Полный текст (1 195 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الخلاف مع الإخوان
لعل السبب كان خلافاً بينك وبين إخوانك على بعض الأمور، فتركتهم واعتزلتهم، ثم جلست في البيت وقلت: هؤلاء لا يصلحون للدعوة إلى الله.
وإذا كانوا لا يصلحون فأنت لا تصلح أيضاً؟ ما بالك جلست؟
ألا تستطيع أن تنفق شيئاً من جيبك وتشتري بعض الأشرطة وتوزعها للناس؟! ألا تستطيع أن تشتري بعض الكتب وتوقفها للمسلمين؟ ما بالك لا تطرق الباب على جيرانك وتدعوهم إلى الصلاة؟ هل إخوانك هم السبب؟
يقول يونس الثقفي: ما أعقل الشافعي! يقول: ناظرته يوماً فاختلفنا في المسألة فافترقنا وكم من الإخوان يختلفون في مسائل فيفترقون -نسأل الله العافية- يقول: فافترقنا، فلقيني يوماً -انظر إلى فقه الشافعي - فلقيني يوماً فأخذ بيدي فقال لي: يا أبا موسى! ألا يستقيم أن نكون إخواناً ولو لم نتفق في مسألة؟
لنختلف في جميع المسائل لكن القلوب تبقى صافية، وتبقى الألفة، ويبقى التعاون على البر والتقوى، وتبقى الأخوة وإن اختلفنا في بعض المسائل فقههم يختلف عن فقهنا، وقلوبهم تختلف عن قلوبنا.
стр. 212
النظر إلى من هم أقل منه منزلة
لعل السبب أنك تنظر إلى من هو دونك، تنظر إلى كبار طلبة العلم وأهل الشهادات وخريجي الجامعات يجلسون في البيت ولا همَّ لهم إلا كيف يُصلِح بيته وكيف يُصلِح سيارته وكيف يجلس ويشرب الشاي والقهوة واليوم العشاء عند فلان، وغداً عند فلان، واليوم النزهة إلى المكان الفلاني، والسفر إلى المكان الفلاني، وكنت تقول: هذا فلان قد تخرج من جامعة شرعية، وحصل على أعلى الشهادات، وهو خطيب في المسجد وهذه حاله، فأنا أفضل منه، لأنني قد نصحت زوجتي وأبنائي.
سبحان الله! تنظر إلى من هو دونك!
أسألك -أخي العزيز- أن تحاسب نفسك، وتعرف السبب، ثم تعالجها، وتسمع قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧].
أسمعت بقصة حبيب بن زيد؟ يروى أنه أرسله النبي ﷺ إلى مسيلمة -انظر إلى خدمة هذا الدين، وإلى التضحية في سبيل الله، وأنت ماذا فعلت حتى تكون في صفهم؟ - أرسله إلى مسيلمة، فأعطاه رسالة رسول الله ﷺ ، فغضب مسيلمة وقال له: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: أشهد أن محمداً رسول الله قال: أتشهد أني رسول الله؟ فرد عليه حبيب مستهزئاً: إنّ في أذني صمماً، فربطه وأراد أن يعذبه، وقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: أشهد أن محمداً رسول الله.
قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إنَّ في أذني صمماً، يستهزئ به، فقال للجلاد: اقطع منه جزءاً، فقطع منه طرفاً من جسده فتدحرج، والدم يسيل منه، وقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إن في أذني صمماً، فلم يزل الجلاد يقطِّعه قطعةً قطعة حتى صار قطعاً على الأرض منثورة، وهو يلفظ آخر أنفاسه ويقول: أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله.
أخي العزيز: ماذا قدمت لهذا الدين؟ سمعت الخبر فماذا سيكون دورك؟ أتسمع الخبر وتقول: لهذا اليوم أعددته، وعند الله أحتسبته! نقول هذا لنسائنا وزوجاتنا، نقول لهنَّ تلك القصة، أين أنتنَّ من أم حبيب؟ ثم إنَّ أم حبيب تقول: بايع حبيب رسول الله ﷺ صغيراً ووفى اليوم كبيراً.
أسمعت بقصة عباد بن بشر ﵁، الذي استعمله رسول الله ﷺ حارساً للمسلمين، هو وعمار بن ياسر، يقول عباد بن بشر لـ عمار: أتريد أن تكون أول الليل حارساً أم آخره؟ فقال عمار: أنام أول الليل وأكفيك آخره، فنام عمار، وقام عباد على ثغر رسول الله ﷺ يصلي، فرآه أحد المشركين في الليل، فرماه بسهمٍ حتى وقع فيه، فنزعه وأكمل صلاته، والدم يسيل منه.
والآن أنت في موقفٍ في الدعوة إلى الله، أنت على ثغرٍ من ثغور المسلمين، ماذا أصابك؟ ماذا دهاك أخي في الله؟ أصابتك كلمةٌ من أحد إخوانك فتركت الدعوة وأهلها، أصابتك مصيبة، فتركت الدعوة برُمَّتِها ثم يصيبه المشرك بسهم آخر، فينزع السهم ويكمل صلاته، ثم يصيبه بالسهم الثالث، فينزعه ويكمل صلاته، ثم يقطع صلاته ويوقظ عماراً، فيقول عمار: ما لك رحمك الله؟ لِمَ لم توقظني من أول سهم؟ قال: كنت في سورة فما أحببت أن أقطعها، وايمُ الله لولا أني على ثغرٍ أمرني رسول الله أن أحفظه لكان قطع روحي أحب إليَّ من قطع تلك السورة.
هكذا يكون استشعار العمل، هكذا تكون الدعوة إلى الله، أما حالنا -نسأل الله العافية- فلنبك ولنندب أحوالنا.
стр. 213
نصيحة للتخلص من الفتور
أنصحك -أخي في الله- أن تتعاهد إيمانك، وتحاسب نفسك، اجلس مع نفسك هذه الليلة ثم سلها: ماذا تقدم لدين الله؟ ماذا قدمت -يا نفس- في الدعوة إلى الله؟ هل أنت من الذين يخادعون أنفسهم، الذين لا همَّ لهم إلا الجلوس والحديث واللغو والكلام، ثم يرجع إلى البيت فينام، وهكذا حياته كلها؟ حاسب نفسك ثم أكثر من العبادات ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] ينتبهون فيبصرون، ينفض الغبار عن نفسه، ويرجع إلى إخوانه، ويضع يده في أيديهم، ويقول: أرجع معكم مرة أخرى، ماذا تريدون؟ ماذا تطلبون؟ أموالي للدعوة إلى الله، وقتي للدعوة إلى الله، جسدي للدعوة إلى الله، ماذا يريد الله مني؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] فهل بعت نفسك؟ وهل تمت الصفقة؟ ما هو الثمن؟ إن الثمن هو الجنة: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١].
بعها وتوكل على الله، وسر في طريق الدعوة، ولا تقل: عندي ذنوب ومعاص، فكل الناس يذنبون
ولو لم يعظ في الناس من هو مذنب فمن يعظ العاصين بعد محمدِ
كل الناس عصاة ومذنبون، فما بالك تمنعك المعاصي والذنوب، وعليك ألاَّ تجمع ذنباً على ذنب، ولا تجمع معصية إلى معصية، وأدعوك أن تصفِّي قلبك مرة أخرى، ضع يدك في يد إخوانك، وابدأ معهم طريقاً جديداً وصفحةً جديدة، وقل مع إخوانك: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
قيل للبخاري: إن أقواماً يقولون فيك كذا وكذا، فالتفت إليهم وقال: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٧٦] ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣] قالوا: ألا تدعو عليهم؟! قال: سمعت أن رسول الله ﷺ يقول: (اصبروا حتى تلقوني على الحوض) إنها قلوب كبيرة، وصدور شُرحت بالإسلام.
وهذا الإمام أحمد يبكي ليلة كاملة، فيقال له في الصباح: ما بالك -رحمك الله- تبكي في الليل؟ قال: مر عليَّ في الدرس قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠] فتذكرت المعتصم الذي كان يأمر بجلدي، فسجدت لله في الليل أبكي أن يحلله الله مني.
الله أكبر! هل وصلنا إلى هذه الدرجة؟ هل وصلنا إلى هذه السورة؟
قلوبنا -أيها الإخوة- قد دخلت فيها الذنوب، وران عليها الذنوب، حتى أصبح أحدنا لا يتحمل أخاه، ولا يحتمل كلمة.
