← Джавами‘

Джавами‘ · id 7717

دروس للشيخ نبيل العوضي

نبيل العوضي

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

حال الأشقياء في الآخرة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد:

стр. 1052

حال الأشقياء في المحشر أيها الأحبة! وفي المحشر بعد أن وقف الناس خمسون ألف سنة، وبعد ذلك الحر والعطش والعرق يشفع لهم نبيهم ﷺ لفصل القضاء، فإذا هم يرون شيئاً قد أتى إنها جهنم، قال الله : ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣]. بعد ذلك الحر والعطش إنها جهنم يقول ابن مسعود: قال ﷺ : (يؤتى بجهنم يومئذٍ ولها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) ﴿وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً﴾ [الكهف:٥٣] علموا أنهم سوف يدخلونها، عند ذلك يسمعون صوت جهنم، يسمعون صوت جرجرتها، وصوت تغيظها، وصوت زفيرها من بعيد ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان:١٢] وهذا يدل على غيظها وغضبها، عند ذلك أيقن المجرمون بالعطب، وجثت الأمم على الركب وكلٌ منهم يقول: نفسي نفسي، يقول الله : ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات:٣٤ - ٣٥] يتذكر يوم أن نام عن الصلاة، ويتذكر أمواله التي وضعها في الربا، ويتذكر أنه ما أمر بناته بالحجاب، ويتذكر أنه طالما نظر إلى النساء واستمع إلى الأغاني ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات:٣٥ - ٣٦]. عند ذلك يحاسبهم الله يحاسب الكفار والمجرمين حساباً عسيراً، ثم: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢] تدخل من منخره وتخرج من أسته، فيقاد إلى جهنم ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر:٤٨] فيساق المجرمون الكافرون وهم يدعون على أنفسهم يقول أحدهم: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ [النبأ:٤٠] ويقول الآخر: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٨] ويقول بعضهم ﴿يَا وَيْلَتَنَا﴾ [الكهف:٤٩] ويدعون على أنفسهم بالهلاك والثبور ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ [الزمر:١٧]. ألا تعلمون -أيها الإخوة- أنه يخرج منها شرر؟ ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:٣٢ - ٣٤] حتى إذا اقتربوا منها فتحت أبوابها ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١] فإذا فتح خزنتها وهم ﴿مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم:٦] إذا فتحوا جهنم يدخلونها فينظرون إليها ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأحقاف:٢٠] فيقال لهم: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف:٣٤].

стр. 1053

حال الأشقياء في النار فيدخلونها ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨] يدخلون فينظرون إلى الذين أضلوهم في الدنيا؛ ينظرون إلى رؤسائهم، وإلى قاداتهم، وإلى أخلائهم، ينظرون إليهم قد سبقوهم في جهنم ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨] يدخلونها، بعد أن يحاسب الكافر فيدخل جهنم يقول له صاحبه أول ما يدخل جهنم: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ [ص:٥٩] فيرد عليهم أصحابه في الدنيا ﴿لا مَرْحَباً بِهِمْ﴾ [ص:٥٩] أول تحية ﴿لا مَرْحَباً بِهِمْ﴾ [ص:٥٩] فيتلاعنون، ويسب بعضهم بعضاً، ويشتم بعضهم بعضاً، فأول ما يتقي بوجهه النار، أما يداه فمغلولتان، قد شدتا بالسلاسل، فيريد أن يتقي النار فلا يتقي النار إلا بوجهه، أكرم شيء عنده في الدنيا، لطالما كان يجمل وجهه، ولطالما كان يحسن وجهه، ولطالما كان يتقي الحر عن وجهه. أما جهنم: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الزمر:٢٤] * وقال تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٤] الوجه الذي هو أشرف مكان في الجسد ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر:٤٨] أين ذلك الوجه؟ أين زينتك على وجهك؟! أين طيبك الذي كنت تضعه على الوجه؟! أين الجمال؟! ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٥٠] انظروا إلى ذلك الموقف الذي تقشعر لهوله الأبدان، ذلك الوجه الذي طالما كان يجمله ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّار﴾ [الأحزاب:٦٦] كالسمك على النار يشوى، كيف تقلبه على النار؟ هكذا تقلب وجوههم ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب:٦٦ - ٦٨] ولكنهم لا ينفعهم الكلام، فإن جهنم أحيطت بهم ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩] ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٥٥]. وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ [الأعراف:٤١] فراش من جهنم ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١] لحافٌ من النار، ووجوهٌ قد غطيت بالنار، وجهنم تحيط بهم، حتى إن النار لتصل إلى قلبه ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة:٤ - ٧] تطلع: تصل ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة:٨] إنها: أي جهنم ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة:٩]. يريد أن يأكل في جهنم، لقد طال جوعه يقول بعض السلف: إن الجوع في جهنم يصل عذابه إلى عذاب النار، حتى استغاث بالطعام ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٢ - ٦٥] طلعها: ثمارها، أتظنونهم لا يأكلون منها؟ ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات:٦٦ - ٦٧] ويأكلون طعاماً ﴿ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً﴾ [المزمل:١٣] يقول ابن عباس: [يأكلون الطعام من شوك يتعلق في حلوقهم لا هو يخرج منها ولا يدخل] طعام؟ ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦] نفيس الشبرق اليابس من شوك يأكلونه ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٧] طعام يأكلونه ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة:٣٥ - ٣٦] يقول ابن عباس: [إنه صديد أهل النار] يأكلونه رغماً عن أنوفهم ﴿وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٦ - ٣٧] وحينما يأكل الشوك والغسلين عندها يحس بأنه يحتاج إلى الماء فيستغيث بالماء: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:٢٩] يقرب ماء المهل إلى وجهه، فإذا أراد أن يشرب من شدة حره تسقط فروة رأسه، وينسلخ جلد وجهه إذا قرب وجهه المهل، لكنه يشربه، يقول تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥] يشرب الماء يريد أن يستغيث به من طعام الشوك؛ لكن الماء يسقط فروة رأسه، فيدخل به إلى أمعائه فتتقطع به الأمعاء، ثم يحرج من قدمه ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٦] قال مجاهد: هو القيح والدم وصديد أهل النار ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧] يريد أن يشرب، لقد أصابه العطش، لقد أهلكه العطش ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً﴾ [النبأ:٢٤] ينقذهم الله بشراب يشربه أهل النار ﴿إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾ [النبأ:٢٥] ماء قد انتهى حره، أتعلم ما هو الغساق يا عبد الله؟!! إنه السائل الذي يسيل من فروج الزواني ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً * إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً * جَزَاءً وِفَاقاً﴾ [النبأ:٢٤ - ٢٦]. يلبس ثياباً من النار ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج:١٩] ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ﴾ [إبراهيم:٤٩ - ٥٠] يا من كنت تلبس الحرير! يا من كنت تسبل ملابسك في الدنيا وتجرها خيلاء! ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم:٥٠] سرابيلهم: ملابسهم. وقطران: نحاس مذاب يلبسونه وثياب من نار، نسأل الله العافية. حتى إذا اجتمعوا في جهنم وعلموا أن النار قد أحاطت بهم، علموا أنه لا نجاة إلا بالله، ولا فرار إلا إلى الله، كانوا في الدنيا لا يلجئون إلى ربهم، يسمعون حي الفلاح فكانوا لا يلجئون إلى الفلاح، يسمعون الله أكبر وكانت الدنيا عندهم أكبر، يسمعون أن الربا حرام ويأكلون الحرام، ذلك موقفٌ يلجئون فيه إلى الله فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ [فاطر:٣٧] نصلي لك يا رب، نقيم الصلوات في المساجد، نأمر أهلينا بالحجاب وبالصلاة، أخرجنا منها ﴿نَعْمَل صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧] فيرد الله عليهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر:٣٧] أولم نعمركم حتى وصلتم إلى مرحلة البلوغ؟ ألم يظهر ذلك الشيب؟ ألم يأتك النذير؟ ألم تسمع يا غافل أن الربا حرام، وأن الزنا حرام، وأن النظر إلى النساء حرام، وأن الصلاة واجبة، وأن الدعوة إلى الله واجبة؟! ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧] حين ذلك ينادون مالكاً خازن النار: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] لنمت في هذه النار، كانوا يحرصوا على الحياة، كان يتمنى الحياة، إذا مرض ذهب إلى الطبيب، كان لا يريد أن يذهب إلى صلاة الفجر؛ لأن الجو بارد، كان لا يريد أن يتوضأ؛ لأن الماء بارد، وكان لا يريد أن يدعو إلى الله، ويخاف على صحته، يخاف على ماله من الفقر ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] فيجيبهم مالك بعد ألف عام: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٧ - ٧٨] بعد ذلك ينادون الله؛ لأنهم يعلمون أن ذلك عند الله وبيده خلاصهم، فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦] الآن يعترفون، الآن يندمون، الآن يتذكرون أنهم كانوا ظالمين ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧] فيرد الله عليهم: ﴿قَالَ اخْسئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] بعد ذلك لا يتكلمون، فيرجعون ولهم مقامع من حديد إلى النار خالدين فيها ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٧].

стр. 1054

حال السعداء في الآخرة الحالة الثانية: السعداء الذين أمضوا حياتهم في صلاة، وعبادة، وصوم، وذكر لله ، كانوا يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وكانوا ينظرون إلى الناس، فإذا منهم الغاصب، ومنهم الضال، ومنهم الذي لا يصلي، ومنهم الذي لا يزكي، ومنهم الذي لا يصوم، ومنهم المتبرجة، ومنهم ومنهم نظروا إلى الناس فلجئوا إلى الله فأقاموا الصلاة، وذكروا ربهم.

стр. 1055

حال السعداء في المحشر وفي ذلك الموقف يساقون إلى الجنة ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ [الزمر:٧٣] جاءوا إلى الجنة فاجتمع المؤمنون عند أبوابها ولها ثمانية أبواب، يخرج المصطفى والناس كلهم ينظرون إليه، إلى الحبيب المصطفى محمد ﷺ ، يخرج من بين الناس فيأتي يتقدم الناس فيأتي إلى باب الجنة فيطرق بابها كما صح في صحيح مسلم عن أنس: فيستفتح (فيقول له خازن الجنة من أنت؟ فيقول: محمد -والمؤمنون كلهم يتشوقون ويتلهفون لينظروا ما في تلك الجنة التي طالما سمعوا عنها- فيقول الملك من أنت؟ فيقول: محمد، فيرد عليه: أمرت ألا أفتح لأحدٍ قبلك) فيفتح باب الجنة والمؤمنون ينظرون، فيأتي أول زمرة يدخلون باب الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، يأتون إلى أبواب الجنة وما بين البابين، ما بين مصراعي الباب مسيرة أربعين عاما، وإنه ليأتي عليه يوم وإنه لكضيض: مزدحمٌ من المؤمنين يتدافعون ليدخلوا تلك الجنة التي سمعوا عنها، أول زمرة على صورة القمر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون، ورشحهم المسك، يدخلونها، تخيل نفسك يا عبد الله! إذا فتحت أبواب الجنان فدخلتها ومن الناس من ينادى باسمه، أين فلان؟ يدخل من باب الريان كان يصوم، أين فلان؟ يدخل من باب الجهاد كان مجاهداً، أين فلان؟ يدخل من باب الصلاة، من باب الصدقة، ومنهم من ينادى من بابين، ومنهم من ينادى في ثلاثة أبواب، ومنهم من ينادى من أبواب الجنة الثمانية، أين فلان ليدخل جنة ربه التي وعد المتقون، حتى إذا دخل باب الجنة وهو على أبوابها: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٤].

