← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

دعاء أيوب ﵇ وكذلك في دعاء أيوب ﵇: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] فما ألطف هذا الدعاء، وما أرقه، وما أخشعه إلى الله ، مع أن الجمل قليلة!! ولكن القلوب إذا دعت الله عن صدق، وإخلاص، وإن قلت العبارات، فإن الله يستجيب لأولئك: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء:٨٤] وهكذا غيرهم.

стр. 912

يجيب المضطر ولو كافراً وقد بين الله أنه يغيث الكفار إذا تضرعوا إليه، ولهذا يقول ابن القيم ﵀ كما في كتاب الفوائد: 'التوحيد مفزع أوليائه، ومفزع أعدائه' أي: التوحيد يلجأ إليه أولياؤه، ويفزعون إليه، وكذلك يلجأ إليه أعداء الله، فهو حصن منيع ومعتصم النجاة.

стр. 913

رحمة الله بالكفار كما أن الذين يوحدون الله ويدعونه، يتوسلون إليه بالتوحيد لينجيهم، فكذلك المشركون إذا ركبوا في الفلك، وجاءهم الموج من كل مكان، وأحاطت بهم الشدائد دعوا الله مخلصين له الدين، ولهذا يقول : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] هل أحد غيره؟ هل إله غير الله يفعل ذلك؟ لا والله.

стр. 914

التوبة إلى الله من الذنوب وإنه لجدير بكل مؤمن مع هذه الأحداث والفتن والمحن والبلايا، أن يراجع نفسه مع كتاب الله، وأن ينظر فيما ابتلى الله ﵎ به الأمم من قبل، والشعوب من حولنا، وأن نعلم جميعاً أنه لا ملجأ من الله إلا إليه، ولا مفزع من الله إلا إليه، فلنكن صادقين في قولنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ولنكن صادقين في توكلنا على الله ، ولنكن صادقين في اعتصامنا بالله ، ولنكن صادقين في دعوى أننا نسير على عقيدة السلف، وعلى منهج السلف الصالح، وأننا متمسكون بعقيدة الحق وشريعة الحق، ولنصدق الله؛ يصدقنا الله ، ولنتب إلى الله ولنجعل ما جاء أو استشرف أو استجد من الفتن سبباً لأن نكف عما حرم الله، وأن نتوب عما أجرمنا، وعما أسلفنا دولاً وأفراداً وجماعات، فهذا واجبنا جميعاً أن نعلم أن هذه المصائب والفتن والمحن، نذير من الله تعالى، فإن تبنا واستغفرنا وأصلحنا، دفعه الله ﵎ عنا بما يشاء. وإن اعتمدنا على الأسباب المادية، وركنا إلى خلق من خلق الله مثلنا، بل ربما كانوا أقل منا، فلربما سلط علينا من غير أهل ملتنا، وهم غير أهل لأن ينصرهم الله ولكنه يبتلي البعض بالبعض ويولي بعض الظالمين بعضاً بذنوبهم جميعاً، فيقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٩]. فنقول: إذا اعتمدنا على هؤلاء الكفار، واعتمدنا على نصرتهم ومعونتهم، ولم نوثق الصلة بالله ، ونتوكل عليه وحده، ونعتمد عليه وحده، فإن العاقبة ستكون وخيمة، ونكون كمن أراد أن يفر من عقوبة الذنب، فوقع في ذنب أكبر وأعظم -نسأل الله العفو والعافية- فالأمة قد تحتاج، وقد تضطر إلى أي سبب من الأسباب، والأخذ بالأسباب واجب، وهو من الدين، وهو من التوكل ولا ينافيه، لكن فرق بين أن نأخذ بالأسباب، ونحن على إيمان ويقين وإخلاص لله وعلى توبة صادقة مع الله، وبين أن نركن إلى الأسباب، ونغفل عن الله ونعلق آمالنا بهذه الأسباب، نسأل الله العفو والعافية. وإن هذه الأحداث ليس فيها جديد بالنسبة إلى سنن الله ، فكلها تجري وفق سنن دائمة، كما ذكر الله ولكننا نغفل، ولا ننظر إلى مرادها، ولا نتأمل كتاب الله، ثم ننظر إلى واقعنا، فلا ندري أيكون الابتلاء بهذا أو بذاك، لمن نراه صديقاً أو نحسبه عدواً، فيجب أن نتوقع الابتلاء والعذاب والمصيبة، ما دمنا في هذه الذنوب والمعاصي، التي لا أرى حاجة لأن أعددها وأذكرها فهي ملء السمع والبصر ولا تخفى على أحد منا، فذنوبنا هي السبب، فما وقع بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، كما أن أسباب النجاة بين أيدينا، وأن رحمة الله ﵎ بالمؤمنين -ولله الحمد- غير غائبة عنا، ولكن علينا أن نأخذ بهذه الأسباب، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 915

الأسئلة

стр. 916

معنى التضرع إلى الله وأسبابه السؤال ما هي أسباب التضرع إلى الله؟ الجواب ذكرنا أن الإنسان في كل وقت محتاج إلى أن يدعو الله، وأن يتضرع إليه، ولعلنا لو رجعنا إلى المعنى اللغوي للتضرع لأفادنا في معرفة المعنى الشرعي، فالتضرع: كلمة اشتقت من الضَرع، والضَرع معروف لذوات الخف من الحيوان، كالإبل والبقر التي يكون فيها ضَرع. والتضرع أن يأتي صغير هذه الحيوان فيرتضع ويلتقم هذا الثدي، فتراه عند ارتضاعه يلح ويرتفع ويحاول بكل قوته أن يجذب هذا اللبن الذي لا يمكن أن يعيش إلا به، نعمة من الله وفضلاً، ففي هذه الصورة البيانية مثل هذا الضرع، من جهة أن أصل خروج المولود هو من هذه الأم، كما أن أصل نموه -بإذن الله تعالى- ناشئ عن هذه الأم، ثم هو لهذا لا يمكن أن يستغني عنها، فلو قطع عنه اللبن لما أمكن أن يعيش أبداً بهذا الشكل. وكذلك أيضاً أصل الإنسان وجوده، هو من رحمة الله وفضله، ثم هو لذلك يحتاج أن يرفع يديه وأن يتضرع إلى الله ويلح في الدعاء، ويجتهد بحرص على ما يقيم حياته ويدفع عنه الشر والسوء، كما يجتهد ويلح ويحرص ذلك الحيوان عندما يرتضع من الثدي أو الضرع، ففي كل وقت وفي كل لحظة، نحن لا نستغني عن الله، ولهذا كان النبي ﷺ يدعو بقوله: ﴿ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين﴾. فانظر إلى هؤلاء الكفار الذين وكلهم الله إلى أنفسهم -قديماً وحديثاً- واستدرجهم بالنعم فظنوا أنهم أقوى ما يكونون، فعندها يخذلهم الله ، فيفقدون قواهم ويكونون أحوج ما يكونون إليه، فيسقطون وإذا بهم لا شيء، وتذهب كل قوة إلا من عصمه الله وحفظه بقوته، فأسباب التضرع كامنة في كل حركة من حركاتك، فأنت في كل يوم تحتاج إلى أن يرفع الله عنك البلاء، وأن يرزقك وأن يعطيك الصحة والعافية، وأن يوفقك لطاعته، فعليك أن تتمسك بدينه وألا تستغني عنه لحظة، ولذا فأسباب التضرع والدعاء قائمة.

стр. 917

الصدقة من أسباب رفع البلايا السؤال نلاحظ في هذه الأيام قلة التصدق على الفقراء، ولم تعد هناك أموال تذهب إلى المسلمين في إفريقيا وأفغانستان وغيرها، فهلاَّ ذكَّرتم الناس بالتصدق؟ الجواب إن من أعظم ما يدفع الله تعالى به العذاب الصدقة، كما قال النبي ﷺ : ﴿اتقوا النار ولو بشق تمرة﴾ وهي من أفضل الأعمال، فإنها تطفئ الخطايا، ويدفع الله تعالى بها البلايا، ولا شك أننا في بلد أنعم الله علينا فيه بنعم عظيمة، ولو تذكرنا حال الأمم والشعوب الأخرى لعجبنا، فنحن هنا لا نتضرع، وقليل من الناس من يتضرع إلى الله كل يوم أن يطعمه الله أو يسقيه، فنحن لا نسأل الله ذلك؛ لأن الطعام والشراب والأكل متوفر عندنا، وقد يوهمنا الشيطان أننا لا نحتاج إلى الله -تعالى الله عن ذلك- فلوفرته فهو مثل الهواء مع أنه حتى الهواء نحتاج أن ندعو الله أن يحفظه لنا، وفي كل شيء نحتاج أن ندعو الله. ولنضرب لكم مثلاً مما نعيشه، فنحن لا يهمنا مسألة الطعام والشراب، وإنما أكثر الناس همومهم في العمارات وفي غيرها، وفي أرزاقهم ووظائفهم وفي زيادة مالٍ في كذا وكذا، وأكثر من نصف الشعوب في العالم -كما في تقارير الأمم المتحدة- تعاني من سوء التغذية، فهي تحتاج أن تأكل أكلاً سليماً، وتحتاج أن تشرب ولكنها لا تجد!! فانظروا كيف هذا الحال الذي نعيش فيه، وكيف تعيش تلك الشعوب والأمم، الواحد منا لو سافر إلى تلك البلاد ومعه الأموال -والحمد لله- قد لا يجد أكلاً نظيفاً يأكله، وقد لا يجد ما يريد من الفاكهة وإن وجد فقد يجد نوعاً رديئاً في حالة يرثى لها، بينما هنا الفاكهة تداس وترمى، وتورد بملايين الأطنان، فنحن نعيش في بحبوحة ورخاء وسراء، ثم نغفل عن الله وانتقامه وسريع غضبه، ولا نفطن لأحوال إخواننا المسلمين الذين يحتاجون إلى ذلك. فأقول: يجب مضاعفة النقود في التصدق لمنفعتها، بل لمنافعها العظمى التي منها أن يدفع الله ﵎ عنا العذاب ويرفعه.

стр. 918

اختلاف العقائد سبب في اختلاف الحكومات والشعوب السؤال ما سبب اختلاف الدول العربية فيما يتعلق بقضية العراق؟ وهل ينطلق هذا الاختلاف من منطلق سياسي, أم من منطلق عقدي؟ الجواب الدول التي لم تصوت مع الإجماع الذي وقع في جامعة الدول العربية, أو الدول التي رفضت القرارات هي الدول البعثية, أو الدول التي للبعث فيها وجود قوي, أو تتأثر بآراء البعث من قريب أو بعيد. إذاً القضية قضية عقيدة, ونحن في هذه الأيام وبناء على هذه الوقائع بدأنا نتكلم عن هذا الحزب ونتعرف على الحكم الشرعي له، إننا إنما نتكلم عن جناح من أجنحته, أو عن زعيم من زعمائه, فيما الزعماء الآخرون وهم بعثيون مثله فإننا لا نتكلم عنهم. مشكلتنا أننا كما عبر ذلك اليهودي الخبيث بقوله: إن العرب لا يقرءون, وأخشى أننا نقول: لا؛ نحن نقرأ, ولكن ماذا نقرأ؟ كثير من الناس يقرءون ولكن لا يقرءون ما يهم الأمة وما يجب أن يعلموا, ووسائل إعلامنا تزيد الطين بلة, فهي لا تعرض علينا شيئاً مما يمكن أن نعرف به هذه الأحزاب الفاجرة. إلى ما قبل هذه الأحداث كان بعض الإخوة يذهلون إذا ذهبوا للعراق , ويقول بعض الإخوان الذين يذهبون إلى العراق في رحلة علمية: ما كنت أصدق ما يقال عن العراق حتى رأيت واقع الحال!! إذ أنني كنت لا أستطيع أن أصلي, ولا أجد الكتب الإسلامية النافعة, وأجد عوضاً عن ذلك الشعارات الملحدة المعلقة في كل مكان! والتعظيم لهؤلاء الطواغيت في كل مكان! وأجد مظاهر الانحراف والانحلال والتفسخ!! أمور عجيبة؛ لأنه كان يظن أن حال المجتمع العراقي كمجتمعنا؛ لأن العراق غير بعيدة عنا, فيفاجأ الذي يذهب إلى هناك -وهم غالباً من الطبقة المثقفة- بواقع الحال, لماذا؟! لأن الإعلام قد جعل هذه الحقائق غائبة عنا, لم يعرفنا بأعدائنا, إعلام المسلسلات والأغاني والمقابلات والتراث الشعبي والعرضات إلخ, ونشرات أخبار عادية جداً لا تسمن ولا تغني من جوع. هذا ليس هو الإعلام الذي يجب أن يكون في أمة تعاني من أعداء يحيطون بها من كل جهة. أمة تحارب من أجل عقيدتها, ويتكالب عليها الشرق والغرب من كل مكان, يجب عليها أن تعرف عقيدتها أولاً, ثم تعرف هذه العقائد الباطلة وتعرف أصحابها. ثم فوجئ -كما ذكر بعض الإخوة- بأنه يوجد فروع أو أعضاء من حزب البعث في السعودية , نعم؛ أعندنا عهد من الله ألا يكون فينا شيوعي؟! أعندنا عهد من الله ألا يكون فينا بعثي؟! من أين لنا ذلك ونحن في خواء عقدي كما ترون؟! بعضكم قد سمع ولا شك -ممن يتابع الدروس عندنا- كيف أن بعض الأساتذة في بعض الجامعات يقولون كلاماً في منتهى الإلحاد, وهم يدرسون عندنا, ومن أبناء جلدتنا, ويتكلمون بلغتنا, منهم البعثي, ومنهم الشيوعي, ومنهم العلماني الذي ينهج الطريقة الأمريكية, ومنهم الديمقراطي ومنهم ومنهم فكيف يكون حال أبنائنا حينما يصل الواحد منهم إلى الثانوية وهو خواء, ليس لديه من الإيمان شيء, فكيف لا يكون هذا الانفتاح على العالم كما يسمونه ويطالبون به, وإن آخر ما طالب به هؤلاء قناة ثقافية تختص بنقل الموروثات الثقافية الغربية؛ وذلك لتكون وسلة مباشرة لإيصال الثقافية العالمية إلينا, سبحان الله! حتى هذا الذي يبحث عن الانفتاح الثقافي, فنسأله قائلين: ما الذي سوف يأتينا من ثقافة الغرب أو الشرق؟! كيف تتحصن كل دولة من دول العالم بالمحافظة على لغتها وعلى تقاليدها وعلى عاداتها, حتى على مستوى دول صغيرة مثل: هولندا , والدنمارك وغيرها, هذه الدول لها لغات محلية لا يتكلم بها إلا أهلها, وهم يجاورون فرنسا من جهة, ويجاورون إنجلترا من جهة, وهاتان الدولتان من أعظم دول العالم, وأوسع اللغات انتشاراً في العالم الإنجليزية والفرنسية, وهي أوروبية ونصرانية وتتفق مع أولئك في سياستها وفي أمورها كلها, وسوف تتوحد معهم أيضاً وتكون دولة واحدة ومع ذلك يحرصون ألا تتسلل إليهم الأفلام الإنجليزية أو الفرنسية, أو أن تؤثر فيهم الثقافة الفرنسية والإنجليزية ليحتفظوا بلغتهم وآدابهم وتاريخهم وهم عدد محدود جداً, فيا سبحان الله! هذا حالهم وهم على دين واحد! أما نحن فالأبواب مشرعة لكل لغة, ولكل ثقافة, ولكل من هب ودب, وقل أن تجد في صحفنا اليومية صفحة من صفحات الأدب أو الفكر إلا وهي تترجم لشعراء أو لأدباء أو مفكرين على شتى المبادئ, ومن مختلف البلدان!! ثم بعد ذلك نستغرب أن يوجد بيننا بعثيون, بل إنهم موجودون, والحزب قديم, وأنا أحيلكم إلى كتب الشيخ أحمد محمد باشميل نسأل الله أن يختم له بالخاتمة الطيبة, كان يطالع ويجول وحده في الميدان, ولم يكن معه إلا الله , وله كتب جلها تتكلم عن البعثيين المجرمين, ويذكر عن بعضهم أنهم كانوا يبثون فكرهم هنا, وكانت لهم بعض الصحف تصدر في المملكة , فنقول: نعم لهم وجود, وكان لهم بعض المدارس المشهورة في الرياض , وأذكر عندما كنا في الرياض وأنا في الإبتدائية كنا نعلم أن إحدى الثانويات في الرياض بعثية التوجه والعقيدة, وكانوا يحاولون أن يخرجوا منها مظاهرات, بل قد أخرجت مظاهرات في فترة ما في شركة أرامكو في الظهران , وأنا أذكر تلك الأيام أيضاً في المنطقة الشرقية. ثم فيما بعد قرأت عنها بشكل أوسع, فكانت هذه الأحزاب موجودة في هذه البلاد, ومن أهم هذه الأحزاب: البعثية والناصرية , وكلهم يدعون القومية العربية وما الحداثة عنكم ببعيد, كل فكر يمكن أن ينشأ إذا غابت العقيدة الصحيحة, والإيمان الصحيح, والتمسك الصادق بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ . فلا نستغرب وجودها والله المستعان!!

