← Джавами‘

Джавами‘ · id 7717

دروس للشيخ نبيل العوضي

نبيل العوضي

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

إتيان الموت على هيئة كبش فيذبح بين الجنة والنار عبد الله! في ذلك العذاب والحميم والجحيم ينادي منادٍ، يقول لهم: يا أهل النار! يرفعون الرءوس يفرحون يظنون أنهم سوف يخرجون منها يا أهل النار! يرفعون الرءوس، فيقال لهم: تعرفون من هذا؟ فإذا بكبش أملح، يقولون: نعم. إنه الموت نعرفه ورأيناه، فيُذبح بين الجنة والنار، فيقال لأهل النار: خلودٌ فلا موت. عبد الله! تعرف ما معنى خلود فلا موت؟ مليون سنة؟ مليونين؟ عشرة ملايين؟ مائة مليون سنة في هذه النار؟ خلودٌ فلا موت ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].

стр. 142

مكوث وخلود المجرمين في جهنم عبد الله! والله لو كان مصيرهم الموت لكان أعظم نعيم ينادون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] يجيبهم بعد آلاف السنين: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٧ - ٧٨] قرئ عليكم القرآن وذكرتم ووعظتم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨]. عبد الله! الخلود في جهنم، مصير الكفرة الملاحدة، من بينهم تاركو الصلاة (بين الرجل والكفر والشرك ترك الصلاة) ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣] أول جريمة أوردتهم سقر وجهنم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣] ما كنا نصلي مع الناس، وما كنا نحافظ عليها: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣]. عبد الله! هذا مصير صنفٍ من النار، ولعله إن شاء الله سوف يكون بيننا وبينكم في يوم من الأيام الخالية بإذنه جل وعلا إن أبقانا الله وأحيانا يومٌ أحدثكم فيه عن مصير الصالحين مصير أهل الصلاة، وأهل الذكر، وأهل الطهر، وأهل العفاف، الذين هم في الدنيا من أهل السعادة، وفي الآخرة من أهل النعيم، سوف يكون -إن شاء الله- بيننا وبينكم لقاء حتى يتشوق الإنسان إلى مصيرهم، وإلى حياتهم الكريمة السرمدية الأبدية. عبد الله! في الختام أدعوك لأمرٍ واحد أن تبكي هذه العين على تلك الذنوب والمعاصي، أن تفكر ماذا أسلفت؟ وماذا قدمت؟: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨] واعلم -يا عبد الله- أن الموت يأتي بغتة، وأن شروط التوبة ثلاث: أولاً: الندم على ما مضى. ثانياً: العزم على ألا تعود إلى تلك الذنوب والمعاصي. ثالثها: أن تقلع تقطع الصور تحرق تلك الأفلام الخليعة تترك هذه المجالس النتنة تبتعد عن السوء وأهل الفسق والفجور وتلتحق في رفق الصالحين، واعلم -يا عبد الله- أن الله جل وعلا يعينك: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] ومن تاب تاب الله عليه، لعلها دمعة يمسح الله بها جميع الذنوب والمعاصي، وتبدأ بينك وبين الله صفحة جديدة أسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، ويثبت أقدامنا. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 143

الأسئلة

стр. 144

اسم السجن الذي في جهنم السؤال هناك في جهنم سجن وقد أوردت هذا السجن ولكن للأسف ما هي الكلمة، وقد رواه الإمام أحمد في كتاب: الفتن والملاحم لـ ابن كثير؟ الجواب هذا السجن يسمى (سجن بولس) وهو حديث صحيح رواه الإمام أحمد، وذكره الألباني في الصحيحة، وهو أحد السجون في جهنم، ولجهنم أوصاف وأمور فوق الخيال وفوق التصور، ومهما وصفنا وتخيلنا فهو أعظم بكثير جداً، بل لا تستطيع أن تتخيل ناراً أشد من نار الدنيا بسبعين مرة، بل لا تستطيع أن تتخيل النار التي يجرها سبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعين ألف ملك، ما تتخيل ولا تتصور!!

стр. 145

كيفية ذكر الله وأنواع الذكر السؤال وصف الله المؤمنين بالذاكرين، فكيف يكون الذكر أرشدنا جزاك الله خيراً؟ الجواب أما عن الذاكرين الله كثيراً والذاكرات؛ فالذكر أيها الإخوة ثلاثة أصناف: الأول: ذكرٌ باللسان. بعض الناس يذكر بلسانه لكنه لا يستشعر، مثل بعض الناس يذكر الله وهو يمشي، إنا لله وإنا إليه راجعون، لا إله إلا الله، يقولها لكن لا يستشعرها بقلبه، هذه أقل درجات الذكر، يؤجر لكنها أقل درجات الذكر. الذكر الثاني: ذكر القلب، لا ينطق بلسانه لكنه يتذكر ربه دائماً قلبه حي يخاف من الله يرجو الله يستعيذ بالله، لكن لسانه لا يذكر ربه. الثالث: هو أعلى الدرجات، وهو ما واطأ اللسان والقلب، يذكر ربه بلسانه وبقلبه، إذا قال: أستغفر الله، فهي من اللسان ومن القلب. والذكر -يا عبد الله- ليس فقط باللسان، بل حتى بالجوارح، الصلاة ذكر، والصيام ذكر، والزكاة ذكر، والأمر بالمعروف ذكر، وطلب العلم ذكر، كل هذا ذكر يا عبد الله، كلما فعلت من طاعة فهو ذكرٌ لله جل وعلا. وهناك أذكار مقيدة، وأذكار مطلقة، فمن الأذكار المقيدة: أذكار تكون عند مناسبات، مثل: عند دخول البيت، والخروج منه. قبل أيام سمعت عن شاب جاءني والده يقول: دخل -أجلكم الله- الحمام، يقول: فسقط في الحمام وجلس إلى الصباح، يقول: ومن ذلك اليوم -يوم سقط- يبكي ويفزع من النوم، سألت هذا الشاب، وقلت له: لما دخلت -أجلك الله- الحمام هل ذكرت الله أو لم تذكر الله؟ رجل صالح لكن نسي تلك اللحظة أن يذكر الله. باسم الله! اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، الحشوش والحمامات ممتلئة بالشياطين، وبعض الشياطين خبيث يترقب لبعض الناس، خاصة بعض الناس الذين يريد أن يصدهم عن الذكر وعن الصلاة والطاعة، فإذا غفل عن ذكر الله أصابه، وهذا يحدث كما قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٥] يعني: أن بعض الناس يتخبطه الشيطان من المس، وهذا لعله يراه بعض الناس، ما الحصن؟ ذكر الله، إذا دخلت البيت، وقلت: باسم الله؛ انحبس خارج البيت ولا يدخل، فإذا قلت عند العشاء: باسم الله؛ منع عن العشاء والطعام فيجوع، وهذا أمرٌ حقيقة، بل بعض الناس كما قال الله جل وعلا: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾ [الإسراء:٦٤] يجامع زوجته معه -نعوذ بالله- ألا تغار على زوجتك، بعض الناس الشيطان يجامع زوجته معه، وهذا في القرآن موجود، إذاً ما الحصن؟ تذكر الله جل وعلا، تقول: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، هذا حتى عند الجماع، إذاً ذكر الله عند حالات ومناسبات يحصنك من الشيطان. وهناك ذكر مطلق في جميع الأحيان: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا اله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله (كلمتان خفيفتان على اللسان) سهلة -يا أخي- تنتظر الدوام، وأنت في السيارة ذاهب للعمل، وأنت راجع إلى البيت، تنتظر دورك عند مستوصف عند جمعية في أي مكان تنتظر اذكر الله. عبد الله! حرك اللسان (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان) أنت لا تعرف أجرك يا عبد الله عندما تذكرها (حبيبتان إلى الرحمن -ما هي؟ - سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم). سبحان الله العظيم وبحمده، لو قلتها مرة غرست لك نخلة في الجنة، وما من شجرة في الجنة إلا ساقها من ذهب ولا حول ولا قوة إلا بالله، كنز من كنوز الجنة. إذا كانت عندك ذنوب، كل يوم الواحد يذنب، لا يوجد إنسان لا يخطئ ولا يذنب: (من كان -أي: في سيارته في دابته- خالياً بالله وذكره) أي: يذكر الله سواءًَ بشريط قرآن، أو درس، أو محاضرة، أو يذكر الله في السيارة، أتعرف من الذي يجلس عنده؟ أنت لا ترى بعينك، قال النبي ﷺ : (إلا كان ردفه ملك -في السيارة- قال: ومن اختلى بالشيطان وذكره -أي: مثل الغناء والموسيقى والفجور والمعاصي في السيارة- قال: إلا كان ردفه الشيطان) أعاذنا الله وإياكم منه، هذا لو أصيب بحادث هل يذكرك بلا إله إلا الله؟ الإنسان هذا إذا أصيب بحادث صاحبه الملك يذكره بالشهادتين، أما ذاك فيذكره بالفساد والمنكر، إذاً يتعود حتى يكون لسانه رطباً بذكر الله، حتى إذا جاءت منيته أول ما يتذكر لا إله إلا الله (ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة).

