاستضاءت بالنور، ونعمت بالعدل، حتى شاء الله ﵎ أن يعود الأحفاد إلى شبه الجاهلية الأولى فعادت الظلمات وعاد الظلم، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
стр. 889
حال العرب قبل الإسلام
وبعد: فإن الله ﵎ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣].
فالله ﵎ يمتن على المؤمنين بما أنعم به عليهم، ويبين حالهم قبل أن ينزل عليهم القرآن، وقبل أن تحيا به قلوبهم وتتنور، كيف كانوا، ثم ماذا صاروا من بعد، وقد بيَّن ذلك أصحاب النبي ﷺ ؛ بيَّنه جعفر بن أبي طالب ﵁ عند النجاشي، وبينه المغيرة بن شعبة ﵁ كما في صحيح البخاري في أول كتاب الجزية والموادعة لما قابله رسول كسرى، وقد أوضح في ذلك وأكثر في وصفه الإمام التابعي قتادة ﵁ الذي قال في تفسير هذه الآية: [[كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلاً، وأشقاهم عيشة، وأبينهم ضلالة، وأعراهم جلداً، وأجوعهم بطوناً، معكومون على رأس حجر بين الأسدين فارس والروم]]، أي: كانوا محبوسين مضطهدين كأنهم على رأس حجر بين الدولتين الكبريين الأسدين: فارس في الشرق، والروم في الغرب، يقول ﵀: [[لا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يُحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقياً، ومن مات رُدي في النار، يُؤكلون ولا يأكلون]] كانت تحكمهم الملوك المناذرة، وهم عملاء لكسرى، والغساسنة وهم عملاء لقيصر وما عداهم ضياع وشتات، القبائل متحاربة متطاحنة، شعارهم من عزّ بزّ ومن غلب فلج.
لا يعرفون الله ولا اليوم الآخر، ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، ولا ينصرون مظلوماً ولا ينجدون مكروباً، بل كان من أقوالهم: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، وإن لم يجد من ينهب إلا أخاه فلينهبه، كما قال قائلهم:
وأحياناً على بكر أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا
ويقول: [[لا والله ما في بلادهم يومئذٍ من شيء يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقياً، ومن مات ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلاً يومئذ من حاضر الأرض كانوا فيها أصغر حظاً وأدق فيها شأناً منهم]]، أي: أضأل وأتفه الأمم؛ كانوا قبائل متصارعة يقول: [[حتى جاء الله بالإسلام فأورثكم به الكتاب، وأحل لكم به دار الجهاد، ووضع لكم به من الرفق، وجعلكم به ملوكاً على رقاب الناس وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم فاشكروا نعم ربكم، إن ربكم منعم يحب الشاكرين، وإن أهل الشكر في مزيد الله، فتعالى ربنا وتبارك]].
وكما قيل: الشعر ديوان العرب، فكيف كانت هذه الأمة -فضلاً عن فارس والروم وما شابهها ممن يعيشون في أحط ما يمكن من الحياة قبل أن يشرق عليهم نور القرآن، وقبل أن يحييهم الله بهذا الكتاب العظيم؟ - كيف كان العرب وهم أقرب الأمم إلى الفطرة؟ ثم كيف حولهم القرآن؟ كما عبر سيد قطب ﵀ 'أمة تنبثق من الكتاب!! ' كيف انبثقت هذه الأمة وقادت العالم بأحكام هذا الكتاب ومن الائتمار بأمره والانتهاء بنهيه؟! كيف كانت أحوالهم؟ الحروب الطاحنة كحرب البسوس التي دامت بين بني ربيعة: تغلب وبكر، وتطاحنوا وتقاتلوا، حتى هلك معظمهم من أجل ناقة!! وكحرب داحس والغبراء وهما فرسان تسابقا، وللرياضة ماضٍ قديم في تفتيت الناس وفي تجهيلهم وإبعادهم عن القرآن!! فرسان تسابقا: إحداهما: داحس، والأخرى الغبراء، فتناكر صاحباهما وتجاحدا أيهما الأسبق، فتقاتلت القبيلتان قتالاً مراً حتى بادت خضراؤهم وهلك معظمهم إلى أن أصلح الله ﵎ فيما بينهم على يد رجلين، من اللذين خلد ذلك لهما الشاعر زهير بن أبي سلمى حين قال:
تداركتما عبساً وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
هذا حالهم! أما السلب والنهب فحدث ولا حرج، من الذي كان يأمن من العرب أن يمشي ومعه أخته أو زوجته أو أمه، ويأمن ألا يسلبها أحد؟! فلذلك كان من عظمائهم الكبار ومن سادة غطفان وبني تميم قيس بن عاصم وأد بضع عشرة بنتاً من بناته، لماذا وأدها؟! لأن إحدى بناته سبيت، فخيرت بين السابي والأب، فاختارت سابيها على أبيها، فأقسم أبوها ألا تولد له بنت إلا ويئدها في التراب! وتعلمون حكم ذلك، عياذاً بالله! هكذا كان قادتهم وسادتهم، وهكذا كانت حياتهم: امرؤ القيس الشاعر المشهور الذي تضرب به الأمثال في القديم والحديث؛ كان عربيداً سكيراً يعاقر الخمر والفجور، كما ذكر في معلقته، فبلغه أن أباه قد قتل؛ فقال: اليوم خمر وغداً أمر.
وقال في شعره:
بنو أسد قتلوا ربهم ألا كل شيء سواه جلل
فماذا فعل؟! أراد أن يثأر لأبيه، فجاء من بلاد بني أسد من وسط الجزيرة، إلى ذي الخلصة، وهو طاغوت دوس، صنم قبيلة دوس في الجنوب ليستشيره وليستنصحه، ليقول: كيف أقاتل من قتل أبي؟ ماذا أصنع؟ كيف آخذ بثأري وَمنْ أَقْتُل في أبي؟ فلما استقسم بالأزلام فخرج الذي يكره، وبزعمه أنه نهاه الصنم أن يأخذ بثأره، فرماه، وقال:
لو كنت يا ذا الخلصة الموتورا يوماً وكان شيخك المقبورا لم تنه عن قتل العداة زورا
وذهب يلتمس الحل؛ من أين يلتمسه؟ ذهب يلتمسه كما نلتمسه اليوم بعد أن ابتعدنا عن حياة القرآن وعن الحياة في ظلاله، ذهب إلى الروم إلى ملوك الأرض حينئذٍ؛ ولذلك يقول:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك عينك إنما نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
وقد هلك ولم ينل الملك، ولم يعذر! والقصص كثيرة عن حالهم.
стр. 890
حال العرب بعد الإسلام
فكيف أصبحت هذه الأمة بعد نزول القرآن؟! لقد نوَّر الله ﵎ قلوبها بالإيمان، وبهذا الذكر ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢]، أحياهم الله بالقرآن، وهو مادة الحياة العظمى، فانقلب حالهم بعد الذل عزاً، وبعد الهوان رفعة، وبعد الهزائم نصراً، وبعد الخوف أمناً، وبعد الظلم عدلاً.
أصبحت هذه الأمة هي الأمة التي أورثها الله ﵎ الكتاب ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢]، اصطفاها وأورثها هذا الكتاب الذي به حيَّت الأمة التي يقوم علماؤها مقام أنبياء بني إسرائيل؛ لأنهم قوامون بالقسط شهداء لله، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كما جاء في القرآن، الأمة التي يفزع العالم إلى عدلها، ليتفيأ بظلاله من ويلات الظلم والجور.
