Полный текст (1 195 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الأسئلة
نسأل الله أن يجزي الأخ نبيل خير الجزاء، وهناك حديث أحببت أن أذكر به الإخوة طالما أن الأخ تكلم في موضوع: (الديمومة على الأعمال) حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام البخاري، أن الرسول ﷺ قال: (إن الدين يسر، ولن يُشادَّ أحدٌ الدين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة).
ويقول يحيى بن يحيى: قال الزهري: طلبنا العلم فأصبنا منه شيئاً كثيراً، وطلبنا الأدب فوجدنا أن أهله قد ماتوا.
стр. 177
نصيحة لمن آثر العزلة
السؤال
أحد الإخوة يسأل سؤالاً فيقول: ما هي نصيحتك لشاب اعتزل الشباب لوحده، ولا يحضر الدروس، والسبب هو مضايقة بعض الشباب له؟
الجواب
أظن أن صاحب السؤال يعرف الجواب، ولكن أذكره بقول النبي ﷺ (الشيطان مع الواحد).
أخبركم بقصة عايشتُها مع شاب كان حريصاً على طلب العلم، وكان من شدة حرصه أن زاده الشيطان حرصاً فقال له: اترك الشباب فإنهم يضيعون وقتك بين طلعة وديوانية ومجلس وغيرها من هذه الأنشطة الكثيرة التي تضيع الأوقات، اجلس واعتكف واطلب العلم، فنصحته ألا يقطع نفسه عن الإخوان في الله، وأن يجالسهم لأنهم عون له، يذكرونه إذا نسي، ويعظونه إذا غفل، ويسددونه، وهو مسكين لا يشعر، فجلس لوحده واعتزل وأبى أن ينتصح، مرت به الأيام فتحولت كتب العلم إلى مجلات ثم إلى جرائد ثم إلى تلفزيون ثم إلى فيديو ثم ترك الصلاة.
أيها الأخ الكريم! اعرف أنها حيلة من حيل الشيطان (الشيطان مع الواحد) يريدك لوحدك ولو كنت تقرأ فتح الباري لكن تكون لوحدك.
ولهذا -أيها الأخ- الرفقة الصالحة تعينك على المنافسة، ثم إنهم يقومونك إن زللت، والمؤمن مرآة أخيه، ثم إن أخطأ عليك الشباب، وإن قصروا في حقك، وإن أساءوا إليك، فقد قال الإمام علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: [كدر الجماعة ولا صفو الوحدة] أكون مع الجماعة على كدر وعلى بعض المضايقات، وعلى بعض الأذى، أصبر قال: [ولا صفو الوحدة] ولهذا كان يحذر ﵊ من الوحدة حتى في السفر، قال: (الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب، وقال: وخير الركب أربعة)، (نهى أن يبيت الرجل وحده) لِمَ أيها الإخوة؟ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف:٢٨] كلما اجتمع الإخوة كثرت الرحمة، بل كان يوماً من الأيام في مسير مع أصحابه وقد تفرقوا فجمع الناس وناداهم، فلما اجتمعوا قال: (ما لي أراكم عزين، إن تفرقكم هذا من الشيطان).
إذاً أخي الكريم انتبه واعقل واعلم أن إخوانك في الله هم الذين أرشدوك للعلم، وهم الذين وجهوك للكتب، فكيف تتركهم بعد أن دلوك على هذا الطريق؟! فهم المعينون وقت الضيق والشدة، وهم المسددون إذا أخطأت، وهم المنافسون لك في العلم، وإذا كانت هناك بعض المضايقات فتوضح (الدين النصيحة).
تقول: يا أخي! لاحظ أنا تضايقت من كلمة قلتها لي، يا فلان صار بيني وبينك موقف ماذا تقصد به؟ وعليك بإحسان الظن لأن بعض الناس لا يتحمل إخوانه، فكل كلمة يسيء فيها الظن عشرين ظناً، وقال عمر: [لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءً وأنت تجد لها في الخير محملاً]، وقال ابن المبارك ﵀: " المؤمن يتطلب المعاذير " كل ما تكلم أحد أو حدث منه موقف أو زلة، هذا المؤمن يتطلب المعاذير، يقول: لعله كذا، لعله نسي، لعله لا يدري، لعله لا يقصدني، لعله يقصد كذا، يتطلب المعاذير قال: " والمنافق يتطلب العثرات " المنافق يبحث عن الزلات، ويفتش ويبحث عن السقطات وينشرها بين الناس، يقول: هذه صفات المنافق عندنا، أما صفات المؤمن فيتطلب المعاذير، وأحسن الظن بإخوانك، وانصحهم إن كان ولا بد والله أعلم.
стр. 178
نصيحة للنساء باستغلال الأوقات
السؤال
نريد توجيه الأخوات الحاضرات في الدرس في إجازة فترة الصيف، وخصوصاً ما يخص قضاء وقت الفراغ في الهاتف، أو في الخروج أو في الرفقة؟
الجواب
أولاً: ما قيل للرجال فهو للنساء سواء.
ثم أمر ذَكَّرَني به السائل، وهو قضية الهاتف من مضيعات الأوقات الهاتف -أيها الإخوة- لو نحسب أوقات الهاتف التي نتصل فيها فإنها من أعظم مضيعات الأوقات علينا في هذا الزمان، بل تعجب من بعض الإخوة يظل نصف ساعة يتحدث، ماذا عنده؟ لا شيء، يسأل ما هي الأخبار؟ ماذا فعلت بفلان؟ أين ذهبت اليوم؟ نصف ساعة على أحاديث لا طائل منها، لغو ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣] لا أقول لك أخي: الهاتف حرام والأحاديث المباحة حرام! لا؛ لكن الكثرة والاستغراق فيها تضيع الأوقات، وهذا ليس في النساء خاصة بل حتى في الرجال، والآن نعجب أن الناس يطالبون بتخفيض أسعار المكالمات الهاتفية النقالة، لأن الوقت عندهم أهون وأرخص من المال، بل لو كان المال أو كانت المكالمات غالية الثمن، لعرفنا قدر هذا الوقت ولاختصرنا الكلام ولكن نريد أن ينخفض الثمن حتى نكثر في الكلام، ولست أدعو إلى زيادة الأسعار، ولعل البعض عندما يسمع هذا الكلام يظن أنني أدعو إلى الزيادة في الأسعار، والزيادة في الضرائب، وأن أثقل على كاهل الناس، ولكن أخبرك -أخي الكريم- أن الوقت أثمن من جميع المال؛ بل أغلى حتى من الذهب، فلا تضيعه في هاتف، ولا في تقليب جريدة لا طائل منها، بعض الأخبار مهمة لكن تَخَيَّلْ! شاب ملتزم يظل يقرأ الجريدة أتعرف أي صفحة؟ صفحة الرياضة وما شأنك بها؟ بل تعجب من بعض الجرائد ربما أربع صفحات لها في الرياضة، وما نحتاج من هذه الأخبار، أو فلانة حصل فيها كذا، أو خبر طريف في المكان الفلاني، أو حادثة ما الذي نستفيد من هذه الأخبار؟ والله كلها مضيعات للأوقات.
كما قلنا: ما قيل للرجال فهو أيضاً للنساء عامة، وكم هن النساء اللواتي أصبحن عالمات، واقرأن التاريخ، وليقرأ كل منا التاريخ، ليسمع أن بعض أهل العلم قد تتلمذ على نساء، ومن شيوخه نساء تتلمذ على أيديهن، نعم! هناك حاجز وحجاب بينه وبينها، وعائشة ﵂ كان الرجال الأفذاذ الفحول يأتونها في بيتها يسألونها عن حديث واحد، وعن مسائل فقهية ﵂؛ فإذاً العلم ليس خاصاً بالرجال فقط، بل للرجال والنساء عامة والله أعلم.
стр. 179
نصيحة للذين يهجرون كتاب الله
السؤال
كثير من الناس هاجروا كتاب الله ، وأخص بالذكر الشباب الملتزم، أرجو توجيه نصيحة لهم في هذه الجلسة؟
الجواب
عثمان بن عفان ﵁ من منا أكثر منه شغلاً؟ الخليفة الراشد الثالث ﵁، في الجهاد هو الأول، وفي الإنفاق هو الأول، وفي التعليم هو الأول، وفي إدارة الأمة هو الأول أعماله كثيرة يروى عنه أنه كان يختم القرآن كل ليلة، وسوف يخرج من يخرج من هذا المجلس، ويقول: خالف السنة، والسنة لا تقرأه في أقل من ثلاث.
أقول لك أخي الكريم: إن خالف عثمان ﵁ السنة، فأين أنت من السنة؟ هل من يطبقها الذي لا يختم القرآن في الشهر مرة؟ هل هذا طبق السنة؟ أو الذي يمر عليه من رمضان إلى رمضان وما ختم القرآن، هل طبق السنة؟ إذا كان الذي ختم القرآن في ليلة واحدة قد خالف السنة، فأين أنت عن السنة؟ تعرف ماذا أنزل الله في عثمان ﵁؟ كان يقوم الليل بالقرآن، فأنزل الله جل وعلا فيه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً﴾ [الزمر:٩] نزلت في عثمان ﴿سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] ما هو أثر العلم؟
الآن تعلمنا فتح الواحد منا صحيح البخاري وقرأ بعض الأحاديث في فضل قيام الليل، هذا علم لكن ماذا استفدت من هذا العلم إذا كنت بعده لا تقوم الليل؟ إذاً عندما تقرأ بعض فضائل صيام التطوع ولا تصوم، ماذا نفعك هذا العلم؟
أخي الكريم! ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] من منا لا يعرف فضل قراءة القرآن؟
قال ﷺ : (من قرأ حرفاً من كتاب الله كتب الله له به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف، ولكن (ألف) حرف و (لام) حرف و (ميم) حرف).
من منا لا يعرف هذا الفضل ولو قرأت آية واحدة ربما تعدو المائة أو المائتين أو الثلاثمائة حسنة! آية واحدة بل بعض الآيات تعدل آلافاً من الحسنات، بل الصفحة تعدل آلافاً من الحسنات، من منا حرص على هذه الأجور؟ تعجب من شاب ملتزم، أو داعية إلى الله، أو طالب علم ليس عنده ورد، يقرأ القرآن ولو ربع حزب في اليوم والليلة وهذا قليل جداً.
أخي الكريم! نصف حزب، أو حزب في اليوم والليلة، والله ليس قليلاً على نفسك أن تقرأ هذا القرآن ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠] إي والله! مهجور قراءةًَ وتلاوةً وحفظاً وتدبراً وعملاً وحُكما ًبه فالله الله بتلاوة القرآن!
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 180
العبادة في رمضان
إن لله ليالي وأياماً وشهوراً فضلها على سائر الليالي والأيام والشهور، منها: شهر رمضان، فهو شهر القرآن.