стр. 146

تفسير قوله تعالى: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً) السؤال ما معنى قوله تعالى في سورة غافر: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]؟ الجواب هذه الآية استدل بها أهل السنة والجماعة على إثبات عذاب القبر، وعلى وقوع عذاب القبر قبل اليوم الآخر وقبل قيام الساعة، وذكرنا القبر في هذا الدرس من باب أنه بداية اليوم الآخر، وهو أول منازل اليوم الآخر، والله وصف آل فرعون، جاء رجل من آل فرعون يدعوهم إلى الله هذا من آل فرعون قصته عجيبة، اقرأ سورة غافر وتسمى سورة المؤمن، مؤمن آل فرعون، هذه السورة عجيبة جداً فيها قصة عظيمة، هذا الرجل علم أن فرعون وحاشيته ووزراءه سوف يقتلون موسى موسى رجل ضعيف، فيدعو فرعون إلى الله، ذكره في الله، أبى فرعون وتجبر وطغى، وجمع الحاشية، أشار لهم قال: اقتلوه، هذا الرجل من الحاشية والوزراء من البطانة لكنه فيه خير، آمن وكتم إيمانه، ولكن لما سمع أنهم سوف يقتلون موسى ما رضي، إنكار المنكر يصل إلى حد معين بعدها لا نسكت، ذهب بسرعة وفر إلى موسى، يخبره وينذره، وجاء إلى فرعون ومن معه يخبرهم ويذكرهم ويدعوهم إلى الله، قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨] ما ضركم فيه، يدعو ربه ويدعو إلى الله ما ضركم؟! قال: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر:٢٨] أي: إذا كان كاذباً لم يضر إلا نفسه: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر:٢٨] يصيبكم بهذا العذاب الذي يتوعدكم به، اتركوه: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر:٢٩] اليوم لكم القصور والنعيم وهذه القوة والعسكر والجيش لكن: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩] دعاهم إلى الله فأبوا، ذكرهم في الله فقتلوه، أو طردوه فنجاه الله جل وعلا، أتعرف ما الذي حصل بآل فرعون؟ أغرقهم الله في اليم، كان يقول فرعون الجبار الطاغية: هذه الأنهار تجري من تحتي، فأجرى الله الأنهار من فوقه تجري من تحتك يا فرعون؟! اليوم تجني هذه الثمرة تجري الأنهار من فوقك، أغرقه الله ونبذه الله في اليم ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الذاريات:٤٠]. كان فرعون في يوم من الأيام يقول لجيشه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ [غافر:٢٩] اسمعوا: الذي أراه ترونه، والذي أعتقده تعتقدونه، دينكم ديني، الذي أراه هو الدين: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩] أنا أدلكم على الجنة على الخير. على النعيم، يضحك على قومه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤] جاء إلى موسى، أتعرف ماذا قال فرعون في موسى؟ قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر:٢٦] يا ناس! يا شعب! أخاف أن يضيع دينكم هذا: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] أخاف أن يفسد في الأرض، ويثير الفتن في الأرض، سبحان الله! يقول ابن كثير: سبحان الله! صار فرعون خطيباً، صار فرعون يخاف على دين الله، ويخاف على الصلاح، ويخاف الفساد في الأرض، قال: ﴿أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] فجاء الله بهذا الرجل ونجاه الله منهم، ولربما قتلوه فإذا به يغرق، قال الله عن فرعون وحاشيته: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً﴾ [غافر:٤٦] أي: في بداية النهار ﴿وَعَشِيّاً﴾ [غافر:٤٦] في نهاية النهار، مرتين في اليوم، أي: في قبرهم إلى أن تقوم الساعة، تعرض عليهم النار، يحترقون فيها إلى أن تقوم الساعة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] فرعون والحاشية والجنود والعسكر والزمرة كلها التي كفرت بالله، وعارضت شرع الله، وحاربت الأنبياء والرسل كلها معه في نار جهنم: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] هذا هو تفسير الآية. والله أعلم.

стр. 147

الدليل على عذاب القبر من القرآن السؤال أريد دليلاً على عذاب القبر من الكتاب، وإذا قيل له: ذكر في السنة المطهرة لا يقبل إلا بالدليل من الكتاب، فكيف يرد عليه؟ الجواب هذه الآية التي ذكرناها قبل قليل هو قوله جل وعلا: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ [المؤمنون:١٠٠] البرزخ: هو عذاب القبر أو نعيمه، الحياة الذي بين الحياة الدنيا واليوم الآخر، قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠] أي: قبل البعث هناك برزخ. ما هو البرزخ؟ هي حياة بين الدنيا وبين الآخرة فمن أهل الدين ومن أهل الإيمان من يعذب في قبره حتى يتخفف من الذنوب، هو مصلٍ وراكع وساجد لكن عنده ذنوب ومعاصي، يتعذب في قبره حتى يصفيه الله وينقيه قبل اليوم الآخر. إذاً هو موجود في هاتين الآيتين في كتاب الله، وهناك آية أخرى، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال:٥٠] وهذه الآية من أدلة عذاب القبر، وهناك من السنة الأدلة الكثيرة المتواترة الصحيحة كلها عن النبي ﷺ في إثبات عذاب القبر، وهذا لعله يكون فيه من الأدلة واليقين ما تطمئن به قلوب المؤمنين، وتتيقن بصحته. والله أعلم.

стр. 148

الرد على من يعصي الله ويقول: إن الله غفور رحيم السؤال كيف يتوب الإنسان من المعاصي، وإذا كان لا يصلي ويتهاون بالصلاة، وإذا سئل عن ذلك قال: إن الله غفور رحيم؟ الجواب لا حول ولا قوة إلا بالله، إن الله غفور رحيم لأوليائه لعباده الصالحين. أخي الكريم! لعلك تقول: الصالحون لا يحتاجون مغفرة، نقول: إن أفضل الخلق غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يحتاج إلى المغفرة ﵊، الله غفور رحيم لأهل صلاة الفجر لأهل الذكر لأهل الدعوة إلى الله لأهل الصلاح، هؤلاء يحتاجون مغفرة الله، أما للفجار والفساق فهو شديد العقاب، فهو عزيزٌ ذو انتقام، لا تخفى عليه خافية فهو يستدرج كما قال الله : ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٢ - ١٨٣]. عبد الله! إن الصالحين قال الله عنهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠] قالت عائشة: (يا رسول الله! الزناة، شاربو الخمور، السراق، هم الذين يخافون، قلوبهم وجلة -أي: خائفة- قال: لا يا بنة الصديق، هم المصلون، الصائمون، الصالحون، الذين يعملون ويخافون ألا يتقبل منهم) الرجل الصالح يخاف أن الله لا يقبل عمله، والعجيب من الفاجر الذي يأمن مكر الله! قال عبد الله بن مسعود: [المؤمن يرى ذنوبه -المؤمن الصالح إذا أذنب، وكل إنسان يذنب- كأنها جبل يوشك أن يقع على رأسه -كالجبل سوف يقع عليه- والفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا] قد يشرب خمر، قد يترك صلاة، قد يفعل معاصي كبيرة، وكأنه ذبابة وقعت على أنفه فقال بها: هكذا، ولا يبالي، هذه علامة المنافق وتلك علامة المؤمن. عبد الله! نتكلم الآن عن الفسقة، أما عن الذين لا يصلون فحدث ولا حرج، فحديثهم حديث الكفار -نسأل الله العافية- كيف تكون التوبة؟ بالندم والعزم والإقلاع عن هذه الذنوب والمعاصي.

стр. 149

الاحتجاج بالقدر على المعاصي السؤال ما رأيك فيمن نقول له: صل أو تب إلى الله، وهو يقول: إذا هداني الله سأصلي؟ الجواب يقول هذا كما قال المشركون في عهد النبي ﷺ لما دعاهم، قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] إذا أراد الله أن يهديني سيهديني أراد الله لي بالصلاة سوف أصلي، وهذه عقيدة الجبرية؛ وهي عقيدة ضالة ليست من عقائد أهل السنة، لأن أهل السنة كما قال الله جل وعلا فيهم: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً﴾ [محمد:١٧] ابدأ يا عبد الله، ولا تقل: إذا أراد الله أن يهديني اهتديت، أسألك بالله الآن سؤال: أنت لم تأتِ إلى هذا المكان، وتلبس هذا الزي، وتحضر الدوام؟ لماذا؟ لأجل المعاش والراتب، طيب لماذا لا تجلس في البيت وتقول: إذا أراد الله أن يرزقني فسيرزقني؟ تأتي وتتعب وتقوم من نومك مبكراً، وتحضر الدوام؛ تسعى حتى تحصل على الرزق هل إذا جعت جلست في بيتك تنتظر وتقول: إذا أراد الله أن يشبعني يشبعني؟! لا تفعلها، بل تذهب إلى المطبخ، وإلى الثلاجة، وإلى المطعم، وتأكل حتى تشبع، لمَ تبذل السبب؟ لأجل الدنيا، لكن عندما نقول لك: صلِّ؟ تقول: إذا أراد الله أن أصلي صليت! سبحان الله! هنا تعمل لأجل الدنيا؛ ولكن لأجل الآخرة لا تبذل ولا تسعى! قال الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] أنت الذي جنيت على نفسك، ولا تقل: لو أراد الله أن يهديني اهتديت، هذه كلمة كاذبة من ناصية خاطئة. عبد الله! إذا سعيت إلى الهداية وفقك الله، وإذا بذلت أعانك الله، وإذا سعيت فتح الله لك أبواب الجنة، أما أنك تجلس في البيت وتقول: لو أراد الله أن يهديني اهتديت؛ هذا كله ضحك، ولا تخدع إلا نفسك يا عبد الله.

стр. 150

الدقائق الغالية الوقت هو الحياة، والإسلام ينظر إليه على أنه كنز نفيس؛ إذا فات لا يعوض. فالحياة ما هي إلا مجموع الدقائق والثواني، التي تمر على الإنسان، وتنقضي فينقضي هذا الإنسان. والدقائق الغالية تشمل كل دقائق الحياة بلا استثناء. وقد تكلم الشيخ حفظه الله في هذه المادة عن استغلال السلف لأوقاتهم، بذكر نماذج منهم عرفوا قدر الوقت فاجتهدوا في العلم وأتقنوا العمل. كما تضمنت هذه المادة بعض الآداب التي ينبغي لطالب العلم أن يراعيها أثناء الطلب.