دخل قتيبة بن مسلم بلاد سمرقند، بعد أن صالحهم مراراً وهم ينقضون العهد، فصالحهم مرة وغدر بهم ودخل المدينة انتقاماً من غدرتهم السابقة، فذهب منهم وفد إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ وقالوا: بلغنا أنكم أمة الحق والعدل، وهاهو ذا قائدكم يصالحنا ثم يغدر، فأمر عمر ﵁ الإمام العادل- بأن يخرج الجيش من المدينة؛ لأنهم أعطوهم عهد الله ورسوله، ثم غدروا بهم، فأمر عمر بن عبد العزيز الجيش فخرج، وعند ذلك دخلوا في دين الله جميعاً عن حق ويقين ولم يغدروا بعدها أبداً.
стр. 891
حال سائر الأمم قبل الإسلام وبعده
هذا بالنسبة إلى حال العرب، وماذا نقول في الروم وماذا نقول في الفرس؟! أولئك الذين كانوا يعبدون النيران، وكانوا يعيشون في ظلمات الكفر والجهل، أكانت تنقصهم الحكمة كما يفعل الناس اليوم؟! يأتون بالحكم ويأتون بالأمثال ويأتون بالقصص؛ أكان ينقص العالم حِكَماً أو عبراً وقصصاً؟! لا والله! كان بيدبا الفيلسوف الهندي الذي ألف كليلة ودمنة، وكان بزرزمهر -وهو فيلسوف الفرس- معروفاً لديهم، وكان عند الروم أرسطو وأفلاطون وسقراط وأمثالهم؛ فوالله ما صنعوا شيئاً، ولا أخرجوهم من الظلمات إلى النور؛ وإنما أخرجهم المؤمنون بكتاب الله وبهدى الله الذي أنزله الله بهذا الوحي الخالص ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء:٤٥]، أخرجهم الله ﵎ بهذا القرآن، فاحتكموا إليه ورضوا به؛ حتى إن أهل الذمة الذين لم يدخلوا في الإسلام نعموا بالحياة الطيبة المطمئنة في الدنيا، وإن كانوا محرومين من الجنة عند الله ﵎ في الآخرة.
لكن الحياة التي عاشوها في الدنيا لم يجدوا لها نظيراً، ولن يجدوا لها نظيراً أبداً في ظل ملوك من النصارى كانوا يحكمونهم، ولا سيما إذا كانوا مخالفين لهم في الدين.
стр. 892
القرآن حياة القلوب
نزل هذا القرآن فتفجرت ينابيع الحكمة في قلوبهم، فلو أنَّا قارنَّا كلام حكماء اليونان والهنود والرومان والصابئين بنتف من كلام أبي الدرداء، أو بعض من كلام معاذ أو ابن مسعود الذين كانوا يرعون الشياه، والذين كانوا كما ذكر قتادة وغيره في شأنهم؛ لما كانت نسبة ذلك إليهم شيئاً مذكوراً.
هؤلاء القوم الذين كانوا رهباناً بالليل، فرساناً بالنهار، الذين عملوا كما أخبر النبي ﷺ من العصر إلى المغرب على قيراطين قيراطين، في حين أن اليهود عملوا إلى الظهر، وعملت النصارى من الظهر إلى العصر على قيراط قيراط.
هذه الأفضلية إنما جاءت لأن هذا القرآن الذي هو مادة الحياة صادف محلاً قابلاً، وهنا نأخذ العبرة والعظة، مهما كانت البذرة طيبة ومهما كان نباتها طيباً، إن لم تكن الأرض والمحل الذي تزرع به قابلاً فإنه لا يمكن أن تكون هناك حياة! ضع هذه البذرة على صخرة أتنبت؟! لا، ولكن ضعها في طينة مناسبة، في أرض طيبة، تجد أن نباتها يخرج طيباً بإذن ربه وكذلك الإيمان صادف تلك القلوب التي اصطفاها الله ﵎ وطهرها، فقبلت هذا الإيمان، وتشربت هذا الدين، وآمنت بكتاب الله واتخذته وحده مع سنة رسوله ﷺ منهاجاً وشرعةً وسبيلاً، فتركوا كل ما وجد عند الأمم السابقة.
كُتب إلى عمر ﵁ عند فتح بلاد فارس: [[إنا قد وجدنا من كتب القوم حمل وقرين أو ما أشبه ذلك، وفيها من الحكمة وفيها من العبر، فما رأيك فيه؟ فكتب ﵁: أن أحرقها جميعاً، فإن الله ﵎ قد أغنانا بالقرآن]] لا نحتاج إلى حكمة، ولا نحتاج إلى منطق، ولا نحتاج إلى فلسفة، ولا إلى دراسات اجتماعية، ولا إلى دراسات نفسية، ولا إلى ما يقال وما يسطر، لا نحتاج إلا إلى أن نؤمن بكتاب ربنا ﵎ وكأني بـ عمر ﵁ في هذه الحالة، وقد استحضر قول النبي ﷺ له لما أن رآه وفي يده صحيفة من التوراة، قال: ﴿يا عمر، والله لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي﴾ هذا هو النور، وهذا هو الهدى، وهذا هو الخير كله، وجماع العزة والنصرة والرفعة، آمن به السلف الصالح رضوان الله عليهم كما أمرهم الله ، كانوا يقرءون الآية الواحدة منه، فتقع وتستقر في أعماق قلوبهم! هؤلاء شعراؤهم، كما كان لبيد الشاعر الجاهلي المشهور لما قرأ القرآن توقف ولم يقل شعراً، حتى قيل: إنه لم يقل إلا بيتاً واحداً في الإسلام بعد أن كان من شعراء المعلقات في الجاهلية وهو قوله:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالاً
لم يقل غير ذلك؛ لأن القرآن أبهره، وملأ قلبه، فأخرج ما في قلبه من الشعر ومن حب الشعر.
стр. 893
القرآن هو المخرج من المآزق المعاصرة
إذا عادت الأمة إلى الشعر -ونعني بالشعر ما صد عن كلام الله- وإلى قرآن الشيطان إلى الغناء،، إذا عادت الأمة إلى لهوها ولعبها وفرقتها، إذا عادت الأمة إلى ضلالها وظلماتها وجاهليتها فلن ترى خيراً، فالحل وحده هو العودة إلى القرآن والارتواء من معينه الصافي، والاقتداء بالنبي ﷺ وأصحابه في ذلك، ليحيوا مرة أخرى، وليُحْيُوا هذا العالم، فإن العالم لم يكن يوماً من الأيام بعد مبعثه ﷺ أحوج إلى أن يحيا بالقرآن منه في هذا الزمن، وكأن الزمان قد استدار كهيئته ومبعث محمد ﷺ ، الدولتان العظميان كما تسميان إحداهما في المشرق والأخرى في المغرب، والأمة التي تنتسب إلى دين الإسلام معكومون على رأس حجر، بل معكومون في هوة سحيقة يحيط بها هذان الأسدان الجاثيان اللذان ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:١٠].
فالله الله يا أمة الإسلام، ويا إخوة الإيمان!! العودة إلى كتاب الله! نتلوه آناء الليل وآناء والنهار ونتدبر آياته ومواعظه ففيه والله الكفاية والغنى، ونقرأ صفة النبي ﷺ التي وصفته بها أم المؤمنين عائشة ﵂ وهو الوصف الجامع المانع ﴿كان خلقه القرآن﴾، ونقرأ سير الصحابة الكرام جند الإيمان والتوحيد الذين كانوا بهذا الرسول ﷺ متأسين ومقتدين، تشبهوا به واقتدوا بسنته ﷺ فنالوا شرف صحبته.
وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم، أن يلحقني وإياكم بهم، وأن يحيي قلوبنا بالقرآن، وأن يوقظ غفلاتنا بالإيمان إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
стр. 894
كيفية التأهل للانتفاع بالقرآن
النقطة التي ننتقل إليها هي: كيف نكون أهلاً للانتفاع بالقرآن الكريم؟ قال الشيخ سعيد شعلان: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، سبق أن ذكرنا اشتمال القرآن إلى مادة الحياة، وعرفنا كيف حي أسلافنا بالقرآن، والقرآن بين أيدينا، فلماذا وجدت فينا هذه الأمور التي حالت بيننا وبين أن نكون بالأثر وعلى الدرب؟! هل عزف المسلمون عن قراءة القرآن وأعرضوا عن ذلك؟
стр. 895
التدبر وأثره
الواقع أن المسلمين ما زالوا يقرءون القرآن؛ ولكن مما لا شك فيه أن قراءة القرآن وحدها ليست كفيلة بأن نكون أهلاً للانتفاع به، وبأن نكون أهلاً لأن نحيا به، فلا بد أن نُتْبَع القراءة والتلاوة بالفهم والتدبر والتعقل وبأمور أخرى سيأتي بيانها، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في تدبر القرآن -ما هو التدبر الذي هو من أعظم الشروط التي تؤهلنا للانتفاع بالقرآن؟ - قال: 'هو تحديق نظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله، وهذا هو المقصود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر، قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] وقال الله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون:٦٨] وقال في سورة ص: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] وقال تعالى في سورة الزخرف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:٣] وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد:٢٤] '.
وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: [[نزل القرآن ليتدبر وليعمل به، فاتخذوا تلاوته عملاً]].
ثم يقول رحمه الله تعالى -والكلام ما يزال لابن القيم أثابه الله وجزاه أحسن الجزاء وأجمله-: 'فليس شيءٌ أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب في نجاته من تدبر القرآن، وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته فإنها تطلع العبد على معاني الخير والشر بحذافيرها، وعلى طرقاتها وأسبابها وغاياتها وثمراتها ومآل أهلهما' هذا هو أنفع شيء للعبد في معاشه ومعاده، وهو أقرب شيء إلى نجاته؛ أن يتدبر القرآن، وأن يطيل التأمل فيه، وأن يجمع الفكر على معاني آياته.
وماذا يستفيد العبد إذا تدبر وأطال التأمل وجمع الفكر على المعاني؟ هذه الأمور إذا فعلها العبد، يقول: ' فإنها تطلع العبد على معاني الخير والشر بحذافيرها، وعلى طرقاتها وأسبابها وغاياتها وثمراتها ومآل أهلهما ' أي: مآل أهل الخير والشر، ما الذي يطلعك على ذلك؟ إنه تدبر القرآن وإطالة التأمل فيه وجمع الفكر على معاني آياته.
وماذا تفيدك إطالة التأمل مع التدبر والتعقل وجمع الفكر؟ يقول: ' وتتُلُّ في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة -ومعنى (تتل في يده) تلقى في يده توضع في يده- هذا كله بالتدبر والتعقل وجمع الفكر، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتشيد بنيانه، وتوطد أركانه، وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره بمواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله، وتعرفه ذاته، وأسماءه وصفاته وأفعاله، وما يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه سبحانه، وقواطع الطريق وآفاتها، وتعرفه النفس وصفاتها ومفسدات الأعمال ومصححاتها، وتعرفه طريق أهل الجنة والنار، وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم، ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسام الخلق، واجتماعهم فيما يجتمعون فيه، وافتراقهم فيما يفترقون فيه، وبالجملة تُعَرِّفه ستة أشياء: تعرفه الرب المدعو إليه المدعو إلى عبادته سبحانه والإقبال إليه وما إلى ذلك مما ينبغي ألا يكون إلا لله وطريق الوصول إليه إلى رضاه وإلى جنته، وإلى رؤيته ، وما له من الكرامة إذا قدم عليه، وتعرفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشيطان، وطريق الوصول إليه، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب إذا قدم عليه فهذه ستة أمور لا بد للعبد من معرفتها، ومشاهدتها، ومطالعتها '
стр. 896
الانتفاع بالقرآن ومفسدات القلوب
ينبغي لكي نكون أهلاً للانتفاع بالقرآن، أن نتجنب مفسدات القلب الخمسة، وذكرها ابن القيم أيضاً في كتابه مدارج السالكين ومنها: 'كثرة الخلطة، والتعلق بغير الله ، والشبع، وكثرة النوم' كثرة الخلطة مع غير الأخيار والصالحين، من غير دعوتهم، وبيان الحق لهم، وعرض محاسن الإسلام عليهم، والرضا بأحوالهم ومجالستهم على ما هم فيه من غير سعي إلى تغيير هذه المنكرات والأحوال السيئة، هذه مفسدة للقلب، فمهما قرأت فلا تنتفع بشيء.
التمني، أي: تمني الأمنيات: نتمنى ونتمنى وأحلام يقظة من غير حركة ولا فعل ولا نشاط ولا عمل ولا دعوة، فقط نتمنى؛ وكذلك التعلق بغير الله يفسد القلب أيما إفساد.
стр. 897
أثر الذنوب على الانتفاع بالقرآن
وينبغي أن نخاف ذنوبنا ومعاصينا، فإن لها من الآثار السيئة على القلوب والحيلولة بين القلوب والفهم والوعي والتدبر والتأثر ما لا يخفى على أي عاقل لبيب.
стр. 898
نماذج للخوف من الذنوب
ولا حاجة بي إلى أن أعيد ذكر الذنوب -التي ذكرها فضيلة الشيخ في كلمته- الذنوب التي حطت من قدرنا، وعطلتنا عن اللحاق بمن سبقنا، وأخرتنا أيما تأخير.
هذه الذنوب يجب أن نخافها أشد الخوف ويكفي في الدلالة على ما ينبغي من خوف الذنوب أن أذكر مثالاً على ذلك وهو: عبد الله بن مسعود ﵁ والذي ذكر فضيلة الشيخ أنه ممن تفجرت ينابيع الحكمة في قلوبهم وعلى ألسنتهم لَمَّا انتفعوا بهذا القرآن العظيم.
كان عبد الله بن مسعود ﵁ من السابقين إلى الإسلام، وكان من المحببين إلى رسول الله ﷺ .
وأذكر في فضله ومكانته عند رسول الله ﷺ ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود نفسه قال: ﴿لما نزل قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٩٣] قال رسول الله ﷺ لـ ابن مسعود: قيل لي: أنت منهم، أنت منهم﴾ هذا في صحيح مسلم وفي صحيح مسلم أيضاً عن أبي مسعود البدري وأبي موسى [[أنهما بعد وفاة ابن مسعود ﵁ جلسا فقال أحدهما للآخر: أتراه ترك بعده مثله؟ -أي: هل بقي مثل ابن مسعود بعد وفاته- فقال الآخر: لأن قلت ذاك، لقد كان يؤذن له إذا حجبنا، ويشهد إذا غبنا]].
أي: ومن منا مثل ابن مسعود، كان يؤذن له في الدخول على رسول الله ﷺ إذا حجبنا، ويشهد إذا غبنا، ولقد دخل ابن مسعود على رسول الله ﷺ بعد مرضه الشديد وامتناعه من الخروج للمسلمين في يوم الخميس، وقبل وفاته ﷺ ، وأذن له بينما لم يؤذن لكثير من الصحابة في ذلك الوقت.
وأيضاً في صحيح البخاري وصحيح مسلم عن أبي موسى ﵁ قال: ﴿قدمت أنا وأخي في قدوم الأشعريين فمكثنا زمناً لا نرى ابن مسعود وأمه إلا من آل بيت النبي ﷺ ، لكثرة دخولهم وخروجهم عليه ﷺ ﴾، هذا في مكانة ابن مسعود، وفي هذه المكانة حديث آخر أخرجه الإمام أحمد وغيره، عن ابن مسعود وعمر بن الخطاب، أما عمر بن الخطاب فلما بلغه وهو بعرفة ﵁ أن رجلاً بالكوفة يملي المصاحف عن ظهر قلب، غضب وارتعدت فرائصه، ولم يسر عنه إلا لما عرف أن ابن مسعود هو الذي يملي المصاحف عن ظهر قلب، قال: ومن أحق منه بعد.
