← Джавами‘

Джавами‘ · id 7717

دروس للشيخ نبيل العوضي

نبيل العوضي

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

التوبة إلى الله هي الحل والنجاة من الإدمان أيها الأخ الكريم: أتعرف ما النجاة؟ إنها في قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. أيها الأخ العزيز: أقبل على الله جل وعلا، لا تقل لا أستطيع ولا أتحمل. في يومٍ من الأيام بعد محاضرة كانت لي جاءني شاب بعد المحاضرة حسن الوجه، مضيء الوجه، مطلق اللحية، مقصر الإزار عليه سِيما الصلاح، فقال لي: يا شيخ أريد أن تذهب معي إلى مكان. قلت له: وأي مكان؟ قال: مكان فيه أهل مخدرات قلت: ولِمَ؟ ولِمَ؟ ولِمَ أنت الذي ترسلني إلى هذا المكان؟ قال لي: يا شيخ أنا الذي أمامك كنت يوماً من الأيام مدمناً للمخدرات، يقول: كنت يومياً أتعاطى المخدرات ولا أستطيع الخلاص منها، قلت له: الآن؟ قال: والآن الحمد لله أدعو إلى الله جل وعلا، أقرأ القرآن، أحضر حلق العلم، أحضر مع الصالحين، أجلس معهم، أبر والدي، قلت له: الآن أنت سعيد أم الماضي؟ قال: يا شيخ! ما أحسست بالسعادة إلا هذه الأيام التي توجهت فيها إلى الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] تريد الهداية؟ تريد التوبة؟ تريد صفحة جديدة بينك وبين الله؟ ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] قاطع تلك المجالس وفارق تلك الصحبة، أقبل على الصالحين واجلس معهم، قل لهم: إني أقبلت على الله جل وعلا فدلوني وخذوا بيدي، قم آخر الليل، وصلِّ ركعتين في السحر؛ فإن الرب ينزل ويقول: (هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟) صلِّ ركعتين في السحر وأقبل على الله واسجد بين يديه، ثم لتدمع تلك العينان؛ لعل الله أن يغسل ذنوبك. يا نفس توبي فإن الموت قد حانا واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا أما ترين المنايا كيف تلقطنا لقطاً فتُلْحِق أخرانا بأولانا أما تذكر يوم رفعت سماعة الهاتف وقيل لك: أتعرف فلاناً؟ نعم فلان. الذي كان معنا في الدواوين والشوارع، وفي الدراسة، أتذكره جيداً؟ نعم أذكره جيداً، قبل أيام كنتُ معه. فيقول لك: مات في حادث سيارة، انقلب بها وفارق الدنيا، إنا لله وإنا إليه راجعون. أما ترين المنايا كيف تلقطنا لقطاً فتُلْحِق أخرانا بأولانا وفي كل يوم لنا ميْت نشيعه نرى بمصرعه آثار موتانا أقبل على الله جل وعلا، تعرَّف على الصالحين، افتح كتاب الله ﵎ لتكن همتك عالية. أما هذه الهمة، همة الحبوب والتعاطي والإدمان فأنت تعرفها، إنها همة ما أخسها! وما أقذرها! وما أنجسها! لتكن همتك أن تضحي بهذا الجسد الذي طالما تعاطى ذلك المخدر في سبيل الله جل وعلا، همتك همتك -يا أخي العزيز- ألا تموت إلا شهيداً في سبيل الله.

стр. 982

قصة عبد الله بن حذافة السهمي مع ملك الروم اسمع إلى هذا الشاب الذي ابتلي في دينه، وانظر إلى همته، إنه عبد الله بن حذافة؛ كان أميراً لسرية؛ وأنا أقص عليك هذه القصة لترفع همتك أيها الشاب، ولتترك هذا المرض المظلم، ولتقبل على الله جل وعلا بهمة تناطح الجبال. هذا الشاب كان يقود سرية المسلمين، فقبض نصارى الروم على المسلمين وكان فيهم عبد الله قائدهم، وجاء ملك الروم إلى عبد الله بن حذافة وقال له: أتريد أن ترجع إلى أهلك؟ قال: نعم. قال: أشاطرك نصف ملكي بشرط واحد. قال: ما هو؟ قال: أن تتنصر وتغير دينك من الإسلام إلى النصرانية؛ فضحك عبد الله بن حذافة وقال: [والله لو أعطيتني الدنيا بما فيها على أن أترك هذا الدين طرفة عين ما تركته، قال الملك: ادخلوه السجن] ويدخلون عليه امرأة من أجمل النساء، وتجملت أمامه، وحاولت أن تفتنه، فإذا بها تخرج بعد زمن وتقول للملك: " لا أدري أأدخلوني على بشر أم حجر! لا أدري أأنا أنثى أم ذكر " تقول: لم يلتفت إليَّ طرفة عين، فغضب الملك. انظر إلى الصبر على الدين، انظر إلى لذة الطاعة، جيء بالقدور وأحميت، ووضع فيها الزيت وتحته النار تشتعل، والزيت يغلي، فجيء بـ عبد الله بن حذافة وبصاحب له من أصحابه فإذا به ينزل حياً في قدر، في الزيت الذي يغلي، فاحترق حتى طفحت عظامه وشوي جلده، ونظر عبد الله، وقال الملك: الآن دورك، بكى عبد الله، فقال له الملك: خفتَ الآن قال: [لا. والله ما خفت ولكن صاحبي هذا كان ينافسني دوماً في طاعة الله، أما الآن فقد سبقني إلى الجنة يا ليتني كنت مكانه، يا ليتني كنت مكانه، والله الذي لا إله غيره لو كان عندي أرواحاً بعدد شعرات جسمي لتمنيت أن تخرج كلها في سبيل الله] قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣]. أرأيت صاحب الهمة العالية يتقلب على الفراش، ويحلم أن هذه الرقبة تطير في سبيل الله. ستقول لي: يا شيخ! هذا في الأزمان الماضية، أما اليوم فمستحيل. أحدثك بقصة في هذا الزمن

стр. 983

قصة شاب أدمن وتاب ليكون من المجاهدين شاب مولع بالأغاني والطرب، والنساء والمخدرات والخمور، كل معصية في الدنيا ارتكبها لا تخطر على باله معصية إلا وقد فعلها، يقول الشاب عن نفسه: ضاقت علي الأرض بما رحبت، مللت الحياة. وتتعجب عندما تسمع أن أعلى نسبة انتحار في الدول المتقدمة، يشنق الواحد نفسه، يقطع شرايينه بالموس؛ لينزل الدم ثم يموت، يرمي نفسه من أعلى عمارة، يضع مسدساً على رأسه فيطلق طلقة يموت منها. ما السبب؟ يقول الشاب: ضاقت علي الأرض بما رحبت، قال الله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] يقول: خرجت من البيت وسافرت لا أدري أين أذهب، فخطر على بالي أن أذهب لأخي في بلد أخرى، دخلت وطرقت الباب على أخي -وكان أخوه صالحاً- قال أخوه: ما الذي جاء بك؟ قال: يا أخي مللتُ الدنيا، مللتُ الحياة، جئتك أمتع نفسي، قال أخوه: تفضل في البيت، يقول أخوه: نام تلك الليلة، وفي الفجر جاء رجل يوقظهم للصلاة، وعادته كل يوم كان أن يوقظ أهل البيت؛ يا أهل البيت صلاة الفجر صلاة الفجر، فقام الشاب فزعاً قال: ماذا تريد؟ قال: صلاة الفجر، قال: دعني، فأنا لا أصلي أصلاً، قال: أعوذ بالله، قال: اتركني أنا لا أصلي، قال: لِمَ لا تصلي ألست بمسلم؟! جرِّبِ الصلاة مرة، يقول: فذهب الرجل، وجلس هذا يفكر على الفراش ويردد في ذهنه: جرِّبِ الصلاة مرة يقول: فقام الشاب واغتسل من جنابة، ثم ذهب إلى المسجد، فإذا به يصلي، ثم يرجع إلى البيت يقول لأخيه: يا أخي وجدتها، قال: ماذا وجدت؟ قال: وجدت السعادة، قال: أين؟ قال: وجدتها في الصلاة، وجدتها في السجود، وجدتها في الركوع، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢]. قال الشاب: بعد أيام جلستُ عند أخي وسوف أرجع إلى أمي، قال له: ارجع، يقول: ذهب إلى أمه وطرق الباب، قالت أمه: ما الذي جاء بك مسرعاً هذه المرة، قال: يا أماه وجدت السعادة في الصلاة، وفي القرآن، وفي العبادة، فرحت أمه، وظل أياماً مع أمه ثم قال: يا أماه أريد السفر، قالت له: إلى أين يا بني؟ قال لها: يا أماه أريد أن أذهب إلى الجهاد في سبيل الله، قالت أمه: لِمَه؟ قال: يا أماه! جسدي طالما عصى الله جل وعلا، وأريد أن أضحي بهذا الجسد لله ، قالت أمه: ما منعتك وأنت تسافر للمعصية أفأمنعك وأنت تسافر للطاعة، اذهب يا بني، فذهب للجهاد، وتدرب، ثم دخل في المعركة، وفي ذات اليوم حمل السلاح وبجنبه صاحب له، حميت المعركة واشتدت، فأصيب صاحبه بشظية، فحمَله ليسعفه لكنه استشهد في ذلك الموقع، فحَفَرَ القبر لصاحبه، وأنزل صاحبه في القبر، لم يغسله، ولم يكفنه، وهكذا الشهيد؛ يبعث عند الله وجرحه يَثْعُبُ دماً في المحشر، اللون لون الدم والريح ريح المسك، أنزل صاحبه في القبر ولم يدفنه، قال: اللهم إني أسألك أن لا تغرب شمس هذا اليوم إلا وقد قبلتني شهيداً في سبيلك، فلما أنزل صاحبه اشتدت المعركة مرة ثانية، وأسرع إلى سلاحه وتقدم في المعركة يخوضها ويقبل بصدره في القتال، وبعد لحظات، إذا به يفارق الحياة الدنيا ويُدفن في القبر الذي حفره مع صاحبه، قال الله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].