стр. 1056

حال السعداء في الجنة ماذا ترى يا عبد الله؟ (ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ما الذي تراه؟ لبنة من فضة ولبنة من ذهب وملاطها الذي بينها المسك الأذخر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبئس، يخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم، وصدق الله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [الإنسان:٢٠] ترى أنهاراً فيها، كنت تسمع عنها، إذا دخلتها تراها بأم عينك، يقول النبي ﷺ : (رأى نهراً في الجنة فسأل ما هذا النهر؟) نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، طينه مسكٌ أذفر تلج عليه طيور أعناقها كأعناق الجزور، ينظر إليها، ما هذه الطيور؟ ما هذا النهر؟ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] نهر الكوثر وغيره أنهار ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد:١٥] غير آسن أي: لا يتغير طعمه، ولا لونه، ولا رائحته ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد:١٥] تخيل نهرٌ من لبن؟! ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد:١٥] تخيل لذة للشاربين ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٩] ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ [محمد:١٥] أنهارٌ من عسل مصفى تجري لا كعسل الدنيا. عيونٌ في الجنة تفجر ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن:٦٦] فيها ﴿عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ [الرحمن:٥٠] ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ [الإنسان:٥ - ٦]. قصورٌ وغرفٌ وخيام في الجنة ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الزمر:٢٠] (للمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة طولها ستون ميلاً) تخيل عبد الله! تدخل خيمة في الجنة طولها ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون لا يرى بعضهم بعضاً ﴿لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ [الإنسان:١٣] إذاً من أين تأتي الأنوار؟ يقول شيخ الإسلام: نور يظهر من قبل العرش، نور يأتي من عرش الرحمن. فيها أشجار ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة:٢٧ - ٢٨] لا شوك فيه ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة:٢٩ - ٣٠] للراكب يسير في ظلها مائة عامٍ لا يقطعها ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٣١ - ٣٣] الأشجار، تجلس على الفرش فتأتيك ثمارها وأنت جالسٌ على السرير ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن:٥٤] إستبرق: حرير ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان:١٤] تجلس على السرير فإذا بالثمار تأتيك لتقطفها، لا تقوم من فراشك لتقطفها. آنيتهم: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان:١٨ - ١٩] وأنت جالسٌ على الفرش يأتيك الولدان المخلدون ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة:١٨] ولدان ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً﴾ [الإنسان:١٩]. لباس أهل الجنة: ما لباسهم؟ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣] يلبسون الحرير، يلبسون الذهب، يلبسون الفضة، يلبسون اللؤلؤ، يجلسون على الفرش ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية:١٣] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن:٧٦] يجتمعون وهم في لهوهم وهم في طعامهم، وهم يأكلون ويشربون، يجتمعون بعضهم مع بعض يتحدثون ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٢٧] ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦] كنا نخاف من النار في الدنيا، كنا نخاف من عذاب الله ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٦ - ٢٧] يذهبون إلى سوقٍ وهو سوق الجمعة أتعلمون ما ذلك السوق؟ (إن في الجنة لسوقاً يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثوا في وجوههم وثيابهم -لا يشترون إنما الريح تحثوا في وجوههم وثيابهم- فيزدادون حسناً وجمالا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالا، فيقول أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالًا، فيردون عليهم: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، وذلك كل جمعة). لهم في الجنة نساء حور أتعلم ما هي الحور؟ نساءٌ بياض عينها قد اشتد بياضاً، وسواد عينها قد اشتد سواداً، وسعة عينها قد اتسعت ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة:٢٢ - ٢٣] يا من استبدل نساء الجنة بنساء الدنيا! يا من كان ينظر في الدنيا إلى النساء في الأسواق، وفي التلفاز، وفي الجرائد، وفي الصحف، ويتمتع بهن، أيستبدل نساء الجنة بهن، انظر إلى نساء الجنة ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ [الواقعة:٣٥] أنشأهن الله ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ [الواقعة:٣٦] أي: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٧٤] ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ [الواقعة:٣٧] متقاربات في السن ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٣٨]. أتريد أن تعرف صفاتهن ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٥٦ - ٥٨] تنظر إليهن كأنهن الياقوت والمرجان، وصفهن الله فقال عنهن: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن:٧٠] وصف جمالهن فقال: ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن:٧٠] قال ﷺ : (لو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت على أهل الأرض -اطلعت فقط- لأضاءت ما بينهما - بين السماء والأرض- ولملأته ريحا، ولنصيفها على رأسها -خمارها- خيرٌ من الدنيا وما فيها) وهم في ذلك الموقف يتمتعون بالنساء، يعطى أحدهم قوة مائة رجل ويتمتعون بالثمار ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة:٢٠] يتمتعون باللحوم ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢١] يشربون من أنهار خمر وعسل ولبن وماء ونهر الكوثر، ويتزاورون ويمرحون، يقول الله في ذلك الموقف يناديهم: (يا أهل الجنة تريدون شيئاً أزيدكم؟) ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] ماذا فوق الجنة؟ ما هي الزيادة؟ أفوق الجنة زيادة؟! فيقولون لربهم: (ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار) أفوق هذا النعيم نعيم؟! أبعد تلك الأنهار نعيم؟! أبعد الحور العين نعيم؟! بعد الثمار، والخيام، والقصور، والأشجار، أبعد اللؤلؤ، والحصباء، والياقوت، بعد كل هذا نعيم؟! (أتريدون أن أزيدكم؟ فيكشف ربنا عن الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم فينسون به نعيم الجنة كله) ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] حسنة، لقد نظرت تلك الوجوه، فاستنارت عندما نظرت إلى ربها ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته) ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] تنسى بذلك نعيم الجنة كله. اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار. أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1057

ظاهرة الفحش الفحش في الكلام، والبذاءة في القول؛ صفة قبيحة حذر منها رسول الله ﷺ كل التحذير. وفي هذا الدرس المبارك -بإذن الله- قطوف وشذور من أحاديث المصطفى ﷺ في التحذير من هذه الصفة، وبيان ما كان عليه النبي ﷺ من حسن العبارة ولطيف القول.

стр. 1058

حكم سباب المسلم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله ﵎، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

стр. 1059

بغض الله للفاحش البذيء أيها الإخوة المسلمون: نتكلم اليوم عن ظاهرة اجتماعية فَشَتْ في أوساط كثير من المسلمين، لا يكاد مسلم -إلا من رحم الله- يسلم من هذه الظاهرة، إما فعلاً أو سماعاً من غيره، وهي ظاهرة يتهاون بها المسلمون، حتى اعتادها بعض الكبار وكثير من الصغار، وبعضهم يقولها ولا يعقلها، وهي: ظاهرة السِّباب والشتم واللعن والفُحش والبذاءة. هذه الظاهرة التي انتشرت في كثير من أوساط المسلمين، حتى إنك لتدخل بعض المجالس، فتسمع من الفُحش والبذاءة، ومن السباب والشتم ما يجعلك لا تستطيع أن تجلس في هذا المجلس، وقد قال ﵊: (إن شر الناس منزلة مَن تركه الناس اتقاء فُحشه). مِن الناس مَن إذا جلستَ معه لا تتحمل الجلوس معه، فتتركه لفحشه ولبذاءة كلامه، حتى إنه بعض الأحيان ليصف العورات -أجلكم الله- وينادي الناس بأسماء البهائم والحيوانات، هذا الرجل إذا تركه الناس لهذا الفعل فهو من شر الناس منزلة عند الله، وقال ﵊: (إن الله يبغض الفاحش البذيء) يبغضه الله جلَّ وعلا، فكيف يهنأ لك بال، ويقر لك قرار والله يبغضك إذا كنتَ متفحشاً في الكلام، بذيئاً في اللسان، تصف ما فحُش وغلظ من القول، وبعض الناس لا يتوانى أن يقول هذا في أي مجلس كان.

стр. 1060

سباب المسلم فسوق والمسابان شيطانان وقال ﵊، يصف هؤلاء الذين يفعلون هذا الفعل، قال: (سباب المسلم فسوق) فسوق: أي: خروج عن طاعة الله جل وعلا، فمن الناس مَن إذا نادى لعن، وإذا غضب شتم، وإذا تهاتر مع بعض الناس سب وفحُش في الكلام، وقال: (المُسَّابَّان) أي: الذي يسب صاحبه ويرد عليه صاحبُه: (المُسَّابَّان شيطانان يتهاتران، ويتكاذبان) وصفهما النبي ﷺ بأنهما شيطانان، لهذا الفعل البذيء، وكفى به إثماً وقبحاً أن الله يبغضه: (وما كان رسول الله ﷺ فاحشاً ولا متفحشاً) وكان إذا بالغ في العتب على أشخاص، قال: (ما باله؟! تربت جبينه) تربت جبينه أقصى ما يقوله ﵊ في الناس. فانظروا الأدب الذي تحلى به! وانظروا عفة اللسان التي اتصف بها ﵊! ثم انظروا إلى مجالسنا، وانظروا إلى ما يحدث بين المسلمين من خصومة أو مزاح وكلام، وانظر إلى الفحش والبذاءة والسب والشتم واللعن، نعوذ بالله منها. وانظروا إلى القرآن كيف إذا تكلم عن بعض الأمور كنَّى ولم يصرِّح، أدباً في الكلام والحديث، فلما أرد الله أن يَذكُر الجماع ما صرَّح به، بل سماه: ملامسة، وسماه مباشرة: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] وأراد الجماع، ولكنه كنَّى، وقال: الرفث، وقال: الحرث: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] وقال: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]. قال ابن عباس ﵁: [إن الله كريم يكنِّي ما يشاء] انظروا إلى الكرم في الحديث، وانظروا إلى العفة، قال: [إن الله كريم يكنِّي ما يشاء، وإن الرفث هو الجماع]. ثم انظروا إلى مجالسنا، وانظروا إلى السب والشتم، حتى إن بعض الناس لا يتوانى، ولا يتورع أن يسب ويشتم ويذكر بعض الألفاظ القبيحة أمام صغار السن، حتى أصبح بعض صغار السن يتلفظون بها، ويقولونها وهم لا يعرفون معناها، ولا يدرون ما مغزاها، ولا يشعرون بخطورتها، والسبب: أنه رأى أباه يكلم أمه بهذه الألفاظ، أو يكلم جاره، أو يكلم صاحبه، أو تنازع أبوه مع رجل آخر، فسمع أباه يقول: كذا وكذا، فقلده واتبعه في هذه الكلمات.

