Полный текст (2 843 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
الصوفية الموجودة شرك وزندقة
السؤال
هل الصوفية تشبه العلمانية، إذ أنها عقيدة ربانية ثابتة ولو كانت تميل إلى الانحراف، وفي نفس الوقت العلمانيون في معنى المفهوم العام اللادينيون، فأرجو التوضيح؟
الجواب
العلمانية تقول: لا علاقة للدين بالحياة، والصوفية -في واقع الحال- تقول: لا علاقة للدين بالحياة، فالالتقاء بينهما واضح، فلا يأتي اللبس في قضية إنسان زاهد متأثر أراد أن يترفع عن شهوات الدنيا، أو أن يعتزل سواء كان على سنة أم على بدعة، فنقول الصوفية هي هذه، ولا يدخل أو يشتبه أحد في كلامنا هذا، فإذا كان يراد الصوفية: الذين عندهم العقيدة وعندهم الإيمان، لكنهم منعزلون لا يحبون الدينا، ولا المال ولا المناصب، فهذه نعالجها داخل الصف الإسلامي نفسه، أما أولئك زنادقة التصوف الموجود عندهم الآن شرك وزندقة، فعندما نرى رأس الحسين يعبد في أكثر من موضع في العالم، ويتمسح به، فهل نقول: إن هذه عقيدة ربانية؟! أين العقيدة الربانية في هذا؟! عندما نجد أن هؤلاء يشرعون للإنسان حتى إباحة المحرمات، ونجدهم أنهم قد ارتكبوا أشد الموبقات كالزنى واللواط باسم العبادة، ويستحلون الغناء، بل إن الغناء هو مادتهم وهو قرآنهم والعياذ بالله! فأين الربانية في هذه حتى نقول: إن ما عندهم دين، إن كان عندهم دعوى أنهم على الإسلام، فقد كان عند أتباع الكنيسة دعوى أنهم على المسيحية، وهذه الدعوى ليس لها دليل والله يقول: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء:١٢٣] ليس دعاوى ولا أماني.
أما إن كانت فعلاً عندهم عقيدة وعندهم مجملات منها ولكن عندهم أخطاء وبدع وانحرافات فهذا ليس الذي نتكلم عنه، وهذا يشبه العلمانية من وجه، لكن لا نقول: هو الذي يدعمها، وهو الذي يشبهها تمام الشبه.
стр. 947
أعمالهم كسراب بقيعة
السؤال
ما رأيكم بمؤلفات الروائي الأمريكي آرنت همنجواي أمثال الشيخ والبحر، ووداعاً أيها السلاح من وجهة النظر الإسلامية، خاصة وأن هذه الكتب تقابل بإعجاب كبير، وأن مؤلفها نال جائزة نوبل للأدب، نرجو توضيح ذلك خاصة وأنكم عشتم مع العلمانية في صراع دام أربع سنوات؟
الجواب
همنجواي مثله كمثل أي عالم وأي إنسان غربي لا يؤمن بالله ، فالله عندما أنزل آدم ﵇ إلى الأرض، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] المعيشة الضنك لمن لم يقبل شرع الله في أي زمان وفي أي مكان.
فـ همنجواي، أو غيره، أو أي أحد ممن ضل عن هذا الدين فهو في شقاوة وضنك، فـ همنجواي نهايته أليمة حيث وجد منتحراً ببندقية صيد وضعها على دماغه وانتحر، وأعماله الروائية المشهورة تعبير عن قلقه، وأعظم رواية التي أخذ عليها جائزة نوبل هي رواية الشيخ والبحر رواية تافهة تباع بأربعة ريالات في أي مكتبة.
مدار القصة أن رجلاً مسناً كبيراً ركب في البحر وكان يصارع الموج، فاصطاد سمكة كبيرة من أعماق المحيط، وكان يصارع الموج ويعود بجهد جهيد، ويأتي عليه الليل والنهار وهو ما نام ولا ارتاح، ثم يخرج إلى الشاطئ وهو مطمئن وهو يجر السمكة التي اصطادها فإذا هي عظام لا لحم فيها؛ لأن أسماك القرش أكلت اللحم كله.
فمدلول هذه الرواية -حتى تأخذ جائزة نوبل - أنها تعبر عن الضياع، والله قد ذكر الشقاء وذكر الخسران لمن ضل عن سبيله فهذه هي الخسارة، في الدنيا قبل الآخرة، فإنه يكتب عن الخسارة وأوروبا تعيش الخسارة، وكل خاسر فهو رائد في أوروبا لأنه يتكلم بشيء هي تعيشه، ويقولون: بأنه صور المعاناة الإنسانية والتجربة الإنسانية في أجلى مظاهرها، أن الإنسان يعيش ثمانين سنة يكدح ويجمع المال من حلال ومن حرام، وفي الأخير يموت ويتحول إلى عظام والرصيد في البنك، ما هي الفائدة؟! صور واقعهم الذي يعيشونه، فقالوا: هذا رجل عظيم، فأعطوه جائزة نوبل، ولذلك هو طبق هذه القصة وقتل نفسه، وكانت النهاية الخاسرة كما ذكرها في روايته.
стр. 948
واجبنا أمام العلمانية
السؤال
ما موقفي أنا الشاب المسلم أمام الأفكار العلمانية، وكيف أحاربها؟
الجواب
نعود إلى قضية الأساس وهي أن موقفنا تجاه هذه الأفكار هو أن نؤمن بالله ، وأن ندعو الناس إلى ذلك، وأن نفرح ونحمد الله، لو علمنا نعمة الوحي التي بين أيدينا لقدرناها حق التقدير، ولكنا فعلاً كما قال الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠].
تجربة بسيطة عشتها مع هذا الفكر وهي عن أناس يتخبطون في الجهل والوهم والظلمات، ما كنا نشعر بأن جيلنا هذا -مع أن القرآن بين أيديهم- يبحثون في قضايا منتهية بالنسبة لديننا، ويضيعون الأعمار والجهود بحثاً عن غاية هم يعيشون من أجلها، ولما انتشرت الصوفية الغربية نفسها كـ الماريشي وأمثاله، فإذا أردت أن تجتنب العلمانية بل أي فكر وأي ضلال؛ فعليك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ومنهج السلف الصالح.
وأن نأتمر بأمر الله، وأن نجتنب نواهيه، وأ، ترتاح قلوبنا، بذكره ، وأن نقرأ القرآن ما أمكن، وأن نحضر مجالس الذكر، وأن نجتنب مجالس اللهو والمعصية، وأن نخالط الأطهار ونجتنب الفجار، فهذه كلها تحصن الإنسان من شياطين الإنس وشياطين الجن الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً.
إذا ربينا أنفسنا ونصحنا إخواننا وذوينا فإننا قد حصناهم ضد العلمانية، إن استطعنا أن ننصحهم ونوجههم بالأسلوب وبالإقناع العلمي، فهو أفضل فإنه قد تفشى في الأمة وصار إنكار المنكر هو المنكر، فلا بد أن نرد بأسلوب علمي ضد أي شبهة وهذا من التحصين ضده.
стр. 949
استيراد الأفكار العلمانية
السؤال
ألا ترى أن كثيراًُ ممن تلقوا تعليمهم في أوروبا جاءوا يحملون الأفكار العلمانية ويريدون فرضها على المجتمع الذي يعيشون فيه؟
الجواب
لا أريد أن ندخل الآراء في القضايا، فإن الآراء تتضارب وتختلف، ولكن أقول: نحن عندنا الوحي: القرآن والسنة، اسأل: ما حكم السفر إلى بلاد المشركين؟ هذه قضية شرعية: اسأل عنها أي شخص تثق في دينه فهو سيخبرك، فهذه قضية شرعية ولا بد أن تكون جميع القضايا مرتبطة بالشرع.
فانظر إلىحكم الله تعالى في هذه المسألة، وحكم الله في هذه القضية معروف، فمهما بلغ الحال من العلمانية في ديار المسلمين إلا أنك تستطيع أن تصلي وتسمع الأذان، وتقرأ القرآن، ولا ترى دور عراة، فهذه نعمة، فالسفر منها إلى بلد فيه الفحشاء والبذائيات والبلايا هذا لا يفعله مسلم إلا في حالات الضرورة، أما مجرد شهادة، ومجرد أشياء دنيوية فهذه أنا لا أقطع فيها حقيقة، ولكن أي عالم تثق في دينه، اشرح له وضعك واسأله.
وإذا كانت الأمة منحرفة، ثم ذهب الشاب ولم يرجع إلا بانحراف فيزداد الانحراف انحرافاً، لكن مع ذلك يجب علينا أن نظل على الحق، وأن ندعو إليه، لو أقمنا حكم الله في حكم الابتعاث لأمكننا أن نحد من هذا الشر إن لم نجتثه.
стр. 950
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم
السؤال
أجريت عملية في أمريكا بتبديل قلب بنت بقلب قرد، هل يريدون بذلك دعم نظرياتهم أن الإنسان أصله قرد؟ وما رأيك في من يقول: إن الإنسان حيوان ناطق؟
الجواب
البنت ماتت بعد أسبوعين، وقضية إثبات نظريتهم هذه لا ندري، ونحن لا نفترض في الكفار إلا الشر، ولا نؤول كل شيء يفعلوه أنهم يريدون به كذا، وما يراد به كذا، ولكن العملية هي عملية طبية عادية.
يوجد دكتور في جدة سعودي يعمل مثل هذه العمليات، فلا نقول: إن العملية عملت من أجل كذا.
لكن هل هناك إيحاء بهذا الشيء؟ نعم، وليس هناك غرابة.
فليس هناك غريب فإن هذا من عمل الطبيب، فهو يُشَرِّح جثة مقابل جثة، فلا يتدخل هو بالروحانيات، فتأخذ أنت منه ما هو الأصلح لك.
وقضية من يقول: إن الإنسان حيوان ناطق: هذه القضية مرفوضة، وهي من علم المنطق، المنطق كله مرفوض كمبدأ، لكن بعد أن دخل المنطق في بعض العلوم واستفادت منه في بعض الأشياء -ولا أريد أن أتكلم عن المنطق بذاته- أقول: القضية قيلت، وأصل المنطق وضعه رجل يوناني، ويمكن أن يضع الفكر كما تصوره، فلا تجعل موضوع الكلمة هو المشكلة، لكن نحن نقول: لا تليق بنا هذه الكلمة، وقد نقول: الإنسان حي ناطق، وكلمة (حيوان) معناها: الحي، إذا قالوا: معناها الحي، نقول: حي ناطق.
وما وُضع المنطق إلا من أجل التعريف، فهل تُعِّرف الإنسان، وتعلم ولدك وطفلك تعريف الإنسان، وهل يوجد أحد يجهل الإنسان؟! والمنطق إنما وضع مقابل فكر خطأ ينكر الموجود المحسوس، فأتى المناطقة وقالوا: نحن نرد عليهم بإثبات المحسوس.
فالمنطق جاء رداً على السفسطة، وليس لنا علاقة بهذا، نحن عندنا شهادة أن لا إله إلا الله فلا ندخل بهذه البلايا والمصائب، فتجد أصحاب الفكر الأوروبي رفضوا المنطق رفضاً مطلقاً، ونحن مازلنا نجعله -ولسنا نجعله من فروض العلم- لكن نجعله من أصل العقيدة والدين، هذا هو العجيب! فهذه الكلمة جزء من بحر مرفوض عندنا بالكلية.
стр. 951
ولاية الفرق الكافرة لبعضها
السؤال
هل توجد علاقة بين العلمانية والماسونية، وإن وجدت فما العلاقة بينهما؟ وما العامل المشترك بينهما؟
الجواب
العلاقة موجودة، وقد ذكر الله ذلك في قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣].
الكفار دائماً بينهم علاقة، والمسلم لا بد أن يعلم أن كل كافِرَين على وجه الأرض فبينهما علاقة بالنسبة لك، ولو اختارا أن يقتتلا أو يتحاربا لاتفقا أولاً على حربك، ثم يتحاربان بينهما، هذه قضية.
والماسونية: هي حركة هدامة داخل المجتمع الأوروبي تسعى لهدمه، وهي تهدف إلى هدم الأديان والبشرية جميعاً لمصلحة اليهود، فكل من يدعو إلى العلمانية: فهو يدعو إلى هدم الدين.
إذن: فهو يسهم بالنصيب الأكبر في تحقيق أهداف الماسونية، والماسونية باعتبارها حركة سرية لا تقوم بالعلن، فلها عمل خاص سري لا يمكنني أن أتكلم عنها كمبدأ ولكن كأثر فإن أثرها يتفق مع هذه الفكرة الهدامة.