وإن لنا في سلفنا الصالح أسوة حسنة، حيث كانوا إذا أقبل رمضان تركوا سائر الأعمال واعتكفوا على قراءة القرآن وتدبره، وهذا هو هدي النبي ﷺ .
стр. 181
أخطاء تقع في قراءة القرآن في رمضان
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:
إن شهر رمضان هو شهر القرآن، فيه يفتح الناس المصاحف بعد هجر طويل، وفيه ينفض الغبار عن تلك المصاحف التي ركنت في البيوت، وعلى الأرفف، وفي بعض المساجد، فتفتح بعد غلق طويل، وينفض الغبار عنها، فإذا الصائمون يفتحون المصاحف؛ ليستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم ثم يعكفون على قراءته، وللناس في قراءة القرآن أخطاء ومثالب سوف أنبه عليها.
أولاً: يا عبد الله! اعلم أن شهر رمضان شهر قرآن لا شهر جرائد وقصص، ولا حكايات وأخبار لا معنى لها ولا فوائد منها، رمضان شهر القرآن، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] لِمَ؟ ﴿هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] هدى للناس.
يا عبد الله: كم من رجل وكم من امرأة سمع آية من كتاب الله فهداه الله، قال تعالى: ﴿هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥].
هذا أحد الصحابة يسلم بعد أن كان مشركاً، أتى إلى مسجد رسول الله ﷺ ولم يكن في الخلق أبغض عنده من رسول الله ﵊، فاقترب فإذا النبي ﵊ يصلي في الناس صلاة المغرب، وهذا المشرك ينتظره متى يتم الصلاة، فينفرد به ليقتله، والنبي ﵊ يقرأ سورة الطور في صلاة المغرب فيصل إلى قوله جل وعلا: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] ففكر جبير إي والله أم خلقوا من غير شيء فكر بنفسك -يا عبد الله- هل خلقت من عدم؟ لا.
أم خلقت نفسك؟ ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٦] أم أنت الذي خلقت السماوات، أم أنت الذي خلقت الأرض؟ كلا.
إذاً لا بد أن هناك خالقاً، فإذا به يسمع هذه الآية فيطير قلبه ويتعلق بالله فيؤمن به جل علا، ويعلن الشهادتين ثم يقول عن نفسه: [فما كان مخلوق أحب إلي من رسول الله ﷺ ].
يا عبد الله: إنه القرآن الذي فتح الله به قلوباً غلفاً، وأعيناً عمياً، وآذاناً صماً، إنه القرآن الذي هدى الله به البشرية.
стр. 182
حال السلف مع القرآن في رمضان
كان الإمام أحمد إذا أقبل رمضان جلس في بيت الله واعتكف على قراءة القرآن، وكلما مر وقت ذهب وتوضأ ثم رجع إلى القرآن يقرؤه ويتلوه.
يا عبد الله: كان الإمام أحمد يترك فتاواه ومسائله ومجالس العلم ليعكف على كتاب الله، أما الإمام مالك فإنه إذا أقبل رمضان هجر جميع المجالس حتى مجالس الحديث؛ ليعكف على كتاب الله، وهذا الإمام الشافعي عليه رحمة الله كان يختم القرآن في رمضان ستين ختمة.
وهذا الإمام الزهري يقول: شهر رمضان شهر قرآن وإطعام طعام لا ثالث.
فشهر رمضان شهر قرآن وإطعام طعام لا غير هذا.
стр. 183
فضل تدبر القرآن والعمل بأحكامه
عبد الله: إن كثيراً من الناس -وهذه بعض أخطائهم- ليقرأ القرآن فيكون همه أن يختم القرآن ختمتين أو ثلاثاً في رمضان، هذا هو همه.
فهل استفاد من قراءته؟ لا.
هل اعتبر من قراءته؟ لا.
هل ترسل وتدبر؟ لا.
هل فهم وعقل؟ لا والله.
تجد بعض الناس يقرأ القرآن والقرآن يلعنه، يقرأ قول الله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [البقرة:٨٣] وتجده يعق والديه، يقرأ قول الله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢] وإذا به يقطع أرحامه.
يقرأ قول الله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٨] ثم يخرج من المسجد إلى بنوك ربوية يتعامل معها.
يقرأ قول الله: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْم﴾ [الحجرات:١١] ثم يسخر من أصحابه وزملائه يقرأ قول الله ويخالفه، ورب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه.
عبد الله: والله لأن تقرأ في رمضان جزءاً واحداً بتدبر وتعقل وتفهم، وتطبيق لأحكامه خير لك من أن تختم القرآن عشرين ختمة ولم تعقل منه شيئاً، يقول الله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] فالله أنزل القرآن لنتدبر الآيات ونتذكر ونتعقل، أما أن نقرأ القرآن هذاً وننثره نثراً، فلم ينزل الله القرآن لهذا: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].
كان بعض السلف يقوم الليل كله بآية واحدة يتدبرها ويعقلها ويفهم معناها، وهذا سيد الأنبياء وإمام المرسلين ﵊ يقوم الليل كله بآية واحدة: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨].
القرآن يقرأ للتدبر، ويسمع بإنصات للتعقل والاستجابة لأحكامه والعمل بها.
فكم من الناس يتدبر بل لعله يبكي ثم لا يستجيب لآيات الله وأحكامه، ولا يطبق كلام الله على نفسه وأهل بيته ومجتمعه.
يا عبد الله: ما أنزل الله القرآن لهذا، فهذا ابن عمر عليه رحمة الله درس سورة البقرة وحفظها وعقلها في ثماني سنوات، فثماني سنوات يتدارس سورة البقرة، وهي سورة واحدة لعل بعضنا يقرؤها في ساعة أو ساعتين وابن عمر درسها في ثمان سنوات؛ فكان إماماً فقيهاً عالماً عابداً زاهداً، عقل معنى سورة البقرة، وسورة البقرة ليست كأي سورة فإنها من أعظم السور، وهي التي لا تستطيعها البطلة، يعني: السحرة.
يا عبد الله: القرآن يقرأ بتمهل وتدبر وتعقل واعلم -يا عبد الله- أن لك بكل حرف حسنة والحسنة بعشر أمثالها، ومن الناس من تضاعف الحسنة إلى أكثر من عشر حسنات، فإذا حسبت بعض السور لربما تكون لك بالملايين لو عقلت وتدبرت.
فرمضان شهر قرآن لا شهر لعب، وزمر وطرب، ومباريات ونوادٍ، ولهو ورقص ومجون، وفسق وفجور، وتجول في الأسواق وأكل وشرب، ثم يخرج رمضان ولم نستفد منه شيء.
رمضان شهر القرآن -يا عباد الله- فالله الله أن نعتكف في بيوت الله، وأن نتدارس كلام الله، وأن نستمع آيات الله، وأن نعرف معاني كلام الله، وأن نطبق كلام الله في بيوتنا وأهلينا وعلى أنفسنا، فإذا خرج رمضان نكون حقاً قد استفدنا من رمضان، ومن كلام الله جل وعلا.
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 184
هدي النبي ﷺ في رمضان
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد:
أيها الإخوة في الله: كان ﵊ من أحسن الناس خلقاً، وكان خلقه في رمضان يزداد حسناً، فقد كان ﵊ أجود وأكرم الناس بماله وخلقه وسعة صدره، وكان أجود ما يكون في رمضان، وكان جبريل يأتيه فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان يقول لأصحابه: (الصوم جنة، فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب) يحفظ لسانه ولا يرفع صوته ولا يشتم ولا يكذب ولا يغتاب قال ﷺ : (فإن سابه أحد، أو شتمه -اعترض عليك إنسان أو ظلمك أو سبك- فإن سابه أحد أو شتمه فليقل إني امرؤ صائم) إني امرؤ صائم حدث بها نفسك يا عبد الله، فكلما نظرت إلى امرأة حدث نفسك وقل: إني صائم ألا تستحي؟ ألا تتقي الله؟ إذا دعتك نفسك لسماع الأغنية أو النظر إلى فيلم أو مسلسل أو بعض المحرمات فحدث نفسك وقل: إني امرؤ صائم.
يا عبد الله: إذا دعتك نفسك إلى فجور أو معصية فحدثها وقل إني امرؤ صائم.
كم من الناس أثناء نهار رمضان لا يتحمل أحداً؛ فإذا عارضه أحد سبه وشتمه بحجة أنه صائم! وإذا كان في عمله فأتاه مراجع يسأله فإذا به يغلظ عليه بالكلام ولربما يطرده من مكتبه، وكم من الناس من يأتي إلى زوجته فإذا رأى خطأً في البيت أو الأولاد فلربما يتعدى من اللسانه إلى الضرب باليد، ولربما يشتم، ولربما يغضب وكأنه لم يصم أحد قبله ولا بعده، وكأنه الصائم الأول والأخير.
стр. 185
الصوم مدرسة الأخلاق
يا عبد الله: الصوم جنة فتعلم فيه حسن الخلق، فإذا سبك أحد فلا ترد أنت بالسب وعود نفسك على أنك صائم، وأنك متبع لأمر النبي ﷺ ، وأنك عبد لله.
قال ﵊: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) ماذا ينفعك يا عبد الله أنك تترك الطعام والشراب ثم تأتي فتقع في أعراض الناس، وتغتاب المسلمين، وتكذب، وتتعامل بالربا؟!!
يا عبد الله: انتبه واعلم أن من الناس من يصوم وليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ولم يكتب له من صيامه ولا حسنة واحدة.
стр. 186
بيان عاقبة ترك الصلاة
يا عبد الله: اعلم أن كثيراً من الناس إذا أتى رمضان أقبلوا على المساجد فلا يمر في رمضان يوم أو يومان أو ثلاثة أو أربعة إلا وتجد المساجد تنقص والصفوف تقل، والناس بدءوا يضعفون شيئاً فشيئاً فلا تجدهم إلا في ليلة القدر، نخبر أولئك بأن أول ركن في الإسلام بعد الشهادتين هو إقامة الصلاة، والذي لا يصلي لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، ولو صام العمر كله، ولو حج طوال عمره ولو اعتمر في كل شهر مرة، ولو تصدق بجميع أمواله ولو حفظ القرآن كاملاً ولو فعل وفعل فإن الله يوم القيامة لا يقبل منه صرفاً ولا عدلاً، قال الله جل وعلا: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتً﴾ [مريم:٥٩] يتركون الصلاة ويذهبون إلى شهواتهم وملذاتهم، وإلى مبارياتهم وملاعبهم، وإلى أغانيهم وطربهم وتلفازهم!