وهذا سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب في منى يزاحمه رجل فيلتفت إليه فيقول له: إني لأظنك رجل سوء، فيبتسم سالم ويقول: ما عرفني إلا أنت.
نعم والله، الناس يظنوني رجل خير لكنك الوحيد الذي عرفتني.
ويأتي الحسن بن الحسن، ويتكلم على زين العابدين، فذهب إليه في البيت وطرق عليه الباب، فخرج وتعجب! ما باله يأتيه في الليل؟! فقال له: يا فلان! إن كان حقاً ما قلته عني فغفر الله لي، وإن كان كذباً فغفر الله لك، والسلام، وتركه ومضى، فلحقه الحسن بن الحسن، فعانقه وأخذ يبكي ويطلب منه أن يعفو عنه، فقال: لا بأس عفا الله عنك.
حتى رثى لحاله وهو يبكي، وقال: لا والله لا أعود لأمرٍ تكرهه بعد هذا.
ألا نكون مثلهم؟ ألا نأتي إلى إخواننا ونضع أيدينا في أيديهم، ونبدأ معهم مرة أخرى في الدعوة إلى الله؟! أقلَّ القليل أن ندعو إلى الله فيما نتفق عليه، فنحن متفقون أنه يجب علينا أن ندعو الناس من الكفر إلى الإيمان، ومن ترك الصلاة إلى إقامتها، ومن البدعة إلى السنة، ثم إن اختلفنا ينصح بعضنا بعضاً.
وأنصحك -أخي الحبيب- أن تنظم وقتك مرة أخرى، وتحاسب نفسك: كم ساعة للدعوة إلى الله؟ وكم ساعة لنفسك ولأهلك ولزوجك؟ وتكون عادلاً، وتنصف في توزيع الأوقات، ساعة في الدعوة على الأقل وخمس ساعاتٍ لأهلك ونفسك، فكن عادلاً ولا تظلم نفسك ولا تبخسها حقها.
وأنصحك أن تقرأ سير الأنبياء والصالحين ألم تسمع بنبي أخذ من بين يدي أبيه وأمه صغيراً، ثم رمي في الجب وكاد أن يُقتل، ثم بيع في الأسواق زهيداً رخيصاً عبداً يباع ويشترى، ثم أصبح خادماً في قصر العزيز، ثم تعرض للفتن، ثم ساءت سمعته في الناس وتكلم الناس في عرضه، ثم يُقذف في السجن بضع سنين، فعندما دخل وجد صاحبين في السجن فقال لهم: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩] فلو دخلت السجن كن داعية إلى الله، وفي المدارس، والوظائف، في العمل، والسيارة، والبيت، والشارع، والمسجد، وكل مكان كن داعية إلى الله.
ألم تسمع قصة نوحٍ ﵇؟!
ألم تسمع قصة ذلك المجاهد الشاب عقبة بن نافع، وكيف كان يدعو إلى الله بسيفه وفرسه، حتى وصل إلى المحيط الأطلسي وعمره خمسٌ وعشرون سنة، فيدخل بفرسه إلى البحر، ويبلل حوافر الفرس، ويرفع سيفه وهو يقول: والله لو أعلم أن خلف هذا البحر قوماً وأرضاً لخضته بفرسي هذا هكذا يكون الجهاد!
ألم تسمع بـ جعفر الطيار الذي حمل راية الدعوة والجهاد بيده اليمنى فقطعت، ثم حملها بيده اليسرى فقطعت، ثم حملها بين عضديه فتكسر الرماح في ظهره وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وباردٌ شرابها
والروم رومٌ قد دنا عذابها كافرة بعيدةٌ أنسابها
وأنصحك أن تدعو بدعاء رسول الله ﷺ ، وتنفض الغبار عن نفسك، وتقول: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل) تدعو بهذا الدعاء صباح مساء، ليل نهار، ثم تنفض عن نفسك الغبار وترفع يدك إلى الله وتدعو الله أن يعينك، وتقول: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٥٠].
يقول زيد بن ثابت: لقيت سعد بن الربيع في إحدى المعارك وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ويقول لي:: بلِّغ رسول الله ﷺ مِنَّي السلام، وقل له: إني أجد ريح الجنة.
ثم قال له: قل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن يخلص إلى رسول الله وفيكم عين تطرف.
ثم فاضت روحه إلى الله.
فلا عذر عند الله، إن يتكلم في الدين ويهان الدين في كل مكان ويستهزأ بسنة سيد المرسلين، وفينا عين يطرف.
أقول هذا القول، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وجزاكم الله خيراً.
стр. 214
الأسئلة
стр. 215
معنى: من كانت فترته إلى سنتي فقد نجا
السؤال
قد يحصل للإنسان فتور عن العبادات كما ذكر، فنرجو التوضيح؟
الجواب
يقول النبي ﷺ : (لكل عمل شرة، والشرة إلى فترة)، وفي رواية: (ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد نجا، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك) وفي رواية: (فقد ضل) فالحديث صحيح، وحسنه بعضهم لكنه صحيح، ومعنى: ﴿من كانت فترته إلى سنة﴾ أي: أنه يظل على الواجبات مثلما قال الشيخ جزاه الله خيراً، أي: فلا يرتكب المحرمات ولا يفرط في الواجبات فهذا قد نجا.
مثاله: رجل فتر حتى أصبح -مثلاً- لا يقوم الليل، أو فتر حتى أصبح لا يصوم الإثنين ولا الخميس، أو فتر حتى أصبح لا يجلس بعد الفجر إلى الشروق، فهذا الفتور إلى السنة، لكن عليه أن يحاول أن يرجع، نسأل الله أن يجدد لكم إيمانكم، وهذه درجات دنيا، لكن المصيبة أن يؤدي الفتور إلى ضلالة، حتى يصبح الرجل كما ذكرنا يجلس في مجلس فيه منكر، فإنه فتور غير محمود، أو يمر في الأسواق ويكلمها وتكلمه ويضاحكها وتضاحكه، ويظن أن هذا الفتور لا بأس به، بل إنه يترك الدعوة إلى الله برمتها، والدعوة واجبة على كل مكلف، بل قال ﵊: (بلغوا عني ولو آية) وهذا الرجل لا هم له في الدعوة إلى الله بتاتاً، ثم يقول: هذا فتور طبيعي! لا، هذا فتور إلى ضلالة.
فجزاه الله خيراً إذ نبه على أن الفتور نوعان: فتور في ترك السنن والمستحبات، وهذا طبيعي، قال بعض السلف: لا بد من الغفلة، لكن لا تطل النوم.
فانتبه، اقرأ القرآن حتى يزداد الإيمان مرة ثانية، لعلك تموت على ضعف الإيمان، تحصل على الدرجات الدنيا، وقد يكون الفتور في ضلالة ونحن ما نشعر، نقول: هذا فتور عادي وطبيعي.
стр. 216
حق النفس والأهل على الإنسان
السؤال
نرجو توضيح حديث: (إن لنفسك عليك حقاً الحديث)؟
الجواب
حديث النبي ﷺ : (إن لجسدك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولربك عليك حقاً) قد تعجب من هذا الشخص كيف كان في الدعوة إلى الله، فإذا رأيت وجدت أهله أول من يحتاج الدعوة إلى الله، ثم إذا كبر أبناؤه فهم يحتاجون إلى تربية، تجد أبناء بعض الدعاة في الشوارع وهو يدعو إلى الله، ناسياً أن أول من يحتاج دعوته أبناؤه: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة:١٣٢] ولما هاجت الأمواج كان من أول دعاء نوح ﵇ هو ابنه ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:٤٢] وبعض الدعاة إلى الله لو سألت عن حاله، لقيل لك: يمكث في المزارع في الشاليهات، لا يدخل البيت إلا الساعة واحدة في الليل أو الساعة الثانية عشر في الليل، وليس ذلك في الدعوة إلى الله، فإن الدعوة إلى الله لا تكلف ساعة في اليوم، ولكن الأوقات الأخرى تقضى في السوالف والأحاديث والسمرات، وغيرها من الأمور التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وإذا دخل البيت الساعة الثانية عشر في الليل، فقالت زوجته: أين كنت؟ قال: كنت مشغولاً في الدعوة إلى الله.