стр. 984

رسالة إلى مدمن إني سائلك أن تفكر في هذه الكلمات، وأن تكثر التفكير فيها لا تنَمْ هذه الليلة إلا وأنت تفكر في كل كلمة قلتُها، إن الإدمان نهايته عذاب في الدنيا وخاتمة سوء، ثم عذاب في القبر، ثم وقوف بين يدي الجبار، ثم الزقوم والحميم. وتذكر أنك إذا تبت إلى الله جل وعلا فسعادة في الدنيا، ثم قصور في الجنة، نهر من لبن، نهر من عسل، نهر من خمر، تقول لي: لا أتحمل، أقول لك: اصبر لله جل وعلا حتى تسمع تلك الكلمات عند أبواب الجنان، تقول لك الملائكة: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤] الصبر، الصبر يا أخي الكريم، فارق تلك الصحبة، أقبل على الله جل وعلا، اشغل فراغك بقراءة القرآن، بالدعوة إلى الله، بالعلم النافع، بصلة الأرحام، ببر الوالدين، اشغل وقتك بما ينفعك عند الله جل وعلا، واعلم أنك إذا تبت فإن النهاية: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:١٢] * ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ [الإنسان:١٣]. وقبل أن أختم حديثي لي وإياك لقاء ليس على هذه الأرض، قد تكون على هذه الأرض؛ ولكن أنا على يقين بأننا سوف نلتقي يوم القيامة، إما أن نتخاصم عند الله جل وعلا، وإما أن نكون تحت ظل عرش الرحمن ﵎، فاختر لنفسك أي الطريقين: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣] سوف نلتقي يوم القيامة، فإن تخاصمنا فلعلك تقول: يا رب ما جاءني من نذير، فأقبل على الله جل وعلا، فأقول: بلى يا رب سمع حديثي من ذلك الجهاز وبهذا الشريط، سمع كلامي وتلوتُ عليه آياتك وأحاديث رسولك، وحذرته من ذلك المصير لكنه أبى، أو تأتيني يوم القيامة تحت ظل عرش الرحمن فتقول لي: يا شيخ أتذكر تلك المحاضرة فأقول لك: وأي محاضرة؟ تقول لي: يا شيخ أتذكر محاضرة (رسالة إلى مدمن) أقول لك: لعلي أذكرها، تقول لي: يا شيخ والله ما إن سمعتها إلا وبدأت صفحة جديدة مع الله، كانت البداية صعبة لكن الله أعانني: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] يا شيخ! أقبلت على الله فإذا بالرب جل وعلا يُقبِل علي، أصبحت أقرأ القرآن، وحفظته في عدة شهور، صرت داعياً إلى الله ﵎، تعرفت على الصالحين، غيرت هذه الحياة كلها، شعرت بالسعادة التي كنت أبحث عنها، ثم ختم الله لي خاتمة حسنة، وهاأنذا اليوم يغفر الله لي ما مضى. لعلنا نتعانق تحت ظل عرشه جل وعلا. أسأل الله ﵎ أن يجمعني وإياك تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، إنه ولي ذلك والقادر عليه. هذا وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 985

رجال ومواقف إن للرجال مواقف عظيمة، تظهر فيها قوتهم وشجاعتهم وصبرهم وثباتهم على دين الله، وعلى رأس هؤلاء الرجال: أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام. وحسبك من تابعيهم صحابة رسول الله ﷺ ، الذين خلد التاريخ ذكرهم. هذا ما تحدث عنه الشيخ، ذاكراً بعض النماذج لهؤلاء الرجال من الأنبياء والصحابة والتابعين.

стр. 986

الأنبياء ﵈ هم الرجال الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة الكرام: هذا الحديث بعنوان: (رجالٌ ومواقف) وعلى رأس الرجال أنبياء الله ورسله.

стр. 987

إبراهيم ﵇ فهذا إبراهيم ﵇ يجمع له الكفار الحطب؛ لإشعال النار لحرقه، لكنه هو الرجل، شهرٌ كامل يجمع الحطب لحرق نبي من أنبياء الله، بل هو خليل الرحمن أبو الأنبياء، ليلقى في النار فيحرق، فإذا به يربط بالمنجنيق، ما استطاعوا أن يقتربوا من النار لعظمها تخيل! ويمر الطير فوق النار فيسقط من شدة حرها! نار عظيمة تتأجج، فإذا بالمنجنيق يرمى، وإبراهيم ﵇ في الهواء، فيأتيه جبريل في هذه اللحظات العصيبة، ويقول له: ألك حاجة؟ وفي هذه اللحظات يتعلق الإنسان بأي سبب ولو قشة أو شعرة، أما إبراهيم فقلبه معلق برب البشر، برب الأسباب جل وعلا فقال جبريل: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم، حسبنا الله ونعم الوكيل. فيسقط إبراهيم في النار والناس ينتظرون حرقه، فإذا به يقوم في النار، فينفض الغبار عن جسده، ثم يقوم ويكبر ويصلي في النار، قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٦٩ - ٧٠]. رجلٌ وأي رجل يدعو الله أن يرزقه الولد، ولك أن تتخيل رجلاً كبيراً في السن، وامرأته عاقر، ويرزقه الله الولد على هذه الفترة، وفي هذه السن! كيف يتعلق قلب الأب بابنه بعد أن حرم من الولد سنوات، ورزق بالولد على كبر السن؟! تخيل لو كنت مكانه كيف تتعلق بهذا الولد؟ ثم لما كبر الولد شيئاً قليلاً، وبدأ يسعى مع أبيه، ويعينه في العمل، إذا بوحي الله لإبراهيم أن اذبح هذا الولد: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢] ورؤيا الأنبياء حق، فهي وحي من الله جل وعلا. والغريب ليس فقط في إبراهيم ﵇ فهو نبي، وهو رجل كبير، وتربى على التوحيد منذ نعومة أظفاره، لكن الغريب من هذا الصبي الصغير الذي بدأ يسعى، ماذا يرد؟ وماذا يقول؟ أبوه يقول: أريد قتلك، أريد ذبحك، الله أمرني بهذا، هل تستطيع هذا الأمر؟ بعض الناس لو أمره الله بأمرٍ بسيط لرده بهواه وبعقله وبشهوته، ويقول: لا أستطيع، ولا يمكن أن أفعل هذا، ولا أقدر عليه، والله يأمر إبراهيم بذبح هذا الولد: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] ماذا رد عليه؟ ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] الله أكبر! هذا معنى الإسلام، هذا معنى الاستسلام لله، أما أن يقول الإنسان: أنا مسلم، ثم يرد أمر الله، ويتكبر على شرعه، فأي إسلامٍ هذا؟ الإسلام أن تستسلم لله: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] لم ينتهِ الاختبار بالأمر فقط، بل جاء إبراهيم بابنه على تلك الصخرة، وحد السكين ليذبحه على تلك الصخرة، وبكل استسلامٍ لله ورضىً بشرعه، يضع الابن وجهه وجبينه على تلك الصخرة، وينتظر من أبيه أن يذبحه ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] ووضع على رقبته السكين، ولكن الاختبار قد انتهى، فإذا بإبراهيم ينجح، وإذا بابنه يفوز، وإذا بالنداء من السماء: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥] ففاز في هذا الاختبار. قد يقول بعض الناس: لِمَ يحرِّم الله هذا؟ ولِمَ يوجب الله علينا هذا؟ ولِمَ منعنا الله من هذا وأباح لنا هذا؟ لا تقل: لِمَ؟ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] نفذ شرع الله جل وعلا، فإن تبينت لك الحكمة فبها ونعمت، وإن لم تتبين لك الحكمة فافعل واستسلم لله .

стр. 988

نبينا محمد ﷺ رجال ومواقف وعلى رأسهم نبينا محمد ﵊، رجلٌ وأي رجل! يذهب إلى الطائف يدعو إلى الله جل وعلا، بعد أن عانده وعارضه كفار قريش، فذهب إلى الطائف ماشياً على قدميه، فلما وصل إلى الطائف دعاهم إلى الله فكذبوه، أتعرف ماذا صنعوا؟ لقد تبعوه بالحجارة مع الأطفال والصبيان والعبيد، يرجمونه ويضربونه بها، وهو أفضل من وطئت قدمه الثرى محمد ﵊، أفضل إنسانٍ خلقه الله جل وعلا: (سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر) سيد الأولين والآخرين يرمى بالحجارة! ومن خلفه؟ إنهم الأطفال والسفهاء والعبيد، حتى خرج ﵊، فإذا به يدعو ولكن هل سبهم؟ هل شتمهم؟ هل دعا عليهم بالويل والثبور؟ لا والله، أتعرف ماذا قال؟ اسمع وتدبر إلى دعائه رفع يديه وقال: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا إله المستضعفين إلى من تكلني؟ إلى قريبٍ يتجهمني؟ أم إلى بعيدٍ ملكته أمري؟ أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل بي سخطك، أو ينزل بي غضبك، لك العتبى حتى ترضى) وجاءه الملك فقال له: (مرني يا محمد فلأطبق عليهم الأخشبين -أهل مكة ومن فيها- قال: لا. إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً) ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٧ - ١٢٨] صبر لكن بعزة، ورضي لكن بغير ذلة. في يوم من الأيام يطوف بالبيت ﵊، وحوله ثلاث مائة وستون صنماً! فلما طاف الشوط الأول رآه مشركو قريش وقد جلسوا؛ عتبة بن ربيعة وهشام بن أمية، وأمية بن خلف وغيرهم، جلسوا في النادي يستهزئون، فلما مر عليهم غمزوه، وتكلموا عليه، فلم يأبه لهم، فطاف، وفي الشوط الثاني غمزوه فلم يأبه لهم وطاف، فلما مر عليهم في الشوط الثالث غمزوه فاستقبلهم، لقد كان يصبر لكن بغير ذلة، وكان يتحمل بعض أقوالهم ولكن بعزة، فجاءهم ﵊ وقال: (تسمعون معشر قريش -وكانوا يضحكون ويتمايلون من شدة الضحك- أما والذي نفس محمدٍ بيده لقد جئتكم بالذبح) يعني: سوف يأتي يوم فيه جهاد، فيه قتال، أما الآن فسلم ودعوة بالتي هي أحسن، ولكن: (أما والذي نفس محمدٍ بيده لقد جئتكم بالذبح) يقول الراوي: فكأنما على رءوسهم الطير، سكتوا وصمتوا، ثم قال أشدهم فيه وصاة -أكثرهم سخرية- قال: انصرف أبا القاسم راشداً فوالله ما كنت جهولاً. وفي موقف آخر، وهو يصلي عند الكعبة، يأتي أشقى القوم فيرمي على ظهره سلى الجزور؛ نجاسات وقذارات، فتأتي فاطمة سيدة النساء في الجنة ﵂ وهي جارية، تركض إلى أبيها رسول الله فتزيل النجس والقذارة عن ظهره، فأتم صلاته ثم استقبل القوم وقال: (اللهم عليك بـ هشام، اللهم عليك بـ عتبة، اللهم عليك بفلان وفلان. يقول الراوي: لقد رأيتهم كلهم صرعى يوم بدر) ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر:٤٥ - ٤٦] نعم. توعدهم الله في مكة بالهزيمة، يوم كان المسلمون مستضعفين.

стр. 989

الصحابة ومواقف الرجولة رجال ومواقف من الصحابة رضوان الله عليهم.