стр. 919

دور الشباب المسلم في الأزمات السؤال ما هو دور الشباب المسلم في هذه الأحداث، وماذا يفعل؟ الجواب أولاً: يجب أن نعلم ما هو أصل الداء، إن كل داء يصيبنا فهو بسبب ذنوبنا وتقصيرنا في حق الله، فيجب أن نعلم ذلك وأن نرشد الأمة إليه، وأن نعرف حقيقة أعدائنا على الواقع ولا نكتفي بإخبارنا عنهم من مجرد كلام عام في وسائل الإعلام وغيرها، بل نعرف معرفة تفصيلية بحسب الإمكان ماذا يريدون؟ ولماذا جاءوا؟ فحقيقة الأمر أننا لوكنا ندرس ونقرأ ما ينشر، لكنا قد أخذنا الحيطة والحذر، ولكنا نعلم أن ما وقع سيقع، أو قريباً منه، ولعلنا في درس قادم نأتي ببعض البراهين أو البينات على ذلك -إن شاء الله- فيجب أن يكون عندنا قراءة واطلاع واسع على الواقع بحقيقته، وواقع هذه الأحزاب الكافرة، وواقع الدول المجرمة -أيضاً- في الشرق والغرب، وماذا تريد لنا؟ وماذا يفعل الكفار؛ وماذا يخططون لتحقيقه في بلادنا؟ لنكون على بصيرة من ذلك وأن نبين الحق للناس، ولا تأخذنا في الله لومة لائم، بل نقول ونوضح ذلك للكل. ومشكلة المسلمين اليوم أن الخطيب يوم الجمعة إذا خطب، أو الواعظ إذا وعظ، أوالمحاضر إذا حاضر، أو المذكِّر إذا ذكر، وتكلم عن الذنوب والمعاصي، أن كل إنسان يظن أن غيره هو المعني بهذا الخطاب، وهذه مشكلة!! فإذا قيل: المجرمون الظالمون المفسدون المقصرون في طاعة الله، فأكثر الناس يتصور أن المقصود غيره، والحقيقة أن المفروض أن كل إنسان منا عندما يقرأ كتاب الله أو يسمع الواعظ أو المذكَّر، أن يقول: إني أنا المخاطب بهذا، وأول ما يتأمل ويتفحص ذنوبه وعيوبه، وأن يعرض نفسه وأعماله على كتاب الله وعلى سنة رسوله ﷺ ، فلو بدأ كل إنسان بذلك ثم ثنىّ بمن يستطيع من إخوانه وأقربائه، لوجدنا الخير ينتشر بإذن الله، أما أن نجعل المسئولية كما يجعله بعض الناس، على أناس معينين، فناس يقولون: على الحكام، وناس يقولون: على العلماء، وناس يقولون: على هؤلاء المجرمين، ففعلاً إن المجرمين في هذه البلاد كثير، ولكن لماذا لا تنظر لنفسك؟! فلربما كنت أنت -أيضاً- فيك تقصير، ولربما يكون بالنسبة إلى ما تعلمه أنت عن الله، وما تعرفه من دين الله وما ترتكبه من ذنوب هو مثل ما يرتكبونه هم، لأنهم بعيدون عن الله، ولا يعلمون عن الله، ولا يعلمون من أمر الله مثل ما تعلم، فلماذا لا يكون ذلك؟ أقول: فهذا مما يجب أن نحاسب أنفسنا عليه، وأن نقول كلمة الحق، وأن نبين ذلك للناس، أعني أن على كل واحد منا أن يجعل الأمر متعلق بنفسه، فإذا أصلحنا أنفسنا؛ فإن الله سيدفع عنا هذا البلاء بإذنه . فالواجب كبير وهذه الأحداث هي التي تربي الشباب المسلم الحق، وهي التي تظهر الرجال، لأنه لا يقف لمثل هذه المواقف، ويقول كلمة الحق، ويعرف كيف يقولها، وأين يقولها، إلا الرجل الحق -فالحمد لله- أن الشباب المسلم كثير، وأرجو أن يكونوا -إن شاء الله- جميعاً رجالاً صادقين مع الله ، وأن يعرفوا الحق، ويعرفوا كيف يبلغونه للناس، ويقولونه ولا يخشون في الله لومة لائم.

стр. 920

التوجه الديني عند النصارى في الأزمات السؤال يقول الأخ: الرجاء التعليق على ما يلي: جاء في التلفزيون الأمريكي في الأسبوع الأول من الأزمة أن بوش ذهب إلى الكنيسة للدعاء في هذه الأزمة، وورد توجيه من كبار رهبان وقسيسي الكنيسة إلى عامة الناس أن يتجهوا ويدعوا في الكنيسة، وهذا الأخ يقول: إنه شاهد بعينه ذلك، ويقول: وكذلك رأيت هنا في الأخبار أن تتشر كانت في الكنيسة ثم عمل لها لقاء صحفي وقالت بشدة: إن صدام ديكتاتور يجب أن نتخلص منه؟ الجواب لا غرابة في ذلك، فكما ذكرنا أن الله لا يستغني أحد عنه، وكل من يريد أن يحقق أملاً أو مأرباً فإنه من الطبيعي أن يلجأ ويتضرع إلى الله حتى أيام الحرب العالمية الثانية، كان يُضطر الانجليز وحلفاؤهم من الأمريكان عندما خافوا من هتلر خوفاً شديداً إلى أن يقيموا القداسات -كما يسمونها- على ظهر البوارج -السفن- مع أنهم أصلاً لا يتعبدون ولا يدعون إلا في الكنائس. وأما نحن فبفضل الله تعالى علينا خصَّ به نبينا محمد ﷺ بقوله ﷺ : ﴿وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً﴾ أما هم فلا يصلون إلا في كنائسهم، ومع ذلك قالوا: نصلي على ظهور البوارج والبواخر ونتضرع وندعوا الله، حتى يكشف عنا عذاب هتلر، ففي هذه الأزمة -أيضاًَ- وقع منهم ذلك ولا يستغرب، بل الغريب الذي يجب منا أن نستغربه حقاً أننا نحن لم نتب ولم نتضرع إلى الله . فهم غاية ما عندهم من الدين كما يزعمون أن المسيح ﵇ قال: 'دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله' فهم يرون أن ما لله هذا هو الدعاء أو العبادة أو الذهاب إلى الكنيسة يوم الأحد، والباقي لقيصر، فيظنون أن هذا هو الدين. أما نحن فنعلم أننا عبيد لله في كل وقت، وفي كل مكان، ولن ننتصر إلا بعبوديتنا لله، ولن نوفق إلا بعبوديتنا لله، ولن نستديم النعم إلا بالعبودية لله، والمساجد مفتوحة في آناء الليل والنهار، ومع ذلك انظروا كم من الناس -حتى لا ننفي نفياً عاماً- من لجأوا إلى المساجد وبدأوا يصلون صلاة الجماعة بعد هذه الأحداث، بعد ألم يكونوا يصلوا من قبل؟! كم من متبرجة كانت تتبرج في الأسواق، فلما جاءت الفتنة تركت التبرج وتابت وبدأت تصلي وتتحجب؟! كم من آكل للربا كان يأكله فلما جاءت هذه الفتنة تاب وأقلع عن أكله؟! كم ما أظن أن ذلك كثير والله أعلم، بل إن وجد فهو قليل، ولو كان كثيراً لدفع الله عنا العذاب، لكن هذه الأمة -إن شاء الله- آخذة في طريق النجاة. أما الواقع فهو كما ترون: الغفلة هي الغفلة، والتقصير هو التقصير، والمعاصي هي المعاصي، فهذا الغريب فينا نحن، أما هم فلا يذهبون إلى الكنيسة ولا يدعون الله إلا في مثل هذه الحالة، والله تعالى ذكر أن الكفار يدعونه في حال الشدة.

стр. 921

من لوازم التضرع الابتعاد عن المعاصي السؤال هل ينفعنا التضرع الآن ولا تزال المنكرات بيننا لم تتغير؟ الجواب هذا من ذاك، نريد أن نغير المنكر لا أن ندعوا الله ونُصِر على المنكر، لكن التضرع إلى الله يستلزم الإقلاع عما نحن فيه من المنكر، ولا شك أن من يدعو الله صادقاً بقلب خالص، ويبتعد ويتجنب معاصي الله ، ولا يقرب منها أن الله يستجيب له؛ لأن التضرع إلى الله لا يقصد به مجرد الدعاء فقط، بل يقصد به -أيضاً- الإقلاع عن الذنوب وترك المعاصي. يجب أن نصلي الصلوات الخمس جماعة حيث ينادى بهن، وأن نتلافى التقصير، ونقبل على قراءة كتاب الله ، وأن ننكر المنكرات، بل يجب أن نحيي شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيننا، في مجتمعاتنا وفي أسواقنا وفي مجالسنا وفي كل مكان.

стр. 922

من التضرع القنوت في الصلاة السؤال هل يكون التضرع أيضاً في القنوت في الصلوات كما قنت النبي ﷺ ؟ الجواب نعم، القنوت من التضرع، ولا بأس به -إن شاء الله- فإذا لم يُفعل جماعةً فنستطيع أن نفعله فرادى، والدعاء فرادى وفي جوف الليل والإنسان خال بربه من أرجى أنواع الدعاء، وكل منا يدرك ذلك -ولله الحمد- فافعلوه، وهل يضيرنا في شيء؟! بل هو والله خير لنا في الدنيا والآخرة، فهذا الدعاء خير لنا في معادنا وفي مآلنا بل نحتاجه، ونؤجر عليه، ونثاب عليه، كما في حديث رسول الله ﷺ ، بأن نُعطى ما دعونا أو نعطى من الخير مثله أو يُصرف عنا من الشر مثله، فالدعاء كله خير، وكله بركة، فإذا دعونا الله فلنستحي بطبيعة الحال أن نعصيه، بل يجب أن يجدنا حيث أمرنا، وأن لا يجدنا حيث نهانا، والله المستعان.

стр. 923

كيفية إنكار المنكر السؤال يواجه كثير من الدعاة حرج شديد عند رؤية المنكر التي تكون المرأة طرفاً فيه، كأن يرى امرأة متبرجة وهناك من يسير خلفها من أهل السوء إلى آخر المشاهد السيئة، فكيف يكون إنكار هذه المنكرات بالطريقة الصحيحة؟ الجواب مع أننا نقول بضرورة المبادرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه من أعظم أسباب الوقاية من العذاب، فإن ذلك لا يعني أن نتسرع في أي منكر فننكر بأي إنكار وبأي وسيلة، لكن كل شيء لابد أن نأخذ له أسبابه وطريقه الصحيح، ونعالجه بالحكمة، فالحكمة: هي وضع الشيء في موضعه، ومن ذلك أن نفكر في أسباب صادقة وجادة وبعيدة المدى في إنكار هذه المنكرات، فليس بالضرورة أن تستثار أعصاب الشاب أو حمية الغيرة لهذه المرأة بالذات، لكن يمكن أن نفكر كيف نقضي على هذا المنكر من مصابَّه ومنابعه. فأمامنا منكر عظيم جداً يجب أن نتنبه له، ألا وهو: التبرج والتعري الذي في أسواقنا مع قلة عدد الكفار الموجودين بالنسبة إلى مجموع السكان الآن، وسيكثر لمجيء هؤلاء مما قد يسهل لهم المجيء إلى بلادنا أكثر، فأقول: ستنفتح أبوابٌ للمنكرات أكثر، فلتكن نظرتنا أبعد من مجرد أن ننكر على هذه المرأة في السوق، وإنما نفكر كيف يمكن أن نغير هذا المنكر من أساسه، ولا سيما الإخوة الدعاة الذين لديهم الفكر وبُعد النظر، ولا يقصد بذلك أننا لا ننكر على أي امرأة بمفردها، فلنجتهد في ذلك، وعلى أية حال لا بد أن أتوقع الأذى ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]. ولا بد من الصبر؛ لأن الصبر مقرون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا بد أن نؤذى، فليس من الشرط أننا لا نخطئ فقد نخطئ وقد نؤذى ونحن لم نخطئ، فلابد من أن نؤذى في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولنتحملْ ذلك، وإذا قمنا به ونحن كثير -والحمد لله- فإن هذا سيدفع الشر -إن شاء الله- وسيقلل من المنكر، ولو لم يكن فيه إلا الإعذار إلى الله لكان ذلك أمراً عظيماً وخيراً كثيراً.