стр. 151

ما هي الدقائق الغالية ؟ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: أستسمحكم عذراً عن التأخير؛ حيث أن المنطقة بعيدة، وكلكم يعلم هذا، وهذه الدقائق التي مضت من الدقائق الغالية التي سوف نتكلم عنها. العنوان مبهم يُبْهِم الموضوع، والبعض منكم يدور في باله الآن (الدقائق الغالية) لعلها الدقائق التي قبل الموت. والبعض يظنها دقائق الهداية. والبعض يظنها الدقائق التي يساق فيها الإنسان إلى الجنة. والبعض كذا كل منكم يدور في ذهنه شيء. والحقيقة -أيها الإخوة- أن الدقائق التي سوف أذكرها هي دقائق الحياة كلها، الدقائق التي تمر دقيقة بعد دقيقة هي في الحقيقة غالية؛ ولكن لا نحس بها، ولهذا قال ابن هبيرة: والوقت أنفس ما عنيتَ بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع أما الحياة فهي كلها مركبة من ماذا؟ من دقائق دقيقة بعد دقيقة دقيقة بعد دقيقة، ثم تفنى الحياة، ولهذا قيل: دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان الحياة كلها مركبة من دقائق، والعجب العجاب من شخص لا يبالي بدقيقة تلو دقيقة تلو دقيقة، حتى تفنى الحياة وهو لا يشعر بِها. إذا بُعث الناس عند الله جل وعلا سألهم، فيقول لهم جل وعلا: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢]؟ فيجيب بعضهم فيقولون: ﴿لَبِثْنَا يَوْماً﴾ [الكهف:١٩] يوم واحد. يستدرك البعض فيقولون: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة:٢٥٩] حتى يوماًَ ما عشنا في الدنيا يا رب إنما هي عشية أو ضحاها، ساعات كانت قليلة. يقولون بعدها يؤكدون: ﴿فاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣]. فيقول الله مجيباً لهم: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [المؤمنون:١١٤]. الآن فكر! كم سنة مضت من حياتك؟! عشرون؟! بعضكم خمس عشرة سنة؟! بعضكم ثلاثون سنة؟! كيف مرَّت؟! كلمح البصر، بل هو أقرب، ذهَبَت ووَلَّت كَحُلُم.

стр. 152

الحكمة من الحياة ودقائقها الغالية قال سبحانه: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ [المؤمنون:١١٤ - ١١٥] أتظن -أخي الكريم- أن الله خلق هذه الدنيا كلها؛ السماوات، والأرض، والبحار، والجبال، وخلقك فيها، وجعل لك العينين، والسمع، واللسان، والشفتين، والعقل، واليدين، عبثاً؟! تقول: حتى تركب سيارةً، أو تلعب الكرة وقت اللعب، أو تأكل، وتشرب، وتشبع، أو تنكح وترضي الفرج؟! أتظن أن الحياة لهذا خُلِقَت؟! ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ [المؤمنون:١١٥] فيكون شأننا والحيوانات سواء! إذاً بِمَ ميزنا الله ؟! ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥]. وهنا يأتي السؤال إذا كان الله لم يخلقنا عبثاً، وخلقنا للغاية التي تعرفونها كيف نقضي هذه الحياة؟! بل كيف نعيش فيها؟! وتعجب كل العجب من ملتزم مُلْتَحٍ يعرف ربه وأوامر ربه جل وعلا! يقول: كيف أقضي فراغي؟! سبحان الله! وهو يحفظ قوله جل وعلا: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨] ويسمع حديث رسوله ﵊: (اغتنم خمساً قبل خمس) (لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة)، وقال في الحديث الآخر: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ). ثلاث ساعات في العصر، تسأل شاباً ملتزماً: ماذا فعلت فيها؟ الحمد لله! استغليت الوقت. فيم؟ قرأت القرآن. كم قرأت القرآن؟ نصف ساعة. مغبون وأنت لا تدري، تقول: قرأت القرآن في وقت العصر نصف ساعة، وأضعت ثلاث ساعات، كمن يشتري سلعة بألف دينار ويبيعها بخمسمائة ريال، حصل على خمسمائة؛ لكنه مغبون خاسر، خسر خمسمائة دينار، وهكذا خسر هذا الرجل، (مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ).

стр. 153

أهمية استشعار نعمتي: الصحة والفراغ أنت الآن لا تشعر بالصحة زر أحد مستشفيات يخبر أحد المشايخ عن شاب اسمعوا إلى نعمة الصحة التي لا نشعر بها الآن، يقول هذا الشاب عن نفسه: دخلت على أمي يوماً فقالت لي: يا بني! اذهب بي إلى جارتنا إلى فلانة بالسيارة، قال: لا أستطيع، قالت: يا بني! إن لها علي حقاً، قال: لن أذهب بك -أين طاعة الوالدين؟ - فألحت عليه، فقال لها: بشرط -يشترط على أمه، تباً له- أن آتيك بعد ثلاثين دقيقة بالضبط، وأضرب الهون مرة واحدة، فإن لم تخرجي تركتكِ، قالت: حسناً! انظر إلى الشرط العسير على أمه التي صبرت عليه تسعة أشهر، وأرضعته عامين وتعبت حتى كبر، والآن يشترط عليها ثلاثين دقيقة، يقول: فأتيتها بعد ثلاثين دقيقة، فضرب الهون مرة واحدة، ولم تخرج، فذهب وتركها، وأسرع في الطريق، فلم يمضِ قليلاً إلا وانقلبت به السيارة، الشيخ الذي زاره يقول: رأيته على هذه الحال سنوات، يقول: لا يستطيع أن يحرك في جسمه إلا رأسه فقط، لا يد ولا رجل، سنوات على هذه الحال أصيب بالشلل، عافانا الله وإياكم. ماذا يتمنى هذا الرجل؟ زُر بعضهم، عشر سنوات على ظهره وهو لا يتحرك إنما يُحمل، حتى قضاء الحاجة لا يستطيعها. أخي الكريم! ماذا يتمنى هذا لو خرج لو عوفي؟ يتمنى لو طاف حول البيت يتمنى لو حضر هذه الحلقات يتمنى لو صلى في بيوت الله يتمنى لو حج إلى بيت الله، يتمنى لو جاهد في سبيل الله يتمنى لو أمر بمعروف أو نهى عن منكر يتمنى كل هذا، لكن أنى له؟! (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ). وإليك -أخي الكريم- بعض ما نستغل به أوقاتنا في هذه العطلة، ولعل الواحد منا بعض الأحيان يشتكي لك من كثرة الأعمال، ولو فتَّشْتَ في وقته لرأيتَ الفراغ الكبير، وهو لا يدري، بل جاءني بعض الشباب فقال لي: مشغولٌ مشغولٌ مشغول! قلت: وما شغلك؟! فأعطاني بعض الأعمال، في العصر عمل، والمغرب عمل، والعشاء عمل، قلت له: الظهر، تضيِّع ثلاث ساعات على وجبة غداء، وتقول لي: مشغول؟! ثمان ساعات في الصباح تضيع عليك على مراجعة في مكان واحد وترجع، وتقول لي: مشغول؟! الليل تجلس وتضحك وتلعب حتى منتصف الليل، وتقول لي: مشغول؟! مشغولٌ بِمَ يا عبد الله؟! بعض الناس يضحك على نفسه وهو لا يشعر، بل بعض الناس خاسرٌ أشد الخسارة، وإن رأيتَه يقول: الحمد لله! أنا أستغل وقتي وأستفيد منه.

стр. 154

أطفال استثمروا أوقاتهم (خمسة نماذج من السلف) اسمع -أخي الكريم- إلى بعض أحوال سلفنا، وكيف كان الواحد منهم يستغل وقته اسمع واعتبر! وأريد منك بعد هذا المجلس أن تعمل مثل الساعة، وأن توقف نفسك لله جل وعلا، لأن هذا العمر قصير، فتستغل فيه كل دقيقة غالية إن شعرت أنها غالية، واعلم أن الله قد عظم الوقت في آيات كثيرة، فأقسم به، قال سبحانه: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى:١]، وقال: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١]، وقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:١]، وقال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل:٢]، وأقسم وقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢] أقسم بالوقت في آيات كثيرة لبيان أهميته. فاسمع -أخي الكريم- إلى بعض أحوال سلفنا، قبل البداية أقص لك قصة خمسة أطفال.

стр. 155

النموذج الأول: البخاري الطفل الأول: اسمه محمد بن إسماعيل: وُلِد في بخارى، والعلماء -الآن- كلهم عالة على هذا الصبي، كان صغيراً في السن، يأتي إلى مجالس أهل العلم -واسمع إلى هذه القصص وصدق أو لا تصدق- فيجلس بينهم، فيسأله المؤدب -يسمونه: المؤدب- لأن العالِم ليس فقط يحفِّظهم؛ بل يؤدبهم، وكان الشيخ هو المربي، وكان الذي يحفَظ العلم يتعلم مع العلم الأدب، كان الإمام أحمد يجلسُ قليل من الطلبة حوله يأخذون منه العلم، أما الألوف المؤلفة فكانوا يأخذون من أدبه وحسن سمته. فقال له المؤدب: كم كتبت اليوم؟ فقال: اثنين، ولم يقل: حديثين إنما قال: اثنين، الإمام البخاري ﵀ كان صبياً صغيراً، فضحك منه الناس، مجلسٌ لا يكتب فيه إلا حديثين، صبي صغير يعني: بالغصب يكتب له حديثاً أو حديثين، فقال لهم رجل: لا تضحكوا عليه، فلربما يضحك عليكم يوماً ما، وضحك البخاري عليهم يوماً ما، وتعجبوا من أمره، وما ذُكر أحد منهم في التاريخ، وما سُمي، وما اعتبر لأحد منهم، أما هو فالعلماء كلهم عالة على علمه. البخاري ﵀ جالس وهو صبي عند شيخ يحدِّث، أخذ يقرأ الأحاديث، فقال: حدثني فلان، عن فلان، وأخذ يحدِّث، فلما قال حديثاً عَلِم محمد بن إسماعيل هذا الصبي الصغير أن الشيخ قد أخطأ، فراجعه فرد الشيخ مرة ثانية، فراجعه فرد الشيخ مرة ثالثة، فراجعه محمد بن إسماعيل، وهو صبيٌ صغير، فقال الشيخ: مَن هذا؟ قالوا: هذا ابن إسماعيل، فنظر في نفسه وراجع، فقال: صدق، خذوا منه، إن هذا يكون يوماً من الأيام رجلاً، صبي صغير لا يفارق مجالس أهل العلم أتعرف كم حفظ؟ أكثر من سبعين ألف حديث وهو صبي صغير أين أولو الهمم العالية؟! تعجب من بعض الإخوة يقول: ليس عندي وقت! فتِّش في وقته؛ يشرب شاي وقهوة، سوالِفٌ وضحك، يَفِرُّ بالسيارة، يجلس في البيت يفكر! ماذا أفعل؟ ثم يذهب النهار كله وهو يقلب كفاً على كف، يقول: ما أدري ماذا أفعل! يحفظ سبعون ألف حديث وهو صغير.