فلا يمكن أن ينضم إلى الماسونية رجل مؤمن؛ لأنه أول ما يبدأ يخلع إيمانه ودينه عند العتبة قبل دخوله الماسونية.
فالتوافق موجود بين هذه الملل والنحل جميعاً، فهم متفقون على قضية واحدة وهي أنهم يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم.
стр. 952
الاحتفال بالمولد النبوي بدعة العبيديين
السؤال
هل الاحتفال بالمولد النبوي يؤدي إلى العلمانية؟ كيف هذا؟
الجواب
الاحتفال بالمولد أحدثه العبيديون ويدخل فيهم المتصوفة وهو شراك المصيدة، ولا يجوز أن تذهب وتأكل من اللحم والرز، ثم تقول: اللهم صلِّ على محمد، فلم يرد هذا عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه من بعده.
فقضية الدخول في عملية المولد هي عملية جديدة ترضي العقل وتترك السنة، فإنه بداية الانحراف وهو من هذا الشراك، فإنه أولاً يدخل دخولاً عادياً ثم يدخل إلى الحضرة، ثم يرى روح النبي ﷺ في المنام، ثم في اليقظة، ثم يصل إلى مرتبة اليقين، ثم يتكلم من تحت العرش، وترفع عنه الصلوات الخمس، من أين أتى هذا؟! من تلك الليلة التي تعشى وصلى على محمد، فذكره الله! من هذه الليلة بدأ الانحراف، لا نتوقع أن أحداً يأتي ويقول لنا: اكفروا بالله، ولو جاء شيعي فقال: الصحابة كفار، والقرآن كذا، فلا أحد يصدقه، ولكن يقول لك: أحب علياً، ثم أحب الحسن، والحسين ثم فاطمة، ثم تكون نصيرياً، ثم تكون أركان الإسلام الخمسة هي علي والحسن والحسين وفاطمة، فهؤلاء كذلك يقولون: أنت تحب الرسول؟ تقول: نعم، فيقولون: تَعشَّ معنا الليلة وصل على رسول الله، هذه هي البداية، ومنها يستمر إلى أن ينتقل إلى منهج آخر، فبداية المعاصي هكذا، أسأل الله أن يجنبنا المعاصي والبدع.
стр. 953
دور المرأة في بناء المجتمع
إن للمرأة دورها الهام والخطير في بناء المجتمع المسلم، فهي حاضنة الأجيال ومنشئة الأبطال، ولقد كرم الإسلام المرأة، وأعطاها من الحقوق والميزات ما لم تتحصل عليه في شريعة من الشرائع، ولا أمة من الأمم.
وعلى قدر صلاح المرأة تصلح المجتمعات، ولقد أدرك المفسدون من اليهود والعلمانيين خطورة دور المرأة فأجلبوا عليها بقضهم وقضيضهم ليخرجوها من خدرها، وليهتكوا عنها سترها، مستهدفين بذلك إفساد دين الأمة، وتقويض دعائم المجتمع المسلم.
стр. 954
قضية المرأة
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: أتوجه إلى الله بالدعاء أن يجعل هذا الدرس في ميزان أعمالنا يوم نلقاه، وأن يثيبنا عليه بخير الثواب، وأن يكتب لنا أجر ما نقول وما نعمل، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، إنه على ما يشاء قدير.
إن مما يجب علينا أن نعلمه: أن أعداء الله يخططون ليل نهار للقضاء على هذا الدين، ويسعون لإطفاء نور الله بأفواههم، ويجتهدون ويدأبون من أجل أن يبذروا في هذه الأمة بذور الشر والخلاف والفرقة؛ ليبعدوها عن الصراط المستقيم، وليمزقوها وليدمروا فيها القلوب والعقول؛ لكي تصبح الأمة الإسلامية أمةً ذليلةً منقادةً لشهواتها، فيقودونها كما تقاد الدابة من شهواتها إلى ما يريدون، وكما خطط لها الأعداء المتربصون بالإنسانية جميعاً.
هذه قضية يجب أن نعلمها، وأن نعدَّ العدة لنقاوم هؤلاء الأعداء، ونعلم مداخلهم التي منها يدخلون إلى مجتمعنا ليخربوه.
إن موضوع المرأة لمن أعظم ما ينبغي أن نعلمه وأن نعرفه.
стр. 955
قضية المرأة بين الماضي والحاضر
كانت القضية المتعلقة بالمرأة فيما مضى من العصور، قضية آداب وأخلاق وحياء، وهي قضية من قضايا الإيمان الواجب؛ بمعنى: أنه عندما كان العلماء والخطباء والوعاظ يتحدثون عما نسميه نحن اليوم موضوع المرأة- ولم يكن بهذا الاسم- كانوا يتحدثون من أجل الآداب والأخلاق في المجتمع المسلم، لكي لا تنتهك ولتبقى متماسكة.
ولكن الذي حصل في هذا الزمان، أن القضية لم تعد بهذه المثابة فحسب، وإنما هي قضية دين أو لا دين، بمعنى: هل نتبع القرآن كلام الله ونتبع هدي محمد ﷺ ، أم نتبع ما عليه اليهود والنصارى، ونقول: إن ما جاء به القرآن قد عفا عليه الزمن ومضى وانتهى؟ فالقضية ليست قضية خلل في الأعمال، أعمال الإيمان، إنما هي خلل في أصل الإيمان، فقضيتنا قضية إيمان وعقيدة، وإن كانت في ظاهرها قضية اجتماعية؛ فالفتاة التي تتحجب في هذا الزمن، تتحجب عن إيمان ودين واعتقاد بأنها تطيع الله وهذا هو الحق وأن ما عداه هو الباطل، لا ينظر إليه ولا يؤبه له.
وأما التي تتهتك، أو من يكتبون دعوات التهتك والتبرج والسفور، فإنهم -جميعاً- يقولون بلسان المقال أو بلسان الحال: إن هذا الدين قد استنفد أغراضه وقد عفا عليه الزمن، وقد ذهب إلى غير رجعة، وإنما الأمر اليوم أمر متابعة الغرب، وتقليد تلك المجتمعات المتطورة المتقدمة.
وكون القضية بهذا الشكل يجعلها أخطر مما يظن بعض المربين أو بعض الآباء أو الأمهات، عندما يظنون أن البنت وإن تحررت وإن تهتكت أو تبرجت، فإنها سرعان ما تعود بعد حين كما كانت النساء من قبل، فالفتاة قبل سن النضج ربما فعلت شيئاً من ذلك، ولكنها سرعان ما تعود.
والحقيقة أن الأمر بخلاف ذلك؛ لأن الأمر -الآن- موجه توجيهاً فكرياً يقصد به تحطيم هذه الأمة بتحطيم القاعدة الأساسية التي هي منبع التربية، والتي لا تكون العقيدة والأخلاق والفضيلة إلا من نبعها لأنها هي الأم، وإن مما يثيرونه ويبلبلون به أفكار الشباب قولهم: إن المرأة المسلمة ممتهنة أو مظلومة أو عاطلة عن العمل، وما أشبه ذلك من الدعاوى التي نراها على صفحات الجرائد والمجلات، وفي المحافل وفي كل مكان يستطيعون فيه أن يقولوا أمثال هذا الكلام.
فماذا يريدون به؟ أيريدون إنصاف المرأة؟! أيريدون أن يرفعوا عنها الحيف والخوف؟! أيريدون أن ينزلوها المنزلة التي تليق بها؟! فلننظر إلى حال المرأة في ظل هذا الدين، وإلى حالها في ظل غيره.
стр. 956
مكانة المرأة عبر التاريخ
لسنا بحاجة إلى أن نستعرض قضية المرأة عبر التاريخ، ولكن يكفي أن نعلم أنه إلى القرن السابع عشر الميلادي في أوروبا كان من حق الرجل أن يبيع زوجته، وقد حصل ذلك، ولم تكن المرأة تملك شيئاً حتى القرن العشرين، وإلى هذه اللحظة لا تزال دول أوروبية معروفة إلى اليوم بأنها لا تعطي المرأة حق الانتخابات، فهي ليست محسوبة من ضمن الشعب الذي يحق له أن ينتخب، وإلى هذه اللحظة لا تملك المرأة أن تستقل باسمها، وإنما بمجرد أن تتزوج أي زوج فإنها تصبح تابعة له بالاسم، وفي كثير من الدول لا يحق للمرأة أن تتملك شيئاً أبداً، فضلاً عن أنهم كانوا على حال أشد من ذلك فيما هو ثابت في نظرياتهم الفلسفية منذ عهد اليونان، فقد كان فلاسفة اليونان يكتبون -وكتاباتهم موجودة إلى اليوم- ويتساءلون هل المرأة إنسان أم لا؟! وهل للمرأة روح أم ليس لها روح؟! أما رهبان الكنيسة فحدث ولا حرج، فقد كانوا يرون أنها شيطان رجيم، وأنها منبع الخطيئة، ومصدر الشر، وأن من خطرت في قلبه صورة امرأة أو تعلق بها أو اشتهاها، فإنه قد يطرد من ملكوت الله؛ لأنه بذلك يفكر في الدنس والخطيئة، وذلك بسبب ما قررته التوراة المحرفة -كما في سفر التكوين عن قصة آدم وحواء ﵉ من أن المرأة هي التي أغرت الرجل بأن يأكل من الشجرة.
ومن المعلوم أن مسألة الخطيئة -بالنسبة لنا نحن المسلمين- مسألة عادية مثلها مثل أي ذنب، حيث أن آدم عبد من العبيد أخطأ وأذنب ثم تاب، كما قال الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢١ - ١٢٢] فآدم ﵇ اقترف معصية ثم أعقبتها توبة، وعَقِبَ التوبة حَصَلَ الاجتباءُ من الله ﵎ وانتهى الأمر.
ولو أن الله أتاه العبد بقراب الأرض خطايا، ثم استغفره، لغفر له، لكنها في ذهن النصارى تختلف تماماً، لأنهم يقولون: إن المسيح ﵇ هو ابن الله -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- وأن الله ضحى بابنه ليصلب من أجل أن يخلص الإنسانية من خطيئة الأكل من الشجرة، فالخطيئة عندهم من صلب العقيدة، والمرأة هي التي أوقعت الإنسانية في الخطيئة، وتركتها في هذا الدنس إلى الأبد! هذا أحد الأسباب التي تجعلهم ينتقصون المرأة، وليست امرأة واحدة بل نوع الأنثى بكامله، فأينما وجدت المرأة بأي اسم وبأي شكل فإنها ممقوتة، وهي مصدر الشر ومصدر اللعنة على البشرية، لأنها هي التي أدت إلى هذا الجرم العظيم.
وبالرغم من أن هذا المعتقد زال نظرياً إلى حدٍ ما، نظراً لتحول أوروبا من النصرانية إلى العلمانية اللادينية، ولكن بقاياه النفسية ونظرته الاجتماعية لا تزال باقية، بل -كما أشرت من قبل- أن له بقايا في النواحي التنظيمية والقانونية أيضاً؛ لأن الإنسانية أو المجتمعات بأكملها تشبه الأفراد، ومن الصعب على الفرد مهما تقدم في العمر، ومهما ازداد من الثقافة أن ينسى ما كان في أيام طفولته من أحداث ووقائع ارتبطت بأمور معينة، ولذلك يصعب إلى اليوم أن نقتلع من أذهان الغربيين ما استقر فيها عن وضاعة المرأة.
ولهذا قامت في الغرب الحركة النسائية وتزعمتها عدة فئات منها هدامون يعملون في الظلام، وهدفهم تحطيم هذه الإنسانية بتحطيم الدين النصراني، وهؤلاء هم أتباع التلمود من اليهود، والذين يريدون أن يدمروا أديان البشرية جمعاء، ولا سيما أعدى أعدائهم وهم النصارى؛ المسيح وأتباعه، كما ينص عليه التلمود.
والآخرون أرباب شهوات، يريدون أن يتمتعوا ويستلذوا بخروج المرأة وبتبرجها وتهتكها، وللشهوة عندهم معنى غير معناها عندنا نحن المسلمين، وكل النفوس البشرية تشتهي المرأة، وكل رجل يشتهي الأنثى، فطرة كتب الله ذلك وخلقه وقدره في كل فطرة.