стр. 924

آثار أحداث الخليج على الصحوة السؤال ما أثر هذه الأحداث في الخليج على مسيرة الصحوة الإسلامية؟ وهل هناك من إيجابيات نأخذها من هذه الأحداث؟ الجواب أعداء الإسلام لا شك أنهم يريدون أن يقضوا على هذه الصحوة، وأن يذلوها ويستفردوا بها عن الأمة، ولذلك فلنتوقع ضعفاً ولو مؤقتاً، لمسيرة الشباب للإرباك الحاصل بين الشباب، والخلاف والحيرة الدائرة بينهم في التعامل مع هذه الأحداث، فكل ذلك مما يعيق مسيرة الصحوة، وقد يكون الأمر أكبر من ذلك أيضاً وقد يؤذى بعض الدعاة عموماً على مستوى الأمة، نسأل الله لنا ولهم العفو العافية. وأما الإيجابيات، فأنا أرى أنها أكبر وأعظم من السلبيات، بشرط أن يعرف الدعاة موقعهم في الأمة، وأن يتقوا الله ويقوموا بالواجب الذي أمرهم الله به، وأن لا يتخلوا عن واجبهم ومسئوليتهم، وعن ما يجب عليهم ويكلوه إلى غيرهم، فإذا أحسنا التعامل مع الأحداث والاستفادة منها فأنا آمل خيراً كثيراً فيها، لأنه ما من حدث وقع في الأمة الإسلامية من قديم، إلا وكان فيه خيراً لها والحمد لله. وإليكم على ذلك مثالاً: لمَّا جاء التتار كان فيه خيراً، فـ شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية، ومن كان معه من أهل الخير والعلماء وأهل السنة جميعاً، لم تظهر قيمتهم وفضلهم والتفاف الناس حولهم، إلا لما جاءت فتنة التتار، وجاهدوا في الله حق جهاده، فقد كان لهم خير وفضل، ولكن أقول: إن ذلك مما أظهرهم الله تعالى به. ومثال آخر: نور الدين وصلاح الدين ﵏ وأمثالهم، ما ظهروا في هذه الأمة إلا لما اشتدت الأزمات، فظهر أولئك الرجال الذين توكلوا على الله، وجاهدوا في سبيل الله ونصرهم الله، ونحن نتوقع أنه كلما اشتد الظلام فالفجر قريب، والآن نحن على الأقل في بداية الظلام الحالك، ولا يعلم مصيره إلا الله لكن نقول: إنه بإذنه تعالى سوف ينبثق من هذه الأمة شباب يؤمن بالله، ويجاهد في سبيل الله، ويعيد الحق إلى نصابه، ويكون لهم النصر على الكفار، مهما تألبوا وتكالبوا بإذنه ، وهذا لا شك لدينا، وهو مصداق ما أخبر به النبي ﷺ ، وما وعد الله تعالى به الطائفة المنصورة.

стр. 925

الاهتمام بأحداث الخليج لا يمنع من الاهتمام بكل الأحداث السؤال نلاحظ أن هم الناس ينصب على قضية العراق والكويت، ونسوا قضية أفغانستان وفلسطين بعد ما كانت همهم الأكبر؟ الجواب نحن المؤمنين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، فلا ينبغي أن تشغلنا قضية عن قضية، وإن كان بعضها أهم من بعض بلاريب، ولكن لضعفنا وتفرقنا وقلتنا، والقلة لا نعني بها الغثاء، فالغثاء كثير، لكن قلة من لديه البصيرة، كان هذا سبباً من أسباب أن الأمة تشتغل فتُلهى بقضية عن قضية، ولذلك أصبحت كالكرة يتراماها الأعداء، وكل ما انصرفوا إلى قضية شغلوهم بقضية أخرى، فلا شك أن ما نراه في الكويت أمر كبير وخاصة لأنه قريب منا، وأن تعطُّلَ الدعوة في الكويت، وتعطل منابع للخير فيها يؤثر على الدعوة في عامة العالم الإسلامي، ولا شك في ذلك، وهي جديرة أن يهتم بها، لكن لا يعني ذلك أن ننسى القضايا الأخرى. وانظروا إلى أعداء الله هؤلاء الذين لا تلهيهم قضية عن قضية؛ لأن لديهم التخصصات والاستشارات والدراسات الوافية عن كل مشكلة، وكل موضوع، وانظروا إلى الحرب النفسية التي يجعلوننا نعيش فيها، فرئيس الدولة في إجازة ونائبه في إجازة ووزير الدفاع في إجازة. شيء عجيب جداً!! لماذا مع هذه الأحداث؟ وخاصة أن عندهم في الداخل مشاكل وعندهم في أماكن كثيرة أمور لم تحسم ولم تحل ومع ذلك فإنهم بهذا الحال، لأنهم حقيقة أخذوا بسنة الله في التخطيط والدراسة والشورى، ولذلك لا تأتيهم الأمور صدفة، ولا تأتيهم قضية تشغلهم عن القضايا الأخرى. الجوانب الاقتصادية لها حسابها، والجوانب العسكرية لها حسابها، والجوانب السياسية لها حسابها، والمواطنون في إرتيريا لا ينسون ولا يغفل عنهم من أجل المواطنين في العراق، ووحدة ألمانيا والوحدة الأوروبية، ومشاكل كثيرة تُدرس وكلها على مستوى واحد وتنال حظاً من الاهتمام، وإن كانت لا ينالهم من الإعلام لأنه يستأثر بآخر القضايا. لكننا مع الأسف إذا جاءتنا قضية شغلتنا عن الأخرى. وخير مثال -والأمثلة توضح ذلك- ما ذكره مالك بن نبي ﵀ عندما ذكر أن حال هذه الأمة، مثل مصارعة الثيران، فالأمة فيها قوة ومقاومة، فالغرب جعلها كالثور الذي يصارع تلك القطعة الحمراء من القماش، فيتلاعب به كما يشاء، وينهك جهده ويذهب قوته دون أن يثمر شيئاً، فيطعنه في الأخير ويخر صريعاً ويموت، وهكذا يفعلون، يرون أننا نستنكر وأن مشاعرنا تثور وعواطفنا تستنفذ فيجعلون أمامنا قضية تستهلك كل قوانا. وإذا جاء أحد يذكرنا بغيرها لا يُنظر إليه مطلقاً مع أنه لا ينسينا إياها. تذكرون أيام الجهاد الأفغاني كان بعض الإخوة، وبعض الدعاة يقولون: لا تنظروا فقط إلى أفغانستان فالقضايا كبيرة والأخطار محدقة والمصائب من كل جهة، اهتموا ببناء قاعدة للإسلام في هذا البلد، وهو الأساس وهذا هو المنطلق، وما كان يُسمع إليه، وربما يتهم بأن هذا تثبيط أو تخذيل، فلما وقعت الواقعة هنا وإذا به يقال: كل الذي هناك يأتون إلى هنا، وننسى أولئك، فلا هذا ولا هذا. يجب أن تكون مواقفنا دائماً متزنة ومحسوبة ومدروسة -والحمد لله- فالمال وفير فنستطيع أن نعطي هنا وهناك، والإعانات والإغاثة كذلك، والطاقات -والحمد لله- لو وجهت ونظمت ورتبت فهي كثيرة، وأقول بهذه المناسبة: جزيرة العرب كانت معروفة بقلة سكانها وقلة مواردها سابقاً، أما الآن فعلى العكس فالموارد بها من أغنى بلاد العالم. لكن من ناحية العددية والطاقات الذهنية، هي هي في جميع القرون، هي التي أخرجت الصحابة الذين فتحوا فارس والروم، وهي التي قاومت الصليبين، فما هناك نقص في العدد بل هناك زيادة في المال، والعدد هو هو، فلو وجهت الطاقات والجهود في هذه الأمة في داخل الجزيرة، بل لا نقول في جزيرة العرب كلها، بل فقط المملكة، وأصبحت مسخرة لوجه الله في الإعلام والجيش وفي كل القطاعات من الرجال المؤمنين، توبة صادقة إلى الله ، واستقامة صادقة على أمر الله والكف عن كل ما حرم الله، وتوعية مستديمة وشاملة في العقيدة الصحيحة، وفي الإيمان الصحيح، وعن أعداء الله ، لغَيَّرنا والله العالم كله، وهزمنا العالم كله بإذن الله ، فليست هي قضية عجز؛ لأن فينا من الطاقات -ولله الحمد والفضل والمنة- معدن الخير ولا ينضب في جميع العصور، ولا نعدم الخير في هذه البلاد. أما الغفلة التي أكثر الناس غارقون فيها، فهي العائق أمام استغلال هذه الطاقات الهائلة لهذه الأمة، ومع ذلك توجهت بعض طاقات من شباب هذه الأمة إلى بعض المجالات، فتفوقت على أهل تلك البلاد في عدة مجالات، في الاكتشاف والبحث العلمي، وكذلك لما توجهت إلى بعض المجالات الجهادية فعلت ما لم تفعله أي بلاد أخرى، ولما توجهت إلى مجالات علمية أنتجت ما لم تنتجه أي بلاد أخرى، فهذه من رحمة الله ونعمته وفضله على هذه البلاد، ولكن نحن نتغافل عن هذه النعمة بالركون إلى الشهوات وملذات الدنيا، مما أورث لدينا الوهن ﴿حب الدنيا وكراهية الموت﴾ كما أخبر النبي ﷺ .

стр. 926

الفتنة في الفن لا التطرف السؤال في جريدة الشرق الأوسط في عدد يوم السبت الماضي ذُكر موضوع وخبر صغير ما معناه أنه قام كثير من الفنانين في مصر بـ القاهرة بعمل فيلم يتكلم عن الأزمة وعن السبب التي قامت من أجله هذه الأزمة وهو التطرف؟ الجواب سبحان الله! بدلاً من التضرع، أو من الكلام على التضرع، كان الكلام عن التطرف!! لكي يزيدوننا خسارة ووبالاً، ولا شك أن الأعداء يستغلون مثل هذه الأشياء، ويقولون: من أسباب المشاكل هو: التطرف، ومن عجيب ما بلغني أنه لما طُلب من بعض المستشارين أو بعض الناس، أن يكتب عن كثرة انتشار جرائم قطع الطريق، جعل من ضمن الأسباب التطرف الديني، فسبحان الله! فهم أعداء هذا الدين، وأعداء للدعوة، ويريدون أن ينتهزوا أي فرصة لإدخال هذا الشيء الذي يرون أن الناس يستنكرونه ويستفظعونه بحيث إنهم يضعون هذا العدو اللدود من ضمنه أو من أحد أسبابه. وليس بغريب على الفنانين الذين هم سبب المصائب، وسبب كل بلاء، بما أشاعوه في الأمة من الفحشاء واللهو والغفلة عن الله في التلفزيون وفي الصحافة والمجلات، واستأثروا بحديث المجالس كما قال بعض الشعراء من الوزراء، يقول: ' أصبح الحكام يغبطون الفنانين ولاعبي الكرة على هذه المكانة التي يحصلون عليها عند الناس '، ومع ذلك فهم الذين يرسخون جذور الفتنة والبلاء وأسباب النقم والعذاب في الأمة، ثم بعد ذلك يقولون: إن التطرف هو السبب، وإذا أتوا عند التطرف لا يقولون: تطرف حزب البعث، أو تطرف المفسدين في فسادهم، لا، بل يعنون به وجود هذا الشباب المؤمن الطيب الذي أكثره -كما هو الحال في بداية التمسك- إعفاء اللحية ورفع الثوب قليلاً عن الكعبين'.

стр. 927

تركيز النصح والإرشاد على من نزلت بهم المحنة السؤال إن الكثير من التذكير والنصح والإرشاد لوحظ أنه مقتصر على طلبة العلم والإخوة في الله وهذا شيء طيب، ولكن من حلت بهم المحنة أحق بأن يركز الدعاة في دعوتهم إلى التوبة والإنابة في كل حرب، ولأن وَقْع التذكرة في هذه الظروف أجدى من أي وقت آخر، ويا حبذا من توجيه هذه الدعوة إلى طلبة العلم الحضور، لكي يتوجهوا إلى الأماكن التي يوجد بها الإخوان الكويتيين ونصحهم؟ الجواب المحنة هي للجميع، فلا نتكلم نحن عن الكويت فقط؛ لأن المصيبة دائرة بالجميع وأحاطت بالكل، وإنما هؤلاء الذين أحاطت بهم المحنة هم أحق بأن تركز الدعوة عليهم، وبالنسبة لإخواننا الكويتيين في جدة فهذا شيء ضروري جداً، ولا يجوز أن نتخلى عنه من ناحية إغاثتهم بما يحتاجون من لوازم الحياة، ومن ناحية إغاثتهم مما هو أهم وأحوج، وهم أحوج ما يكونون إليه، وهو الإيمان والدعوة إلى الله ، والحمد لله هناك جهود رتبت لهذا الشأن، نسأل الله أن تأخذ دورها في التنفيذ - بإذن الله تعالى- من محاضرات، ومواعظ وغيرها، ولا شك أن هذا واجب علينا، ونؤكد عليه بدورنا.

стр. 928

طلب الدعاء السؤال الأخ يرى أن ندعو الآن؟ الجواب ما أرى أننا ندعو الآن، فأنا أقصد بالتضرع إلى الله أنها حالة دائمة، وإن كان لا مانع أن ندعو الآن جميعاً، لكن أقول: يجب أن نجعل هذه الحالة دائمة، فالتضرع نجعله حالة دائمة في كل الأحوال، ونحن بحاجة إلى الله في كل الأحوال، فنحن مذنبون في كل الأحوال ومقصرون، فلا نستغني عن الدعاء الآن وفي كل حين، ونسأل الله الإجابة، والله المستعان.