стр. 156

النموذج الثاني: ابن تيمية الطفل الثاني: يُسمى ابن تيمية، هذا الصبي الصغير سمع به أحد الشيوخ من دمشق، فأتى إلى بلده يسأل عنه، قال: سمعت أن شاباً يقال له: ابن تيمية، له حافظة قوية أين هو؟ فقال له أحد الناس: اجلس اجلس، فهو يمر في هذا الطريق إلى الكُتَّاب إلى الدرس، فجلس ينتظر حتى جاء ومعه لوح كبير، وهو صبي صغير، واللوح ربما كان أكبر منه، يحمل اللوح وتَخَيَّلْ هذا المنظر! يا ليتنا ننظر إلى هذه المناظر، شاب يحمل كتابه أو قلمه أو دفاتره وهو صغير في السن، يأتي إلى مجلس أهل العلم ليحفظ ولو كان في مجلس الشيوخ أو العلماء، ويكتب ويحفظ، لقد افتقدنا هذه المناظر منذ زمن ونراها اليوم تبذر هذه البذور الجديدة لبعض الشبيبة؛ لكن تتخطفهم الشهوات والأهواء، وأنى لهم أن يصبروا وهذه الشهوات قد امتلأت من كل مكان، إلا من ثبته الله جل وعلا. يقول: فنظر إليه فأوقفه، قال: أنت ابن تيمية؟ قال: نعم، قال أعطني اللوح، فأعطاه، وكتب له ثلاثة عشر حديثاً من حِفْظِه، قال: اقرأ، فقرأ، ثم أخذ منه اللوح، قال: اقرأها علَي، فقرأ الثلاثة عشر حديثاً وما أخطأ فيها، فتعجب منه، فكتب للأحاديث أسانيد: حدثني فلان عن فلان، وكتب له أسانيد كثيرة، قال: اقرأها، فقرأها مرة واحدة، كلها، فقال: إن هذا الصبي لم يُعرف في عصره مثله، وسوف يكون له شأن، فصار شيخ الإسلام وشيخ هذا الدين ابن تيمية عليه رحمة الله، انظر وهو صغير ماذا يفعل!

стр. 157

النموذج الثالث: النووي الصبي الثالث: اسمه يحيى بن شرف الدين أبو زكريا النووي، ﵀، كان عمره عشر سنوات، فكان الصبيان يُكرِهونه على اللعب ولا يلعب معهم حتى كان يبكي، يُكرِهونه بالغصب، لا بد أن تلعب معنا فلا يسمع لهم بل كان يجلس يقرأ القرآن اللعب قليل عنده، وفي يوم من الأيام أرغمه أبوه على أن يأتي معه في الدكان ويعمل معه، وكان يأتي إلى الدكان ولا يجلس مع أبيه، يقرأ ويحفظ القرآن، وربما أرسله أبوه فيمكث في الطريق، فيسأل أهل العلم عليه رحمة الله، حتى جاءه رجل فنظر إليه، فقال: إنه سوف يكون له شأن، فقيل له: أمؤدب أنت؟ قال: لا، ولكن أنطقني الله جل وعلا.

стр. 158

النموذج الرابع: أبو يوسف اسمع إلى الرابع وهو عجيب: اسمه أبو يوسف! مَن أبو يوسف؟ ومَن منكم لا يحدث عن أبي يوسف يعقوب؟ صاحب أبي حنيفة، لما كان صبياً توفي أبوه ولا عذر لليتيم في طلب العلم، توفي أبوه، وكانت أمه تغزل وتجمع المال، فقالت لولدها: يا بني! اذهب إلى هذا القصار (رجل ينظف الثياب) حتى تتكسب، أنت يتيم وليس عندك مال، فكان يذهب إلى القصار، ترسله إلى القصار فعندما تذهب أمه يهرب إلى أين؟ إلى الملعب إلى الشوارع إلى النوادي؟ أو يتجول في الأسواق؟ لا، إنه أبو يوسف يفر إلى حلقة أبي حنيفة، فيجلس ويكتب العلم ويحفظ معه، وكان أبو حنيفة يعجب به ويقدمه على غيره؛ لحرصه على العلم، فتبعته أمه يوماً وقد علمت أنه يهرب، فدخلت عليه في مجلس أبي حنيفة فقالت لـ أبي حنيفة، وتَخَيَّلْ! هذا المنظر دخلت الأم وكانت تجر الولد ويأتي مرة ثانية وتجر الولد -في الحلقة- ويهرب مرة ثانية يأتي إلى الحلقة، انظروا الإصرار والهمة العالية، فأتت إلى الشيخ يوماً من الأيام، فقالت لـ أبي حنيفة: ما أعلم لهذا الصبي فساداً غيرك، أنت الذي أفسدت علي هذا الصبي، إنه صبي يتيم ليس معه شيء، وأنا أنفق عليه بمغزلي، فاتركه يعمل ويتكسب له شيئاً ينتفع به، فنظر إليها أبو حنيفة، وقال: اذهبي يا رعناء فها هو ذا يأكل الفالوذج بدهن الفستق، الفالوذج أغلى أنواع الطعام حتى الأمراء لا يأكلونه إلا القليل، فقالت المرأة الأم: أما أنت فشيخ قد خرفت فذهب عقلك وتَرَكَتْه وذهبت. قال أبو يوسف: فمرت الأيام -انظروا الهمة العالية كيف يستغل الإنسان وقته- يقول: فكان أبو حنيفة يعطيني من ماله ولا يترك حاجة إلا أعطاني إياها، ومكث ينفق علي حتى فتح الله علي في العلم، وصرت قاضياً، وكنت أدارس هارون الرشيد الخليفة، فأجلس معه على مائدة واحدة، وفي يوم من الأيام قال لي هارون الرشيد: تقدم يا يعقوب وكل من هذا الطعام؛ فإنه لا يكون لنا في غير هذا اليوم مثله، فقال: وما هذا الطعام؟ فقال هارون الرشيد: هذا فالوذج بدهن الفستق، قال أبو يوسف: فضحكت، فقال لي الخليفة: وما أضحكك؟ فقلت: قصة حدثت، قال: فألح علي حتى أخبرته الخبر، فقال هارون الرشيد وكان رشيداً: إن هذا العلم والله لينفع في الدنيا والدين رحم الله أبا حنيفة كان ينظر بعين عقله ما لا ينظر بعين رأسه، فأكل الفالوذج بدهن الفستق، صبي صغير يهرب من أمه إلى أين يا غلام؟ إلى حلقة من حلقات العلماء والمشايخ يجلس ويكتب ويحفظ العلم ثم يرحل في سبيله.

стр. 159

النموذج الخامس شاب صغير يسمى سهل: هذا الصبي ذََكَرَ الله وعمره ثلاث سنوات، وهذا طبيعي فإن كثيراً من الصبية الآن عمره ثلاث سنوات يتكلم، فمنا من يحفِّظه الكلمات والأغاني، وبعضنا يحفظه: الله، ولا إله إلا الله، الله أكبر سبحان الله، ورأيت صغاراً يحفظونها، وصام وعمره خمس سنوات، بدأ بصيام رمضان إلى أن مات، وحفظ القرآن وعمره ست سنوات، وسافر في طلب العلم وعمره تسع سنوات. هؤلاء الصبية الخمسة، وغيرهم كثير. فهذا الإمام أحمد كان صغيراً، وكانت أمه لا تتركه يخرج من البيت، تخاف عليه من صغر سنه وكان يذهب للعلم ﵀. وعمر بن عبد العزيز كان في صغره يذهب إلى المدينة وطلب من أبيه هذا أن يجلس مع الفقهاء ويتعلم منهم. ومعاوية بن أبي سفيان ﵁ كانت تربيته في الصغر تربية رجال مَن ربته؟ إنها أمه هند بنت عتبة، هذه المرأة هي التي ربت معاوية حتى كان إذا اعتزى كان يقول: أنا ابن هند، قال لها رجل يوماً من الأيام: هذا معاوية سوف يسود قومه، فقالت: ثَكِلْتُه إذاً -أي: أموت إذا كان يسود قومه فقط- إذا كنت لم أربه ليسود الأقوام كلهم.

стр. 160

صور من ضياع الأوقات والأعمار نبدأ أيها الإخوة الكرام ببعض الأحاديث والآثار ونسردها سرداً ونقرأها، والواحد منا يعتبر، ولكل حادثة عبرة، واسمع أخي الكريم واعتبر، ثم انظر في حالك وفي يومك وليلتك. وقال بعض السلف: واسوأتاه واسوأتاه مم؟ قال: من شيخ جاهل رجل طاعن في السن، ولا يعرف ربما جزءاً واحداً، لا يحفظه ولا يعرف تفسيره، بل بعض الإخوة الصالحين ظل سنوات في الالتزام، قل له: اقرأ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة:١] تراه يتلكأ فيها، والبعض منهم سله سورة الإنسان في أي جزء؟ يقول: لا أدري والبعض منهم قل له: فسر لي أصغر سورة في القرآن ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:٣]؟ لا يدري، وبعضهم سله عن بعض أزواج النبي ﷺ أو بعض أبنائه أو بعض الغزوات، ومتى كانت؟ يقول: هاه هاه لا أدري! أي علم تعلمته في عمرك؟ لهذا مدح الله جل علا أهل العلم في آيات كثيرة واسمع إلى هذه الأخبار واعتبر منها وصدق بعضها أو لا تصدق فأنت حر، ولكن اعلم أن القوم قد وصلوا، وأن المجد قد وصله قوم وحين تخلفنا عنه.

