← Джавами‘

Джавами‘ · id 7717

دروس للشيخ نبيل العوضي

نبيل العوضي

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

تاج الوقار يقول ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) وهذه الخيرية تدل على عظم هذا القرآن وفضل تعلمه وتعليمه للناس، وكما ثبتت له الخيرية في الدنيا كذلك ثبتت له في الآخرة، فيوم القيامة يؤمر حافظ القرآن بتلاوة القرآن حتى تكون منزلته عند آخر آية يقرؤها، وحافظ القرآن يكفيه فخراً أنه يقدم في كثير من المواضع مثل الجهاد والصلاة والدفن وفي غيرها من المواضع.

стр. 1017

الترغيب في حفظ القرآن الكريم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فأشكر الإخوة المنظمين لمثل هذا المشروع المبارك، والقائمين عليه، والمشاركين فيه، ثم أشكر الإخوة الحضور الذين تكبدوا العناء، وقطعوا كثيراً من أوقاتهم، وفرطوا في أعمالهم؛ لأجل أن يحضروا لمثل هذا الدرس المبارك إن شاء الله. وأنا أنتظر موعد حديثي لهذه المحاضرة تذكرت حفلاً آخر وموعداً آخر لتكريم حفظة كتاب الله، وإن كان هذا الحفل قد أثلج صدورنا، وأصاب كل واحد منا بنشوة وفرح، وأظن ما من شخص في هذا المجلس إلا وفيه حسرة لما ضيع من حفظ كتاب الله مما فرط من الأوقات؛ لأنه لم يحفظ كتاب الله كاملاً، فأي حفل أقصد؟ إنه الحفل الذي سوف يجمع الناس يوم القيامة، ويبدأ الله جل وعلا في فصل القضاء وحساب الناس، فيخرج الله جل وعلا حفظة كتابه، فيأمرهم جل وعلا بالقراءة. أرأيتم إلى الشاب الذي قرأ؟ ألم يثر رغبتكم في حفظ كتاب الله؟! ألم يجعلكم تتحسرون لما ضاع من العمر الذي لم نحفظ فيه كتاب الله؟! حتى إذا كان يوم القيامة، يقال لقارئ القرآن وصاحبه الذي حفظه في الدنيا: اقرأ، ويبدأ يقرأ أمام الناس، وأمام الخلق، والرب جل وعلا يسمعه وهو أعلم به، وكلما قرأ آية ارتفع درجة، قل لي بربك: من حفظ البقرة كلها كم سيرتفع؟ ومن حفظ القرآن كاملاً أين منزلته؟ الله أكبر! إنه الحفل العظيم الكبير عند الله جل وعلا يوم القيامة.

стр. 1018

عظمة القرآن أيها الإخوة الكرام: حديثنا عن القرآن، ومن أنا حتى أتكلم عن القرآن؟! يكفيه شرفاً أنه كلام الله جل وعلا، ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهَُ﴾ [التوبة:٦] يكفيه شرفاً أنه تكلم به الرب جل وعلا من فوق سبع سموات، نقله جبريل إلى محمد ﵊ إلى هذه الأمة إنه القرآن العظيم الذي أخبر الله عنه فقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر:٢٣] أحسن حديث، مهما تكلمت الآن لو تكلمت ساعات طوال لا يعادل كلامي آية من كتاب الله جل وعلا، فإنها تشتمل على معانٍ عظيمة وحكم وأحكام وشرائع، وآية من كتاب الله توازي كلام البشر وأعظم ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً﴾ [الزمر:٢٣] إذا سمعته ماذا يحصل لك؟ ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم﴾ [الزمر:٢٣] لو كنا حقاً نخشى من الله حق خشيته، لاقشعرت جلودنا عند سماعه. وصدع رسول الله ﷺ بدعوته فما استطاعوا له، فنادوا أبلغ العرب وأفصحهم وأكثرهم جرأة وهو الوليد بن المغيرة، وقالوا له: اذهب فاهجه يا وليد، وقل له كلاماً تنقله العرب عنك. فإنه إذا تكلم بالشعر حفظه الناس ورددوه قل كلاماً فيما يقوله هذا الرجل -يعنون محمداً ﵊ فذهب الوليد بن المغيرة إلى رسول الله، وقال: هات ما عندك يا محمد؟ فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم وأخذ يقرأ، والوليد بن المغيرة شاعر عربي فصيح بليغ يعرف معاني هذه الكلمات التي لا نعرف نحن بعضها، فهو شاعر عربي من أقحاح العرب، يعرف كل كلمة ومدلولها وما الذي جعل هذه الكلمة بعد هذه الكلمة فقرأ النبي ﷺ إلى قوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣] فقال: حسبك حسبك، أنشدك الله والرحم. ثم فر وهرب، وأتى إليهم وقد تغير وجهه، فقالوا: لقد صبأ صاحبكم، لقد سحره محمد، ثم قالوا: ما الذي جرى لك؟ هل صبأت؟ هل سحرك محمد؟ فقال: لقد سمعت قوله، والله إن فيه لحلاوة -يقول عن القرآن- وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحكم ما تحته! قالوا: ماذا تقول؟ قل فيه قولاً، قال: إن قلت شعراً فهو ليس بشعر، وإن قلت كذا فهو ليس بكذا، ماذا أقول لكم؟ فأخذ ينظر وأخذ يفكر ويقدر ثم التفت إليهم وقال: قولوا فيه: سحر يؤثر. قال الله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ [المدثر:١١ - ١٨] من الذي فكر وقدر؟ إنه الوليد بن المغيرة، انظر وصف القرآن الدقيق له! ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر:١٨ - ٢١] أخذ يفكر ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٢ - ٢٦] أرأيت إلى المشركين كيف تأثروا بالقرآن؟ إنه قرآن عظيم! أما سمعت يا أخي العزيز! كم من الناس أسلموا لما سمعوا آيات من القرآن، فهذا الصحابي الجليل جبير بن مطعم، وقبل أن يسلم هذا الصحابي جاء إلى النبي ﷺ وهو يصلي المغرب في الكعبة، يقول: وما في قلبه رجل أبغض إليه من هذا الرجل -يقصد الرسول ﵊ كان يكرهه ويبغضه، فلما جاء إلى النبي ﷺ سمعه يقرأ في الصلاة سورة الطور التي يحفظها أكثر الشباب الآن، يستمع إليها وقد كان مشركاً كافراً بالله وماذا نقول لبعض الناس من المسلمين الذين إذا قرئ القرآن لا يستمعون؟ حتى وصل الرسول ﵊ إلى قول الله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ [الطور:٣٥] ففكر جبير: هل أنت خُلقت من غير شيء؟ مستحيل! لا بد أن هناك شيئاً قبلي، إذاً من الذي خلقني؟ لا بد أن هناك خالقاً خلقني إذاً من الخالق؟ ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] انظر إلى التدرج في القرآن، يخاطب النفس ويخاطب الفطرة أنت خلقت نفسك يا جبير؟ مستحيل! أنا لم أعرف نفسي قبل أن أولد، إذاً من الذي خلقني؟ هناك خالق ولست أنا، هناك شيء أعظم منك يا جبير، هناك سموات سبع عظام، هناك أراضين، هناك ما بين السماء والأرض ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦] قال جبير بن مطعم: فكاد قلبي أن يطير، وما إن انتهت الصلاة إلا وسلم على الرسول ﷺ وكلمه بعض الكلمات ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك محمداً رسول الله. ألم تسمعوا عن قوم ما سمعوا شيئاً إلا كلام الله فإذا بهم يشهدون الشهادتين؟ ليسوا ببشر إنهم من الجن، سمعوا بعض الآيات من كلام الله جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ [الجن:١] الجن الذين عرف عنهم العتو وسفك الدماء والكذب والخداع والكفر إلا من رحم الله منهم يقولون: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ [الجن:١ - ٢] إنه كتاب الله.

стр. 1019

حالنا مع كتاب الله هذا هو القرآن الذي هجره بعضنا فلم يختمه إلا في رمضان وينتظر رمضان القادم! هذا هو القرآن العظيم الذي كان الصحابة يجادلون الرسول في قراءته (يأتي رجل فيقول: أريد أن أختم القرآن فقال رسول الله ﷺ : اقرأه في شهر قال: إني أطيق أكثر من هذا قال: اقرأه في سبع قال: إني أطيق أكثر من هذا قال: اقرأه في ثلاث - أي: اختم القرآن في ثلاث ليال، كل يوم عشرة أجزاء -قال: إني أطيق أكثر من هذا قال: لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث). يجادلون الرسول ﵊ في قراءة القرآن ويريدون أن يختموه في أقل من ثلاثة أيام، وأنا أسألكم وكل منا يسأل نفسه: منذ رمضان الماضي إلى هذه اللحظات وقد مضت أشهر عديدة من منا ختم القرآن؟ ثم نبكي حالنا ونردد قول الله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠]. من منا -أيها الإخوة الكرام- جعل في البيت جائزة ومكافأة لمن يحفظ كتاب الله جل وعلا في هذا الصيف، أو لمن يحفظ الجزء الثلاثين أو جزء تبارك أو أي جزء من القرآن؟ من منا فكر أن يحيي القرآن في بيته ويحيي أهله بالقرآن؟ أتعلمون أن من الناس من إذا دخل البيت ضاق صدره؟ يشتكي لي بعض الناس ويقول: إذا دخلت البيت ضاق صدري، وأحس بوحشة، وأتمنى الخروج من البيت، أقول له: إن بيتك لا تدخله الملائكة، بيتك عششت فيه الشياطين، هل تقرأ فيه القرآن؟ قال: كلا. هل تصلي فيه السنن؟ قال: كلا. هل يسمع فيه ذكر الله؟ قال: كلا، قلت: إذاً ما الذي يكون في بيتك؟ قال: التلفاز، والمسلسلات، والأغاني، قلت: ولا تريد أن تصاب بضيق الصدر! بيوت الصحابة كانت في الليل لا يُسمع فيها إلا البكاء، وقراء القرآن يمر ﵊ يوماً ببيوت الصحابة في الليل -انظر إلى قائد الأمة في الليل يطمئن على شئون الأمة- فإذا به يجد بيتاً قديماً فيه امرأة عجوز، والمرأة تقرأ القرآن وصوتها يخرج من البيت، وهي تقرأ وتبكي، ويسمعها المصطفى ﵊ وهي تقرأ قول الله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] فتبكي وتقول: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] فيسمعها المصطفى، فيبكي معها وهو يقول: (نعم أتاني، نعم أتاني) أرأيت كيف يعيشون مع القرآن؟ بيوتهم امتلأت بالقرآن، يقول النبي ﷺ : (اقرءوا القرآن فإن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) اقرءوا سورة البقرة في بيوتكم، اقرءوا القرآن، انشروا كلام الله جل وعلا، وأنا أعلم أن من الأطفال من عمره أربع سنوات ويحفظ عدة سور من القرآن بل من هو أصغر من أربع سنوات ويحفظ بعض السور، بل في بعض الدول غير العربية لا يعرفون اللغة العربية، ومن الصعب عليهم أن يحفظوا كلام الله أرسل رجل ابنه إلى مدرسة ليدرس فيها ثلاث سنوات يحفظ كتاب الله عن ظهر قلب، فرجع الابن الصغير بعد ستة أشهر وخرج من المدرسة، فقال له الأب: يا بني لم خرجت من المدرسة؟ بقي لك سنتان ونصف. فقال الابن الصغير لأبيه: يا أبي! ومن قال لك أنني خرجت هكذا؟ قال: لم خرجت؟ قال: لقد ختمت القرآن. خلال ستة أشهر، أتعرف لماذا؟ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] نعم. إن الطفل الصغير عنده حافظة قوية جبارة، بل يقولون: إن أقوى الناس استخداماً لعقله هو الطفل، وهناك من المفكرين والعلماء والعباقرة من لا يستخدم من عقله إلا اثنان بالمائة فقط. إذاً الطفل طاقة جبارة في الحفظ، فإما أن يحفظ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢] وإما أن يحفظ تلك الأغاني، والمسلسلات، والأفلام التافهة فلابد له من أحد هذين الأمرين.