ما مصيرهم يا رب؟ ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] يقول عمر بن الخطاب ﵁: [لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة] ويقول عبد الله بن شقيق، يقول: [ما كان أصحاب النبي ﷺ يرون في الإسلام شيئاً تركه كفر إلا الصلاة] فإن تركها كفر يا عبد الله! (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) أتعرف ما معنى كفر يا عبد الله؟ لو أنك عاقل وفهمت معناها تعرف أنك إذا مت على تركك للصلاة فإنك خالد مخلد في نار جهنم، الأمر ليس مليون سنة أو مليونين، وإنما خالد مخلد في نار جهنم: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [طه:٧٤] طعامه الضريع والغسلين، والغساق والصديد، ويفترش من النار، ويلتحف النار، ويأكل في بطنه النار، ويصب على رأسه الحميم، في جحيم وسقر، إذا ألقي فيها فلا يصل إلى قعرها إلا بعد سبعين عاماً!! كيف بمن يعيش فيها ويخلد فيها؟! أتعرف لِمَ يا عبد الله؟ لأنه ترك الصلاة.
قال ﵊: (أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة) لا ينظر إلى برك لوالديك، ولا إلى صلتك لأرحامك، ولا لأمرك بالمعروف، ولا إلى نهيك عن المنكر، ولا إلى قراءتك للقرآن، ولا إلى عمرتك ولا إلى حجك وصدقاتك: (أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر العمل، وإن فسدت فسد سائر العمل) فسد الحج والعمرة وفسد الصيام والصدقات، وفسدت الأعمال كلها.
يا عبد الله: الصلاة الصلاة! حافظ عليها في رمضان وفي غير رمضان فإنها عمود الإسلام، ومن مات وهو على غير صلاة فإن النصارى واليهود خير منه وأولى، لأنهم أهل كتاب، أما هو فليس بصاحب كتاب، فإن هذا الدين بريء منه حتى ذبيحته لا تحل وذبيحة اليهودي والنصراني تحل، حتى الزواج من غير المصلية لا يحل، إما الزواج من اليهودية والنصرانية يحل بشروط.
عبد الله: تارك الصلاة إذا مات لا يغسل ولا يكفن، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرث ولا يورث.
يا عبد الله: انتبه فتارك الصلاة شر من اليهود والنصارى ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة.
عباد الله: الله الله في الصلاة، ولنحافظ عليها في رمضان من أوله إلى آخره ثم بعد رمضان نحافظ عليها إلى أن يتوفانا الله جل علا.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اللهم أعداء الدين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم تقبل منا صلاتنا وصيامنا ودعاءنا وقيامنا وسائر أعمالنا إنك ولي ذلك والقادر عليه، وصلِ اللهم وسلم على نبينا محمد، وأقم الصلاة.
стр. 187
العظمة
لن يستطيع أحد الثناء على الله سبحانه حق الثناء، فإن الله سبحانه لا يقدره حق قدره أحد.
وإن في آياته في الأنفس والآفاق خير شاهد على عظمته سبحانه.
وإن الناظر إلى عظمة الله تارك للعصيان، مسارع بالتوبة، فليبادر كل متخلف عن طاعة مولاه بالتزام الطاعة.
стр. 188
تجلي الله للجبل
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
أيها الإخوة الكرام: أيها الإخوة الحضور! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مهما تكلمنا في هذه المحاضرة ومهما تحدثنا فنحن مقصرون، ولن نثني على الله حق الثناء، فالله جل وعلا له الأسماء الحسنى والصفات العلى، نثبت كل الأسماء وكل الصفات لله جل وعلا على ما تليق به: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١].
موسى ﵇ كلم الله جل وعلا مباشرة، فكان كليم الله، وبعد أن كلم الله اشتاق لرؤيته، والنظر إليه، فطلب من ربه هذا الطلب: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] أريد رؤيتك وأشتاق لرؤيتك، قال الله جل وعلا: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] في هذه الدنيا لن يراه أحد.
أما يوم القيامة فيراه المؤمنون: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ﴾ [الأعراف:١٤٣] انظروا إلى الشرط الذي اشترطه الله على موسى قال: انظر إلى الجبل الأصم الشامخ العظيم إن أطاق رؤيتي فسوف تراني، فإذا بالرب جل وعلا يتجلى للجبل قال ابن عباس: [قدر رأس الإصبع] فإذا بالجبل العظيم يندك ولا يبقى من الجبل شيء.
وموسى لما رأى المنظر خر على الأرض صعقاً، ولما أفاق: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣].
﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣] ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١].
стр. 189
سعة ملك الله
هل من ترك الصلاة قدر الله حق قدره؟
هل من أكل الربا قدر الله حق قدره؟
يقول الله جل وعلا لمن أكل الربا: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] قال ابن عباس ترجمان القرآن: [يأتي يوم القيامة فيعطى رمح ويقال له يوم القيامة: بارز ربك] حارب الله جل وعلا، لأنه أكل الربا في هذه الدنيا: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١].
يقول بشر ﵀: [لو تفكر الناس في عظمة الله جل وعلا ما عصوا ربهم جل وعلا].
يقول سعد بن بلال: لا تنظر إلى صغر المعصية -لا تقل ليس فيها شيء أن أنظر إلى فلانة أو أتكلم معها أو أختلي بها، أو أسمع الأغاني، أو أنام عن الصلاة، أو أعق الوالدين، أو أقطع الأرحام- ولكن انظر إلى من عصيت تعرف قدر المعصية، ولو عرف الناس قدر عظمة الله ما عصوا ربهم جل وعلا.
أرأيت هذه السماوات السبع، والكون كله، نحن على الأرض لا شيء، والأرض في المجموعة الشمسية لا شيء، والمجموعة الشمسية في المجرة لا شيء، والمجرة ضمن المجرات لا شيء، فنحن نقطة في فضاء كامل لا نراه، يقيس علماء الفلك الآن الفضاء بالسنوات الضوئية، شيء عجيب وكون فسيح حتى نصل إلى السماء الدنيا، ثم بين كل سماء والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، ثم بين كل سماء والتي تليها مسيرة خمسمائة عام.
أرأيت هذه السماوات العظيمة وهذا الكون الكبير الفسيح هذا كله بالنسبة إلى كرسي الرحمن كحلقة ملقاة في أرضٍ فلاة -أي في صحراء- هذا الكون كله والسماوات السبع كحلقة، أرأيت؟! أتخيلت؟! أتصورت؟!
نحن ماذا نساوي داخل هذه الحلقة؟ لاشيء.
ثم اعلم أن هذا الكرسي بالنسبة لعرش الرحمن جل وعلا كالحلقة بالنسبة للغلاة -الصحراء- تخيل وتصور!! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
يعلم ما توسوس به كل نفس، يسمع دبيب النملة على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١].
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:٢٥٥] أعظم آية فيها صفة الرب ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] حي لا يموت، حي لا ينام، قيوم: قائمٌ بنفسه مقيم لغيره، ما من دابة إلا وهو آخذ بناصيتها ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥].
стр. 190
اطلاع الله تعالى على عباده
تقول عائشة: (جاءتنا المجادلة -المجادلة التي في سورة قد سمع الله- تشتكي إلى رسول الله من زوجها، تقول عائشة: وليس بيني وبينها إلا ستارٌ رقيق، تقول: لا أسمع بعض كلامها، وإذا بالرب ينزل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١]) لا تظن عندما تختلي بنفسك في معصية أو تغترب عن الأرض؛ لتعصي الله جل وعلا، أو تغلق على نفسك الباب وتطفئ الأضواء لتعصي لا تظن أن الله قد غفل عنك:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب
لهونا لعمر الله حتى تتابعت ذنوب على آثارهن ذنوب
الإمام أحمد بن حنبل لما سمع هذه الأبيات ترك مجلس العلم، ودخل في غرفة وأغلق الباب على نفسه، وانتظره طلابه فلم يخرج، فجاءوا إلى الغرفة يريدون طرق الباب، فسمعوا الإمام أحمد يردد هذه الأبيات وهو يبكي.
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب
لهونا لعمر الله حتى تتابعت ذنوب على آثارهن ذنوب
فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ويأذن في توباتنا فنتوب
يقول وهب ﵀: [خف الله على قدر قدرته عليك] خف من الله.
زين العابدين علي بن الحسين ﵁ وعن أبيه وجده: كان إذا توضأ اصفر لونه، فيقولون له: لم يصفر لونك عند الوضوء؟ بعض الناس يكبر للصلاة ولا يدري عن الصلاة شيئاً، هذا الرجل إذا توضأ اصفر لونه قالوا: لم؟ قال: [أتدرون بين يدي من أقف؟! أقف بين يدي الله أقف بين يدي الله] أين الذين يكبرون للصلاة وقلوبهم في الأسواق وفي الدنيا وشهواتها؟ تجده يسمع قول الله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٢ - ٤] والقلب ما زال في الدنيا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧] وأدع هذه الآية إلى آخر المحاضرة.
стр. 191
التحدي بخلق الذباب
شاب كان جالساً في الطريق يمر ملكٌ طاغية ظالم فاجر طاغوت يعبده الناس من دون الله، وكان الشاب صالحاً متديناً، فرأى الناس يتجمعون حول هذا الملك الطاغية كلٌ منهم يتقرب إليه، ويتوسل إليه، ويريد منه القربى والزلفى وأموراً من الدنيا، فنظر إلى الناس، ونظر إلى هذا الملك وحوله الجنود، وحوله الحرس.
فإذا ذبابة تطير حول الملك، كلما اقتربت ووقفت على وجهه هشها من حوله، فذهبت ثم رجعت والناس يتعجبون، كلما أراد إزالتها ذهبت الذبابة ثم رجعت على وجه الملك والناس يستغربون، ذبابة ما استطاع دفعها!
فإذا بالشاب المسلم الصالح يستغل الموقف، فإذا به يرتل قول الله أعوذ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] كل الناس يستمعون، فالله يضرب مثلاً ويقول للناس استمعوا لهذا المثل، واسمع إلى هذا المثل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً﴾ [الحج:٧٣] الله أكبر! أرأيت هذا المثل في هذا الموقف؟ أرأيت هذا الملك وجنده بل كل من في الأرض جميعاً الشرق والغرب بالتكنولوجيا التي اكتشفوها ووصلوا بها إلى القمر ودخلوا إلى الأرض وكسروا الذرة، هل يستطيعون أن يخلقوا ذبابة واحدة، تحدٍ من الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] هذا التحدي الأول.
التحدي الثاني: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً﴾ [الحج:٧٣] لو أن الذباب يأخذ شيئاً من طعامهم أو شيئاً من شرابهم فإن كل أهل الأرض ما يسترجعونه؛ لأن الذباب حشرة إذا دخل الطعام مباشرة في جوفها يتحلل الطعام ويتغير مباشرة ويتفكك: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٣ - ٧٤].