стр. 161

اقتران العلم بالفقر اسمع إلى أولهم وهو البخاري لما كبر يقول عمرو بن حفص الأشقر: فقد البخاري أياماً من كتابة الحديث في البصرة، أياماً لا يكتب الحديث، أين هو أبو عبد الله عليه رحمة الله؟ فقال: فطلبناه فوجدناه في بيت وهو عريان، ما عنده ملابس، يقول: وقد نفد ما عنده، ولم يبق معه شيء بليت الثياب، وما عنده نقود يشتري ثياباً، قال: فاجتمعنا وجمعنا له الدراهم حتى اشترينا له ثوباً وكسوناه، ثم اندفع معنا في كتابة الحديث، الفقر والعلم قرينان، ويندر أن تجد فقيهاً غنياً وتعجب كل العجب! من طالب علم ترك العلم لأجل التجارة، معاشه قد بلغ الخمسمائة أو الستمائة بل بعضهم الألف ولا يرضى بهذا إلا ويقضي ساعات في فتح محلات تجارية، والتجارة ليست بحرام بل نِعم المال الصالح للرجل الصالح؛ لكن أيهما تقارن يا عبد الله: طلب علم أو طلب مال فكر وقارن!

стр. 162

منزلة أهل العلم بالنسبة لغيرهم يقول الله جل وعلا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]. هل يستوي رجل من الصباح يحفظ القرآن، فإذا أشرقت الشمس صلى، ثم يجلس على قراءة الكتب، ويعكف على التلخيص، ثم يكتب ويبحث ثم يحفظ ويردد، ثم إذا جاء الضحى صلى، ثم غفا غفوة قليلة، ثم استيقظ للظهر، ثم جلس بعد الظهر يقرأ، ثم صلى العصر وحفظ، ثم ذكر الله وكتب، ثم بعد المغرب حضر الدروس، ثم بعد العشاء أخذ يراجع ويردد، ثم بعدها إذا جاء الليل ركع ركعات ثم صلى الفجر، ثم قام في يومه الثاني كما هو في اليوم الأول. ورجل آخر في الصباح نائم في العصر مجالس لغو في المغرب يتجول في الطرقات في العشاء لا يحضر إلا درساً بسيطاً ثم يرجع إلى البيت يلهو ويلغو هل يستوي هذا وذاك؟ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩].

стр. 163

صور من تضحيات السلف يقول مالك ﵀ إمام دار الهجرة: "لا يُنال هذا الأمر -أي: العلم- حتى يذاق فيه طعم الفقر" لا بد أن تضحي. بعض الإخوة لو تُعرض عليه ساعتان زيادةً في الدوام وله مائتا دينار زيادة، هل يتردد؟ لا يتردد! مائتا دينار لعله يفكر في أفكار جديدة في شراء سيارة في أثاث في ترف في أمور كماليات لا يحتاج إليها، فيزيد ساعتين تطلب منه طلباً آخر، تقول: يا فلان! نحضر درساً واحداً لمدة ساعة واحدة ولك الأجر العظيم عند الله؟ يقول: لا. أنا مشغول، والله لا أستطيع! عندي الزوجة والأولاد، وعندي أعمال وأشغال كثيرة سبحان الله! أتقارن هذا بذاك؟!

стр. 164

تضحية الإمام مالك في طلب العلم الإمام مالك يقال عنه: إنه أفضى به طلب العلم -أتعرف إلى أي حال وصل به الإمام مالك هل أحد منا ما يسمع به انظروا يا إخوان- يقول ابن القاسم عنه "أفضى به إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه" ما عنده نقود، أنزل السقف وأخذ الخشب فباعه؛ ليتكسب ويستمر في طلب العلم؛ هل وصلنا إلى هذه الدرجة أن الواحد منا يضحي بساعات قليلة من العمل، الزيادة في العمل إذا كنتُ منشغلاً في طلب العلم ليس لها داعي، ولا داعي للتجارة إذا كانت تشغلني عن طلب العلم، ولا داعي للمال والأثاث الزائد إذا كان يشغلني عن حلق العلم.

стр. 165

افتقار ابن معين في سبيل تحصيل الحديث يا عبد الله! قارن واعلم أن الله جعل الشهود بعد شهادته وشهادة الملائكة شهادة أولي العلم. يروى عن يحيى بن معين ﵀ وكل أهل العلم قد سمع به كل طالب علم لا بد أنه قد سمع بهذا الرجل ﵀، خلَّف له أبوه ألف ألف درهم -مليون- والدرهم من فضة، ولعل اليوم يصبح عندنا هذا الرجل مليونير تَخَيَّلْ! تصبح في الصباح فإذا أنت مليونير ماذا تفعل بهذه الأموال؟ يقال عنه ﵀ -والله يا إخوة قلوب تعلقت بالسماء تمشي الرِّجل على الأرض والرأس في الثريا أما الرِّجل في الثرى، الواحد منهم يمشي على الأرض ولا تعدل عنده جناح بعوضة، مليونير، بيوم وليلة- يقال عنه: إنه أنفقها كلها على تحصيل الحديث، حتى لم يبق له نعل يلبسها، مشى حافياً، وما ترك درهماً واحداً يشتري به نعلاً، كلها أنفقها في طلب العلم هل وصلنا إلى هذا المستوى؟ همة عالية -والله- تنطح الجبال، وتبلغ السماء، والرِّجل تمشي على الأرض.

стр. 166

صور أخرى للتضحية في طلب العلم اسمع إليهم كيف كانوا يجوعون لأجل أن يحفظ الواحد منهم حديثاً واحداً. يقول بكر بن حمدان المروزي: سمعت ابن خراش يقول: شربت بولي في طلب الحديث خمس مرات، في سفر صحراء عطش يموت وللضرورة أحكام، وتباح المحرمات وقت الضرورات من شدة العطش، في الطريق ما عنده ماء، فيشرب بوله -أجلكم الله- هل يرده هذا عن العلم؟ لا استمر في طلب الحديث ولا يبالي بالجوع. أقول لك أخي الكريم: تقول: ما عندي وقت؟ أقول لك: فرط يوماً واحداً من الأيام في الغداء فهل تستطيع أن تتحمل معنا درساً بعد العشاء؟ إلى متى يستمر؟ إلى الثانية عشرة. لكن العشاء متى أتعشى؟ سبحان الله! طالب العلم لا يفكر في العشاء، طالب العلم لا يقارن الغذاء بطلب العلم غذاؤه وروحه هذا العلم، بل بعضهم لو تضع أشهى أنواع الطعام عنده والكتاب لا يبالي بالطعام؛ لأن ألذ ما عنده هو هذا العلم. اسمع إلى غيرهم! يقول ابن الجوزي: كنت في زمن الصبا، آخذ معي أرغفة يابسة، فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر ميسان، فلا أقدر على أكلها، خبز لا يستطيع الواحد أن يأكله، إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين أمتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم، يترك الطعام كله ويشبع بكسرة خبز لا يستطيع بلعها إلا بشربة ماء كل هذا لماذا؟ يجلس ويحفظ الأحاديث ويطلب العلم. حتى النوم لا ينامون إلا قليلاً. الجوع قلنا: لا يأكلون إلا قليلاً. المال قلنا: لا يجمعون واسمع إلى أخبارهم، وتعجب من رواياتهم! تقول فاطمة بنت الشافعي -أما الشافعي فله غرائب وله كرامات ﵀، وهذا رجل لم تلد النساء مثله في يومه، رجل قلَّما تجد مثله في التاريخ- تقول عنه فاطمة: ربما أوقدت له في ليلة سبعين مرة، أتعرف لماذا؟ لطلب العلم؛ ليكتب فائدة أو يتذكر شيئاً يكتبه، سبعون مرة في ليلة واحدة، أنت تفعلها مرتين؟ بل بعضنا لا يفعلها لصلاة الفجر لا يوقَد له سراج، ولو قلت لك: هناك حلقة علم الساعة الثانية في الليل هل تحضرها؟ هذا يوقَد له سبعين مرة في ليلة واحدة ويقوم وينام ويقوم وينام؟ يقول أسد بن الفرات وهذه أيضاً فيها غرابة -وهو تلميذ الإمام مالك، انظر إلى هؤلاء الرجل الأفذاذ وانظر ماذا خرجوا- يقول: أتى محمد بن الحسن، فقال: إني غريب! قليل النفقة، والسماع منك نزر، أي: صعب لا أستطيع أن أسمع منك العلم والطلبة عندك كثير فما حيلتي؟ قال: اسمع مع العراقيين بالنهار -يقول محمد بن الحسن لهذا الرجل- يقول: أحضر الدروس في النهار، ولا تتركها، وأجعل لك الليل وحدك في الليل لا يسمع بك أحد فتبيت عندي وأسمعك ما رأيك؟ قال أسد: وكنت أبيت عنده وينزل إلي يعني: في الليل، ويجعل بين يدي قدحاً فيه ماء، ثم يأخذ في القراءة يشرح، قال: فإذا طال الليل ونعست، نام، النهار كله علم، والليل يجلس يسمع، قال: فإذا طال الليل ونعست ملأ يده ونضح وجهي بالماء فأنتبه، قال: فكان ذلك دأبه ودأبي حتى أتيت على ما أريد منه من السماع عليه. هل جربت هذا؟ أم هل تصورت هذا؟ الواحد من الدرس تنعس عينه إذا صار الدرس ساعة ونصف لا نتحمل، سبحان الله! انظر إلى هؤلاء الرجال وكيف وصلوا. يقال عنه: إن جميع أوقاته كانت كلها في دروس حتى في الطريق، وكان ربما سقط في حفر الطريق، يمشي وحوله التلاميذ وربما سقط وهو لا يدري؛ لأنه يدرس، قال: وكان ربما سقط في جرف أو خبطته دابة وهو لا يشعر.