стр. 929

تعليق على صور للنساء في مجلة تايم السؤال هذه صور من مجلة تايم، وغيرها من المجلات، كما أشرنا وتشتمل على صور المجندات والنساء اللاتي قدمن مع هذه القوات؟ الجواب هذه من المصائب، نسأل الله أن يرفها ويدفعها عنا، هذا بلاء على بلاء، فوجود وقدوم هؤلاء لا شك أنه بلاء خصوصاً النساء بالذات، لأنه كما تعلمون، وكما هو واقع في وجود القوات الأمريكية دائماً في أي بلد، في بانكوك وفي أيام حرب فيتنام وفي غيرها. فأنا أقول: يجب أن نعرف هذا لأنه من الأمور البدهية وما ينازعنا فيها أحد إلا من كان مكابراً في البديهيات، أن الإنسان الأمريكي مستحيل أن يستغني عن الخمر والزنا والمخدرات فحياتهم هي هذه، وهذه هي متعتهم، وهذه هي شهوتهم، وهذا هو إيمانهم، فهم لا يؤمنون بالآخرة، ولا يحسبون لها أي حساب، فلا نستغرب أن ينزلوا إلى أي بلد إلا ومعهم الخمر والنساء، وما يسمونه الترفيه، كما قرأتم في الجرائد عن الآلاف من الكريمات والدهانات الحرارية التي وصلتهم حتى يدهنوا أنفسهم بها، فهذه هي حياتهم، وهل تظنون أنهم جاءوا من أجل سواد عيوننا أو تقديراً أو احتراماً لنا أو لديننا أو لتقاليدنا؟ طبعاً ما جاءوا من أجل ذلك، كما أنه أيضاً هل تظنون أنهم من أجلنا يتركون هذه الشهوات وهم لا يرجون عند الله شيئاً والله يقول: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] فأي شيء يرجون غير هذه الدنيا فقط؟! ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ [يونس:٧]. لكن نحن علينا واجب كبير، وواجب عظيم، كل واحد منا بما يستطيع، وهو أن ننبه وندعو ونطالب ونذكر بأي أسلوب نراه، وبكل مكان بحسَبِه، أن هذا البلاء إن لم يرفع كله فعلى الأقل أنه يُحد إلى أقصى حد، فهذا واجب، وإن لم نفعل ذلك فلا شك أننا أغضبنا الله . فهذه الصور المعروضة في المجلات مثلاً من شواهداً لحال، والصور في الواقع أكثر من ذلك. وتكلم بعض الإخوان، وكتبوا لنا بما هو أعظم من ذلك، وهذه المصيبة نسأل الله أن يدفعها، ويرفعها عنا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 930

موقف الفكر الإسلامي من العلمانية في هذه المادة تحدث الشيخ عن العلمانية مبيناً أصلها الناشئ من الخرافة والشرك، وأنها نشأت منذ العهد الأول بعد رفع المسيح، وذلك نتيجة التحريف وسيطرة الكهنوت على الدين والناس؛ حتى صار الأحبار والرهبان أرباباً يشرعون للناس من دون الله، ووضّح دور اليهود في نشأة العلمانية وانتشارها، كما وضح نشأة العلمانية الحديثة مع بداية النهضة الصناعية والثورة الفرنسية، وبين حفظه الله أن الإسلام دين عام وشامل لا تناقضه الكشوف العلمية ولا الحقائق الجديدة؛ لأنه دين الحق، كما بين أن نهضة أوروبا العلمية مستقاة من المسلمين، ولذلك فتاريخهم العلمي بدأ منذ الفتح الإسلامي للقسطنطينية.

стр. 931

العلمانية خرافة يدمغها الحق إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: قبل أن نبدأ في الموضوع أريد أن أنبه على بعض الأشياء وقد تكون شكلية، ولكن نحن المسلمين يجب ألا نفرق بين الشكل والمضمون، بل لا بد أن نلتزم ما أمكن بهما معاً. فالعنوان (موقف الفكر الإسلامي من العلمانية) ولنبدأ القضية من العنوان نفسه. فاختيار العنوان لا يقصد به عقد مقارنة بين فكرين متقابلين، لكن لعل هذا يشعر بذلك. إن موضوع الفكر الإسلامي ينبغي أن نطرحه دائماً على أنه وحي أنزله الله ﵎، وعلى أنه أمر ممن لا يضل ولا يخطئ، أنزله الله الذي يعلم السر في السماوات وفي الأرض، وبلغه الأنبياء المعصومون عن الخطأ في التبليغ عن الله . يقابل هذا الوحي: الهوى والجهل والخرافة والأساطير، وما شئت من مسميات! فلتكن بأي شعار، وبأي اسم، وفي أي زمان، وفي أي مكان، فما لم يكن من الوحي فهو هوى وجهل وخرافة، إلا فهماً يؤتاه المؤمن من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ولو نظرنا إلى العلمانية من هذه النظرة، لوجدنا أن القضية قضية توحيدٍ دعا إليه الرسل جميعاً ونزلت به الكتب جميعاً، يقابله شركٌ وجهل وجاهليةٌ وخرافات وردود فعلٍ بشرية، جاءت في فترات معينة في قومٍ معينين، لا يصلح بأي حال أن يكون مبدأً أو منهجاً يسير عليه البشر جميعاً في كل مكان، ولا سيما من كان الوحي النقي بين أيديهم وفي متناولهم، ويقرءونه ويتلونه ليلاً ونهاراً، فمن هذه القضية يبدأ الموضوع. إن الله إنما أرسل الرسل لدعوة الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وذكر الله في كتابه أن الأنبياء جميعاً بعثوا ليقولوا: ﴿أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] وفي الآيات الأخرى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] فمعنى (لا إله إلا الله) عبادة الله واجتناب الطاغوت، وهي التي ذكرها الله تعالى أيضاً عقب آية الكرسي: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦] فهذه كلها تدل على معنى شهادة (لا إله إلا الله) التي جاء بها الأنبياء جميعاً، فأي مجتمع يؤمن بها ويقيمها ويعرف معناها لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون مجتمعاً علمانياً، أو أن يقبل العلمانية، لأن القضيتين متضادتين متناقضتين، لايمكن أبداً أن تتفقا. إنها ظروف تاريخية وملابسات معينة لا أطيل بشرحها، ,إنما أختصرها في كلمة واحدة، وهي الخرافة، فالخرافة هي سبب العلمانية، سواء في أوروبا أم في بلاد المسلمين! وأعني بالخرافة أن يختلق البشر صورةً يتزينون بها من البدع ومن الضلالات غير ما شرع الله ، فعندما تنتشر الخرافة في أي مجتمع؛ فإن هذا المجتمع يقبل العلمانية، ويمكن أن يتحول إلى علمانية جزئية أو كلية بحسب تقبله للخرافة أو مقاومته لها. والعلمانية إذا حددت بالاسم وقيل: العلمانية فإنها تعني: المذهب الفكري المعروف، وهو مذهب نشأ في أوروبا وهي قارةٌ مظلمة، ولم ولن تخرج من الظلمات أبداً وهم يطلقون على فترة من تأريخهم قرون الظلمات، وكأنهم الآن في النور، والواقع أن أوروبا لم تخرج من الظلمات مطلقاً ولن تخرج منها إلا إذا آمنت بالله وحده، واتبعت دينه الذي هو الإسلام الذي لا يقبل الله ديناً غيره، فـ أوروبا تتخبط من جهلٍ إلى جهلٍ، ومن ظلمات إلى ظلمات، وعندما نشأت فيها هذه الفكرة، ما كان ذلك نتيجة تفكير منطقي علمي مجرد، كما يوهم الاسم أو يشعر، ولا يمكن على الإطلاق أن يكون العلم الحقيقي أو التفكير الحقيقي مضاداً لما أنزل الله ﵎، وإنما نشأت كردود فعلٍ طويلة ولو حاولت أن أعرضها عليكم، لكان معنى هذا: أن نعرض تاريخاً طويلاً يمتد من سنة (٣٢٥م) على الأقل إلى الآن، أي منذ أن اعتنقت الامبراطورية الرومانية ما يسمى بالمسيحية وحتى الآن.

стр. 932

عوامل نشأة العلمانية في أوروبا لقد نشأت أوروبا في الخرافة وعاشت فيها، ومن هنا اتجهت إلى خرافة العلمانية.

стр. 933

دور العلمانية في الفكر النصراني أرسل الله عيسى ﵇ بما أرسل به الأنبياء جميعاً، كما قال تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] ولا يمكن أن يدعو نبي إلى الشرك أبداً، فكيف نشأ الشرك في دين النصارى؟ أول ما حدث في دين النصارى أن عيسى ﵇ رفعه الله تعالى إليه قبل أن يقيم مجتمعاً إسلامياً، فقد بُعِثَ ﵇ في فلسطين، وهي جزء من مستعمرات الامبراطورية الرومانية الكبيرة، وكانت الامبراطورية الرومانية لا تريد أن تتدخل في قضية العلاقة بين المسيح وبين المجتمع اليهودي الذي بعث فيه، لأن القضية قضية داخلية، والامبراطورية تحرص على أن توحد الأمة أو الولايات تحت حكمها، وهذا رجل جاء في ولايةٍ جزئية بدعوةٍ داخليةٍ محددة إلى بني إسرائيل. ومن هنا نشأت قضيتان: القضية الأولى: قضية أنها لم تقم دولة، وهذا ما جعل العلمانية تبدأ جذورها وبذورها في فكر القوم، فعندما لم يقم المسيح ﵇ دولة منفصلة مستقلةٍ جهادية كما فعل النبي ﷺ ، كانت هذه بذرة تلقائية للعلمانية بلا شعور؛ أي: يمكن أن يوجد الدين ولا دعوة له ولا جهاد فيه. والقضية الأخرى: أن تتحول هذه الديانة من قضية دعوة محلية لقومه خاصة، إلى دين الامبراطورية تحكم شعوباً كثيرة، وهي ربما كانت أكبر امبراطورية آنذاك في الأرض، هذه النقلة بعيدة جداًَ؛ لأن قومها الذين بعث فيهم المسيح لم يقيموها في أنفسهم، فكيف تقوم على مستوى أكبر من ذلك؟! فلا بد أن يضيق نطاق التشريع والأحكام عن استيعاب الأحكام في العالم، والله اختص محمداً ﷺ بأن دينه هو الدين الذي يهدي العالمين جميعاً، فالاعتراض ليس على كون الإنجيل لم يأت بأحكام للبشرية جميعاً، ليس هناك اعتراض على هذا إطلاقاً، ولكن أهل الإنجيل محددون بأنهم هم أهل التوراة نفسها -أي اليهود- ومع هذا كله لم يصل الدين -كما هو في الإنجيل الذي أنزله الله- إلى أوروبا، فحصل أيضاًَ خطأ أكبر.

стр. 934

التحريف والتلفيق في الديانة النصرانية وكان سبب تحريف الدين هو بولس، ولذلك نجد المؤرخين الغربيين يعرفون المسيحية فيقولون: إنها تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: المسيحية اليسوعية، أو مسيحية يسوع أي: عيسى ﵇، ويقولون: بدأت عام كذا وانتهت عام كذا بالتحديد، وهذه مسيحية مستقلة. القسم الثاني: المسيحية الرسمية: سميت بالرسمية لأن قسطنطين تبناها وجعلها ديناً رسمياً للدولة، وبولس هذا رجل يهودي على الأرجح، اسمه اليهودي شاول، دخل في النصرانية ليفسدها، وكان هو -كما في رسالة أعمال الرسل المطبوع مع الأناجيل- يعذب المسيحيين -أي: المؤمنين بالمسيح- الموحدين عذاباً شديداً، ثم انقلب فجأةً، وأعلن أنه كان سائراً إلى دمشق لتعذيب المسيحيين، وإذا بالنور يخاطبه من السماء -وهي خرافة- ويقول له: أنا ابن الله أو نحو ذلك، فكيف وإلى متى تضطهد أتباعي؟! قال: فعرفت أنه المسيح، فرجعت وآمنت. وبدأ يدعو إلى المسيحية، فانقسم الناس تجاهه إلى قسمين: أما المضطهدون ففرحوا لأن الاضطهاد رفع، فهذا المضطهد تحول إلى معين وإلى داعية، فكان هذا شيئاً رائعاً بالنسبة لهم، وأما الذين هم على العقيدة الصحيحة، فتعجبوا أن هذا الرجل يرى هذه الرؤية-كما يزعم- من السماء، وأصبح يدعو إلى دين كامل، ليس هو الذي عرفوه عن المسيح ولا الذي في الإنجيل، فبدأ يبرمج ويمنهج، ويشرع تشريعاً من عنده، فيقول: هذا يجوز وهذا لا يجوز، وأخذ يرسل الرسل الذين يسمونهم رسلاً في الإنجيل (العهد الجديد)، فبعث هذا إلى الحبشة، وهذا إلى قبرص، وهذا إلى الإسكندرية، وبدأ ينظم لهم الدعوة بشكلٍ عجيب!! كيف هذا؟! ومن أين أخذ هذا الدين؟! ومن أين جاء به؟! وهكذا ظلت المعركة قائمة على أشدها. ثم كُتبت الأناجيل، وأقدم نص موجود للإنجيل كُتب عام (٢٠٩م) وإذا كان المسيح ﵇ رفعه الله ، وهو يبلغ الثالثة والثلاثين -كما يقولون- ولعلها تكون فوق الأربعين والله أعلم. المهم أنه بعد المائتين كُتب أول إنجيل، وهو عبارة عن سيرة رآها صاحبها، قال: عندما رأيت الناس يكتبون عما سمعوا عن الكلمة -أي المسيح- فأحببت أن أكتب إليك ياعزيزي ساوفيلد بما رأيت وبما سمعت وبما بلغني من الناس الذين عاشروا الكلمة -أي المسيح- فكان مؤلف الإنجيل يقول: 'أنا إنسان أكتب أشياء بلغتني سمعتها عن المسيح' وما قال: إنها كتاب الله، ولا أنزلها الله أبداً. وهذا موجود الآن بنصه في مقدمة الإنجيل. وفي القرن الثالث -حوالي الثلاثمائة- كتب إنجيل يوحنا وهو أخطر الأناجيل، ونُص فيه بصراحة على أن الآلهة ثلاثة! أي: عندما تبنت الدولة رسمياً عقيدة بولس، وضع إنجيل يوحنا الذي يتبنى أيضاً بشكلٍ قطعي أن التكليف هو الشرك والعبادة، ثم استمرت البدع والانحرافات طويلاً. وكانت ديانةٍ -كما سماها الغربيون- تركيبية، ركبت من فلسفات عديدة لا مجال للتفصيل فيها، أخذت الثالوث من الأفلاطونية الحديثة، وأخذت قضية الصليب الذي يصلب فداءً عن غيره من المسرائية وهي دين وثني كان يدين به بولس، وأخذت أيضاً من التوراة المحرفة بعض الأمور، وهم يرجعون إليها كشريعة لهم، وهكذا تجمعت خرافاتٌ وأفكارٌ وأراءٌ فلسفيةٌ، وسمي الدين الرسمي للدولة باسم المسيحية. وأكبر رجل -كما قلنا- بولس اليهودي ومن جاء بعده، واعتنقت أوروبا هذا الدين، واستمرت عليه. ثم بُعث محمد ﷺ ، وكتب -كما نعلم- كتابه إلى هرقل عظيم الروم، وذكر فيه الآية من سورة آل عمران: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤]. وأنزل الله قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١] وأنزل الله أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤]. وكثير من الآيات؛ وخاصةً في سورة آل عمران التي نزل فيها أكثر من ثمانين آية في شأن نصارى نجران، وهي تعالج قضية انحراف النصرانية. وعندما بُعِثَ النبي ﷺ كانت أوروبا مشركة؛ لأنها لا تقيم حكم الله ولا دينه، فهي تعبد المسيح وهو بشر وليس إلهاً، وتعبد الأحبار والرهبان، وذلك شرك في الاتباع، وكانت تتبع القوانين الرومانية التي سنها جوستنيان وغيره، بل كانت مشركة في كل أمورها حتى في قضايا الأخلاق، فكانت حتى الأخلاق مستمدة من الأعراف، أو مستمدة مما يضعه الأحبار والكهان ورجال الدين.