يا مسكين! لا تخدع نفسك، ليكن أول من تدعو أهلك قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] والنبي ﷺ دعا خديجة أولاً وأبا بكر، وابن عمه ﵊، قال تعالى ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] بل كان بعض السلف يجلس مع أهله ويدرسهم ويحدثهم، ويذكرهم بالله، وهذه هي الدعوة إلى الله، أما أن يغفل عن بيته ويدعو الناس فلا.
فهذا من الأمور المهمة الخطيرة جداً، فقد أهملت حتى صار بعض الدعاة يؤتون من قبل بيوتهم، لأنه يدعو إلى الله فيلتفت خلفه فإذا أبناؤه في الشوارع، وزوجته قد فعلت وتركت، ثم يأتي وإذا الفضيحة والعار، ثم يترك الدعوة إلى الله ويترك إخوانه الصالحين، بحجة أنه سوف يدرك أهله، ثم لا هو بالذي دعا أهله، ولا هو بالذي صلح بدعوته مع الناس، فعلى الداعية أن ينتبه ويوازن نفسه.
стр. 217
أحوال مختلفة لمجالسة أهل السوء
السؤال
هذا يسأل عن حكم بقائه في مؤسسة أو عمل ومعه جلساء سوء يعملون المنكرات؟
الجواب
إذا كان وجودك أصلح من خروجك فاجلس، كأن يكون وجودك سبباً يمنعهم عن منكر أكبر أو تدعوهم إلى شيء أفضل مما هم فيه، مثل الصلاة، أو تحدثهم عن الدين فابق عندهم فإن هذا من مصلحة الدين، أما إذا وجدت نفسك بدأت تتأثر بالجلوس معهم، وأخذت تلعب معهم، وتعشق ما يفعلونه، فاخرج، وفر من المجذوم فرارك من الأسد.
واعلم أن إنكار المنكر على درجات، فقد تنكر المنكر وتجعل مكانه معروفاً وهذا واجب، وقد تنكر المنكر فيأتي منكر أضعف منه وهذا مستحب، وقد تنكر المنكر ويأتي منكر مثله فهذا موضع اجتهاد وقد يكون غير مشروع، قد تنكر المنكر ويأتي منكر أكبر منه وهذا محرم لا يجوز.
стр. 218
الكلام على العلماء واتهامهم بالتقصير
السؤال
بعض الإخوة يتكلم على العلماء، ويقدح فيهم بحجة أنهم لا يصدعون بالحق، وأن شرع الله لا يحكم، وأن المنكرات منتشرة جهاراً، وهؤلاء العلماء لا ينصحون المسئولين بزعمه وقد يقول: إنهم منافقون وهكذا، فنرجو التوضيح.
الجواب
جزاك الله خيراً، واعلم أنه لن تصلح أمة لا توقر علماءها وولاة أمرها، والعلماء هم ولاة الأمور، فإذا كان كلام الأمة في علمائها فلن تصلح هذه الأمة، بل هذا الرجل الذي يطعن في العلماء يقول: الناس وصلوا وفعلوا، وهؤلاء لا يزالون يدرسون كتب الفقه والعقيدة، ماذا فعلوا؟ وماذا نصحوا؟
فقل له: أنت لا درست ولا وصلت، أنت لم تفعل فعلهم ولا فعلت فعل غيرهم، بل أنت جالس في البيت، وما يدريك أن الذي ينصح ينصح لله ولا يشتهر في نصحه ليقول للناس: انظروا أنا نصحت، وكما أخبرني كثير من الثقاة أن الشيخ ابن باز ينصح، وما يأتيه رجل من الكبار والصغار إلا وينصحه، كذلك غيره من العلماء ينصحون؛ لكن ليسوا كغيرهم من الذين إذا نصحوا قالوا: يا ناس انظروا فنحن نصحنا وفعلنا.
ثم نسأل: هل الدعوة إلى الله واجب العلماء فقط؟!
نعم قد قال الله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ﴾ [التوبة:١٢٢] نعم نعيب على طلبة العلم الذين تخرجوا من الجامعات وجلسوا في البيوت، لكن أقول لمثل هذا: أنت ماذا فعلت؟! تكلم أولاً عن نفسك: (بلغوا عني ولو آية) ألا تحفظ آية؟ ألا تحفظ قول الله : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣] ألم تحفظ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] لم لا تأمر الناس بالصلاة؟
جاء بعض الأعراب إلى النبي ﷺ فأسلم، ثم سأل عن الشهادتين وبقية أركان الإسلام، ثم ذهب إلى قومه يدعوهم، فأسلمت قبيلته كلها، فهكذا تكون الدعوة، أما أنك تلقي اللوم على غيرك من العلماء وطلبة العلم، فقل لنا: ماذا فعلت؟ وكم آية تحفظ؟ وكم حديث قرأت؟ فهل بلغته؟ إذا كنت الآن تحفظ الحديث ولم تبلغه فكيف إذا حفظت الكثير؟ فسوف تكون كمن يأمر الناس بالبر وينسى نفسه، ينشغل بغيره عن نفسه، وهذه مصيبة وطامة.
وأشير هنا إلى قول الحافظ ابن عساكر ﵀: "واعلم أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، ومن أطلق لسانه فيهم بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب" وقال النبي ﷺ : (ومن تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في قعر بيته) وقال الشاعر:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
كف اللوم عن العلماء والمصلحين والدعاة، أو على الأقل سد المكان الذي يسدونه، فأنت لا تستطيع أن تفعل فعلهم، فما بالك تتكلم عليهم؟!
стр. 219
أهمية علم الداعية بما يدعو إليه
السؤال
بعض الإخوة يدعو إلى الله بغير علم، فما توجيهكم؟
الجواب
جزاك الله خيراً، هذه نقطة مهمة، لا تدعو إلا بعلم، صحيح لا تدعو بجهل فتخرج الناس من منكر إلى منكر أكبر منه، فكم من رجل يدعو إلى الله وهو يأمر بالبدعة، يظن أنه يدعو إلى الله وما فعل إلا الشر، ومعنى أن تدعو بعلم أن تعرف أن الصلاة واجبة فهذا علم تدعو إليه، ويكفيك دليل واحد من القرآن أو السنة، تعرف أن الحجاب واجب، وعندك دليل من الكتاب أو من السنة، فاذهب وادع النساء إلى الحجاب، ولكن لا تتكلم بأمر لا تعلم عنه.
وكذلك العلم بحال المدعو وفي الحديث: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب) فانظر كيف يقول النبي ﷺ لـ معاذ بن جبل وذلك لأن لكل قوم سجايا تحتاج إلى مراعاة وفهم.
كيفية الدعوة: دخل رجل المسجد فجلس، فقال له النبي ﷺ : (أصليت ركعتين؟ قال: لا يا رسول الله! قال: قم فصل ركعتين) فانظر حال المدعو، واعرف حاله، لتعرف كيف تدعو إلى الله.
وجاء رجل فبال في المسجد فهمَّ به أصحاب النبي ﷺ فقال: (دعوه لا تزرموه! فلما أتم بوله، أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه، فأتى هذا الرجل وقال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً) فينبغي أن توجد الحكمة في الدعوة إلى الله، وانظروا إلى إخواننا من جماعة التبليغ، فبعضهم حجة لبعض؛ لكن عنده أسلوب، لا يمر في الشارع إلا واهتدى على يديه جماعة بفضل الله، ويتوبون إلى الله، ثم يدخلون إلى المرافق؛ إلى أماكن شرب الخمور، بل إلى الكفار فيخرج الكافر يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، نعم.
نحن لا نقرهم على بعض أعمالهم؛ لكن هذه من أعمالهم الخيرة التي نشجعهم عليها.
والمهم أنك إذا أردت أن تدعو فادع بعلم، ولا تدع إلى بدعة، ولكن هل صحيح أننا ليس عندنا ذلك العلم الكافي حتى ندعو إلى الله؟
لنحاسب أنفسنا فسنجد أننا نعرف أن الصلاة واجبة، والحجاب واجب، والزكاة واجبة، ونعرف أن الأغاني حرام وهكذا.
стр. 220
النفور من التدين بسبب اختلاف المتدينين
السؤال
بعض الناس ينفر عن الدعوة بسبب الخلافات، ويترك الدعوة بحجة الخلافات.
ماذا توجه له من نصيحة؟
الجواب
ما ذكرته يعتبر من أسباب الفتور في الدعوة إلى الله، ونحن لم نذكر جميع الأسباب، ومنها الفردية في الدعوة، فإن كثيراً من الناس مرت به فترة من الدعوة وهو نشيط جداً، وأظن بعضكم يذكر البعض.