فإذا بالناس كل منهم يكبر ويقولون: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله والله أكبر! وانفض الناس عن ذلك الملك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١].
стр. 192
رسالة إلى كل غافل
أخي الكريم: يا من تنام عن الصلاة!
أخي العزيز: يا من هجرت القرآن!
أختي الفاضلة: يا من مازلت تترددين هل تتحجبن أو لا تتحجبن؟
стр. 193
إلى الغافل عن أوامر الله ونواهيه
أخي الفاضل: يا من مازلت تبيع الحرام، أو تشتري الحرام، أو تأكل الحرام، نحن لا نتعامل مع بشر، نحن نتعامل مع رب البشر جل وعلا، الذي قال عن نفسه: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨] الله أكبر! الله يحذر البشر نفسه، ومازال بعض الناس في غيبته وغفلته.
وبعض الناس لا ينتبه، أتعرف متى ينتبه؟! إذا كان ملك الموت عند رأسه، فهنا يتذكر ويقول: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] الآن عرفت ربك؟ الآن عرفت قدر الله ؟ أليجمع أموالاً؟ ينظر أفلاماً ومسلسلات؟ يتمتع ببيته الجديد؟ أو يعانق زوجته وحبيبته؟ أو يقبل أولاده؟ لا.
نسي الدنيا كلها، ويريد شيئاً واحداً: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
стр. 194
إلى الغافل عن عظمة الله
يوماً من الأيام والنبي ﷺ بين أصحابه، فإذا به يقول لهم: (تسمعون ما أسمع؟ قالوا: لا يا رسول الله) واسمعوا هذا الحديث، وأريد كل واحدٍ منكم أن يتصوره، قال: (أطت السماء) والأطيط: هو صوت الحمل على الناقة إذا كان ثقيلاً ومشت الناقة يظهر له صوت، بعضكم لعله سمع أو يتخيل هذا الصوت، وأي حمل على السماء؟ (أطت السماء وحق لها أن تئط) ما الذي حدث؟ ما الذي جرى؟ السماء العظيمة فيها حمل ثقيل، أتعرف ما الذي فيها؟ (ما من موضع شبرٍ إلا وفيه ملك ساجدٌ أو راكع) الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! (ما من موضع شبرٍ إلا وفيه ملك ساجد أو راكع).
هؤلاء الملائكة الذين ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] إذا بعثوا يوم القيامة تعرف ماذا يقولون؟
سبحانك ما عبدناك حق عبادتك! لا يعصون الله، حياتهم عبادة، وركوع وسجود وتنفيذ لأوامر الله، لا يعصون الله ما أمرهم، يسبحون الله ولا يفترون، ثم ما عبدناك حق عبادتك، تعرف لماذا؟ تعرف لِمَ؟
لأن تقديرهم لله أعظم من تقديرنا لله، بعضنا يَمنُّ على الله أنه صلى خمس صلوات في المسجد، ماذا تعني خمس صلوات؟! لا شيء، كانت خمسين فجعلها الله خمساً، وهي خمس في العمل خمسون في الميزان، ومع هذا يَمنُّ على الله أنه صلاها في اليوم والليلة، يَمنُّ على الله إذا حج بيت الله، يَمنُّ على الله إذا صام الإثنين والخميس: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧].
أرأيت أو أسمعت بوصف أفضل الملائكة جبريل؟ جبريل له ستمائة جناح؛ كل جناح يغطي الأفق كله، فتخيل، وتصور!
هذا جبريل صاح صيحة دمر قرية كاملة.
جبريل بطرف جناحه قلب قرية على رأسها.
جبريل هذا المخلوق العظيم رآه النبي ﷺ في المعراج في السماء السابعة كالحلس البالي، كالثوب الخلق، تعرف لِمَ؟ لأن جبريل قد اقترب من الله فزاد خوفاً وهلعاً: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧].
أرأيت السماوات السبع العظيمة؟ يطويها الرب جل وعلا كطي السجل للكتب: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ [غافر:١٥] الله، ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر:١٥] الله ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر:١٥] يوم القيامة ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ [غافر:١٦] كل الناس حفاة عراة، ويقبض الرب الأرض بيمينه والسماوات بيده الأخرى وكلتا يديه يمين، فيقول للخليقة كلها: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ من يرد عليه، من يجرأ أن يرد على الله في ذلك اليوم؟
أين ملوك الأرض؟ أين السلاطين؟ أين المتجبرون على أمر الله؟ على شرع الله؟ على دين الله؟ أين المتكبرون عن السجود لله ؟
﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦].
стр. 195
نماذج للغافلين
شرف لك -يا عبد الله- أنك تطبق أوامر الله، وتسجد لله، كم من الناس في الدنيا اليوم محروم عن السجود لله؟ كم من الناس اليوم لا يعرف ربه؟ ولا يعرف ملة يهتدي بها في هذه الدنيا؟ أسمعت إلى ذلك الشاعر الذي يقول:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
ثم أبصرت قدامي طريقاً فمشيت
لست أدري لست أدري
شئت هذا أم أبيت
لست أدري
نعم هو لا يدري من أين جاء؟ ولا يدري إلى أين المصير؟ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الإنسان:١ - ٢] من الذي خلقه؟ الله.
أرأيت إلى العالم المتحضر: رجل حصل على شهادة فوق الدكتوراه، ولعله بروفيسور ولعل عنده من علوم الدنيا ما عنده؛ لكنه يسجد لبقرة، أو يدعي أنه لا إله في الأرض، أو يعبد شهوته وهواه سبحان الله!
стр. 196
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] في يوم القيامة عندما يجمع الله الأولين والآخرين، يأتي الناس إلى أبي البشر ليشفع لهم فيقولون له: أنت أبونا، وأنت أول من خلقك الله اشفع لنا عند ربك، ماذا يقول آدم؟ ماذا يقول نوح؟ ماذا يقول إبراهيم؟ ماذا يقول موسى؟ ماذا يقول عيسى؟ أتعرف ماذا يقولون؟
كلهم يقولون: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب مثله، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، اذهبوا إلى إبراهيم، اذهبوا إلى موسى، اذهبوا إلى عيسى، اذهبوا إلى محمدٍ ﵊، هل يقول اذهبوا إلى غيري؟
تقف الشفاعة عنده، فإذا به يقول -بأبي هو وأمي-: أنا لها أنا لها أنا لها فيذهب إلى ربه جل وعلا فيخر ساجداً بين يديه، ولا يحق لأحد أن يقوم هذا المقام إلا هو، فيخر ساجداً ويلهمه الله تسابيح وتحاميد ما كان يقولها في الدنيا، ثم يقول الله لحبيبه ولخليله محمدٍ ﵊: (يا محمد! ارفع رأسك وسل تُعط واشفع تشفع) تظنه ماذا يقول؟ هل يطلب النجاة لنفسه؟ هل يطلب النجاة لأولاده وأحبابه فقط؟ يقول: (اللهم أمتي أمتي، اللهم أمتي أمتي، اللهم أمتي أمتي).
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:١ - ٢] ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧] (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه) أسمعت بهذا الحديث؟ الله يكلمك ويكلم كل الناس، بعض الناس لقلة إيمانه وضعف يقينه يقول الله يكلم كل البشر؟ نعم، أليس الرب جل وعلا الآن يسمعنا جميعاً؟ لو كل واحد في الأرض دعا ربه لسمعه الله، بل كل واحدٍ في الصلاة في مشارق الأرض ومغاربها إذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، يرد الله عليه فيقول: حمدني عبدي، الرب جل وعلا عظيم.
فإذا بالرب جل وعلا يكلمك (ما منكم من أحد ألا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) لا توجد واسطة، (فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم) هل قدم قيام الليل؟ هل قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هل قدم صيام النافلة؟ هل قدم الصدقات والزكاة؟ هل قدم الدعاء والذكر؟ أم ماذا قدم؟ هل قدم النوم عن الصلاة؟ هل قدم النظر إلى النساء والخلوة بهن؟ هل قدم استماع الأغاني والطرب؟ كل شيء فعله في الدنيا يراه، قال الله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤].
لا تنظر إلى صغر المعصية، لا تقل صغيرة، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، الواحد منا اليوم إذا كان في مجمعٍ من الناس يستحي أن يعصي ربه، أمام والده يستحي أن يرتكب بعض المنكرات، أمام إخوانه، أمام شيخ المسجد، أمام بعض الصالحين يستحي من بعض المعاصي، لكن إذا لم يكن أحدٌ يراه لا يستحي من الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١] ألا يعلم هذا الرجل وهذا العاصي بتلك العاصية أن الله مطلع عليه فيها، أن الله يراه.
عمر بن الخطاب يتجول في الصباح الباكر فإذا به يسمع امرأة تقول لابنتها: امذقي اللبن بالماء، قالت البنت الصغيرة: يا أماه! إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قد منع الناس من مذق الماء باللبن، فقالت أمها: إن أمير المؤمنين الآن لا يرانا، كل الناس يمذقون فامذقي يا بنية! فقالت البنت المؤمنة: إن كان عمر لا يرانا فإن الله يرانا: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] الله يرى ويسمع.
يا عبد الله: هل فكرت أن ترجع إلى الله؟ يا من تتوجه بيديك وقلبك إلى البشر، هلا توجهت إلى الله؟ هلا كنت صادقاً في توجهك إلى الله؟
стр. 197
أمن يجيب المضطر إذا دعاه
رجل تاجر كان يوصل براحلته من مكان إلى آخر، فإذا به -اسمع ما الذي حدث- يركب على راحلته رجل، وقال له: أوصلني، قال: إلى أين؟ قال: أوصلني إلى بلد الفلاني، قال: أوصلك، يقول: وأثناء الطريق دخلنا وادٍ مظلم، ورأيت جماجم الناس متناثرة، يقول: فخفت، وعلمت أن في الأمر شيئاً، يقول: فقال لي: انزل عن البغلة، قال: ماذا تريد؟ قال: فأشهر سكيناً قال: أريد قتلك، يقول: فهربت منه، يقول: فتبعني حتى قبض عليّ، ثم قلت له: يا فلان خذ البغلة وما عليها واتركني أعيش، قال: أما المال والبغلة فهي لي، أما أنا فأريد قتلك، قال: فإن كان ولابد فدعني أصلي ركعتين قبل أن تقتلني، قال: لك ذلك، ولكن أوجز فيهما.
يقول: فكبرت للصلاة، ومن شدة الخوف نسيت القرآن كله، ولم أتذكر إلا آية واحدة، أي آية؟ ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦] يقول: وما إن انتهيت من الصلاة إلا وجاء فارس من قلب الوادي قد أشهر رمحه يقول: فلما اقترب ضرب الرجل في قلبه فلم يخطئه فخر صريعا، فقلت: سبحان الله! من أنت؟ فقال لي: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه، الله أكبر!