стр. 990

أبو بكر الصديق ﵁ يستأذن أبو بكر يوماً من الأيام النبي ﷺ في إعلان الإسلام، في الدعوة إلى الله، فما أذن له، لا زال الإسلام في بدايته، ثم استأذنه، ثم استأذنه، حتى أذن له النبي ﵊، فقام أبو بكر أول خطيبٍ في الإسلام، قام يخطب ويدعو إلى الشهادتين، وإلى توحيد الله، فلما رآه المشركون تآلبوا عليه، وأخذوا يضربونه، حتى جاء الفاسق عتبة، فأخذ نعله ونزعها وضرب بها وجه أبي بكر ﵁، حتى سقط على الأرض وكاد يموت، وكاد يقتل، وحملوه إلى بيته وظنوه قد صرع، وهو أبو بكر الذي قال الله فيه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر:٣٣] رسول الله ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] وهو أبو بكر ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣].

стр. 991

عمر بن الخطاب ﵁ وهذا عمر بن الخطاب؛ هذا الرجل الذي كان ذو شدة وغلظة قبل الإسلام، ولما أسلم وتولى أمر المسلمين، وصار أميراً للمؤمنين تغير، وكان يمشي في الليل ينظر أحوال المسلمين وشئونهم في الليل، فإذا به يرى ناراً من بعيد، فقال لمولاه أسلم: تعال معي نستكشف النار، فإذا به يقرب من النار فيرى عند النار امرأة عجوزاً وعندها أطفال صغار يبكون، وعلى النار قدرٌ ليس فيه إلا الماء، فقال عمر بعد أن سلم: ما شأنكم يا أهل الضوء؟! قالت العجوز: هؤلاء أطفالي وليس في القدر شيء، وضعت النار تحتها أصبرهم حتى يناموا وهم جياع، ليس عندي شيء أطعمهم إياه، ثم قالت المرأة العجوز: والله لئن قدمت على الله لأخاصمن عمر ومن الذي أمامها؟ إنه عمر وهي لا تدري، فقال عمر بن الخطاب: وما يدري عنك عمر يا أمة الله؟! أي: ماذا يعلم عنك وأنت في الصحراء؟ فقالت المرأة العجوز: يتولى أمر المؤمنين ولا يدري عني لأخاصمنه عند الله. فذهب عمر وقال لمولاه أسلم: تعال معي، فذهب إلى بيت المال فدخل وأخذ كيساً من دقيق، فحمله على ظهره، فقال مولاه: يا أمير المؤمنين! أحمل عنك، فقال له عمر: أوتحمل عني وزري يوم القيامة؟ يقول أسلم: فذهب إليها، وأخذ يصنع طعامها بنفسه حتى صنع طعامهم، وترك الكيس الطحين عندهم، ثم ذهب من بعيد، فقلت له: يا أمير المؤمنين! نرجع قال: لا والله، أجلس حتى أراهم يشبعون كما جاعوا، فجلس ينظر إلى الأطفال وهم يأكلون، يقول: فنظرت إليه فإذا عيناه تدمعان، فإذا بـ عمر بن الخطاب يبكي لامرأة عجوز جاع أطفالها ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣].

стр. 992

علي بن أبي طالب سمعتم بـ علي بن أبي طالب، الخليفة الراشد ﵁ بعد أن تولى الإمارة صنعوا له قصراً يسكن فيه ليكون أمير المؤمنين، فلما نظر إليه قال: ما هذا؟ قالوا: قصرك يا أمير المؤمنين. فتولى وهو يقول لهم: قصر الخبال هذا، والله لا أسكنه، قصر الخبال هذا والله لا أسكنه، ورجع إلى بيته القديم. علي بن أبي طالب يجلس في مصلاه ويقبض بيده على لحيته وهو يبكي ويقول: يا دنيا طلقتك ثلاثاً، يا دنيا غري غيري فقد طلقتك ثلاثاً ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥]. ينزل يوماً من الأيام ﵁ إلى السوق، يبيع سيفه بأربعة دراهم، يقول: والله لو كانت عندي أربعة دراهم أشتري بها إزاراً لما بعت سيفي، وهو أمير المؤمنين! حقاً إنه كما قال: يا دنيا طلقتك ثلاثاً، غري غيري لن تستطيعي عليَّ. من رباهم وعلمهم؟ إنه نبينا ﵊، علمهم الشجاعة، علمهم القوة، علمهم الزهد في الدنيا، وعلمهم حب المسلمين، وحب الخير لهم ونشره. ولا زلنا مع أولئك الرجال في الصدر الأول في زمن الخلافة الراشدة في غزوة الأحزاب ينادي علي ﵁ أحد المشركين وهو عمرو بن عبد ود، هذا الرجل ينادي في الصحابة ويقول: ألا هل من مبارز؟ هل من مبارز؟ وهو فارسٌ من فرسان قريش، قوي شجاع بطل لا يقوى عليه كل العرب، شجعانها وفرسانها، فينادي هذا الفارس البطل المشرك ويقول: هل من مبارز؟ فقال علي وكان عند الرسول، قال: يا رسول الله! أنا أبارزه، فقال النبي ﷺ : يا علي! إنه عمرو، دعك -أي اصبر- فنادى في الثانية وقال: هل من مبارز؟ فقال علي: يا رسول الله! أنا أبارزه. فقال النبي لـ علي: يا علي! إنه عمرو، فنادى في الثالثة وقال: ألا هل من مبارز؟ فقال علي: أنا له يا رسول الله. فقال النبي ﵊: اذهب، وكان علي شاباً يافعاً، وعمرو بن عبد ود قد امتلأ بالسلاح والعتاد، ولكنها الشجاعة الإيمانية، إنها البطولة ولكنها تحت ظل رسول الله، ويخرج علي فيقول له عمرو بن عبد ود: من أنت؟ وهو لا يعرفه، فقال: أنا علي بن أبي طالب. قال عمرو بن عبد ود: يا بني! إن في أعمامك من هو أسن منك، فارجع فليأتِ من هو أكبر منك سناً، وأعلم منك بالحرب، فإني لا أريد قتلك، فقال له علي بن أبي طالب: أما أنا فوالله إني أريد قتلك. قال: ماذا؟ فاشتد الصراع، وثارت المعركة، وثار الغبار، فإذا بـ عمرو يشق درع علي بن أبي طالب نصفين، ويجرح علياً جرحاً، ثم يثور الغبار، ولا يعلم أحدٌ ما الذي حدث، وما الذي يجري في الغبار، فإذا بالصحابة في لحظة من اللحظات كلٌ منهم يكبر الله أكبر! الله أكبر! فاستبشر رسول الله، وعلم أن الذي انتصر هو علي بن أبي طالب، فإذا بالغبار يهدأ، وإذا بالمعركة تنتهي، وإذا بـ عمرو صريعاً في الأرض مضرجاً بالدماء، وعلي بن أبي طالب رافعاً سيفه يرجع إلى صفوف المسلمين، والصحابة يكبرون الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! نعم، إنهم رجال وهي مواقف. وفي غزوة خيبر يخرج ذلك الذي يسمى مرحباً؛ يهودي لكنه شجاعٌ وبطل، فينادي في الصحابة ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطلٌ مجربُ إذا الحروب أقبلت تلهب فقال علي: أنا الذي سمتني أمي حيدره أنا أسد، إذا كنت أنت مرحب فأنا أسد أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غاباتٍ كريه المنظره أكيلهم بالسيف كيل السندرة وتبدأ المعركة، فإذا بـ علي بن أبي طالب يقسمه نصفين. إنهم رجال وهي مواقف: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣].

стр. 993

صهيب الرومي هل سمعتم بـ أبي يحيى صهيب الرومي؟ هذا الصحابي الجليل الذي جمع في مكة مالاً عظيماً وصار ثرياً، ولما أذن له بالهجرة وأراد أن يهاجر ما تركه كفار قريش، وقالوا له: جمعت أموالنا وتريد أن تخرج بها، والله لا ندعك. فخرج، فتبعه ما يقارب الثلاثين أو الأربعين فارساً، فقال لهم وهم ينادونه من بعيد ويريدون قتله: والله لا تصلون إلي حتى أضع في كل رجلٍ منكم سهماً، وكانوا جمعاً كثيراً لكنه الشجاع البطل، ومعه قوة الإيمان، وشجاعة الإيمان. الكفار يحبون الحياة ويخافون من الموت، أما المؤمنون فهم ضدهم؛ يتمنون الموت ويريدونه، ولهذا فهم أشجع الناس قال: والله لا تصلون إلي حتى أضع في كل رجلٍ سهماً، ثم أصير بعد إلى السيف فتعلمون أني الرجل، ثم قال: فإن شئتم المال دللتكم على مالي واذهبوا إليه. قالوا: نعم. لا نريد غير مالك. لا يريدون إلا الدنيا وشهواتها، فإذا به يعطيهم كل ما جمعه في هذه السنين، لأجل شيءٍ واحد؛ أن يهاجر إلى رسول الله، وهاجر ولا يملك إلا ما يلبس، كل أمواله ضحى بها لأجل هذا الدين، لأجل هذه العقيدة، فإذا بالنبي ﷺ يستقبله وهو قادمٌ إلى المدينة ويقول له: (ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحي) فأنزل الله قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧] يبيع نفسه ﴿وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧].

стр. 994

بسر بن أرطأة وموقفه مع النصارى هل سمعتم برجل اسمه بسر بن أرطأة؟ إليكم خبره، وقد لا تصدقون، ولكن هي الحقيقة هذا الرجل كان قائداً على سرية، وكانت السرية في مؤخرة الجيش، وكانت تصاب بالسهام من الأعداء ولا يدري من أين تأتيهم السهام، كلما رجعوا ما وجدوا شيئاً، وتتقدم السرية وكل فترة تصاب بالسهام ولا يدري من أين تأتيهم، فإذا به يقول لأصحابه: تقدموا ودعوني، ويتخلف ويتخفى، ويبحث في الشعاب، وفي الوديان لوحده، فإذا به يرى بين الشعاب كنيسة، وعندها براذين -أي: بغال ضخمة- وخيول، فعلم أنها لفرسان فماذا صنع؟ تخفى، وجاء إلى الباب وفتحه ودخل وهم لا يدرون ولا يشعرون، وأغلق الباب وهو لوحده، وبدأ يصارعهم لوحده، ولم يصلوا إلى رماحهم وسهامهم حتى قتل منهم ثلاثة، فلما وصلوا نشبت بينه وبينهم معركة، وأصحابه كانوا على إثره، كانوا خلفه، علموا أنه سوف يحدث أمراً فلما علموا أنه دخل وأنه بدأ يقاتلهم دخلوا خلفه، فلما دخلوا وجدوه مثخناً بالجراح ولم يمت، وكانوا قد شقوا بطنه فوضع يده على الجرح فلم ينزف الدم كثيراً، فدخل أصحابه وقتلوا من قتلوا، وأسروا من أسروا، فلما أسروا من أسروا قال الأعداء للمسلمين: من هذا؟ قالوا: لم تسألون؟ قالوا: مثل هذا لم تلد النساء، مثل هذا لم تلد النساء، مثل هذا لم تلد النساء!! إنه بشر بن أرطأة ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦].