стр. 935

بدعة الرهبنة ومن البدع الشديدة التي ظهرت في المسيحية، وهي كثيرة -كما ذكرت-: بدعة الرهبنة، وقد ذكر الله في كتابه: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:٢٧] هذه الرهبانية تفصل علنياً وواقعياً بين الدين والواقع، وبين الدين والحياة، فوضعت المسيحية المحرفة الجزئية الإنسان بين طريقين لا خيار له فيهما: إما أن تدخل في ملكوت الله، فتذهب إلى الدير تتعبد عبادة صارمة مقننة، يشرف عليها رجالٌ غلاظٌ شداد، يبتدعون ما شاءوا، ويفرضونه بالقوة: كذا كذا ترنيمة، وكذا كذا ترديده، وكذا من العشاء الرباني إلخ! وغيرها من الخرافات التي يُملُونها على دينهم إملاءً، ومن أراد الدنيا فليطرد من ملكوت الله؛ لأنه يريد الدنيا -ويريد التزوج، وهو أمرٌ ترفع عنه المسيح ويترفع عنه رجال الكنيسة- ويريد أن يحرث الأرض -كما كان حال الشعوب الأوروبية- وهذا شغل دنيوي حقير، فالرجل الذي يعبد الله يأتيه الرزق وهو في الدير، تأتيه الهبات، وتأتيه الصدقات، وليس محتاجاً إلى أحد، فهي جبرية بالمعنى الإسلامي، فالكنيسة شرعت مع الرهبانية جبريةً معينة.

стр. 936

ركود الحياة الأوروبية ظلت الحياة الأوروبية راكدة قروناً طويلة؛ العمال يعملون للنبيل، والنبيل يجمع الأموال ويعطي الخدم، والنبيل يجهز من الخدم -من الرقيق- جيشاً للحملات الصليبية التي كانوا يشنونها علينا، يجهزها ويعطيها للامبراطور، والامبراطور يرى أنه مادام النبيل أرسلها إلى مسئول الإقطاعية، فالوضع ثابت، والامبراطور أسرته ثابتة تتوارث الملك، والكنيسة نظام ثابت يتوارث أصحاب المناصب والكراسي في ترقٍ هرمي، فكل أسرة ثابتة في عمل ما تتوارثه، هذا في الدير، وهذا في المزرعة، وانتهت القضية. ومرت قرون والحياة ثابتة راكدة، ومرت على أوروبا فترة ظلمات أشد عندما جاء ما يسمى النورمانديون -شعوب الشمال- وكلها شعوب همجية، فاحلتوا روما، أي احتلوا الكنيسة الغربية ونقضوها، وأما الكنيسة الشرقية في القسطنطينية فبقيت نصرانية، أما الكنسية الغربية ودولها مثل إيطاليا، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا؛ فبقيت قروناً طويلة لا تعرف كتابةً ولا علماً على الإطلاق، وكل رأس مالها من العلم كتب كتبت قبل الغزو، يقرؤها بعض الآباء (الكرادنة) فقد كانت مفلسةً تماماً من العلم. ويعتبر الأوروبيون بداية التاريخ الحديث هو فتح القسطنطينية، لماذا؟! هل ذلك يعتبر لنا نحن لأننا فتحنا القسطنطينية؟! لا!! إنما لأنهم يقولون: إنه عندما فتحت القسطنطينية، وأعطى محمد الفاتح الأمان لمن فيها من النصارى، هاجر العلماء الذين كانوا موجودين في القسطنطينية إلى روما وإلى الكنيسة الغربية، واستبشر أصحاب الكنسية الغربية بالقضاء على الكنيسة الشرقية، وإن كان المسلمون هم الذين أخذوها، فانتقلوا إلى هناك، فقالوا: بدأ العلم وبدأت الحضارة، والحقيقة أن أوروبا تريد ألا يكون لنا فضل عليهم. وهناك قضية انتقال الحضارة الإسلامية إلى أوروبا عبر الأندلس، وعبر إيطاليا، وكانت جامعات إيطاليا تدرس باللغة العربية، وكان فريدريك الثاني أكبر امبراطور في العصور الوسطى الأوروبية -كما هو معروف- وهو الذي كان في عصر الكامل الأيوبي، وجاء إلى الكامل الأيوبي، وتقابلا في فلسطين وتخاطباً باللغة العربية الفصحى بدون مترجم، لأن فريدريك تعلم اللغة العربية، وكان من المفروض أن أي مثقف لا بد أن يتعلم اللغة العربية، وإلا فلا يعتبر مثقفاً، فكان جنوب إيطاليا مركزاً لانتقال الحضارة الإسلامية إلى أوروبا. ومع ذلك لا تعترف أوروبا بهذا، ولا يهمنا أن تعترف، فهو أمر طبيعي، لكن الشيء العجيب أن أوروبا جاءها الإسلام بحضارة كاملة، وتراث علمي كامل، فاختارت رجلاً هو الآن عندهم أعظم رجلٍ في فكرهم من غير الأوروبيين، وهو ابن رشد الذي يسمونه أَفِيروس، وكيف لا وهو الرجل الذي جاء بكتب أرسطو وترجمها؟!! فهذا هو الانتقاء الذي انتقته أوروبا، ونحن أخذنا علمانيتها كاملةً ولم ننتق! وبدأ عندهم ما يسمى بالعلوم الإنسانية، والتسمية نفسها -مع الأسف نحن نقلناها- سميت لأن العلم كان من وضع رجال الدين، كانوا يضغطون على العلماء، ويتحكمون في كل شيء، وكان العلم هو ما يقوله رجل الدين، سواء حدثنا عن الأرض أم عن الكون أم عن التشريع، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] فكل ما يقوله الحبر أو الكاهن فهو الدين والعلم. أما الذين ارتدوا إلى الجاهلية الإغريقية فقد جاءوا بالفكر الإنساني كمقابل للفكر أو العلم اللاهوتي، وقالوا: هذا فكر إنساني، وهو يطلق على علم الاجتماع، وعلم النفس. وهذه العلوم -حتى هذا الوقت- لا تزال في أوروبا وقد استوردناها منهم، وفي كثير منها نظريات تتصادم مع الإسلام، وفي الغالب لا نجد كُتَّاباً مسلمين متخصصين يكتبون هذه القضايا من خلال الإسلام. وبدأ ما يسمى بعصر النهضة وبدأ الصراع بين الدين وبين الفكر الإنساني كما يسمونه.

стр. 937

الصدام بين العلم والكنيسة ننتقل إلى مرحلة أخرى وهي مرحلة العلم التجريبي الذي استفاده علماء أوروبا من المسلمين، وبدءوا يجربون وينظرون للكون نظرة تجريبية، ومن حكمة الله وقدره أنَّ النظريات الكونية سبقت النظريات الإنسانية. فإن مجال النظريات الكونية هو العقل، قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [يونس:١٠١] ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام:١١] والآيات كثيرة ومعروفة. فالنظر في الكون هو من شأن الإنسان ومن شأن العقل، ولكن النظر في الإنسان ونفسه واجتماعه وتشريعاته، فهذا ليس من شأن البشر، فقد قدر الله أن أول ما يصطدم مع خرافات النصارى هو النظريات الكونية، فظهرت التجارب العلمية قليلاً قليلاً، كان منهم جاليليو الذي قال -وهذه كلمة ليست سهلة عندهم-: (إنَّ الأرض تدور) فيترتب على ذلك مصائب كثيرة جداً. وحتى ندرك الفرق بين النظرية ذاتها في الإسلام -صحت أم لم تصح- وبينها في دينهم، أنه إذا بطلت الخرافة؛ فمن الطبيعي أن ينتهي الدين الذي يحمل هذه الخرافة، لكن دين الله وحي منزل كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء:٤٥] والجانب العلمي البشري منه متروك للإنسان، فليخطئ الناس إذا قالوا: تدور مثلاً، أو قالوا: لا تدور، فهذا لا يمس الدين نفسه، لكن رجال الكنيسة شعروا بأنَّ مجرد أية نظرية تخرج عن غير ما قرروه هم، أنَّ هذا بداية الخروج على الكنيسة، ولو خرج الآن شبراً، فسيصل بعد ذلك إلى ذراع، ثم سيكون الخروج الكلي وهو ما حصل فعلاً! فبدءوا بتعذيب جاليليو، حنى قتلوه في الأخير. ثم جاء رجل كان له دور أخطر وهو كوبرنيك وقال: 'إن مركز الكون هي الشمس، وأن الأرض تدور، وهي كوكبٌ تابعٌ للشمس' وهو قد قرأها في كتب قديمة، وطالع فيها كثيراً عن علماء المسلمين حيث ذكروا حجم الشمس وأنها أكبر من الأرض -وهذا معروف ولا مجال الآن لذكره- المهم أنَّه قال هذه الحقيقة، فقال أعضاء الكنيسة: لو قلنا: إن الأرض كروية، لكان الناس الذين في النصف الثاني من الأرض يمشون وأرجلهم فوق، وهذه أفكار شيطانية! الغريب أن كوبرنيك نفسه كان قسيساً! وكذلك نلاحظ أن أبطال أوروبا في الفكر أكثرهم كانوا قسيسين وأبناء قساوسة؛ وذلك لأن السيطرة العامة على أي شيء اسمه العلم أو الكتابة كانت بيد الكنيسة، ولذلك لا يتخرج إنسان متعلم إلا وهو قد تربى في دير أو في كنيسة. ولم يكتفوا بذلك؛ بل جاءوا بهذا القسيس العاق كوبرنيك فهددوه بالتعذيب والقتل فاعترف أمامهم بأنَّ هذه فكرة أوحى له الشيطان -لعنه الله- بأن الشمس مركز الكون، وإنما الشيطان هو الذي سوَّل له فكتب ما كتب! ولا زال هذا الكتاب محفوظاً وهو علمي على قدر عصرهم، هكذا اضطر أن يعترف في المحضر: أن الشيطان جاءه في النوم وأوحى إليه بذلك وها هو يتوب ويعود إلى الإيمان والدين! فهذه كانت مرحلة مهمة، ثم تتالت بعدها المراحل فتطور الأمر -لأن الخرافة لا تثبت- بعد كوبرنيك، وجاء نيوتن، ونظريته بسيطة وهي: نظرية الجاذبية، وهي مبسطة ومعروفة لنا جميعاً بأن الكائنات أو الكواكب جميعاً تتماسك بفعل الجاذبية، فهذه نظرية ليس فيها إشكال، ولا يترتب عليها أية إساءة للدين، وهو تفكير عقلي وطبيعي، فنظرية نيوتن نظرية بشرية لا إشكال فيها، إلا أن الكنيسة اعتبرت هذه خارقة أعظم من مصيبة كوبرنيك، وأعلنوا في منشورات وزعوها في طول أوروبا وعرضها أن هذا ملحد وكافر الخ. بينما هو يعلن أنه مؤمن بالله وأن هذا لا يتعارض مع الإيمان، المهم أنه أعطى ما يسمى تفسيراً فهو لاحظ أنَّ الكون متناسق ومستقيم بطريقة ميكانيكية.