أي: ومن أحق منه في هذا الوقت؟ فليس أحد أحق من ابن مسعود.
لقد كنا عند أبي بكر في سمرٍ، وعنده رسول الله ﷺ وأنا، وخرجنا فأتينا المسجد فوجدنا رجلاً قائماً يصلي فاستمعنا إليه، فلما كدنا أن نعرفه -وعرفوا أنه ابن مسعود - قال ﷺ لأبي بكر وعمر: ﴿من أراد أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل، فليقرأه بقراءة ابن أم عبد.
ثم انتهى ابن مسعود وشرع في الدعاء، فقال ﵊ وابن مسعود لا يشعر: سل تعطه، فدعا ابن مسعود وقال: اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة نبيك محمد في أعلى جنان الخلد، قال عمر ﵁: فقلت في نفسي لأبشرنه إذا غدوت عليه، فلما أتيته لأبشره وجدت أبا بكر سبقني، فقلت له: إنك لسباق إلى الخير﴾.
هذا بعض ما يمكن أن يروى في مكانة ابن مسعود وفضله.
إذا انتبهتم إلى هذا وتأكدتم منه ووقفتم عليه، تعالوا إذن نرى كيف كان هذا الصحابي الجليل يزري على نفسه ويهضمها، ويخاف الذنوب، لنعرف أين هم وأين نحن؟! وإلى أين وصلوا هم؟! ولماذا وقفنا ولا حراك لنا؟! ولا نأمل ونحن على ما نحن عليه من هذه الأحوال السيئة أن ندرك هذا الركب حتى نقلع عن هذه الذنوب والمعاصي، وحتى نحييَّ قلوبنا بهذا الهدى، وهذه الرحمة التي في القرآن.
عن إبراهيم التيمي عن أبيه بإسناد صحيح -كما أخرجه الذهبي في سيرة ابن مسعود في المجلد الأول- قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: [[لو تعلمون ذنوبي ما وطئ عقبي اثنان، ولحثيتم التراب فوق رأسي، ولوددت أن الله غفر ذنباً من ذنوبي وأني دعيت عبد الله بن روثة]]، وددت أن الله يغفر لي ذنباً من ذنوبي حتى وإن كانت القربان إلى ذلك والشيء الذي يقدم ليغفر ذنباً من الذنوب أن أدعى يا عبد الله بن روثة؛ وتعرفون معنى الروثة! هذا إزراءٌ على النفس وتواضع، وإلا فهم السابقون السابقون ﵃ وأرضاهم.
ويقول أبو سليمان الداراني معلقاً على كلام لابن سيرين بكلمة أختم بها هذه الفقرة في التحذير من الذنوب ومن عدم الخوف منها، فنرى ابن سيرين رحمه الله تعالى، تدين بدين كبير عظيم جداً حبس بسببه، فحاسب ابن سيرين نفسه فقال: [[إني عيَّرت رجلاً من ثلاثين سنة فقلت له: يا مفلس، وهذا هو أوان عقابي وجزائي بهذا الذنب، فبماذا علق أبو سليمان الداراني؟ قال: قلَّتْ ذنوبهم فعرفوا من أين أُتوا، وكثرت ذنوبنا فلم ندر من أين نُؤتى!]].
إذا حصلت لأحدهم مصيبة والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] إذا أصابه ذنب وبلاء عرف أن الذنب هو الذي تسبب بهذا البلاء، يعرفه؛ لأن ذنوبهم قليلة فلا يحتاج إلى كثير بحث، أما نحن فإذا أصبنا ببلاء لا نستطيع أن نرد السبب إلى ذنب معين؛ لأنها ذنوب كثيرة وعظيمة.
ولقد قال أنس ﵁ كما في صحيح البخاري لمن أدركهم من التابعين: [[إنكم لتعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد النبي ﷺ من الموبقات]] يعني: المهلكات، ومعنى قوله: أنتم تعملون أعمالاً تعتبرونها في نظركم وحسبانكم دقيقة كالشعر ونحن كنا نعدها؛ أي: نعد هذه الذنوب التي تستهينون بها على عهد النبي ﷺ من الموبقات [[قَلَّت ذنوبهم فعرفوا من أين أُتُوا، وكثرت ذنوبنا فلم ندر من أين نؤتى]].
فنسأل الله ﵎ أن يوفقنا وإياكم إلى تحقيق هذه الشروط التي تجعلنا أهلاً للانتفاع بالقرآن، والتي تؤهلنا لأن نحيا بالقرآن، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 899
الأسئلة
стр. 900
منهج دراسي للمبتدئين
السؤال
فضيلة الشيخ سفر يقول السائل: أنا تائب جديد فهل تنصحني في بداية توبتي بالتركيز على قراءة القرآن وتفسيره، حيث إنه من عوامل التثبيت كما سمعت من طلبة العلم؟ أم أنوع القراءة في مختلف العلوم من فقه وعقيدة وحديث؟
الجواب
الحمد لله وبعد: كلنا -أيها الإخوة في الله- نحتاج للتوبة، ونسأل الله أن يجعلنا من التائبين الأوابين.
وقد ذكرنا حال الأمة عندما تابت والعرب جميعاً لما تابوا، على أي شيء تربوا؟! وكيف حيت قلوبهم؟! وكيف ساروا؟! القرآن هو الركن الركين والأساس في التزكية والتربية، وكل العلوم فرع عنه، فالسنة شرح وتفسير له، وبيان لمجمله، وتخصيص لعمومه، وتقييد لمطلقه، إلى غير ذلك.
وعَمَلُ النبي ﷺ ترجمة له، وعَمَلُ الصحابة الكرام -رضوان الله تعالى عليهم- تطبيقٌ وتنفيذٌ له، فالقرآن هو الأساس، فكل علم يخالف هذا الكتاب فلا خير فيه، وكل خير في علم آخر فأصله من هذا الكتاب لاستمداده منه، ولذلك فإن أوجب ما يبدأ به الإنسان تائباً أو غير تائب هو: الإقبال على كتاب الله ؛ إقبالاً فيه التدبر، وفيه التفكر.
ثم بعد ذلك ينوع من العلوم بقدر لا يزاحم به كتاب الله، فإذا خَصَّصَ جزءاً مهماً أساسياً لحفظ القرآن وتدبره والاطلاع على كتب التفسير، فلا بأس أن يجعل بعد ذلك من العلوم المشتقة منه، والمكملة له، ولا سيما ما هي تطبيق وتنفيذ للقرآن، مثل: تعلم أحكام العبادات من صلاة وزكاة وصيام، لأنه بذلك يطبق القرآن، ويمتثل أمر الله في القرآن، بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهكذا.
ولا يشغل نفسه بعلوم أبعد من ذلك، تبعده عن التدبر والعمل في القرآن وإن كانت حقاً، كما يشتغل بعض الشباب فيبدءون عقب توبتهم بالاشتغال بالرجال والنقد (نقد الرجال) والجرح والتعديل! ليست هذه البداية الصحيحة لطالب العلم، وبعض الإخوة يشتغل بالإكثار من الفروع الفقهية والخلاف بين العلماء، وبعضهم يبدأ بأصول الفقه، وبعضهم يبدأ بقراءة الفلسفة أو المنطق!! أو ما أشبه ذلك، وهذا كله من الخطأ في طريق العلم، فالقرآن هو الأساس فقد جاء عن بعض الصالحين أن رجلاً صالحاً لم يستطع أن يحفظ القرآن لشغله عنه، فأرسل ابناً له ليحفظ القرآن، وليتعلم القرآن فرجع الولد فقال أبوه: يا بني، لماذا رجعت؟ قال: يا أبتِ: حفظت سورة أرى أنها قد كفتني، قال: وما هي؟ قال: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:١ - ٨].