إن الميل من الذكر إلى الأنثى أمر طبيعي في بني الإنسان، لكن هذا الميل عند الغربيين يأخذ شكلاً آخر، وهو الشكل المحرم والممنوع والمحظور والمدنس حتى وإن حصل عليه؛ ولذلك فإن الأمم الأخرى -جميعاً- وليس المسلمون فقط، إذا احتاج الواحد منهم إلى الزواج تزوج، فإذا تزوج شعر أنه قضى وطره وانتهى الأمر، إلا الغربيين من النصارى أو من اتبعهم من رهبان البوذيين؛ لأنهم ينظرون إليها نظرة الدنس والاحتقار والخطيئة، فحتى وإن تزوج، فإنه كان يُنْظَر إليه -في العصور الوسطى على الأقل- أنه اقترف الدون، وفعل غير الصواب الذي هو أقل درجة، وإن لم ينظر إليه على أنه أخطأ خطأً محضاً، لكنه لم يأت بالأولى والأفضل، وهو أن يكون كالمسيح ﵇ الذي ذكر أن الرهبان هم خصيان الملكوت، الذين يدخلون الجنة؛ لأنهم خصوا أنفسهم عن هذا العالم، كما تنسب إليه الأناجيل المحرفة ورسائل بولس.
إذاًَ: عند الغربيين وإن تزوج وتمتع بالمرأة بأي شكل من أشكال التمتع حلالاً أو حراماً، وإن تهتك وابتذل وأَسَفْ حتى أصبح كالبهيمة فإن هذا السعار لا يخبو؛ لأن لهذا السعار عمقاً نفسياً آخر، وهو أنه يريد أن يعوض ما استشعره في قرون طويلة تجاه هذه الشهوة وهذه اللذة، فهو يعض ويعض، ومع ذلك يستشعر في نفسه أنه لم يستكمل لذته بعد، لأنه يعوض ما افتقده في القرون الماضية.
ومن المعلوم أن الغرب لم ينظم حياته -أصلاً- وفق القوانين الحديثة إلا بعد أن وضع أول قانون في أوروبا في القرن التاسع عشر عام (١٨٠٤م)، وهو قانون نابليون، ثم بعد ذلك أخذت بقية الدول تشرع القوانين وتضع الأنظمة.
وفي ذلك الوقت وضعت وشرعت القوانين التي تنظر إلى المرأة نظرة إجحاف وكأنها من سقط المتاع، إلا أن أولئك الهدامين أخذوا ينشرون هذه الأفكار بغرض إثارة المجتمع بعضه على بعض، لغرض التجارة المحرمة؛ لأن كثيراً منهم كانوا يتاجرون في هذه المتع المحرمة، ولا سيما اليهود، وهذا أمر معروف عنهم إلى اليوم، فهم ملوك البغاء في الأرض -كما يقال- لأنهم يتاجرون بالعرض، وهم -أيضاً- ملوك التجارة والمال، فيهمهم أن يتاجروا بجسد المرأة، وأن يعرضوا كل سلعة من السلع على جسد المرأة، فيمتهنونها بهذا الامتهان لكي يروجوا لبضائعهم، فإن كانت المرأة يهودية، فإنهم يحتسبون ذلك لها، كما احتسبوه لـ إستير تلك التي جعلوا لها سفراً في التوراة، وذلك عندما أسر اليهود إلى بابل، في بلاد الفرس، فأقامت تلك الداعرة الفاجرة العلاقة مع ملك الفرس، واستطاعت أن تحرر شعبها بتلك العلاقة نتيجة إغرائها لملك الفرس بحمالها، وسطَّروا ذلك في التوراة، وجعلوا لها سفراً فيها، ويقولون: إن كانت المرأة يهودية وخدمت مصالح اليهود ولو بعرضها فهذا يحتسب لها، وإن كانت نصرانية أو أممية من الأمميين، فهؤلاء كالحيوان بل أحط من ذلك، فلا نظر ولا اعتبار لأعراضهم ولا لما هو مقدس عندهم.
ولكن من المؤلم أن تنقل هذه الصورة بحذافيرها إلى المجتمعات الإسلامية، وينقلها دعاة الضلالة وهم ﴿دعاة على أبواب جهنم فمن أجابهم إليها قذفوه فيها﴾ كما أخبر النبي ﷺ ، قوم من أبناء جلدتنا ويتكلمون بلغتنا فهم ينقلون تلك الآفات والأدواء والعلل إلى هذه البلاد الإسلامية، ونحن لا ننكر أن المرأة في بعض البلاد الإسلامية، وفي بعض البيوت قد تظلم، ويحاف ويجار عليها، ولكن كل ما يقع من ذلك، فهو انحراف عن دين الله وعن كتاب الله الذي رفع الله به الإنسانية جمعاء، وجعله رحمة للعالمين، وليس ذلك -فقط- للمسلمين؛ بل رحم الله به الأقباط، ورحم الله به نصارى الشام، ورحم الله به نصارى بيزنطة، ورحم الله به أمماً في الهند والصين كانت مسحوقة مركولة، يستعبدها الكبراء والطواغيت من دون الله، ورحم الله من لم يسلم منهم بأن يدفعوا الجزية ويتحرروا من الطواغيت، ويعيشوا عيشة الإنسان في ظل الدولة الإسلامية، فضلاً عمن أسلم منهم.
يريدون أن ينقلوها إلى هذا المجتمع الذي يقول الله : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] فجعل الله ﵎ الحياة الطيبة -وهي الحياة في الدنيا- لمن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى، فالرجل والمرأة كل منهما مكلف بعبادة الله، ومأمور بطاعة الله، ومسئول بين يدي الله، كما قال ﷺ : ﴿الرجل راع في أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها﴾.
فهذه المرأة التي كانت في الجاهلية توأد، وكانت تباع في بلاد الروم والإغريق ولا قيمة لها، فيأتي هذا الدين -دين الرحمة- فيجعلها في تلك المنزلة، ويجعل من المرأة العربية التي لم تكن شيئاً مذكوراً، والتي كانت تورث كما يورث المتاع، فجعل منهن النساء العالمات، كأمهات المؤمنين -رضي الله تعالى عنهن- وكأولئك الصحابيات، والنساء الطاهرات، الذي لم يشهد تأريخ الإنسانية -قط- أمثالهن في الطهارة والعفة، أولئك اللاتي نزلت آية الحجاب فأصبحن كالغربان، أولئك اللاتي كنَّ المثل الأعلى لنساء البشر جميعاً في حسن الخلق وفي بر الزوج وطاعته، وفي بر الوالدين، وفي تربية الأبناء على الخلق القويم، وفي كل فضيلة من الفضائل، وبقي هذا الإرث لنا، وبقيت هذه الأحكام ملزمة لنا نحن المسلمين.
وهذا كتاب ربنا بين أيدينا، وهو أوضح وأجلى من أن يقال أو يتحدث فيه، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] فمما هو أقوم أن تأخذ أحكام الله في الطلاق، وفي موضوع المرأة والحجاب، وفي كل شيء.
стр. 957
دعاة تحرير المرأة
لما نقل دعاة تحرير المرأة هذه القضية إلينا -كما قلت- لم ينقلوها على أنها قضية مظلوم يُنتَصَرُ له، بل نقلت على أنها قضية امرأة مقابل رجل، وقضية ذكر مقابل أنثى؛ وهكذا استطاعوا أن يمزقوا المجتمع وأن يوجدوا هذه الفرقة بينه ليتمزق، فأي مكان للرجل فيه موضع قدم قيل: وأين مكان المرأة؟! وقيل للمرأة: وأين دورك؟! وأي مكان للمرأة، يقال للرجل: لماذا يترك المكان للنساء فقط؟ وهكذا حتى تتناحر المجتمعات، والمجتمعات الغربية من المعلوم أنها مجتمعات متفككة لا روابط فيها، فإذا بلغت الفتاة الثامنة عشرة تطرد من بيت أهلها، وتعيش كما تشاء وأينما تشاء مع من تشاء، وكذلك الحال مع الشاب من الذكور، وومن هنا فإن كل جماعة وفئة في المجتمع تحتاج إلى تكتل تنظم تحت لوائه لتنتصر إذا ظلمت من قبل الآخرين، ولذا نجد العمال لهم تكتلات مقابل أصحاب رءوس الأموال، والطلاب لهم تكتلات مقابل الجامعات، النساء أيضاً لابد أن يتكتلن وإلا ضِعْنَ، فتتكتل النساء ويجتمعن وينشئن الجمعيات.
لأن المرأة إن لم تكن في جمعية فلن تجد من يطالب بحقها؛ لأنها ستكون ضائعة في حكم القانون!! فلا بد أن تتكتل، ومن هنا تكونت الحركات والجمعيات النسائية وما أشبه ذلك.
وجاءوا إلينا -نحن- في بلاد الإسلام وهي البلاد التي لا تعرف هذه الفرقة -أصلاً- والتي يجب فيها على المجتمع ككل ألا تضيع فيه امرأة، ولا طفل، ولا إنسان، فإن لم يكن لها أب أو أخ يحميها، فلا بد أن يتولى القاضي الوصايةَ عليها، أو يقيمَ وصياً عليها أو يزوجها أو ينفق عليها أو يحفظها في دور للرعاية، فهي مصونة مكفولة، ويكفي أن تذهب إلى القاضي، وتقول: إنني لا عائل ولا محرم لي، وعندئذٍ تصبح في كفالة ولي الأمر، وحق عليه أن يفعل ذلك.
وهذا لا يوجد -أصلاً- في أي نظام من الأنظمة، فمثلاً: الشيوعية تحاول أن تدعي شيئاً من ذلك، ولكن لا وجود له.
أما المجتمعات الإسلامية فإن الرجل قد لا يبالي لو ضاع منه عشرة أبناء، ولكن لو فقدت منه ابنته يوماً واحداً، لاسوَّدت الدنيا في عينيه ولكأنها قامت القيامة.
ثم يؤتى إلى هذا المجتمع ويقال للمرأة فيه: تكتلي أيتها المرأة، طالبي بحقك، اخرجي، لماذا الرجال لديهم المناصب والجامعات؟! لماذا لديهم الوظائف الفلانية؟! فأصبحت القضية قضية رجل وامرأة.
ولو نظرنا إلى مطالبة المرأة لحقوقها في الغرب -كما أشرت- فلا يوجد من تطالبه؛ لأنه ليس لها روابط، فلتطالب بحقوقها في هذه الحالة، أما في المجتمع المسلم، فإن الزوجة تطالب زوجها، والأخت تطالب أخاها، والأم تطالب ابنها، ثم تأتي كاتبة في جريدة تقول: لتنتصف لأمي مني، أو لزوجتي مني! فلنفرض أن امرأة تعمل، ثم إن مديرها ظلمها، هل يمكن أن يقال: إن مديرها ظلمها، لأنه ذكر وهي أنثى؟! إن هذا لا يخطر إلا على عقول المجانين، فالمسألة ليست كذلك، فهو قد يظلمها، والظلم الإداري قد يقع على الرجل أو على المرأة؛ ولو وقع الظلم، فإن الذي ينتصف لها هو رجل آخر كالأخ، أو الزوج، أو الأب.
وهناك مثال آخر وهو: أن رجلاً تزوج زوجتين، فظلم الأولى منهما -كما يحدث غالباً-فيقولون: الرجل ظالم! ولو تأملنا من هو الظالم؟ هل هو الرجل أم الزوجة الثانية؟ لعلمنا أن القضية ليست قضية رجل فقط، ولكن القضية أن الظلم من شيم النفوس، كما يقول المتنبي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لم يظلم
نحن نقول: إن لم يوجد التقوى فلا بد من الظلم؛ لأن الذي يحجز الإنسان عن الظلم هو التقوى، ولن يحجزه عنها كاتب في جريدة.
стр. 958
محاولة إفساد المرأة
أثيرت قضية المرأة كما أشرت بغرض الإفساد وللإفساد فقط، ولهذا يأتون إلى أحكام قطعية مما يتعلق بالمرأة، كحكم خروجها من البيت لغير حاجة ولا ضرورة، فيجعلونه على أحسن الأحوال -إن لم يطالبوا بالخروج- موضع تساؤل ونقاش فيقال: ما رأيكم؟ هل ترون أن المرأة تخرج أو لا تخرج؟ وهكذا.
وكأننا كالغرب الأمة الضائعة التي لا تسنُّ فيها القوانين إلا عن طريق استطلاع الآراء العامة.
فيأتون إلى الناس في مسألة تعدد الزوجات -مثلاً- ويجرون مقابلة مع رياضي، أو مع فلاح، أو مع رجل كبير في السن يحدثهم عما قبل خمسين أو سبعين سنة، فيقال لهم: ما رأيكم في تعدد الزوجات؟ وربما يجعلون العنوان الرئيسي (فلان تزوج اثنتين) أو (لم أتزوج إلا واحدة) ومن العجب أن يكون هذا عنوان عريض في بلد الإسلام، وما الغرابة في أن يتزوج الرجل اثنتين أو ثلاثاً أو واحدةً، ولكن لأن لهذا الأمر أهميته في الغرب أتوا به إلينا.