стр. 1061

شدة حياء النبي ﷺ وأصحابه وانظروا إلى النبي ﷺ كيف كان يكلم أصحابه: (كان أشد حياءً من العذراء في خدرها). في صحيح البخاري: (أن امرأة جاءت إليه ﵊ فسألته عن كيفية الاغتسال من الحيض، فقال ﵊ -وهو يشرح لها، ويبين لها كيفية الغسل- قال: خذي فرصة من مسك، وتتبعي بها أثر الدم، فتطهري بها، فقالت هذه المرأة: كيف أتطهر بها يا رسول الله؟ قال: تطهري بها، قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: سبحان الله! تطهري بها، قالت عائشة: فرأيتُ في وجهه أنه قد استحيا ﵊، فأخذت عائشة هذه المرأةَ في جانب البيت، وأخذت تشرح لها كيف تغسل دم الحيض حياءً منه ﵊ ولم يكن فاحشاً، ولا متفحشاً، ولا بذيئاً، ولا طعاناً، ولا لعاناً ﵊. في يوم من الأيام سئل ﵊ عن هذه الأمور، فكان يجيب بمثل ما أجاب، وكان يُرى في وجهه الحياء والعفة وكرم اللسان. وكان ﵊ -كما وُصِف- أنه: (أشد حياءً من العذراء في خدرها) أعلمتَم من هي العذراء؟ المرأة التي لم تتزوج، وفي خدرها أي: في بيت أمها، وفي غرفتها، وفي دارها، فهكذا هو ﵊. أيها الأخ الكريم: إن المتفحش باللسان، والذي يتعود لسانه على السب والفحش، ووصف العورات، وغيرها من هذه الأمور البذيئة، فإن مروءته تسقط بين الناس، ويكون هذا الرجل رجلاً في الصورة ولكنه في الحقيقة قد سقطت مروءته ورجولته، أما لسانه فاللسان السوقي الذي اعتاد هذا الفُحش وتلك البذاءة. وجاءت امرأة -زوجة رفاعة ﵁ تسأل رسول الله ﷺ ، فقالت: (يا رسول الله! إن زوجي قد بتَّ في طلاقي -أي: طلقني ثلاث طلقات- قالت: فتزوجتُ عبد الرحمن -أي: زوجها الثاني، وهي تسأل، وعند رسول الله عائشة، وأبو بكر، وأحد الصحابة عند الباب، وحياءً منها انظروا كيف تسأل- فقالت: يا رسول الله! وليس مع هذا الرجل إلا مثل هذه الهدبة، وأخذت جزءاً من طرف ثوبها -حتى لم تستطع أن تتلفظ بهذه الكلمات، مع أنها تستفتي في دينها، قالت: إلا مثل هذه الهدبة، أي: رجل ضعيف لا يستطيع أن يجامع- وكان عند الباب أحد الصحابة، فقال: يا أبا بكر! ألا تنهَ هذه المرأة عمَّا تجهر به عند رسول الله؟! -أي: سكِّت هذه المرأة عن هذه الكلمات الفاحشة، وما قالت كلاماً فاحشاً، ولا كلاماً بذيئاً، ولا سيئاً قبيحاً كما يقوله بعض الناس- فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال لها: لعلك -يا فلانة- تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا. حتى تذوقي عُسَيْلَتَه ويذوق عُسَيْلَتَكِ) فكان ﵊ أفصح منها لساناً، وأشد أدباً ﵊ فقال: حتى تذوقي عُسَيْلَتَه، كنَّى عن الجماع، بالعُسَيْلَة، هل رأيتم أدباً مثل هذا الأدب؟! وهل رأيتم عفة في اللسان مثل هذه العفة؟! وهل رأيتم كرماً وشرفاً ورجولة وأدباً مثل هذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]. تجلس عنده عائشة، فيمر بعض اليهود، فيقولون: السام عليك يا محمد، والسام: الموت، يظنون أنه لم يفهم، ففطنت عائشة فقالت: وعليكم السام واللعنة، أي: ترد عليهم مثلما شتموا، وفي رواية: قالت: عليكم السام والذام، أي: الذم، فقال: (مَهْ يا عائشة؟! لا تكوني فاحشة) وما بالغت عائشة، لكنها ردت السيئة بالسيئة، ولكن أدبه ﵊ يمنعه من هذا، فقالت: (أما سمعتَ ما يقولون يا رسول الله؟! قال: نعم. ولكني قلت: وعليكم، انظروا إلى أدبه ﵊ فرجع ما قالوا عليهم).

стр. 1062

تحذير النبي ﷺ من وصف المعاشرة الزوجية وحبذا لو طبقنا هذا الأدب في كثير من مجتمعاتنا ومجالسنا وبيوتنا، بل عند بعض صغار السن والأولاد والأبناء، ولكن انظروا إلى أدبنا وأدبهم، انظروا إلى أخلاق الإسلام، كيف افْتُقِدَت في بعض صفوف المسلمين. حتى إن بعض الناس يأتي فيحدث بعض الرجال عمَّا فعل مع زوجته، وهذا من أشد الفُحش والبذاءة والطعن بزوجته، يتكلم بما فعل مع زوجته، حتى قال ﵊: (لعل أحدكم يحدث الناس بما فعل مع زوجته، ولعلها تحدث بما فعلت مع زوجها، فسكت الصحابة، ثم قال: لا تفعلوا، فإنما مثل ذلك مثل شيطان لقي شيطانة فتغشَّاها والناس ينظرون) تخيلوا شيطاناً يتغشَّى -أي: يجامع شيطانة- في الطريق والناس ينظرون، فهذا مَثَل مَن يأتي ويصف ما فعل مع زوجته، وهي تأتي وتصف ما فعلت مع زوجها -نعوذ بالله- فهذا الوصف القبيح إذا كان الأمر حلالاً، فكيف ما يفعله كثير من المسلمين -هداهم الله- حيث يصف بعض الأمور المحرمة؟! يقول: في العام الماضي وفي الإجازة السابقة، وفي يوم كذا ذهبتُ إلى المكان الفلاني، وسافرتُ إلى بلد كذا، ففعلتُ مع فلانة كذا وكذا، أيُّ قبح أعظم من هذا القُبح؟! إذا كان الحلال بهذا القُبح، فكيف بالحرام يا إخوة؟!

стр. 1063

الشتم واللعن والتحذير منهما مِن الأمور التي تزداد خطورة على هذه الخطورة قضية اللعن، وما أدراك ما اللعن؟ بعض الناس اعتاد اللعن على لسانه، حتى إنه في المدح يلعن، وفي ذكر فلان يلعن، وفي الإخبار عن فلان يلعن، وقد صح عن النبي ﷺ : (أن اللعنة إذا خرجت من صاحبها تصعد إلى السماء، فتوصَد أبوابُ السماء دونها، فترجع إلى الأرض، فتوصَد أبوابُ الأرض دونها، ثم تأتي إلى الذي لُعن -إلى الذي لعنتَه- فإن كان أهلاً لها أصابته اللعنة، وإلا رجعت إلى قائلها). أتعرف ما هو اللعن الذي اعتاده كثير من المسلمين؟ اللعن هو: الطرد من رحمة الله، واسمع وانظر وفتِّش في مجالس المسلمين، واحصِ كم يقع بينهم من اللعن: (ليس المؤمن بالطعَّان ولا اللعّان) وقال ﵊: (لعن المسلم كقتله) فإذا لعنتَه كأنك قتلته يا عبد الله. اللعن، وما أدراك ما اللعن الذي انتشر في صفوف كثير من المسلمين؟ ثم اعلم -يا عبد الله- أن بعض الشتم كفر بالله جل وعلا، وهو سب الله، أو سب رسوله ﵊، أو سب هذه الملة، أو شيء منها، وكثير من الناس من يدعي الإسلام، وينطق بالشهادتين، ثم يسب دين فلان، ويسب شرعه، ويسب رسوله ﵊، وحين يسبه فإنما وقع في الكفر، عافانا الله وإياكم منه. ثم إن بعض الشتم وبعض السب يوجب الحد! أتعرف ما هو الحد؟ الحد هو: جلد ثمانين جلدة، فيُجلد ثمانين جلدة على كلمة قالها، وما هي هذه الكلمة؟ أن يصف فلاناً بالزنا، أو اللواط، أو هذه الفواحش، لو وصف فلاناً بالزنا، فقال له: يا زانٍ، فإنه يُجلد ثمانين جلدة، وهذا هو الفاسق الذي لا تُقبل له شهادة أبداً. ثم اعلم -يا عبد الله- أنه لو قال مثلاً: أنتَ أزنى من فلان، فإنه يُجلد مائة وستين جلدة -مرتين يُجلد- لأنه وصف فلاناً, ومَن فضَّله عليه بالزنا، فقال: أنت أزنى من فلان، فيُجلد مرتين، كل هذا عقوبة له. ثم لو قال كلمة دون الزنا، وأقل من الزنا، فإنه يُعزَّر، مثل أن يصف الناس بالحيوانات أو بالبهائم، فإن حكم الله كما قال بعض العلماء أن يُعزَّر، إما بالضرب، وإما بالسجن، وإما ببعض أنواع التعذيب، حتى يكف عن هذه الألفاظ البذيئة. عباد الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أقول هذا القول، وأستغفر الله.

стр. 1064

أسباب انتشار ظاهرة الفحش الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده. أما بعد: قال ﵊: (أتدرون مَن المُفلس؟ قالوا: المُفلس من لا درهم له ولا متاع، قال: المُفلس مِن أمتي مَن يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وحج، ويأتي وقد سب هذا، وشتم هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا) مسكين، لو في كل يوم سبة واحدة، فإنه في السنة يزداد سبه على الثلاثمائة والستين سبة، فيأتي الناس كلهم يجتمعون عليه- فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته، أتعرف ما حسناتُه؟ صلاته ضاعت، صيامه فَنِي، زكاته ضاعت، حجه ذهب، كل أعماله قد ذهبت وولت، تعبه في الدنيا كله قد ضاع، قال: (حتى إذا فنيت حسناته، أُخذ من سيئاتهم، ثم طُرحت عليه، ثم طُرح في النار) أتعرف ما الذي أرداه؟ (وهل يكب الناسَ في النار على مناخِرهم إلا حصائدُ ألسنتهم). اللسان يا عبد الله، احفظ لسانك عن سب الناس وشتمهم، ووصف القبيح والبذيء والفُحش وما غَلُظ من القول. عباد الله: ما الذي جرَّأ الناس على هذا الكلام؟ أسباب كثيرة: من هذه الأسباب: السبب الأول: مخالطة الفاحشين الفحَّاشين، بذيئي اللسان: فالمرء على دين خليله، وانظر -يا عبد الله- المجالس التي تجلس فيها، فإن كانت هذه المجالس فيها من السب والشتم والفُحش والبذاء فإنك يوماً من الأيام سوف تقول مثلما يقولون، والله جل وعلا يقول: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢] هذه المجالس لا يُجْلس فيها. السبب الثاني: ثم من الأسباب: بعض المسلسلات والأفلام والقصص، التي تخبر بالفُحش والبذاءة، والقبح والسب واللعن -عافانا الله وإياكم منها- حتى إن بعض الناس يقص منها بعض القصص في الجرائد والمجلات والكتب، فيقص بعض الفواحش وكيفية وقوع الرجل على المرأة، وكيفية عمل بعض المنكرات، وما قَبُح من القول، فيصفه بالتفصيل في بعض القصص التي تُنشَر في بعض الجرائد والمجلات، وبعضها تكون في أفلام تُبَث عبر الهواء مباشرة من دول الغرب، والكفر والإباحة، ثم يعتاد كثير من المسلمين هذه الكلمات، فإذا أنكرت عليه يقول: أنا أفضل من فلان، ويا مسكين! أنت لا تعلم ما يقول فلان، وما يفعل فلان، أنا فقط أتلفظ، أما فلان فيفعل كذا وكذا. سبحان الله! حتى أصبح المنكر معروفاً، وأصبحت الكبائر صغائر، وأصبح الناس يتهاونون بهذه الألفاظ. وتذكر دائماً يا عبد الله، وتفكر في هذا الحديث: (إن الله يُبغض الفاحش البذيء) يُبغضه الله جل وعلا. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اللهم أعداء الدين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

стр. 1065

هل وجدتم السعادة ؟ إن الناظر إلى حياة الأمم خلال هذه العصور، يجد أنها قد ابتعدت عن منهج الله سبحانه، وتركت كتاب ربها وراءها ظهرياً، وسعت سعياً حثيثاً وراء المناهج الغربية والأفكار الدخيلة، والشعوذة الزائفة، ظناً منها أنها هي السعادة الحقيقية، المؤدية إلى الرقي والتمدن، والازدهار، ولكن هيهات! بحثت عن السعادة وما علمت أنها لن تجدها حتى تراجع دينها، ومنهج ربها سبحانه.