حين كان من أنشط الناس في الدعوة إلى الله ثم إذا به يتراجع، فما الذي حدث له؟ حدث أنه كان يدعو إلى الله لكن لوحده وما عليه من غيره، وهو ينسى أن ديننا دين جماعة، دين تحاب، قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال:٦٣]، وأمر رسوله فقال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] فأنت لا تستطيع لوحدك، وديننا دين جماعة، دين تآلف، دين وحدة.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤] فلو جاء الجهاد فأظن أن هذا الذي يدعو وحده ويقول: أنا لا أدعو إلى الله مع هؤلاء لأنه توجد عندهم أخطاء ومخالفات، سيبقى وحده، فنقول: هؤلاء متفقون معك على أصول أهل السنة ولكن عندهم بعض الإشكالات التي تختلف أنت معي فيها، ويختلف فيها كبار أهل العلم، لكن ينبغي أن ندعو إلى الله: ﴿صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤] أسألك: لو جاء الجهاد في سبيل الله فماذا سوف تفعل؟
لا أظنك سوف تجاهد معي، لأنك الآن لا تدعو إلى الله معي، بل لو أتى الجهاد في سبيل الله فلا آمن أن ترفع السلاح في وجهي، هذا الذي حصل في كثير من بلاد المسلمين يرفع أحدهم السلاح في وجه الآخر، فالحاصل أنه ينبغي الاجتماع والتعاون.
стр. 221
الوقت وأهميته
إن الوقت هو الحياة، وهو عمر الإنسان، ورأس ماله، لذلك لابد من الاهتمام به والحفاظ عليه وعدم تضييعه، فيا ترى كيف تقضى الأوقات؟
هذا هو ما تحدث عنه الشيخ، ذاكراً الأمور التي تقضى بها الأوقات كالصلاة على وقتها، ثم تحدث عن العلم وفضله ومنزلته وأهميته، وفضل طالب العلم، معرِّجاً على نماذج من السلف في طلبهم للعلم ثم بين كيفية تنظيم الأوقات، محذراً من مضيعات الأوقات، ومبيناً علامات الوقت الضائع، وكل ذلك ليبين أهمية استغلال الوقت في طاعة الله تعالى، وعدم تضييعه.
стр. 222
قيمة الوقت
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذه الكلمة بمناسبة بداية العطلة الدراسية، وهي للطلبة خاصة، لكنها للناس عامة، فكل الناس في هذا الزمان يشكون من الفراغ، قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]
ووقتك هو حياتك، وإذا ذهب وقتك فقد ذهبت حياتك، وكلما مر الوقت كلما ذهبت الحياة، قال ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس وذكر منها: حياتك قبل موتك) أي: اغتنم هذه الحياة قبل أن تذهب، ويخلفها الموت، قال ابن هبيرة:
والوقت أنفسُ ما عنيتَ بِحفظهِ وأراه أسهلَ ما عليك يضيعُ
فالوقت أغلى شيء وأسهل شيء في الضياع، ولهذا يُقال في المثل: الوقت من ذهب.
وهذا المثل خاطئ، فالوقت لا يقدر بالثمن، ولهذا تجد بعض الناس يشكون من الفراغ، ويسمونه الفراغ القاتل، يكاد يقتله هذا الفراغ ولا يعرف ماذا يفعل به، بل إن بعضهم يقتل نفسه من ألم الفراغ، وبعضهم يتعاطى المخدرات ويفعل المنكرات ليتخلص من هذا الفراغ، فراغ قاتل، إن لم تشغله بالخير شغلك بالشر.
قالت رابعة لـ سفيان: إنما أنت أيام معدودة، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل.
فإنك تذهب مع الوقت، وأنت تعلم فاعمل.
عندما مات محمد بن جرير الطبري، شيخ المفسرين، حسبوا أوراقه التي صنفها، ثم قسموها على أيام حياته فوجدوا كأنه ألّف كل يوم أربع عشرة ورقة.
في كل يوم من حياته، منذ أن بلغ الحلم إلى أن مات، كأنه ألّف أربع عشرة ورقة، تأليفاً لا قراءة.
وقال أبو جعفر لأصحابه: أتنشطون في كتابة تفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة، تكتبون وأنا أمليكم.
قالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه.
سوف نموت وما انتهينا من ثلاثين ألف ورقة.
فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة.
ثم قال: هل تنشطون لكتابة تاريخ العالم منذ آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحواً مما ذكره في التفسير، أي: ثلاثين ألف ورقة، فقالوا: تفنى الأعمار قبل أن تفنى هذه الأوراق.
ثم اختصره إلى ثلاثة آلاف، ثم قال ﵀: إنا لله! ماتت الهمم في كتابة ثلاثة آلاف! ونحن في هذا الزمان لو أملى الشيخ على التلميذ ثلاث ورقات لملَّ الطالب، ووضع الورقة وتعب، وهؤلاء اختصر لهم الكتاب في ثلاثة آلاف ورقة!
стр. 223
مرور الأيام يفني الأعمار
كل يوم يمر يأخذ بعضي يورث القلب حسرة ثم يمضي
يذهب يوم بعد يوم، وتذهب ساعة بعد ساعة، ويضيع العمر وأنت نائم لا تشعر في أيام المدرسة كنت تقضي ست ساعات في الدراسة، والآن لقد أتت العطلة فماذا تفعل في الست الساعات هذه؟
هل وضعتَ لك هدفاً؟ هل وضعتَ لك برنامجاً؟ وغير الست الساعات كنت تدرس وتحل الواجبات، وكنت تذهب إلى المدرسة وترجع من المدرسة، وكنت تذاكر للاختبارات هذه الأوقات كلها ذهبت، وأتى بعدها فراغ، ماذا سوف تفعل فيه؟ كنتَ تحضر دروساً، وكنتَ تطلب العلم، وإذا ظللت على حالك هذا فسوف تقضي سبع ساعات من الفراغ، والنبي ﷺ يقول: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: وذكر منها: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه) سوف تُسأل عن كل دقيقة بعد الأخرى، فماذا ستجيب ربك؟ تقول: نمت ولعبتُ وجلست أمام التلفاز، أو تقلب الجريدة والمجلة، أو تتجول على هذا بعد هذا، أو تتكلم مع هذا بعد هذا، وضاعت الأوقات بالأحاديث التي لا طائل منها، وباللغو الذي لا فائدة فيه، وبالطعام والشراب وباللعب واللهو، وإن لم تكن بالمحرمات ضاعت فبالمباحات.
يقول أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي عن نفسه: لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري.
ألَّف كتاباً يسمى الفنون، يقع في ثمانمائة مجلد، من غير كتبه الأخرى، ألَّف هذا الكتاب ومع ذلك يقول: إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري.
أتظن أن هذا كانت تضيع أوقاتُه بالنوم، أو باللعب، أو بالأحاديث الفارغة، أو بالمشي، أو بالزيارات التي لا طائل منها ولا فائدة ولا هدف منها؟!
إذا كنتُ أعلم علماً يقيناً بأن جميع حياتي كساعةْ
فلم لا أكون ظنيناً بها وأجعلها في صلاح وطاعة
وإذا كنت متيقناً أن الحياة كلها كساعة واحدة، كأنك تغمض عينك فتفتحها وإذا العمر قد فات، فلماذا لا تغتنم وقتك؟! ولذلك يقول الله يوم القيامة للمشركين: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٣] لعله أقل من يوم، أو جزء من يوم، بكرةً أو عشية أو ضحاها ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣] اسأل أهل الحساب، اسأل الذين كانوا يعدون الأيام ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ [المؤمنون:١١٤ - ١١٥] أتحسب أنَّ الوقت -الذي هو نعمة من نعم الله- وأعطاك الله إياه، أتحسب أنه عبث؟ أتظن أن الله لن يسألك عنه؟ أتظن أنك ستأتي يوم القيامة وتقول: يا رب، على الأقل أنا ما فعلتُ منكرات؟! بل إنك سوف تحاسب؛ لأنها نعمة ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨] وإذا كنت لا تشعر أنها نعمة فاعلم أن بعض الناس يتمنى قراءة المصحف فلا يجد وقتاً، يذهب إلى العمل منذ طلوع الفجر حتى تغيب الشمس، ثم يرجع إلى البيت فيأكل لقمة، ثم تغلبه عيناه فينام، ثم يستيقظ في الفجر ليذهب إلى العمل ويكدح ويتعب حتى تغرب الشمس، ثم يرجع إلى بيته، وهكذا طول حياته، لا إجازة ولا راحة، وأنت الآن مترف منعم بهذا الوقت، يأتيك الطعام والشراب والمال، وتنام في بيت بارد هنيء مريح، وعندك الكتب ما تشاء منها، بل عندك المشايخ، الأشرطة، ثم بعد هذا تتكاسل! وتظن أن الله لن يسألك عن هذا!!