стр. 995

رجال ومواقف مع عبادة الله وخشيته إنهم رجال وعباد.

стр. 996

تميم بن أوس الداري فهذا تميم الداري يصلي ليلة كاملة بآية واحدة، يرددها ويبكي، وهي آية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]. إنهم رجال، تجدهم آخر الليل: عباد ليلٍ إذا جن الظلام بهم كم عابدٍ دمعه في الخد أجراه وأسد غابٍ إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياهُ

стр. 997

سفيان الثوري وخشية الله كان سفيان الثوري كثير البكاء وقد قال ﷺ : (عينان لا تمسهما النار: عينٌ بكت من خشية الله) فمتى آخر ليلة بكيت فيها من خشية الله، وأنت قائمٌ تصلي، أو تقرأ القرآن، أو رافعٌ يديك تدعو الله، سل نفسك هذا السؤال، سفيان كان كثير البكاء، وكان يقول لما سئل: لم تبكي؟ قال: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقياً، أخاف أن الله يكون قد كتبني من أهل النار. وهو القائم الصائم، العابد الزاهد، العالم الورع، ويقول: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقياً، أن يكون الله قد كتبني من أهل النار.

стр. 998

عتبة الغلام هل سمعت بشابٍ يُقال له: عتبة الغلام؟ هذا الرجل له قصص أغرب من الخيال، هذا الشاب كان يقوم الليل، وكان كثير البكاء، بات ليلة من الليالي عند عنبة الخواف، يقول: فسمعته يبكي طوال الليل، وهو يقول: اللهم إن تعذبني فإني لك محب، وإن تغفر لي فإني لك محب. ويسأل الله المغفرة، يقول: فلما جئته في الصباح قلت له: يا عتبة! لم هذا البكاء؟ لم هذا القيام الطويل والبكاء الشديد؟! فقال له: يا عنبة! ذكرت يوم العرض على الله. ثم سقط، فحمله عنبة وقال له: يا عتبة! قم ما الذي جرى؟ يا عتبة! قم ما الذي جرى؟ ثم أفاق فقال له: يا عنبة، قطع ذكر يوم العرض على الله أوصال المحبين، ثم بكى وقال وهو يخاطب ربه: أراك مولاي تعذب محبيك وأنت الحيي الكريم، يقول عنبة: ثم بكى وأخذت أبكي معه ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦].

стр. 999

سفيان الثوري مع الفضيل بن عياض نختم بهذا الموقف إنه لـ سفيان الثوري مرة أخرى، يتقابل مع عابد الحرمين الفضيل بن عياض ﵏ جميعاً، عابدٌ مع عابد التقيا، فإذا بهما يتذاكران الله جل وعلا، فبكى هذا وبكى هذا فيقول سفيان من تأثره: إني لأرجو أن يكون مجلسنا هذا أعظم مجلسٍ جلسناه. أي: أرجو أن يكون عند الله من أعظم المجالس في الدنيا بركة، فقال له: الفضيل بن عياض: ترجو هذا؟ أما أنا فأخاف أن يكون هذا أعظم مجلسٍ جلسناه علينا شؤماً عند الله، فقال سفيان: ولم ذاك يا فضيل؟! لم تخاف من هذا المجلس الذي ذكرنا الله فيه فبكينا؟! فقال له الفضيل: ألست يا سفيان نظرت إلى أحسن ما عندك فتزينت به لي، وتزينت لك به فعبدتني وعبدتك؟ أي: كل واحد أخذ يرائي الثاني، انظر لاتهامهم لأنفسهم! فأخذ سفيان يبكي حتى علا نحيبه، ثم قال: أحييتني أحياك الله، أحييتني أحياك الله. قال بعضهم: أيا من ليس لي منه مجيرُ بعفوك من عذابك أستجيرُ أنا العبد المقر بكل ذنبٍ وأنت السيد الصمد الغفورُ فإن عذبتني فبسوء فعلي وإن تغفر فأنت به جديرُ أفر إليك منك وأين إلا يفر إليك منك المستجيرُ وأحسن من هذا قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. لنرجع إلى الله جل وعلا، ولنجعل أولئك الرجال؛ الأنبياء والرسل، والصديقين والشهداء والصالحين، وأولئك الأسلاف، لنجعلهم قدوتنا، ولنتأسَّ بهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠]. نسأل الله ﵎ أن يحشرنا وإياهم في جنة الفردوس، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1000

سلامة الصدور أيها الإخوة: هذا اليوم يوم الأحد وغداً يوم الإثنين، سوف تُرفع الأعمال إلى الله، فيغفر الله لكل عبدٍ لا يشرك بالله، إلا رجلين بينهما شحناء، رجل بينه وبين أخيه شحناء، وخصومة، وبغض لأجل دنيا، قال: إلا رجلين بينهما شحناء، فيقول الرب جل وعلا لملائكته: (أنظرا -أي: أخِّرا- هذين حتى يصطلحا) لا يغفر لهم الذنب حتى يصطلحا يدخل على الصحابة رجل، فيقول لهم النبي ﷺ : (يدخل عليكم رجل من أهل الجنة فإذا برجلٍ يدخل وعلى لحيته آثار الوضوء، ونعلاه تحت إبطيه، وهو رجل عادي حاله حال الصحابة، وفي اليوم الثاني قال: يدخل عليكم رجلٌ من أهل الجنة، فدخل نفس الرجل، وفي اليوم الثالث نفس الرجل، فبات أحد الصحابة عنده، وسأله بعد أيام وقال له: يا فلان! إن الرسول ﷺ قال فيك كذا وكذا، وما رأيتك كثير صلاة ولا صيام ولا عبادة قال: لم يكن إلا ما رأيت -قيامه مقتصد، عنده عبادة لكن ليست بالأمر الغريب على الصحابة- إلا أنني لا أبيت وفي قلبي على أحد من المسلمين شيئاً. ابن عمر: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا تُطاق). هل تستطيع أن تنام ولا تحمل في قلبك على أحدٍ من المسلمين شيئاً؟ جرب هذا الأمر. هل تستطيع أن تكون كـ أبي ضمضم؟ من هو أبو ضمضم؟ رجل كان إذا أصبح قال: اللهم إني قد وهبت نفسي وعرضي. -أي: كل من تكلم فيَّ فقد أحللته، وعفوت عنه، كل يوم في الصباح، يقول: يا رب كل من تكلم في فقد أبحته، وعفوت عنه هل تستطيع هذا؟ ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]. فأنصحك إذا في قلبك على أخيك، أو على صديقك، أو على جارك، أو على أحد أقربائك شيء، أو بينك وبينه خصومة (لا يحل لمؤمنٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) لتكن أنت زين العابدين علي بن الحسين ﵁ وعن أبيه، هذا الرجل كان جالساً في مجلس علم، فدخل عليه رجل فسبه وشتمه، وما رد عليه رداً واحداً، ولو أراد لرد، ولقام أصحابه وتلاميذه يضربونه ويقتلونه، ولكنه لم يرض أن يرد لنفسه كلمة واحدة، أتعرف ماذا صنع؟ انتظر إلى الليل، فلما حل الليل ذهب إلى الرجل في بيته وطرق الباب وفتح الرجل الباب الآن ماذا يريد؟ هل يريد أن يدافع عن نفسه؟ أتعرف ماذا قال؟ قال بعد أن سلم: يا فلان! إن كان حقاً ما قلته فيَّ فغفر الله لي، وإن كان كذباً فغفر الله لك والسلام، وتركه وذهب، فجاء الرجل يتبعه فمسكه في الطريق وحضنه وأخذ يبكي وهو يقول: ادعُ الله أن يحللني، فدعا الله له قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]. لنكن -أيها الأخوة- كما قال النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1001

الله مولانا ولا مولى لهم عندما يلجأ الإنسان إلى الله يجد المخرج والفرج، وعلى الإنسان المؤمن أن يعلم أن الله معه وهو ناصره ومعينه، وفي المقابل عليه أن يعلم أن سلعة الله غالية، ولينظر إلى الجيل الأول صحابة رسول الله ﷺ كيف ضحوا بدمائهم وأموالهم وأنفسهم في سبيل نيلها. وليعلم أن عزة المسلمين بتمسكهم بهذا الدين، ورجوعهم إلى ربهم.

стр. 1002

اللجوء إلى الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: في أحد وبعد أن انتهت المعركة بما انتهت، إذا بـ أبي سفيان -قبل إسلامه- ينادي المسلمين، فكان فيما قال: لنا العزى ولا عزى لكم، أي يخاطب المسلمين بعد جراحهم، وبعد أن قتل منهم من قتل، فقال النبي ﷺ لأصحابه: (ألا تجيبوه؟! قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم) ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال، فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. الله مولانا ولا مولى لهم، فإنه جل وعلا الذي نصر نوحاً بعد أن تجمع عليه قومه، ولم يبقَ معه إلا القليل من المستضعفين، فسخروا منه، واستهزءوا به، كان معه ضعفاء القوم وأراذلهم، ولكنهم في الإيمان قمم وجبال: ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود:٣٨] نعم. الله مولانا ولا مولى لهم، فرفع نوح يديه إلى الله قال تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠] فإذا بسنن الكون تتغير، وإذا بالسماء التي لم تكن تمطر ينهمر منها الماء، وإذا الأرض القاحلة، والصحراء التي ليس فيها ماء تتفجر بالعيون: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١٠ - ١٢]. هود ﵇ جاء قومه يدعوهم إلى الله ؛ فأرادوا قتله، فقال وقد توكل على الله واستنصر به، قال يا قوم: ﴿أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دِونِه * فَكِيدُونِي جَمِيعاً﴾ [هود:٥٤ - ٥٥] أي: تجمعوا عليّ كلكم، قال: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود:٥٥] أي: لا تؤخروني بل اقتلوني، واصنعوا ما تريدون، أي قوة يملكها هود ﵇، إنه يملك أعظم قوة، إنه التوكل على الله : ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود:٥٦]. الله مولانا ولا مولى لهم، فإذا بقوم عادٍ مرت عليهم الأيام، فأرسل الله عليهم جنداً من جنوده، ريحاً صرصرا في أيام نحسات، إنها ريحٌ شديدة باردة، تحمل الواحد منهم إلى السماء، ثم تطرحه على الأرض؛ فينفصل رأس أحدهم عن جسده: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر:٦ - ٨]. كانوا يتحدون ربهم جل وعلا، وكانوا يقولون لهود: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت:٢٩] وكانوا يفتخرون أنهم أعظم قوة على وجه الأرض، فكانوا يقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] أي: ليس في الأرض قوة أعظم من قوتنا، وهذا جنون العظمة، الغطرسة، الكبر، العتو، ولكن النهاية: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧ - ٨]