стр. 1066

السعادة الحقيقية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. ثم أما بعد: فهذا المجلس لعلك تجلسه يوم القيامة في الجنة، في روضةٍ من رياض الجنة، فإياك إياك والملل! وإياك إياك والسآمة! فإن هذا المجلس عظيم! تحضره الملائكة، بل وتحفه إلى السماء الدنيا، ويختم هذا المجلس بـ (قوموا مغفوراً لكم؛ قد بُدِّلت سيئاتكم حسنات) فهي دقائق معدودة، تُمحى بها كثير من السيئات، فتحمل وتصبر فإن هذا الصبر له أجرٌ عظيم. أيها الأخ الكريم! لو سألت الناس جميعاً ماذا تطلبون من الدنيا؟ وماذا تريدون؟ وما هي أغلى أمنية عندك في هذه الدنيا؟ أغلب الناس وكل واحدٍ منهم سوف يقول: أريد أن أعيش سعيداً مرتاحاً مطمئناً، أبحث عن شيء يُسمَّى السعادة والراحة، كلّ الناس يلهث ويتعب وراءها، وينصب من أجلها، من أجل أن يعيش سعيداً في هذه الحياة الدنيا. انظر إلى من يجمع الأموال: الملايين العمارات العقارات والأرصدة، لا يعدها ولا يستطيع حسابها، هل حصل على السعادة؟! سله! واجلس معه اجلس مع أولئك الذين يتمتعون بالغناء والطرب منذ الصباح إلى المساء ليلهم طرب نهارهم طرب أغاني وموسيقى ومعازف، سلهم! هل حصلتم على السعادة؟! كيف سوف يجيبونك؟ سل أولئك الذين يبحثون ويطلبون الشهرة والسمعة بين الناس، يتمنى يوماً من الأيام أن يظهر على صفحات الجرائد فيقال: النجم، أو المطرب، أو الممثل فلان الفلاني، هذه غايته وأمنيته، وبعد أن يحصل عليها سله! هل وجدت السعادة؟! هل وجدت راحة البال؟! كلا وربي! إن السعادة لا توجد إلا في شيء واحد وهو طاعة الله جلَّ وعلا ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكا﴾ [طه:١٢٤] ويقول ربنا: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] يقول الله: كل من أعرض عن ذكري وعن طاعتي عن القرآن عن المساجد، فحياته وعيشته ودنياه كلها ظنكٌ في ظنك ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٥] يا رب! كنت في الدنيا أبصر وأرى، فلم حشرتني؟ الجواب ﴿ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٦] كذلك في الدنيا ألا تذكر ذلك المسجد في ذلك المكان بعد صلاة المغرب لما جلست واستمعت إلى آياتي لكنك نسيت؟ أتذكر تلك الخطبة -خطبة الجمعة- التي جلست فيها، واستمعت، وأنصت، وعاهدت ربك ثم نسيت؟ أتذكر ذلك الشريط الذي استمعت إليه، وعاهدت ربك بالتوبة، وما هي إلا أيام ونسيت؟ ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٦]. عبد الله: من الناس من تصل به الكآبة والحزن والضيق والهم في الدنيا، وعنده ملايين عنده أرصدة عنده كلما يريده من الدنيا، ولكنه الحزن والضيق، أي ضيق؟! ضيق الصدر ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] فمن شدة الضيق يجلس مع أصحابه في مجلس في ليلة حمراء، يتعاطى بعض الحبوب، جلست معه يوماً من الأيام، فسألته! لمَ تتعاطاها؟ فقال لي: لأنسى تلك الهموم والأحزان، ولأشرح الصدر شيئاً ما، ولأعيش في أوهام أبتعد بها عن هذه الدنيا الكئيبة، وعن هذه الحياة المظلمة، وعن هذه العيشة الضيقة، بتلك الحبوب!! إنه مسكين، حبة بعد أخرى، ثم ثالثة، ثم رابعة، ثم يشعر بالألم، ثم لا يتحمل يوماً إلا ويتعاطاها، ثم حياة كئيبة لا يعرف زوجاً، ولا بنتاً، ولا أماً، ولا أباً، ليس في قلبه أية رحمة، يقتل من يجد لأجل تلك الحبوب يسرق ما يجد لأجل تلك الحبوب! ثم أين مصيره؟ جرعة زائدة في ليلة سوداء مظلمة مع أصحابه الأشقياء أخذها ليتمتع بها ولينسى همه؛ فإذا به يُعالج سكرات الموت، ويستنجد بأصحابه! أليس منكم راق؟ أليس منكم طبيب؟ أنقذوني! أرجعوا الروح فإني أحس بها تخرج من رجليَّ، أتعرف ما السبب؟ أخذ جرعة زائدة فإذا بهم يهجمون عليه لينقذوه ولينجدوه، كيف؟ يقطعون شرايينه وأوصاله يمزقون جلده لينزف الدم من يديه ومن رجليه طلباً لنجاته، ولكن هيهات هيهات! بكى صاحبه استنجد أخوه، وجاءوا بالطبيب، ولكن لا مناص؛ فإذا به يُفارق الحياة الدنيا، ثم يُوضع في كيسٍ للقمامة، ثم يُرمى في إحدى الزبالات، ولم يدرِ به أحد، ولم يشعر به إنسان، غادر الدنيا ولم يصل على جسده أحد، ولم يطلب له الرحمة أحد، ولم يستغيث له بالمغفرة أحدٌ من الناس، أي عيشةٍ تلك؟! ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]. ألم تسمع بذلك الذي جمع ملايين الدنانير، ملايين ومليارات، جمعها بهمٍ وغم، وتعب ونصب، ثم هو بعد هذا يتعب في حفظها، ويتعب في نمائها، ويهتم لحفظها حتى بلغ به الكبر عتيا، ثم ماذا؟ ثم أولاده وفلذات أكباده يترقبونه متى يُفارق الدنيا؟ ومتى يترك لنا هذه الأموال؟ بنته تعد الأيام عداً لموته، وولده يتربص به لوفاته، أهله أقرباؤه يتقربون ويتزلفون إليه ليس لأجله بل لأمواله، أيُّ حياةٍ تلك؟! وأي سعادة أرادها؟!

стр. 1067

حال السعداء أتعرف أيها الأخ الكريم! من السعيد في هذه الدنيا؟ إنه الذي يقوم لصلاة الفجر والناس نيام، إنه ذلك الذي أمضى حياته بين القرآن والمسجد والذكر والمباح وطاعة الله جلَّ وعلا، إنه الذي إن نام الناس في الليل قام، لعلك تسأل سؤالاً: ما بالهم إذا نام الناس قاموا؟! وإذا ضحك الناس بكوا؟! وإذا لعب الناس توقفوا؟! ما بالهم لا ينامون كما ينام الناس؟ ما بالهم لا يلبسون كما يلبس الناس؟ ما الذي جرى؟ أتعرف ما السبب؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ [الرعد:٢٨] إنهم وجدوا اطمئنان القلب أين؟ ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].

стр. 1068

قصة رجل اهتدى وعرف السعادة اسمع يا عبد الله! إلى هذا الرجل كيف اطمأن قلبه؟ وكيف انشرح صدره؟ كان لا يعرف من الدنيا إلا النساء والأغاني والطرب! ظن أن السعادة هناك، وظن أن الحياة أغنية، وامرأة، وكأس، ونوم، وأكلٌ وشرب، ثم تنتهي الدنيا، فإذا به في الشارع يأتيه أحد الرجال الصالحين، يراه من بعيد فيسرع إليه لينصحه، فإذا بالفتاة تهرب فإذا به يأتي إلى هذا الشاب لينصحه، اسمع إلى تلك القصة الغريبة، جاء لينصحه ويُذكِّره بالله جلَّ وعلا، فإذا به يقول له: يا عبد الله! ألا تخاف من الله وتخشاه؟ فإذا به يذكره بقول الله جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨] يُذكِّره وينذره يوم القيامة، ويحذره عذاب الله جلَّ وعلا، يقول: نصحته نصف ساعة، ثم توقفت وإذا بي أراه وعيناه تدمعان! يبكي، عيناه تذرفان الدمع، يقول: فتعجبت من حاله، فأخذت رقم هاتفه وذهبت إلى بيتي ولم أتذكره إلا بعد أسبوعين، يقول: فرفعت سماعة الهاتف في الصباح، فسلمت عليه وقلت له: أنت فلان؟ قال: نعم، فقلت له: أتذكرني؟ قال: وكيف أنسى الصوت الذي كان سبباً في هدايتي. الله أكبر! انظر إذا أراد الله أن يهدي إنساناً، وقال: وكيف أنسى الصوت الذي كان سبباً في هدايتي؟ قال: الله أكبر! اهتديت، قال: والله إنني منذ تلك الموعظة قد صلح حالي، والتزمت بطاعة الله، فقلت له: اليوم أزورك بعد صلاة العصر وسوف آتيك إلى البيت، فقال: حيَّاك الله! يقول هذا الشيخ الداعية: صليت العصر، وبعد صلاة العصر جاءني ضيوف أخروني عن الموعد. يقول: فإذا بي أنتظر مغادرة الضيوف، فذهبوا وقد حلَّ الليل، فقلت: لا بد أن أزوره على الموعد، يقول: فجئته في الليل متأخراً؛ فطرقت الباب، فخرج لي رجلٌ كبير في السن، فقلت له: أين فلان؟ قال: من؟ قال: فلان بن فلان؟ قال: دفناه قبل ساعة، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، غير صحيح اليوم كلَّمته بالهاتف، قال: لم يكن به بأس، صلَّى الظهر وتغدَّى معنا، ثم نام، وقال: أيقظوني لصلاة العصر، يقول: فجئنا لنوقظه فإذا به قد فارق الحياة الدنيا، فقلت له: ومن أنت؟ قال: أنا أبوه، قال أبوه: ومن أنت؟ قال: عرفت ابنك قبل أسبوعين، قال: إذاً أنت الذي أنقذ ابني من النار ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. أسألك -أخي الكريم سؤالاً! أسألك بالله وأجبني! أجب نفسك بنفسك إلى متى هذه الحياة؟ إلى متى والواحد منا إن صلىَّ صلاةً فرَّط بالأخرى؟ لم يمر عليه يوم يحافظ فيه على خمس صلوات في بيت الله إلا ما ندر إلى متى؟ إلى متى يمر علينا الشهر والشهران ولم نختم فيه القرآن مرة؟ إلى متى والعين تنظر للحرام؟ إلى متى والأذن تستمع للحرام؟ إلى متى واللسان لا يُبالي حداً من حدود الله غيبة، نميمة، سُخرية، كذب، استهزاء؟ إلى متى يا عبد الله؟ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد:١٦].