стр. 1020

تدبر القرآن الكريم كيف نعيش مع القرآن؟ القرآن عظيم، وليس هو للصغار أو الكبار أو للمرضى فقط، بل هو للناس كافة. قال النبي ﷺ ذات يوم لـ ابن مسعود: (اقرأ علي القرآن. قال: أأقرأ عليك وعليك أنزل قال: إني أحب أن أسمعه من غيري) فلا تجعل وقتك كله قراءة، بل اجعل بعض الأوقات للسماع، وضع بعض أشرطة القرآن في السيارة وأنت ذاهب إلى العمل وأنت ذاهب إلى المنزل (قال: إني أحب أن أسمعه من غيري) من القارئ؟ إنه ابن مسعود ﵁، ومن المستمع؟ إنه أفضل الخلق محمد ﵊. وما الحديث بينهما؟ إنه كلام الرب جل وعلا، فإذ بالمجلس يعقد، وإذا بـ ابن مسعود يستعيذ بالله ويقرأ (قال: فقرأت من سورة النساء، حتى بلغت قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] فقال النبي ﷺ : حسبك الآن. فالتفت فإذا عيناه تذرفان) هذا هو القرآن العظيم، الذي أنار تلك القلوب الخاوية، وتلك الصدور الموحشة، وتلك الأفئدة المظلمة. كان عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه يقرأ القرآن في الصلاة وكان إماماً، حتى وصل إلى قول الله جل وعلا: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦] فانفجر بالبكاء، حتى ما استطاع أن يكمل القراءة، فكبر وركع وأكمل صلاته. يقرءون القرآن بقلوب حية وجلة قال الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال:٢] هذه صفة المؤمنين، انظر هل أنت منهم أم لا؟ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] هل إذا سمعت كلام الله يوجل القلب ويرتجف؟ ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [الأنفال:٢] هل أنت منهم؟ ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]. وهذا عمر بن الخطاب الذي كان قبل الإسلام ذا قلب شديد صلى بالناس صلاة الفجر، فقرأ سورة يوسف حتى وصل إلى قول الله جل وعلا: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] فأخذ يبكي حتى سمع نشيجه وراء الصفوف أرأيت كيف يعيشون مع كتاب الله؟ قد تسألني وتقول: هناك هم في صدري. أقول لك: اقرأ كلام الله تقول: هناك ضيق في الصدر. أقول لك: اقرأ كلام الله. تقول: أحس بعض الأحيان بالوحشة. أقول لك: ارجع إلى كلام الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. انظروا إلى بيت الفضيل بن عياض الذي كان يسمى عابد الحرمين؛ رجل بلغ القمة في العبادة والزهد، هذا الرجل كان عنده ولد اسمه علي، وكان أعبد منه وأزهد؛ لأن رب الأسرة إذا كان صالحاً يخرج أولاداً صالحين هذا في الغالب والعموم: إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت الغناء والرقص هذا الرجل دخل إلى البيت يوماً فرأى ولده علي بن الفضيل كأنه متضايق يجول في البيت وكأن شيئاً أصابه، فقال له: ما بالك يا بني؟ ما الذي جرى؟ قال: يا أبي تفكرت في النار كيف الخلاص منها؟ -انظر بماذا يهتم الابن ويفكر، أسألكم أيها الآباء: هل دخلتم إلى المنزل يوماً واشتكى الابن من شيء من أمور دينه؟ - قال: يا أبي تفكرت في النار كيف الخلاص منها؟ ثم قال: يا أبي أسألك أن تسأل الذي وهبك إياي في الدنيا أن يهبك إياي في الآخرة، ثم بكى، يقول الفضيل: فأحزنني فأخذت أبكي. علي بن الفضيل كان ليله قيام ونهاره صيام، يقولون: ما كان يطيق أن يقرأ سورة القارعة سورة القارعة التي نرددها صباح مساء ونقرؤها ولا نتدبرها، علي بن الفضيل كان لا يستطيع قراءتها كلها، بل كان ما يطيق أن يسمعها من غيره. وكان سفيان الثوري يحدث الناس في المسجد، فإذا به يسمع شاباً يبكي بكاء شديداً، فقال: من هذا الذي يبكي؟ قالوا: هذا علي بن الفضيل بن عياض، فقال لهم: والله لو علمت أنه في المجلس ما حدثتكم عن النار. سألتني امرأة بالهاتف يوماً فقالت: يا شيخ أريد أن أنتحر. لا إله إلا الله! في بلاد المسلمين ومن أب وأم مسلمين! لِمَ تريدين الانتحار؟ تقول: جربت كل أنواع المعاصي والفساد، والآن إذا لم تكلمني وتردني عن الانتحار فسوف أنتحر. الله أكبر! أتعرف لماذا؟ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه:١٢٤] أي قرآن في جوفها؟ أي ذكر لله؟ أي صلاة؟ أي عبادة؟ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]. أيها الآباء: حرضوا أبناءكم على حفظ كتاب الله، وأتوا بهم إلى حلقات القرآن. أيها الشباب: استغلوا أعماركم في حفظ كتاب الله فأيما إهاب -جلد- خالطه كلام الله فقد حرمه الله على النار، (يقال لصاحب القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتق ورتل، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها). يلبس تاج الوقار، ويكرّم أبوه وأمه عند الله جل وعلا يوم القيامة فإن أكبر شرف وأكبر عزٍ لك يوم القيامة عندما يأتى ابنك وقد ختم كتاب الله جل وعلا. هل تريد يا أخي الكريم! أن يكون ابنك حافظاً لكلام الله أو مطرباً؟ اسأل نفسك هذا السؤال أيهما أشرف لك، وأكثر رفعة وعزة: أن يملأ صدر ابنك كلام الله جل علا، أم يملؤه الغناء والطرب؟ فكر، وكن صادقاً مع نفسك، فإن العبرة ليست في الدنيا، إذا تعلق الابن بأبيه يوم القيامة ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. أخي العزيز: لنرجع مرة أخرى إلى كتاب الله قراءة وحفظاً وتدبراً، يقول تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] فهذا سعيد بن جبير قام ليلة كاملة بآية واحدة يرددها ويبكي، وهو أحد التابعين، ومن أعبد الناس، يقوم ليلة كاملة بقوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩].

стр. 1021

العمل بالقرآن كتاب الله عمل. نقرأ ونتعلم ثم نعمل، فهذا عمر بن الخطاب أغضبه يوماً عبد من عبيده، فكاد أن يضربه، فقرأ قول تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران:١٣٤] فقال عمر: كظمت غيظي قال: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤] فقال: عفوت عنك قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] قال: أنت حر لوجه الله. انظر كيف كانوا يتعاملون مع كتاب الله!! ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] فهم يلتزمون ويحتكمون بكتاب الله جل وعلا.

стр. 1022

الحكم بين الناس بالقرآن إذا اختلف الناس وتنازعوا فعليهم أن يرجعوا إلى كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٩] فكل من انصرف عن الحكم بكتاب الله فإنه يتبع هواه ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:٤٩] لو تركت شعيرة من شعائر الإسلام وقلت: أحكم بالكتاب كله إلا هذه، قال الله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٤٩ - ٥٠] ويقول ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي). وأشكركم مرة أخرى أيها الإخوة الكرام على حضوركم وصبركم في هذا المجلس. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1023

الأسئلة

стр. 1024

الحث على حفظ كتاب الله السؤال ما الفائدة من حفظ كتاب الله والله يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]؟ الجواب أنا أظن أن الآية دليل على الذي لا يحفظ كلام الله ولا يقرأ كلام الله، فالآية -أيها الأخ الكريم- دليل على استحباب التعلق بكتاب الله وقراءته وتدبره وحفظه، بل الآية من أوضح الأدلة على هذا، ولعلك تقصد آخر الآية: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٦]. يقول العلماء: حفظ القرآن ونسيانه على مراتب: من نسيه مع مراجعته ومعاهدته فإنه لا شيء عليه، لكن من حفظ القرآن ثم تركه وهجره ونسيه وضيعه فإنه يأثم، وليس معنى هذا أننا لا نحفظ، بل احفظ كلام الله فإنه يعينك على مراجعته ومعاهدته. والله أعلم.

стр. 1025

ضعف الهمة بعد الدروس السؤال الآن هممنا عالية لكن بعد الدرس نضعف، فما هو الحل؟ الجواب ومن منا لا يضعف بعد الدرس؟ ألم يشتكِ حنظلة من هذا الأمر؟ وقال: (يا رسول الله! إذا كنا عندك كأننا نرى الجنة والنار رأي العين، فإذا ذهبنا إلى أهلينا وأولادنا وعاشرنا النساء والضياع نسينا. قال: لو تكونون كما كنتم عندي -أي: لو ظللتم على هذه الحالة- لصافحتكم الملائكة في الطرقات) فكل واحد يجعل له مجلس ذكر في البيت، ويبدأ يذكر نفسه حتى بين الأولاد والأهل اجعل لك مجلس ذكر في بيتك في الأسبوع مرة تقرأ رياض الصالحين، واجعل لك مسابقة في حفظ كتاب الله، فأنا أعرف أحد أولياء الأمور عندنا في الكويت يجعل مكافأة مالية وسفر الصيف تكريماً لحفظ كتاب الله، يقول: إذا لم تحفظوا فلن تسافروا، والذي يحفظ له جائزة زيادة. يعطيهم أموالاً ويشتري لهم جوائز ويقول: والله لو تدخل علينا في البيت تفرح؛ هذا يحفظ، وهذا يسمع، وهذا مستعجل يقول: يا أبي كم بقي على نهاية الصيف، وكم بقي على الحفظ، فهل جربنا هذا؟ (لو كنتم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات) ولعل الإنسان قد يصل إلى هذه المنزلة، ألم تأت الملائكة وتسلم على بعض الصحابة وتمثلت ببعض الصحابة؟ بلى.

стр. 1026

أمور تعين على حفظ كتاب الله السؤال ما هي الأشياء التي تعيننا على حفظ القرآن؟ الجواب أولاً: دعاء الله. ثانياً: الإخلاص، وبغير إخلاص لا تستطيع أن تحفظ. ثالثاً: فراغ القلب، فإذا جئت للحفظ فلا تشغل نفسك أبداً، لا تفكر في أي شيء من أمور الدنيا، اشغل نفسك بكتاب الله، وحاول أن تحفظ. رابعاً: اختر الأوقات المناسبة، وأفضلها بعد الفجر؛ لأن القلب فارغ، والذهن غير مشغول. أيضاً: التزموا بمصحف واحد، فلا تحفظ -مثلاً- في مصحف مجمع الملك فهد، ومرة في مصحف الحرمين، ومرة في مصحف من طبعة أخرى، حاول أن تلتزم بمصحف واحد برقم واحد، وحاول أن تحفظ بشكل واحد حتى تحفظ مكان الآيات. خامساً: المراجعة، فإذا حفظت آيات راجع التي قبلها حتى لا تنسى لأن القرآن كما يقول ﷺ : (أشد تفلتاً من الإبل في عقلها). أيضاً: اجعل لك مدرساً تسمع عليه وتعاهده ويعاهدك، وليكن شديداً بعض الشيء عليك، وليس من أقرانك كلما أردت أن تتكاسل قلت له: اليوم لا أسمع، لا. بل يلزمك بالتسميع. ثم ادع الله أن يعينك. هذه بعض الوسائل لحفظ كتاب الله جل وعلا.