الله أكبر بكرة وأصيلا وله الثناء مرتلاً وجميلا
الله أكبر كلما هتفت به مهج العباد وسبحته طويلا
الله أكبر ما تطوف محرم بالبيت أو لبى له تبتيلا
الله أكبر في السماوات العلى والأرض حيث تجاوبت تهليلا
الله أكبر! الله أكبر! ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧].
أخي العزيز: أختي الفاضلة! أتعرف أن الرب العظيم الجليل الكبير المتعال يحب عبده إذا رجع إليه؟ أتعلم أن الله العظيم يفرح إذا أقبل عبده إليه تائباً؟ لو أمضى سنوات من حياته في المعاصي، وأسرف على نفسه بالذنوب، وأكثر من الذنوب والمعاصي، ثم أراد أن يرجع إلى الله قبله الله، وأحبه، وفرح به ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]؟
من أنا حتى يحبني الله؟ من أنا حتى يفرح الله بي؟ أنا الذي أذنبت وأسرفت وأكثرت من المعاصي والذنوب، ولطالما عصيت الله، والآن يحبني الله؟ نعم.
لو رجعت وتبت وندمت على ما مضى فإن الله يحبك.
رجل من بني إسرائيل عَبَدَ الله أربعين سنة؛ ثم انتكس فعصى ربه أربعين عاماً، ثم بعد أربعين سنة من المعصية أراد التوبة، فقال وهو يبكي ويدعو: رب عبدتك أربعين عاماً، وعصيتك أربعين عاماً، فهل لي من توبة إن أنا رجعت إليك؟ فإذا به يسمع هاتفاً يقول له: عبدي عبدتنا فقربناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإن رجعت إلينا قبلناك ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨] ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧].
أسأل الله ﵎ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل هذا الحديث وهذا المجلس في موازين أعمالنا.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 198
الفتور
يتحمس المرء للدعوة إلى الله بداية أمره، فتراه مندفعاً في كل خير، ثم إذ به بين بكرة وعشية يضعف ويفتر، وقد يصل الأمر إلى الانقلاب إلى الوراء، وهناك أسباب وراء هذا الفتور تحتاج إلى تأمل وعلاج.
هذه الأسباب منها ما هو حقيقي نتج عن قصور الفهم، ومنها ما هو خيالات، أو حيل نفسية ترمي بسهامها عن بعد، فيجب توضيحها وعلاجها.
стр. 199
الفتور في الدعوة إلى الله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
أيها الأخ العزيز: أعرني سمعك، فإني سوف أتحدث عن بعض الإخوة، ولعلي أُعنِّف بعض الشيء، ولكن لا بأس فهي كلمات من أخٍ إلى أخ؛ فليتحملها الإخوة إن شاء الله.
هي قصة رجل التزم فبدأ يدعو إلى الله، كان يوماً من الأيام ينصح إخوانه وجيرانه، وأهله، وزوجته، وأبناءه.
كان يوماً من الأيام إذا مرَّ في الشارع فرأى منكراً توقف فنصح.
هي ذكريات مضت، أما الآن فيجلس في مجلس ويستمع فيه إلى المنكرات، ويتلذذ بها ولا يتغير، بل إن لم يكن يفعلها هو، تغيَّر الحال، وتبدلت الصورة.
كان يوماً من الأيام يقوم في المسجد يتكلم في الناس وينصح.
تذكر معي أخي في الله: يوماً من الأيام كنت تجمع الناس إلى المسجد، كنت إذا ذهبت إلى الصلاة طرقت الأبواب، تذكر عندما أعطيت فلاناً شريطاً وقلت له: استمع إليه، لعلَّ الله أن ينفعك به.
تذكر عندما كنت تجتهد في الدعوة إلى الله، وتنصح، وتذكر، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، فما الذي جرى؟!
أنا أتكلم عن ذلك الشخص الذي بدأ الفتور يدب إليه ويحسب أنه على خير، إذا نظر في المرآة فالصورة لم تتغير، واللحية لا زالت طويلة، والإزار ما زال قصيراً، -والحمد لله- ما زال يصلي، والمسكين لا يشعر أنه قد فتر في الدعوة إلى الله، بدأ يتهرب من جميع المسئوليات، بل إن وكِّلتْ إليه مسئولية في الدعوة إلى الله تهرب منها وتنصَّل، وتركها إلى غيره يقول الله عن همِّ الدعوة وذلك الرجل: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] أتعرف ما هي الأمانة؟ إنها أمانة هذا الدين.
стр. 200
استمراء المنكرات
أخي في الله: مالك بدأت تستمع إلى المنكرات؟! تمرُّ في السوق فتكلمها وتكلمك نعوذ بالله! ألم تكن في يوم من الأيام تقول لها: احتجبي، استتري بارك الله فيكِ؟ أما الآن فتغير الحال، بدأت أنت الذي تكلمها، بدأت أنت الذي تختلي بها، ما الذي جرى؟!
إن جلستُ معك أرى حديثك قد تغير، بدأت تتكلم في الدنيا، كنت يوماً من الأيام لا همَّ لك إلا الدعوة، كان حديثك: المسلمون في بلاد كذا، المسلمون يُقتلون، الناس في ضلال، الناس في ضياع، كان هذا حديثك في السابق، أما اليوم فلا أراك تتكلم إلا عن الصفق في الأسواق، وعن أخبار المباريات، وعن أسعار العملات، وعن التجارة، وعن البيع، وعن الشراء، وعن الدنيا، وكأنك لم تسمع أو تناسيت قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة:٣٨] إذا قيل لك: تعال معنا ندعو إلى الله، قلت: عندي الآن الزوجة، والأولاد، والبيت، والسيارة، والأثاث، والمزرعة، وغيرها من الأعذار!
نناديك أن تدعو إلى الله؛ فتعرض ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨] تغير حديثك، بدأت تتكلم، لكنَّ العمل لا أثر له، وتحسن الجدل، والكلام، إن جلست في مجلس وكأنك أكبر الدعاة وكأنك أفضل المجاهدين، لكن لا نراك بعد هذا المجلس تفعل شيئاً، نرى الكلام تحسنه أما العمل فلا تتقنه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣] بل وصل بك الأمر إلى الجدل فأصبحت لا تتقن إلا الجدل، تجادل في كل أمر، وتنتقد كل شخص، وكأنك المبرأ من العيوب، وكأنك الذي يُسأل ولا يسأل.
стр. 201
احذر الرجوع إلى الوراء
نراك قد انقطعت غيرتك؛ فلا تنكر منكرا، بل إن جلست في مجلس أُدير فيه المنكر واستُمِعَ فيه إلى الحرام ضحكت وابتسمت، وقلت: سيقوم بهذا الأمر غيري، أو لا فائدة، أو غيرها من الأعذار.
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ
نعم.
القلب بدأ يموت، حتى أصبح لا يتأثر بالجروح، نراك كلما ناديناك إلى الدعوة، إلى عمل أو مشروع خيري: يا فلان، شارك معنا، ضع يدك في أيدينا، نحتاج إليك.
تقول: أنا مشغول! تخدع نفسك، لا تخدع غيرها! تتظاهر بالشغل وإن فتشت في نفسك فلا ترى إلا ضياع الوقت في النوم والأكل واللعب والسفر في المباحات، وفي أمور الدنيا ضاع وقتك، وضاع عمرك ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥].
إن دخلت في عملٍ في الدعوة إلى الله تغيرت، وأصبحت لا تعرف إلا الفوضى، تأتي يوماً وتتركنا أياماً، وتظن أنك على خير إن بدأت في عمل لا تلبث أن تتركه إلى غيره، أصبحت لا تعرف إلا الفوضى في الدعوة إلى الله وكأن الأمر لعب وضحك ألا تذكر آخر آية كنت تحفظها؟ لا أدري هل نسيتها أم تناسيتها؟ في آخر سورة الصف التي بدأها الله بالقتال وختمها بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ [الصف:١٤] سل نفسك وحاسبها من صباحك إلى ليلك: هل أنت من أنصار الله؟ أم أنت من الذين لا همَّ لهم في الدنيا إلا المباح؟ ما الفرق بينك وبين جارك؟ ما الفرق بينك وبين فلان الذي كنت تنكر عليه؟ كنت يوماً من الأيام ترأف لحاله، فما الفرق اليوم بينك وبينه؟
أصبح الظاهر: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا﴾ [المنافقون:٤] إن جلس في مجلس ﴿تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] لكنَّ الحقيقة ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤].
اسمح لي -أيها الأخ العزيز- فلعلي قد عنفت عليك بعض الشيء، ولكن سماعها مني أفضل من سماعها من غيري.
стр. 202
أسباب الفتور
سوف أتطرق إلى بعض الأسباب، فلعل ما عندك يكون منها أو من غيرها، فاسمع وصارح نفسك.
واعلم أن الله يقول: ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤] كل منا يحاسب نفسه.
стр. 203
عدم الإخلاص لله تعالى
لعل السبب: أنك كنت تدعو إلى الله، فدخل في قلبك شيء لغير الله.
لعلك يوماً من الأيام أردت أن يشير الناس إليك بالبنان، أو أردت أن تحصل على المناصب، أو أردت أن تدعو لكن دخل في قلبك شيءٌ لغير الله، إنه الرياء، وما أدراك ما الرياء!
من الذي يتعثر في الدعوة إلى الله؟ إنما يتعثر من لم يخلص عمله لله، وإلا فالدين ما زال بحاجة إلى رجال، والدعوة ما زالت بحاجة إلى دعاة، الدين لا زال يضربه ويشتمه ويسبه كثيرٌ من الناس ما الذي جرى؟ لعلك لم تكن مخلصاً لله، أو أخلصت ودخل في قلبك شيء، لعلها الدنيا: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم) ألم تعلم أن رسولك -هو خير الناس على وجه الأرض- مات ولم يخلِّف إلا بغلة وبعض الدراهم، ودرعاً مرهونة عند يهودي، كان ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه يمر الهلال تلو الهلال تلو الهلال ولا يوقد في بيته شيء، ويأتي عائشة في الصباح.
فيقول لها: (هل عندكم طعام فتقول: لا) بيت أفضل الخلق ليس فيه طعام! وأنت لا هم لك في اليوم والليلة إلا أن تجمع الطعام والأموال، والرصيد، والسيارة ليست كسيارة فلان، والسفر إلى الخارج، وغيرها من الترهات والتفاهات.
يأتيها ويقول لها: (هل عندكم طعام؟ فتقول: لا.
فيقول: فإني صائم) الله أكبر!
ويربط عمر بن الخطاب بطنه وهي تقرقر ويقول لها: [قرقري أو لا تقرقري فوالله لن أشبع حتى يشبع عيال المسلمين].