стр. 1069

بلال وسعادته في الدنيا انظر إلى بلال ﵁ هذا الرجل الذي إن نظرت إلى ظاهره تقول: هذا مسكين عُذِّب في الحياة الدنيا. أيها الأخ الكريم: نحن المساكين! أما هو فهو من أسعد الناس في هذه الحياة الدنيا، أتعلم ما الذي جرى له؟! كان يُجرّ في الرمضاء وعلى صدره الصخرة، وكان الأطفال خلفه يركضون ويضحكون، والسفهاء يرمونه بالحجارة، وهو يتلفظ بقوله: أحدٌ أحد! قالوا له: نتركك ونعتقك بشرط أن تكفر بهذا الدين؟ وهو يرد عليهم فيقول: أحد أحد! تعرف كيف مات هذا الرجل؟ كان يحتضر وعنده زوجته، فبكت زوجته فقال لها: ولمَ تبكين؟ قالت: واحزناه، وا بلالاه، تبكي على زوجها، قال لها: بل واطرباه، وافرحاه، غداً نلقى الأحبه محمداً وحزبه لعلك إن نظرت إلى حاله تقول: مسكين! ماذا جمع من الدنيا؟ أي كنوزٍ جمعها؟ أي نعيمٍ عاشه في الدنيا؟ إنه السعيد حقاً، سمع النبي ﷺ خشخشة نعليه في الجنة.

стр. 1070

حبيب بن زيد يموت شهيداً سعيداً أسمعت بـ حبيب بن زيد هذا الرجل كان رسولاً لرسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أرسله النبي ﷺ رسولاً إليه يأمره بالرجوع إلى الإسلام، فقال له: تشهد أني رسول الله؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. قال: ماذا؟! ألا تعلم أني رسول الله؟ قال: إن في أذني صمماً، انظر كيف ردَّ عليه! فإذا به يشير ذلك المنافق المرتد إلى جندي من جنوده أن يقتله فقطع أعضاءه عضواً عضواً ثم مات ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].

стр. 1071

البحث عن السعادة عبد الله! ألا تريد السعادة! ألا تريد الراحة في الدنيا! لعلك بحثت عنها فلم تجدها، إنك لن تجدها في الملايين، ولن تحصل عليها في القصور أو في السيارات الفاخرة، ولا عند النساء، ولا بالأرصدة، ولا في بلاد الإباحية والخنا والفجور، لن تجدها إلا بين دفتي المصحف، لن تحصل عليها إلا في آخر الليل في السحر، إذا قمت وصليت بها ركعتين، لن تراها إلا وأنت تطوف حول البيت، وأنت تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك! سل الصالحين وقل لهم: ما أسعد لحظة مرت عليكم في الحياة؟ بعضهم سوف يُجيبك فيقول: إنه قيام الليل في ليالي رمضان، وبعضهم يقول لك: وأنا أفطر بتلك الرطب وتلك التمرات في بيت الله الحرام في شهر رمضان، أسمع الأذان يقول: الله أكبر! وأنا آكل تلك الرطب، وبعضهم يقول: إنها لحظات الجهاد في سبيل الله، انتظر الموت ولا أجده، رأيت صاحبي فارق الدنيا، وزملائي استشهدوا، وأنا أبحث عن الموت فلا أجده، إنها أسعد لحظات حياتي. وبعضهم يقول لك: إنها لحظة بكاء، دمعت فيها عيني في بيتٍ من بيوت الله، ليس فيه أحد وأنا أقرأ كلام الله.

стр. 1072

غلام يبحث عن السعادة اسمع يا عبد الله إلى هذا الغلام كيف بحث عن السعادة؟ قام شيخٌ كبيرٌ في المسجد يحث الناس على الجهاد في سبيل الله، وكان الوقت وقت حرب دخل النصارى فيه على المسلمين، وغزو بلادهم، فقام الشيخ يَحثُّ الناس على الجهاد، فخرج وجاء وقت الاستعداد للجهاد، فجاء الشيخ وركب الفرس، فنادته امرأة: أيها الشيخ! فالتفت إليها وولى ولم يجبها، فنادته وقالت: أيها الشيخ! أسألك بالله أن تجيبني؟ فقال لها: ماذا تريدين يا أمة الله؟ قالت: أيها الشيخ! سمعت خطبتك في المسجد وأردت أن أُجاهد في سبيل الله ولم أجد إلا هذا الظرف فخذه يا شيخ! واجعله رباطاً لك في سبيل الله. يقول الشيخ: فأخذت الظرف ففتحته! أتعرف ماذا وجد فيه؟ وجد فيه ظفيرتيها -شعر تلك المرأة- قصت شعرها لتجاهد به في سبيل الله، وقالت له: أسألك بالله أن تجعله رباطاً لخيلك في سبيل الله، ليس عندي ما أجاهد به في سبيل الله إلا هو، فأخذ الشيخ تلك الظفيرتين، وربط بها فرسه وهو يتعجب من أمرها، وذهب للجهاد فإذا به يُنادى فالتفت! فإذا بغلامٍ صغير يناديه، فيقول له: يا شيخ! فقال له: ماذا تريد أيها الغلام؟ قال: أسألك بالله أن تحملني معك على فرسك في سبيل الله، قال: يا غلام! إن الله قد وضع عنك الجهاد في سبيل الله، وأنت صغير ولست بمكلف. فقال: أسألك بالله أن تحملني معك على فرسك، قال: لا. قال: أسألك بالله. قال: أحملك معي بشرطٍ واحد؟ قال: وما هو الشرط؟ قال: أحملك معي بشرط أنك إذا قُتِلتَ في سبيل الله واستشهدت وبعثك الله عنده يوم القيامة أن تشفع لي عند الله. قال: لك ذلك أيها الشيخ. يقول: فحملته وأردفته معي على خيلي وهو غلام صغير، يقول: فإذا بنا ندخل المعركة، وحمي الوطيس فإذا بالغلام يضرب كتفي ويقول لي: يا شيخ! فقلت له: ما تريد؟ قال: أعطني ثلاثة أسهم، قال: اجعلها لغيرك يا غلام، قال: أعطني ثلاثة أسهم، يقول: فأعطيته تلك الثلاثة، يقول: فإذا به يأخذ السهم الأول، وهو يقول: بسم الله! فإذا به يصيب نصرانياً رومياً ويسقط من ذلك السهم. قلت: الله أكبر! غلام ولكنه مستعدٌ للجهاد في سبيل الله، يقول: فأخذ السهم الثاني! فإذا به يقول: بسم الله ورمى به رومياً آخر، يقول: فقال بالثالث: بسم الله! وأصاب به ثالثاً، يقول: فتعجبت من أمره! يقول: وبعد لحظات نظرت إليه فإذا به قد أصيب، أصابه سهمٌ طائش، يقول: وسقط من على الفرس، يقول: ونزلت أمسح الدم من عليه فكلمته وقلت له وهو يحتضر ويفارق الدنيا: يا غلام! أذكرك العهد الذي بيني وبينك أن تشفع لي عند الله يوم القيامة، فقال لي: يا شيخ! خذ هذه الخرقة وأعطها لأمي، فقال له: يا بني! وكيف أعرف أمك؟ فقال الغلام: يا شيخ! أمي صاحبة الظفيرتين ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٣٤] يقول: فمات فبكيت، يقول: فانتصرنا في تلك المعركة. قال الشيخ: فأخذت الخرقة ورجعت إلى المدينة، فطرقت الباب! فإذا بأخته تخرج، فقالت: ما شأنك؟ قال: أبشرك. قالت: وما ذاك؟ قال: أبشركم بموت ابنكم، فقالت: الله أكبر! وخرجت الأم وهي تكبر، وتقول: مات أبوه فاحتسبناه عند الله، ثم مات أخوه الكبير فاحتسبناه عند الله، والآن يموت هذا الغلام الصغير فنحتسبه عند الله جلَّ وعلا. أرأيت يا عبد الله؟ ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠] لعلك تتعجب! لِمَ لَمْ ينم الأولون؟ ولمَ سهر الأولون؟ ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨] كانوا ينتظرون يوماً كان مقداره خمسين ألف سنة.

стр. 1073

بحث السلف عن السعادة يقول كعب الأحبار: عينٌ في النار يغمس فيها الرجل غمسة واحدة فيخرج وقد انفصل الجلد واللحم عن الجسم، لم يبق إلا العظام وهو حي أحشاؤه وعظامه، أما لحمه وجلده قد انفصل عن العظم، يقول: ويتعلق جلده ولحمه بكعبه، ويمشي يجر جلده ولحمه ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً * إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾ [النبأ:٢٤ - ٢٥] أرأيت لماذا ضحوا بأنفسهم؟ أرأيت! لماذا كان الواحد لا ينام الليل؟ أعلمت لماذا كان الواحد منهم لا يُفارق كتاب الله؟ كان إذا قرأ دمعت عينه. ألم تعلم أن عمر كان إذا صلَّى سمع نشيجه من وراء الصفوف، أما أبو بكر فكان لا يستطيع الصلاة إذا صلَّى بالناس، أول ما يبدأ بالفاتحة بكى، علمت لمَ كان عثمان لم يرفع رأسه عن القرآن حتى قُتِلَ وهو يقرأ في المصحف؟ حتى سال الدم على المصحف، فبكت زوجته وهي تقول: قتلتموه وإنه ليحي الليل بالقرآن ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٩] أمام التلفاز يدخن يلعب بالورق يتحدث في الأحاديث الباطلة اللاغية، أم ماذا يفعل؟ ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ [الزمر:٩] يحذر الآخرة، يخاف من يوم القيامة. يقول ابن عباس: يجمع بين رأسه ورجله في النار. تخيل!! كيف يجمع بين الرأس والرجل؟ يقول: يُكسر كما يكسر الحطب فيلقى في التنور. أرأيت كيف تكسر الحطب لتلقي في النار؟ هكذا يُكسر يوم القيامة ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:٤١] النواصي -الرءوس- والأقدام يكسر ثم يُلقى في النار ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] يتمنون الهلاك! يتمنون الموت؛ ولكن ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٧ - ٧٨].