وهذه القضية كثيراً ما تثار، وليس في دين الله ما يحرِّم أن يتزوج الرجل من زوجتين أو أكثر، أقصد بدين الله الذي أنزله على أنبيائه ورسله، وليس فقط دين الإسلام؛ فإن دين الأنبياء جميعهم في التوحيد واحد، ولكن الشرائع تختلف.
وأما مسألة تعدد الزوجات فكانت موجودة حتى في الشرائع السابقة، فهي موجودة في التوراة، فقد ذكر في التوراة أنه كان لدى سليمان ﵇ سبعمائة امرأة، والمسيح ﵇ لم يتزوج، ولكن لأنه كثيراً من الأنبياء جمعوا بين زوجتين فأكثر فإن ذلك يدل على وجود التعدد في الشرائع كلها، بل إن مما يتعجب له، أن الكنيسة الباباوية - الكاثوليكية - قالت: لم لا نتراجع عن النظر إلى الزواج في إفريقيا بالذات؟ لأن الأفارقة -بطبيعتهم- يحبون التعدد؛ فإذا علموا أننا نحرم التعدد، لم يدخلوا في النصرانية!!! فنقول: إن كان هذا من دين الله الذي أنزل، فلماذا تجانبون شرع الله؟ وإن كان هذا مما لم يشرعه الله، فيجب عليكم ألا تفعلوا؛ وذلك لأنهم ليس لديهم قاعدة مطردة في هذا، إنما يشرعون من عند أنفسهم لمصلحة الشهوة والهوى.
فأتوا إلى المجتمعات الإسلامية -كما قلت- وأفسدوها بالمجلات النسائية التي لا تتحدث إلا عن هذه القضية، وأفسدوها بالأفلام، وتجد أن المرأة لها دور أساسي من أول المسلسل إلى آخره، والغالب -كما يلاحظ- في المسلسلات أن موضوعها واحد ومكرر، فيجعلون لكل رجل امرأتين: إحداهما زوجة، والأخرى عشيقة، وفي الأخير تنتصر العشيقة دائمة، ويقولون: لو وضعوها زوجتين لما نجح الفيلم، ولا المسلسل، ولم يستقم الموضوع، فلا بد أن يوضعوا حلال وحرام، وفي النهاية ينتصر الحرام.
فهناك تخطيط، وإفساد متعمد، منذ أن جاءت حملة نابليون إلى العالم الإسلامي، وجاءت ببغاياها ورفعت شأن البغايا اللاتي كن موجودات ومروراً بالنوادي والصالونات إلى ثورة سعد زغلول عام (١٩١٩م)، وخروج المرأة وقولهم: إنها تحررت، إلى الجمعيات التي أنشئت، والأحزاب النسائية التي أسست.
وقد نشر هذا مؤخراً مع كثير من الوثائق، بأن حزب فتاة النيل، وحزب آخر من الأحزاب النسائية في مصر، كانت تشرف عليها وتمولها زوجة الرئيس الأمريكي روزفلت، وأما هدى شعراوي، وسيزا نبراوي ونظيراتهن، فهن من أعضاء الاتحاد العالمي النسائي، الذي كان يخطط لإفساد المرأة المسلمة -ولا يزال إلى الآن- ولن نتكلم أكثر من هذا، لأنها بمثابة كلمة للمداولة والمناقشة في كيفية مواجهة هذا الغزو وهذه الهجمات الخبيثة التي اقتحمت علينا بيوتنا، والتي لا يصح بأي حال من الأحوال أن نَغَضَّ الطرفَ عنها، وندفن رءوسنا في الرمال؛ ولأنها قضية يجب أن يكون لكل أب وأخ، ولكل مسلم ومسلمة موقِفُهُ، منها الذي يَصدق فيه مع الله ، والذي يعمَل فيه جاهداً من أجل أن يحق الحق الذي أنزله الله ، ويبطل الباطل الذي يريد أولئك أن يروجوه.
стр. 959
الأسئلة
стр. 960
دور الشباب في إيجاد المرأة المسلمة
السؤال
ما هو دورنا نحن الشباب في إيجاد المرأة المسلمة التي تقوم بدورها في بناء المجتمع؟
الجواب
دور الشباب أن يتزوجوا الفتاة الصالحة، ويكوِّنوا الأسرة الصالحة، وأن يقوموا بالدعوة إلى الله في بيوتهم، وفي حدود ما يستطيعون من إيصال الحق إلى المرأة.
وقد هيأ الله لنا من وسائل إيصال الحق إلى كل بيت ما لم يكن فيما مضى، فلنجعل للمرأة جزءاً من اهتماماتنا وندعوهن إلى الله، وكما قلت وأكرر: لا انفصام -أصلاً- بين المرأة والرجل، ولا بين الذكر والأنثى، وإنما ندعوهن إلى الله بالوسائل الشرعية المعروفة، وفي حدود ما نستطيع من هذه الوسائل.
ويجب علينا أن ننشر الوعي في مدارسهن وأقسامهن في الجامعات، عن طريق الكتاب أو الأشرطة أو المحاضرات، حتى يعرفن أن لهن دوراً عظيماً يجب عليهنَّ أن يحققنه.
стр. 961
حكم كشف الوجه للمرأة
السؤال
هل كشف الوجه واليدين في المرأة من الحجاب الإسلامي؟
الجواب
إنني لن أحدثكم عن كشف الوجه واليدين بسرد الأدلة من الكتاب والسنة، وإنما سوف أناقشكم أو أسألكم بأمر، تعرفون من خلاله الحكم في ذلك، ولا سيما وأنتم تعرفون أن الله إنما شرع هذا الدين -وبالذات الأحكام والآداب- من أجل الطهارة، والتزكية للنفوس والقلوب.
فنسأل ونقول: ما هو الشيء الذي يتغزل فيه الشعراء ويتغنى به المجَّان من المرأة؟ أهو وجهها أم أقدامها؟! ومن نظر إلى دواوين الشعر من الجاهلية إلى الإسلام -وحتى هذا العصر- فسيجد القصائد الغزلية -كما تسمى- وأحياناًَ كل قصيدة، كما قال المتنبي:
فهل كل من قال المديح متيم
ومن أي قصيدة حتى في المديح فسيجد فيها عشرة أبيات -على الأقل- في المرأة، وفي وصف العينين والخد، وأحياناً في وصف الخصر والرجلين، لكن الأصل في القصيدة هو وصف الوجه؛ لأنه محط النظر، ولذلك تجد اللقطات الخبيثة الفاجرة، التي يأتي بها هؤلاء الذين يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا فيعرضونها في الأفلام وفي المجلات، ولكن الذي يهمهم أن يبرزوه وأن يفتنوا به الناس هو الوجه، ولا نقصد -بطبيعة الحال- العورة، لكن نقصد الشعر والعيون والشفتين والأنف وما أشبه ذلك وكلها في الوجه.
فهذا هو موضع الفتنة، فهل يظن أن الله لما شرع الطهارة والعفة والحجاب للمسلمات، لتستر المرأة شعرها ونحرها ورجليها، ويبقى موضع الفتنة؟! وأنا قلت لكم: إنني لن أذكر الأحاديث الصحيحة لأنكم تعلمونها، لكن أعرج على حديث واحد -فقط- لتعرفوا هذا الحكم، وهذا الحديث في صحيح البخاري في أكثر من موضع، وكذلك في غيره: ﴿خرجت أم المؤمنين سودة في الليل لقضاء حاجتها، فرآها عمر بن الخطاب ﵁ بعد نزول الحجاب فقال: قد عرفناك يا سودة، فانكفأت وانصرفت ﵂ ولم تقض حاجتها، وجاءت إلى النبي ﷺ وفي يده عرق من اللحم يتعشى، فسألته عن ذلك: فتغشى النبي ﷺ الرحضاء، فلما أفاق منه قال: إن الله قد أذن لكُنَّ أن تخرجن لحاجتكن﴾.
ومن تأمل كيفية فهم الصحابة للحجاب، يجد أن الصحابة كانوا يظنون أن الحجاب معناه ألا تُعرف المرأة أبداً ولو من بعيد، فأذن الله أن تخرج المرأة لحاجتها وإن عرفت، فليس الغرض أن تعرف أو لا تعرف، والتفسير الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] هو أن المرأة إذا كانت نحيفة، فقد تكون جميلة في عيون بعض الناس، لكنها لا تستطيع أن تخفي ضعفها إذا خرجت لضرورة، وأما إذا كانت سمينة -وبعض الناس والعرب عموماً يعجبهم أن تكون المرأة سمينة- فإنه مهما تحجبت يظهر أنها سمينة فتفتن، فهذا مما ظهر منها، ولا تملك أن تخفي سمنها، فهذا الذي عفي عنه للمرأة.
والمقصود: أن الصحابة فهموا من الحجاب ألا تُعرف المرأة، فلو أن المرأة لا تغطي وجهها، هل يحتاج أن يقال عرفناك؟! لو قيل ذلك لاعتبر من العبث في القول، لأن الإنسان إنما يعرف بوجهه، وهذا أحد الأدلة، بالإضافة إلى أن معنى الخمار نفسه في لغة العرب: هو ما كان مرادفاً للنصيف وهو ما خمر وستر وغطى، والنصيف في لغة العرب، ما يغطي النصف الأعلى من الجسم، كما جاء في الحديث الصحيح من قول النبي ﷺ في وصف الحور العين: ﴿نصيفها على رأسها خير من الدنيا وما عليها﴾.
فمن ناحية الأدلة الشرعية، ومن حيث الوضع والعرف المشاهد والحس، ومن حيث اللغة نجد أنه لا بد أن تغطي المرأة وجهها وكفيها.
стр. 962
حكم كشف المرأة نفسها للطبيب
السؤال
إن بعض النساء إذا مرضن يذهبن إلى الأطباء من الرجال فيكشفوا عليهن، فما حكم ذلك؟
الجواب
المشكلة ليست أن المرأة تضطر فتذهب إلى الطبيب، ولكن المشكلة أننا أمة مسلمة تعرف أحكام الحجاب، وتعرف قيمة المرأة، وتعرف ما يجب عليها من هذه الأحكام، ومع ذلك لا يوجد في البلاد الإسلامية مستشفيات عامة كبرى مخصصة للنساء.
فإذا وجد هذا الاختلاط في الغرب، فذلك دينهم وحياتهم؛ أما في أمة الإسلام فالمستشفيات موجودة ويعمل فيها الجنسان من الرجال والنساء فلم لا يكون لدينا مستشفيات كبرى خاصة بالمرأة، كما أن لدينا جامعات خاصة بهن؟! ولخطورة هذا الجانب تجد أن بعض الناس يضطر إلى أن يذهب بأهله إلى طبيبة، وإن كانت عامة غير متخصصة، لكيلا يذهب إلى طبيب، وقد يضطر للذهاب إلى الطبيب، وعليه فإنه يجوز أن تكشف المرأة للطبيب عند الضرورة.
ولكن لماذا نلجئ أنفسنا إلى ضرورة نحن افتعلناها، وصنعناها، ولماذا لا توجد مستشفيات مستقلة ومتخصصة؟ هذا الذي يجب أن نسعى إلى إيجاده.
أين أغنياؤنا وأثرياؤنا وأموالنا التي تهدر في شراء المنتزهات في أوروبا وأمريكا؟! لماذا لا تستغل في هذا الشيء؟ والذي أتوقع وأجزم أنه سيحقق ربحاً كبيراً جداً؛ لأن مجتمعاتنا في جميع البلاد الإسلامية، رغم ما فيها من انحراف، فإن الرجل لا يريد أن يكشف على زوجته -وبالذات على عورتها- إلا امرأة.
ولكن هذا من جوانب التقصير، وما أكثر جوانب التقصير في حياة الأمة الإسلامية!
стр. 963
إنشاء مصنع نسائي
السؤال
نسمع في الجرائد رغبة بعض النساء والرجال في إنشاء مصنع نسائي، فما رأيكم في هذا؟
الجواب
أنا قرأت في إحدى الجرائد خبراً غريباً أنه يوجد عندنا مصانع تملكها نساء، ولماذا لا تكون العاملات فيها من النساء؟ فتعجبت وضحكت وقلت: سبحان الله! غريب أن يوجد عندنا مصانع تملكها نساء، وغريب أن المرأة تملك مصانع حتى ولو كانت في أوروبا؛ لأن القوانين -كما أشرت- تمنع ذلك، ولكن نحن لو مات عندنا رجل من كبار الأثرياء وترك بنتاً وابناً، فنصيب البنت الثلث من التركة، ولو كان نصيب البنت الثلث مصنعاً، فليس هذا غريباً أن ترث البنت مصنعاً، أو أن تملك مصنعاً، أو أن تملك أراضي، أو تملك عقاراً، فهذا لا إشكال فيه بالنسبة للملكية في الإسلام.