стр. 167

شغف مكحول بالعلم يقول مكحول ﵀ أُعتقت بـ مصر -كان عبداً مملوكاً، وتَخَيَّلْ! المملوك إذا أُعتق مثل الأسير حين يرجع ماذا يتمنى؟ يذهب يرتاح، يترفه- قال: أُعتقت بـ مصر فلم أدع بها علماً إلا حويت عليه فيما أرى، يقول: كل نواحي مصر ما أظن فيها علماً إلا حصلت عليه، نحن نقول عن الكويت هذه البلدة الصغيرة هل حويت على كل علم فيها؟ تسمع بالعلماء لعلهم في منطقة أخرى ما هي بعيدة، إذا ما كان في مسجدي أو ما أحضر يقول: مصر كلها ما فيها علم إلا حويت عليه هل اكتفى؟ يقول: لا. ثم أتيت العراق، ثم أتيت المدينة فلم أدع بهما علماً إلا حويت عليه فيما أرى، يقول: أول شيء مصر ثم العراق ثم المدينة هل بقي شيء يا مكحول؟ قال: ثم أتيت الشام فغربلتها وما تركت فيها شيئاً، ماذا بعد مصر والعراق والمدينة والشام؟ لم يدع علماً إلا حوى عليه فيما يرى! انظر الهمة العالية، والله إنها لدقائق غالية تمر في أعمارنا وتمضي وتذهب، ثم يقلب الواحد منا كفيه، ثم يقول: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] يا حسرتا على هذا الشباب! يا حسرتا على الأوقات التي ضاعت! يا حسرتا على العمر! يا حسرتا على هذه الساعات! بل إن بعضنا يقدر أوقاته الضائعة ليست بالدقائق، بل يقدر الآن الوقت بالساعات، بل بعضنا بالأيام، تمر عليه الأيام تلو الأيام، ولم يستفد منها علماً انظر إليهم وقارن نفسك بهم.

стр. 168

أهمية الحفظ والتكرار لطالب العلم العلم لا يكفي بأن تحضر درساً ثم ترجع، لا بد من الحفظ والتكرار، فمثلاً تحضر درساً في الصباح، والواحد منا لو حضر درساً في الحديث، يحفظ خمسة أحاديث في البخاري وشرحها، هل يغنيك هذا؟ لا يغنيك إلا أن تأخذ بعض هذه الأحاديث وتردد الحديث مرة وعشرة ومائة حتى تحفظ الحديث هكذا العلم، فالعلم لا ينال بالراحة لابد من التعب، الصوت يذهب من كثرة التكرار، تتعجب من بعضهم يقول: عشرون سنة مضيتها ما حفظت إلى الآن إلا خمسة أجزاء في القرآن، والبعض يقول: خمس سنوات كل ما حفظت أنساه ما السبب؟ ما الذي يجري؟ بل بعضنا يحضر في اليوم أفي الأسبوع خمسة دروس أو عشرة دروس وحصيلته في العلم لا شيء، اسمع إليهم كيف كانوا يحفظون؟ يقول جعفر بن المراغي دخلت مقبرة في تستر، فسمعت صائحاً يصيح في المقبرة، يقول: والأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، والأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، والأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، يقول: فتعجبت! ساعة طويلة وهو يردد ويردد ويردد، فكنت أطلب الصوت وأبحث عنه إلى أن رأيت ابن زهير أحد الأئمة عليه رحمة الله، وهو يدرس مع نفسه من حفظه حديث الأعمش! جالس مع نفسه وهو يردد السند حتى يحفظه هلا فعلناها مع آيات الله يجلس الواحد منا فيقرأ؟ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكٌَ﴾ [التحريم:١] ويردد ويردد ويردد، حتى يحفظ الآية، ثم التي بعدها، ثم التي بعدها، ولا يكل ولا يمل، هلا فعلناها؟ أما أن الواحد منا يحضر الدرس ثم يرجع يلخص، ثم ماذا استفدت؟ لا شيء. في الأسبوع القادم سله؟ يقول: هاه هاه لا أدري. واسمع إلى غيرهم! يقول أبو زرعة عن أحمد بن حنبل: "كان يحفظ ألف ألف حديث" أي: مليون حديث قد يكون لمتن الحديث الواحد خمسون طريقاً، فتعتبر الطرق خمسين حديثاً وهو حديث واحد؛ لكن بكثرة الطرق تُعدَّد الأحاديث، فكان يحفظ من هذه الأحاديث ألف ألف عليه رحمة الله، فقيل لـ أبي زرعة: كيف عرفت هذه الأحاديث وعددها؟ فقال: ذاكرته وأخذت عليه الأبواب كلها، انظر إليهم كيف كانوا يستغلون أوقاتهم. واسمع إلى هذا الرجل قبل الموت كيف كان يستغل وقته؟ اسمع هذه القصة العجيبة يقول الفقيه أبو الحسن عن ابن عيسى: دخلت على أبي الريحان البيروني وهو يجود بنفسه عنده حالة الاحتضار، يقول: قد حَشْرَجَ نَفَسُه واحتضر، نَفْسُه تكاد تخرج قبل الموت، قال: حَشَرَج نَفَسُه، وضاق به صدره، فقال لي في تلك الحالة: كيف قلت يوماً حساب الجدات الفاسدة؟ هذه مسألة في المواريث، يسأله قبل الموت، فقلت له إشفاقاً عليه: أفي هذه الحالة تسأل السؤال؟ قال لي: يا هذا! أودع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة، ألا يكون خيراً من أن أخليها وأنا جاهل بها؟ قال: فأعدت ذلك عليه، وحفظ المسألة قبل الموت، قال: فخرجت من عنده وأنا في الطريق فسمعت الصراخ حوله وقد ذهبت نفسه عليه رحمة الله. البعض منا لو تقول له: يا أخي! أدرس هذا الباب في العلم، يقول: ماذا أستفيد؟ سبحان الله! تلقى الله وفي صدرك العلم خير لك من أن تلقى الله جاهلاً ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هو﴾ [آل عمران:١٨] أعظم قضية شهد الله بها ثم مَن بعد الله، ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هو وَالْمَلائِكَةُ﴾ [آل عمران:١٨] بعد الله جل وعلا الملائكة تشهد، بعد الملائكة من يشهدون؟ ﴿وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨] بعد الملائكة أهل العلم (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم). وقال أيضاً ﵊: (إن صاحب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر) تستغفر لصحاب العلم وفرق بين هذا وذاك. أبيت سهران الدجا وتبيته نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي

стр. 169

بعض آداب طالب العلم أخي الكريم! عليك ببعض الآداب أثناء الطلب:

стр. 170

تعلم الأدب مع الطلب أول أمر: تعلم مع الطلب الأدب، فلا خير في طالب علم لا يحسن الأدب، وكم هم أهل العلم في هذا الزمان الذين لم ينشروا علمهم بسبب سوء أدبهم، بل لعلك تعجب بعض الأحيان من شاب يحفظ كتاب الله، وسنة رسول الله، وأقوال أهل العلم، فإذا جلس مجلساً أساء الأدب على هذا، وتكلم في هذا، واغتاب ذاك، وسب ولعن وشتم وسفك دماء الناس ما السبب؟ إنه تعلم العلم ولم يحسن الأدب. اسمع إلى الشافعي! مَن شيخُه؟ مالك، يقول عن نفسه: كنت أفتح الكتاب صفحاً رقيقاً هيبة له ألا يسمع الصوت انظروا إلى الأدب -يا إخوة- هل رأينا هذا الطالب مع هذا الشيخ في هذا الزمان؟ لم أرَ طالباً مع شيخه يفتح الكتاب بهدوء حتى لا يزعج شيخه هيبة له، والجزاء من جنس العمل. تلميذ للشافعي يسمى الربيع، يقول الربيع عن نفسه: لم أتجرأ أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له، يقول: أستحي أن أشرب الماء أمامه. انظروا إلى الأدب! وكم سمعنا عن طلبة علم يجلسون مع الشيوخ، فعندما يأخذ أحدهم بعض العلوم، ويظن أنه قد وصل، وقد علم بعض الشيء، وقد اعتمد على نفسه خرج في الناس يقول: انظروا إلى الشيخ الضال المضل! انظروا إليه عنده خطأ كذا! وفيه عيب كذا، وسوءته كذا، وأخذ يفضحه بين الناس ويسيء الأدب أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني وكم علمته نظم القوافي فلما قال قافية هجاني واعلموا -أيها الإخوة- أن هؤلاء قلة لا كثرهم الله جل وعلا، فاحرص يا عبد الله على الأدب أثناء الطلب. ولهذا لا حاجة لنا في هذا الزمان لطلاب علم لا يعرفون كيف يتعاملون مع الناس، ويحسنون أخلاقهم، ولهذا سمعت الألباني حفظه الله يوماً يقول: إن الأمة الإسلامية تشهد صحوة علمية، يقول: أما الصحوة التربوية فلا! وصدق حفظه الله وكأنه ينظر بعين ثاقبة إلى أحوال هذه الأمة، العلم ينتشر أما التربية أما الأدب أما حسن الخلق؛ فقلَّما تجد شاباً طالباً للعلم يحسن خلقه مع الناس، هذا نادر في الوجود إلا فيمن وفقهم الله جل وعلا.