أقول: بمثل هذا التدبر يجد الإنسان أن السورة الواحدة إذا حفظها وتدبر معانيها وتفقه فيها، أنها تغنيه عن علم كثير مما فيه جفاء عن القرآن، أو جفاء في القلب، كالدخول في الخلافيات وما أشبه ذلك، مما هو شأن العلماء المجتهدين المتعمقين الذين استكملوا -إن شاء الله- حظاً وافراً من الإيمان، ثم تفقهوا وتوسعوا في العلم، وكان ذلك فرضاً متعيناً عليهم، لأن الأمة بحاجة إلى علومهم، أما نحن طلبة العلم، فنحن أحوج ما نكون أولاً وبادئ ذي بدء إلى إصلاح قلوبنا وتزكيتها بهذا القرآن، والبعد عما يشغلنا عنه وإن كان حقاً، لكنه حقٌ مفضول.
بهذا أنصح نفسي أولاً، وإخوتي الكرام أثابهم الله، وأقول ذلك لأننا في عصر اشتبكت واختلطت على الإخوة فيه السبل الصحيحة لطلب العلم ولمعرفته، وأصبح -ربما أكون مبالغاً وأرجو أن أكون كذلك- الهضم والإجحاف بالقرآن: تلقياً وحفظاً وتعلماً مقابل علوم أخرى، ما كان فيها من خير فإنما هو من كتاب الله .
стр. 901
من أخطاء بعض القراء
السؤال
فضيلة الشيخ سعيد شعلان: مجموعة من كبار القراء الذين اشتهروا في العالم الإسلامي ظهرت أخبارهم في وسائل الإعلام وكأنهم لا يحيون بالقرآن، واستطاع الإعلاميون استغلالهم، فمنهم من استضيف في حفل مسرحي، ومنهم من استضيف في افتتاح مباراة كرة، ومنهم من اجتمع في لقاء صحفي يذكر فيه أنه يرى التلفاز والتمثيليات ويسمع الغناء، فنرجو من الشيخ أن ينبه القراء إلى خطورة ما يحاك لهم من الإعلاميين بهذا الصدد؟
الجواب
الحمد لله، تعلمون جميعاً أن الله أنزل كتابه المبارك لهداية الناس إلى مصالح الدنيا والآخرة، ولم ينزل هذا الكتاب ليقرأ في المآتم، أو على القبور، أو في افتتاح الحفلات، أو ليوضع مهجوراً بين دفتين عظيمتين من الأصناف الغالية الثمن، وما إلى ذلك، لا، بل هو كتاب هداية وما مضى الكلام على ما فيه من مادة الحياة وكيف حيَّ به أسلافنا، وكيف يتدبر، يغني عن إعادة الكلام عن الهدف الذي من أجله أنزل الله ﵎ هذا الكتاب العزيز المبارك، ويكفيني أن أرد هذا العمل -على من قام به من القراء ولو كانوا من المشاهير- بكلام من سبقهم في قراءة القرآن وتعلمه، وتعليمه ولن يكون هؤلاء القراء مهما بلغت شهرتهم حجة على هذه الفعال بإزاء القراء الأولين المفكرين، الفاهمين، المتدبرين، المتعقلين، جامعي الفكر على معاني آيات القرآن الكريم، لن يكونوا مثلهم، ولن يُحتجَّ بهم ويُتركَ الاحتجاجُ بهؤلاء الأولين ﵃.
لقد ذكر النووي رحمه الله تعالى في التبيان في آداب حملة القرآن آثاراً عن ابن مسعود ﵁ والحسن والفضيل بن عياض رحمهم الله تعالى، أكتفي بذكرها وفيها ردٌ كافٍ على هذه الأعمال وعلى هذا السلوك، يقول ابن مسعود ﵁: [[ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون -إذا نام الناس قام هو- وبنهاره إذ الناس مفطرون -يعني: بصيامه- وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصمته إذ الناس يخوضون، وبخشوعه إذ الناس يختالون]].
وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: [[إن من كان قبلكم -يقول للتابعين في زمانه وأتباعهم- رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار]]، أي: يعملون بها في النهار.
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: [[حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي له أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، تعظيماً لحق القرآن]]، لا ينبغي أن يشارك في اللهو والسهو واللغو تعظيماً لحق القرآن، لأنه من حملته وسيكون حجة لغيره إذا ما رآه على هذه الأمور أن يفعل مثله.
أما إذا كان هو يبرر هذه الفعال ويحكم بجوازها وصحتها، ويتفضل بافتتاح هذه الحفلات بأن يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر:٥٤] ولست أقول: إن المصيبة في أن يقرأ هذه الآيات، لكن المصيبة في المشاركة والحضور في هذه الحفلات، ولو قرأ أي آية من كتاب الله لأنه يجلس مع قوم فارغين، لا هم في أمر دنياهم، ولا هم في أمر آخرتهم، كيف ذلك؟! يجلس مع قوم لا يصلحون دنياهم، ولا يصلحون آخرتهم! فهذا هو الذي ينبغي لحامل القرآن من الآداب، وبهذا القدر كفاية والله ﵎ هو المسئول أن يهدينا، وأن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى، وأن يختم لنا بخير، وأن يجعل عواقب أمورنا إلى خير.
стр. 902
حكم التداوي بالقرآن من المس
السؤال
فضيلة الشيخ سفر: هل يجوز التداوي بالقرآن الكريم وإخراج الجني من المريض بقراءة، القرآن جزاكم الله خيراً؟
الجواب
الحمد لله، أقول: لا ريب أن القرآن شفاء للقلوب وللأبدان -كما تفضل الشيخ فذكر الآيات في ذلك- والتداوي بالقرآن حق، ومن تداوى به كما شرع الله وكما فعل رسول الله ﷺ ولم يغلُ ولم يبتدع، وكان محله قابلاً للعلاج القرآني، شفي بإذن الله ﵎ فالشفاء موجود ولكن قابلية المحل أيضاً شرط لوقوعه، غير أني أريد أن أنبه إلى ما هو أهم، لنأخذ العبرة من حالنا ومن واقعنا.
عندما عظمنا الدنيا ونسينا الآخرة، أصبحنا نحتاج القرآن لنداوي به أجسادنا، ونسعى إلى ذلك، ونبذل المال والجهد، ولكننا لا نسعى ولا نجتهد، لأن نعالج قلوبنا بالقرآن، فلو قيل لنا: إن شيخاً أو عالماً واعظاً سيعظنا الليلة بشيء من كتاب الله ﵎ يرقق به القلوب، ويذكرنا بالله ، ويربطنا بهذا الكتاب المهجور، كم يجتمع له؟! كم يحضر لديه؟! أما لو قيل إن رجلاً ما قد ظهر في منطقة نائيةٍ بعيدة يعالج الناس بالقرآن، ويخرج الجان، ويفك المسحور، وأمثال ذلك مما يتلذذ به العامة؛ لشدت إليه الرحال وضربت إليه أكباد السيارات! سبحان الله!! أليس هذا دليلاً على أنا عظمنا الدنيا ونسينا الآخرة؟! إذا كان الحسن البصري -كما سمعتم من الشيخ حفظه الله- قال ﵀: [[إن هذا القرآن أنزل ليقرءوه وليعملوا به فجعلوا قراءته عملاً]] سبحان الله! يلوم الذين جعلوا قراءة القرآن علماً دون العمل به، فكيف بالذين جعلوا القرآن تكسباً للدنيا؟! وكيف بالذين جعلوه فقط لعلاج أجسادهم؟! فإذا صح الجسد وتعافى، استُخدِمَ في معصية الله شُفيت العين فنظرت إلى ما حرم الله، وشفي العقل فتفكر وتأمل فيما حرم الله، وشفي اللسان فنطق بما حرم الله، هذه والله كارثة! أن يكون هذا حظنا من كتاب ربنا وإن كان العلاج به حقاً لا ريب فيه.