стр. 224
ليكن لك هدف
لن تستغل وقتك حتى تجعل لك هدفاً، قبل أيام كانت هناك اختبارات، وكم كان الوقت ثميناً عند الطلبة؟ كان الطالب لا يضيع دقيقة، وإذا طلب منه أحدٌ شيئاً قال: أنا مشغول.
يريد أن يقرأ ويذاكر، فقد عرف قيمة الوقت؛ لأن عنده هدفاً، وهو الاختبار، وهذا هو الذي جعله يستغل الوقت.
فليكن لك هدف، أما أن تحفظ القرآن في العطلة، على الأقل تحفظ عشرة أجزاء، وتنتهي من تفسير القرآن الكريم كله ولو مختصراً، وتنتهي من حفظ متن في الفقه، فتعرف أحكام الفقه كلها، وتحفظ بضعة أحاديث، أو تدعو إلى الله وإذا لم يكن لك هدف فاعلم أنك لن تستغل وقتك، ومِن الناس مَن يخطط مِن الآن لأهداف مثل النوادي الصيفية، أو المراكز، ولعب الكرة، أو يدخل نادياً يتقوى فيه، فهدفه أن تنتهي العطلة وقد قوي جسده
يا خادم الجسم كم تتعب لراحته أتعبت نفسك فيما فيه خسرانُ
أقبل على النفس فاستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ
فالمهم النفس ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٧ - ١٠].
وما هي الفائدة التي يجنيها هؤلاء؟ يتعب سنوات من عمره وتضيع هباءً وهدراً، ثم بعد هذا يحصل على الكأس، ويصبح نجم الكرة، ثم بعد سنوات يُنسى ويُطوى في التاريخ، كما نُسي غيره، ثم يعقب هذا كله الندم والخسران والألم والحسرة! هذا إن أصبح نجماً، فما بالك إن لم يصل إلى هذه المنزلة أو إلى هذه الدرجة! ماذا سيكون حاله؟ سوف يُنسى كما نُسي غيره.
وبعض الناس هدفه في هذه العطلة أن يسافر إلى دول الفجور والخنا والزنا، يجمع المال من الآن، ويخطط مع أهله، فيذهبون إلى تايلاند، أو إلى بانكوك، أو إلى إنجلترا، أو إلى فرنسا أو إلى باريس، أو إلى غيرها من الدول، ويظن أنه سوف يتمتع وبعض الناس يخطط في هذه العطلة أن يستمع الموسيقى، ويصبح مغنياً مطرباً، فيدخل معهد الفنون والموسيقى.
ومنهم ذلك الشاب الذي ما إن انتهت الدراسة إلا وقد عزم وأصر أن يختم القرآن في هذه العطلة، فما إن تنتهي الدراسة وتبدأ العطلة، إلا ويبدأ يعكف على كتاب الله، يقرؤه آناء الليل وأطراف النهار، ويراجع ما فاته من الحفظ، ويبدأ في الحفظ ويتقن حفظه، حتى ينتهي من حفظ القرآن، ثم يبدأ في حفظ حديث النبي ﷺ فرق بين الثرى والثريا ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤].
قد هيئوك لأمر لو فطنتَ له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهَمَلِ
أيها الأحبة: كل الناس أغلبهم عنده هدف، وانظر إلى أهداف بعضهم الدنيئة والحقيرة:
منهم في هذه العطلة من يريد أن يجمع المال، وبعد جمع المال، ما الذي سوف يحصل؟ المال تتعب قبل جمعه وبعد جمعه، أما العلم فسوف يريحك، وسوف ينعمك في هذه الدنيا.
ومنهم من يحرص على متابعة برامج التلفاز، ويجمع الأموال ليشتري جهاز فيديو، بل يشتري جهازاً للبث المباشر؛ ليتابع البرامج الغربية الخلاعية وغيرها أهذا الهدف خير أم هدف ذلك الشاب الذي ينوي في هذه العطلة أن يطلب العلم، وأن يدعو إلى الله، فما أن تنتهي العطلة إلا وقد طرق كل بيت من بيوت الجيران، يعاهد ربه ما أن تنتهي العطلة إلا وقد ختم هذه الكتب كلها، فينتهي من الكتب المختصرة، ثم الموسعة، ثم المفصلة، فتنتهي العطلة وقد تعلم في ثلاثة أشهر ما لا يتعلمه غيره في سنوات.
стр. 225
ثبات يرفع القدر
أعرف بعض الشباب جدوله هو الجدول، كان في أيام الدراسة من الصباح إلى الظهر في المدرسة، ثم انتهت الدراسة وإذا هو ذلك الشاب، من الصباح إلى الظهر عاكفاً على الكتب.
أيها الإخوة: ما هو الفرق؟ كنت تذهب كل يوم إلى المدرسة من السابعة إلى الواحدة، فلماذا تكاسلت في العطلة؟ لأن الأمر ليس فيه جائزة مادية محسوسة، أما تلك ففيها شهادة المؤمن دائماً يفكر في أجور فضل طلب العلم، وفضل الدعوة، وفضل بر الوالدين، وفضل صلة الأرحام، وهكذا ولهذا إن جلس بعد الفجر إلى الظهر فلا يمل ولا يكل ولا يتعب ولا يسأم، ولو كان لوحده، ولو نام الشباب، ولو نام الناس، ولو ضاع الناس، ولو تركوا العلم والكتب فهو عاكف عليها.
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوانِ
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثانِ
تدارك نفسك، وتدارك عمرك، واعلم أن كل لحظة تمر يذهب شيء من عمرك، وكل دقيقة مرت سوف تسأل عنها يوم القيامة.
إن من الناس من لو سألته: ما هدفك في العطلة؟ لقال: ما أدري.
سبحان الله! هذا أتعب الناس وأتعس الناس، كل من الناس جعل له هدفاً، أما هو فيقول: ما أدري.
ما الذي سوف تفعل في العطلة؟ أوقات الفراغ كيف ستقضيها؟ يقول: ما أدري إما أن يقضيها في المزارع، أو في الصيد، أو في السيارة يتجول، أو يزور الناس فيضيع أوقاتهم، أو أن يسافر كل يوم إلى منطقة من المناطق، ويظن أنها صلة رحم، ويضحك على نفسه، ويضيع عمره ووقته من غير أن يشعر.
стр. 226
كيف تقضى الأوقات
بعد هذه المقدمة -ولعلنا أطلنا فيها- ندخل في صلب الموضوع، وهو: كيف نقضي الأوقات؟
بدأت العطلة وبدأ الفراغ، وبدأت الأوقات تمر، ومن قال: غداً أبدأ، فاعلموا أن فيه شيئاً من الضعف، ومن لم يستغل وقته من اليوم من بعد صلاة الظهر، ومن بعد انتهاء الدراسة؛ فاعلموا أنه قد بدأ في الضعف، وبدأ بالتسويف، وهذه خطوات الشيطان، كل يوم يقول له: اجلس اليوم، وغداً ابدأ في الدراسة، اجعل لنفسك راحةً قليلاً ثم ابدأ بعدها بطلب العلم والدعوة اعلم أن هذه من خطوات الشيطان.
стр. 227
أداء الصلوات الخمس
أول أمر تحرص عليه في هذه العطلة وفي غيرها من الأيام هو الصلوات الخمس، قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] والله لن ينفعك هذا الكلام ولا هذا الدرس إذا لم تكن حريصاً على الصلوات الخمس، فإنك سوف تأتي يوم القيامة وأول ما تحاسب عليه الصلاة، فإن لم تصلح صلاتك فقد خبت وخسرت، وفسد سائر عملك ماذا ينفعك العلم والدعوة والنشاط والحركة والجهاد، إذا لم تكن حريصاً على الصلوات الخمس التي هي عمود الإسلام؟
وبعض الناس يحرص على طلب العلم وتفوته صلاة الفجر! واسمعوا إلى هذه الحادثة:
أخرج مالك في الموطأ: أن عمر بن الخطاب فقد سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح؛ فذهب عمر في ذلك اليوم إلى السوق -وكان مسكن سليمان بين المسجد والسوق- فمر عمر على الشفاء أم سليمان، فقال لها: لَمْ أَرَ سليمان في الصبح.