стр. 171

البدء في الطلب بالأولويات الأمر الثاني يا عبد الله: عليك أثناء الطلب بالأولويات، فبعض الناس لا يعرف في أثناء الطلب ماذا يقدم على ماذا؟ وقد سمعت أحد المشايخ يخبر عن أحد الطلاب، يقول: إنه يحفظ اثني عشر طريقاً لحديث (من أتى الجمعة فليغتسل) يحفظ اثني عشر طريقاً، ولا يعرف آداب غسل الجمعة! بالله عليكم أيها الإخوة، أيهما أولى: أن يتعلم أولاً آداب غسل الجمعة ليحسن عبادته أولاً أو يتعلم هذه الطرق؟ كلاهما مهم لكن هناك أولويات، لا بد أن نتعلمها، ولهذا تعجب من بعض الإخوة حيث تجده بعض الأحيان يجلس يقول لك: فلان وثقه فلان -مهتم منكب على هذا العلم، وهذا علم مهم، ولا بد من تعلمه، وهو من فروض الكفايات- وفلان ضعفه فلان وفلان ضعيف، وفلان صادق، وفلان فيه كذا وفلان قال كذا، ولكن سله عن تفسير القرآن؟ ما قرأ تفسيراً واحداً لكتاب الله، وأقل القليل للمبتدئين تفسير ابن كثير هل قرأت؟ يقول: لا، قرأت جزءاً أو جزأين بالله عليكم أيهما أولى؟ طالب العلم أول ما يقرأ كتاب الله، ويتعلم معانيه، ويحفظه ويقرأ سنة رسول الله ﷺ ، ويتعلم معانيها، ويحفظها ويتعلم شيئاً من الفقه في عبادته، وشيئاً من العقيدة لإيمانه ودينه، ويتعلم بعض العلوم شيئاً فشيئاً، أما أنه يريد أن يصل إلى أعلى الدرجات من البداية، فإنه سوف يسقط، وهذا غالباً ما يصيبه العجب والغرور ثم تضيع حياته وما استفاد شيئاً. وأنصحك في باب الأولويات، بالتدرج في طلب العلم؛ فإن كثيراً من الشباب يسأل: بماذا أبدأ من الكتب الآن؟ فيضع له جدولاً وبرنامجاً في هذه العطلة فمثلاً: يقرأ في التفسير تفسير ابن كثير وفي الحديث مختصر صحيح البخاري للزبيدي مثلاً، وابدأ في الفقه بمتن بسيط أو احضر عند بعض المشايخ، وفي التوحيد اقرأ فتح المجيد، أو اسمع أشرطة الشيخ ابن عثيمين فيه، أو اقرأ كتابه، وفي النحو كذا، وفي المصطلح كذا، وفي الأصول كذا، وضع له جدولاً، أحيلك أخي الكريم إلى كتاب مختصر مبسط بعنوان: برنامج تفصيلي لطالب العلم، ولعله وزع عند كثير من الشباب، هذا يختصر لك التدرج في طلب العلم، وكيف تبدأ وبأي الكتب، ولا تنتقل من كتاب إلى ما بعده حتى تختم ما يوازيه من الكتب، وبهذا تكون قد تدرجت في طلب العلم.

стр. 172

الحرص على الرفقة الصالحة ثالثاً: عليك بالرفقة الصالحة أثناء الطلب، لا يشترط أن يكون ملتحياً قد يكون ملتحياً لكنه مثبِّط، قد يصلي الفجر لكنه في العلم مثبِّط، إذا أردت أن تحرص على طلب العلم فاحرص على طلاب العلم أن تصحبهم، أصحاب الهمم العالية، تجلس مع الواحد فيقول لك: قرأت اليوم (٢٠٠) صفحة هذا وردي في اليوم القراءة، وذاك يتحسر ويندم أن ربعه الذي يراجعه قد فاته هذا اليوم؛ لأن بعضهم تدمع عيناه إذا فاته ورده، هذا تحرص عليه وتحرص على ذاك الذي إن طرقت عليه الباب فقلت له: ما رأيك نشرب قهوة عند فلان؟ يقول لكم: اسمحوا لي وقت الراحة ليس هذا الوقت؛ لأن هذا وقت الحفظ أو وقت التلخيص، وأنا لا أفرط في هذه الأوقات، احرص على هؤلاء وعض عليهم بالنواجذ، وإياك والبطالين الذين ما عندهم في اليوم والليلة إلا الزيارات والتجول، في الصباح يقضي بعض المراجعات، وفي الظهر ينام أو يقرأ الجريدة، وإذا جاء العصر زار فلاناً، وآخر العصر زار آخر، وبعد المغرب شرب قهوة عند فلان، وجاء في الليل وقال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، اليوم قضيناه كله في طاعة الله زيارةً للإخوان، هذا بطال فقد أضاع وقته وأضاع وقت غيره، إياك إياك وهؤلاء! حتى أن ابن الجوزي جعل لهؤلاء فصلاً، فقال: الفراغ بلاء، يقول لم أستطع أن أرد الزوار يقول: إن استطعتُ أن أعتذر اعتذرت بلباقة، وإن لم أستطع فأختصر الكلام وأستغل الوقت في تبرية الأقلام، وتقطيع الكتب، وتسطير الأوراق وغيرها، استغلالاً للوقت في طلب العلم في تجهيز أوراقي لطلب العلم، احرص على وقتك ألا يضيع مع رفقة هممهم دنية، واحرص على أصحاب الهمم العالية، وإن كان لك أصحاب من هؤلاء فحثهم لعلك أن تكون ممن سن سنة حسنة.

стр. 173

عدم انشغال الطالب بعيوب الناس الرابع: لا تنشغل أثناء الطلب بعيوب الناس، واسمعها مني نصيحة! أثناء الطلب وقراءة الكتب واستماع الأشرطة وحضور الدروس، سوف تقع على زلل كبير حتى على أكبر العلماء، تفتح الكتب فتجد بعض العلماء يسقط ويزل زلة كبيرة، وبعضهم لعله يقع في خطأ شنيع، وسوف تمر على هذا أثناء الطلب، من منا لا يقرأ فتح الباري، وأي طالب علم لا يعتمد على شرح النووي، ومن منا لا يرجع إلى بعض هؤلاء العلماء: كـ القرطبي أو غيره، وسوف يجد في أثناء قراءته لهؤلاء العلماء بعض الزلل وبعض الخطأ ولكن وعين الرضا عن كل عيب كليلةٌ ولكن عين السُّخط تبدي المساويا إن كان قلبك سوف ينشغل بعيوب هؤلاء الناس، وفي مجالس أهل العلم تسمع بعض الأخطاء وتسجلها، فاعرف أنك قد مُكر بك، كما قال بعض السلف: إذا رأيت أحدهم منشغلاً بعيوب الناس عن عيبه، فاعلم أنه قد مكر به، كلما رأيت عيباً لا تقبل به ورده واتركه، وامض في طلب العلم واستمر؛ فإنك سوف تقع على زلل كبير وخطأ كثير.

стр. 174

تقسيم الأوقات أيها الأخ الكريم: عليك أثناء الطلب بتقسيم الأوقات، فإذا أردت أن تجعل لنفسك وقتاً في طلب العلم فقسم الأوقات، وكن منظماً، واجعل لك جدولاً: وقتاً للحفظ، ووقتاً للمراجعة، ووقتاً للتلخيص، ووقتاً للكتابة، ووقتاً لحلق العلم، ووقتاً للراحة وللاستجمام، ولكن ساعة وساعة ولا بد منها، ولا تضحك على نفسك تبدأ أياماً تضغط عليها ثم تنفجر وترجع وتصبح عندك ردة فعل. ثم إياك والدقة الخيالية، فبعض الشباب يجعل وقته بالدقيقة من الساعة الرابعة إلى الخامسة: قراءة الكتاب الفلاني من الخامسة إلى السادسة، الكتاب الفلاني من السادسة إلى السابعة والأربعين دقيقة إلى أذان المغرب، الكتاب الفلاني وقت المغرب كله كذا لا تستطيع اجعل لك -أيها الأخ- أوقاتاً للراحة والفراغ للطوارئ فلان جاءك بحاجة ضرورية، وفلان من الجيران دعاك للعزاء أو لصلاة جنازة أو اتباعها، وفلان مريض لا بد أن تعوده، وأمك طلبت منك حاجة اجعل لنفسك أوقات فراغ تحسباً لهذه الطوارئ ولهذه الظروف.

стр. 175

الحذر من الغرور والعجب أقول لك أخي الكريم: إياك إياك أثناء الطلب أن تصاب بالغرور والعجب فمثلاً: حفظتَ القرآن؟ كان أحدهم عمره سبع سنوات يحفظ القرآن يعني ماذا؟ حفظتَ القرآن وصحيح البخاري ومعه صحيح مسلم هل يحق لك أن تفتي؟ بعض الناس ما قرأ إلا بعض الكتب وحفظ بعض الأجزاء، فتسأله بمسألة فيقول: أنا أرى!! من أنت حتى ترى؟ ويقول: أنا أرجح!! لا يضحك عليك الناس من أنت حتى ترجح؟ أو يقول: الشيخ الفلاني جانب الصواب. أخي الكريم! كن عاقلاً وتدبر، أسمعت بهؤلاء في الصغر يحفظ سبعين ألفاً من الأحاديث عمره ست سنوات وقد ختم القرآن عمره تسع سنوات يسافر في طلب العلم، إذا أردت ألا يصيبك الغرور، فاقرأ في تراجمهم وسيرهم، واعلم أنك مهما وصلت من العلم فإنك ضعيف وقليل في العلم، والاجتهاد اتركه للمجتهدين، أنت يحق لك أن تنقل الفتوى إذا سئلت: يا فلان! عندك علم فيها؟ تقول: نعم! قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله في المسألة كذا، وسمعت الشيخ الألباني يقول كذا، وقال الشيخ الفلاني كذا، أما أنك تزيد وترجح وترى رأياً جديداً فاعلم أن هذه من علامات العجب والغرور، قد يصاب به الطالب في بداية طلبه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 176

الأسئلة نسأل الله أن يجزي الأخ نبيل خير الجزاء، وهناك حديث أحببت أن أذكر به الإخوة طالما أن الأخ تكلم في موضوع: (الديمومة على الأعمال) حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام البخاري، أن الرسول ﷺ قال: (إن الدين يسر، ولن يُشادَّ أحدٌ الدين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة). ويقول يحيى بن يحيى: قال الزهري: طلبنا العلم فأصبنا منه شيئاً كثيراً، وطلبنا الأدب فوجدنا أن أهله قد ماتوا.