إخوتي في الله! إن الله ﵎ رحيم كريم ومن رحمته أنه جعل ما يقيم حياة الناس لضروراتهم، جعله متيسراً لهم بقدر ضرورته لهم؛ فهو بقدر الحاجة أو الضرورة يكون تَيَسُّر ذلك الأمر.
فلما كان الناس بحاجة إلى الهواء لا يستطيع الإنسان أن يعيش إلا إذا تنفس الهواء جعله الله مجاناً، ولو كان الهواء يباع لاختنق أكثر الناس؛ لأنهم فقراء ولاحتكر التجار الهواء ولكن رحمة الله منعت ذلك.
وكذلك الماء؛ لأن الناس يحتاجونه ولا يستغني عنه أحد جعله الله ﵎ موفراً بين أيديهم ولله الحمد والمنة.
والملح؛ لأنه لا قوام للطعام إلا به هو من أرخص ما يباع في الأسواق في كل مكان ولله الفضل وله الحكمة البالغة ، ومن ذلك أنه لما علم وهو العليم بكل شيء شدة حاجتنا إلى القرآن وضرورة تحصننا به من الشيطان وأن عدونا ماكر خبيث ممكن له فينا، ويجري منا مجرى الدم أعطانا الله العلاج مجاناً.
فكل إنسان كل مؤمن والحمد لله يستطيع أن يقرأ المعوذتين، ويقرأ آية الكرسي، ويقرأ آخر آيتين من سورة البقرة ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة في اليوم إلى غير ذلك مجاناً، فلا تحتاج أن تذهب إلى شيخ أو تسأل عنها عالماً، ولا أن تبذل مالاً قل أم كثر.
فإنك إن قلتها حفظك الله ﵎ بها من الشيطان بإذن الله فلا تصرع ولا يأتيك الجان ولا يتلبس بك ولا يؤذيك السحر بإذن الله ﵎؛ إلا ما قدره الله، وقَدَرُ الله كائن.
﴿أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق﴾ هل تشق على أحد؟! أم تلك الرقى البدعية والقراءات الطويلة ويصحبها من الباطل أقل ما يقال فيها: أنها لم ترد مرفوعة عن النبي ﷺ ، وإن كان أكثرها لم يعملها الصحابة أو أحد من السلف؛ بل بعضها وقد رأيناها مشتملة على شركيات وعلى توسلات بغير الله ، ويقولون: هذا قرآن هذه آية الكرسي.
لكن اقرأ ما في الأطراف تجد أرقاماً وكتابات لا معنى لها، هذه توسلات شركية، ولهذا يقولون يوم القيامة عندما يسألهم ربنا ﵎: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام:١٢٨] هذا يستمتع به بما يقدم له من شركيات، وذاك يستمتع بما يعطيه، وكأنه يظهر على يديه الكرامات أو الخوارق! فيا إخوتي في الله، الوقاية خير من العلاج! فلنعالج قلوبنا أولاً، ونقيها الشبهات بالقرآن، ثم بعلاج أبداننا أيضاً نتخذ من هذا القرآن وقاية للحفظ من الشيطان، فنقرأ هذه الآيات الميسورة المتوفرة -والحمد لله- ونداوم على هذه الأذكار صباحاً ومساءً وقبيل النوم، كما وردت عن النبي ﷺ ، فبذلك يكون لنا الشفاء -بإذن الله ﵎ في قلوبنا وأبداننا، أسال الله ﵎ أن يشفينا جميعاً وأن يعافينا من كل داء ظاهر وباطن إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
стр. 903
التضرع إلى الله
إن من أعظم ما شرعه الله جل وعلا على العباد دعاءه والتضرع إليه، والتذلل بين يديه؛ لما في ذلك من إثبات العبودية والخضوع لله ، وفي هذه المادة يتحدث الشيخ حفظه الله عن الدعاء والتضرع، مبيناً أهميته، ومحذراً من خطورة الأمن من مكر الله، ثم ذكر أمثلة من حياة الأنبياء ﵈ والتي توضح منهجهم في الدعاء وحرصهم عليه.
стр. 904
مغبة ترك الدعاء
الحمد الله القائل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف:٩٤] والقائل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد القائل: ﴿إن الله حيي رحيم كريم يستحيي أن يرفع العبد يده إليه ثم لا يضع فيها خيراً﴾، وصلى الله وسلم وبارك على صحبه الكرام، والتابعين لهم بإحسان، الذين تعرفوا إلى الله ﵎ في الرخاء، فتعرف الله إليهم في الشدة، الذين سنوا لنا كيف نتضرع إلى الله، ولا نغفل عنه، ولا ننسى ذكره في أي وقت وعلى أي حال.
أما بعد: فما منا أحد اليوم إلا وهو يسمع ويجالس ويرى ويستشعر في كل حين هذه الأحداث، التي تمر بأمة الإسلام في كل البلاد، وفي هذا البلد خاصة، الذي كان أهله يحسبون أنهم سيظلون في منأى عن الفتن والأحداث، حتى جاءتهم.
مع أن الله لا يجامل في سنته ولا يحابي أحداً، فله سنن ثابتة لا تتخلف، وقد ابتلانا قبل ذلك بالنعماء وبالسراء، ثم هاهي قد بدأت طلائع البأساء والضراء -ونسأل الله العفو العافية- وليست المشكلة في أن البلايا تقع، أو أن العذاب يقترب، أو أن الفتن والمحن تموج، فهذا تاريخنا الإسلامي حافل به.
ولكن المصيبة والمشكلة في غفلتنا عن أسباب الوقاية، وفي بعدنا عن الرجوع إلى الله ، والأخذ بموجب التقوى والإيمان، الذي يدفع الله به العذاب، ويكشف عنا به البلاء، والله رحيم وكريم وهو الغني الحميد، ومن رحمته بهذه الأمة -وهو الذي أنزل إليها الكتاب رحمة وبعث إليها نبي الرحمة ﷺ أن بين لها كيف تتقي عذابه؟ وكيف تتجنب سخطه؟ وكيف تأخذ بأسباب النجاة في أمر ديننا ودنيانا؟
стр. 905
النجاة من عقوبة الله تكون بالدعاء والتضرع
وإن مما شرعه الله وجعله سبباً -بل هو من أعظم الأسباب- لاتقاء عذابه وسخطه، دعائه والتضرع إليه ، والتوبة والاستغفار والإنابة، فنحن في هذه الأيام أحوج ما نكون إليها، وإن كنا محتاجين إليها في كل وقت وفي كل حين؛ لكن مع هذه الفتن ومع هذه الأحداث فنحن أحوج ما نكون إلى أن لا ننسى ذلك.
ولا سيما أن الذين أخاطبهم جلهم من طلبة العلم -ولله الحمد- وفيهم الدعاة والأئمة والخطباء، وبهم تتأثر الأمة -إن شاء الله- وينتشر الخير فيها، فيجب أن ننشر هذا الحق وهذا الخير، وأن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا، وأن نجتهد في دفع هذا البلاء عن الأمة ببيان أسباب الوقاية منه -بإذن الله ﵎ وهذا من أعظمها كما بين الله ذلك، بل إن الله ﵎ جعل التضرع غاية كما ذكرنا في الآية السابقة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف:٩٤] وفي الآية الأخرى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام:٤٢].
إذاً: فالأخذ بالبأساء وهي: الحروب والضراء، وهي تعم الفتن والجدب والقحط وكل ما من شأنه أن يضار الناس، الغاية منها لعلهم يضرعون -أي: كي يضرعوا إلى الله فإن الناس إن لم يعرفوا الله ﵎ في الرخاء فلا بد أن يتعرفوا إليه في الشدة، وإن من أعظم وأكثر الناس قسوة وأعظمهم غفلة الذين لا يتضرعون إلى الله لا في الرخاء ولا في الشدة، ولهذا قال في الأنعام: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٣ - ٤٥].