فقالت: إنه بات يصلي فغلبته عيناه.
كان يقوم الليل، فنام عن الفجر، فقال عمر:
[لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إليَّ من أن أقوم ليلة] صلاة الفجر في جماعة أفضل من أن أقوم الليل كله.
فيا من أضعت وقتك، تقوم الليل كله بقراءة كتاب، وتمضيه في سماع شريط، وتلخيصه، ثم تنام عن صلاة الفجر؟! ماذا نفعك العلم؟ ذاك رجل بال الشيطان في أذنه، وضحك الشيطان عليه، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضتُه عليه) لا تقم ليلة فيفوتك الفجر، ولا تطلب العلم في الصباح، ثم تنام عن صلاة الظهر، ولا تطلب العلم بعد الظهر ثم تنام على الكتاب وقد فاتك العصر، أي علم هذا؟! لا تظن أنك سوف تستفيد من وقتك وأنت تضيع الصلوات فأول شيء تحافظ عليه الصلوات الخمس؛ لأنك إن حافظت عليها تَنَظَّمَ وقتُك، وتستطيع أن تستغله، وتحافظ عليه، بل أن الله يبارك لك في الوقت، ويبارك لك في العلم، وحافظ على الصلاة في جماعة، واحرص -أيها الأخ- في هذه الأوقات -أوقات الفراغ- ما إنْ يؤذن المؤذن إلا وأنت في المسجد فإنك في فراغ وليس هناك أي مانع.
стр. 228
طلب العلم وفضله
الأمر الثاني -ولعله هو أكثر ما سنتحدث عنه في هذه الليلة- هو طلب العلم واسمع إلى فضل طلب العلم:
إذا لم يكن عندك حماس، ولا همة في طلب العلم، ولم تتشجع لقراءة الكتب، واستماع الأشرطة، فاسمع الآية تلو الآية، والحديث تلو الحديث، والأثر تلو الأثر، والقصة تلو القصة، لعل الهمة فيك تقوم وتعلو.
أيها الإخوة: إنه والله مسكين من ترك العلم، كما قال بعض السلف: واسوأتاه! ما أقبح من شيخ جاهل! أي: (شيخ كبير في السن وجاهل) ما أقبح هذا! والله عيب ما بعده عيب، ولو كان الرجل مشلولاً أو مريضاً أو عاجزاً أو مقعداً، أو قبيحاً وجهه؛ لكن عنده علم، فإن الله يرفع شأنه، ولو كان أجمل الرجال وأعلاهم قدراً ومنزلة ومالاً وما عنده علم فإن الله يضعه بين الناس حقيراً ما يسأله أحد، ولا يلتفت إليه، ولا ينظر إلى كلامه؛ لأنه جاهل.
قال الله تعالى في فضل العلم: ﴿يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] قال بعض المفسرين: أي العلماء.
انظر مرتبتهم؛ بعد الله رسوله، وبعد رسوله هم العلماء، وقال الله تعالى: ﴿قل هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] لا يستوون؛ هذا جالس طول الليل يقرأ كتاباً ويلخص، ويكتب في الهامش، ويرجع إلى الأحاديث صحيحها من ضعيفها، ويسمع الشريط ويلخص، وهذا جالس على التلفاز والجريدة هل يستوون؟! والله لا يستوون عند الله ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩].
وقال ﵊: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) كفضل النبي ﷺ على أدنى واحد من الصحابة، وقال (طالب العلم -ليس شرطاً أن يكون عالماً- يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر) حتى السمك في البحر يستغفر له! هل هناك أفضل من هذا؟! أأنت خير أم من يجلس وقته كله يقرأ الجريدة أو المجلة أو ينام على الفراش؟
هل سمعتمُ عن بعض الناس ينام من المغرب ولا يقوم إلا عصر اليوم الثاني؟ ينام في اليوم والليلة ثماني عشرة ساعة، كم سيستيقظ؟ ست ساعات، ربع العمر، وثلاثة أرباعه في النوم، هل يستوون؟
وقال ﵊: (خصلتان لا يجتمعان في منافق: حسن سمت، وفقه في الدين) الله أكبر! خصلتان إن كانت فيك فحري بك أن يصرفك الله عن النفاق: حسن سمت، وفقه في الدين وقال ﵊: (فضل في علم خير من فضل في عبادة) وقد سئل الإمام أحمد: أيهما أفضل: قيام الليل أم طلب العلم؟ فقال: طلب العلم.
ولو خيرتَ بين أمرين: هل تصوم التطوع أم تطلب العلم؟ لأن بعض الناس يقول: لو صمتُ لما استطعت أن أقرأ، وإن أفطرت سوف تكون لي همة في القراءة، فأيها أفضل؟ إن فضل صوم التطوع عظيم! يباعد الله بينك وبين النار مسافات عديدة، لكن طلب العلم أفضل، وإن استطعت أن تجمع بين الأمرين فهو خير على خير.
وقال ﵊: (ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم) هذا هوا الفضل، وهذا هو الشرف، وليس هذا الفضل للملك وللأمير وللوزير ولا للشريف ولا للغني، إنما هذا الشرف وهذا الفضل لرجل ولو كانت ثيابه ممزقة نتنة، ولو كان الناس يستقبحونه، خرج ليطلب العلم (ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضاً بما يصنع حتى يرجع) منذ أن يخرج من البيت ذاهباً إلى درس في مسجد إلى أن يرجع يا إخوان: تحسسوا هذا الأمر، ومن استشعر هذا الأمر لا يمل، فمن حين يخرج والملائكة تضع أجنحتها له، والملائكة لها أجنحة عظيمة، تتواضع لهذا الرجل ولهذا الشاب ولو كان طفلاً صغيراً.
وقال ﵊: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) أي: واجب، وهناك واجب عيني وواجب كفائي.
стр. 229
العلم رفعة وتشريف لصاحبه
قال أبو الأسود الدؤلي:
العلم زَين وتشريف لصاحبه فاطلب هُدِيتَ فنون العلم والأدبا
العلم كنز وذخر لا نفاد له نعم القرين إذا ما صاحباً صحبا
قد يجمع المرء مالاً ثم يُحْرَمُه عما قليل فيلقى الذل والنصب
وجامع العلم مغبوط به أبداً ولا يُحاذر منه الفوت والسَّلَبا
يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه لا تعدلن به دراً ولا ذهبا
والله لو يعدلون به الذهب، ولو تُعطى ما تُعطى فإياك أن تفوت العلم، خصوصاً في هذا العمر، وفي هذا الزمان، وفي هذا الوقت الذي لا يشغلك فيه شاغل، ولا يصرفك صارف لا أبناء، ولا بيت، حتى الذي عنده الأبناء والبيت معاشه يأتيه آخر الشهر وهو لا يتعب، بل إن بعض الناس يشتكي من الفراغ في دوامه، يقول: أذهب إلى الدوام وأجلس.
سبحان الله! إنها نِعْمَة والله (نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ) نِعْمَة ما يشعر بها كثير من الناس، وليس شرطاً في طلب العلم وفي فضله أن تصبح عالماً، يكفيك أن تتعلم مسألة فتعلمها غيرك، قال ﵊: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه) انظر إلى هذا الفضل العظيم، تتعلم المسألة ثم تعلمها أحد الناس، سنة تعلمتها ثم ذهبت وعلمتها بعض الناس، يكون لك مثل أجور من علمتهم، ثم ذلك يعلمها غيره، ثم يعلمها رجلٌُ ثالث، ثم رابع، ثم خامس، ثم سادس، ثم عاشر، ثم بعد هذا ينتشر العلم بين الناس، وأنت لم تشعر بهذا الأجر قلتَ كلمة في مجلس أوفي مسجد، أو ذهبتَ ونصحتَ إنساناً، وبعد هذا انتشر العلم بين الناس، ويأتيك الأجر ولو كنت في قبرك.
ويقول النبي ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).