لكن قالوا: ما دامت بعض النساء تملك مصانع، فلتكن نسائية جميعاً، فالقضية ليست قضية أن المرأة تعمل في مصنع أو لا تعمل، إنما القضية أن نعلم أن الله خلق المرأة لتكون مربية للأجيال، تنتج أعظم إنتاج وهو الرجال، ولعلي أستعرض لكم بعض الأمور -بإيجاز- وبالذات فيما يتعلق بالسكان: في جميع الدول الأوروبية تأخذ الأسرة إعانة من الحكومة مقابل كل وليد؛ فيأخذ الطفل الأول خمسين، والثاني سبعين، وإذا جاء الثالث تأخذ الأسرة مائة وعشرين، وفي إيطاليا التي تعتبر من الدول الفقيرة نسبياً في أوروبا تعطي إعانات مماثلة وأكثر، وأما فرنسا فإنها تدرس الموضوع على مستويات عظيمة لأن الأمة التي لا تنتج رجالاً فهي أمة عقيمة؛ لأن الشباب -الذي تراه اليوم- وإن كان عدده كما في أمريكا ثمانين مليوناً -فرضاً- فبعد عشرين أو ثلاثين سنة سيصبح الثمانين مليوناً هرمين لا شباباً.
ولذلك ففي أمريكا رفعوا سن التقاعد -لأنهم نظروا إلى أن الشباب قد تناقصوا- ليعمل الكبار أكثر وأيضاً- لأن خبرتهم أكثر، سبحان الله هذا في الغرب! ونحن -هنا- نقول: لماذا لا تتوظف المرأة؟! وتتخرج الفتيات، فيكتبن في الصحف: لماذا لا تتوظف الفتيات ولا تجد من يكتب: لماذا لا يتزوجن؟ فمثلاً: إذا تخرج خمسون ألفاً -كما يقال- أو أربعون ألفاً، فإن عشرين ألفاً هم الخريجون من الذكور وعشرين ألفاً هن الخريجات من الإناث، ولا يوجد إلا عشرين ألف وظيفة، فما هو الحل؟ الحل أن نزوج العشرين الألف من الذكور بالعشرين الألف من الإناث، ونوظف الرجال، وانتهت المشكلة.
أما أن نوظف خمسة عشر ألف بنت وخمسة عشر ألف شاب، ويبقى عندنا خمسة آلاف امرأة قاعدات يأتين بالمصائب في البلد، وخمسة آلاف رجل عاطل يأتون لنا بالمصائب.
فكل مخالفة لأمر الله، لا بد أن ندفع ثمنها من أمننا ومن راحتنا، ومن استقرارنا ومن كل شيء، وكل طاعة لله تحقق لنا -بإذن الله- الخير والسعادة والرفاهية في الدنيا والآخرة.
فالمرأة إذا تخرجت من الجامعة وعمرها عشرون سنة فعملت؛ فإنها بعد عشرين سنة تصبح هرمة، وعطاؤها في العشرين سنة لا يعادل عطاء رجل مهما كان؛ لأن عندها آلام الدورة الشهرية، وعندها من الكبت والمشاكل الكثير، لكن لو أنها تزوجت لأصبح عندنا بعد عشرين سنة، شاب منها عمره ثمانية عشر سنة، والآخر بعده عمره خمسة عشر، وبعده ثلاثة عشر، وبعده عشر، وبعده ثمان إلخ، ولأصبح عندنا جيش من العاملين، ثم إن أولئك يتزوجون فينتجون -أيضاً- وهؤلاء يعملون وفي الجانب الآخر ينتجون رجالاً، فتستمر الأمة شابة فتية.
لكن الغرب هذا حاله، ولو فعلنا مثلما فعل، لأصبح حالنا كذلك، فسوف نستورد الأيدي العاملة من الرجال من أجل أن نخرج النساء.
وأما استيراد النساء، فالأدهى أن تُستورد المربية والخادمة من أجل أن تعمل وتتوظف المرأة، ثم تتقطع العلاقات بين الرجل والمرأة؛ لأن المرأة تعاني من حالات نفسية في العمل، وأيضاً- تنقطع العلاقات بين المرأة والأبناء؛ لأن الأبناء ربتهم الخادمات، فلم يعرفوا هذه الأم، فتكون التربية مختلة وفاسدة ومنحطة -غالباً- وذلك من أجل دريهمات معدودة أو من أجل الاستجابة لدعاة الشر، فمن أجل عمل المرأة، خسرنا المجتمع كله.
стр. 964
النساء ناقصات عقل ودين
السؤال
فضيلة الشيخ: نريد منكم أن توضحوا مقولة: (النساء ناقصات عقل ودين)؟
الجواب
قد وضحها النبي ﷺ بنفسه من الحديث ﴿ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب للب الرجل الحازم منكن﴾ ثم وضحه النبي ﷺ بقوله: ﴿أما نقصان عقلها فلأن شهادة المرأتين كشهادة الرجل﴾ كما قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢] فهذه هو نقصان عقلها، أي: إذا أدت شهادة، وأما نقصان دينها فإن مذهب أهل السنة والجماعة أن الدين قول وعمل، فأعمال الجوارح من الدين كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم﴾ [البقرة:١٤٣] أي: ليضيع صلاتكم إلى بيت المقدس، فإيمانها ناقص؛ لأنه قد يمضي عليها عشرة أيام أو سبعة أيام من الشهر ولا تصلي؛ وبين النبي ﷺ ذلك بقوله: ﴿فإنها إذا حاضت لم تصم ولم تصل﴾ فهذا نقصان دينها وذاك نقصان عقلها، ولا حاجة لتفسير أحد من الناس بعد تفسيره ﷺ .
стр. 965
نصيحة لباعة المجلات
السؤال
كيف ننصح الذين يبيعون المجلات التي تحتوي مقدمتها على صور نساء خليعة؟
الجواب
ننصحهم كما ننصح غيرهم، كما أمر الله تعالى بقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] هذا من أعظم المنكر؛ لأنه منكر ظاهر، والحمد لله فإنه قد منع ثلاث وعشرون مجلة من هذه المجلات الخبيثة، وبقي الكثير فنرجو من الله تعالى أن يوفق المسئولين للتنبه إلى ذلك.
لكن واجبنا -نحن- أن نبين لصاحب البقالة أو المكتبة أو المحل الذي يبيع هذه المجلات فنبين لهم أخطارها وأضرارها وأن بيعها حرام، ولا سيما المجلات المتخصصة في هذا الشأن، فلا شك في حرمتها لأن غرضها المتاجرة بالشهوات -فقط- وأن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، والحمد لله أن ربحها محدود، ولو سألت أي صاحب محل، فسيقول لك: الربح في هذه المجلة قرشين، وفي الآخرى نصف ريال، سبحان الله! فلماذا تحرصون عليها وربحها محدود؟! فنأخذهم بالحكمة وباللين، ونبين لهم خطرها وضررها، ونرجو أن الذي منع تلك أن يمنع الباقي، فلعلهم يهتدون ولعلهم يرجعون.
وكذلك نبين للمشتري إذا رأيناه يشتري أو من رأيناه قد اشترى، أو من نتوقع أن يشتريها، نبين له خطرها وضررها، وكذلك الأفلام وكل ما أشبهها من وسائل الفساد.
стр. 966
حكمة توريث المرأة نصف الرجل
السؤال
لماذا تأخذ المرأة نصف الرجل في الإرث؟
الجواب
إن كان يراد من جهة السؤال سؤال الله عن ذلك، فإن هذا حكم أنزله الله، والله تعالى ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ولا أظن أحداً منكم يقصد ذلك، لكن لا بد أن نوضح ونعلم أن الله لا يسأل لماذا على سبيل معرفة السبب أو المحاجة أو المعاندة لله ، فلا اعتراض على أمر الله، ولكن هل في ذلك حكمة نتلمسها، نقول: نعم، الحكمة ظاهرة وجلية.
فالرجل يجب عليه أن ينفق على المرأة لأن الرجل قوَّام، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] فهو القوَّام وهو المنفق، وإن لم ينفق على أخته، أخذ الثلثين وأخذت الثلث، لأنه سيتزوج وينفق على أسرته من الثلثين، وهي إن تزوجت فسيأتي من ينفق عليها وعندها الثلث، فهذا هذا هو غاية العدل.
لكن كيف لو كان الميراث سواء -كما في غير دين الإسلام- ثم تزوج الرجل -الأخ- لأصبح ينفق على عشرة أطفال وأمهم أو ثمانية أو خمسة، وهي تزوجت وينفق عليها زوجها وفي نفس الوقت لديها هذا الرصيد الكبير، فنقول: هذا ليس من العدل.
فتقسيم الميراث شرع أحكم الحاكمين، وليس شريعة نابليون ولا شرائع المجرمين المضلين من الطواغيت الذين اتخذهم الناس أرباباً من دون الله، لما شرعوا لهم هذه القوانين الوضعية.
стр. 967
دور الشباب تجاه تبرج النساء في الأسواق
السؤال
رأينا كثيراً من النساء في الأسواق متبرجات، فما دور المسلم تجاه ذلك؟
الجواب
المتبرجات، هن أخوات أو بنات أو أمهات أو جارات أو قريبات للرجال، والواجب هو علينا جميعاً بأن نتعاون على البر والتقوى، فنحن كمجتمع وكأفراد، يجب علينا أن نقوم بواجبنا، وكذلك على ولي الأمر -المسئول من الهيئة أو غيرها- أن يقوم بواجبه وهو الردع، وكذلك على أصحاب المحلات أن يقوموا بواجبهم، وأن يتقوا الله فلا يفتحوا المجال لهؤلاء النساء، فلا بد أن يحاصر كل منكر ينتشر في المجتمع من جميع الجهات، فلا تكفي جهة واحدة، ولا يكفي أن تقف الهيئة في السوق فتمنع المتبرجات، والبيوت تقذف بهن إلى الخارج، بل يجب أن يمنعن من البيوت ويمنعن في الأسواق، ويجب أن تمنع البضائع التي يتهافتن عليها كما يتهافت الذباب، وذلك لأن المرأة بطبيعتها تحب الحلية كما قال تعال: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨].
فلماذا نفتح المجال لأن تصبح أكثر الدكاكين والمحلات في بلادنا محلات للأزياء كأزياء باريس، أو أزياء بانكوك، أو إيطاليا، وألمانيا وفرنسا؟ مع أن أكثرها لا يليق بنا.
وأنا أتعجب حتى عندما أرى الصغار -ولا تنظروا إلى الكبار- كيف يُنَشَّأْنَ على ذلك، فترى في المسجد الحرام فتيات صغيرات بتقبيعات أمريكية وفرنسية كما نرى في الشارع الأوروبي وهُنَّ في الحرم!! والأم متحجبة لكن البنت تنشَّأ على هذا، فمن أين جاءتنا هذه التقبيعات وهذه الصرعات؟! إنما جاءتنا من جهلنا بديننا؛ ولأننا فتحنا قلوبنا ومجتمعنا للغزو، فغزونا هم، وأتوا إلينا، فيجب أن نحصن أنفسنا ومجتمعنا.
стр. 968
منع مفاسد التلفزيون عن المرأة
السؤال
ما هي الطريقة المثلى التي يستطيع بها الشاب المسلم منع المشاهد المعروضة في التلفزيون، والتي تسبب فساد المرأة؟
الجواب
إن التربية الإسلامية لا تقوم في الأصل على المنع، وإنما تكون التربية على الإيمان، وتزكية النفس بالإيمان، فالرجل إذا زكى أسرته بتقوى الله ورغبهم في الآخرة، وبين لهم حكم من يعصي الله؛ وكيف يكون شقاؤه في الدنيا وعذابه في الآخرة، وجَعلَهم دعاةً وهداةً، يعلمون قيمة الطاعة وثمرتها وفضلها، وشر وسوء عاقبة المعصية، فحينئذ لا نحتاج إلى المنع إلا في حالات معينة.
فأول أساس نبدأ به هو التزكية والإصلاح.
стр. 969
المؤامرة على الإسلام
الصراع بين الحق والباطل سنة كونية أزلية، وإن العداوة بينهما مستمرة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فما إن يظهر نور الحق والخير حتى تشرئب إليه أعناق الباطل والضلال محاولة إطفاء نوره وطمس آثاره.