стр. 1003

التوكل على الله والثقة به موسى ﵇ رجلٌ لا يملك إلا أخاه والعصا، دخل على قصر فرعون الجبار الطاغية، الذي من جبروته في الأرض وغطرسته، ومن جنون عظمته أنه كان يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ولا يسمح برأيٍ يخالف رأيه، حتى كان يقول للناس: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩]. قتل الأطفال! ما ذنب الأطفال أيها الظالم الجبار؟ استحيا النساء وقتل الأطفال بغير ذنب، واستعبد الرجال بغير ذنب، لأنه جبار في الأرض، فوصل فرعون وجيشه إلى موسى ﵇، وما كان مع موسى إلا شيوخٌ ضعاف، ونساءٌ ضعاف، وأطفال صغار، أمامهم البحر، وخلفهم فرعون وجيشه: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] أي: تجمع علينا المشركون، قتلونا: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ﴾ [الشعراء:٦٢] ماذا معك يا موسى؟ أسلحة؟ جيوش جرارة؟ موسى لا يملك إلا عصا، وما معه إلا ضعاف القوم، ويستقبلهم طاغية وجيشٌ طاغٍ في الأرض، أسلحة وعتاد؛ لكن موسى عنده سلاحٌ عظيم: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]. الله أكبر! إنه اليقين بنصر الله، إنه التوكل على الله، إنه صدق الإيمان بالله، فإذا البحر يأتمر بأمر موسى، فينفلق البحر له، ثم إذا بالبحر يسير فوق فرعون الذي كان يقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١] نعم. أبصروك يا فرعون والماء يجري من فوقك، أبصروك والطين في فمك يضعه جبريل فيه، ذلٌ وأي ذل؟ إنه نصر الله جل وعلا دائماً وأبداً لعباده المؤمنين. إبراهيم ﵇ يُلقى في النار فيقول له جبريل: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، ولكن حسبي الله ونعم الوكيل، فإذا بالنار: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٦٩ - ٧٠] الله مولانا ولا مولى لهم. بكى أبو بكر عندما تجمع المشركون عند الغار، فقال له النبي ﷺ : (ما يبكيك يا أبا بكر؟ قال: يا رسول الله! لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا، قال: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟) ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة:٤٠] اثنان يلاحقهما من في الأرض من جيوش وطواغيت، وهما رجلان ضعيفان لكنهما يملكان القوة بالله: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ﴾ [التوبة:٤٠] لمَ لا يحزن؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] وهذا هو الفرق، الفرق إن الله مع المؤمنين كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧].

стр. 1004

نصر الله لعباده وتأييده لهم الله مدبر الأمر، مصرف الآيات قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١] كل ما يحدث في الأرض فبعلم الله، وبقدر الله : ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٧٩ - ٨٠] كل شيء يدبر في السماء بعلم الله وبقدر الله. في الأحزاب تجمع الناس على رسول الله، فإذا المنافقون الذين يترقبون الأزمات والفتن ليرفعوا رءوسهم يتكلمون، عندما يتجمع المشركون والأعداء على المسلمين ينطق المنافقون، فهذا وقتهم، وهذا زمنهم، وهذه فرصتهم. فإذا بهم يثبطون المؤمنين، ويثيرون القلاقل، حتى قال أحدهم: لا يقدر أحدنا أن يقضي حاجته، ورسولكم يعدكم ببلاد كسرى والروم، كيف هذا؟ ويقولون: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:١٢]. أما المؤمنون الصادقون، لما رأوا المشركين تجمعوا على المدينة، واليهود نقضوا العهود، والمنافقون يثيرون الفتنة بين الصفوف كما قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١] ماذا قال المؤمنون: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٢٢] الله مولانا ولا مولى لهم. كان النبي ﵊ يقاتل وفي قلبه أن الله عز جل هو مولاه، والله ينصره، والله يتم كلمته، يقول علي بن أبي طالب يصف النبي ﵊ وهو أشجع الناس: [لقد رأيتني يوم بدر وإنا لنلوذ بالنبي ﷺ وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذٍ بأساً] فقد كان أشجع الناس محمداً ﵊، ولما ولى المسلمون مدبرين يوم حنين يقول العباس: [[طفق الرسول يركض بغلته نحو الكفار، تراجع المسلمون وبقي النبي ﷺ وبعض أصحابه لم يتراجع؟ تقدم واستقبل صفوف المشركين وكانت صفوفهم كثيرة، والمشركون يتجمعون عليه وهو يستقبلهم على بغلته وبيده عصا، وكان يقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) يقول العباس: أنا آخذٌ بلجام بغلته لئلا يتقدم، والنبي ﷺ يتقدم، ويقول ﵊: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب).

стр. 1005

صفقة رابحة قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى﴾ [التوبة:١١١] إنها الصفقة، هل بعت يا عبد الله؟ انظر الثمن وانظر السلعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] نفسك ومالك تعطيها لله والثمن الجنة، وطريقة البيع: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] مدافع، صواريخ، رشاشات، قنابل، أسلحة: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة:١١١] والضمان من الله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١] لما سمع الصحابة هذه الآيات ضحوا بمهجهم، ضحوا بدمائهم، بل بكوا إذ فاتهم الجهاد في سبيل الله. عمر هل يوجد بين المؤمنين أمثال عمر؟! هل جعلنا قدوتنا عمر الفاروق، هادم دولة بني ساسان؟ في عهده زال ملك المجوس، وذهبت إمبراطورية كسرى، يقول رستم عن عمر: أكل عمر كبدي أحرق الله كبده، وكذب قاتله الله، بل أطفأ نارهم، ودمر ملكهم، وهز عرشهم: يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدمٌ له والكوخ مأواهُ يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه

стр. 1006

صور من جهاد الصحابة علي سيد الشجعان، لما قال مرحب: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطلٌ مجربُ إذا الحروب أقبلت تلهبُ رد عليه علي فقال: أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غابات كريه المنظره أكيلهم بالسيف كيل السندره إنه علي سيد الشجعان، لما استقبل الكفار هو وحمزة وغيره أنزل الله فيهم: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:١٩] قضيتهم الإيمان بالله، وعدوهم الكفر بالله، قضيتهم التوكل على الله، وعدوهم التوكل على غير الله، قضيتهم عقيدة وإيمانٌ وتوحيد. الزبير بن العوام حواري رسول الله، يرى النبي ﷺ رجلاً من المشركين يقتل في المسلمين قتلاً عنيفاً فيقول للزبير: يا زبير قم إليه، فقام إليه حواري رسول الله فصارعه فسقطا من الدابة، فوقعا على الأرض، فإذا ب الزبير يضربه ضربة على صدره، فيقتله قتلة ما قام بعدها، يقول علي عن الزبير: يغضب كالنمر، ويثب وثب الأسد، زبير في قلبه قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف:١٠] * ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الصف:١١] بأي شيء نجاهد؟ بكل ما نملك: ﴿بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الصف:١١]. ألم نسمع قول النبي ﵊: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف) الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها، وموقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود، وهي أعظم ليلة في العام، وأعظم مكانٍ في الأرض لو قامه الإنسان ليلة كاملة لكن موقف ساعة في سبيل الله خير من ذلك

стр. 1007

التضحية في سبيل الله البراء بن مالك يقول عنه النبي ﷺ : (كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك ). البراء بن مالك رجلٌ قد باع نفسه لله، رجلٌ بطلٌ شجاع، حتى قال عمر بن الخطاب يخاطب قادة الجيوش: لا تستعملوا البراء على جيش، أي: لا تجعلوه يقود جيشاً، فإنه مهلكة من المهالك، رجلٌ من شجاعته ربما يهلك الجيش كله، في حروب الردة لما قاتل المسلمون مسيلمة وإذا به يتحصن بحصنٍ حصين، لم يستطع أحدٌ من الصحابة اقتحامه، تعلمون ماذا قال البراء؟ قال لأصحابه: احملوني على ترس على أسنة الرماح وألقوني في الحديقة، قالوا: ماذا تقول؟ عملية استشهادية، احتمال النجاة منها (١%) فإذا بهم يرفعونه ويرمونه داخل الحصن، ويدخل الحصن، فيفاجئ المرتدين، فيقاتل هذا، ويدفع هذا، ويرد هذا، هذا يطعنه، وهذا يضربه، حتى يصل إلى الباب، فيفتح باب الحديقة فإذا بالحصن يُفتح، وإذا بالصحابة يقتحمون، وإذا بالمؤمنين ينتصرون، أين الرجال أمثال البراء؟ أين الشجعان أمثال البراء؟! أين المجاهدون المضحون؟ ما الذي يمنعهم؟ إنها الدنيا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨] اترك الدنيا، تفكيرك بالأولاد، بالزوجات، بالوظائف، بالأموال، بالتجارات؛ يمنعك عن الجهاد في سبيل الله. جعفر كأنه في الجنة قبل الموت، فلما تكسرت الرماح عليه قال: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وباردٌ شرابها والروم رومٌ قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها ثم استلم الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل وهو يخاطب نفسه يقول: أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه إن أجلب الناس وشدوا الرنه ما لي أراك تكرهين الجنه ... يا أمتي وجب الكفاح فدعي التشدق والصياح لغة الكلام تعطلت إلا التكلم بالرماح إنا نتوق لألسن بكمٍ على أيدٍ فصاح لا بد من صنع الرجال ومثله صنع السلاح لا يصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفساح لا يستوي في منطق الـ إيمان سكرانٌ وصاح من همه التقوى وآ خر همه كأسٌ وراح شعبٌ بغير عقيدة ورقٌ تذريه الرياح من خان حي على الفلاح يخون حي على الكفاح نعيم بن مالك وما أدراك ما نعيم بن مالك؟ يقول يوم أحد: يا نبي الله لا تحرمنا الجنة، فو الذي نفسي بيده لأدخلنها، فتعجب النبي وقال: بم ذاك يا نعيم قال: بأني أحب الله ورسوله، ولا أفر يوم الزحف، فقال له الرسول ﷺ : (صدقت يا نعيم) فقاتل حتى قتل: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد:١٩] الشهداء ليسوا في الأرض، الشهداء عند الله ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد:١٩].