стр. 1074

رسائل وتوجيهات لرجل الأمن أخي الكريم! قبل أن أختم هذه الموعظة وهذا الحديث هذه رسائل أوجهها خاصة لك: رجل الأمن: احفظها واجعلها نبراساً لك في حياتك الدنيا: إن وظيفتك عظيمة، وغايتك في الدنيا سامية، ومهمتك صعبة، أن تحفظ الأمن للناس، إن هذا العمل عظيم وصعب؛ ولكن أجره عند الله عظيم إن أخلصت النية، أوجه لك هذه النصيحة فاحفظها، وهذه الرسائل فعها يا عبد الله! أولها: إنما أنت عبدٌ لله! ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٤] كل من في السماوات والأرض يأتي لربه جلَّ وعلا يوم القيامة عبد ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فأنت قبل أن تكون ما تكون أنت عبدٌ لله جلَّ وعلا، تسمع وتطيع لله ﵎، ولا تقدم على أوامر الله أحداً، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:١]. عبد الله: إن من الناس من يدخل جهنم، فيتقلب فيها كالسمك، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦] فاحرص على طاعة الله، ومن طاعة الله: الحرص على الصلوات الخمس، خمس فرائض لله ﵎: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. هذا رجلٌ ماتت أخته في الزمن القديم، فحملها ليدفنها، فإذا به أثناء دفنها سقطت محفظة نقوده، أراد أخذها فنسي، فدفن أخته ورجع إلى البيت، فحلَّ الليل، فرجع مرة أخرى إلى أخته في الليل لينبش القبر ويخرج نقوده، فإذا به في الليل لوحده في القبر، يحفر القبر فلمَّا وصل إلى جثة أخته، إذا به يجد جثتها تحترق، فردم القبر وأسرع إلى بيته، فدخل وسأل أمه! فقال: يا أُماه! أخبريني عن حال أختي، قالت: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أخبريني عن حالها فإني رأيت قبرها يشتعل عليها ناراً، قالت: لم يكن بأختك أمرٌ أكرهه إلا أنها كانت تُؤِّخر الصلاة عن وقتها، تصلي لكن تؤخر الصلاة عن وقتها. والمفرط متى يصلي الفجر؟ بعد ما تطلع الشمس. متى يصلي العصر؟ لما تصفَّر الشمس. متى يتذكر المغرب؟ إذا أذن العشاء ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩]. احرص -يا عبد الله- ألا يدخل في هذه الأذن إلا ما أحلَّ الله ﵎، ولا تنظر بهذه العين إلا إلى ما أحل الله جلَّ وعلا، ولا تتكلم بلسانك إلا بما يرضي الرب جلَّ وعلا قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥] سوف يأتي يوم من الأيام هذه اليد تتكلم، والجلود -يا عبد الله- تنطق، تنطق بمن لمس هذا الجلد. أسمعت بذلك الرجل لأول مرة في حياته! ذهب إلى إحدى البلاد ليفعل بعض الأفعال التي حرمها الله جلَّ وعلا؟ لم يُجرِّب هذا الفعل في حياته أبداً لأول مرة، ذهب وعاشر امرأةً بالحرام، وبعد أيام نظر إلى جسمه فإذا به قد تغيَّر، لكنه تحمَّل، ولم يرد أن يذهب إلى الطبيب، فطالت به الشهور وخشي أن يرجع إلى بلده وبه هذا المرض، لكنه لم يتحمل هذا المرض ولم يذهب مع هذا إلى الطبيب، فظل شهوراً طويلة ثم ذهب إلى الطبيب وقد أنهكه المرض، فإذا به في غرفةٍ رمي بها وحيداً فريداً غريباً، قال له الطبيب: هل فعلت شيئاً؟ قال: لا. هل عاشرت امرأة؟ قال: لا. قال: لا بد أنك فعلت شيئاً. قال: أبداً يخاف الفضيحة والعار، فلما اقتربت ساعة وفاته وعلم أنه سوف يُفارق الدنيا، قال للطبيب: نعم! عاشرت امرأةً بالحرام، فإذا بالطبيب يتركه ويُسلِّم أمره إلى خالقه جلَّ وعلا، وما هي إلا أيامٌ تعذب بها ثم فارق الحياة الدنيا. عبد الله! أي حياة تلك الحياة؟!

стр. 1075

ملازمة طاعة الله أولاً: عليك بطاعة الله، لا تقدم على الله ﵎ أحداً، يقول الله جلَّ وعلا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] إذا سمعت فأطع ربك جلَّ وعلا، ولا تقدم على أمر الله أحداً.

стр. 1076

تجنب الظلم الأمر الثاني: يا عبد الله! في حياتك الدنيا إياك والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة إياك أن تظلم إنساناً، ولو بكلمة، أو لو بضربة، أو باتهام، أو بأي أمرٍ كان (فالمفلس يوم القيامة من يأتِ بصلاة وصيام ولكنه شتم هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته، أخذت من سيئاته ثم طُرِحت عليهم، ثم طُرِحَ في النار) ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢]. لا تقل: هذا من جنسية كذا، وهذا إنسان حقير، وهذا إنسان ضعيف فتظلمه! فالله جلَّ وعلا لا يظلم أحداً، ويوم القيامة يأتِ الظالم السمين العظيم لا يزن عند الله جناح بعوضة، يطؤه الناس بأقدامهم؛ لأنه ظلم ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢]. عبد الله: هذه نصيحة وموعظة، أطلب منك طلباً قبل أن أختم الحديث، قبل أن تضع رأسك على الفراش، أو وأنت تنتظر ساعة النوم، أن تُفكِّر في هذه الكلمات، واجعل هذه الليلة آخر ليلة في حياتك: تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جنَّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجر فكم من صحيحٍ مات من غير علة وكم من سقيمٍ عاش حيناً من الدهرِ وكم من صغارٍ يرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر وكم من عروسٍ زينوها لزوجها وقد نُسجت أكفانها وهي لا تدري وأحسن منه قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥]. واجعل هذه الليلة بداية حياة جديدة لك بينك وبين الله الميلاد الجديد، اجعل هذه الليلة صفحة جديدة بينك وبين الله، وقل من قلبك صادقاً: يا رب! ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] قلها صادقة: يا رب! تبت إليك، قلها وأخرجها من قلبك: يا رب! لا عودة إلى الذنوب والمعاصي، يا رب! من هذه الليلة سوف أحرص على خمسٍ في اليوم والليلة، لن أفارق بيت الله، لن أهجر القرآن، يا رب! لساني بإذنك لن يتلفظ إلا بما أحلَّ الله، فإن زللت وإن غفلت فارجع إلى الرب جلَّ وعلا، فإنه يقول عن نفسه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢] هذا وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 1077

وقفة محاسبة محاسبة النفس نتيجة طبيعية لإدراك حقيقة الدنيا، وحقيقة الآخرة. ومن أدرك هذه الحقيقة لا يفتأ يستعد في كل حال للقاء ربه، فيقبل بجوارحه ولبه، على إصلاح جسمه وقلبه، ويزهد في الدنيا الفانية، ليثقل وزنه في الآخرة الباقية، ويتفكر في الموت، ويمعن النظر في لقاء الله، فلا يملك بعد ذلك أن يعصيه. وهنا وقفات في فضل الطاعة والتوبة، وخطر المعصية والتسويف، وصور ناصعة من حياة أهل الله من السلف الصالح.

стр. 1078

الاستعداد الدائم للقاء الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فالعنوان وقفة محاسبة. أيها الأخ الكريم! قبل أن أدخل في الموضوع، حاول أن تعيش معي هذه الآية، وأن تترجمها في حياتك العملية، ثم لنجعلها مدخلاً لحديثنا، وهي قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨] هل أنت من الذين آمنوا؟ إذن فأرخ لها سمعك: (اتقوا الله) فاجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، ثم بعدها انظر ماذا قدمْتَ لغد. أيُّ غد يا عبد الله؟ الغد قريب ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً﴾ [المعارج:٦] * ﴿وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ [المعارج:٧] قريب يا عبد الله، ربما تكون هذه الليلة هي الأخيرة، وربما لن ترى الفجر، وربما لن ترى الشمس تشرق عليك بعد هذه الليلة، وما يدريك ربما لن ترجع إلى أهلك بعد هذه اللحظات، بل ربما لن تسمع حديثي إلى النهاية، وما يدريك، هي أقرب من لمح البصر، بل يا عبد الله الأمر يأتي بغتة وفجأة. هذا رجل خرج من بيته، فقال لأهله: ماذا تريدون وماذا تطلبون؟ قالوا: نريد كذا وكذا، فإذا به يذهب، وبعد قليل يصل اتصال إلى أهل البيت: أهذا بيت فلان بن فلان؟ قالوا: نعم، قالوا: إن أباكم أو ابنكم أو زوجكم ينتظركم في المستشفى الفلاني، أسرعوا! فإذا هو قد فارق الدنيا، مسكين كان يظن أنه سوف يرجع إلى البيت. وهذا الذي بنى البيت ولما يؤثثه، انتظر متى يؤثث البيت وكان يحلم ويخطط، وكان يتأمل ولكن الأجل أقرب. وهذا الذي كان يدرس، ينتظر الشهادة أربع سنين، ولما ذهب ليستلم الشهادة، فإذا هو بحادث يفارق به الحياة الدنيا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨]. أيها الأخ الكريم: اجعل نفسك أمام الله جل وعلا وكأن الله يحاسبك، وكأن ميزان الأعمال قد نصب، وكأن الكتاب قد وضع أمامك: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَة﴾ [الكهف:٤٩] نظرة، كلمة، زلة، أغنية استمعت إليها، كلها مكتوبة، أف للوالدين، ترك للصلاة، غيبة، نميمة، ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩].

стр. 1079

الموانع التي تشغل الإنسان عن محاسبة نفسه مما يمنع الناس عن رؤية هذه الحقيقة أمور:

стр. 1080

الدنيا ومتاعها أولها: الدنيا. وانظر إلى تكالب الناس على الدنيا، يمر النبي ﷺ على تيس، أو جدي أسك ميتاً -أسك: أي مقطوع الأذن- يمر عليه فيقول للناس: من يشتري هذا بدرهم؟ فيقولون: يا رسول الله! جيفة نتنة، لو كان حياً ما اشتراه أحدنا بدرهم أو درهمين، كيف وهو جيفة ميتة، فقال النبي ﷺ : (للدنيا أهون عند الله من هذا عند أحدكم). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣] تصدنا الدنيا عن ذكر الآخرة، كان سفيان الثوري في المسجد، فقال لصاحبه: ائتني بالماء، يقول: فجئت له بإناء فيه ماء يقول: فوضع يده اليمنى على خده الأيمن، ووضع يده اليسرى على خده الأيسر، وأخذ ينظر إلى الماء، قال: فذهبت ونمت أول الليل، فاستيقظت على الفجر، يقول: فجئته بعد صلاة الفجر، فإذا هو على هذه الحالة، يده اليمنى على خده الأيمن واليسرى على خده الأيسر وهو في المسجد، فقلت له: يرحمك الله، ما زلت على هذه الحالة منذ أن فارقتك، قال: لا زلت أتفكر في أمر الآخرة. ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور:٣٦] * ﴿رِجَالٌ﴾ [النور:٣٧] الآن بعد صلاة العصر من يجلس إلى المغرب في المسجد من الناس؟ كان عبد الله بن المبارك بعد العصر لا يكلم أحداً، يجلس في المجلس يذكر الله حتى تطلع الشمس، من منا يفعلها ولو مرة في الأسبوع، ولو كان يوم جمعة؟! ومن الذي يشغلنا؟ إنها الدنيا ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧] تعرف ما الذي جعلهم في المساجد بعد الفجر وبعد العصر؟ ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧]. الإمام أبو حنيفة يقوم الليل كله بآية، يرددها ويبكي طول الليل إلى الفجر، تعرف ما هذه الآية؟ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧]. إنها الدنيا يا عباد الله! حتى أنه قال يوماً لأصحابه ﵊: (ما لي وللدنيا! ما لي وللدنيا! ما أنا في الدنيا إلا كراكب، استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها) قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف:٤٦]. الدنيا تتزين لك بصورة امرأة، وبيع وشراء، ومجالس لشرب الشاهي والقهوة إلى منتصف الليل، ثم لا صلاة فجر ولا قيام ليل، هذه هي الدنيا يا عبد الله! الدنيا أسهم، وربا، وأموال، وتجارات، هذه هي الدنيا. يقول أبو أيوب الأنصاري ﵁: [جاهدنا مع رسول الله ﵊ حتى فتح الله علينا، يقول: فقلنا بيننا وبين أنفسنا بعد أن فتح الله للمسلمين: لو التفتنا إلى ضياعنا ومزارعنا فأصلحنا ما فيها]. تركوا المزارع، والضياع، تركوا البيوت، وجاهدوا في سبيل الله، فلما نصر الله دينه، قالوا: لو التفتنا إلى مزارعنا فأصلحنا ما فيها، لا تنس نصيبك من الدنيا، فإذا بالرب جل وعلا ينزل قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] أرأيت كيف صدتنا هذه الدنيا؟ فحاسب نفسك كيف تقضي وقتك، كم للدنيا وكم لله جل وعلا. هذا الإمام أحمد ثماني عشرة سنة يلبس حذاءً واحداً، كلما تقطع النعل خصفه بيده، يرقعه بيديه ﵁ ورحمه الله؛ دخل عليه ابنه عبد الله يوماً، فرآه في غرفة مظلمة متربع، مستقبل القبلة يبكي، فقال له: يا أبي! ما لك يرحمك الله؟ قال: أتفكر في أمر الآخرة، فقال له ابنه: يا أبي هلا اتكأت على الحائط، أنت رجل كبير متعب، اتكئ على الحائط قال: أستحي أن أناجي ربي وأنا متكئ. ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٧] عبد الله! سل نفسك ما الذي غرك؟ يقول: (للدنيا أهون عند الله من هذا عند أحدكم) وقال: (لو كانت هذه الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء).