стр. 177

نصيحة لمن آثر العزلة السؤال أحد الإخوة يسأل سؤالاً فيقول: ما هي نصيحتك لشاب اعتزل الشباب لوحده، ولا يحضر الدروس، والسبب هو مضايقة بعض الشباب له؟ الجواب أظن أن صاحب السؤال يعرف الجواب، ولكن أذكره بقول النبي ﷺ (الشيطان مع الواحد). أخبركم بقصة عايشتُها مع شاب كان حريصاً على طلب العلم، وكان من شدة حرصه أن زاده الشيطان حرصاً فقال له: اترك الشباب فإنهم يضيعون وقتك بين طلعة وديوانية ومجلس وغيرها من هذه الأنشطة الكثيرة التي تضيع الأوقات، اجلس واعتكف واطلب العلم، فنصحته ألا يقطع نفسه عن الإخوان في الله، وأن يجالسهم لأنهم عون له، يذكرونه إذا نسي، ويعظونه إذا غفل، ويسددونه، وهو مسكين لا يشعر، فجلس لوحده واعتزل وأبى أن ينتصح، مرت به الأيام فتحولت كتب العلم إلى مجلات ثم إلى جرائد ثم إلى تلفزيون ثم إلى فيديو ثم ترك الصلاة. أيها الأخ الكريم! اعرف أنها حيلة من حيل الشيطان (الشيطان مع الواحد) يريدك لوحدك ولو كنت تقرأ فتح الباري لكن تكون لوحدك. ولهذا -أيها الأخ- الرفقة الصالحة تعينك على المنافسة، ثم إنهم يقومونك إن زللت، والمؤمن مرآة أخيه، ثم إن أخطأ عليك الشباب، وإن قصروا في حقك، وإن أساءوا إليك، فقد قال الإمام علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: [كدر الجماعة ولا صفو الوحدة] أكون مع الجماعة على كدر وعلى بعض المضايقات، وعلى بعض الأذى، أصبر قال: [ولا صفو الوحدة] ولهذا كان يحذر ﵊ من الوحدة حتى في السفر، قال: (الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب، وقال: وخير الركب أربعة)، (نهى أن يبيت الرجل وحده) لِمَ أيها الإخوة؟ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف:٢٨] كلما اجتمع الإخوة كثرت الرحمة، بل كان يوماً من الأيام في مسير مع أصحابه وقد تفرقوا فجمع الناس وناداهم، فلما اجتمعوا قال: (ما لي أراكم عزين، إن تفرقكم هذا من الشيطان). إذاً أخي الكريم انتبه واعقل واعلم أن إخوانك في الله هم الذين أرشدوك للعلم، وهم الذين وجهوك للكتب، فكيف تتركهم بعد أن دلوك على هذا الطريق؟! فهم المعينون وقت الضيق والشدة، وهم المسددون إذا أخطأت، وهم المنافسون لك في العلم، وإذا كانت هناك بعض المضايقات فتوضح (الدين النصيحة). تقول: يا أخي! لاحظ أنا تضايقت من كلمة قلتها لي، يا فلان صار بيني وبينك موقف ماذا تقصد به؟ وعليك بإحسان الظن لأن بعض الناس لا يتحمل إخوانه، فكل كلمة يسيء فيها الظن عشرين ظناً، وقال عمر: [لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءً وأنت تجد لها في الخير محملاً]، وقال ابن المبارك ﵀: " المؤمن يتطلب المعاذير " كل ما تكلم أحد أو حدث منه موقف أو زلة، هذا المؤمن يتطلب المعاذير، يقول: لعله كذا، لعله نسي، لعله لا يدري، لعله لا يقصدني، لعله يقصد كذا، يتطلب المعاذير قال: " والمنافق يتطلب العثرات " المنافق يبحث عن الزلات، ويفتش ويبحث عن السقطات وينشرها بين الناس، يقول: هذه صفات المنافق عندنا، أما صفات المؤمن فيتطلب المعاذير، وأحسن الظن بإخوانك، وانصحهم إن كان ولا بد والله أعلم.

стр. 178

نصيحة للنساء باستغلال الأوقات السؤال نريد توجيه الأخوات الحاضرات في الدرس في إجازة فترة الصيف، وخصوصاً ما يخص قضاء وقت الفراغ في الهاتف، أو في الخروج أو في الرفقة؟ الجواب أولاً: ما قيل للرجال فهو للنساء سواء. ثم أمر ذَكَّرَني به السائل، وهو قضية الهاتف من مضيعات الأوقات الهاتف -أيها الإخوة- لو نحسب أوقات الهاتف التي نتصل فيها فإنها من أعظم مضيعات الأوقات علينا في هذا الزمان، بل تعجب من بعض الإخوة يظل نصف ساعة يتحدث، ماذا عنده؟ لا شيء، يسأل ما هي الأخبار؟ ماذا فعلت بفلان؟ أين ذهبت اليوم؟ نصف ساعة على أحاديث لا طائل منها، لغو ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣] لا أقول لك أخي: الهاتف حرام والأحاديث المباحة حرام! لا؛ لكن الكثرة والاستغراق فيها تضيع الأوقات، وهذا ليس في النساء خاصة بل حتى في الرجال، والآن نعجب أن الناس يطالبون بتخفيض أسعار المكالمات الهاتفية النقالة، لأن الوقت عندهم أهون وأرخص من المال، بل لو كان المال أو كانت المكالمات غالية الثمن، لعرفنا قدر هذا الوقت ولاختصرنا الكلام ولكن نريد أن ينخفض الثمن حتى نكثر في الكلام، ولست أدعو إلى زيادة الأسعار، ولعل البعض عندما يسمع هذا الكلام يظن أنني أدعو إلى الزيادة في الأسعار، والزيادة في الضرائب، وأن أثقل على كاهل الناس، ولكن أخبرك -أخي الكريم- أن الوقت أثمن من جميع المال؛ بل أغلى حتى من الذهب، فلا تضيعه في هاتف، ولا في تقليب جريدة لا طائل منها، بعض الأخبار مهمة لكن تَخَيَّلْ! شاب ملتزم يظل يقرأ الجريدة أتعرف أي صفحة؟ صفحة الرياضة وما شأنك بها؟ بل تعجب من بعض الجرائد ربما أربع صفحات لها في الرياضة، وما نحتاج من هذه الأخبار، أو فلانة حصل فيها كذا، أو خبر طريف في المكان الفلاني، أو حادثة ما الذي نستفيد من هذه الأخبار؟ والله كلها مضيعات للأوقات. كما قلنا: ما قيل للرجال فهو أيضاً للنساء عامة، وكم هن النساء اللواتي أصبحن عالمات، واقرأن التاريخ، وليقرأ كل منا التاريخ، ليسمع أن بعض أهل العلم قد تتلمذ على نساء، ومن شيوخه نساء تتلمذ على أيديهن، نعم! هناك حاجز وحجاب بينه وبينها، وعائشة ﵂ كان الرجال الأفذاذ الفحول يأتونها في بيتها يسألونها عن حديث واحد، وعن مسائل فقهية ﵂؛ فإذاً العلم ليس خاصاً بالرجال فقط، بل للرجال والنساء عامة والله أعلم.

стр. 179

نصيحة للذين يهجرون كتاب الله السؤال كثير من الناس هاجروا كتاب الله ، وأخص بالذكر الشباب الملتزم، أرجو توجيه نصيحة لهم في هذه الجلسة؟ الجواب عثمان بن عفان ﵁ من منا أكثر منه شغلاً؟ الخليفة الراشد الثالث ﵁، في الجهاد هو الأول، وفي الإنفاق هو الأول، وفي التعليم هو الأول، وفي إدارة الأمة هو الأول أعماله كثيرة يروى عنه أنه كان يختم القرآن كل ليلة، وسوف يخرج من يخرج من هذا المجلس، ويقول: خالف السنة، والسنة لا تقرأه في أقل من ثلاث. أقول لك أخي الكريم: إن خالف عثمان ﵁ السنة، فأين أنت من السنة؟ هل من يطبقها الذي لا يختم القرآن في الشهر مرة؟ هل هذا طبق السنة؟ أو الذي يمر عليه من رمضان إلى رمضان وما ختم القرآن، هل طبق السنة؟ إذا كان الذي ختم القرآن في ليلة واحدة قد خالف السنة، فأين أنت عن السنة؟ تعرف ماذا أنزل الله في عثمان ﵁؟ كان يقوم الليل بالقرآن، فأنزل الله جل وعلا فيه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً﴾ [الزمر:٩] نزلت في عثمان ﴿سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] ما هو أثر العلم؟ الآن تعلمنا فتح الواحد منا صحيح البخاري وقرأ بعض الأحاديث في فضل قيام الليل، هذا علم لكن ماذا استفدت من هذا العلم إذا كنت بعده لا تقوم الليل؟ إذاً عندما تقرأ بعض فضائل صيام التطوع ولا تصوم، ماذا نفعك هذا العلم؟ أخي الكريم! ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] من منا لا يعرف فضل قراءة القرآن؟ قال ﷺ : (من قرأ حرفاً من كتاب الله كتب الله له به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف، ولكن (ألف) حرف و (لام) حرف و (ميم) حرف). من منا لا يعرف هذا الفضل ولو قرأت آية واحدة ربما تعدو المائة أو المائتين أو الثلاثمائة حسنة! آية واحدة بل بعض الآيات تعدل آلافاً من الحسنات، بل الصفحة تعدل آلافاً من الحسنات، من منا حرص على هذه الأجور؟ تعجب من شاب ملتزم، أو داعية إلى الله، أو طالب علم ليس عنده ورد، يقرأ القرآن ولو ربع حزب في اليوم والليلة وهذا قليل جداً. أخي الكريم! نصف حزب، أو حزب في اليوم والليلة، والله ليس قليلاً على نفسك أن تقرأ هذا القرآن ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠] إي والله! مهجور قراءةًَ وتلاوةً وحفظاً وتدبراً وعملاً وحُكما ًبه فالله الله بتلاوة القرآن! والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 180

العبادة في رمضان إن لله ليالي وأياماً وشهوراً فضلها على سائر الليالي والأيام والشهور، منها: شهر رمضان، فهو شهر القرآن. وإن لنا في سلفنا الصالح أسوة حسنة، حيث كانوا إذا أقبل رمضان تركوا سائر الأعمال واعتكفوا على قراءة القرآن وتدبره، وهذا هو هدي النبي ﷺ .
следующие страницы →