стр. 1008

من جزاء الشهداء عند الله يقول عبد الله بن عمرو بن حرام ليلة معركة أحد يخاطب ابنه جابراً: يا بني ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ رجلٌ يعلم أنه في الصباح سوف يقتل، ثم قال له: يا بني ولا أحدٌ أعز إلي منك إلا رسول الله، ثم وصاه، يقول: فلما أصبح الصباح يقول جابر: فكان أول قتيل في المعركة، يقول: وبعد المعركة كشفت عن وجهه وبكيت، فقام أصحاب النبي ينهونني عن البكاء، وجعلت عمتي تبكي على أبي، فقال النبي ﷺ : (ابكيه أو لا تبكيه! فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه) ثم قال لي النبي: (يا جابر ألا أخبرك أن الله كلم أباك كفاحا، فقال: يا عبدي! سلني أعطك، فقال: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانياً، قال: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، فقال: يا رب فأبلغ من ورائي) فأنزل الله بعد أحد قوله جل وعلا: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]. والشهيد لا يعذب، ولا يتألم، تقول: لقد سحقته الدبابات، وتفجرت به القنابل، وصرع بالرصاصات، وأحرقته تلك القنابل الذرية والنووية، وربما سقطت على رأسه الصواريخ، أقول لك: إنه لا يتألم إلا كما يجد أحدنا ألم قرصة النملة، ومع أول قطرة دم تخرج منه يطهره الله من كل ذنب، الله أكبر! ثم يرى مقعده من الجنة، ألم ترَ بعض الشهداء يموت وهو مبتسم، يدفن وهو مبتسم، تعرف لم؟ لعله رأى مقعده من الجنة وهو في الأرض، ثم إن الشهيد إذا أدخل القبر يجار من عذاب القبر بنعيم أكبر من هذا، نحن نخاف من ظلمة القبر، نخاف من عذاب القبر، نخاف من جحيم القبر، نخاف من الديدان، نخاف من الثعابين أما الشهيد فيجار من كل هذا. ثم إذا بعث عند ربه يأمن من الفزع الأكبر، ويبعث الناس على أعمالهم، هو يبعث والدم ينزف من جسمه؛ اللون لون دم والريح ريح مسك، ثم يُلبس تاج الوقار والكرامة، الياقوتة فيه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين من أهله. ثم أرأيت الشهيد الذي يُقتل؛ أتعرف أين هو؟ هو في الجنة، في جوف طيرٍ خضر لها قناديل معلقة تحت عرش الرحمن، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، يطلع عليهم ربهم فيقول: (أتريدون شيئاً؟ أتشتهون شيئاً؟ يقولون: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ حتى يقولون: نريد أن ترد أرواحنا بأجسادنا فنرجع إلى الدنيا فنقتل في سبيلك مرة أخرى، فيقول لهم ربهم: إني كتبُ أنكم إليها لا ترجعون) ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩].

стр. 1009

الله مولى المؤمنين نعم قد يقتلون الآلاف، نعم قد يسحقون الملايين، قد يدمرون الشعوب، وقد يقتلون الأطفال والنساء والرجال؛ ولكن لا سواء، قتلى المسلمين في الجنة، وقتلى الكفار في النار، الكفار لا يعلمون أن أعظم غاية للمجاهد أن يموت شهيداً، ثم إن حصل له النصر كان بها، وإلا فغايته الشهادة، غايته أن يموت في سبيل الله، يقولون: هزم المجاهد فقتل، نقول لهم: بل انتصر، فإن غايته أن يموت شهيداً، غايته أن يدخل الجنة، وما خرج إلا للشهادة، فإن حصل النصر فـ ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف:١٣]

стр. 1010

أهل الأعذار يصرون على القتال أهل الأعذار كانوا يتمنون الجهاد، بل ذهبوا للجهاد، هذا أعرج قد عذره الله عن الجهاد عمرو بن الجموح، يقول لأبنائه جهزوني، فيمنعونه ويأتون النبي ﷺ فيقول لهم: (لا عليكم أن لا تمنعوه، لعل الله أن يرزقه الشهادة) وهو يقول لأبنائه: والله لأطأن بعرجتي الجنة، فقاتل حتى قتل في أحد. ابن أم مكتوم أعمى لا يُبصر، قال: أريد الجهاد، قالوا له: ماذا تصنع بالجهاد؟ قال: والله لأذهبن إلى الجهاد، قالوا: ماذا تريد أن تصنع؟ قال: أمسك لكم الراية، فمسك الراية فتكسرت الرماح عليه، فقتل واستشهد في سبيل الله وهو ممسك براية الإسلام، قتل ولكنه ما مات إنها الرجولة أيها المسلمون ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣]. حنظلة في ليلة زفافه يجامع زوجته ويسمع منادي الجهاد ينادي: حيَّ على الجهاد، حيَّ على الجهاد، فإذا به ينتفض ويقوم من الفراش، ويلبس ملابسه، ويحمل سلاحه فيقاتل حتى يقتل، يقول النبي ﷺ : (رأيته يُغسل بين السماء والأرض بصحاف من ذهب) ماذا صنع؟ قاتل ولم يغتسل من جنابة يقول أنس لـ سعد: ما أجلسكم يا سعد؟ قال: قتل رسول الله، قال: قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم ذهب فقاتل حتى قتل ﵁.

стр. 1011

عزة المسلمين خالد بن الوليد كم معركة خاضها، لم يمت في المعارك؟!! كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب نفتح الأمصارا لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا إنه الجهاد في سبيل الله، إنها الشهادة. نعم. قد يقتل من المسلمين ما يقتل، قد يثخن فيهم الجراح؛ ولكن: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤] والفرق: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤]. أحد قادة الكفار ماهان يخاطب خالد بن الوليد يقول له: إنا قد علمنا أنه ما أخرجكم من بلادكم إلا الجُهد والجوع. أي: نحن نعرف أنكم جياع مساكين، وأنه ما أخرجكم إلا التعب والنصب والجوع، يظنون المسلمين يريدون طعاماً أو شراباً، يظنون المسلمين يريدون المنافع من المراكب، والبيوت الفخمة، ويريدون طيب العيش، مساكين! قال ماهان يخاطب خالداً: علمنا أنكم خرجتم جائعين، فهلموا نعطي كل رجلٍ منكم عشرة دنانير -رشوة- وكسوة وطعاماً وترجعون إلى بلادكم، وكل سنة نعطيكم مثل هذا المال. انظروا إلى الرشوة، فقال خالد بن الوليد: (والله لم يخرجنا من بلادنا هذا غير أنا قومٌ نشرب الدماء -الله أكبر إنها الحرب النفسية قبل أن تكون جسدية- وأنه قد بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم فجئنا لذلك) أي: جئنا لنشرب من دم الروم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] انظروا إلى صفات أولياء الله؛ أول صفة: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤].

стр. 1012

عاقبة ترك الجهاد يقول النبي ﵊: (إذا تباعيتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، واتبعتم أذناب البقر -ربا ودنيا وشهوات- وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) وقال في الحديث الآخر: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم -يهود، نصارى، شيوعيون، هندوس، لا تينيون- يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم كثير، لكنكم غثاء كغثاء السيل، قد أوهن قلوبكم حب الدنيا وكراهية الموت). في إحدى المعارك كان عدد الروم النصارى مائتين وخمسين ألف مقاتل -ربع مليون- والمسلمون أقل من اثنين وثلاثين ألفاً في عهد أبي بكر، وكان أبو عبيدة قد أرسل إلى أبي بكر: أما بعد: فإن الروم ومن كان على دينهم من العرب -أي: من حلفائهم النصارى- قد أجمعوا على حرب المسلمين، ونحن نرجو النصر، وإنجاز موعود الله ﵎، قال: وأحببت أن أعلمك بذلك لترينا رأيك، فقال الصديق بعد أن ثبت قلوبهم، وشجعهم، وبعد أن دعاهم إلى الجهاد في سبيل الله؛ قال: خالدٌ لها، خالدٌ لها، والله لأنسين الروم وساوس الشياطين بـ خالد بن الوليد. فإذا بالصحابة يقاتلون فيدكون الأرض دكاً تحت أقدامهم، يأتيهم من الأفق نداء الله وهم يقاتلون: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٤] * ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة:١٥] فإذا بـ خالدٍ يدك الأرض دكاً. وتمضي قوافل المجاهدين، والجهاد باقٍ إلى أن تقوم الساعة قال ﷺ : (لا تزال طائفة من هذه الأمة تقاتل في سبيل الله حتى يقاتل آخرهم الدجال) القتال ماضٍ، والجهاد ماضٍ، والخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] الله مولانا ولا مولى لهم!

стр. 1013

الولاء والبراء الله مولانا نوالي فيه، ونعادي فيه، نحب من أحب الله ورسوله، ونعادي كل من عادى الله ورسوله، نحب في الله، ونبغض في الله، نحب المؤمنين في أي مكان في الأرض، ومن أي جنسٍ، نواليهم في الله: (فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه). (مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) الحديث، حتى العاطفة فقدت في قلوب كثيرٍ من المسلمين اليوم، أين الولاء في الله؟ أين البراء في الله؟ أسوتنا بإبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] لا نحب الكافرين ولو كانوا أقرب الناس إلينا، لا نحبهم ولا نواليهم، بل نعاديهم في الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١] أي: اليهود والنصارى ومن حالفهم وشايعهم؛ بعضهم أولياء بعض: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:٥١] وأعظم الولاء الحب والنصرة، فمن أحبهم ونصرهم فهو منهم: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]. ومن اتخذهم أولياء، فإنه ليس له من الله في شيء، الله يتبرأ منه: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران:٢٨] بل إن الله نفى الإيمان عنهم: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢]

стр. 1014

المنافقون والفتن وهنا يبرز المنافقون، ويرفعون رءوسهم، هنا وقت الفتن والمحن، إذا اشتد الأمر على المؤمنين الصادقين تكلم ونطق المنافقون، ماذا يقولون؟ وماذا يصنعون؟ هذا وقتهم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [الحشر:١١] الله قال إخوانهم أي: كفار مثلهم: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الحشر:١١]. هذا وقت المنافقين، مذبذبين لا تعرف حقيقتهم، هل هم مع المؤمنين أم مع الكفار: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ [النساء:١٣٨] الذين يشايعون اليهود والنصارى والكافرين: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١٣٨ - ١٣٩] تعرف لم يصنعون هذا؟ يريدون النصر منهم، والعزة بهم: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٣٩]. هكذا هم في حقيقتهم يتبعون اليهود والنصارى: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلتموه) الله مولانا ولا مولى لهم.