وفي هذه المادة يتحدث الشيخ عن المؤامرات التي يحيكها أعداء الله لكيد الإسلام والمسلمين على مر العصور، مبيناً قدم هذا الصراع، وموقف الدولة الإسلامية في صدر الإسلام من هذا الصراع، والوسائل التي اتبعتها لإحباط مثل هذه المؤامرات.
стр. 970
منشأ الصراع بين الحق والباطل
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن خير الحديث كلام الله ، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار وبعد: المؤامرة على الإسلام قديمة قدم الحق والباطل، وكلكم تعلمون أول صراع نشأ بين الحق والباطل، وقد حدثنا الله ﵎ عنه في كتابه العزيز، وكان هذا الصراع منذ نشأة الجنس الإنساني، منذ أن خلق الله ﵎ آبانا آدم ﵇، وقام الشيطان بمعاداته، وكان الصراع بين الحق وبين الباطل، وأهبطوا إلى الأرض.
ومن هناك استؤنفت العداوة من جديد، وظهر منهجان متعارضان: نور وظلام، فحيثما فقد النور وجد الظلام، وكلما اشتد النور وقوي كلما ضعف الظلام أو اضمحل، ولابد أن يظهر أحدهما، ولا يمكن أن توجد حالة لا نور فيها ولا ظلام! أو لا حق فيها ولا باطل! ولا يمكن أن يوجد قلب بشري إلا وهو إما على حق وإما على باطل، ولا توجد أمة من الأمم إلا وهي إما على الحق وإما على الباطل، ولا توجد عقيدة من العقائد إلا وهي إما على الحق وإما على الباطل وهكذا إلى الأبد.
فهي عداوة أزلية كونية جعلها الله ﵎.
وهي أيضاً مستمرة أبدية بين الحق وبين الباطل، وكلما قويت شوكة الحق؛ كلما كانت عداوة أهل الباطل أكثر، وتعاونهم أعظم لإبادته.
стр. 971
ظهور الحق
وتعلمون أن أعظم ظهور للحق هو ما كان على يد سيد ولد آدم ورسول الله إلى العالمين كافة محمد بن عبد الله ﷺ ، هذا النبي العظيم الذي أظهر الله ﵎ به الدين، ونصر به الأنبياء السابقين أجمعين، وأبان الله برسالته أن كل من سبقه من الأنبياء ومن دعوات الحق؛ أنها فعلاً على الحق، وأن كل من عادى الحق؛ فإنه مخذول مرذول إلى أن تقوم الساعة.
هذا الرسول العظيم ﷺ ، جرت عليه وعلى دعوته تلك السنّة الكونية -العداوة بين الحق وبين الباطل- أي أن أهل الباطل لم يقفوا مكتوفي الأيدي لمواجهة هذا الرسول ودينه الجديد الذي جاء به، بل حاربوه أشد الحرب وأشد الأذى مما تعلمونه جميعاً، آذوه واتهموه بأشنع التهم، وحاصروه في الشعب هو وأصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم، بل أرادو قتله.
لم يتخلوا عن وسيلة يستطيعون أن يؤثروا بها عليه إلا استخدموها لكبت هذا الدين ولغمط هذا الحق، حتى الترغيب استخدموه: إن كان يريد ملكاً ملكناه! وإن كان يريد امرأة زوجناه! وإن كان مريضاً عالجناه! عرضوا عليه جوانب الترغيب مع جوانب الترهيب، كل ذلك ليطمسوا هذا النور الذي جاء به هذا النبي العظيم محمد ﷺ ، وتآمرت قوى الشر منذ عهده ﷺ على ذلك.
стр. 972
أعداء الإسلام في العهد النبوي
وتعلمون جميعاً سيرته الزكية الطاهرة ﷺ تعلمون ما وقع في يوم الأحزاب ونقوله لأن السنة فيها أوضح الدروس والمثال فيها أظهر، واجتمعت الطوائف الشريرة الثلاث التي ما فتئت إلى يومنا هذا تكيد للإسلام، وهي هي التي تكيد له هذا اليوم، اجتمع حقد المشركين وتألب عباد الأصنام والمشركون من قريش وغطفان، ومن استجاب لهما من قبائل العرب، فجاءوا إلى المدينة، وتعاون معهم الحقد اليهودي والضغينة اليهودية التي تمثلت في بني قريظة، وتعاون معهم ما يسمى في العرف السياسي أو الحربي المعاصر -الطابور الخامس- ونعني به المنافقين الذين هم أعداء هذا الدين في كل زمان ومكان، والذين لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتخلص هذا الدين من عداوتهم بالكلية، ولكنه إذا ظهر وقوي خف أمرهم، وإذا ضعف أمره؛ ظهروا وأظهروا تعاونهم مع أعداء الله ﵎.
والنفاق باب واسع، ضعوا تحته ما شئتم من فرق النفاق، ومن طوائف الضلال، وكل من انتسب إلى هذا الدين ظاهراً وهو يعمل لهدمه باطناً، ولكن الله تعالى أظهر دينه، وأنجز وعده، وهزم الأحزاب وحده، وكفى الله المؤمنين القتال.
ولكن أعداء الله لم يسكتوا إلى الأبد، بل استمرت السنة الكونية، فبعد أن أظهر الله -تعالى- نبيه ودينه في جزيرة العرب أجمع، حتى أن النبي ﷺ قاد الجيش بنفسه إلى تبوك لمنازلة أعظم قوى الأرض وهي الامبراطورية الرومانية، وقبض رسول الله ﷺ بعد ما أكمل الله له الدين، وأقام به الحجة، وترك خلفه الرجال الذين تربوا بتربيته النبوية الكريمة الطاهرة، وزكاهم ﷺ بالتربية القرآنية، وأصبحوا أهلاً لأن يحملوا هذا الدين وأن ينشروه للعالمين، وحدثت المؤامرة وبرزت رءوسها من جديد بوفاته ﷺ ، إذ حصلت ردة جماعية، ونجم النفاق والكفر، وظهر من جديد في جزيرة العرب، ولم يبق على الإسلام إلا المدينة ومكة والطائف وبنو عبد القيس في البحرين وبعض القبائل، وظهر المتنبئون الكذابون، وظهرت العداوات والأحقاد الكامنة في قلوب كثير من الناس، والضغائن التي لم يخفها إلا الخوف من قوة الإسلام وبطشه.
стр. 973
جهود الخلفاء الراشدين في ردع الحاقدين على الإسلام وأهله
وقاد الصديق ﵁ الحرب من جديد، وخرج أصحاب محمد ﷺ من المدينة بجيوش متعددة، كل منها إلى جهة من الجهات، ونصرها الله وأخضعت تلك القبائل والمناطق جميعاً، ولم تقف عند ذلك، بل انطلقت شرقاً إلى الامبراطورية الفارسية، وغرباً إلى الامبراطورية الرومانية.
وجاء الفاروق عمر ﵁ فأكمل فتح البلاد، وكان مما عمله ذلك العمل الجليل العظيم وهو من أجل أعمال الفاروق ﵁ أنه أجلى يهود خيبر لما رأى منهم العداوات والضغائن، فأجلاهم إلى أطراف الشام وإلى حيث شاءوا.
وهنا بدأ المكر يتجمع من جديد، فإن هذا الدين الذي نشره الله على أيدي هؤلاء الرجال؛ قد قوض الشرك وأقام لواء التوحيد، وهدم البدع والضلالات والخرافات، وأقام السنّة على المحجة البيضاء، وهدم عروش الظلم والطغيان والفساد، وأقام حكم الله حكم العدل والإنصاف، وهدم مجد طواغيت الشر في العالم، من القياصرة والأكاسرة، ومن دجاجلة الأديان وكهنوتها، الذين كانوا يفرضون على الناس باسم الدين التحكم في أموالهم وأعراضهم، بل وفي قلوبهم، فيملون عليهم مايريدون أن يعتقدوه.
وهدم العقائد جميعاً: اليهودية والنصرانية والمجوسية وهي أشهر وأوضع العقائد، وما تفرع عنها، وهنا كان لابد أن تكون المؤامرة، ولابد أن تتحرك الأفاعي الشريرة في الظلام، وكان مقتل أمير المؤمنين عمر ﵁ بيد أعداء الإسلام، وأعداء الدين أولئك يرتكبون خطأ يكررونه دائماً ولا يتعظون منه، فهم يظنون أن هذا الدين مرتبط بشخص ما، قالوا: إذا قتلنا محمداً ﷺ ذهب الدين، ولهذا وضعت اليهودية له السم -كما في الحديث الصحيح- وظنوا أنه إذا مات سيموت دينه، بعد ما حاولت بنو النضير اغتياله، وغير ذلك من المحاولات.
ولما أن فتحت تلك البلاد في عهد الفاروق عمر، ظن أعداء الإسلام من فرس وروم ويهود ونصارى ومجوس وجميع تلك النحل أنه إذا قتل الفاروق انتهى الدين، وهكذا دائماً، كل من يرونه يحمل لواء الدين ولواء السنة يظنون أنه إذا حورب في ذاته انتهى الأمر، ونحن نعلم جميعاً أن هذا النظر خاطئ تماماً، إن الأمر أمر الله والدين دينه وماهؤلاء الرجال إلا أناس اصطفاهم الله تعالى بالقيام بأمر دينه، فهم ينالون الشهادة، ويخلف الله بعدهم من يقوم بهذا الدين، لأنه قد وعد أهل دينه، وتوعد أعداءه بأن يظهر هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون ولو كره الكافرون.
стр. 974
مقتل الفاروق عمر ﵁
فكيف قتل الفاروق عمر بن الخطاب ﵁؟ الثابت في مقتله أنه كان بمؤامرة مجوسية نصرانية، ويقال إن لليهود ضلعاً في ذلك، ولكن الثابت أن جفنة النصراني شاهده بعض الصحابة هو وأبا لؤلؤة المجوسي، الذي تولى عملية القتل، رأوهما ليلة اغتيال الفاروق وهما واقفان في الظلام، ولم يشعرا إلا وهؤلاء الناس يمرون عليهما، فسقط من بين أيديهما نصل عريض له حدان.
وفي صباح تلك الليلة يغتال الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ وإذا بذلك النصل نفسه هو الذي نفذ الجريمة الشنعاء في أمير المؤمنين ﵁ وبضعة عشر نفراً من الصحابة في الصلاة، طعنهم هذا الفاجر المجرم يميناً وشمالاً لكي يهرب، فمنهم من استشهد ومنهم من جرح وأصيب، وكانت هذه مؤامرة، وكان هناك طرف ثالث هو الذي حرك أبا لؤلؤة وهو الهرمزان وكان ملكاً من ملوك الفرس، جيء به إلى المدينة فأظهر الإسلام، وأراد أن يهدمه، وهو الذي لقن أبا لؤلؤة المجوسي، واتفق معه على مقتل الفاروق ﵁ ولهذا قتل الهرمزان فوراً حال مقتل الفاروق ﵁.
стр. 975
الفتوحات في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان
فإذاً المؤامرة أرادت بقتل عمر ﵁ أن يزول الإسلام وأن يمزق شمله.
ولكن الذي حصل أن الله جمع الأمة من جديد، وفتح في عهد عثمان ﵁ -وهو الخليفة الراشد الثالث- فتحت من بلاد المجوس -هؤلاء- أفاقاً وبلاداً بعيدة حتى وصلت الفتوحات إلى قريب من بلاد ما وراء النهر، مما زاد الضغينة وزاد الحقد في قلوب أولئك الكفرة ضد الإسلام.
стр. 976
عبد الله بن سبأ اليهودي ومشابهته لبولس
وحينئذٍ ظهر عبد الله بن سبأ الذي حذر عنه الإمامُ الشعبيُّ ﵀ مالكَ بنَ مغول كما ذكر ذلك ونقله شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ في أول كتابه منهاج السنة النبوية.
ظهر ذلك الرجل اليهودي الماكر وقد سمى نفسه: عبد الله بن سبأ، والذي أراد أن يهدم دين الإسلام كما هدم بولس دين النصرانية.