стр. 1027

نسيان القرآن السؤال جاء في بعض الأحاديث: أن من أعظم الذنوب نسيان القرآن فما تعليقكم؟ الجواب ذكرنا قبل قليل أن الإنسان لابد أن يتعاهد ويراجع دائماً، ويقرأ في السنن.

стр. 1028

أجر طباعة القرآن السؤال ما رأيكم في المساهمة في طباعة المصحف الشريف؟ الجواب أعظم الأمور في ذلك إذا لقيت الله أن تطبع كتابه جل وعلا. قد تقول: يا شيخ المصاحف متوفرة. أقول: في بعض الدول ما عندهم صفحة من كتاب الله، وفي بعض البلاد لاتصلهم مصاحف، وأنا أعلم أن بعض المشاريع الخيرية تطبع لك المصحف وتوزعه في هذه البلاد وأنت جالس في بيتك. يقول ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث منها: علم ينتفع به) وهل هناك علم أعظم من القرآن الذي صلاح الأمة به؟! فعليكم بطبع كتاب الله وتوزيعه، ولا تبالوا بمن يثبطكم عن هذا الأمر. ثانياً: أرجو الإعلان للحضور بأن جمعية دار البر تقوم بطباعة المصحف بأحد عشر درهماً، أي بدينار كويتي، فاطبع ولو في الشهر نسخة، اجعل لك في كل شهر مصحفاً تطبعه، وستجدها عند الله، فكل من قرأ حرفاً بحسنة والحسنة بعشر أمثالها وكلها في ميزانك عند الله، فإنك قد لا تقرأ إلا القليل لكن انظر من الذي يقرأ في المصحف الذي طبعته ووزعته، وأنا أرجو من كل واحد منا إذا خرجنا أن تساهموا بما تستطيعون لطبع كتاب الله، ولا تؤجل عمل اليوم إلى الغد.

стр. 1029

مساهمة الأسرة في حفظ كتاب الله السؤال ألاحظ بين أسماء الفائزين في المسابقة ثلاثة إخوة من أسرة واحدة، فما تعليقكم على هذا؟ الجواب بارك الله فيهم وبارك في والديهم. يقولون: أكثر الأولاد وراءهم أمهات، واسمحوا لي أيها الآباء، أن أقول: إن أغلب الأولاد تجد الأم تتابعه وتحثه على حفظ كتاب الله، ولهذا اختر الزوجة الصالحة، عليك بذات الدين، (اظفر بذات الدين تربت يداك) الأب قد يكون مشغولاً ولكن من الذي يجلس عند الأولاد؟ من الذي يربيهم أربع إلى خمس سنوات؟ من الذي يعلمه ويربيه وينشئه على القرآن؟ إنها الأم الصالحة، والأب له دور عظيم، ونعم لا ننكر هذا، فأنا أعرف بعض الأولاد منهم الخاتم ومنهم من يحفظ عشرين جزءاً ومنهم عشرة أجزاء، بل أذكر عندما كنا في المملكة أثناء الأزمة التي مرت كنت في المسجد وكان هناك أب عنده ما يقارب أحد عشر ابناً نصفهم تقريباً ختم القرآن والنصف الآخر في الطريق، أحد عشر كوكبة، كل صلاة تلقاهم جالسين هذا يراجع وهذا يسمع الله أكبر! والله لو كان عندك أولاد مثل هؤلاء تنسى الدنيا كلها، ولو أنك تنام على حصير وتأكل كسرة خبز، هذا طعامك وهذا ما تملكه من الدنيا وعندك أولاد مثل هؤلاء والله لكأنما حيزت لك الدنيا بحذافيرها. فاحرص على الأولاد، وجعلهم يلتحقون بهذه الحلقات، وإذا لم يكونوا في حلقات فقم أنت بتشجيعهم بمالك وبما تملك. قبل الأخير: هل يجبر الأهل أو الأصدقاء على حفظ القرآن؟ الجواب: لا يجبرون على ذلك، لكن الحث، والترغيب قبل الترهيب (يسروا ولا تعسروا، بشروا ولا تنفروا) وأسلوب المكافئة للأطفال وأما إذا ضربته فقد يحفظ اليوم وينسى غداً، بل قد يكره القرآن الذي حفظه؛ لأنه ضرب لأجله، لذلك أنا أنصح الآباء بالتي هي أحسن، بالمكافأة وبالجائزة والتشجيع وتقدم الابن الذي يحفظ أكثر، فإن الرسول ﷺ كان يقدم حتى في القبر يقدم حافظ القرآن على غيره، وكان يقول: (يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله) وكان الصحابة في الجيوش يقدمون الأقرأ، الذي يحفظ أكثر ولو كان أصغر سناً، بل ثبت عن عمرو بن سلمة وكان عمره سبع سنوات أنه كان يصلي بالناس، وكان أكثرهم حفظاً، وابن عباس كان عمره عشر سنوات وليس يحفظ القرآن فقط، بل تفسيره وأحكامه وكل شيء عن القرآن، حتى سمي ترجمان القرآن وعمره عشر سنوات، وكل كتب التفسير فيها: قال ابن عباس، وكان عمره عشر سنوات لما توفي رسول الله. إذاً الله الله في الرجوع إلى كتاب الله. نسأل الله أن يثبتنا وإياكم، وجزاكم الله كل خير، وأشكر الإخوة الفضلاء الذين أقاموا هذا المشروع وهذا البرنامج والذين حضروا، وأسأل الله جل وعلا أن يكونوا قدوات لغيرهم، وجزاكم الله خيراً. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1030

أخطار تهدد البيوت من الأخطار التي تهدد البيوت: الخمور والمخدرات، فقد تفشت ودخلت كثيراً من البيوت، حتى إن بعض البنات يغلقن على أنفسهن غرفهن بالمفاتيح خوفاً من آبائهن الذين صاروا في حالة سكر لا يعرفون معها ماذا يعملون، وكذلك المخدرات التي قد أدمن عليها الكثير من الأبناء والبنات والآباء. ومن الأخطار أيضاً: السحر، حيث يستخدم في التفرقة بين الزوج وزوجته، وبين الوالد وولده. ومن الأخطار أيضاً: التلفاز والدش اللذان عم فسادهما في الأمة.

стр. 1031

الأخطار المحدقة بالبيوت إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الأخوة الكرام: حديثنا في هذه الخطبة عن بيوتنا وأسرنا، وعن هذه الأماكن التي نعيش فيها كيف نعيش؟! وما هي الأخطار التي تهددها؟! عبد الله: قبل أن أبدأ بالكلام عن هذه الأخطار والمصائب التي داهمت بعض البيوت، إياك ثم إياك أن تجيبني فتقول: الحمد لله! بيتي خالٍ من هذه الأمور الحمد لله! لم أر كل هذا في بيتي، لا تقل ولا تجب بهذه الإجابة فإنك من بيت جارك قريب، وابنك يلعب مع أبناء الجيران؛ بل يدرسون في مدرسة واحدة ابنك مع ابن فلان وابن فلان، بل إنك تعيش مع البيوت التي بجوارك عيشاً واحداً ابنك معهم، وابنتك مع بناتهم، وزوجتك تزورهم ويزورونها. عبد الله: إن ما يحدث في بيوت كثير من المسلمين لمصائب خطيرة، لا نستطيع السكوت عنها، بل لا يستطيع أحد منا أن يصبر عليها، وسوف نتكلم عن جزء يسير عما يحدث في بعض بيوت المسلمين، وإلا فلو استرسلنا لطال بنا المقام، فالمعاصي التي بدأت تدخل بعض البيوت، سوف نتكلم عن جزء وطرف منها

стр. 1032

الخمور والمخدرات تهدد البيوت أولاً: ما داهم بعض البيوت من الخمور والمخدرات والمسكرات، ولا أتكلم عن خيال، بل يأتيني بعض الشباب في هذا المسجد يشتكي لي من سلات المخدرات، تدخل دور الأحداث، وسلوا المتخصصين وأهل الأمن: هل هي منتشرة أم لا؟ بل إن بعض أبناء المصلين قد أصابهم هذا الداء داء ومرض تشتكي منه الدول العظمى قبل الدول الصغرى، يحاولون حربه والتخلص منه، يطبقون أقصى أنواع العقوبات ولكنه ينتشر، يمنعونه بكل الوسائل لكنه يفشو، يحاولون حربه لكنه ينتصر هل تعرفون ما الحل؟! لا حل في نجاتنا من هذه المخدرات ودائها وانتشارها حتى في هذا المجتمع إلا بالدين، وبالرجوع إلى المساجد، وبقراءة القرآن. اجلس مع بعض الشباب في تلك الزوايا وفي تلك الأماكن المظلمة، وسلهم عم يصيبهم وعم يعانون منه؟ يقولون لك: المخدرات لا نستطيع التخلص منها؛ بل إن هناك بعض صغار السن قد أصيبوا بهذا الداء، كان في البداية هزلاً ومزاحاً، وكان يلائم أصحابه ويسايرهم ولكنه بعد هذا أصبح إدماناً، ثم لا تسل عما يحدث بعد المسكرات والمخدرات من جرائم، بعض البنات في بعض البيوت وقد سمعنا هذا من الثقات يقولون: إنهن يغلقن على أنفسهن الباب بالمفتاح خوفاً من آبائهن وإخوانهن، تعلمون لِمَ؟ لأن الآباء في حال السكر لا يعرفون ماذا يفعلون!! عباد الله: إنها بيوت قريبة لو كنا نعلم إنها بيوت بدأت تنتشر ونحن لا نشعر، هذا أول داء هدم كثيراً من البيوت، حتى أصبحت بعض النساء تذهب خارج البيت تبحث عن المال؛ لأن الأب قد أنفق جميع معاشه على المخدرات، بل استدان واقترض مالاً في سبيل المخدرات، لأنه لم يستطع أن يتخلص منها، بل إن بعض الرجال يسرق مال زوجته وذهبها ليشتري به المخدرات، بل إن بعض الرجال قد فصل من العمل، وطرد من الوظيفة، وجلس في البيت وتجولت امرأته في الطرقات تبحث عن مال تطعم به أولادها وأطفالها وتحفظ به نفسها، ثم بعد هذا باعت عرضها، فدمرت البيوت، هل تعرفون ما البداية؟ البداية: أن صاحب سوق دخل البيت، أو تعرف عليه الولد في المدرسة، أو صاحبة سوق تعرفت عليها البنت في الثانوية، أو في الأسواق، أو مع الجيران، وكانت في البداية حبة صغيرة وضعت في كأس من البيبسي أو الماء أو العصير فتلذذت به وتلذذ بها، ثم الحبة تلتها أخرى، ثم أصبح الأمر إدماناً، ثم تهدمت البيوت، هذه معصية من المعاصي، وهي كثيرة سوف نسرد بعضها.