فانظروا إلى إمهال الله للأمم السابقة ففي أول الأمر أخذهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلما لم يتضرعوا وقست قلوبهم حلت ووقعت عليهم العقوبة، فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء، استدراجاً من الله لهم.
ومن هنا قال لنبيه وللمؤمنين: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ [آل عمران:١٩٦] لأن هذا فتح من الله؛ يفتح الله عليهم أبواب كل شيء ثم في النهاية ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢] فيأخذهم بغتة؛ لأنه قد أنذرهم وقد خلت من قبلهم المثُلات وقد جاءتهم النذر، ولكنهم أعرضوا ونسوا ما ذكروا به، فعند ذلك يقطع دابرهم بأليم عقابه، نسأل الله العفو والعافية.
стр. 906
حال المتضرع وحال المعرض
﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٣] فلو أنهم تضرعوا إلى الله لكشف عنهم السوء، ولهذا استثنى الله ﵎ من الأمم قوم يونس يقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨].
فذكر المفسرون من السلف ﵏ في هذه الآية أن قوم يونس خرجوا إلى الصعدات، وجأروا إلى الله ، وخرجوا بأطفالهم ونسائهم ودوابهم، وقيل: إنهم ظلوا على هذه الحالة أربعين ليلة وهم يستغيثون ويتضرعون ويدعون ويبكون ويستغفرون فكشف الله ﵎ عنهم العذاب في هذه الحياة الدنيا، وهذا من فضل الله ومن سعة رحمته.
أما الذين يصرون ويعاندون ويستكبرون على الله ولا يتضرعون إليه ولا ينيبون؛ فإنه يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهذا ما بينه في سورة الأنعام وكما بينه أيضاً في آيات الأعراف السابقة، ويقول الله فيها ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]، فهناك ذكر أنهم ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٤٤] وقال هنا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] وليس أبواب كل شيء؛ ولكن بركات، والبركة في أي أمر حلت فهي خير، أما الذي لا بركة فيه فلا خير فيه.
وإن كان كثيراً ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦].
стр. 907
عقوبة الأمن من مكر الله
ثم قال : ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف:٩٧ - ٩٨] أي: ما المانع وما الموجب وما المقتضي للغفلة والإعراض وقسوة القلب وعدم اللجوء إلى الله والتضرع إليه، أهو الأمن؟! فكيف يأمنون والله قادر! والله ﵎ قوي! والله تعالى عزيز ذو انتقام! كيف يأمنون أن يأتيهم بأس الله بياتاً وهم نائمون! وكم من أمةٍ جاءها ذلك البأس فأخذهم الله مصبحين، كما أخذ الله قوم لوط ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١] ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر:٨٣] أو (مُشْرِقِينَ) هكذا أخذ الله كثيراً من الأمم، أخذهم بياتاً أو مع الإشراق ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف:٩٨].
وقد أخذ الله أيضاً أمماً أخرى وأهلكها، وعذبها وهي ترى العذاب، ومن ذلك ما ذكر الله عن قوم عاد ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:٢٤]-نعوذ بالله من القسوة ومن الغفلة- حتى لما رأوا العذاب قالوا: هذا عارض ممطرنا، فما ظنوه إلا استمراراً لهم في الخير واستمراراً للعطاء والنعمة، وما ظنوه إلا سيستمر، وهم لا يحسبونه استدراجاً ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] فكانوا بعد ذلك ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر:٢٠].
وهكذا كل أمة يجب عليها ألا تأمن من مكر الله كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأعراف:١٠٠] لا يصح ولا يجوز لأي أحد أن ينسى، أو يغفل، أو يكف عن التضرع إلى الله والتوبة إليه، والأخذ بالأسباب الواقية من عذابه، والمؤدية إلى النجاة من انتقام الله ، فهكذا يجب على الناس أمماً وأفراداً.
أما من كان حاله غير ذلك، فإنما مثله مثل الذي قال: ﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ [مريم:٧٧] فرد الله عليه: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ [مريم:٧٨].
ألم نقل في هذه الأيام بصريح الحال أو المقال: إننا في رخاء مستمر، وإن الأمان مستمر، وإن الأموال متنامية، وكل شيء في نمو ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ [مريم:٧٨] هل اطلعنا على الغيب فوثقنا أن حالنا سيظل كذلك؟! لا والله ولم نطلع عليه، ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥] وكذلك هل أعطانا الله ﵎ عهداً وميثاقاً أن يعذب الأمم ويبتليها ولا يبتلينا؟ لا والله، ومن أين لنا ذلك؟! فقد رأينا عِبَرَ الله ورأينا أيام الله التي فعلها بالأمم التي قبلنا، ورأينا ما حدث في أوروبا في الحرب العالمية الثانية، وسمع الناس بذلك.
أقول: الأمة في مجموعها علمت بذلك، ثم رأى الناس ما حل بأهل لبنان مع ما كانوا فيه من الرخاء والنعمة، لكن لما طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد صب الله عليهم سوط عذاب، وجعل الفتنة فيما بينهم، وكان الهرج -القتل- حتى أن القاتل لا يدري فيما قَتل ولا المقتول فيما قُتل، ولا يخفى ذلك على أحد.
ورأينا ما فعل الله بـ إيران بعد أن كان عرش الطاووس تخاف منه العروش، وتهتز له الملوك، وكان يريد أن يكون ثالث قوة في العالم، أسقطه الله وأذهبه، وجاءت الحروب، وجاءت الفتن، حتى أصبحوا في أسفل سافلين في كل جانب من جوانب الحياة، وكذلك أمم ودول أخرى من حولنا.
стр. 908
الدعاء مجلبة للخير مدفعة للضر
ثم جاءتنا مصيبة تستوجب أن نرفع أكف الضراعة إلى الله في كل حين أن يرفع هذه المصائب عن الإسلام والمسلمين، وأن يجعل عاقبتها خيراً، ولن تدفع هذه المصائب، ولا ما هو أعظم منها -إذ لا ندري ما يخفي لنا القدر- إلا بضراعةٍ إلى الله، وبإخلاصٍ لله وتوبةٍ وأوبةٍ ورجوعٍ إلى الله ؛ فإن الله يريد منا قلوباً مؤمنةً ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، وكما قال النبي ﷺ : ﴿إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم﴾ فيريد الله منا قلوباً مؤمنة خاشعة مخبتة منيبة، وإن كانت العبادة قليلة، لكن هذه الأمور في ذاتها أعظم عبادة.
وأساس كل عبادة أن يكون هذا القلب متصلاً بالله، وأن يرى آثار الأمم السابقة فيعتبر بها، وأن يرى آثار نعم الله فيحمد الله ويشكره عليها، ويدعو الله أن يديمها عليه.
وقد ضرب سبحانه تعالى لنا الأمثلة الكثيرة، وعامة القرآن في قصصه إنما هو من أجل ذلك، كما ذكر الله ﴿وإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * وكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٢ - ٤٦] فنعوذ بالله من عمى القلوب، ومن قسوتها.
ففي مثل هذه المواضع ذكر الله سبحانه تعالى قسوة القلب كما في سورة الأنعام، وعمى القلب كما في سورة الحج، فالقلوب إذا قست، وإذا عميت، لم تعتبر بما ترى، وأما المؤمنون فإنهم يعتبرون ويتعظون، فإذا اعتبروا واتعظوا؛ كان التضرع، والدعاء، والاعتبار، والاتعاظ خيراً لهم، حتى إن تلك المصيبة مهما عظمت تكون خيراً، ويفرح المؤمنون بما نزل في قلوبهم من إيمان، ويعلمون أن تلك المصيبة كانت خيراً، إذ ردتهم إلى الله وأرجعتهم إلى الإيمان به، وذكرتهم بأيامه، فتنقلب المصيبة والضراء والبأساء إلى نعماء وخير وبركة؛ لأنهم تابوا إلى الله وتضرعوا إليه.