стр. 230
طلاب العلم هم وصية رسول الله ﷺ
أتعرف أن طلبة العلم وصى بهم النبي ﷺ ، فقد وصى أصحابه بطلبة العلم من بعده، قال أبو سعيد الخدري ﵁ عندما جاءه طلبة الحديث: [مرحباً بوصية رسول الله ﷺ ] فقد وصى قبل موته بهؤلاء الطلبة؛ طلبة العلم، طلبة الحديث، ما هم بطلبة نوم، ولا طلبة الأكل والفراغ واللعب واللهو والضَّياع، إنما وصى بطلبة العلم وطلبة الحديث قال: [مرحباً بوصية رسول الله ﷺ ، ثم قال: كان رسول الله ﷺ يوصينا بكم] كان رسول الله ﷺ يوصي أصحابه بطلبة العلم.
أيها الأخ: اطلب العلم فسوف يأتي عليك يوم يرفعك العلم إلى أعلى عليين، ولا تطلب هذا العلم لأجل هذه المنزلة، ولكن اعلم أن العلم سوف يرفعك بين الناس، قال أبو معاوية الضرير وهو أحد العلماء، وكان ضريراً، أي: أعمى البصر؛ لكن الله أنار قلبه يقول: أكلتُ مع الرشيد يوماً -وهو خليفة المسلمين، وكان الخلفاء في السابق يحترمون العلماء، ويُعطونهم قدرهم- يقول: أكلتُ مع الرشيد يوماً، ثم صب على يدي رجل لا أعرفه -ليغسل يده- يقول: ما أعرف من هو هذا الرجل، ثم قال الرشيد: أتدري من يصب عليك؟ قلتُ: لا.
قال: إنه أنا، وذلك إجلالاً للعلم.
يقول الخليفة: أنا أصب على يديك الماء ليس لأجلك، ولكن لأجل العلم الذي تحمله.
فانظروا إلى العلم كيف يرفع صاحبه!
أتعرفون من هو الأعمش؟ ما هناك طالب علم إلا وسمع به، وقد مر على وفاته إلى الآن قرون عديدة، وإلى الآن يُذكر على الألسنة، ويُترحم عليه، ويُستفاد من علمه يقول الأعمش: لولا القرآن لكنت بقالاً يقذرني الناس أن يشتروا مني.
ولكن العلم رفعه!
وهذا عطاء بن أبي رباح، كان عبداً لإحدى نساء مكة، عبد يباع ويشترى، أنفه أفطس، شكله إن نظرتَ إليه تستقبحه، ثم أصبح مولى لـ ابن عباس يذكر عنه أنه رجع إليه أهل مكة كلهم في الفتوى، لا يستفتون أحداً في مكة إلا عطاء بن أبي رباح، حتى إن أبا حنيفة كان يستفيد منه يقال عنه: أنه كان يجلس في المجلس، فيأتيه الطلبة ويجلسون عنده، ويقولون: كنا نهاب أن نسأله حتى يتنحنح، فإذا تنحنح بدأنا نسأله.
وذلك من هيبته، واحترامه هذا الذي كان عبداً يباع ويشترى، ثم تعلم العلم فرفعه الله .
وانظروا إلى العلماء في هذا الزمان كيف يُترحم عليهم، ويُدعى لهم، وإذا مات أحدهم انظروا كيف تقوم الدنيا ولا تقعد!
قدم هارون الرشيد الرقة -إحدى المناطق- فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك، وتركوه وقد تقطعت النعال وارتفعت الغبرة تخيلوا هذا الموقف، قدم هارون فاجتمعوا حوله، فلما ظهر عبد الله بن المبارك ذهبوا كلهم خلفه، والغبار يعلو، والنعال تتقطع، ما الذي حصل؟ ما الذي جرى؟ قالوا: فأشرفت أم ولد أمير المؤمنين من برج الخشب -وهي زوجة هارون الرشيد - فلما رأت الناس قالت: ما هذا؟ قالوا: هذا عالم خراسان قدم الرقة، يقال له: عبد الله بن المبارك، فقالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشُرَط وأعوان.
إي والله، لا ملك الوزراء والأمراء والملوك والأغنياء، الذين يمشون بحرس وبعسس، بل إن بعضهم لا يسَلَّم عليه إلا لمصلحة ولا يصافَح إلا طلباً للمصلحة، ويتمنى من حوله زواله، أما أهل العلم فقد كان بعضهم تُقَبَّل يدُه وكان الإمام البخاري، أثناء الحلقة يقوم ويجلس، ثم يقوم ويجلس، ثم يقوم ويجلس، فسئل: ما بالك؟ قال: نظرت إلى باب المسجد -وكان الصبيان يلعبون- وكلما مر صبي قمت وجلست.
قالوا: من هذا الصبي؟ قال: هذا ابن شيخ كان يدرسني.
فكان كلما مر الابن قام احتراماً لأبيه، الله أكبر!
انظروا كيف رفع الله شأنهم! إذاً: العلم يرفع شأنك ولو كان الناس يستقبحونك.
قال الإمام الشافعي -وهي حكمة عظيمة لعلك تستشعرها- قال: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه.
فكل علم له فائدة وثمرة، حتى الحساب، فإنه يجزل رأيك به، وتكون صاحب رأي.
أيها الإخوة: إن العلم -كما قلنا- أفضل من العبادة، فهو أفضل من صلاة النافلة، وأفضل من صوم النافلة، وأفضل حتى من جهاد التطوع قال الحسن ﵀: لأن أتعلم باباً من العلم فأُعلِّمه مسلماً أحب إلي من أن تكون لي الدنيا كلها في سبيل الله.
أي: لأن أقرأ باباً وأُعلِّمه مسلماً أحب إلي من أن أنفق جميع الدنيا في سبيل الله.
стр. 231
مراتب العلم
يقول النبي ﷺ -وهذا الحديث فيه كما يقول ابن القيم مراتب العلم الأربع-: (نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي، فوعاها، فبلغها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) أي: حسَّن الله صورته، وجمَّل الله وجهه، بعض الناس شكله ليس بحسن، لكن الناس تحب منظره، وتحب الجلوس معه، وتحب مخالطته.
قال: (نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي) هذه أول مراتب العلم: السماع.
المرتبة الثانية قوله: فوعاها، والوعي هو الفهم، فبعد السماع لابد من الفهم.
المرتبة الثالثة: المراجعة والحفظ والتكرار، فما يكفي أنك تسمع وتفهم، فإن بعض الناس تسأله: ما هو طلب العلم عندك؟ فيقول: أحضر درس الشيخ الفلاني والشيخ الفلاني والحلقة الفلانية، وألخص الأشرطة، وأقرأ الكتب.
فإذا سألته لم يعرف شيئاً، وكلما سألته سؤالاً يقول: لحظة، فيذهب ويفتح كتاباً ويقرؤه، ويقول: هذه الإجابة لا ينفعك العلم إذا كان هكذا، بل لا بد من الحفظ، تقضي ساعة في الدرس، ثم ساعات في الحفظ، أما أن تسمع وتسمع وتسمع فلا.
لابد من سماع، ثم فهم، ثم حفظ (نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي، فوعاها، فبلَّغها) المرتبة الرابعة: التبليغ، ويقول ﷺ : (بلغوا عني ولو آية) ثم قال ﵊: (فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) كم من رجل يحفظ حديثاً، ثم يبلغ رجلاً آخر فيفهم أكثر منه، وهذا في الناس كثير، فإنك تجد رجلاً حافظاً للقرآن لكنه لا يفقه منه شيئاً، ورجلاً حافظاً أحاديث كثيرة ولا يعرف يطبق منها حديثاً واحداً.
стр. 232
لا يستطاع العلم براحة الجسد
لا يُستطاع العلم براحة الجسد فإذا كنت تريد أن تطلب العلم فنظم وقتك من الآن، فطالب العلم لا يصلح أن يطلب العلم ساعة واحدة، فهذا ليس بطالب علم، طالب علم ينام من الفجر إلى الظهر كيف سيطلب العلم؟! هذا سوف يطلب لكن بقدر ضعيف جداً طالب العلم لا يقضي ساعة على الأكل، ولا يحتاج إلى ثلاث أو أربع ساعات يلعب ويلهو طالب العلم لا بد أن يتعب الجسد، فاللحم يذهب، والشحم يذهب، والعظام تتعب، والعين تحمرّْ أتريد أن تبلغ الدرجات العالية في العلم وأنت نائم على الفراش؟! تحضر درسين في الأسبوع وتسمي هذا طلب علم؟! يقول ابن أبي حاتم: كنا بـ مصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مرقة، في نهارنا ندور على الشيوخ، وفي الليل ننسخ ونقابل.