стр. 1015

وألف بين قلوبهم أيها الإخوة الكرام! بشائر النصر قد ظهرت، وقد لاحظتموها، هاهم المؤمنون الصادقون في مشارق الأرض ومغاربها -وكما قيل: رب ضارة نافعة- كلهم قد أشعلت في قلوبهم جذوة الإيمان، قد رفعوا رايات وكتبوا عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله، شعارهم: الله أكبر والعزة لله، أعلامهم ليس فيها إلا لا إله إلا الله محمد رسول الله، ما الذي جمعهم؟ ما الذي ألف بين قلوبهم؟ ما الذي أحيا الإيمان في قلوبهم؟ إنه الله . ألا ترون إلى المساجد كيف تمتلئ؟ ألا ترون النساء كيف يقبلن على الحجاب؟ ألا ترون الناس يقبلون على دين الله أفواجاً؟ ألا ترون الشعوب كلها تطالب بتحكيم شرع الله؟ لا عزة إلا بتحكيم الشرع، لا نصر إلا بالرجوع إلى الكتاب السنة: (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي). ألا ترون طلائع الجهاد في سبيل الله، كلما أراد الكفار أن يطفئوا نور الله فإن الله يظهر دينه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] كم نسمع في هذه الأيام من التائبين الذين يقبلون على دين الله أفواجاً، وأعداد لا نحصيهم، دعاهم الله جل وعلا. يقبلون على الدين بغير دعاته إلى الله، قوافل كثيرة يقبلون على دين الله، بل كم وكم نسمع هذه الأيام من الشباب الذين يريدون أن يجاهدوا في سبيل الله، قبل أيام كانوا في المراقص، قبل أيام كانوا في الملاعب، قبل أيام كانوا لابد يدخلون المساجد، أما اليوم يبكون من خشية الله، يبكون توبة لله، وأحدهم يقول: أريد الجهاد في سبيل الله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:١١٠]. إذا ظن الناس أنه لا مفر ولا نجاة، جاء نصر الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور:٥٥] أبشروا فإن الخلافة ستعود، خلافة على منهاج النبوة، ولا تزال في هذه الأمة طائفة على الحق ظاهرين، وسوف يعود النصر للمسلمين، وسوف يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها. أبشروا أيها المؤمنون، وعليكم بالدعاء: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] عليكم بالثلث الأخير، عليكم بالدعاء في السجود، فإن الدعاء سلاح المؤمن، الدعاء يفوق الصواريخ، ويفوق القنابل، ويفوق المتفجرات، الدعاء سلاح المؤمن: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]. أشعلتها من دمي جمراً وبركاناً أججتها من قرار القلب نيرانا فلا لشرق ولا غربٍ نطأطفها تلفظ الجبهة الشماء إذعانا إن البطولة صاغتها عزائمنا فجراً منيراً وتحريراً وإيمانا يؤجج النار في أعماق إخوتنا ويزهق الباطل المدحور مذ كانا هدي الرسول رسول الله لقننا أن الهزيمة ليست من سجايانا فبورك الدم روى قرب معتركٍ أرواحنا في لظاه من عطايانا جند العقيدة يمضي ركبنا قدماً فلا يخلف طاغوتاً وأوثانا نحرر الأرض من أغلال تجزئة قد مزق الدار أقطاراً وأوطانا نحرر الفطر من أغلال مهزلة وردة مالها إلا سرايانا نحكم الشرع منهاجاً لأمتنا ونحمل المشعل الوقاد فرقانا منهاجنا قلعة في القلب نحرسها وبالدماء لها أغلى ضحايانا تأبى عقيدتنا تأبى شريعتنا أن يصبح الناس أدياناً وقطعانا اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اللهم أعداء الدين، اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين سوءاً فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميره، ورد كيده في نحره، اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزم أعداء المسلمين من اليهود والنصارى ومن شايعهم، اهزمهم وانصرنا عليهم، اللهم اقذف الرعب في قلوبهم، اللهم شتت جمعهم، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم مزق جمعهم، اللهم انصر عبادك المجاهدين، اللهم اربط على قلوبهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم اجمع كلمتهم، اللهم اجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين، اللهم ارفع راية الجهاد، اللهم ارفع راية الجهاد، واقمع أهل الكفر والفساد، اللهم انصر عبادك المسلمين، اللهم انصر عبادك المسلمين في كل مكان. أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1016

تاج الوقار يقول ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) وهذه الخيرية تدل على عظم هذا القرآن وفضل تعلمه وتعليمه للناس، وكما ثبتت له الخيرية في الدنيا كذلك ثبتت له في الآخرة، فيوم القيامة يؤمر حافظ القرآن بتلاوة القرآن حتى تكون منزلته عند آخر آية يقرؤها، وحافظ القرآن يكفيه فخراً أنه يقدم في كثير من المواضع مثل الجهاد والصلاة والدفن وفي غيرها من المواضع.

стр. 1017

الترغيب في حفظ القرآن الكريم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فأشكر الإخوة المنظمين لمثل هذا المشروع المبارك، والقائمين عليه، والمشاركين فيه، ثم أشكر الإخوة الحضور الذين تكبدوا العناء، وقطعوا كثيراً من أوقاتهم، وفرطوا في أعمالهم؛ لأجل أن يحضروا لمثل هذا الدرس المبارك إن شاء الله. وأنا أنتظر موعد حديثي لهذه المحاضرة تذكرت حفلاً آخر وموعداً آخر لتكريم حفظة كتاب الله، وإن كان هذا الحفل قد أثلج صدورنا، وأصاب كل واحد منا بنشوة وفرح، وأظن ما من شخص في هذا المجلس إلا وفيه حسرة لما ضيع من حفظ كتاب الله مما فرط من الأوقات؛ لأنه لم يحفظ كتاب الله كاملاً، فأي حفل أقصد؟ إنه الحفل الذي سوف يجمع الناس يوم القيامة، ويبدأ الله جل وعلا في فصل القضاء وحساب الناس، فيخرج الله جل وعلا حفظة كتابه، فيأمرهم جل وعلا بالقراءة. أرأيتم إلى الشاب الذي قرأ؟ ألم يثر رغبتكم في حفظ كتاب الله؟! ألم يجعلكم تتحسرون لما ضاع من العمر الذي لم نحفظ فيه كتاب الله؟! حتى إذا كان يوم القيامة، يقال لقارئ القرآن وصاحبه الذي حفظه في الدنيا: اقرأ، ويبدأ يقرأ أمام الناس، وأمام الخلق، والرب جل وعلا يسمعه وهو أعلم به، وكلما قرأ آية ارتفع درجة، قل لي بربك: من حفظ البقرة كلها كم سيرتفع؟ ومن حفظ القرآن كاملاً أين منزلته؟ الله أكبر! إنه الحفل العظيم الكبير عند الله جل وعلا يوم القيامة.

стр. 1018

عظمة القرآن أيها الإخوة الكرام: حديثنا عن القرآن، ومن أنا حتى أتكلم عن القرآن؟! يكفيه شرفاً أنه كلام الله جل وعلا، ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهَُ﴾ [التوبة:٦] يكفيه شرفاً أنه تكلم به الرب جل وعلا من فوق سبع سموات، نقله جبريل إلى محمد ﵊ إلى هذه الأمة إنه القرآن العظيم الذي أخبر الله عنه فقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر:٢٣] أحسن حديث، مهما تكلمت الآن لو تكلمت ساعات طوال لا يعادل كلامي آية من كتاب الله جل وعلا، فإنها تشتمل على معانٍ عظيمة وحكم وأحكام وشرائع، وآية من كتاب الله توازي كلام البشر وأعظم ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً﴾ [الزمر:٢٣] إذا سمعته ماذا يحصل لك؟ ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم﴾ [الزمر:٢٣] لو كنا حقاً نخشى من الله حق خشيته، لاقشعرت جلودنا عند سماعه. وصدع رسول الله ﷺ بدعوته فما استطاعوا له، فنادوا أبلغ العرب وأفصحهم وأكثرهم جرأة وهو الوليد بن المغيرة، وقالوا له: اذهب فاهجه يا وليد، وقل له كلاماً تنقله العرب عنك. فإنه إذا تكلم بالشعر حفظه الناس ورددوه قل كلاماً فيما يقوله هذا الرجل -يعنون محمداً ﵊ فذهب الوليد بن المغيرة إلى رسول الله، وقال: هات ما عندك يا محمد؟ فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم وأخذ يقرأ، والوليد بن المغيرة شاعر عربي فصيح بليغ يعرف معاني هذه الكلمات التي لا نعرف نحن بعضها، فهو شاعر عربي من أقحاح العرب، يعرف كل كلمة ومدلولها وما الذي جعل هذه الكلمة بعد هذه الكلمة فقرأ النبي ﷺ إلى قوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣] فقال: حسبك حسبك، أنشدك الله والرحم. ثم فر وهرب، وأتى إليهم وقد تغير وجهه، فقالوا: لقد صبأ صاحبكم، لقد سحره محمد، ثم قالوا: ما الذي جرى لك؟ هل صبأت؟ هل سحرك محمد؟ فقال: لقد سمعت قوله، والله إن فيه لحلاوة -يقول عن القرآن- وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحكم ما تحته! قالوا: ماذا تقول؟ قل فيه قولاً، قال: إن قلت شعراً فهو ليس بشعر، وإن قلت كذا فهو ليس بكذا، ماذا أقول لكم؟ فأخذ ينظر وأخذ يفكر ويقدر ثم التفت إليهم وقال: قولوا فيه: سحر يؤثر. قال الله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ [المدثر:١١ - ١٨] من الذي فكر وقدر؟ إنه الوليد بن المغيرة، انظر وصف القرآن الدقيق له! ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر:١٨ - ٢١] أخذ يفكر ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٢ - ٢٦] أرأيت إلى المشركين كيف تأثروا بالقرآن؟ إنه قرآن عظيم! أما سمعت يا أخي العزيز! كم من الناس أسلموا لما سمعوا آيات من القرآن، فهذا الصحابي الجليل جبير بن مطعم، وقبل أن يسلم هذا الصحابي جاء إلى النبي ﷺ وهو يصلي المغرب في الكعبة، يقول: وما في قلبه رجل أبغض إليه من هذا الرجل -يقصد الرسول ﵊ كان يكرهه ويبغضه، فلما جاء إلى النبي ﷺ سمعه يقرأ في الصلاة سورة الطور التي يحفظها أكثر الشباب الآن، يستمع إليها وقد كان مشركاً كافراً بالله وماذا نقول لبعض الناس من المسلمين الذين إذا قرئ القرآن لا يستمعون؟ حتى وصل الرسول ﵊ إلى قول الله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ [الطور:٣٥] ففكر جبير: هل أنت خُلقت من غير شيء؟ مستحيل! لا بد أن هناك شيئاً قبلي، إذاً من الذي خلقني؟ لا بد أن هناك خالقاً خلقني إذاً من الخالق؟ ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] انظر إلى التدرج في القرآن، يخاطب النفس ويخاطب الفطرة أنت خلقت نفسك يا جبير؟ مستحيل! أنا لم أعرف نفسي قبل أن أولد، إذاً من الذي خلقني؟ هناك خالق ولست أنا، هناك شيء أعظم منك يا جبير، هناك سموات سبع عظام، هناك أراضين، هناك ما بين السماء والأرض ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦] قال جبير بن مطعم: فكاد قلبي أن يطير، وما إن انتهت الصلاة إلا وسلم على الرسول ﷺ وكلمه بعض الكلمات ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك محمداً رسول الله. ألم تسمعوا عن قوم ما سمعوا شيئاً إلا كلام الله فإذا بهم يشهدون الشهادتين؟ ليسوا ببشر إنهم من الجن، سمعوا بعض الآيات من كلام الله جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ [الجن:١] الجن الذين عرف عنهم العتو وسفك الدماء والكذب والخداع والكفر إلا من رحم الله منهم يقولون: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ [الجن:١ - ٢] إنه كتاب الله.