стр. 1033

السحر وتدميره البيوت عباد الله: إن مما يدمر بيوت المسلمين هو ما يحدث في هذه البيوت من السحر والكفر بالله العظيم، حتى أصبح كثيراً من الناس يشتكي ويقول: لا أستطيع أن أجامع زوجتي، والولد يشتكي من مرض لا سبيل له، والأم تشتكي من الزوج، حتى إن بعض الناس قد يذهب إلى بلاد أخرى ليفك سحره بسحر آخر، بل أتاني كثير من الناس، بل للأسف بعضهم من المصلين يعطيني أوراقاً يشتكي منها ليس فيها إلا طلاسم وسحر وشعوذة، فماذا كانت النتيجة؟ الانفصال عن زوجته. نعم! إن للسحر حقيقة: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢] لا يراقب أحد منا من يدخل بيته، ولا يحذر مِمن يدخل بيته، فعندما يدخل فلان وتدخل فلانة، يضعون الأوراق وتلك الخرزات، ويشرب هو من بيت الجيران أصحاب سوء الذين لا يعرفون ذكر الله ولا الصلاة، أو يأخذ بعض الخيوط، أو يشتكي من فلان، والمصيبة أن هذا الرجل قد يكون صاحب دين لكنه من أفجر خلق الله؛ بل لعله يكفر بالله العظيم. عباد الله: إن ما يحصل في كثير من البيوت، نعلم عنها ويعلم عنها بعض الناس، ويدخل إلى هذا المكان ويشتكي لي أنه قد طلق زوجته، وأن المرأة قد هربت من البيت، وأن البيت قد ضاع، والأولاد قد تركوا البيت أكثر من شهر وشهرين، وأن البيت قد انهدم كل هذا كان بسبب ورقة، أو بسبب خيط، أو بعض الخرزات، أو بسبب فلانة الساحرة التي كانت تتردد على البيت، يقول: أستحي أن أطردها سبحان الله! الآن تجرع مرارة هذا الحياء الآن تحمل عقوبة هذا الذنب الذي ارتكبته؛ أنك سمحت لها أن تأتي إلى هذا البيت، بل والله لو كانت من أقرب الأقربين، أو من أقرب الأرحام، فلتطرد من البيوت. حد الساحر -يا عباد الله- القتل؛ لأنه لا يستحق الحياة على وجه هذه الأرض، لأنه يفرق بين الناس، ولأنها تفرق بين الخلق.

стр. 1034

التلفاز والدش وتدميرهما للبيوت ومن المنكرات التي دخلت بيوت كثير من المسلمين وهم لا يشعرون ولا يأبهون بها: هذا الجهاز الخبيث الذي يسمى (التلفاز) الذي جلب لنا بعده الفيديو، ثم صار الأمر أخطر من هذا وأكبر وأعظم، حتى ركبت الصحون على البيوت، وهذا البث المباشر الذي ملأ كثيراً من أسقف المسلمين، فيعرض فيه وينشر من خلاله العهر والدعارة والعري والفسق والمجون، ثم يقوم ويشتكي رب الأسرة، ويقول: لا أستطيع أن أرد الأولاد، ثم يشتكي ويقول: لو لم أشتره لاشتروه ووضعوه فوق البيت كيف أصبحت رباً للأسرة؟! ألست راعياً ومسئولاً عن رعيتك؟! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] هل هكذا تقي أهلك وأولادك وبناتك من النار؟! عبد الله: كن عاقلاً. يا عباد الله! إن هناك من الصحون (الدشوش) في هذا الزمان ما لا يحتاج رب الأسرة إلى أن يضعه فوق السطوح؛ بل في الغرفة، ثم تأتي لك بجميع البرامج من جميع أنحاء العالم، لتختر منها ما تشاء، ولتضع يدك على الزر الذي تختاره، فتأتيك تلك الأفلام والمسلسلات الماجنة الخليعة من الذي ينظر إليها؟ إنها ابنتك، وأختك، وزوجتك، وجارتك، وبنت عمك. وإن لم تمنع هذه الصحون (الدشوش) من البداية، وإن لم تقطعها من دابرها، فسوف تصبح كالتلفاز، كما أننا الآن لا نستطيع أن نمنع (التلفاز) وقد كان فيمن كان قبلنا رجال صالحون إذا قيل لهم: أدخلوا (التلفاز) في بيوتكم؟ قالوا: كلا ولا. لن ندخل (التلفاز) إلا على قطع رقابنا؛ ولكن البلاء قد انتشر، والآن عندما يقال للصالحين: أدخلوا الصحون (الدش) في بيوتكم، وهذا البث المباشر يقولون: لا والله! لا ندخله إلا على قطع الرءوس، فنحن إن سكتنا على هذا المنكر، وإن انتشر في البيوت التي بجوارنا فسوف يدخل بيوتنا، بل إن بعض (الصحون) لا تنقل هذا البث في بيتها فقط؛ بل حتى في البيوت المجاورة، فيضع الفاسق أو الماجن بثاً مباشراً على سطح بيته فينتقل هذا البث إلى بيوت الجيران من غير أن يشتروا هذه الدشوش. عباد الله: عندما نقلب الصفحات والجرائد نتعجب من شاب عمره ثلاث عشرة سنة يسرق ويقبض عليه سارقاً للذهب والمجوهرات! أو عمره خمس عشرة سنة قبض عليه وهو يتعاطى المخدرات! أو بنت عمرها ست عشرة سنة تبيع ذهب أمها ثم تسافر إلى خارج البلد وتهرب! أو عمرها ثماني عشرة سنة هربت من بيت أبيها ولم يجدها إلا بعد شهر! ونتعجب كيف يتعلم ذلك الشاب كيف يسرق من الناس الذهب والسيارات والبيوت والمجوهرات والخزائن؟! بل نتعجب كيف تعلمت هذه البنت الصغيرة كيف تخرج من بيت أبيها وأمها؟! أتعلمون ما هو السبب؟ أو ما هو الطريق؟ إنه ذلك الجهاز الذي اشتريته بمالك وكدك وجهدك ثم وضعته في البيت، ثم بعد هذا لا تسأل يا عبد الله: كيف حصل للبنت كذا؟ أو كيف تعلم الابن هذا؟ فأنت المسئول عند الله جل وعلا يوم القيامة سائلك عن ولدك، وعن زوجتك، وعن أهل بيتك، وعن من تمولهم وتعولهم، يسألك الله عنهم يوم القيامة: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨] سائلك عن مالك من أين اكتسبته؟ وفيم أنفقته؟ وسائلك عن بيتك هل حفظته أم لا؟ عبد الله: التفت قليلاً إلى بيتك، وارجع قليلاً إلى أهل بيتك، واجلس معهم وفتش في أهل بيتك عن هذه المنكرات، ولا تقل يا عبد الله: كل الناس مثلي وكل الناس يفعلون ما أفعل ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1035

رب الأسرة هو المسئول الأول عن بيته الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: ما ذكرناه -أيها الإخوة- إن لم يكن في بيتك فاحمد الله، وسل الله العافية، واحرص على أهل بيتك واحفظهم. ولكن أخبرك أن كثيراً من البيوت قد دخلها ما أقول! بل قد تجد المصلي الراكع الساجد يأخذ ابنته كاشفة شعرها ووجهها، ويخرج بها إلى الطرقات، وينزلها في الأسواق، لتذهب وتشتري وترجع، بل أقسم بالله أنني رأيت بعيني أباً كبيراً في السن من أهل الخير والصلاح تسير ابنته خلفه في الأسواق، كاشفة متعطرة متبرجة، يتبعها الرجال ولا يلتفت إلى ابنته أي دياثة أعظم من هذه؟! بل أي انطفاء للغيرة بعد هذا؟! عباد الله! يصبح الأمر إلى أن كثيراً من المصلين يسمح لابنته أن تخرج إلى المدرسة بلباس فاضح مع من تذهب؟ لا أدري متى ترجع؟ اذهبوا فاسألوها، إن شاء الله هي شريفة وعفيفة، ترجع من المدرسة إلى البيت وقد نظر إليها وافترسها مئات من الذئاب، وهو لا يعلم، أتعرفون ماذا يعرف؟ أو فيم يتعلم؟ أو على ماذا يجلس ويقوم؟ على الدينار والدرهم، أو على ماذا يسافر؟ ولماذا يرجع؟!