ألم تتذكر قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ [الحديد:٢٠]؟
ألم تعلم أن أبا أيوب الأنصاري يقول: [جاهدنا مع رسول الله، فقلنا بيننا وبين أنفسنا: إن أموالنا قد ضاعت -ضيعوا المزارع والبيوت من أجل الجهاد في سبيل الله- لو أنَّا التفتنا إلى أموالنا وأقمنا فيها فأصلحنا ما بها- لقد جاهدوا مع رسول الله، ولكن أرادوا أن يصلحوا بعض ما هلك من أموالهم- فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] ويروى عن أبي أيوب أنه ما زال بعد هذه الآية يغزو في سبيل الله حتى قبضه الله].
стр. 204
الانشغال بالأهل والمال
لعلك تعتذر بزوجتك وكأنك أول من تزوج، ألم تعرف أن رسول الله ﷺ تزوج أكثر من امرأة واحدة؟
تعتذر بأولادك وكأنك الوحيد الذي أنجب الأولاد وملك الأموال وأثث البيوت ألم تعلم أن المنافقين عندما كان يدعوهم النبي ﷺ إلى الجهاد كانوا يقولون: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [الفتح:١١]؟ كانوا يتعذرون بالأزواج، وبالأولاد، وبالبيوت ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً﴾ [الأحزاب:١٣].
نعم، لأهلك عليك حق، ولنفسك عليك حق، ولزوجك عليك حق، ولربك عليك حق، فأعطِ كل ذي حقٍ حقه.
كم تقضي وقتاً مع أهلك؟ وكم تقضي في الدعوة إلى الله؟ حاسب نفسك وكن منصفاً، وعادلاً.
أما تذكرت قصة حنظلة؟ أظنك سمعتها مراراً كلاماً يقال، لكنها في الحياة بلا تطبيق حنظلة ذلك الصحابي الجليل في ليلة عرسه وزواجه يجامع زوجته، ويسمع منادي الجهاد: يا خيل الله! اركبي.
فينتفض من عند زوجته، ويقوم ليجاهد في سبيل الله فيقتل، فتغسله الملائكة!! أتذكر تلك القصة أم أنك نسيتها؟
ألا تعرف قصة صهيب الرومي الذي خرج من مكة، وترك أمواله، وترك كل ما كان يتعب في الحياة الدنيا من أجله، مَنَعه المشركون فقال: ماذا تريدون؟ خذوا أموالي فهي في مكان كذا وكذا، واتركوني أهاجر إلى الله ورسوله.
وهاجر وحيداً فريداً، ترك كل أمواله، فإذا به يقدم المدينة فينظر إليه رسول الله ﷺ مستبشراً فيقول له: (ربح البيع أبا يحيى! ربح البيع أبا يحيى! ربح البيع أبا يحيى!).
يقول لك إخوانك: نريد منك بعض المال للدعوة إلى الله، فتقول: لا أستطيع عندي سيارة، وعندي بيت، وعندي أثاث، وعندي القسيمة، وعندي وعندي
стр. 205
الصحبة والذنوب والمعاصي
لا أدري ما هو السبب الذي غيرك بهذه الصورة؛ حتى أصبحت تظن أن المجالس لشرب الشاي والقهوة من دون الدعوة إلى الله؟ أصبحت تظن أنَّ هذا المجلس تستمع فيه إلى درس ثم ترجع فيه إلى البيت فتصبح به داعياً إلى الله؟ مسكين إن ظننت هذا الظن!
لا أدري ما السبب الذي أوصلك إلى هذه الحال؟ لعلها صُحْبَتُك لذوي إرادات ضعيفة، وهمم دنيئة، لعلك كنت تصاحب أناساً لا هم لهم إلا التجارة، والمال، والسفر، والبيوت، والعقارات، كنت تخالطهم حتى أصبحت مثلهم، وكما قال ﵊: (المرء على دين خليله) وقل لي من تجالس أخبرك من أنت.
لعل السبب هو الذنوب والمعاصي، فانظر إلى نفسك، وحاسبها، وتذكر: يوماً من الأيام قمت لصلاة الفجر، واستمعت إلى الأذان، فرجعت ونمت، لعله السبب الذي به خذلك الله عن الدعوة إليه.
استمع إلى ما قاله ابن القيم ﵀، يقول: ومن عقوباتها -أي: المعاصي- أنها تضعف سير القلب إلى الله وإلى الدار الآخرة.
تضعف السير، لا تجعلك تسير، ولا تتقدم في الدعوة إلى الله أو تعوقك وتوقفك وتعطلك عن السير، فلا تجعلك تخطو إلى الله خطوة، حتى لا تستطيع أن تنصح نصيحة واحدة بسبب الذنوب والمعاصي.
أتذكُر تلك الليلة عندما أغلقت على نفسك الباب ففعلت فعلتك التي فعلت؟ أتذكر ذلك اليوم عندما فتحت الجريدة فنظرت إليها؟ ومسكين أنت تظن أنه لا يراك أحد ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤].
يقول ابن القيم متمماً كلامه: هذا إن لم ترده عن وجهته إلى الوراء.
أي: الذنوب والمعاصي ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦] ثبطهم الله عندما علم ما في قلوبهم من الذنوب والمعاصي، ولعلها هي التي أقعدتك بعض الشيء.
стр. 206
عدم وضوح الهدف
لعلَّ من الأسباب: عدم وضوح الهدف لعلك كنت تلتزم مع إخوانك الصالحين، وتدعو إلى الله، لكن لم تعرف ما هو هدفك في الحياة، إلى متى تدعو إلى الله، ولماذا تحضر هذه الديوانية، وهذه المجالس، وهذه الدروس، وتحفظ القرآن، لماذا كل هذا؟ يقول: لا أدري إلى أين المصير؟ لا أعرف.
استمع إلى هذه القصة: إنها قصة لـ عمر بن عتبة أحد السلف الصالح:
خرج مع أصحابٍ له، يقول ابن عمه فنزلنا في مَرج حسن؛ أرض خضراء لو نزلت فيها لتمنيت أن تنزل مع أهلك أو أصحابك لتلعبوا فيها قال: فنظرت إليه، فقال: ما أحسن هذا المرج! لو نادى منادٍ: يا خيل الله! اركبي فيكون رجل في أول الصف فيصاب فيقتل فيدفن في هذه الأرض.
فما هي إلا لحظات، فإذا منادٍ ينادي: يا خيل الله! اركبي -انظر إلى الأمنية وكيف حققها الله له- يقول: فالتحم الصفان، فقيل لأبيه أبي عمر: القصة والخبر، فقال لهم: إليَّ بـ عمر أحضروه.
فهو يعرف أنه لا يتمنى شيئاً إلا ويحققه الله له، يقول: فبحثنا عنه فإذا هو مصاب، فما دفن إلا في مركب رمحه، في تلك الأرض هذا هو همه، وهذه هي أمنيته، لو سألته: ماذا تريد في الحياة؟ لقال: أن ينصر الله دينه، سوف أدعو إلى الله إلى آخر رمق، وأجاهد في سبيل الله، وأنفق جميع أموالي في سبيل الله، حتى ينصر الله دينه:
عش عزيزاً ومت وأنت كريمٌ بين طعن القنا وخفق البنود
стр. 207
عدم الصبر على المعوقات والمصائب
ومن الأسباب: معوقات ومصائب ما تحملتها؛ فجلست وركنت، وجلست في مثل هذه المجالس تقول: للدعوة رجال، أما نحن فلسنا من أهلها.
ولعل السبب أنك أصبت بمالك، فخسرت بعض الشيء في الدنيا الناس قد حصلوا على العمارات والعقارات، وحصلوا الأثاث والبيوت، أما أنت فجلست تنظر إلى حالك فرحمتها، فقلت: الدنيا الدنيا، ليس لي مكان بين هؤلاء الناس، لا أستطيع الدعوة إلى الله.
لعله قد استهزأ بك رجل، أو ضحك عليك أقوام، فقلت: لا أستطيع أن أتحمل، فتقاعست عن الدعوة إلى الله.
ألم تعلم أن أصحاب نبيك كانوا يسحبون على الشوك في الشمس، وتوضع الصخور على صدر أحدهم وهو يقول: أحدٌ أحد، أحدٌ أحد.
يقول ابن عباس: حتى إن أحدهم لا يستطيع الجلوس من العذاب، ومن الضرب، حتى إنَّ الكافر ليمر عليه فيقول له: هذا إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، هذا إلهي من دون الله، يكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان.
ألم تسمع بقصة ذلك الصحابي الذي نظر إلى أمه تطعن في فرجها برمحٍ حتى أزهقت روحها، وهو صابر محتسب، يمر عليهم ﵊ فيقول لهم: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة).
ألم يخنق حبيبك ﷺ ؟ خنقه عقبة بن أبي معيط فما فكه إلا أبو بكر ألم يوضع على ظهره سلى الجزور فما رفعه عن ظهره إلا ابنته الصغيرة فاطمة ﵂.
ألم تسمع بـ أبي ذر حينما قام للناس وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فضُرِب حتى سال منه الدم، فما فكه عنهم إلا أحد المشركين، ثم يقوم في اليوم الثاني فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فيُضرب حتى يدمى.
ثم هكذا في اليوم الثالث.
ألم تُكسر رباعية نبيك ﵊؟ ألم يُشج وجهه؟ ألم يُطعن في عرضه؟ ألم تدمى أصبعه؟ ألم يسقط في حفرة حتى كاد أن يُقتل؟ ألم يحصل له كل هذا؟
ألم تسمع بقصة ماشطة بنت فرعون، والحديث وإن كان في إسناده شيء إلا أنه يتقوى ببعض الطرق (مرَّ ﵊ برائحة طيبة، فقال لجبريل: ما هذه الرائحة؟ قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون قال: وما خبرها؟ قال: كانت تمشط ابنة فرعون فسقطت المدرة من يدها -المشط- فأخذتها وقالت: باسم الله، فقالت ابنة فرعون: أبي؟ قالت: ربي وربُ أبيك الله رب العالمين، قالت: أُخبر أبي.
قالت: أخبريه.
فأخبرت فرعون -الذي طغى، وتجبّر، وقتل الرجال، وسفك الدماء- فناداها فقال لها: أولك ربٌ غيري؟ قالت بصبر وصمود وثبات: ربي وربك الله رب العالمين -وهي تعرف أنه ليس وراءها إلا الموت- فقال: ائتوا بأولادها، فأتوا بأولادها الصغار، فبدأ يحرق أولادها واحداً تلو الآخر أمام عينها، فقالت له: لي إليك حاجة.
فظن أنها سوف ترتد عن عقيدتها، فقال: وما هي؟ قالت: أن تجمع عظامي مع عظام أبنائي في ثوبٍ وتدفننا جميعاً.