مختصر قصة بولس أنه رجل يهودي، كان يعذب النصارى أتباع المسيح عيسى ﵇ تعذيباً شديداً، فلما رأى أن تعذيبهم لا يزيدهم إلا إيماناً!! قال: لا بد من حيلة، فتحايل عليهم بالمكر اليهودي المعروف، وقال: إني كنت ذاهباً إلى دمشق وإذا بصوت يناديني من السماء، ويقول أنا: المسيح، أنا ابن الله، أنا كذا، لماذا تضطهد شعبي، ولماذا تضطهد أهل ملتي؟ ادخل في ديني، فقال: أنا دخلت الآن وأصبحت في دين المسيح، ودخل في دينهم، وأخذ يهدم دينهم من الداخل، فقال: إن المسيح إله، وقال: إنه ابن الله، وأمثال ذلك من الكفر، حتى خرب دين النصارى.
وهكذا عبد الله بن سبأ هو الذي قام بدور بولس في هذا الدين، كما أثبت ذلك الشعبي وبينه من بعده، وأضافوا إليه، ثم -أيضاً- شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية وضحه، والتاريخ واضح في ذلك، عبد الله بن سبأ هذا: تآمر مع غيره؛ فخرجت في آن واحد رءوس الشر، جاءوا من مصر والكوفة واليمن، وجاءوا من عدة جهات إلى المدينة النبوية إلى حيث الخليفة الثالث عثمان ﵁، وما زلوا يتآمرون عليه -كما هو معلوم في التاريخ- حتى قتلوه ﵁.
стр. 977
خلافة علي بن أبي طالب وما فعله اليهودي عبد الله بن سبأ
وبعد ذلك لما تولى الخلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ دخل عبد الله بن سبأ في جيشه هو وأصحابه، وأظهروا أنهم يحبون عليّاً، وأنهم يريدون أن يعطوه حقه وقدره الذي هضمه وظلمه الثلاثة الخلفاء الراشدون الأولون، وهذا هو المدخل الذي أرادوا منه أن يشعلوا الفتنة، وكانت معركة الجمل، وقد ثبت أن من قتل فيها من كبار الصحابة كـ طلحة والزبير إنما كانت تلك الفتنة وتلك المعركة بتحريش من السبئية من أصحاب الفتنة، أمثال هذا الرجل.
ثم لما أن ظهر أمير المؤمنين علي ﵁ على الكوفة وعلى العراق جاء أولئك وأخذوا يبثون في صفوف أتباعه تلك العقيدة، وحصل من بعضهم ما عرف وكشف وهو أنهم جاءوا إليه ﵁ وهو خارج، فلما رأوه سجدوا له، وقالوا: أنت هو؟! قال: من هو؟ قالوا: أنت الله!! يقولون هذا لـ علي ﵁ فتعجب كيف يوجد مسلم أو إنسان يظن أن الله هو أحد البشر!! فغضب وأمر أن تحفر الحفر وأوقد فيها النيران وأحرقهم فيها، فلم ير لهم من عقوبة أزجر من ذلك، ولم ير أن يعاقبوا بأقل من ذلك، لشناعة وفضاعة ما يقول هؤلاء، كيف يعتقدون أنه إله! ثم أراد أن يقتل عبد الله بن سبأ ولكنه نفاه إلى بلاد فارس ليتقي شره، ولأنه خشي إذا قتله أن تثور الفتنة؛ لأن أصحاب الفتنة متوافرون في جيشه، وهو يريد أن ينهي الأمر مع أهل الشام، وحصل ما أراده الله لحكمة يعلمها، وهو أنه في تلك البقعة التقى الحقد اليهودي الذي يمثله عبد الله بن سبأ مع الحقد المجوسي الذي كان كامناً ومستقراً في قلوب أولئك، لأن الإسلام قد هدم ملكهم، وشل عروشهم، ومزق حضارتهم وبلادهم، وهم المجوس الفرس، وكما تعلمون أن اليهود يعيش منهم طائفة كبيرة في تلك البلاد، فمن علامات صدق نبوة محمد ﷺ -وكل ما نراه من سيرته فهو دليل على صدقه ﷺ ، وأنه لا ينطق عن الهوى- أنه قال كما في الحديث الصحيح: ﴿يتبع الدجال سبعون ألفاً من يهود أصفهان -أو أصبهان- عليهم الطيالسة﴾ هذه المدينة فيها أكثرية يهودية وفيها أيضاً من نواح أخرى يهود، هؤلاء اليهود هم كهنة ذلك الدين الذي نشأ ليطعن دين الإسلام وليدمره تحت ستار التشيع.
فـ عبد الله بن سبأ وجد في الحقد المجوسي بغيته، وأخذ ينشر فيهم هذه العقيدة الضالة الفاسدة في علي بن أبي طالب ﵁ لا حباً وتعظيماً لـ علي ولكن لغرض هدم الإسلام، ودخل هو واليهود الذين معه، وأدخلوا معهم هذه الأمة التي كانت جاهلة وحاقدة، إلا من اهتدى منهم.
ونحن لا نتكلم على من اهتدى، وقد اهتدى منهم كثير -ولله الحمد- لكن حصل أن هؤلاء جميعاً دخلوا في هذا الدين الذي يسمى دين التشيع، ومنذ ذلك الحين ابتدأت الأمة الإسلامية في حرب لا هوادة فيها مع هؤلاء المجوس المتسترين.
وعندما يريد الله أمراً فإنه يهيئ له أسبابه، وكان مما أراده الله أنه لما جيء ببنات كسرى سبايا فتزوج بعض آل البيت منهن، وكان من ذلك أن الحسين بن علي ﵄ تزوج إحداهن، وأنجبت له زين العابدين علي بن الحسين، فكان علي بن الحسين أمه فارسية بنت كسرى، وأبوه الحسين بن علي بن أبي طالب فكان هذا سبباً رئيسياً في أن يعتقد عوام هذه الأمة أنه فعلاً أحق الناس بالخلافة هم هؤلاء آل البيت، ولا يوجد عندهم خليفة أو إمام إلا وهو من ذرية هؤلاء.
يقولون: إن الإمام علي هو الأول، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم من بعده من ذريته زيد بن علي بن الحسين إلى أن يصلوا إلى الإمام الحادي عشر الإمام الحسن العسكري، ثم الثاني عشر الذي اختفى في السرداب كما يزعمون، هذه الخرافة التي لا يصدقها عاقل لا في القديم ولا في الحديث.
стр. 978
مؤامرة يهودية على الإسلام باسم آل البيت
وحصلت مؤامرة كبرى على الإسلام في القرن الأول، فخرج المختار بن أبي عبيد، وخرجت طوائف أخرى كثيرة بقصد تقويض هذا الدين، لكن تحت شعار أن هذا الحكم مغتصب لحق آل البيت، وكان آل البيت: محمد بن الحنفية كمثال، وهو محمد بن علي بن أبي طالب وسمي بـ ابن الحنفية تمييزاً له عن السبطين الحسن والحسين؛ لأنه ليس من ذرية فاطمة ﵂ إنما هو ابن امرأة من بني حنيفة، وهو يعلن جهاراً نهاراً أن هؤلاء الذين يدعونني لست منهم في شيء، ولا أعرفهم، وليس لي أي صلة بهم، وتبرأ غيره كثير من أهل بيت رسول الله ﷺ ، الذين كانوا جزءاً من هذه الأمة الإسلامية، ولا يزالون -ولله الحمد- إلا من انحرف أو ضل؛ يتبرءون منهم وأولئك يعملون لهم.
واستمرت المؤامرة تحت شعار آخر، وهو لما قام العباسيون الأولون بمحاولة السيطرة على حكم بني أمية، وانتقال الخلافة من بني أمية إليهم، فدخل أولئك في خدمة بني العباس، وأرادوا أن يقيموها دولة عباسية، ويسمونها دولة بني العباس في الظاهر وتكون في الحقيقة دولة مجوسية.
стр. 979
تنبه خلفاء بني العباس لمكر المجوس
وحصل أن قوض أبو مسلم الخراساني ملك بني أمية، فقام وأنشأ الدولة، ولكن الله هو الذي تكفل ببقاء هذا الدين، وهو الذي وقف بالمرصاد لأعداء دينه، فيسر بأن تنبه خلفاء بني العباس لهذا الأمر.
стр. 980
الخليفة أبو جعفر المنصور
فكان الخليفة أبو جعفر المنصور -الخليفة الداهية- فطناً ذكياً، فاستدعى أبا مسلم وقتله وقتل وفرق أتباعه، وأعاد الدولة على المنهج الصحيح، وكانت دولة سنَّية، ولم تكن كما أرادوا مجوسية تتستر بالتشيع.
فأخذ أولئك المجوس يكيدون من جديد للدخول في الدولة ولو من طريق آخر، فانتشرت في عهد المهدي الفتنة التي تعرفونها جميعاً وهي فتنة الزندقة، حيث كثرت الزندقة وانتشرت داخل الدولة العباسية، يريدون أن يقوضوا الإسلام! وأن يهدموا القرآن والسنة! ومما أوجدته الزندقة: وضع الحديث؛ فكانوا يضعون على النبي ﷺ المئات والألوف من الأحاديث، وكان المهدي ثم الرشيد ومن بعدهما يقتلون أولئك الزنادقة ويحاربونهم.
ثم جاءت البرامكة وهم طائفة من المجوس فجاءوا من باب آخر، من باب الكرم، فكانوا ينفقون من مال بيت المسلمين ولا ينفقون من أموال كسرى، ولكن يتظاهرون بالكرم؛ فأغدقوا على الشعراء، وعلى أصحاب المصالح الدنيوية، والمطامع الرخيصة، أغدقوا عليهم الأموال، وأولئك يطرونهم ويثنون عليهم ويمجدونهم، ولكن الله كان لهم بالمرصاد، حيث كشف نواياهم وخباياهم، حتى قال فيهم الشاعر:
إذا ذكر الشرك في مجلس أضاءت وجوه بني برمك
وإن تليت عندهم آية أتوا بالأحاديث عن مزدك
ومزدك هذا -المجوسي- هو الذي نشر الشيوعية في أيام الدولة الفارسية القديمة.
стр. 981
الخليفة هارون الرشيد
ولما حج هارون الرشيد ﵀ -وكان يحج سنة ويغزو سنة- وكان يرى هذه الطائفة، ويرى ما تعمل، وعرف خباياها ونواياها، حتى هيأ الله ﵎ في تلك الحجة أن اكتشفهم يقيناً، وذلك عندما قال له البرامكة: يا أمير المؤمنين إن هذا البيت معظم، وإن الخلفاء يعظمونه، وخير ما يخلد به اسمك في التاريخ أن تأتي بمجامر كبيرة، وتضعها حول الكعبة وتجعل فيها أفضل أنواع العود والروائح الطيبة، ولا تزال توقد -دائماً- فيكون لك من الذكر ومن الفخر ما لا يكون لأحد من الخلفاء، فشكرهم على هذا، وفطن للأمر وشاور فيه بعض العلماء، فقالوا: هذا رأي مجوسي -يا أمير المؤمنين- من نصحك وأشار عليك بهذا؟ هؤلاء مجوس يريدون أن تعود نار كسرى إلى بيت الله الحرام، ولكن تحت ستار المجامر والطيب والعود، فما إن عاد هارون الرشيد إلى بغداد حتى قضى على هذه الأسرة وأبادهم، وكفى الله تعالى شرهم.
стр. 982
الفتن في عهد المأمون
ثم كان عهد المأمون، وكانت الفتنة من نوع آخر، حيث ابتلي المأمون بفتنة الاعتزال والتفلسف، ونتيجة لذلك كان العذاب الشديد على الأمة، التي منها -كما تعلمون- الإمام أحمد ومن معه، وكان من آثار ذلك على المأمون أنه أعلن الخلافة لـ علي الرضا -وهو من أئمة الرافضة الاثنى عشر كما يزعمون- فأراد أن ينقل الخلافة النهائية من بيت بني العباس إلى ذلك الرجل الذي يتستر أولئك القوم وراء الدعوة له وإلى خلافته، ولكن الله أحبط كيدهم، وكان في تدبيرهم تدميراً لهم، وجاء النصر للسنة.
وظهر أمر الله على يد المتوكل، وقضي على تلك الفئة واندحرت، وبعد ذلك النصر الذي حصل، وبعد وفاة الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- بحوالي أكثر من أربعين سنة، ظهرت في أطراف الكوفة الباطنية وظهر القرامطة الأولون، ولم ينتصف القرن الرابع حتى ملأ الرفض الدنيا شرقاً وغرباً، كما قال الإمام الذهبي ﵀.
فكانت الخلافة كما تسمى العبيدية الفاطمية تحكم بلاد المغرب ومصر، كما كان القرامطة يحكمون شمال الجزيرة العربية وشرقها، ويقطعون الطريق على الحجاج، وكان بنو بويه في بغداد وشرقي العالم الإسلامي وهم -أيضاً- من الرافضة.