стр. 1036

أيها الآباء! احرصوا على بناتكم عباد الله! لا نريد أن نكون في هذه الخطبة صريحين أكثر من هذا، فليفتش كلٌ منَّا بيته. عندما تدخل البنت البيت وعمرها أربع عشرة سنة، والمصيبة أنه يقول: جاهلة لا تعرف؛ ولو أنها تزوجت لأنجبت كثيراً من الأولاد، وهو يقول: إنها صغيرة ومسكينة، تدخل إلى البيت، وتأتي بالهاتف، وتدخل الغرفة وتغلق على نفسها الباب، وتتكلم الساعة والساعتين مع من تتكلم؟ تضحك عليك وتقول: مع الزميلة والصاحبة، حتى لو كانت الزميلة والصاحبة لِمَ لا تتكلم أمام الوالدة وأمام الوالد؟ ولماذا تكون المكالمات أكثر من ربع ساعة أو نصف ساعة؟ أي مكالمة هذه التي تستدعي كل هذه المدة، وتستدعي أن تغلق على نفسها الباب، وتستدعي ألا يكون في البيت إلا جهاز واحد؟ عباد الله: لنكن عاقلين وصريحين مع أنفسنا، لماذا هذا التقصير؟! لماذا هذا التهاون؟! أصبح الأب لا يرجع إلى بيته إلا في منتصف الليل؟! أين كنت؟ في المجالس ماذا تفعل؟ أتحدث نقضي الوقت يرجع لينام، ثم يقوم ويخرج، وإذا سألته عن التربية؟ قال: الحمد لله! يأكلون أحسن الأكل، ويشربون أحسن الشراب، ويلبسون أحسن الملابس، وكلهم أوائل في الدراسة، فهل هذه هي التربية فقط؟! عبد الله: إن أعظم التربية هي تربية الدين والإيمان تعلمهم الصلاة، تمنعهم من هذه الأمراض، تعلمهم حسن الأخلاق، وتحذرهم من أصحاب السوء، ومن المنكرات والمعاصي. لقد أصبح بعض الدعاة إذا خاطب امرأة وقال لها: اتق الله واستتري، ترد عليه وتقول: وأنت ما دخلك؟ ولست مسئولاً عني، وماذا تريد؟ ما الذي جعلها ترد بهذه الكلمات وبهذه الجرأة؟! إنهم أولئك أشباه الرجال الذين سمحوا لها أن تخرج من البيت كاشفة عارية ولا يسألون عنها، بل إن بعض البيوت وصل بها الحال إلى أن المرأة هي التي تأمر وتمنع الرجل! وهي التي تأتي بالمال لتصرف على البيت! أي بيوت هذه البيوت؟! إذا كنا -ولنقلها صريحة- نسير خلف طريقة أهل الغرب والكفر والعربدة ونتبع سنن الذين كانوا قبلنا من اليهود والنصارى فلنقلها صريحة. أما هم! فالأم تبيع ولدها في دور الحضانة تبيعه بيعاً لتطلب منه الثمن. أما هم! فالزوج يأتي بصديقته داخل البيت، والزوجة تأتي بعشيقها داخل البيت. أما هم! فلا يعرف أمه إلا في يوم واحد في السنة (في عيد الأم) يأتي ليطمئن على أمه هل هي لا زالت حية أم لا؟ أما هم! فالأم تقتل ولديها في سبيل عشيقها. أما هم! فلا يعرفون بيتاً ولا أسرةً ولا راحةً ولا سكناً، يعملون اختباراً للجيش في بعض بلاد الغرب التي نتأسى بها ونسميها دولة حضارية ودولة مدنية، من كل سبعة يستثنى ستة ولا يبقى إلا واحد تعرفون لماذا يستثنون؟ لأن فيهم أمراضاً جنسية ووبائية تنتشر، من كل سبعة ستة، وقد أجريت إحصائية في سنوات ماضية قديمة في ثانوية بنات، فوجد أن أكثر من ثلث الثانوية قد حملن بطريقة غير شرعية، وأما البقية فلا يعني أنهن عفيفات! لا. إنما نجحن في تناول حبوب منع الحمل فلم يصبن بالحمل. عباد الله: لنكن صادقين، يأتيني شاب في صبيحة عرسه يبكي عندي وتتساقط الدموع من عينيه، أقول: ما الذي جرى؟ يقول: لا أستطيع أن أتكلم، يقول: زوجتي بنت عمي دخلت عليها في الليلة الماضية فاكتشفت أنها ليست بكراً، وأول من يتزوجها أنا، واتضح لي الأمر أنها كانت تعاشر الرجال قبلي، وكأنه يريد أن يبكي دماً، يقول: لم أكن أصدق ماذا أفعل؟ أريد أن أقتلها بفتوى واحدة. عباد الله: أتعرفون أبنت من هذه؟ إنها بنت الجيران إن لم تكن بنتك بيوت أهل الحي إن لم يكن بيتك إن لم يكن بيتك قد وصله بعض هذه المنكرات فإنها بيوت الأقربين والقريبات. عباد الله: لنكن حازمين في البيت، المنكر لا نسمح به، وصاحب السوء لا يدخل البيت، والذي لا يصلي والتي لا تصلي لا نسمح لهم بدخول البيت. نعم يا عباد الله! هكذا نكون حازمين، فهذه الأجهزة الخبيثة الخليعة، إن كنت رباً للأسرة ومسئولاً عنها فأخرجها من البيت ماذا سيحدث؟! الحمد لله! إن كثيراً من البيوت في هذه الأيام لا يدخلها (التلفاز) ولا ينتقد أحد هل عاشوا في ظلام كما يقولون؟! هل عاشوا في جهل؟! لا والله، هم أعلم وأفقه وأحفظ الناس في دينهم وأعراضهم، هل عاشوا في كآبة وضيق ونكد؟! لا والله، بل هم أسعد الناس في البيوت. نختم بهذه القصة: كان رجل كبيراً في السن، قد أدخل على بيته التلفاز، وكان يعيش في سعادة، ولم يكن يعلم ما العاقبة؟ فتوفاه الله ، ولما مات رآه صاحب له في المنام، يقول: كنت نائماً في المسجد، فرأيت فلاناً الذي توفي قبل فتره، رأيته في المنام، ووجهه قد اسود وقد تعذب، نظرت به يستغيث بي يقول: يا فلان! أنقذني، قلت: ما الخبر؟ قال: أخرج التلفاز الذي وضعته في البيت، قال: فانتبهت له، فرجعت مرة أخرى للنوم ثلاث مرات، قال: فرأيت نفس الرؤيا، قال: ففزعت من النوم وذهبت مسرعاً إلى بيت صاحبي، قال: فطرقت الباب، واستقبلني أولاده، فجلست معهم، وقلت لهم: أيها الأبناء! لو علمتم أن أباكم قد دخل النار أكنتم تفتدوه بماذا؟ قالوا: بجميع أموالنا وبجميع ما نملك، قال: إن أباكم قد أتاني في المنام وقال لي كذا وكذا، فإن شئتم فأخرجوا هذا التلفاز إن شئتم رحمة أبيكم، وتفكوه من هذا العذاب فأخرجوا هذا التلفاز البلاء والداء والشر، ومكر الخبائث، وهو مروج الدعارة في كثير من البيوت -لا نقول كلها- فأخرجوا ذلك التلفاز، وبكوا بكاء شديداً وهم يكسرون هذا التلفاز رحمة بأبيهم. رحمة بأنفسنا -يا عباد الله- وبأولادنا وزوجاتنا، رحمة بأهلينا، وأقاربنا، نمنع هذه المنكرات. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اللهم أعداءك أعداء الدين، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. أقول هذا القول، وأصلي وأسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1037

الشباب والقرآن بدأ الشيخ حفظه الله في هذا الدرس بالمقارنة بين الشباب في زمن الصحابة والتابعين والسلف الصالح وبين شبابنا اليوم الذين هرولوا وراء الموسيقى والنساء والمخدرات فذكر من السلف الصالح ابن تيمية والنووي والشافعي في سن شبابهم ووضح علو همتهم. وبعد ذلك ذكر قصتين لشابين انجرا وراء قرناء السوء فانحرفا عن الطريق المستقيم. كما عرض لبعض نعيم الجنة، وتحدث عن أحوال أصحاب النار في النار. وختم الدرس بتوضيح طريق الجنة وطريق النار ليسلك الإنسان أيهما شاء، والجزاء يوم يقوم الأشهاد.

стр. 1038

مقارنة بين شباب الماضي وشباب الحاضر الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فكم يفرح الإنسان عندما يلتقي بهذه الوجوه، ويجلس مع هذه الجموع، في حين أن كثيراً من الشباب في هذا السن وفي هذه الأوقات الله أعلم بحالهم، الخيِّر فيهم من ينام الآن في هذه اللحظات، ومنهم من يسهر أمام التلفاز، ومنهم من يلعب في النوادي والمراكز التي لا تهتم إلا باللعب، ومنهم من يفعل بعض المحرمات، قلما تجد إنساناً في هذا العمر يجلس في بيت من بيوت الله، ولعل الله يكتب فيكم ممن قال فيهم: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]. أي: يمكن أن يكون عمرك صغيراً لكنك في الحقيقة رجل كما قال الله ، لا يربط الإنسان في هذا المسجد إلا إذا كان رجلاً، قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور:٣٧] ما الذي جعلهم يجلسون؟ قال: ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧]. اسمع إلى قصص في مرحلة قبل الشباب يمر بها الإنسان وهي مرحلة المراهقة مرحلة الصبا والصغر يمر بها كل إنسان، انظر إلى أسلافنا ثم تذكر حال الشباب في هذا الزمن أصحابك في الفصل أصحابك في الشارع أقربائك جيرانك، اعرف حال السابقين وحال الناس في هذا الزمن ثم قارن، وأدع لك الحكم لتقارن بين السابق والحاضر.

стр. 1039

قصة شاب حفظ القرآن وعمره ست سنوات هذا شاب يقال له: سهل، من الشباب السابقين، لما أكمل من العمر ثلاث سنوات -أي: ما دخل الروضة- يقول: أول ما تكلم علموه كيف يذكر الله جل وعلا وعمره ثلاث سنوات. لما أكمل من العمر خمس سنوات، أتعرف ماذا حصل؟ صام رمضان كله، واستمر في الصيام إلى أن مات، ولما وصل عمره إلى ست سنوات، ختم القرآن كله، هل منا من يبلغ من العمر ست سنوات؟ أظن أنكم قد تعديتم هذه المرحلة وتجاوزتموها منذ زمن بعيد، عمره ست سنوات ويختم القرآن كله، ولما أصبح عمره تسع سنوات سافر من بلده يطلب العلم يطلب الحديث يحضر الدروس وعمره قد لا يتجاوز التسع سنوات.

стр. 1040

الإمام الشافعي في سن الشباب هذا الشافعي الذي ينتسب إليه مذهب الشافعية الإمام الجليل، حفظ القرآن وعمره سبع سنوات، من منا الآن ختم القرآن وعمره خمسة عشر سنة؟ لا تجد أحداً! أفضل واحد فينا ختم ثلاثة، أو أربعة أجزاء، أما من ختم عشرة أجزاء فهذا ما شاء الله فهو أفضلنا، وإذا سمعت له تجد أنه لا تفوت عليه صفحه أو صفحتين إلا ويخطئ، ما السبب وما الفرق بيننا وبينهم؟ ما الذي يجري؟ عقول مثل العقول، وأجسام مثل الأجسام، ولحم ودم وشحم الأجساد واحدة ما الفرق؟ الفرق أنهم كانوا منذ الصغر الواحد منهم إذا لعب نصف ساعة جلس الساعات الطويلة يحفظ ويقرأ ويردد ويكتب على الشيخ. الواحد منا الآن إذا حفظ ساعة أو ساعتين لعب باقي الساعات، وهم يلعبون ساعة ويحفظون باقي الساعات، ولهذا وفقهم الله وحفظ أوقاتهم.

стр. 1041

ابن تيمية وطلبه للعلم شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، هذا الشيخ كان صغيراً، وكان يحمل ألواحاً كبيرة، تخيل كيف كان يمشي مسافات بعيدة على رجليه! ما عنده دفاتر ولا ألواح خشب يحملها من أجل أن يكتب عليها الدرس، في يوم من الأيام رآه شيخ سمع أن هذا الولد نابغة -أي: عقلية جبارة، تقول له الجملة مباشرة يحفظها، هل هذا موجود فينا؟ إذا عملت اختباراً يتبين من النابغة؟ أما شيخ الإسلام فهو نابغة من نوع ثاني- جاء إليه هذا الشيخ فقال له: أنت ابن تيمية؟ قال: نعم. أنا ابن تيمية وكان صبياً صغيراً، قال: أعطني اللوح؟ قال: تفضل، فكتب عليه ثلاثة عشر حديثاً، فقال له: اقرأ، فقرأ عليه، يقول: فأخذت اللوح منه، فقلت: أسمعه عليّ، فقرأ الثلاثة عشر حديثاً كلها قراءة واحدة، حفظ الثلاثة عشر حديثاً، الآن لو أقول لكم: رددوا حديثاً واحداً عشر مرات هل تحفظونه؟ هذا قرأ ثلاثة عشر حديثاً حفظها مرة واحدة بقراءة واحدة. يمكن أن تقول: لا يمكن هذا أتعرف ما الفرق؟ نحن عقولنا امتلئت بقصص، وأشعار، وأفلام، ومسلسلات كرتونية، امتلئت بأسماء لاعبين بأسماء ممثلين وممثلات بأسماء موديلات السيارات بأنواع اللعب وبغيرها من الكلمات التافهة التي لو أتيت يوم القيامة قد لا تدخلك النار لكن لا تنفعك لدخول الجنة، لا تغني ولا تسمن من جوع. إذاً: أخي الكريم! عرفت الفرق بيننا وبينهم؟ ماذا سمى الله الذين ذهبوا؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ [الأحزاب:٢٣] رجال! هؤلاء هم الرجال، ليست الرجولة في لعب الكرة، ولا في تمثيل بطولة مسلسل، وليست القضية أن أركب أفخم سيارة وأمشي بين الناس، ليست هذه هي الرجولة! إنما الرجولة في قول الله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [النور:٢٣]. هل عاهدت ربك على حفظ القرآن، فهذا هو الصدق وهنا الرجولة. بعض الشباب يقول: عاهدت ربي أن أصلي الخمس الصلوات في بيت الله، وأختم القرآن بعد تسع سنوات، هذا عهد بينك وبين الله، احضر مع الشباب الصالحين، المركز إذا كان عندهم مدرسون في المسجد أو الديوان فاحضر معهم في كل المجالس، هذا عهد بينك وبين الله من يوفي بهذا العهد؟ الرجل، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب:٢٣]. من الرجال من قد ذهبوا شيخ الإسلام أين هو؟ ذهب، وكلما قلنا: شيخ الإسلام نقول: ﵀، ندعو له، لكن إذا قلنا ذلك اللاعب الذي اعتزل قبل خمس سنوات، نقول ﵀؟ لا. بل أقصى ما يحصل عليه هذا اللاعب لو صار نجماً من النجوم، ويصفق له عشرون واحداً في المباراة وفي النادي، ثم يصير أكبر لاعب، ما هي جائزته؟ أعلى جائزة يحصل عليها أنهم يعطونه حذاءً ذهبياً! أسمعتم بهذه الجائزة؟ يعطى حذاءً ذهبياً -أي: يكرم بالحذاء- وإذا قلنا: حذاء في المجلس، ماذا نقول؟ نقول: أجلك الله، وكرمك الله. إذاً: مستواه أن يحصل على حذاء، لأن جدارته وبطولته في جزمته في رجله -أجلكم الله- إذاً أيهما الرجلان؟ قبل أيام فتحت الرادو (المذياع) فإذا بي أسمع لشاب عمره أربع عشرة سنة في الخبر، في السعودية، يقرأ القرآن بأحسن ما يكون، وسأله الشيخ الذي يسمع له، قال: كم تحفظ؟ قال: أحفظ القرآن كاملاً، عمره أربع عشرة سنة، بل أزيدك من الشعر بيتاً، قبل أشهر أعطت المغرب جائزة لشاب ختم القرآن كله وكان عمره سبع سنوات، ختم القرآن كله: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٧] لا تلهيه الملاعب ولا الشوارع، ولا ألعاب الأتاري والكمبيوتر، ولا النوم على الفرش، ولا صيد الحمام وتربيتها عن ذكر الله، يجعل ساعة للقرآن وساعة للعب.