стр. 1081

نسيان المصير ومما يلهينا: نسيان الموت والمصير. هل تفكرت يوماً في مصيرك يا عبد الله؟! لو كنت طريح الفراش، سل نفسك؛ لربما تكون هذه حالتك، وسوف أروي لك حالة يمر بها أكثر الناس بل كلهم، هذا رجل على الفراش، أحس بأمر غريب، رأى شيئاً عند ظهره أو عند رأسه جالساً، قال له: من أنت؟ فقال: أنا ملك الموت، أنا ملك الموت، قال: ما الذي جاء بك؟! قال: جئت لأنتزع الروح -لأقبض الأمانة- فقال له: انتظر قليلاً، قال: ولم؟ قال: انتظر عندي بعض الذنوب، عندي أفلام أريد أن أحرقها، وعندي أموال ربوية سوف أتصدق بها، انتظر قليلاً ما صليت الفجر اليوم، انتظر قليلاً لم أغتسل من جنابة، انتظر لقد اغتبت أناساً وأخذت أموالهم وظلمتهم ولم أتحلل منهم، انتظرني قليلاً قال: كلا. فإذا بالروح تنزع، وإذا بمن دخل عليه يصيح؛ دخلت أمه تبكي ودخل أبوه، ودخلت زوجته، ينظر إليهم لا يستطيع أن يرد على أحدهم. البنت الصغيرة انطرحت على صدره تقول له: يا أبي ما لك لا تجيب؟! الولد يقول له: يا أبي ألم تعدنا بالسفر؟! ألم تعدني بتلك السيارة، وبهذه اللعبة؟! يا أبي ما لك لا تجيب؟! ينظر إلى زوجته الثكلى، تقول له: يا فلان لمن تتركنا؟ والأب قد جاء بالطبيب، والأم تنوح، وينظر إليهم ولكن: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٧] فجاء الطبيب يحاول علاجه ولكن: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة:٢٨] فراق البيت والأثاث، أم فراق الأولاد والبنات، لمن تتركهم يا عبد الله؟! فراق القصور، والسيارات، والشهادة، والمنصب، والأرصدة، والزوجة، والوالد، والوالدة: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة:٢٨] فإذا به بعد لحظات يغسل، ثم يوضع في الكفن ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٩] ثم حمل على الأعناق؛ إن كان فاجراً يصيح: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يا ويلها أين تذهبون بها؟ ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٣٠] ثم وضع في القبر فيا ويله! ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣١ - ٣٢] يا ويله ما صلى الفجر، ولا صلى العصر، ولا حافظ على الدين. يا ويله! خرج إلى حفرة ولا زال يترك بعض المعاصي والذنوب! يقول عند الوفاة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] يقول: يا رب لحظة، يا رب ليلة واحدة فقط، تظنه لو رجع يقبل أولاده، أو يعاشر زوجته، أو يسكن قصره، أو ينفق أمواله، لا ورب العزة، يريد أن يرجع لأجل شيء واحد ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]. فإن لم يكن هو، فكن أنت يا عبد الله، والله يريد أن يرجع فلا يرفع رأسه عن السجود، ولا يقطع لسانه عن ذكر الله، يريد أن يرجع فيبكي الدم وليست الدموع توبة من تلك المعاصي والذنوب ولكن: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] كان في الدنيا كثيراً ما يقول: يا رب لن أعود إلى المعصية، أو بعد سماع هذه الكلمات يقول: وعزتك وجلالك لأحفظن على الفجر، وأقوم الليل، وأعتزل الفجور والمنكرات، فإذا به بعد يوم أو يومين يرجع كما كان، كلمة هو قائلها. أصيب بمرض، فقال: يا رب! لئن شفيتني من هذا المرض والله لأتوبن ولأنبيبن إليك، وبعد أيام لما شفاه الله رجع كما كان، كلمة هو قائلها؛ كذاب: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]. أسألك بالله أن تذهب إلى المقبرة، لست على موعد، ولا تقصد فقط اتباع الجنازة، اذهب لوحدك، واجلس عند القبور واسأل أهلها، وانظر هل يجيبوك؟ أين جمال وجوههم، وكيف صنعت بها الديدان؟ أين قوة أجسادهم، وكيف فعلت بهم الأرض؟ يا عبد الله! سلهم: أين الملوك؟ أين العظماء؟ أين أهل القصور؟ أين أهل الأموال؟ أين أهل النساء؟ ماذا فعلوا في القبور؟ عبد الله سلهم واجلس عندهم، هل يجيبك أحد؟ أتيت القبور فناديتها أين المعظم والمحتقر تفانوا جميعاً فما مخبر وماتوا جميعاً ومات الخبر فيا سائلي عن أناس مضوا أما لك فيمن مضى معتبر

стр. 1082

التسويف وطول الأمل لا تقل آخر مرة أفعل هذه المعصية، وما يدريك لعلها اللحظة الأخيرة، لعل ملك الموت ينتظر الآن، أول ما تقرب عند هذه المعصية يهجم عليك، هذا الرجل كان صالحاً، وكان مع الصالحين، وكان يحضر مثل هذه المجالس، غرته الدنيا، وسول له الشيطان، فإذا به يترك الصالحين إلى قوم فجرة فسقة، مرت الأيام ودارت، ولا زال يحافظ على الصلاة ولكن يفعل بعض المعاصي، قال له الفجرة الفسقة: نريد أن نسافر إلى بلاد كذا وكذا، قال: أعوذ بالله، قالوا: تمتع معنا، قال: معاذ الله، فصمموا عليه فأجابهم، وسافر معهم إلى بلاد الخنا والزنا، جلس معهم في الغرفة، كل ليلة يذهبون إلى المعاصي ولا يذهب معهم، يخاف الله، لا زال فيه شيء من الإيمان، كل ليلة يحاولون به ولكن لا فائدة، الرجل لا زال متمسكاً بشيء من دينه، جاءوا إليه بعاهرة داعرة، قالوا: لا بد أن ندخله معنا فيما نحن فيه، فإذا بهم يفتحون عليه الباب وكان لوحده في الليل، وأدخلوا عليه العاهرة، وأقفلوا عليه الباب، فلا زالت تراوده ويردها، وتحاول به فيصدها، ولا زالت به حتى وقع عليها، فلما وقع عليها قبض الله روحه ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٤ - ٤٥]. لعلك تقوم لصلاة الفجر، ثم ترجع وتنام، لكنها النومة الأخيرة، فكيف تلقى الله جل وعلا؟ تركت الصلاة، نمت عن صلاة الفجر يا عبد الله، لعلك تقول: هي آخر مرة سوف أكلمها وأجلس وأختلي معها، ثم أتوب إلى الله جل وعلا، يختلي فإذا به يفارق الدنيا، سافر لأول مرة في حياته، ليفعل الزنا في بلاد يظن أنه لن يراه بها أحد، دخل إلى الغرفة، أغلق الباب مع مومسة فاجرة، كان يعاشرها بالحرام، فإذا بالفندق يحترق، وإذا به لا يكتشف إلا في نهاية الأمر أن الفندق يحترق، فتح الباب ليهرب لكن القدر والأجل كان أقرب، جثة متفحمة، رأيت خاتمته يا عبد الله، لا تقل: المرة الأخيرة، ولا تقل: إن شاء الله هذه آخر مرة، انتبه يا عبد الله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥] بشرط ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].

стр. 1083

من قصص الصابرين على الطاعة عبد الله: ثباتك على دينك إلى أن تموت واجب، ليست القضية يوماً أو يومين، اليوم أصلي وغداً لا أصلي، اليوم أنا صالح وغداً مع الفجرة الفسقة وهكذا إلى أن تموت.