стр. 938

الاستغلال اليهودي للصراع بين العلم والكنيسة هذه النظرية -نظرية نيوتن - أوحت إلى أناس متربصين بالدين وهم اليهود باستغلال هذه الفجوة بين العلم وبين الدين، فظهرت نظريات تقول: ألا يمكن أن يأتي مقابل الميكانيكا الكونية ميكانيكا بشرية، بحيث تسير حياة الإنسان وفقاً للعلم أو لنظريةٍ ما؟! هذه القضية شغلت كثيراً من علماء أوروبا الهاربين من الكنيسة، فبدأ الهجوم على الدين ولكن بطريقة الهجوم على رجال الدين، فإنه لم يكن بإمكانهم في ذلك الوقت أن يهاجموا الدين، أي أن يهاجموا الإنجيل. ومعروف في الأدب الأوربي أن القصص والأعمال الأدبية كثيرة وموضوعاتها تتمحور في أمرين: الأمر الأول: رجل الدين الذي يتظاهر بالدين والخشوع في الدير، ويبكي ويقرأ الإنجيل، ولكنه في السر يرتكب الفواحش، ويزني مع الراهبات، ويأكل الربا، ويفعل الموبقات إن عادة الناس أنهم يقرءون الأدب لأنه يثير النزعة الإنسانية -كما يسمونها- فيقرءون الأعمال الأدبية، فتعطي ردة فعل وتصوراً معيناً -لكن ليس تصوراً علمياً ضد الدين- وإنما هو ضد رجال الدين. الأمر الثاني: العطف على البغايا! وهذا أصبح منهجاًَ معروفاً في الأدب الأوروبي، فهناك أعمال أدبية كثيرة معروفة موضوعها المرأة البغي التي لجأت إلى البغاء، نتيجة ظروف اجتماعية قاهرة وأوضاع سيئة ومشاكل، لكن مع أنها بغي وأنها تضحي بعرضها وشرفها لمن شاء، لكنها محترمة لأنها لا تسرق، وأخلاقها ومعاملاتها طيبة، وكذا وكذا، هذه الصورة تعرض مقابل ما يعلمه الناس جميعاً -وأولهم الكرادنة والقساوسة- عما يدور في الأديرة من الفواحش ومن الموبقات! والذين درسوا الأدب الإنجليزي والعربي من مُجَّان شعراء العرب كانوا يدخلون الأديرة فيجدون هناك الملذات والشهوات والمحرمات والموبقات والعياذ بالله! وكذلك في أوروبا عندما جرت حروب بين البروتستانت والكاثوليك كان البروتستانت يدخلون إلى بعض الأديرة ويخرجون منها رفات وعظام أطفال الزنى -المولودين بالزنى- الذين رمتهم الراهبات والقساوسة تحت الأرض، فأخرجها البروتستانت ليبرهنوا على انحراف الكاثوليك، وكأنهم هم ليسوا منحرفين! فالعطف على البغايا أيضاً كان اتجاهاً في هذه المرحلة ومن أشهر هذه الأعمال كتابات الرجل الأوروبي ديجرو الفرنسي الذي كتب دائرة المعارف لتحل محل الإنجيل، وكان ذلك في القرن الثامن عشر، وأما من مضى فكتبوها دائرة معارف عامة ليستغنوا عن علم اللاهوت بها، وديجرو هذا له قصة كبيرة جداً اسمها الراهبة، وسميت بعد ذلك المتدينة، وهناك أعمال كثيرة من هذا القبيل. فهناك الاتجاه الإنساني أو الأدبي أو الاجتماعي يسير مع الصراع العلمي بين العلم وبين الكنيسة، حتى جاءت الثورتان المتقاربتان: الثورة الفرنسية وهي ثورة بالمعنى الصحيح، والثورة الصناعية.

стр. 939

الإعلان الرسمي للعلمانية الثورة الصناعية هي عبارة عن تحول اجتماعي كبير، نشأ بظهور الآلة واستخدامها، وأدى إلى تحولات وفجوات وخلخلة كبيرة جداً في التاريخ الأوروبي، وهذه الفجوات وهذه الخلخلة أدت إلى نجاح الأفكار التي كان العلم يدعو إليها قديماً، والثورة الفرنسية هي التي أوجدت أول ثورة علمانية بالمفهوم المعاصر للعلمانية، وإلا فالشرك قائم وقد وقع منذ قوم نوح ﵇، لكن بالمفهوم الذي يردد الآن أن أول دولة علمانية كانت فرنسا وذلك بالثورة الفرنسية، وخرجت الجماهير تهتف وتصرخ وتقول: 'اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس' أي تدلل على الاقتران والتعاون على الظلم الذي حصل بين رجال الدين وبين الأباطرة، ورجال الدين كانوا أشداء حتى على الملوك، وقضاياهم في التاريخ معروفة ومنهم - أي: الملوك- من ذهبوا إلى البابا يستعطفونه، ومشوا على الحجارة أياماً وليالي، ووقفوا لابسي الخيش في البرد الشديد، يستعطفون البابا ليرحمهم، لكنه الاستغلال الذي كانت تمارسه الكنيسة، فقد غيرت دين الناس وحولتهم من دين إلى بدع، وغيرت الملوك، وحرقت العلماء، ودمرت الحياة تدميراً كاملاً، وأخذت العشور من الناس، بل وأكثر من العشور في كل ما يزرعونه وما ينتجونه، ومن جهة أخرى كان كل ما يمكن أن يرتكب من الموبقات فعله رجال الدين، فالثورة الفرنسية خرجت وهتفت باسم هذا المبدأ، وأعلنت أنها دولة لا دينية وأن الجميع فيها سواسية فلا دين ولا غيره يفرقهم، وكان اليهود هم الأكبر ربحاً من هذه القضية. وكان عند رجال الدين أن أي شيء يخالف الوحي فهو خرافة، فخرافة دارون هذه جاءت نتيجة -كما ذكرنا- ما قاله نيوتن، وهي أن دارون جاء بنظرية ميكانيكية عن الكون، فهل نستطيع أن نأتي بنظرية ميكانيكية عن الإنسان؟ قد يقول قائل: نيوتن فسر كيفية أن الأجرام تتناسق في السماء، ولا يمنع أن يكون الذي جعلها على هذه الكيفية هو الله، فلماذا لم يقل النصارى: إن الله خلق الإنسان كما أراد، لكن عملية خلق الحيوانات جميعاً أو السجل الجيولوجي كله من أوله إلى آخره، أراد الله أن يكون الخلق متطوراً بهذا الشكل -مثلاً- في داخل نطاق النظرة الأوربية، لِمَ لَمْ يحصل هذا؟ نأتي هنا إلى قضية هامة وهي أن في الإسلام، أن آدم ﵇ أول الخلق، وأن جميع الأنبياء هم من ذريته، ولا إشكال في هذا الموضوع، لكن عند الكنيسة هذه القضية خطيرة جداً، لماذا؟ لأن الدين النصراني عندهم فقط قضية الصلب والفداء التي سببها خطيئة آدم، والخطيئة أنه أكل من الشجرة، ولكن الله -تعالى عن ذلك علواً كبيراً- ضحى بابنه الوحيد ليكفر عن الجنس الذكري من هذه الخطيئة، فأنزل ابنه وقتل -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- لكن إذا قلنا كما تقوله نظرية دارون: أن الإنسان تطور تطوراً طبيعياً، وظهر ووجد بشكل تلقائي من الخلية إلى الكائنات العضوية واللافقاريات إلى القرد إلى شكل إنسان، كما تقول النظرية حلقة مقطوعة، كان الإنسان على هذا الكلام ليس هناك آدم، وإذا لم يكن هناك آدم فالمصيبة أنه إذاً: ليس هناك خطيئة، وليس هناك صلب، وليس هناك فداء. إذاً: فمن حق الكنيسة -من وجهة نظرها- أن تستميت الاستماتة الكاملة في دفع النظرية -نظرية دارون - لأنها تهدم بها المسيحية هدماً تاماً، فإن الاعتقاد بأنه لم يوجد آدم معناه أنه لا يوجد مسيح ولا يوجد صلب ولا يوجد فداء، إذاً: ما بقي من الدين -دين النصارى- شيء. فترتب على هذا أن الكنيسة قاومت نظرية دارون مقاومة شديدة، وجاء الصحفيون والهدامون والعلمانيون من كل ناحية، وأشاعوا نظريته بشكل رهيب لم يحلم به دارون، وربما لم يخطر له على بال، والعجيب أن لامارك وبوتيه وعدة علماء أو باحثين -كما يسمون- حاول كل واحد منهم أن يأتي بنظرية قريبة من نظرية دارون أو مؤدية إلى نظريته إلا أنه لم يكتب لها الشيوع، لأنهم أشاروا أو ذكروا أن الله اقتضت حكمته هكذا حتى لا يفاجئوا أن يصدمهم المجتمع أو تصدمهم الكنيسة. ونظرية التطور اعتنقتها أوروبا وعممتها على كافة الحياة؛ لأنها استندت على فكرة التطور العلمي، التي جاء بها أوجوف كوم قبل دارون بأكثر من ستين سنة، في مطلع القرن التاسع عشر، جاء وقال: ' إن العلم البشري مر بثلاثة مراحل: مرحلة الخرافة والشعر، ومرحلة الدين، ومرحلة العلم'. هذا التطور إذا نظرنا إليه بالنظرة المنطقية، وجدنا أنه: بدأ بمرحلة الحيوان، ثم مرحلة الدين، ثم مرحلة العلم، فهذا التطور الفكري الذي تخيله أوجوف كوم، أصبح حقيقة دعمتها التجربة ودعمها المعهد، ونعرف جميعاً ماركس كيف ركب نظرية المادية من نظرية التطور لدارون وقال: بأن المجتمع يتطور من خلال مراحل الاستكش -المراحل الخمس- الشيوعية. والشاهد أن الديمقراطية والإنسانية ونظريات علم النفس ونظريات الاجتماع كلها ركبت على هذه الخرافة، ومن هذا أن التجارب تجري على الكلاب وعلى القرود وعلى الفئران وعلى أي حيوان، ويراد أن يفعلَ بالإنسان ما طبق على الفأر أو القرد أو الضفدعة! هكذا وصل الأمر إلى انهيار معنى الإنسانية، وهبوط هذا المعنى، وظهرت الديمقراطية نتيجة للاحتكاك الذين أحدثته الثورة الصناعية وهذه الأفكار، ونحِّي الدين تنحية كاملة، ونحيت النفس الإنسانية، وأقيمت الدولة العلمانية على منهج بشري، أي: على منهج الهوى والخرافة كما قلنا.

стр. 940

علاقة العلمانية بالخرافات والخزعبلات ولو نظرنا كيف دخلت العلمانية إلى العالم الإسلامي، لعلمنا أن السبب هو الخرفة والجهال، وهو نفس السبب الذي أدخل العلمانية إلى أوروبا، ولو كان المسلمون مسلمين حقاً، لما دخلتها العلمانية، ومن أسباب دخول الخرافة إلى التصوف، أن التصوف هو صورة أخرى للرهبانية النصرانية التي تعني الانعزال عن الدنيا، وأن تذهب للاهتمام بالدين كما يقولون. وأول من بنى رباطاً للصوفية هو أمير الرملة، وهو أمير نصراني راهب، بناها على طريقة أديرة الرهبان، فهو نصراني بنى هذا الرباط، وبعد أن كان التصوف في أشخاص أصبح الآن في رباط يجتمع فيه أناس، ومن هنا دخلت الصوفية إلى مرحلة أخرى، وهي مرحلة الرهبانية النصرانية، ونظرت إلى الحياة نظرة مقت وازدراء، وأخذت الجبرية التي أخذتها الكنيسة، وبدأ هذا الانحراف في القرن الرابع بوضوح، والصوفية بدأت بالزنادقة الشيعة، أناس تستروا بالتشيع وأناس تستروا بالتصوف. والشيعة حققت نجاحاً كبيراً؛ لأنهم دخلوا باسم حب آل البيت، والصوفية دخلت بحب الرسول، فكان تأثير الشيعة محدوداً في الشعوب الشرقية، مثل الفرس وأمثالهم، أما الصوفية فكانت أعمق وأخطر في الهدم؛ لأنهم أخذوا شخصية النبي ﷺ وجعلوا عليه صفات الألوهية التي قالها النصارى في عيسى إلا أنهم لم يقولوا: إنه ابن الله، فهم أعطوه علم الغيب وبهذا قضوا على مصدر التلقي، ونحن نقول: قال رسول الله ﷺ ، فقالت الصوفية: لا، أنتم تأخذوا علمكم من ميت عن ميت، تقولون: حدثنا فلان عن فلان، أي: ميت عن ميت، ونحن نأخذ عن الحي الذي لا يموت، العلم المباشر، فإذا أراد الإنسان أن يعرف هذا الحكم، هل هو صحيح أو غير صحيح، فإنه لا يقرأ صحيح البخاري ولا يقرأ صحيح مسلم، بل يصلي على رسول الله كذا ألف مرة، ويذكر الورد الفلاني، وينام ويرى الرسول ﷺ في النوم إذا كان من السالكين، أما الواصلون فإنهم يرون النبي ﷺ في اليقظة، فيقول له: يا فلان افعل كذا، تزوج فلانة، وهذا حلال وهذا حرام، فإذا اعترض عليه أحد بأن هذا حرام، يقول: أنت تتكلم بعلم مأخوذ من ميت عن ميت، ونحن نأخذ العلم مباشرة، فكيف تعترض علينا؟! ومعروف عندهم الكشف والفتح، وأشهر ما يذكر في تاريخ التصوف، أن الإنسان يدخل الخلوة ويبقى فيها عشرين سنة لا جمعة ولا جماعة ولا اغتسال وهم في الحقيقة يرتكبون الشرك، وتأتيهم الشياطين بالأخبار، فيأتي الناس يكلمونه، وهو في الخلوة، فيقولون للشخص: أنت فلان وجئت من أجل كذا، فيصدقه الناس ويؤمنون بأن هذا كشف وفتح. فأصبح التدين في أعين الناس هو هذه الطريقة، وليس هو عبادات بمعناها المعروف، بل هذا هو الدين عندهم، وما عداه فدنيوي، وهي الترجمة الحقيقية لكلمة علمانية. فلما جاء الغزو الفكري الحديث، وجاء لمهاجمة المسلمين، كان المسلمون أمة غارقة في الخرافات والجهل، كما كانت النصرانية. فدخلت الأنظمة والقوانين من هذا الطريق، من طريق أن الدنيا ننظم لها ونشرع لها، ونجعل الدولة إما ديمقراطية أو نجعلها اشتراكية أو غيرهما وما المانع فهذا تنظيم حكم لا تشريع دين! أما الدين فالدين هناك في المسجد، في الزاوية عند المتصوفة، لذلك لم يقم ولن يقوم أي تعارض بين أي حاكم يحكم بغير ما أنزل الله، أو مع ملحد يؤلف الكتب ضد الإسلام، لا تقوم بينهما عداوة بل يبقى التقارب والاقتران بينهما، كما كانت الاتفاقية المشهورة بين رجال الدين في أوروبا، وبين الأباطرة في تلك المرحلة. لأن تطبيق غير شرع الله ، أو التحاكم إليه لا يمكن أن يعترض عليه رجل لا يرى الدين إلا الذكر والأوراد، ولو أتاه أكبر مجرم فأخذ منه الورد، فهذا كل ما يريد، وإن جحد بعد ذلك، أو نَحَّى شرع الله، أو لم ينحَّه، وصلى أو لم يصلِ، فهذه قضية لا تهمه، والقضية عنده هي الانتماء إلى طريقته لا إلى طريقة غيره.