стр. 1042

النووي في صغره هذا النووي صاحب كتاب رياض الصالحين، الذي يقرأ في المساجد، هذا الكتاب من أشهر الكتب لهذا الرجل، لما كان النووي شاباً صغيراً يأتون أصحابه إليه، ويقولون له: تعال نلعب! تعال نلهو! وهو يقول: لا أريد أن ألعب، فيجرونه فيبكي عليه رحمة الله، تعرف لِمَ؟ لأنه يحفظ القرآن ويقرأ الكتب، وهم يذهبون ليلعبون. ليس اللعب بحرام، وليس لعب الكرة بحرام، ولكن أخي الكريم أنت -الآن- شاب في مقتبل حياتك، فرق بين شاب منذ الصغر إلى الكبر لا يعرف إلا الكرة، والسيارة والحمام، والمجلات والقصص، وبين شاب يلعب ساعة لكن إذا قلت له: اقرأ ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١]، مباشرة يقرأ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١] يقرأ بسرعة. تقول له: اقرأ براءة، يقرأ عليك: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١] اقرأ يا فلان ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة:١] يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة:١] تأتي إلى فلان من الشباب، وقل له: ﴿اقرأ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر:١]؟ يقول لك: هل هذه في القرآن؟ تقول له: نعم. في القرآن اقرأ، فلا يستطيع يقرأ، بل اقرأ الفاتحة؟ يضيع بين آياتها، ما الفرق بين هذا وهذا؟ كلاهما يقرأ في الدنيا كلاهما سعيد في الدنيا، هذا يلعب وهذا يلعب، لكن هذا أوقات الفراغ أين قضاها؟

стр. 1043

الجنة وبعض نعيمها أخي الكريم أخي الشاب! لعلك لا تعرفني، ولم تسمعني من قبل، لكن لعلنا نلتقي يوم القيامة في الجنة، تعرف ما صفاتها؟ وماذا داخلها؟ أخي الكريم! ألا تتمنى أن تدخل الجنة؟ الجنة ليس فيها شمس لكن تقول: كيف يرون؟ من أين تأتي الأضواء وليس هناك كهرباء، فمن أين يأتي النور؟ من منكم يجيبني لا توجد شمس ولا كهرباء في الجنة، فمن أين يأتي النور؟ الوجوه نيرة! نعم. لكن هناك نور كيف؟ الجنة فيها سقف، وجميع الجنان فيها سقف، الآن سقف الدنيا السماء: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ [الأنبياء:٣٢]. أما في الجنة فهناك سقف هو عرش الرحمن: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أتعرف ماذا يخرج من السقف؟ أنوار وأضواء تضيء على أهل الجنة. أهل الجنة هل ينامون؟ ليس هناك نوم هل يتغوطون ويتبولون؟ يأكلون الطعام فكيف يخرج هذا الطعام من أجسامهم؟ يخرج منهم عرق، وهل العرق مثل الدنيا رائحته نتنة؟ لا. عرق الجنة مسك، كل ما أكلته يخرج منك بصورة عرق والعرق مسك. أي: لا تحتاج إلى أن تتطيب في الجنة، كل كلما تحب، يخرج العرق مسكاً، ألا تتمنى أن تدخل هذه الجنة؟ تخيل نهراً يجري من لبن نهراً من عسل هل رأيت العسل عندما يسكب؟ شكله جميل عندما ينزل، تخيل نهراً كاملاً يجري من عسل! أخي الكريم! تخيل خمراً لكن ليس كخمر الدنيا، تشرب فيما يذهب العقل، خمر لذة للشاربين، أنهار تجري من تحت بدنه، أمر عجيب حصل له! أخي الكريم! في الجنة وأنت جالس على الأريكة -على الفراش- تشتهي الرمان والفاكهة هل تقوم من الفراش لتقطفها؟ لا. إنما وأنت جالس تشتهي الفاكهة تنزل لك على الفراش، تقطفها وتأكلها تشتهي الماء تشتهي الشراب، تقوم من الفراش؟ لا. يمر عليك الغلمان المخلدون بالكئوس، اشرب كما تشتهي، يمكن أن تقول: أريد أن أجلس مع أصحابي ألعب! تعلب في الجنان، فيها أشجار كل شجرة ساقها ليس من خشب إنما من ذهب تمشي تحت الظل، وبعض الأشجار تمشي مائة سنة لا تقطع الظل. قد يقول قائل: هل نجلس مع بعض ونعلب؟ نعم. نجلس ونلهو ونأكل لا يوجد أحد يقول: وراءك دراسة وراءك عمل وراءك نوم وراءك شغل! لا. العب كما تشتهي. هل هناك صلاة في الجنة؟ لا صلاة، ولا حفظ قرآن، ولا دروس، ولا يأتيك الشيخ فيقول لك: تعال عندنا مركز وتعال وقت الحر، لا يوجد كل هذا، تجلس وتعلب كما تشتهي، وتلهو كما تريد، وتأكل ما تشتهي، مع من؟ هذا هو السؤال المهم! نجلس مع من في الجنة؟ وكيف ندخلها؟ وكيف نحصل على هذه الجنة التي نلعب فيها كما نشتهي؟ اسمع ماذا يقول الله مع من تدخلها؟ ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر:٧٣]. عبد الله! تعرف الزمرة التي تدخل معك الجنة؟ الذي كان يقرأ معك القرآن في الدنيا ويصلي معك الذي كنت تجلس معه، فإذا تكلمت بحرام قال لك: لا يجوز يا فلان، لا تغتاب الناس، إذا سببت وشتمت، قال لك: يا فلان! حرام، لا يجوز، اتق الله! تسأل عن هذه الكلمة يوم القيامة، الذي كان يدق عليك الباب يقول لك: يا فلان! تعال نصلي في المسجد، هذا الذي تدخل معه الجنة.

стр. 1044

فريق في السعير هناك صنف آخر من الناس، تركوا صحبة الصالحين في الدنيا، كان يقول في الدنيا: لماذا أتعب نفسي؟ ولماذا أتضايق وأجلس في المسجد وأقرأ القرآن، وأحفظ، وأحضر الدروس؟ لماذا هذا التعب كله؟ أتمتع بالدنيا حتى إذا كبرت أتوب وأصلي وأدخل الجنة؟ أتعرف هذا الصنف من الناس أين سوف يكون مصيره؟ ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ [الزمر:٧١]. يأتي يوم القيامة إلى المحشر أتعرف كم طول المحشر الذي يقف الناس؟ خمسين ألف سنة، الآن كم عشت الآن؟ أربع عشرة سنة، خمس عشرة سنة، بل قد مل بعض الناس من الدنيا، يقف الواحد خمسين ألف سنة على رجله لا يجلس، بعض الناس يعرق حتى يصل العرق إلى فمه ويلجمه إلجاماً. أخي الكريم! بعدها يجمع مع أصحاب الدنيا أهل اللعب أهل الطرب أهل الأغاني أهل المسلسلات والأفلام أهل متابعة النساء، أهل الدخان، هؤلاء كانوا أصحابه في الدنيا، يجمعون يوم القيامة هؤلاء الصنف فريق، وهؤلاء فريق، فريق يذهبون إلى الجنة، فانظر إلى صاحبك الذي كان معك يحفظ القرآن وتركته، الذي كان يضرب عليك الباب، يقول: تعال إلى المسجد فلا تسمع له، تنظر إليه يمشي مع أصحابه إلى الجنة، أما أنت يا مسكين فتجتمع مع أصحاب اللعب والطرب والأغاني إلى أين؟ إلى جهنم، فهل تعرف ما صفاتها؟ النار تتطاير بشرر ترى النار عندما نشعلها يخرج منها شرر لا يؤثر عليك، أتعرف شرار النار كيف حجمه؟ إنه بحجم القصر، أرأيت القصر البيت الكبير، هذا هو شرار النار، فكيف بالنار؟! النار مظلمة، ليس فيها نور، فأول ما يدخل هذا المسكين الشاب جنهم يرى فيها أصحابه من أهل الدنيا، الذين كانوا ينادونه للعب وللهو يقولون: لا. نم. يقول لهم: صلاة، يقولون: ما زلت صغيراً والعمر طويل، والعبادة باقية إلخ.

стр. 1045

قرناء السوء في السعير يتلاعنون أهل أشرطة الأغاني أهل المسلسلات والأفلام أهل الدخان أهل الكلام في النساء أهل المجلات الخليعة، أتعرف هؤلاء ماذا يفعلون في النار؟ أول ما يدخل يلعن صاحبه: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨] يسبهم ويشتمهم، ثم بعد ذلك يقول: لا مرحباً بكم، يردون عليهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ [ص:٦٠] أنت الذي دللتني على هذا المكان. اسمع إلى هذه القصة! أصحاب النار كانوا في الدنيا أصحاباً فاجتمعوا في النار، قال الله جل وعلا: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨] يجتمعون في النار وكل يقابل صاحبه، الذي كان يمنع على أصحاب المسجد، وعلى أصحاب الدين وأصحاب الخير: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف:٣٨] ينادون الله، هذا الذي ضحك عليّ في الدنيا، هذا الذي كان يخدعني في الدنيا يا رب! هذا، ماذا تريد يا فلان؟ ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨]. يقول: يا رب! هذا هو الذي ضحك عليّ في الدنيا، هذا الذي خدعني في الدنيا، هذا الذي أعطاني الشريط، هذا الذي قال: اجلس معنا، هذا الذي منعني عن المسجد وعن حلق الذكر ماذا تريد يا فلان؟ فيقول: ﴿فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨] ضاعف له النار، فهو الذي كان السبب، وهو الذي ضيعني فزده عذاباً في النار، فيرد الله عليه فيقول: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨] نضاعف لهم أيضاً وأنت نضاعف لك النار. ما هو السبب؟ لقد كنت مع أهل الصلاح والدين، تحفظ معهم قرآن وتعلب، تحضر معهم المسجد وتلهو، تسمع المسابقات وتحضر حلق العلم والذكر لكنك ما رضيت تركتهم! نضاعف لك العذاب في النار.