стр. 1019

حالنا مع كتاب الله هذا هو القرآن الذي هجره بعضنا فلم يختمه إلا في رمضان وينتظر رمضان القادم! هذا هو القرآن العظيم الذي كان الصحابة يجادلون الرسول في قراءته (يأتي رجل فيقول: أريد أن أختم القرآن فقال رسول الله ﷺ : اقرأه في شهر قال: إني أطيق أكثر من هذا قال: اقرأه في سبع قال: إني أطيق أكثر من هذا قال: اقرأه في ثلاث - أي: اختم القرآن في ثلاث ليال، كل يوم عشرة أجزاء -قال: إني أطيق أكثر من هذا قال: لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث). يجادلون الرسول ﵊ في قراءة القرآن ويريدون أن يختموه في أقل من ثلاثة أيام، وأنا أسألكم وكل منا يسأل نفسه: منذ رمضان الماضي إلى هذه اللحظات وقد مضت أشهر عديدة من منا ختم القرآن؟ ثم نبكي حالنا ونردد قول الله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠]. من منا -أيها الإخوة الكرام- جعل في البيت جائزة ومكافأة لمن يحفظ كتاب الله جل وعلا في هذا الصيف، أو لمن يحفظ الجزء الثلاثين أو جزء تبارك أو أي جزء من القرآن؟ من منا فكر أن يحيي القرآن في بيته ويحيي أهله بالقرآن؟ أتعلمون أن من الناس من إذا دخل البيت ضاق صدره؟ يشتكي لي بعض الناس ويقول: إذا دخلت البيت ضاق صدري، وأحس بوحشة، وأتمنى الخروج من البيت، أقول له: إن بيتك لا تدخله الملائكة، بيتك عششت فيه الشياطين، هل تقرأ فيه القرآن؟ قال: كلا. هل تصلي فيه السنن؟ قال: كلا. هل يسمع فيه ذكر الله؟ قال: كلا، قلت: إذاً ما الذي يكون في بيتك؟ قال: التلفاز، والمسلسلات، والأغاني، قلت: ولا تريد أن تصاب بضيق الصدر! بيوت الصحابة كانت في الليل لا يُسمع فيها إلا البكاء، وقراء القرآن يمر ﵊ يوماً ببيوت الصحابة في الليل -انظر إلى قائد الأمة في الليل يطمئن على شئون الأمة- فإذا به يجد بيتاً قديماً فيه امرأة عجوز، والمرأة تقرأ القرآن وصوتها يخرج من البيت، وهي تقرأ وتبكي، ويسمعها المصطفى ﵊ وهي تقرأ قول الله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] فتبكي وتقول: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] فيسمعها المصطفى، فيبكي معها وهو يقول: (نعم أتاني، نعم أتاني) أرأيت كيف يعيشون مع القرآن؟ بيوتهم امتلأت بالقرآن، يقول النبي ﷺ : (اقرءوا القرآن فإن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) اقرءوا سورة البقرة في بيوتكم، اقرءوا القرآن، انشروا كلام الله جل وعلا، وأنا أعلم أن من الأطفال من عمره أربع سنوات ويحفظ عدة سور من القرآن بل من هو أصغر من أربع سنوات ويحفظ بعض السور، بل في بعض الدول غير العربية لا يعرفون اللغة العربية، ومن الصعب عليهم أن يحفظوا كلام الله أرسل رجل ابنه إلى مدرسة ليدرس فيها ثلاث سنوات يحفظ كتاب الله عن ظهر قلب، فرجع الابن الصغير بعد ستة أشهر وخرج من المدرسة، فقال له الأب: يا بني لم خرجت من المدرسة؟ بقي لك سنتان ونصف. فقال الابن الصغير لأبيه: يا أبي! ومن قال لك أنني خرجت هكذا؟ قال: لم خرجت؟ قال: لقد ختمت القرآن. خلال ستة أشهر، أتعرف لماذا؟ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] نعم. إن الطفل الصغير عنده حافظة قوية جبارة، بل يقولون: إن أقوى الناس استخداماً لعقله هو الطفل، وهناك من المفكرين والعلماء والعباقرة من لا يستخدم من عقله إلا اثنان بالمائة فقط. إذاً الطفل طاقة جبارة في الحفظ، فإما أن يحفظ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢] وإما أن يحفظ تلك الأغاني، والمسلسلات، والأفلام التافهة فلابد له من أحد هذين الأمرين.

стр. 1020

تدبر القرآن الكريم كيف نعيش مع القرآن؟ القرآن عظيم، وليس هو للصغار أو الكبار أو للمرضى فقط، بل هو للناس كافة. قال النبي ﷺ ذات يوم لـ ابن مسعود: (اقرأ علي القرآن. قال: أأقرأ عليك وعليك أنزل قال: إني أحب أن أسمعه من غيري) فلا تجعل وقتك كله قراءة، بل اجعل بعض الأوقات للسماع، وضع بعض أشرطة القرآن في السيارة وأنت ذاهب إلى العمل وأنت ذاهب إلى المنزل (قال: إني أحب أن أسمعه من غيري) من القارئ؟ إنه ابن مسعود ﵁، ومن المستمع؟ إنه أفضل الخلق محمد ﵊. وما الحديث بينهما؟ إنه كلام الرب جل وعلا، فإذ بالمجلس يعقد، وإذا بـ ابن مسعود يستعيذ بالله ويقرأ (قال: فقرأت من سورة النساء، حتى بلغت قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] فقال النبي ﷺ : حسبك الآن. فالتفت فإذا عيناه تذرفان) هذا هو القرآن العظيم، الذي أنار تلك القلوب الخاوية، وتلك الصدور الموحشة، وتلك الأفئدة المظلمة. كان عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه يقرأ القرآن في الصلاة وكان إماماً، حتى وصل إلى قول الله جل وعلا: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦] فانفجر بالبكاء، حتى ما استطاع أن يكمل القراءة، فكبر وركع وأكمل صلاته. يقرءون القرآن بقلوب حية وجلة قال الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال:٢] هذه صفة المؤمنين، انظر هل أنت منهم أم لا؟ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] هل إذا سمعت كلام الله يوجل القلب ويرتجف؟ ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [الأنفال:٢] هل أنت منهم؟ ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]. وهذا عمر بن الخطاب الذي كان قبل الإسلام ذا قلب شديد صلى بالناس صلاة الفجر، فقرأ سورة يوسف حتى وصل إلى قول الله جل وعلا: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] فأخذ يبكي حتى سمع نشيجه وراء الصفوف أرأيت كيف يعيشون مع كتاب الله؟ قد تسألني وتقول: هناك هم في صدري. أقول لك: اقرأ كلام الله تقول: هناك ضيق في الصدر. أقول لك: اقرأ كلام الله. تقول: أحس بعض الأحيان بالوحشة. أقول لك: ارجع إلى كلام الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. انظروا إلى بيت الفضيل بن عياض الذي كان يسمى عابد الحرمين؛ رجل بلغ القمة في العبادة والزهد، هذا الرجل كان عنده ولد اسمه علي، وكان أعبد منه وأزهد؛ لأن رب الأسرة إذا كان صالحاً يخرج أولاداً صالحين هذا في الغالب والعموم: إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت الغناء والرقص هذا الرجل دخل إلى البيت يوماً فرأى ولده علي بن الفضيل كأنه متضايق يجول في البيت وكأن شيئاً أصابه، فقال له: ما بالك يا بني؟ ما الذي جرى؟ قال: يا أبي تفكرت في النار كيف الخلاص منها؟ -انظر بماذا يهتم الابن ويفكر، أسألكم أيها الآباء: هل دخلتم إلى المنزل يوماً واشتكى الابن من شيء من أمور دينه؟ - قال: يا أبي تفكرت في النار كيف الخلاص منها؟ ثم قال: يا أبي أسألك أن تسأل الذي وهبك إياي في الدنيا أن يهبك إياي في الآخرة، ثم بكى، يقول الفضيل: فأحزنني فأخذت أبكي. علي بن الفضيل كان ليله قيام ونهاره صيام، يقولون: ما كان يطيق أن يقرأ سورة القارعة سورة القارعة التي نرددها صباح مساء ونقرؤها ولا نتدبرها، علي بن الفضيل كان لا يستطيع قراءتها كلها، بل كان ما يطيق أن يسمعها من غيره. وكان سفيان الثوري يحدث الناس في المسجد، فإذا به يسمع شاباً يبكي بكاء شديداً، فقال: من هذا الذي يبكي؟ قالوا: هذا علي بن الفضيل بن عياض، فقال لهم: والله لو علمت أنه في المجلس ما حدثتكم عن النار. سألتني امرأة بالهاتف يوماً فقالت: يا شيخ أريد أن أنتحر. لا إله إلا الله! في بلاد المسلمين ومن أب وأم مسلمين! لِمَ تريدين الانتحار؟ تقول: جربت كل أنواع المعاصي والفساد، والآن إذا لم تكلمني وتردني عن الانتحار فسوف أنتحر. الله أكبر! أتعرف لماذا؟ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه:١٢٤] أي قرآن في جوفها؟ أي ذكر لله؟ أي صلاة؟ أي عبادة؟ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]. أيها الآباء: حرضوا أبناءكم على حفظ كتاب الله، وأتوا بهم إلى حلقات القرآن. أيها الشباب: استغلوا أعماركم في حفظ كتاب الله فأيما إهاب -جلد- خالطه كلام الله فقد حرمه الله على النار، (يقال لصاحب القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتق ورتل، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها). يلبس تاج الوقار، ويكرّم أبوه وأمه عند الله جل وعلا يوم القيامة فإن أكبر شرف وأكبر عزٍ لك يوم القيامة عندما يأتى ابنك وقد ختم كتاب الله جل وعلا. هل تريد يا أخي الكريم! أن يكون ابنك حافظاً لكلام الله أو مطرباً؟ اسأل نفسك هذا السؤال أيهما أشرف لك، وأكثر رفعة وعزة: أن يملأ صدر ابنك كلام الله جل علا، أم يملؤه الغناء والطرب؟ فكر، وكن صادقاً مع نفسك، فإن العبرة ليست في الدنيا، إذا تعلق الابن بأبيه يوم القيامة ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. أخي العزيز: لنرجع مرة أخرى إلى كتاب الله قراءة وحفظاً وتدبراً، يقول تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] فهذا سعيد بن جبير قام ليلة كاملة بآية واحدة يرددها ويبكي، وهو أحد التابعين، ومن أعبد الناس، يقوم ليلة كاملة بقوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩].
следующие страницы →