стр. 941

ترجمة أحد الصوفيين الخرافيين أحببت أن آخذ ترجمة لأحد هؤلاء المتصوفة حتى نعرف أثر الخرافة في انتشار العلمانية في العالم الإسلامي، فنأخذ ترجمة أحد زعماء التصوف، وهو أحمد الرفاعي: وهو من المعروفين، وقد ناظرهم شَيْخ الإِسْلامِ، ومن خلالها نعرف أشياء عجيبة، ونرى بها وجه التطابق بين كلامه وبين خرافات الكنيسة: يقول أحمد الرفاعي: ' إن العبد إذا تمكن من الأحوال بلغ محل القرب من الله تعالى، فصارت همته خارقة للسبع السماوات، وصارت الأرضون كالخلخال في رجله، وصار صفة من صفات الحق جل وعلا، لا يعجزه شيء، وصار الحق تعالى يرضى لرضاه ويسخط لسخطه، ويدل لما قلنا أنه ورد في بعض الكتب الإلهية يقول الله: يا بني آدم أطيعوني أطعكم، واختاروني أختركم، وارضوا عني أرض عنكم، وأحبوني أحبكم، وراقبوني أراقبكم وأجعلكم تقولون للشيء كن فيكون '. فهذه كرامات منبعها كلها كن فيكون، فالله أعطاها للأولياء، كما يزعمون! ويقول الشعراني: ' وكان إذا جلس على ثوبه جرادة وهو مار في الشمس وجلست على محل الظل -ظله- يمكث لها حتى تطير، ويقول: إنها استظلت بنا، وكان إذا نامت على كمه هرة، وجاء وقت الصلاة يقطع كمه من تحتها ولا يوقظها، فإذا جاء من الصلاة أخذ كمه وخاطه ببعضه، ووجد ﵁ مرة كلباً أجرب أخرجه أهل أم عبيدة -القرية التي كان فيها- إلى محل بعيد فخرج معه في البرية، فضرب عليه مظلة، وصار يطليه بالدهن ويطعمه ويسقيه، ويحك الجرب منه بخرقة، فلما بَرأ أخذ ماءً مُسخناً فغسله، وقد كلفه الله تعالى بالنظر في أمر الدواب والحيوانات، وكان إذا رأى فقيراً يقتل قملة أو برغوثاً، يقول له: لا رحمك الله! شفيت غيظك بقتل قملة، وسمع مرة رجلاً يقول: إن الله له خمسة آلاف اسم، فقال له: إن لله تعالى أسماء بعدد ما خلق من الرمال والأوراق وغيرها، وكان يبتدئ من لقيه بالسلام حتى الأنعام والكلاب، فكان إذا رأى خنزيراً يقول له: أنعم صباحاً، فقيل له في ذلك، فقال: أَعَوِّد نفسي الجميل ' فإن كان كلباً أو بقرة فيقول له: السلام عليكم، أما الخنزير لأنه محرم أكله فيقول له بتحية الجاهلية: أنعم صباحاً، لأنه متمسك بالدين! ' وكان ﵁ إذا صعد الكرسي لا يقوم قائماً وإنما يتحدث قاعداً، فكان يسمع حديثه البعيد مثل القريب، حتى إن القرى حول أم عبيدة كانوا يجلسون على سطوحهم فيسمعون صوته، فيعرفون جميع ما يتحدث به، حتى كان الأطرش والأصم إذا حضروا يفتح الله أسماعهم لكلامه، وكانت أشياخ الطريقة يحضرون ويسمعون كلامه، وكان أحدهم يبسط حِجره، فإذا فرغ سيدي أحمد ﵁ ضموا حجورهم إلى صدورهم وصفوا الحديث إذا رجعوا إلى أصحابهم على جليته. وكان يوماً جالساً في القرية فمد عنقه، وقال: على رقبتي، فتعجب الحاضرون، قالوا: ما هذا؟! قال: الشيخ عبد القادر الجيلاني، الآن في بغداد، قال: قدمي هذه على رقبة كل وليّ لله -لأنه ولي الله، وقدم الشيخ على رقبته- فأرخى جالساً وكان كذلك، وكان جالساً وحده فنزل عليه رجل من الهواء، وجلس بين يديه، فقال الشيخ: مرحباً بوفد المشرق، وقال له: إن لي عشرون يوماً ما أكلت ولا شربت، إني أريد أن تطعمني شهوة، فقال: ما شهوتك، قال: فنظر إلى الجو وإذا خمس أوزات، فقال: أريد إحدى هؤلاء مشوية، ورغيفين من بر، وكوزاً من ماء بارد، فقال له الشيخ: لك ذلك، ثم نظر إلى تلك الوزات، وقال: عجل بشهوة الرجل، قال: فما تم كلامه حتى نزلت إحداهن بين يديه مشوية، ثم مد الشيخ يده إلى حجرين كانا إلى جانبيه، فوضعهما بين يديه -الحجرين وضعهما مع الوزة- فإذا هما رغيفان ساخنان من أحسن الخبز منظراً، ثم مد يده إلى الهواء وإذا بيده كوز أحمر فيه ماء، قال: فأكل وشرب، ثم ذهب في الهواء من حيث أتى، فقام الشيخ ﵁ وأخذ تلك العظام، ووضعها في يده اليسرى، وأمرّ يده اليمنى، وقال: أيتها العظام المتفرقة والأوصال المتقطعة اذهبي وطيري بأمر الله تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم، قال: فذهبت أوزة سوية كما كانت وطارت في الجو، حتى غابت عن منظري! ' فهذا الراوي يقول هذا الكلام! وهنا شيء آخر لطيف، وهي أن صكوك الغفران التي عملها النصارى وكانت من أكبر العوامل التي جعلت أوروبا تثور على الدين، لأن رجل الدين كان يكتب صكاً من فلان إلى فلان، ويعطي هذا أرضاً في الجنة، وما أشبه ذلك، والعاقل يرفض مثل هذه النزاهات، حتى رفضها الفكر الغربي رفضاً شديداً، وهذه الصورة الغريبة -أيضاً- وقعت في التاريخ الإسلامي. فقد ' كتب الرفاعي صكاً لأحد الناس، حيث أنه جاء وطلب منه بستاناً، فأخذ الشيخ البستان، وقال له الرجل: تعطيني في الجنة بستاناً مقابله؟ قال: لو أردنا أن نعطي السماوات والأرض لكان ذلك، وهذا بسيط جداً. قال: اكتب لي بذلك صكاً، فكتب الرفاعي هذا الصك: بسم الله الرحمن الرحيم هذا الذي اشترى إسماعيل بن عبد المنعم من العبد الفقير أحمد بن أبي الحسين الرفاعي ضامناً له على كرم الله تعالى، قصراً في الجنة، تحفه أربعة حدود: الأول: إلى جنة عدن، الثاني: إلى جنة المأوى، الثالث: إلى جنة الخلد، الرابع: إلى جنة الفردوس، بجميع حوره وولدانه وفرشه، وأسرته، وأنهاره، وأشجاره، عوضاً عن بستانه الذي في الدنيا والله له شاهد وكفيل، ثم طوى الكتاب وسلمه إياه ' وهذه في جامع كرامات الأولياء للنبهاني. الشاهد من هذا: أن الخرافة التي وقعت فيها أوروبا ومنها جاءت العلمانية وقعت فيها الأمة الإسلامية في أردى صورها، ونتيجة لهذه الخرافة، ونتيجة ابتعادنا عن الله ، ونتيجة فهمنا بأن الدين له علاقة فردية محدودة، وكما تصور المتصوفة؛ جاءتنا كل هذه الأفكار، وكل هذه العقائد وغيرها فقبلناها ومنها العلمانية. ومثلاً: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لماذا كانت في عصر الانهيار الشديد وعصر الضعف الشديد؟ ومع ذلك فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ذكر في أنواع الطواغيت الخمسة: الشيطان، والحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والحاكم الجائر المغير لأحكام الله، وذكر الذي يدعي علم الغيب، وذكر من يدعي عبادة نفسه. ففسر الطواغيت الخمسة، وهذه العلمانية هي من الحكم بغير ما أنزل الله من ناحية، ومن ناحية أخرى هي تدعي علم الغيب عندما تشرع للإنسان، وقد كان ادعاء الغيب هو الذي كان فاشياً باسم كرامات التصوف، فعندما تصح العقيدة فإنها لا تقبل العلمانية على الإطلاق، مهما كان مستواها في الحياة الدنيا. ولكن عندما تفسد العقيدة، وعندما تصاب بالخرافة، تأتينا هذه العلمانية بكل أشكالها، وبكل مذاهبها سواء ما كان منها في النظم أم في الحكم أم في الاقتصاد، وغير ذلك. أو ما كان منها في مناهج التربية والتعليم، أو منها في الحياة الاجتماعية أو ما كان بأي اسم، عندما وصل فهم المسلمين إلى أن الدين هو ركيعات تؤدى في المسجد أو أذكار وأوراد، وأما الباقي فلا شأن لله فيه -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- ولا يحق لك أيها المسلم أن تعترض عليه؛ لأنه ليس من شأنك. وهنا نجد الأساس الذي هو: أننا عندما نريد أن نعرف حكم أي شيء، فلننظر إلى العقيدة الصحيحة وبما حكمت عليه، وعندما نريد أن نتخلص من أي داء، فلنتداوى بالعقيدة الصحيحة وبما أنزله الله على نبيه ﷺ من الوحيين الكتاب والسنة وما سار عليه علماء الإسلام كالأئمة الأربعة وكلهم ولله الحمد كانوا على عقيدة واحدة، وعلى العقيدة الصحيحة، فهم علماء الأمة الأفاضل، قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، قياماً بحجة الله على العالمين.

стр. 942

الأسئلة

стр. 943

بعض الكتب التي ترد على الأفكار الهدامة السؤال نرجو إرشادنا إلى الكتب التي ترد على الأفكار الهدامة؛ لكي نكون على بينة منها وبالأخص العلمانية. الجواب الأول: كتاب الله ، فإن فيه كل خير وهدى، وكل بدعة جاءتنا من داخل المجتمع الإسلامي أو من أوروبا فهي مرفوضة لأنها بدعة، وليست من عند الله ولا من عند النبي ﷺ . وهناك كذلك ممن كتب عن الغزو الفكري منهم: أبو يعلى الجويني، ومحمد قطب، وسيد قطب، ومحمد محمد حسين، وهناك كتاب كثيرون كتبوا في هذا الموضوع، أيضاً والفكر الغربي نفسه لمن قرأه وهو يعرف حقيقة الإسلام سوف يكتشف بنفسه أي نظرية هدامة، فأي نظرية قرأها سوف يكتشف أنها منافية للإسلام. والحمد لله أنهم في أغلبية الجامعات بدءوا ينحون اتجاهاً إسلامياً، وبدأت الاتجاهات في أن تجعل هذه العلوم إسلامية، وأصبحت كتابة هؤلاء العلماء الرواد هو مما يرجع إليه.

стр. 944

آراء حول العلمانية السؤال الثاني: هناك تأويلات كثيرة للعلمانية في هذا العصر تحت عدة شعارات، منها وجود أكثر من دين واحد في بلد ما، ومنها: حكم الشعب نفسه بنفسه وغيرها، فما رأيكم في ذلك؟ ومن هم أشهر الحكام الذين أدخلوا العلمانية في هذا العصر؟ وما هي أبرز شعاراتها الآن؟ الجواب تعدد الشعارات لا غرابة فيها، لأن الباطل دائماً متعدد: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]. أما الديمقراطية أو حكم الشعب فهذه خرافة. أما الحكام الذين أدخلوا العلمانية: فقد كانت تركيا هي أول دولة إسلامية طبقت العلمانية، ومعروف ما فعله هذا الحاقد اليهودي المجرم أتاتورك فإنه قد قضى على اللغة العربية، وجعل الأذان باللغة التركية، وفعل أشياء لا يمكن أن تخطر على البال. فلا نتصور أن القضية نتيجة علم أو علمنة فالقضية قضية حقد وعداوة ودسائس ومؤامرات، بسبب أنهم وجدوا أمة خاوية من عقيدتها الصحيحة وغارقة في الشركيات وفي الخرافات، فاستطاعوا أن ينشروا تلك العقائد والأفكار الهدامة فيها. أما خرافة أن الشعب يتكون من دينين فكيف نطبق الإسلام؟ نقول: أولاً يجب أن نفهم الإسلام في شموله، فـ العلمانية: منهج شامل للحياة - كما يدعي أصحابها -ما عدا العلاقة الروحية بالله، والإسلام أنزله الله شريعة عامة في كل المجالات، وليس في قضية الحكم فقط، وهي إحدى هذه القضايا وإن كانت هي من أهمها. فكون أن عندنا في الدول العربية نصارى -مثلاً- مليوناً ونصف أو مليونين كما في لبنان والشام، أو حوالي أربعة ملايين في مصر، لكن بما في الإسلام من العدل والسماحة، جعلناهم يعيشون بيننا وضربنا عليهم الجزية، وهذا أيام الخلفاء الراشدين، وهو حكم فرضه الله في كتابه بحقوقهم، ومعاملتهم بالمعروف. وكون وجود هؤلاء الناس لا يبرر ولا يعني إطلاقاً أن نأتي نحن فنتخلى عن شرع الله ونكفر بآيات الله؛ لأن من كفر أو من بدل شرعاً غير شرع الله وحكمه، فهذا ردة وكفر، وهذا اعتراض على كتاب الله، فمن أجل هؤلاء الذين هم وضع استثنائي لا يد لنا فيه، نغير شرع الله! الله هو الذي شرعه ولو شرع الله أن نمضي السيوف في رقابهم لكان أمضاه الخلفاء الراشدون ولم يترددوا، إنما الله هو الذي شرع لهم هذا الوضع الاستثنائي، فإما أن يبقوا عليه وإلا فالعهد منقوض، وقد نقضوه منذ أن تعاونوا مع كل أعداء الإسلام، في التاريخ الإسلامي الماضي فهؤلاء الناس إن أرادوا الحقوق التي نكفلها لهم -لأن الله أمرنا أن نكفلها لهم- فإننا نكفلها لهم، وإن أرادوا أن يتعدوا ذلك إلى أن نغير ديننا، ونكفر بالله من أجلهم فهذا لايمكن أن يخطر على بال مسلم، وإلا فلماذا نطبق نحن علمانيتهم، وقد جاءوا بها إلى بلادنا ونحن الأكثرية وهم الأقلية؟! لأنهم ليس لديهم شرع نتحاكم إليه! فالقضية: قضية من الذي يملك شرع الله، فمن ملك شرع الله؛ فليحكم، ليضرب الرقاب بهذا الشرع، فمن ملك النور المبين؛ فليقاتل الناس عليه. هاتوا ما عندكم: إن كان هو الوحي الذي أنزله الله، فقاتلونا عليه فنحن نستحق الموت؛ لأننا مخالفون لأمر الله، وإن كانت الخرافات التي كتبتموها بأيديكم وقلتم هذا من عند الله، فمن حق من يملك وحي الله وكلمة الله المحفوظة أن يقاتلكم وأن يرغمكم إما على الإسلام، وإما أن تعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون. ولا مجال أن نجعلهم مقابل الإسلام، ونكفر بالله من أجل أن نرضي هؤلاء، لا يمكن هذا أبداً!