والدعاء والتضرع سبب عظيم من أسباب الخير، في كل أمر وفي كل وقت، كما يجب علينا أن نعلم أننا لا نستغني عن الله والنبي ﷺ كان من دعائه: ﴿يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين﴾ ولهذا قال المفسرون والعلماء: 'إن خير الدعاء وخير الضراعة والتضرع، هو ما ذكره الله في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧].
وقالوا: إن الصحيح في تفسيرها أنه ليس مجرد مزيد الهداية، أو الاستمرار في الهداية، بل الحكمة من تكرارها في كل ركعة، أن الإنسان يحتاج بعد أن هداه الله هداية عامة ومجملة، وهي: معرفة الحق والإيمان به، والتمسك بالدين والإيمان بالرسول ﷺ ، يحتاج مع ذلك إلى الإيمان التفصيلي، والمعرفة التفصيلية، فهو في كل يوم وفي كل لحظة تعرض له مشاكل وأمور وأحداث يحتاج أن يهديه الله ﵎ فيها الصراط المستقيم'.
فهو أعظم دعاءٍ، وناسب أن يكن في كل ركعة، وفي أعظم سورة، وأفضل سورة أنزلها الله ؛ ولذلك نحن في كل يوم، وفي كل وقت، وفي كل طرفة عين، نحتاج أن ندعوا الله وأن نتضرع إلى الله ونعلم أنه كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٥ - ١٧] فنحن الذين نحتاج إلى أن نتضرع إليه، وأن ندعوه؛ لأن الله قد تعبَّدَنا بذلك، كما في الحديث -الذي هو حسن بشواهده- يقول النبي ﷺ : ﴿من لا يسأل الله يغضب عليه﴾ وقد نظم هذا بعض الشعراء فقال:
الله يغضب إن تركت سؤاله وبُني آدم حين يُسأل يغضب
فالله يغضب إن تركنا سؤاله، ويحب أن نتضرع إليه وندعوه ونرجوه ونطلبه.
стр. 909
أدعية مستجابة
قد ذكر الله لنا أمثلة ممن دعوه فاستجاب لهم كما بين الله لنا في قصص أنبيائه.
стр. 910
أعظم أنواع الدعاء ما قاله يونس ﵇
في قصة يونس ﵇ لما دعى الله تعالى بدعاء عظيم، وهو في ظلمات البحر وفي بطن الحوت، دعا الله ونادى في الظلمات ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
وهذا من أعظم أنواع الدعاء، لاشتماله أولاً: على توحيد الله (لا إله إلا أنت) وهو أعظم وسيلة إلى الله تعالى، وأعظم طاعة وأعظم وقربة.
ثم ثنى بالتنزيه (سبحانك) تنزيه الله عما لا يليق به ، فكل ما يفعل، وكل ما يقدر فله فيه الحكمة البالغة، فهو منزه عما لا يليق بجلاله وكماله وعظيم شأنه.
ثم ثلث ببيان عجزه وضعفه وفقره وظلمه لنفسه، وهكذا كل عبد بالنسبة إلى الله ينبغي له أن يكون كذلك ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
стр. 911
دعاء أيوب ﵇
وكذلك في دعاء أيوب ﵇: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] فما ألطف هذا الدعاء، وما أرقه، وما أخشعه إلى الله ، مع أن الجمل قليلة!! ولكن القلوب إذا دعت الله عن صدق، وإخلاص، وإن قلت العبارات، فإن الله يستجيب لأولئك: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء:٨٤] وهكذا غيرهم.
стр. 912
يجيب المضطر ولو كافراً
وقد بين الله أنه يغيث الكفار إذا تضرعوا إليه، ولهذا يقول ابن القيم ﵀ كما في كتاب الفوائد: 'التوحيد مفزع أوليائه، ومفزع أعدائه' أي: التوحيد يلجأ إليه أولياؤه، ويفزعون إليه، وكذلك يلجأ إليه أعداء الله، فهو حصن منيع ومعتصم النجاة.
стр. 913
رحمة الله بالكفار
كما أن الذين يوحدون الله ويدعونه، يتوسلون إليه بالتوحيد لينجيهم، فكذلك المشركون إذا ركبوا في الفلك، وجاءهم الموج من كل مكان، وأحاطت بهم الشدائد دعوا الله مخلصين له الدين، ولهذا يقول : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] هل أحد غيره؟ هل إله غير الله يفعل ذلك؟ لا والله.
стр. 914
التوبة إلى الله من الذنوب
وإنه لجدير بكل مؤمن مع هذه الأحداث والفتن والمحن والبلايا، أن يراجع نفسه مع كتاب الله، وأن ينظر فيما ابتلى الله ﵎ به الأمم من قبل، والشعوب من حولنا، وأن نعلم جميعاً أنه لا ملجأ من الله إلا إليه، ولا مفزع من الله إلا إليه، فلنكن صادقين في قولنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ولنكن صادقين في توكلنا على الله ، ولنكن صادقين في اعتصامنا بالله ، ولنكن صادقين في دعوى أننا نسير على عقيدة السلف، وعلى منهج السلف الصالح، وأننا متمسكون بعقيدة الحق وشريعة الحق، ولنصدق الله؛ يصدقنا الله ، ولنتب إلى الله ولنجعل ما جاء أو استشرف أو استجد من الفتن سبباً لأن نكف عما حرم الله، وأن نتوب عما أجرمنا، وعما أسلفنا دولاً وأفراداً وجماعات، فهذا واجبنا جميعاً أن نعلم أن هذه المصائب والفتن والمحن، نذير من الله تعالى، فإن تبنا واستغفرنا وأصلحنا، دفعه الله ﵎ عنا بما يشاء.
وإن اعتمدنا على الأسباب المادية، وركنا إلى خلق من خلق الله مثلنا، بل ربما كانوا أقل منا، فلربما سلط علينا من غير أهل ملتنا، وهم غير أهل لأن ينصرهم الله ولكنه يبتلي البعض بالبعض ويولي بعض الظالمين بعضاً بذنوبهم جميعاً، فيقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٩].
فنقول: إذا اعتمدنا على هؤلاء الكفار، واعتمدنا على نصرتهم ومعونتهم، ولم نوثق الصلة بالله ، ونتوكل عليه وحده، ونعتمد عليه وحده، فإن العاقبة ستكون وخيمة، ونكون كمن أراد أن يفر من عقوبة الذنب، فوقع في ذنب أكبر وأعظم -نسأل الله العفو والعافية- فالأمة قد تحتاج، وقد تضطر إلى أي سبب من الأسباب، والأخذ بالأسباب واجب، وهو من الدين، وهو من التوكل ولا ينافيه، لكن فرق بين أن نأخذ بالأسباب، ونحن على إيمان ويقين وإخلاص لله وعلى توبة صادقة مع الله، وبين أن نركن إلى الأسباب، ونغفل عن الله ونعلق آمالنا بهذه الأسباب، نسأل الله العفو والعافية.
وإن هذه الأحداث ليس فيها جديد بالنسبة إلى سنن الله ، فكلها تجري وفق سنن دائمة، كما ذكر الله ولكننا نغفل، ولا ننظر إلى مرادها، ولا نتأمل كتاب الله، ثم ننظر إلى واقعنا، فلا ندري أيكون الابتلاء بهذا أو بذاك، لمن نراه صديقاً أو نحسبه عدواً، فيجب أن نتوقع الابتلاء والعذاب والمصيبة، ما دمنا في هذه الذنوب والمعاصي، التي لا أرى حاجة لأن أعددها وأذكرها فهي ملء السمع والبصر ولا تخفى على أحد منا، فذنوبنا هي السبب، فما وقع بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، كما أن أسباب النجاة بين أيدينا، وأن رحمة الله ﵎ بالمؤمنين -ولله الحمد- غير غائبة عنا، ولكن علينا أن نأخذ بهذه الأسباب، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 915
الأسئلة
следующие страницы →