стр. 1084

ماشطة بنت فرعون مر النبي ﷺ في المعراج على رائحة طيبة، فقال لجبريل: ما هذه الرائحة الطيبة؟ قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون اسمع إلى خبرها ونبئها، فنبؤها عجيب، وخبرها عظيم، قال: رائحة ماشطة بنت فرعون فرعون الذي كان يجمع الناس والحاشية والوزراء، ثم ينادي فيهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] بحثت لكم في الأرض ما وجدت لكم آلهة إلا أنا، وكان يتهكم موسى، يقول لـ هامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧] أريد أن أنظر إلى هذا الإله المزعوم، انظر كيف التهكم والاستهزاء. فرعون الجبار الذي يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]. هذه امرأة خادمة عند ابنته، آمنت فكتمت إيمانها خوفاً على أولادها الصغار، وفي يوم من الأيام كانت تمشط لبنت فرعون، فسقط المشط، أخذت المشط فزل اللسان، فقالت: باسم الله، فسمعتها البنت، قالت: تقصدين أبي؟ قالت: لا. طغى الإيمان وطفح، نسيت العذاب والقتل، ونسيت أولادها، قالت: بل ربي وربك ورب أبيك الله رب العالمين، قالت: سأخبر أبي. وأبوها هو صاحب السيف، سفاك الدماء، الشوارع تسيل من دماء الذين قتلهم ظلماً، قالت: أخبريه، ولم تبال بأولادها ولا بنفسها، دخلت في القصر وعن يمينها وشمالها الجلادون، الجلاوزة، فجاءت إلى فرعون الذي يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] قال: يا فلانة! أولكِ رب غيري؟ قالت: نعم. ربي وربك الله رب العالمين. قال: ما تقولين؟ قالت: ما تسمع، ربي وربك الله رب العالمين، قال: أحضروا أولادها الصغار، تخيل، وكن في موقفها يا عبد الله، والأم أعظم شفقة من الأب، جاءوا بأولادها الرضع يبكون، وأحميت القدور، فجاءوا بالولد الأول، وقالوا: ترجعين؟ كلمة واحدة تقولها تنجي نفسها وأولادها، ولكن اسمع إلى الصبر على الدين والثبات، جيء بالولد الأول فإذا به ينزل في القدر، وهو حي يبكي فيدخل، فينفصل اللحم عن العظم، حتى تقطع لحمه وعظمه في القدر ومات، والأم تنظر ولم ترجع عن دينها شبراً، جيء بالولد الآخر وأحرق وهو يبكي، وتخيل ذلك المنظر وهو ينادي أمه، يا أماه! يا أماه! تظن الولد ينظر إلى أمه ولا يستنجد بها، والمسكينة يعتصر قلبها على أولادها، ولد تلو الآخر، انفصلت عظامهم عن لحومهم، ثم جيء بها إلى ذلك القدر، دورها الآن، فقالت لفرعون: لي إليك حاجة. ظن الطاغية أنها سوف ترجع، ففرح، قال: ماذا تريدين؟ قالت أسألك إذا أحرقتني أن تجمع عظامي وعظام أولادي في كفن واحد، وتدفننا جميعاً، قال: ذلك لك من الحق علينا، ثم رميت في القدر، فشم أفضل الخلق ﵊ رائحتها في السماء في المعراج. ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج:٤ - ٧]. لمَ كل هذا؟ لمَ حرق الناس؟ لمَ قتلهم؟ لمَ صلبهم؟ لمَ طردهم؟ حتى قال أفضل الخلق: (أومخرجي هم؟ قيل: ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي). ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨]. عبد الله: يصبرون على دينهم بقتل أولادهم، أنت على ماذا تصبر يا عبد الله؟ الواحد يقاوم نفسه ويجاهد نفسه لصلاة الفجر، نسأل الله العافية، الصديق الآن والتقي الذي يصلي الفجر في جماعة، وكانوا لا يعدون الذي لا يصلي الفجر في جماعة شيئاً، كانوا يلومون الذي لا يقوم الليل، أما الفجر فصلاته معتادة عندهم، وكان الذي لا يصلي فقط هم المنافقون، الآن يقاوم نفسه على صلاة العصر، الآن يجاهد نفسه لترك تلك الفتاة، أو لهجر ذلك المسلسل، أو لترك تلك المباريات، وهذه الأفلام والمسلسلات، يقاوم نفسه لحضور مجلس علم وذكر، انظر الفرق بيننا وبينهم.

стр. 1085

أم المؤمنين عائشة ﵂ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨] انظر يا عبد الله إلى السابقين، عائشة ﵂، يدخل عليها عروة ﵁، يقول: دخلت عليها وهي تصلي وتقرأ قول الله جل وعلا: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] الصديقة بنت الصديق، تقرأ هذه الآية وتبكي، يقول: فطال عليّ المقام، يريد أن يسلم عليها، يقول: فذهبت إلى السوق وقضيت حاجتي، ثم رجعت إلى بيتها، فوجدتها تقرأ الآية نفسها وتردد وتبكي: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧]. ولهذا دخل عليهم أفضل الخلق ﵊ يوماً وهم يضحكون، والضحك حلال ويحق لهم أن يضحكوا، قال: (لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً). فأين البكاء؟

стр. 1086

قصص أخرى للمحاسبة ثابت البناني، لشدة بكائه كادت عيناه أن تذهبا، كاد يصاب بالعمى، فجاءوا له بالطبيب، فقال له الطبيب: أعالجك بشرط واحد، قال: وما هو؟ قال: ألا تبكي، إن كنت تريد عينك فلا تبك، قال: وما خيرهما إن لم تبكيا. يقرأ ابن مسعود على النبي ﷺ القرآن يقول: فإذا به يقول لي: حسبك! يقول: فنظرت فإذا عيناه تذرفان، وذلك في آية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١]. عمر بن عبد العزيز، تقول فاطمة: قرأ قول الله في صلاة الليل: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة:١ - ٥] تقول: شهق شهقة حتى سقط على الأرض يبكي، تقول: فظننته مات، تقول: فقام مرة ثانية، وأخذ يجول في الدار، وهو يردد ويقول: يا ويلي من يوم يكون الناس فيه كالفراش المبثوث، ويلي من يوم يكون الناس فيه كالفراش المبثوث!

стр. 1087

وقفة محاسبة عبد الله: هؤلاء الزهاد العباد، وهذا قولهم، فما قولنا يا عبد الله؟! لم هذه الغفلة؟ إنها النظرة، إنها الكلمة، إنه المجلس الذي نستمع فيه إلى الغيبة والنميمة، إنه يا عبد الله الذنب على الذنب على ذلك القلب حتى صار كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] النكتة بعد الأخرى، حتى صار القلب أسود، وصار لا يفقه، وصار بينه وبين ذكر الله حجاب، وصار كأن في أذنيه وقراً لا يتدبر، حتى أن بعض الناس يشتكي يقول: والله أفكر في المعصية في السجود (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) فأي غفلة؟! وأي ملهيات أوصلتنا إلى هذه الحالة؟! أخي الكريم: جلسة محاسبة، حاسب نفسك، قبل أن يحاسبك الله جل وعلا، وزن هذه النفس، ضع كفة حسنات وكفة سيئات، وانظر أيهما ترجح؛ كفة الحسنات أم كفة السيئات، وإياك إياك أن تلتفت يمنة ويسرة، وتقول: أنا أفضل من غيري، فإن الأولين كانوا يبكون؛ عمر قبل الوفاة قال لابنه عبد الله: يا بني! ضع خدي على الأرض قال: لمََ يا أبي؟ قال: يا بني ضع خدي على الأرض، فأنزله ووضع خده على الأرض، وقال: ويل لأمي إن لم يغفر لي ربي، ويل لأمي إن لم يغفر لي ربي قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠] قلوب خائفة، يصلي ويصوم، ويركع ويسجد ويتصدق، ولكن القلب خائف: ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]. تقول زوجة مسروق: كان يقوم الليل حتى تنتفخ القدمان، فإذا أذن الفجر يزحف كما يزحف البعير، تقول: وأنا أجلس خلفه وأبكي على حاله، هكذا السابقون يا عبد الله! يروى عن عثمان أنه كان يختم القرآن كله في ليلة، لا تقل لي: هذا خلاف السنة، أين نحن من السنة؟ أين نحن من قيام الليل يا عبد الله؟ يختم القرآن كله في ليلة، قتل وهو يقرأ في المصحف، طعن تسع طعنات، حتى سال الدم على المصحف، فقالت زوجته وهي تبكي: قتلتموه وإنه ليحيي الليل بالقرآن، أنزل الله فيه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٩] لا التلفزيون، ولا السهرات، ولا مباريات، بل: ﴿قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً﴾ [الزمر:٩] اشترى الجنة ثلاث مرات، ومع هذا يقوم الليل كله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] هذا هو العلم النافع الذي يؤدي بك إلى قيام الليل، وصيام النهار، وقراءة القرآن، وذكر الله: ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] يوجل القلب ويخاف ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]. أخي الكريم: هذه وقفة في طريق العمر، ولعلنا نلتقي وإياك عند الله جل وعلا، وما يدريك، فلعلنا نكون تحت عرشه يوم القيامة، ولعل الله يظلنا في ظله يوم لا ظِلَّ إلا ظٍلُّه، فتأتيني، فتقول لي: يا فلان، تذكر تلك الجلسة، لقد تغيرت حياتي بعدها، لا ندري، لعلي أقبض بيدك وتقبض بيدي، ونحن ندخل جنة الرحمن، لا ندري لعلنا نكون من أول زمرة تدخل الجنة، لا ندري يا عبد الله؟! لعلك تأتيني يوم القيامة، فتقول لي: هل تذكر ذلك المجلس؟ جزاك الله عني كل خير، فمنه بدأت أترك المعاصي، بدأت أقيم الليل، وأصوم بعض الأيام، وأعتكف على كتاب الله، به هجرت تلك المجالس. لعلنا نلتقي عند الله جل وعلا، فذلك هو الفوز الحقيقي، ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1088

ولمن خاف مقام ربه جنتان إن الله أرسل رسوله بالهدى إلى الناس أجمعين، فأنذر الله به المشركين، وحذرهم عقابه وعذابه، وبشر به المؤمنين، ووعدهم جنته ورضوانه. وقد تناول الشيخ حفظه الله في هذه المادة وصف الجنة وما فيها من نعيم دائم للمؤمنين، وبيّن من هم أهلها، والذين يستحقون دخولها، وضرب على ذلك أمثلة من الشباب والرجال المشتاقين إلى الجنة.

стр. 1089

رحلة الأبرار إلى الجنة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: عبد الله! وأنت تجلس في هذا المسجد تخيل أنك قد دخلت الجنة، لأن هذه المجالس هي روضة من رياض الجنة، فلعل الله يجمعنا في مستقر رحمته، في روضة من رياض الجنة. فاسمع -عبد الله- وتخيل، لعل الرجاء يولِّد العمل، ولعل بعد العمل يكون الصبر عليه، ثم الجزاء الجنة. يأتي العبد الصالح التائب إلى الله، إما أن يدخله الجنة بغير حساب، وإما أن يعرض عليه الأعمال عرضاً، ثم يقول له يذكره بالذنوب: عبدي! أتذكر ذنب كذا؟ أتذكر ذنب كذا؟ وقد تاب منها، ثم يقول الله له: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. فيعطى كتابه باليمين فلا يصدق نفسه، فيقدم على الناس يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠] كنت في الدنيا أسجد وأركع وأصلي طلباً للنجاة من ذلك اليوم: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ [الحاقة:١٩] يعني: علمت ﴿أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَةْ﴾ [الحاقة:١٩] ثم يساقون إلى الجنة. ولنبدأ تلك الرحلة وذلك المشهد. عبد الله! تخيل واستشعر أنك في تلك الزمرة!

стр. 1090

سَوق المتقين إلى الجنة ودخولهم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ [الزمر:٧٣] أتعرف أن الجنة تتلألأ من بعيد؟ يخرج منها ريح على مسيرة أربعين سنة، يشمون رائحتها، بل هي تقترب إليهم: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء:٩٠] فيجتمعون عند أبوابها الثمانية وقد أغلقت، ينتظرون سيدهم يخرج من بينهم ﵊، فيأتي إلى بابها، فيأخذ حلقة من حلقاتها فيطرق الباب، فيسمعه الخادم فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا محمد رسول الله ﷺ ، فيقول الملك والناس يتلهفون، انتظاراً وشوقاً، يقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك، فيفتح بابها، فإنها والله نور يتلألأ، وريحانة تهتز، يرى المؤمنون فإذا بالنبي ﷺ قد دخل، وإذا الأنبياء يدخلون، وإذا أول هذه الأمة دخولاً أبو بكر ﵁، وإذا أول زمرة على صورة القمر يدخلون. أتعرف أن منهم سبعين ألفاً يدخلون الجنة؛ كل واحد قابض على يد أخيه لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم؟ عبد الله! مصراعي باب الجنة مسيرة أربعين سنة، وإنه ليأتي عليه يوم وإنه لكظيظ -مزدحم- بالناس، أسأل الله تعالى في هذا المكان أن نكون ممن يزدحم في ذلك اليوم في الدخول عليه.
следующие страницы →