стр. 945

حقيقة الصوفية والتصوف السؤال من الذي يدعم التصوف، كما أعرف أن أمريكا واليهود خاصة والكفار عامة يدعمون التصوف، ويدرسون التصوف في بعض جامعاتهم ويسمونه الإسلام الحقيقي، هل هذا يدل على أن أمريكا واليهود آمنوا بالله حق الإيمان؟ أم عرفوا أن هو حرب الإسلام عن طريق المسلمين الجهال، فلهذا دعموا التصوف بكل إمكاناتهم وقدراتهم؟ الجواب السائل سأل وأجاب، وقضية دور أمريكا ودور اليهود والمستشرقين في دعم التصوف وفي فرق الباطنية، هذا شيء معروف، فقد حققوا الكتب وأنشئوا أقساماً للدراسات، واستماتوا في الدفاع عن الحلاج، كاستماتتهم في الطعن في عثمان ومعاوية ﵄. وقضية موقفهم واضحة، وهذا عدوك فلا تتوقع من عدوك إلا أن يفعل هذا، ولو استطاع أن يفعل أكثر لفعل، ولكن ماذا فعلنا نحن؟ هل حاربنا الخرافة؟! كما ذكر استغلال جهال المسلمين، ما دام الجهل فاشياً والعقيدة الصحيحة غير موجودة عند المسلمين فهي مباحة لمن جاء من دجال وكذاب. الجديد في التصوف هو أنه أصبح جزءاً من الغزو الفكري الحديث، والتصوف كما قال أحمد الرفاعي، قبل أن تخلق أمريكا وغيرها، وأحمد الرفاعي مثله كثير: شاذلية، وقادرية، وتيجانية إلى آخرها. كان هناك قبل وجود أمريكا خرافات، وكان هناك شر وبلاء، لكن هذا الغزو الفكري قديم، دسه الزنادقة في الإسلام، فالآن أصبح التصوف جزءاً من الغزو الفكري الحديث، لماذا؟ لأن اتجاه الشباب عندما كانت العلمانية -كما في تركيا وغيرها من الدول- تطالب الناس بالكفر بالله علناً، أي أن هذه من الخطورة ومن العداوة فظهر بسببها دعوات إسلامية، فقالوا: هذا لا يمكن، إذن الحل أن نأتي بشيء بديل منحرف، نأتي بـ الصوفية على أنها بديل للتدين الصحيح، ولنأتي بترقيعات في الاقتصاد، وترقيعات في التعليم، وترقيعات في السياسة ونقول هذا تطبيق للشريعة، حتى لا يطالب أحد بالعودة إلى الكتاب والسنة وأخذها كاملاً من جميع جوانبها وهكذا. فتحولت الصوفية من غزو قديم موروث إلى غزو حديث مدعوم ضمن المخطط الكافر الآثم الذي لا يزال يحارب الإسلام.

стр. 946

الصوفية الموجودة شرك وزندقة السؤال هل الصوفية تشبه العلمانية، إذ أنها عقيدة ربانية ثابتة ولو كانت تميل إلى الانحراف، وفي نفس الوقت العلمانيون في معنى المفهوم العام اللادينيون، فأرجو التوضيح؟ الجواب العلمانية تقول: لا علاقة للدين بالحياة، والصوفية -في واقع الحال- تقول: لا علاقة للدين بالحياة، فالالتقاء بينهما واضح، فلا يأتي اللبس في قضية إنسان زاهد متأثر أراد أن يترفع عن شهوات الدنيا، أو أن يعتزل سواء كان على سنة أم على بدعة، فنقول الصوفية هي هذه، ولا يدخل أو يشتبه أحد في كلامنا هذا، فإذا كان يراد الصوفية: الذين عندهم العقيدة وعندهم الإيمان، لكنهم منعزلون لا يحبون الدينا، ولا المال ولا المناصب، فهذه نعالجها داخل الصف الإسلامي نفسه، أما أولئك زنادقة التصوف الموجود عندهم الآن شرك وزندقة، فعندما نرى رأس الحسين يعبد في أكثر من موضع في العالم، ويتمسح به، فهل نقول: إن هذه عقيدة ربانية؟! أين العقيدة الربانية في هذا؟! عندما نجد أن هؤلاء يشرعون للإنسان حتى إباحة المحرمات، ونجدهم أنهم قد ارتكبوا أشد الموبقات كالزنى واللواط باسم العبادة، ويستحلون الغناء، بل إن الغناء هو مادتهم وهو قرآنهم والعياذ بالله! فأين الربانية في هذه حتى نقول: إن ما عندهم دين، إن كان عندهم دعوى أنهم على الإسلام، فقد كان عند أتباع الكنيسة دعوى أنهم على المسيحية، وهذه الدعوى ليس لها دليل والله يقول: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء:١٢٣] ليس دعاوى ولا أماني. أما إن كانت فعلاً عندهم عقيدة وعندهم مجملات منها ولكن عندهم أخطاء وبدع وانحرافات فهذا ليس الذي نتكلم عنه، وهذا يشبه العلمانية من وجه، لكن لا نقول: هو الذي يدعمها، وهو الذي يشبهها تمام الشبه.

стр. 947

أعمالهم كسراب بقيعة السؤال ما رأيكم بمؤلفات الروائي الأمريكي آرنت همنجواي أمثال الشيخ والبحر، ووداعاً أيها السلاح من وجهة النظر الإسلامية، خاصة وأن هذه الكتب تقابل بإعجاب كبير، وأن مؤلفها نال جائزة نوبل للأدب، نرجو توضيح ذلك خاصة وأنكم عشتم مع العلمانية في صراع دام أربع سنوات؟ الجواب همنجواي مثله كمثل أي عالم وأي إنسان غربي لا يؤمن بالله ، فالله عندما أنزل آدم ﵇ إلى الأرض، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] المعيشة الضنك لمن لم يقبل شرع الله في أي زمان وفي أي مكان. فـ همنجواي، أو غيره، أو أي أحد ممن ضل عن هذا الدين فهو في شقاوة وضنك، فـ همنجواي نهايته أليمة حيث وجد منتحراً ببندقية صيد وضعها على دماغه وانتحر، وأعماله الروائية المشهورة تعبير عن قلقه، وأعظم رواية التي أخذ عليها جائزة نوبل هي رواية الشيخ والبحر رواية تافهة تباع بأربعة ريالات في أي مكتبة. مدار القصة أن رجلاً مسناً كبيراً ركب في البحر وكان يصارع الموج، فاصطاد سمكة كبيرة من أعماق المحيط، وكان يصارع الموج ويعود بجهد جهيد، ويأتي عليه الليل والنهار وهو ما نام ولا ارتاح، ثم يخرج إلى الشاطئ وهو مطمئن وهو يجر السمكة التي اصطادها فإذا هي عظام لا لحم فيها؛ لأن أسماك القرش أكلت اللحم كله. فمدلول هذه الرواية -حتى تأخذ جائزة نوبل - أنها تعبر عن الضياع، والله قد ذكر الشقاء وذكر الخسران لمن ضل عن سبيله فهذه هي الخسارة، في الدنيا قبل الآخرة، فإنه يكتب عن الخسارة وأوروبا تعيش الخسارة، وكل خاسر فهو رائد في أوروبا لأنه يتكلم بشيء هي تعيشه، ويقولون: بأنه صور المعاناة الإنسانية والتجربة الإنسانية في أجلى مظاهرها، أن الإنسان يعيش ثمانين سنة يكدح ويجمع المال من حلال ومن حرام، وفي الأخير يموت ويتحول إلى عظام والرصيد في البنك، ما هي الفائدة؟! صور واقعهم الذي يعيشونه، فقالوا: هذا رجل عظيم، فأعطوه جائزة نوبل، ولذلك هو طبق هذه القصة وقتل نفسه، وكانت النهاية الخاسرة كما ذكرها في روايته.

стр. 948

واجبنا أمام العلمانية السؤال ما موقفي أنا الشاب المسلم أمام الأفكار العلمانية، وكيف أحاربها؟ الجواب نعود إلى قضية الأساس وهي أن موقفنا تجاه هذه الأفكار هو أن نؤمن بالله ، وأن ندعو الناس إلى ذلك، وأن نفرح ونحمد الله، لو علمنا نعمة الوحي التي بين أيدينا لقدرناها حق التقدير، ولكنا فعلاً كما قال الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠]. تجربة بسيطة عشتها مع هذا الفكر وهي عن أناس يتخبطون في الجهل والوهم والظلمات، ما كنا نشعر بأن جيلنا هذا -مع أن القرآن بين أيديهم- يبحثون في قضايا منتهية بالنسبة لديننا، ويضيعون الأعمار والجهود بحثاً عن غاية هم يعيشون من أجلها، ولما انتشرت الصوفية الغربية نفسها كـ الماريشي وأمثاله، فإذا أردت أن تجتنب العلمانية بل أي فكر وأي ضلال؛ فعليك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ومنهج السلف الصالح. وأن نأتمر بأمر الله، وأن نجتنب نواهيه، وأ، ترتاح قلوبنا، بذكره ، وأن نقرأ القرآن ما أمكن، وأن نحضر مجالس الذكر، وأن نجتنب مجالس اللهو والمعصية، وأن نخالط الأطهار ونجتنب الفجار، فهذه كلها تحصن الإنسان من شياطين الإنس وشياطين الجن الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً. إذا ربينا أنفسنا ونصحنا إخواننا وذوينا فإننا قد حصناهم ضد العلمانية، إن استطعنا أن ننصحهم ونوجههم بالأسلوب وبالإقناع العلمي، فهو أفضل فإنه قد تفشى في الأمة وصار إنكار المنكر هو المنكر، فلا بد أن نرد بأسلوب علمي ضد أي شبهة وهذا من التحصين ضده.

стр. 949

استيراد الأفكار العلمانية السؤال ألا ترى أن كثيراًُ ممن تلقوا تعليمهم في أوروبا جاءوا يحملون الأفكار العلمانية ويريدون فرضها على المجتمع الذي يعيشون فيه؟ الجواب لا أريد أن ندخل الآراء في القضايا، فإن الآراء تتضارب وتختلف، ولكن أقول: نحن عندنا الوحي: القرآن والسنة، اسأل: ما حكم السفر إلى بلاد المشركين؟ هذه قضية شرعية: اسأل عنها أي شخص تثق في دينه فهو سيخبرك، فهذه قضية شرعية ولا بد أن تكون جميع القضايا مرتبطة بالشرع. فانظر إلىحكم الله تعالى في هذه المسألة، وحكم الله في هذه القضية معروف، فمهما بلغ الحال من العلمانية في ديار المسلمين إلا أنك تستطيع أن تصلي وتسمع الأذان، وتقرأ القرآن، ولا ترى دور عراة، فهذه نعمة، فالسفر منها إلى بلد فيه الفحشاء والبذائيات والبلايا هذا لا يفعله مسلم إلا في حالات الضرورة، أما مجرد شهادة، ومجرد أشياء دنيوية فهذه أنا لا أقطع فيها حقيقة، ولكن أي عالم تثق في دينه، اشرح له وضعك واسأله. وإذا كانت الأمة منحرفة، ثم ذهب الشاب ولم يرجع إلا بانحراف فيزداد الانحراف انحرافاً، لكن مع ذلك يجب علينا أن نظل على الحق، وأن ندعو إليه، لو أقمنا حكم الله في حكم الابتعاث لأمكننا أن نحد من هذا الشر إن لم نجتثه.

стр. 950

لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم السؤال أجريت عملية في أمريكا بتبديل قلب بنت بقلب قرد، هل يريدون بذلك دعم نظرياتهم أن الإنسان أصله قرد؟ وما رأيك في من يقول: إن الإنسان حيوان ناطق؟ الجواب البنت ماتت بعد أسبوعين، وقضية إثبات نظريتهم هذه لا ندري، ونحن لا نفترض في الكفار إلا الشر، ولا نؤول كل شيء يفعلوه أنهم يريدون به كذا، وما يراد به كذا، ولكن العملية هي عملية طبية عادية. يوجد دكتور في جدة سعودي يعمل مثل هذه العمليات، فلا نقول: إن العملية عملت من أجل كذا. لكن هل هناك إيحاء بهذا الشيء؟ نعم، وليس هناك غرابة. فليس هناك غريب فإن هذا من عمل الطبيب، فهو يُشَرِّح جثة مقابل جثة، فلا يتدخل هو بالروحانيات، فتأخذ أنت منه ما هو الأصلح لك. وقضية من يقول: إن الإنسان حيوان ناطق: هذه القضية مرفوضة، وهي من علم المنطق، المنطق كله مرفوض كمبدأ، لكن بعد أن دخل المنطق في بعض العلوم واستفادت منه في بعض الأشياء -ولا أريد أن أتكلم عن المنطق بذاته- أقول: القضية قيلت، وأصل المنطق وضعه رجل يوناني، ويمكن أن يضع الفكر كما تصوره، فلا تجعل موضوع الكلمة هو المشكلة، لكن نحن نقول: لا تليق بنا هذه الكلمة، وقد نقول: الإنسان حي ناطق، وكلمة (حيوان) معناها: الحي، إذا قالوا: معناها الحي، نقول: حي ناطق. وما وُضع المنطق إلا من أجل التعريف، فهل تُعِّرف الإنسان، وتعلم ولدك وطفلك تعريف الإنسان، وهل يوجد أحد يجهل الإنسان؟! والمنطق إنما وضع مقابل فكر خطأ ينكر الموجود المحسوس، فأتى المناطقة وقالوا: نحن نرد عليهم بإثبات المحسوس. فالمنطق جاء رداً على السفسطة، وليس لنا علاقة بهذا، نحن عندنا شهادة أن لا إله إلا الله فلا ندخل بهذه البلايا والمصائب، فتجد أصحاب الفكر الأوروبي رفضوا المنطق رفضاً مطلقاً، ونحن مازلنا نجعله -ولسنا نجعله من فروض العلم- لكن نجعله من أصل العقيدة والدين، هذا هو العجيب! فهذه الكلمة جزء من بحر مرفوض عندنا بالكلية.
следующие страницы →