стр. 1046

قصة انحراف شاب عن الطريق المستقيم جاءني شاب قبل فترة إلى المسجد، فأخذ يسلم علينا مع صحبه، وقال: يا شيخ! انظر إلى هذه الصورة، نظرت إلى الصورة، قلت صورة من هذه؟ قال: هذه صورتي، قلت: تكذب عليّ، قال: والله هذه صورتي، قلت: الوجه مختلف، هذه صورتك جميلة الشكل، أما الوجه الذي أمامي فهو قبيح مظلم قلت: ما السبب؟ ما الذي جرى؟ يقول: تعرفت فترة على أناس يقول: أعطوني شراباً لا أعرف ما هو، فإذا فيه مخدرات، ببسي أو غيره، يقول: فشربته وتلذذت بهذا الشراب، وبعد فترة أجبروني على المخدرات، فما استطعت أن أنفك منها، لأن المخدرات إن بدأت فيها لا تستطيع أن تتخلص منها، يضحكون عليه في البداية، ببسي أو عصير أو شاي أو حلوى ويضعون فيها المخدرات، ويقولون: كل هذه الحلوى وهذا يأكلها وهو لا يدري ما هي، فإذا به يتلذذ بها، وبعد فترة يقول: لم أستطع أن أتحمل، تركتهم فهددوني بالسلاح، قالوا: إن لم تتعاط معنا المخدرات نقتلك، يقول: حاولت، أدخلت المخدرات فمي، تعرف كيف يأتي يوم القيامة هذا الشاب ماذا يفعل إن لم يتب: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان:٢٧] يأتي يوم القيامة -الواحد اليوم عندما يتحسر يعض على إصبعه- وهذا يوم القيامة يدخل يديه كلتيهما إلى فمه، ويعض على يديه: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان:٢٧] لمَ؟ ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٢٧]. يا ليتني كنت معهم في حفظ القرآن في المساجد في المراكز أحضر الذكر أتعلم السنة، هذا يوم القيامة وهو يعض على يديه: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٨ - ٢٩]. أيها الشاب! أنت الآن في مقتبل الحياة، لا تدري ماذا يحدث خارج البيت خارج الشارع خارج هذا المحيط أتعرف ما الذي يجري في المجتمع؟ شباب عمر الواحد أربع عشرة سنة، يقبض عليه في السرقة في بيع المخدرات في أماكن محرمة ممنوعة. أتعرف بهذا يا أخي الكريم، الواحد منهم عمره ثمان أو سبع سنوات يشرب الدخان ما الذي أرداه إلى هذه الحال، إنه تعرف على فلان في الفريق، أو صحبة فصل، ما كان يصلي ولا يحضر مع الصالحين، كان يمنعني عن القرآن. مشيت معه فترة لعبت الكرة فإذا بالنهاية ماذا يحصل؟

стр. 1047

خاتمة سيئة لأحد الشباب اسمع إلى هذه القصة العجيبة! كان شاب يحضر مع الصالحين المساجد حفظ القرآن حلق الذكر يحضر الديوانيات المسابقات، رجل سعيد في الدنيا، يلعب وقت اللعب، ويستفيد من وقته وقت الاستفادة، يطيع الله ، ويطيع والديه، ويحضر مع الصالحين، وفي يومٍ من الأيام تعرف على صحبة سوء، طرقوا عليه الباب، قالوا: يا فلان! تعال، قال: عندي طلعة مع الشباب، قالوا: مع من؟ قال: مع الصالحين، يسمونهم مطاوعة! قالوا: يا مسكين! أنت الآن شاب، تعال معنا نذهب إلى السوق، هناك بنات، وهناك ملعب وأغاني، ونتجول بالسيارة ونتعشى ونفعل ونفعل، وتردد هذا الشاب، يذهب أم لا؟ قال: أخبركم بعد العصر، جاء إخوانه الصالحون قبل صلاة العصر، ودقوا عليه الباب، فلان موجود؟ أرسل الخادمة أو غيرها من أهل البيت، وقالت: هو غير موجود -انظر الشيطان! خطوة خطوة، ذهب الصالحون للتأكيد فصدقوه، لعله غير موجود لعله مشغول- جاء أصحاب السوق بعد العصر يا فلان! هل تذهب معنا؟ قال: نعم! انظر الشيطان خطوة ذهب إلى السوق وترك الصلاة، وفي الطريق كان الشباب من الفسقة مسرعين بالسيارة، وأثناء تلك السرعة، انفجر أحد الإطارات، وهو قاعد عند سائق للسيارة، فانصرفت به السيارة إلى الخط السريع، أراد أن يثبتها فما استطاع، وهذا السائق علم أن السيارة سوف تنقلب فرمى بنفسه منها، أما ذلك الشاب فإنه جالس في السيارة، وحاول أن يخرج فتعلق ثوبه بالسيارة ويه لا زالت تمشي، ولا زال هذا الشاب معلق والسيارة تمشي ويضرب بالسيارة ويضرب بالشارع حتى انقلبت السيارة وهو متعلق فيها، ومات هذا الشاب، وما صلى صلاة العصر مسكين! الأجر انتهى، لو ذهب مع الصالحين كيف كان سوف يموت؟ صلى العصر، وجلس يقرأ القرآن، ومات وهو يقرأ القرآن إلى أين مصيره؟ إلى جنة عرضها السماوات والأرض، أما الآن فهو مسكين، ترك الصلاة، وأمضى إلى مصيره، انظر كيف عذبه الله في الدنيا! وبعد ذلك هذا الشائق، ما أصابته شيء، أصابه جروح خفيفة، قالوا له: ماذا جرى؟ قال: والله لا أدري هذا الذي مات هو الذي كان يقود السيارة وما تحكم بها، وكان متهوراً، ومسرعاً بها، فانقلبت بنا، وهو الذي كان السبب، اتهم صاحبه وكان صاحبه بريئاً. انظر أخي الكريم: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨].

стр. 1048

الحث على مجالسة الصالحين أخي الكريم أخي الشاب! أنت الآن مقبل على الحياة حياة فيها شر عظيم، وأخطاء كثيرة، وفيها الفساد والمعاصي والكفر، فيها المخدرات فيها الدخان فيها الخمور السرقات الأغاني المسلسلات الطرب فيها معصية الله جل وعلا. أخي الكريم! اختر لنفسك ما تشاء، هؤلاء الصالحون عندهم اللعب، وعندهم طاعة الله عندهم السعادة في الدنيا والآخرة، أما أولئك الفسقة الفجرة فعندهم مضحكات في البداية، ويلهونك في بعض الألعاب، وبعض المباريات والأغاني والمسلسلات، ثم ما هي النهاية؟ النهاية تذكر: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨] يتلاعنون، ويتقاذفون، ويسب بعضهم بعضاً في النار، نار تعرف ما حجمها؟ كان النبي ﷺ يمشي يوماً من الأيام فسمع صوتاً، فقال لأصحابه: (تعلمون ما هذا الصوت؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حجر -صخرة- رميت في النار منذ سبعين سنة، والآن وصلت إلى قعر النار). تخيل! حجر تنزل سبعين سنة حتى تصل إلى القعر، أطول عمارة لو رميت صخرة منها لعلها تصل خلال عشر ثوان، أو عشرين ثانية، قد نظن أنها ساعة لأن العمارة بعيدة، لكن في الحقيقة عشر أو عشرين ثانية، فتخيل سبعين سنة والحجر تهوي، هذا هو قعر جهنم.

стр. 1049

طريق الجنة وطريق النار عبد الله! إذا أردت طريق جهنم، فتعرف على الذي لا يصلي في المسجد، تعرف على فلان الذي لا يحفظ معك القرآن، تعرف على فلان الذي همه في الدنيا الأغاني، والمسلسلات، والسينما، والمسارح، تعرف عليهم واجلس معهم، واخرج معهم، واذهب معهم، فهذا هو طريق جهنم، إذا أردتها -يا عبد الله- وما أظنك تستطيع الصبر عليها. إذا أردت الجنة التي وصفناها قبل قليل، فهذا هو طريقها، وهؤلاء هم الصحبة، سوف تدخل معهم وأنت قابض بيديك على أيديهم، جماعة واحدة، ندخل بإذن الله جل وعلا في الجنة، لعلك تأتيني يوم القيامة، فتقول: يا فلان! وتناديني في الجنة، وأسلم عليك، فتقول: تذكرني؟ أقول: والله ذكرني، فتقول: تذكر في مسجد كذا، كنت جالساً أمامك وكنت تعمل لنا ذلك الدرس، أقول لك: نعم. تذكرت بإذن الله جل وعلا، فأقول لك: ماذا جرى؟ فتقول لي: يا فلان! من ذلك الوقت سرت مع الصالحين أحضر معهم وأذهب معهم، وأحضر الدروس، وأحفظ القرآن، حتى ختمت القرآن، ثم بعدها حضرت الدروس، وقرأت الكتب، وحافظت على الصلوات الخمس، حتى توفاني الله جل وعلا. أقول لك: يا فلان! عذبك الله؟ فتقول لي: لا والله، جئت إلى ربي جل وعلا، فكان ربي غفوراً رحيماً، أدخلني بسرعة إلى هذه الجنة، لعلي في ذلك اللحظة أعانقك وتعانقني، وأجلس معك على الأرائك، ونخوض في الحديث والسمر، ونتحدث حتى تغرب الشمس، وتقول لي: هل هناك غروب للشمس، أقول: لا. ليس هناك في الجنة غروب ولا شروق، نجلس في الجنة ما شاء الله. لعلك تأتيني يوم القيامة، تقول لي: يا فلان يا شيخ! تعال معنا نجلس مع الشباب فإنهم مجتمعين كما كانوا في وقت الدروس يجتمعون، فهم الآن في الجنة مجتمعون، عند الأشجار والأنهار، وفي القصور والخيام، لعل هذا الأمر يحدث. أخي الكريم! إذا أردت هذه الطريق، وهذه النهاية السعيدة، فاصبر مع إخوانك، واحمل هذا القرآن وهذه الدروس، وتحمل إخوانك في الله، هذا يقول لك: اجلس، وهذا يقول لك: قم، اصبر سنوات قليلة ثم تحصل على هذه السعادة العظيمة النهائية. أقول هذا القول، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1050

الجنة والنار النار التي أطارت النوم من عيون الصالحين، فكانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، وأبكت العيون بفظيع أهوالها، وجسيم أخطارها، وتعدد كرباتها. والجنة التي شمر لها أهل العزائم، فأضمأت الأكباد، وأسالت الدماء، ومزقت الأجساد، شوقاً ولهفاً لنعيمها الذي لا يوصف، وخيراتها التي لا تنقطع. إن أردت أن تقف على قطرة من بحر معرفتهما، وغيض من فيض من حقيقتهما، فقد أبان الشيخ في هذه الخطبة عن ذلك، فقلب طرفك في عباراته، وفرغ قلبك لعظاته.