قال: ذلك لكِ من الحق علينا.
حتى انتهى إلى رضيعٍ كانت تحمله، فأرادت أن ترمي بنفسها في الزيت الذي يغلي، فكأنها تقاعست ليس لأجلها ولكن لأجل رضيعها، فأنطق الله ذلك الرضيع في المهد -وقال ابن عباس: إن الله أنطق أربعة منهم هذا- فأنطق الله ذلك الرضيع فقال: يا أماه! عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فرمت بنفسها ورضيعها).
ألم تسمع بتلك القصص أم أنك نسيتها؟! ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ [البقرة:٢١٤] أما أنت فماذا مسك؟ وماذا أصابك؟ كلمات سمعتها من فلان، أم أنه مرضٌ أصابك، أم أن الوظيفة قد فقدتها، أم أنه بعض الدنانير قد خسرتها ماذا أصابك؟ ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] هل هذا هو السبب الذي أوصلك إلى هذا الحال؟ ألا تتحمل المصائب؟ أم أنك لا تحتمل كلام الناس؟ أم أنها ثقلت عليك الهموم والغموم؟ مسكين إن كانت هذه حجتك!
стр. 208
عدم الشعور بالتحدي
ومن الأسباب: أنك لم تشعر بأن أعداء الله قد تكالبوا علينا وعلى الدعاة ألم تعلم أن الدعاة يسجنون، ويضربون، ويهانون؟! ألم تعلم -يا عبد الله- أن دعاة الباطل في كل وادٍ يهيمون، وأنهم يفعلون، وفي الجرائد يكتبون، وفي الإعلام يتكلمون، وفي كل مكان يعملون صباحَ مساءَ سراً وجهار؟
أما معاشر الدعاة إلى الله فما يعمل أحد معم فترة إلا ويترك أخرى.
ألا تشعر بالتحدي؟ ألم تسمع قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].
ألا تشعر أننا في صراع، وفي حرب دائمة؟ لِمَ تركت إخوانك؟ ولِمَ تقاعست؟ ولِمَ جلست تنظر إلى المعركة من ينتصر فيها؟ ألم تعلم أن رسولك قد قال: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها)؟ إن بعض من يتسمون بالإسلام في هذه الأيام هم أول من يحاربون الإسلام ألم تسمع بشيوخ تقتَّل؟ وبأطفال ييتموا؟ وبنساء ترمل؟ ألم تسمع أنَّ أخواتك في الله تهتك أعراضهن بالألوف ولا يستطعن حولاً، ولا دفعاً، وليس لهنَّ نصيراً؟ وليس لهم ذنب ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨] في غياهب السجون يعذبون، الواحد منهم يهتك عرض أخته أمام عينيه ولا يستطيع أن يتحرك، وأنت جالسٌ في النعيم تشرب الشاي والقهوة، وتضحك حتى تبدو نواجذك، وإذا قيل لك: يا فلان تعال معنا اعمل معنا ادع إلى الله انصح جيرانك انصح أهلك، تقول: لا أستطيع لست لها، لست لها!
стр. 209
عدم العمل بما ندعو إليه
ولعل من الأسباب: أنك في البداية كنت تدعو الناس ونسيت نفسك، كنت مقصراً في الطاعات، ولا نراك في صلاة الفجر، ولا نراك تقرأ القرآن في المسجد منذ متى جلست بعد الفجر إلى الشروق تقرأ القرآن وتذكر الله؟ متى تصوم الإثنين والخميس؟ أو تصوم صوم التطوع؟ لعلك كنت قد قصرت في هذا؟
ألم تسمع بـ عبد الله بن المبارك؛ كان من المجاهدين في سبيل الله، فإذا جاء الليل ورأى الناس قد ناموا قام يصلي لله تعالى، وكان إذا صلى العصر يجلس في المسجد يذكر الله وكأنه لا يعرف أحداً ولا يعرفه أحد، يذكر الله حتى غروب الشمس فكان في النهار مجاهداً، وفي الليل عابداً زاهداً راهباً.
ألم تسمع بـ سفيان الثوري الذي كان إذا أصبح رفع رجليه على الحائط حتى يعود الدم إلى رأسه من قيام الليل! وكان في النهار يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يصارع الطغاة، ويجاهد الظالمين، حتى إنه يخفي كراريسه في الأرض خوفاً عليها، وإذا درَّس تلاميذه فيدرسهم في الخفاء؛ حتى لا يراه أحد، وإذا جاء الليل يضع يده اليمنى على خده اليمنى فيجلس من أول الليل إلى الفجر على هذه الحال يتفكر في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، فيسأله صاحبه: أكنت على هذه الحال من أول الليل؟ قال: إي والله، ما تركتني حتى أذن الفجر وأنا على هذه الحال، أفكر في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.
ولعلَّ السبب أنك لم تحافظ على الأذكار، ولم تقرأ القرآن، ولم تجلس مع نفسك وتحاسبها.
стр. 210
اليأس من نصر الله
ولعل السبب أنك قد يئست من نصر الله، جلست سنوات تدعو إلى الله ثم نظرت يمنة ويسرة فإذا الدين يهان، وإذا أهل الدين مهانون، وإذا الدعوة إلى الله اضمحلت، ولعلها قَلَّتْ، فقلت: لا نستطيع أن نفعل شيئاً، فجلست في البيت وقد يئست من نصر الله ألم تسمع قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥] ألم تسمع قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]؟
جاء في صحيح مسلم: (يأتي النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي وليس معه أحد) فما بالك! أيئست من نصر الله؟
يأتي خباب فيقول للنبي ﷺ : (يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فيقول له النبي ﷺ : كان فيمن كان قبلكم يؤتى بالرجل فتحفر له الحفرة فيوضع فيها، ويؤتى بالمنشار فيفرق فرقتين، ويؤتى بأمشاط الحديد فيمشط ما دون لحمه وعظمه لا يرده ذلك عن دينه شيئاً، ولكنكم قوم تستعجلون) دعوت إلى الله عشر سنوات، ثم نظرت فإذا الدولة ضدك فقلت: لا فائدة، فضربت كفاً على كف وجلست في البيت! نوح ﵇ يدعو تسعمائة وخمسين سنة، ألف سنة إلا خمسين عاماً، وما آمن معه إلا قليل، كان يدعو إلى الله بدون توقف، ولولا أن الله قال له: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦] لاستمر في الدعوة إلى الله.
стр. 211
الخلاف مع الإخوان
لعل السبب كان خلافاً بينك وبين إخوانك على بعض الأمور، فتركتهم واعتزلتهم، ثم جلست في البيت وقلت: هؤلاء لا يصلحون للدعوة إلى الله.
وإذا كانوا لا يصلحون فأنت لا تصلح أيضاً؟ ما بالك جلست؟
ألا تستطيع أن تنفق شيئاً من جيبك وتشتري بعض الأشرطة وتوزعها للناس؟! ألا تستطيع أن تشتري بعض الكتب وتوقفها للمسلمين؟ ما بالك لا تطرق الباب على جيرانك وتدعوهم إلى الصلاة؟ هل إخوانك هم السبب؟
يقول يونس الثقفي: ما أعقل الشافعي! يقول: ناظرته يوماً فاختلفنا في المسألة فافترقنا وكم من الإخوان يختلفون في مسائل فيفترقون -نسأل الله العافية- يقول: فافترقنا، فلقيني يوماً -انظر إلى فقه الشافعي - فلقيني يوماً فأخذ بيدي فقال لي: يا أبا موسى! ألا يستقيم أن نكون إخواناً ولو لم نتفق في مسألة؟
لنختلف في جميع المسائل لكن القلوب تبقى صافية، وتبقى الألفة، ويبقى التعاون على البر والتقوى، وتبقى الأخوة وإن اختلفنا في بعض المسائل فقههم يختلف عن فقهنا، وقلوبهم تختلف عن قلوبنا.
стр. 212
النظر إلى من هم أقل منه منزلة
لعل السبب أنك تنظر إلى من هو دونك، تنظر إلى كبار طلبة العلم وأهل الشهادات وخريجي الجامعات يجلسون في البيت ولا همَّ لهم إلا كيف يُصلِح بيته وكيف يُصلِح سيارته وكيف يجلس ويشرب الشاي والقهوة واليوم العشاء عند فلان، وغداً عند فلان، واليوم النزهة إلى المكان الفلاني، والسفر إلى المكان الفلاني، وكنت تقول: هذا فلان قد تخرج من جامعة شرعية، وحصل على أعلى الشهادات، وهو خطيب في المسجد وهذه حاله، فأنا أفضل منه، لأنني قد نصحت زوجتي وأبنائي.
سبحان الله! تنظر إلى من هو دونك!
أسألك -أخي العزيز- أن تحاسب نفسك، وتعرف السبب، ثم تعالجها، وتسمع قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧].
أسمعت بقصة حبيب بن زيد؟ يروى أنه أرسله النبي ﷺ إلى مسيلمة -انظر إلى خدمة هذا الدين، وإلى التضحية في سبيل الله، وأنت ماذا فعلت حتى تكون في صفهم؟ - أرسله إلى مسيلمة، فأعطاه رسالة رسول الله ﷺ ، فغضب مسيلمة وقال له: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: أشهد أن محمداً رسول الله قال: أتشهد أني رسول الله؟ فرد عليه حبيب مستهزئاً: إنّ في أذني صمماً، فربطه وأراد أن يعذبه، وقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: أشهد أن محمداً رسول الله.
قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إنَّ في أذني صمماً، يستهزئ به، فقال للجلاد: اقطع منه جزءاً، فقطع منه طرفاً من جسده فتدحرج، والدم يسيل منه، وقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إن في أذني صمماً، فلم يزل الجلاد يقطِّعه قطعةً قطعة حتى صار قطعاً على الأرض منثورة، وهو يلفظ آخر أنفاسه ويقول: أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله.
أخي العزيز: ماذا قدمت لهذا الدين؟ سمعت الخبر فماذا سيكون دورك؟ أتسمع الخبر وتقول: لهذا اليوم أعددته، وعند الله أحتسبته! نقول هذا لنسائنا وزوجاتنا، نقول لهنَّ تلك القصة، أين أنتنَّ من أم حبيب؟ ثم إنَّ أم حبيب تقول: بايع حبيب رسول الله ﷺ صغيراً ووفى اليوم كبيراً.
أسمعت بقصة عباد بن بشر ﵁، الذي استعمله رسول الله ﷺ حارساً للمسلمين، هو وعمار بن ياسر، يقول عباد بن بشر لـ عمار: أتريد أن تكون أول الليل حارساً أم آخره؟ فقال عمار: أنام أول الليل وأكفيك آخره، فنام عمار، وقام عباد على ثغر رسول الله ﷺ يصلي، فرآه أحد المشركين في الليل، فرماه بسهمٍ حتى وقع فيه، فنزعه وأكمل صلاته، والدم يسيل منه.