ولكن الله أيضاً لم يجعل على أيديهم طمس هذا الدين، ولن يكون ذلك، وإنما استمرت الحرب سجالاً بينهم وبين المسلمين، على جميع المستويات الحربية والعلمية، حتى جاء أواخر القرن الخامس وجاء الصليبيون.
وبمجيء الصليبيين يدخل طرف ثالث خطير في المؤامرة على الإسلام، وذلك أن الصليبيين لما جاءوا كانت أهدافهم وأطماعهم متركزة حول بيت القدس، ومنه ستنطلق خططهم لهدم الإسلام والقضاء عليه.
стр. 983
مكر الرافضة بالإسلام
فكان التواطؤ والتعاون بين الرافضة والباطنية، الذين كانوا يحكمون بلاد مصر والشام وبين الصليبيين، فسهلوا لهم دخول بيت القدس، ولم يكن بينهم أي حرب، وإنما دخلوه وانتهكوا حرمته، وقتلوا سبعين ألفاً من المسلمين حتى غاصت خيولهم في دماء المسلمين إلى الركب، واحتلوا القدس، وبقي في أيديهم وانتشروا في بلاد الشام، وكما يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية والذهبي وابن كثير وكل المؤرخين الثقات وعلماء الإسلام: كان التعاون الشديد والقوي بين هذه الطوائف: الباطنية والمجوسية وبين الصليبيين على أوضح وأجلى ما يكون.
ولكن الله أيضاً قد مكن للمسلمين فجاء صلاح الدين الأيوبي ﵀ وكان صلاح الدين من فضل الله وتوفيقه له أنه فهم أصل القضية، وفهم من أين يبدأ الحل، وهذا هو الذي يجب على الأمة الإسلامية أن تعرفه دائماً، من أين تبدأ الحل في أي أزمة؟ جاء صلاح الدين والأمة الإسلامية يحكمها الصليبيون، ويحكمها هؤلاء الباطنيون الروافض المجوس، والخلافة في أشد ما تكون من الضعف، فمن أين يبدأ الإصلاح؟! بدأ صلاح الدين من النقطة الصحيحة وهي أن يجتمع المسلمون أهل السنة على العقيدة الصحيحة على الكتاب والسنة، وأن نطهر الصف الداخلي من المجرمين، ومن المنافقين، ومن أهل الضلالات، ثم ننطلق لمحاربة الأعداء الخارجيين، ثم بعد ذلك يكون النصر بإذن الله تعالى ولهذا ترك صلاح الدين الإمارات الصليبية في الشام وفلسطين، وذهب إلى بلاد مصر فقضى على الفاطميين -وهم في الأصل عبيديون- قضى على ملكهم، وقضى على رفضهم وتشيعهم، وأحل السنة محلها، ووحد الله به أكبر قوتين في العالم الإسلامي وهي قوة الشام شرقاً، ومصر وغرباً، فتوحدت الأمة الإسلامية على السنة، ثم انطلقت بعد ذلك فكان النصر المبين بفضل الله تعالى على الصليبيين.
стр. 984
دور ابن العلقمي في سقوط بغداد
وفي أثنائها كان التتار قد بدءوا يغزون العالم الإسلامي من الشرق -كما تعلمون- وأخذوا يتقدمون ويزحفون إليه شبراً فشبراً، حتى شارفوا بغداد، وفي ذلك الوقت كان الخليفة هو المستعصم بالله، وكان وزيره من أولئك الروافض وهو المشهور بابن العلقمي، وكان أيضاً من كبار المقربين إليه أو الذين يسمون علماء الدولة، الذي يسمى الخواجة نصير الدين، وهو نصير الكفر الطوسي، كما يقول ذلك شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية وابن القيم، فاتفق ابن العلقمي وابن أبي الحديد وأمثالهم وذهبوا إلى هولاكو الوثني الزنديق، الذي لا يؤمن بأي دين ويعبد النار لأنه مجوسي واتفقوا معه على أن يدخل بغداد بالقوة، وزينوا له ذلك وهو يتردد ثم يتردد، حتى تم الصلح بينه وبين الخليفة وكأن الأمر قد عاد إلى وضع طبيعي لا حرب معه ولا شيء.
وإذا بأولئك المجرمين يخططون لمؤامرة كان منها أنهم فتحوا الأنهار والسدود على جيوش الخليفة المستعصم، فأغرقوهم بعد أن سرّحوا أكبر قدر منهم، وذهبوا في نفس الليلة إلى هولاكو، فقالوا له: إن ذلك الرجل قد ضعف، وإن ملكه قد ذهب، وإن جنوده قد غرقوا، وهذه من كراماتك فادخل إلى بغداد وأعمل فيها بالسيف، وكان أولئك -أعداء الله- يظنون أنه سيقظي على ملك أهل السنة، ثم يولِّيهم هم فيصبحوا هم الحكام.
إن أعدى عدو لهم هم أهل السنة والجماعة، هذا أعدى عدو لأهل المؤامرة قديماً وحديثاً، وتردد هولاكو وقال: بلغنا أن من أراق قطرة من دم أحد من آل محمد فإن ملكه يتمزق وينتثر، فقالوا: نحن نأتيك بالفتوى؛ تقتل الخليفة دون أن تراق قطرة واحدة من دمه، قالوا: نلفه في الخيش ونضربه بالهراوات حتى يموت، فوافقهم هولاكو، ودخل إلى بغداد فجأة، وقبض على بني العباس، أليسوا من آل النبي ﷺ ؟ أين محبة آل البيت لمن يزعمون أنهم يريدون إعادة مجد آل البيت! أو حكم آل البيت! أو محبة آل البيت! حتى ذكر المؤرخون -كما في البداية والنهاية وغيره- أنه أخذ من بيت الخلافة ألف عذراء، أخذها أولئك الأنجاس المشركون الوثنيون، واغتصبوهن!! وكثير منهن من آل بيت رسول الله ﷺ ، من بني العباس، وقتلوا الخليفة على الصفة وعلى الفتوى التي أفتاهم بها أولئك الروافض.
ثم انتهكوا حرمة بغداد وحصلت مذبحة عظيمة جدا، ً حتى أن أقل الأرقام التي قيلت في الذين قتلوا أنهم ثمانمائة ألف!! لأن بعضهم قالوا: أنهم مليونان (ألفي ألف).
ودخل الناس كما يقول المؤرخون ومنهم ابن الأثير وابن كثير، وحتى دخل الناس في الكنف في (المجاري تحت الأرض)، ليهربوا من سيف التتار فكان الوباء العظيم، حتى بعد أن انتهت المجزرة خرج أولئك فمنهم من مات، ومنهم من بقي على الحياة ثم خرج فكان من نتن الجيف الوباء الذي قضى على البقية، فكانت مذبحة على مذبحة ومصيبة على مصيبة، والله كان لهم بالمرصاد أيضاً، فإنّ أولئك القوم أذلوا ابن العلقمي وأهانوه ولم يقدروا أنه فعل هذا الفعل، بل اعتبروه خائناً، وبعد بضعة أشهر فطس وذهب إلى حيث يستحق من عند الله وكذلك فُعِل بـ نصير الكفر الطوسي وأمثالهم.
وكان بعد ذلك المرحلة الأخرى التي أراد الله أن يبتلي فيها الأمة الإسلامية بهؤلاء التتار، ثم انهزم التتار، ثم ظهر الحق جلياً وساطعاً، حيث إنه في تلك الفترة كان قد ولد شَيْخ الإِسْلامِ المجدد تقي الدين أحمد بن تيمية -رحمه الله تعالى- فأظهر الله تعالى به الدين، وكان أكبر الملوك -ومنهم الناصر قلاوون وأمثاله- ممن وقفوا معه في كثير من الأمور، وهو الذي حرك العلماء وحرك الأمة، فحاربت التتار وهزمتهم وكذلك حاربت الصليبيين، ثم تحقق بعد ذلك بعث جديد للإسلام بفضل الله .
стр. 985
المؤامرة على الإسلام في عهد الخلافة العثمانية
والمؤامرة أحبطت أو كادت أن تحبط وتدمر، وبعد ذلك انتقلت المؤامرة على هذا الدين إلى نطاق أوسع، حيث أظهر الله ﵎ الدولة العثمانية -هؤلاء الأتراك- وكان فضل من الله أن يظهروا، وتقدم زحفهم إلى داخل أوروبا، وفتحوا معظم بلاد جنوب شرق أوروبا، بل وشرق أوروبا.
حتى أنهم كما تعلمون دخلوا بولندا وحاصروا فيينا لمدة سنوات، فأرعب ذلك أعداء الإسلام رعباً شديداً، كيف أن هذه الدولة الفتية تتغلب على روسيا، وتتغلب على دول شرق أوروبا وغربها، وعجزوا عن مقاومتها، فكان الحل! وهو أنهم استعانوا بتلك الطائفة الحاقدة -وتكونت المؤامرة من جديد- حيث كان في شرق العالم الإسلامي في بلاد الفرس الدولة الصفوية فجاءت هذه الدولة، فكان كلما تقدمت الدولة العثمانية في أوروبا تقدم الصفويون في داخل البلاد العثمانية، فاحتلوا العراق ودخلوا إلى بلاد تركيا نفسها، وهكذا كانوا كلما زحف الإسلام في أوروبا، يأتون فيطعنونه بخنجرهم المسموم من الخلف، فتضطر الدولة العثمانية أن تسحب جيوشها من أوروبا، فتقضي بها على الصفويين في المشرق.
وهكذا أكثر من قرنين أو قرابة ثلاثة قرون من الزمان حتى تم إنهاك الدولة العثمانية، ولم تستطع أن تقاوم تلك الغزوات من الخلف ومن الأمام.
ونحن الآن لسنا في قضية تقييم الدولة العثمانية، لكنها بلا شك لم تكن تملك مقومات البقاء الحقيقي، ولهذا حصلت المؤامرات عليها.
وانتقلت المؤامرات بعد ذلك في صورة جديدة، حيث إن أوروبا نهضت النهضة القوية التي تعلمون، في ميدان الحياة، وفي الصناعة، وفي كل أمور الحياة المادية الدنيوية، وبذلك بدأت المعركة تأخذ طابعاً جديداً، وألف أحد الوزراء الأوروبيين كتاباً مشهوراً مائة مشروع لتقسيم تركيا، ذكر فيه بالتفصيل أن أوروبا بالتعاون مع الصفويين المجوس أعدت مائة مشروع لتقسيم العالم الإسلامي -الذي كانت تسميه تركيا، لأنها كانت تحكمه بأجمعه تقريباً- ويفشل المشروع تلو المشروع، حتى كانت الحرب العالمية الأولى، فتحقق نجاح المشاريع، وقضي على تلك الدولة، واقتسم الاستعمار الشرقي والغربي الدول المستعمرة، كما في إتفاقية (سايكس بيكو) التي قسموا العالم الإسلامي فيها وأخضعوه.
ومن هنا بدأت المؤامرة في مرحلة جديدة، وفي حرب جديدة، وهي الحرب الفكرية والمعنوية للقضاء على الإسلام، لأنهم جاءوا إلى الأمة الإسلامية وهي ممزقة، وهي ضعيفة منهكة مرهقة، وهم جاءوا بحضارات علمية وبتقدم مادي، ومعهم أيضاً خططهم الفكرية، وخطط أخرى عقلية رهيبة، فأخذوا يدبرون ويحيكون المؤامرات للقضاء على الإسلام من خلال وجودهم وقوتهم العسكرية في هذه البلاد.
الأمة الإسلامية إذا واجهت مواجهة عسكرية حربية، فإنها مهما طال الزمن فإنها ستنتصر، وهذه حقيقة أصبحت لا شك فيها في تاريخ الأمة الإسلامية، فقامت في كل بلد تقريباً ثورات ضد هؤلاء المستعمرين الصليبيين الجدد، وكانوا في الخفاء يبيّتون لإنشاء الدولة اليهودية.
وهذا ما يدلنا على أن المؤامرة ثلاثية الأطراف: صليبية ويهودية ومجوسية، ففي عام (١٩١٧م) أو حوله صدر "وعد بلفور " بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وكان الهدف منه هو إعادة بلاد فلسطين إلى ملك اليهود، أي إنشاء وطن قومي لليهود في قلب العالم الإسلامي وفي أرض الإسراء، وهذا ما مهدت له قوى الشر والمؤامرة جميعاً، وأخذ ينفذ بالتدريج، فكانت الحرب على جميع المستويات: منها حرب لأولئك المقاومين الذين قاوموا الاستعمار، وحرب أعظم وأشرس منها لهدم الإسلام من الداخل.
следующие страницы →