стр. 1051

حال الأشقياء في الآخرة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد:

стр. 1052

حال الأشقياء في المحشر أيها الأحبة! وفي المحشر بعد أن وقف الناس خمسون ألف سنة، وبعد ذلك الحر والعطش والعرق يشفع لهم نبيهم ﷺ لفصل القضاء، فإذا هم يرون شيئاً قد أتى إنها جهنم، قال الله : ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣]. بعد ذلك الحر والعطش إنها جهنم يقول ابن مسعود: قال ﷺ : (يؤتى بجهنم يومئذٍ ولها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) ﴿وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً﴾ [الكهف:٥٣] علموا أنهم سوف يدخلونها، عند ذلك يسمعون صوت جهنم، يسمعون صوت جرجرتها، وصوت تغيظها، وصوت زفيرها من بعيد ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان:١٢] وهذا يدل على غيظها وغضبها، عند ذلك أيقن المجرمون بالعطب، وجثت الأمم على الركب وكلٌ منهم يقول: نفسي نفسي، يقول الله : ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات:٣٤ - ٣٥] يتذكر يوم أن نام عن الصلاة، ويتذكر أمواله التي وضعها في الربا، ويتذكر أنه ما أمر بناته بالحجاب، ويتذكر أنه طالما نظر إلى النساء واستمع إلى الأغاني ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات:٣٥ - ٣٦]. عند ذلك يحاسبهم الله يحاسب الكفار والمجرمين حساباً عسيراً، ثم: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢] تدخل من منخره وتخرج من أسته، فيقاد إلى جهنم ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر:٤٨] فيساق المجرمون الكافرون وهم يدعون على أنفسهم يقول أحدهم: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ [النبأ:٤٠] ويقول الآخر: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٨] ويقول بعضهم ﴿يَا وَيْلَتَنَا﴾ [الكهف:٤٩] ويدعون على أنفسهم بالهلاك والثبور ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ [الزمر:١٧]. ألا تعلمون -أيها الإخوة- أنه يخرج منها شرر؟ ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:٣٢ - ٣٤] حتى إذا اقتربوا منها فتحت أبوابها ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١] فإذا فتح خزنتها وهم ﴿مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم:٦] إذا فتحوا جهنم يدخلونها فينظرون إليها ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأحقاف:٢٠] فيقال لهم: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف:٣٤].

стр. 1053

حال الأشقياء في النار فيدخلونها ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨] يدخلون فينظرون إلى الذين أضلوهم في الدنيا؛ ينظرون إلى رؤسائهم، وإلى قاداتهم، وإلى أخلائهم، ينظرون إليهم قد سبقوهم في جهنم ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨] يدخلونها، بعد أن يحاسب الكافر فيدخل جهنم يقول له صاحبه أول ما يدخل جهنم: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ [ص:٥٩] فيرد عليهم أصحابه في الدنيا ﴿لا مَرْحَباً بِهِمْ﴾ [ص:٥٩] أول تحية ﴿لا مَرْحَباً بِهِمْ﴾ [ص:٥٩] فيتلاعنون، ويسب بعضهم بعضاً، ويشتم بعضهم بعضاً، فأول ما يتقي بوجهه النار، أما يداه فمغلولتان، قد شدتا بالسلاسل، فيريد أن يتقي النار فلا يتقي النار إلا بوجهه، أكرم شيء عنده في الدنيا، لطالما كان يجمل وجهه، ولطالما كان يحسن وجهه، ولطالما كان يتقي الحر عن وجهه. أما جهنم: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الزمر:٢٤] * وقال تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٤] الوجه الذي هو أشرف مكان في الجسد ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر:٤٨] أين ذلك الوجه؟ أين زينتك على وجهك؟! أين طيبك الذي كنت تضعه على الوجه؟! أين الجمال؟! ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٥٠] انظروا إلى ذلك الموقف الذي تقشعر لهوله الأبدان، ذلك الوجه الذي طالما كان يجمله ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّار﴾ [الأحزاب:٦٦] كالسمك على النار يشوى، كيف تقلبه على النار؟ هكذا تقلب وجوههم ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب:٦٦ - ٦٨] ولكنهم لا ينفعهم الكلام، فإن جهنم أحيطت بهم ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩] ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٥٥]. وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ [الأعراف:٤١] فراش من جهنم ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١] لحافٌ من النار، ووجوهٌ قد غطيت بالنار، وجهنم تحيط بهم، حتى إن النار لتصل إلى قلبه ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة:٤ - ٧] تطلع: تصل ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة:٨] إنها: أي جهنم ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة:٩]. يريد أن يأكل في جهنم، لقد طال جوعه يقول بعض السلف: إن الجوع في جهنم يصل عذابه إلى عذاب النار، حتى استغاث بالطعام ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٢ - ٦٥] طلعها: ثمارها، أتظنونهم لا يأكلون منها؟ ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات:٦٦ - ٦٧] ويأكلون طعاماً ﴿ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً﴾ [المزمل:١٣] يقول ابن عباس: [يأكلون الطعام من شوك يتعلق في حلوقهم لا هو يخرج منها ولا يدخل] طعام؟ ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦] نفيس الشبرق اليابس من شوك يأكلونه ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٧] طعام يأكلونه ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة:٣٥ - ٣٦] يقول ابن عباس: [إنه صديد أهل النار] يأكلونه رغماً عن أنوفهم ﴿وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٦ - ٣٧] وحينما يأكل الشوك والغسلين عندها يحس بأنه يحتاج إلى الماء فيستغيث بالماء: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:٢٩] يقرب ماء المهل إلى وجهه، فإذا أراد أن يشرب من شدة حره تسقط فروة رأسه، وينسلخ جلد وجهه إذا قرب وجهه المهل، لكنه يشربه، يقول تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥] يشرب الماء يريد أن يستغيث به من طعام الشوك؛ لكن الماء يسقط فروة رأسه، فيدخل به إلى أمعائه فتتقطع به الأمعاء، ثم يحرج من قدمه ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٦] قال مجاهد: هو القيح والدم وصديد أهل النار ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧] يريد أن يشرب، لقد أصابه العطش، لقد أهلكه العطش ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً﴾ [النبأ:٢٤] ينقذهم الله بشراب يشربه أهل النار ﴿إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾ [النبأ:٢٥] ماء قد انتهى حره، أتعلم ما هو الغساق يا عبد الله؟!! إنه السائل الذي يسيل من فروج الزواني ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً * إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً * جَزَاءً وِفَاقاً﴾ [النبأ:٢٤ - ٢٦]. يلبس ثياباً من النار ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج:١٩] ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ﴾ [إبراهيم:٤٩ - ٥٠] يا من كنت تلبس الحرير! يا من كنت تسبل ملابسك في الدنيا وتجرها خيلاء! ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم:٥٠] سرابيلهم: ملابسهم. وقطران: نحاس مذاب يلبسونه وثياب من نار، نسأل الله العافية. حتى إذا اجتمعوا في جهنم وعلموا أن النار قد أحاطت بهم، علموا أنه لا نجاة إلا بالله، ولا فرار إلا إلى الله، كانوا في الدنيا لا يلجئون إلى ربهم، يسمعون حي الفلاح فكانوا لا يلجئون إلى الفلاح، يسمعون الله أكبر وكانت الدنيا عندهم أكبر، يسمعون أن الربا حرام ويأكلون الحرام، ذلك موقفٌ يلجئون فيه إلى الله فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ [فاطر:٣٧] نصلي لك يا رب، نقيم الصلوات في المساجد، نأمر أهلينا بالحجاب وبالصلاة، أخرجنا منها ﴿نَعْمَل صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧] فيرد الله عليهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر:٣٧] أولم نعمركم حتى وصلتم إلى مرحلة البلوغ؟ ألم يظهر ذلك الشيب؟ ألم يأتك النذير؟ ألم تسمع يا غافل أن الربا حرام، وأن الزنا حرام، وأن النظر إلى النساء حرام، وأن الصلاة واجبة، وأن الدعوة إلى الله واجبة؟! ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧] حين ذلك ينادون مالكاً خازن النار: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] لنمت في هذه النار، كانوا يحرصوا على الحياة، كان يتمنى الحياة، إذا مرض ذهب إلى الطبيب، كان لا يريد أن يذهب إلى صلاة الفجر؛ لأن الجو بارد، كان لا يريد أن يتوضأ؛ لأن الماء بارد، وكان لا يريد أن يدعو إلى الله، ويخاف على صحته، يخاف على ماله من الفقر ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] فيجيبهم مالك بعد ألف عام: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٧ - ٧٨] بعد ذلك ينادون الله؛ لأنهم يعلمون أن ذلك عند الله وبيده خلاصهم، فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦] الآن يعترفون، الآن يندمون، الآن يتذكرون أنهم كانوا ظالمين ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧] فيرد الله عليهم: ﴿قَالَ اخْسئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] بعد ذلك لا يتكلمون، فيرجعون ولهم مقامع من حديد إلى النار خالدين فيها ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٧].

стр. 1054

حال السعداء في الآخرة الحالة الثانية: السعداء الذين أمضوا حياتهم في صلاة، وعبادة، وصوم، وذكر لله ، كانوا يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وكانوا ينظرون إلى الناس، فإذا منهم الغاصب، ومنهم الضال، ومنهم الذي لا يصلي، ومنهم الذي لا يزكي، ومنهم الذي لا يصوم، ومنهم المتبرجة، ومنهم ومنهم نظروا إلى الناس فلجئوا إلى الله فأقاموا الصلاة، وذكروا ربهم.

стр. 1055

حال السعداء في المحشر وفي ذلك الموقف يساقون إلى الجنة ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ [الزمر:٧٣] جاءوا إلى الجنة فاجتمع المؤمنون عند أبوابها ولها ثمانية أبواب، يخرج المصطفى والناس كلهم ينظرون إليه، إلى الحبيب المصطفى محمد ﷺ ، يخرج من بين الناس فيأتي يتقدم الناس فيأتي إلى باب الجنة فيطرق بابها كما صح في صحيح مسلم عن أنس: فيستفتح (فيقول له خازن الجنة من أنت؟ فيقول: محمد -والمؤمنون كلهم يتشوقون ويتلهفون لينظروا ما في تلك الجنة التي طالما سمعوا عنها- فيقول الملك من أنت؟ فيقول: محمد، فيرد عليه: أمرت ألا أفتح لأحدٍ قبلك) فيفتح باب الجنة والمؤمنون ينظرون، فيأتي أول زمرة يدخلون باب الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، يأتون إلى أبواب الجنة وما بين البابين، ما بين مصراعي الباب مسيرة أربعين عاما، وإنه ليأتي عليه يوم وإنه لكضيض: مزدحمٌ من المؤمنين يتدافعون ليدخلوا تلك الجنة التي سمعوا عنها، أول زمرة على صورة القمر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون، ورشحهم المسك، يدخلونها، تخيل نفسك يا عبد الله! إذا فتحت أبواب الجنان فدخلتها ومن الناس من ينادى باسمه، أين فلان؟ يدخل من باب الريان كان يصوم، أين فلان؟ يدخل من باب الجهاد كان مجاهداً، أين فلان؟ يدخل من باب الصلاة، من باب الصدقة، ومنهم من ينادى من بابين، ومنهم من ينادى في ثلاثة أبواب، ومنهم من ينادى من أبواب الجنة الثمانية، أين فلان ليدخل جنة ربه التي وعد المتقون، حتى إذا دخل باب الجنة وهو على أبوابها: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٤].
следующие страницы →