والآن أنت في موقفٍ في الدعوة إلى الله، أنت على ثغرٍ من ثغور المسلمين، ماذا أصابك؟ ماذا دهاك أخي في الله؟ أصابتك كلمةٌ من أحد إخوانك فتركت الدعوة وأهلها، أصابتك مصيبة، فتركت الدعوة برُمَّتِها ثم يصيبه المشرك بسهم آخر، فينزع السهم ويكمل صلاته، ثم يصيبه بالسهم الثالث، فينزعه ويكمل صلاته، ثم يقطع صلاته ويوقظ عماراً، فيقول عمار: ما لك رحمك الله؟ لِمَ لم توقظني من أول سهم؟ قال: كنت في سورة فما أحببت أن أقطعها، وايمُ الله لولا أني على ثغرٍ أمرني رسول الله أن أحفظه لكان قطع روحي أحب إليَّ من قطع تلك السورة.
هكذا يكون استشعار العمل، هكذا تكون الدعوة إلى الله، أما حالنا -نسأل الله العافية- فلنبك ولنندب أحوالنا.
стр. 213
نصيحة للتخلص من الفتور
أنصحك -أخي في الله- أن تتعاهد إيمانك، وتحاسب نفسك، اجلس مع نفسك هذه الليلة ثم سلها: ماذا تقدم لدين الله؟ ماذا قدمت -يا نفس- في الدعوة إلى الله؟ هل أنت من الذين يخادعون أنفسهم، الذين لا همَّ لهم إلا الجلوس والحديث واللغو والكلام، ثم يرجع إلى البيت فينام، وهكذا حياته كلها؟ حاسب نفسك ثم أكثر من العبادات ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] ينتبهون فيبصرون، ينفض الغبار عن نفسه، ويرجع إلى إخوانه، ويضع يده في أيديهم، ويقول: أرجع معكم مرة أخرى، ماذا تريدون؟ ماذا تطلبون؟ أموالي للدعوة إلى الله، وقتي للدعوة إلى الله، جسدي للدعوة إلى الله، ماذا يريد الله مني؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] فهل بعت نفسك؟ وهل تمت الصفقة؟ ما هو الثمن؟ إن الثمن هو الجنة: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١].
بعها وتوكل على الله، وسر في طريق الدعوة، ولا تقل: عندي ذنوب ومعاص، فكل الناس يذنبون
ولو لم يعظ في الناس من هو مذنب فمن يعظ العاصين بعد محمدِ
كل الناس عصاة ومذنبون، فما بالك تمنعك المعاصي والذنوب، وعليك ألاَّ تجمع ذنباً على ذنب، ولا تجمع معصية إلى معصية، وأدعوك أن تصفِّي قلبك مرة أخرى، ضع يدك في يد إخوانك، وابدأ معهم طريقاً جديداً وصفحةً جديدة، وقل مع إخوانك: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
قيل للبخاري: إن أقواماً يقولون فيك كذا وكذا، فالتفت إليهم وقال: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٧٦] ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣] قالوا: ألا تدعو عليهم؟! قال: سمعت أن رسول الله ﷺ يقول: (اصبروا حتى تلقوني على الحوض) إنها قلوب كبيرة، وصدور شُرحت بالإسلام.
وهذا الإمام أحمد يبكي ليلة كاملة، فيقال له في الصباح: ما بالك -رحمك الله- تبكي في الليل؟ قال: مر عليَّ في الدرس قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠] فتذكرت المعتصم الذي كان يأمر بجلدي، فسجدت لله في الليل أبكي أن يحلله الله مني.
الله أكبر! هل وصلنا إلى هذه الدرجة؟ هل وصلنا إلى هذه السورة؟
قلوبنا -أيها الإخوة- قد دخلت فيها الذنوب، وران عليها الذنوب، حتى أصبح أحدنا لا يتحمل أخاه، ولا يحتمل كلمة.
وهذا سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب في منى يزاحمه رجل فيلتفت إليه فيقول له: إني لأظنك رجل سوء، فيبتسم سالم ويقول: ما عرفني إلا أنت.
نعم والله، الناس يظنوني رجل خير لكنك الوحيد الذي عرفتني.
ويأتي الحسن بن الحسن، ويتكلم على زين العابدين، فذهب إليه في البيت وطرق عليه الباب، فخرج وتعجب! ما باله يأتيه في الليل؟! فقال له: يا فلان! إن كان حقاً ما قلته عني فغفر الله لي، وإن كان كذباً فغفر الله لك، والسلام، وتركه ومضى، فلحقه الحسن بن الحسن، فعانقه وأخذ يبكي ويطلب منه أن يعفو عنه، فقال: لا بأس عفا الله عنك.
حتى رثى لحاله وهو يبكي، وقال: لا والله لا أعود لأمرٍ تكرهه بعد هذا.
ألا نكون مثلهم؟ ألا نأتي إلى إخواننا ونضع أيدينا في أيديهم، ونبدأ معهم مرة أخرى في الدعوة إلى الله؟! أقلَّ القليل أن ندعو إلى الله فيما نتفق عليه، فنحن متفقون أنه يجب علينا أن ندعو الناس من الكفر إلى الإيمان، ومن ترك الصلاة إلى إقامتها، ومن البدعة إلى السنة، ثم إن اختلفنا ينصح بعضنا بعضاً.
وأنصحك -أخي الحبيب- أن تنظم وقتك مرة أخرى، وتحاسب نفسك: كم ساعة للدعوة إلى الله؟ وكم ساعة لنفسك ولأهلك ولزوجك؟ وتكون عادلاً، وتنصف في توزيع الأوقات، ساعة في الدعوة على الأقل وخمس ساعاتٍ لأهلك ونفسك، فكن عادلاً ولا تظلم نفسك ولا تبخسها حقها.
وأنصحك أن تقرأ سير الأنبياء والصالحين ألم تسمع بنبي أخذ من بين يدي أبيه وأمه صغيراً، ثم رمي في الجب وكاد أن يُقتل، ثم بيع في الأسواق زهيداً رخيصاً عبداً يباع ويشترى، ثم أصبح خادماً في قصر العزيز، ثم تعرض للفتن، ثم ساءت سمعته في الناس وتكلم الناس في عرضه، ثم يُقذف في السجن بضع سنين، فعندما دخل وجد صاحبين في السجن فقال لهم: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩] فلو دخلت السجن كن داعية إلى الله، وفي المدارس، والوظائف، في العمل، والسيارة، والبيت، والشارع، والمسجد، وكل مكان كن داعية إلى الله.
ألم تسمع قصة نوحٍ ﵇؟!
ألم تسمع قصة ذلك المجاهد الشاب عقبة بن نافع، وكيف كان يدعو إلى الله بسيفه وفرسه، حتى وصل إلى المحيط الأطلسي وعمره خمسٌ وعشرون سنة، فيدخل بفرسه إلى البحر، ويبلل حوافر الفرس، ويرفع سيفه وهو يقول: والله لو أعلم أن خلف هذا البحر قوماً وأرضاً لخضته بفرسي هذا هكذا يكون الجهاد!
ألم تسمع بـ جعفر الطيار الذي حمل راية الدعوة والجهاد بيده اليمنى فقطعت، ثم حملها بيده اليسرى فقطعت، ثم حملها بين عضديه فتكسر الرماح في ظهره وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وباردٌ شرابها
والروم رومٌ قد دنا عذابها كافرة بعيدةٌ أنسابها
وأنصحك أن تدعو بدعاء رسول الله ﷺ ، وتنفض الغبار عن نفسك، وتقول: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل) تدعو بهذا الدعاء صباح مساء، ليل نهار، ثم تنفض عن نفسك الغبار وترفع يدك إلى الله وتدعو الله أن يعينك، وتقول: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٥٠].
يقول زيد بن ثابت: لقيت سعد بن الربيع في إحدى المعارك وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ويقول لي:: بلِّغ رسول الله ﷺ مِنَّي السلام، وقل له: إني أجد ريح الجنة.
ثم قال له: قل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن يخلص إلى رسول الله وفيكم عين تطرف.
ثم فاضت روحه إلى الله.
فلا عذر عند الله، إن يتكلم في الدين ويهان الدين في كل مكان ويستهزأ بسنة سيد المرسلين، وفينا عين يطرف.
أقول هذا القول، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وجزاكم الله خيراً.
стр. 214
الأسئلة
стр. 215
معنى: من كانت فترته إلى سنتي فقد نجا
السؤال
قد يحصل للإنسان فتور عن العبادات كما ذكر، فنرجو التوضيح؟
الجواب
يقول النبي ﷺ : (لكل عمل شرة، والشرة إلى فترة)، وفي رواية: (ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد نجا، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك) وفي رواية: (فقد ضل) فالحديث صحيح، وحسنه بعضهم لكنه صحيح، ومعنى: ﴿من كانت فترته إلى سنة﴾ أي: أنه يظل على الواجبات مثلما قال الشيخ جزاه الله خيراً، أي: فلا يرتكب المحرمات ولا يفرط في الواجبات فهذا قد نجا.
مثاله: رجل فتر حتى أصبح -مثلاً- لا يقوم الليل، أو فتر حتى أصبح لا يصوم الإثنين ولا الخميس، أو فتر حتى أصبح لا يجلس بعد الفجر إلى الشروق، فهذا الفتور إلى السنة، لكن عليه أن يحاول أن يرجع، نسأل الله أن يجدد لكم إيمانكم، وهذه درجات دنيا، لكن المصيبة أن يؤدي الفتور إلى ضلالة، حتى يصبح الرجل كما ذكرنا يجلس في مجلس فيه منكر، فإنه فتور غير محمود، أو يمر في الأسواق ويكلمها وتكلمه ويضاحكها وتضاحكه، ويظن أن هذا الفتور لا بأس به، بل إنه يترك الدعوة إلى الله برمتها، والدعوة واجبة على كل مكلف، بل قال ﵊: (بلغوا عني ولو آية) وهذا الرجل لا هم له في الدعوة إلى الله بتاتاً، ثم يقول: هذا فتور طبيعي! لا، هذا فتور إلى ضلالة.
فجزاه الله خيراً إذ نبه على أن الفتور نوعان: فتور في ترك السنن والمستحبات، وهذا طبيعي، قال بعض السلف: لا بد من الغفلة، لكن لا تطل النوم.
فانتبه، اقرأ القرآن حتى يزداد الإيمان مرة ثانية، لعلك تموت على ضعف الإيمان، تحصل على الدرجات الدنيا، وقد يكون الفتور في ضلالة ونحن ما نشعر، نقول: هذا فتور عادي وطبيعي.
следующие страницы →