إذا أتى الليل نكتب ونقابل النسخ، يقول: فأتينا يوماً أنا ورفيقٌ لي شيخاً فقالوا: هو عليل.
-أي مريض- فرأينا سمكة فأعجبتنا فاشتريناها، وذهبنا إلى البيت لنأكل السمكة، فحضر وقت مجلس بعض الشيوخ، فمضينا، فلم تزل السمكة ثلاثة أيام، وكادت أن تنتن ثلاثة أيام ما عندهم وقت يشوون السمكة، هؤلاء هم طلبة العلم، أما طالب علم ويقول: مللت من الفراغ، ماذا أفعل بوقتي؟! ويفكر ما عنده شيء يقضي به الوقت، ويسمي نفسه طالب علم! يقول: ثلاثة أيام حتى كادت أن تنتن، فأكلناها نيئة، ولم نتفرغ نشويها.
ثم قالوا -اسمع إلى هذه الجملة واحفظها، وكلما تعب الجسد اذكر هذه الجملة- قالوا: لا يستطاع العلم براحة الجسد.
فالذي ينام ويكثر من النوم اعلم أنه لن يبلغ من العلم مبلغاً عظيماً.
وقيل للشعبي -وهو أحد العلماء الحفاظ- قيل له: من أين لك هذا العلم كله؟ فقال: بدفع الاعتماد -ما يعتمد على غيره- والسير في البلاد، وصبر كصبر الجماد انظر إلى الجماد، هل يتعب أو يمل؟! فلو جلس في درس أربع ساعات، لم يقل: قد أطلت، وقد مللنا، ويقفل الكتاب، ويضع القلم، لا.
ولكن وصبر كصبر الجماد، وبكور كبكور الغراب.
أقول هذه الكلمة لمن يسهر طوال الليل ثم ينام عن الفجر، ولا يقوم إلا وقد ارتفعت الشمس، واحترت الأرض، أقول له: وبكور كبكور الغراب، أتريد الحفظ؟ عليك بأول النهار، أتريد العلم؟ عليك بأول النهار.
وسئل الطبراني عن كثرة حديثه، فقيل له: كيف تحدث كل هذه الأحاديث؟ فقال: كنت أنام على البواري -أي: على الحصير- ثلاثين سنة.
يقول: أتريدون أن تعرفوا هذا العلم الذي جمعتُه؟ إني كنت أنام على حصير ثلاثين سنة.
أما أن تريد أن تنام وأنت مرتاح وما تقوم إلى بعد أن شبعت من النوم، وما تجلس إلا في أفضل الأماكن، ولا تقرأ إلا أفضل الكتب، وأسهلها، وما تقرأ دقيقة إلا وترتاح عشر، فهكذا لن تتحصل على العلم أبداً.
ويقول مكحول الشامي ﵀: أُعتِقت بـ مصر كان عبداً وأُعتق بـ مصر، يقول: فلم أدع علماً إلا حويته فيما أرى، ثم أتيت العراق سافر من مصر إلى العراق، لماذا يا إخوان؟ أللنزهة؟ أو لكي يسلم على فلان ويرجع؟ أو لكي يقضي الوقت؟ أو لكي يضيع الوقت؟ يقول: ثم ذهبت إلى العراق والمدينة، فلم أدع علماً إلا حويته فيما أرى.
انظروا إلى الهمة، وإلى الجد والاجتهاد! ليس مثل بعض الناس، يحضر درسين في اليوم، ويظن أنه يطلب علماً!! يقول: ثم أتيت الشام فغربلتها.
أي: ما تركت مكاناً في الشام إلا وأتيته لطلب العلم.
فما الذي بقي بعد مصر والعراق والمدينة والشام؟!
وكان الإمام البخاري ﵀ يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه، فيوقد السراج وإيقاد السراج ليس بالأمر السهل في ذلك الزمن، بل كان يحتاج إلى وقت، وليس الأمر مثلما نحن عليه اليوم الضوء مباشرة، السراج يحتاج إلى وقت طويل حتى توقده، فليست شمعة توقدها مباشرة بـ (كبريت)، فيوقد السراج، ويكتب الفائدة تمر بخاطره وهو نائم يفكر في فائدة وخاطرة علمية، فيقوم من النوم ويشعل السراج ويكتب الفائدة، ثم يطفئ سراجه، ثم يقوم أخرى وأخرى وأخرى، حتى كان يتعدد منه في الليلة الواحدة عشرين مرة، يقوم عشرين مرة حتى يكتب فائدة.
أما نحن اليوم فإننا نقول: عليك بالقيام لصلاة الفجر، فلو قمت لها لصلح حالك، ولا نأمرك بأن تقوم لفائدة، فهذا ليس فينا، إنما هو في الأسبقين.
وبعضهم كان يسافر الشهر ليسأل عن حديث واحد.
وبعضهم كان يسير على رجله أميالاً عديدة، حتى إن بعض العلماء كان يضع الكتب الثقيلة على ظهره ويسافر أميالاً عديدة، فلم يكن معهم طائرة، ولا سيارة، ولا وسائل عصرية حديثة، بل كان يمشي على رجله، والكتب على ظهره، ويسافر أميالاً عديدة حتى يسأل عن حديث واحد.
فقد سافر بعضهم إلى الشام وإلى بغداد، وهو يريد أن يسمع حديثاً من رجل، فلما أتاه سأل عنه فقيل له: قد نُعي قبل قليل، مات -أي: مات- فيبكى بكاءً شديداً؛ لأن ذلك العالم قد مات، ويقول: كادت مرارتي أن تنشق من الحسرة والندم كان يسافر أميالاً عديدة ليسأل عن حديث، وليسمع سنداً، وليسأل رجلاً.
وبعضهم كان يسير إلى مالك بن أنس أشهراً عديدة ليسأله بعض الأسئلة.
وهذا محمد بن إبراهيم آل الشيخ في هذا العصر، ﵀، أتعرفون كيف كان يقضي وقته؟ إن هذه السير والله ليست لأناس من حديد، ليست لأناس مخلوقين غير خلقنا، بل من لحم ودم وشحم، من أناس مثلي ومثلك، عندهم شعور، ويحتاجون إلى النوم والأكل والشرب والجماع والراحة.
محمد بن إبراهيم ﵀ كان يصلي الفجر ثم يجلس بعد الفجر فيدرس ثلاثة دروس في النحو، المستوى الأول، والمستوى الثاني، والمستوى الثالث، ثم بعد هذا كان يدرس الفقه، ثم الحديث، ثم يذهب إلى بيته، يلبث شيئاً قليلاً، ثم يرجع إلى المسجد، فيدرس، فيُقرأ عليه أمهات الكتب حتى قبيل صلاة الظهر، ثم يذهب إلى البيت، ثم يرجع لصلاة الظهر، وبعد صلاة الظهر يدرس حتى صلاة العصر، وبعد صلاة العصر يدرس التوحيد والفقه والحديث والنحو حتى المغرب، ثم بعد المغرب كان يدرس الفرائض حتى قبيل صلاة العشاء، وقبيل صلاة العشاء كان عنده درس عام في تفسير ابن كثير، ثم يصلي العشاء، وبعد العشاء يذهب إلى البيت ليستقبل الناس ويقضي لهم حوائجهم، وبعد ذلك يجلس مع أهله، ثم ينام فيستيقظ قبل الفجر ليقوم الليل ويتهجد ويقرأ القرآن ويدعو، ثم يذهب إلى المسجد قبل الفجر وهكذا أربعين سنة.
هل هو من كوكب آخر؟! هل هو رجل وأنت لستَ برجل؟! هل هو مخلوق آخر؟! لا.
بل إن حاله كحالك، لكن رفع الله شأنه ورفع ذكره، لأنه كان يعرف كيف يقضي وقته، أما أنت فتحب الكسل والدعة والراحة والفتور.
стр. 233
بادر فالعلم لا ينتظر
أيها الأخ: اعلم أن العلم لا ينتظرك، والعلماء يذهبون، فكل يوم يموت عالم، وكلما مر الوقت تسمع فلاناً من العلماء مات، ولعلك تبكي وتتحسَّر وتتضايق، لأنه مات الشيخ الفلاني، وبعد أيام سوف يتصل عليك أحد الشباب: هل سمعت بالخبر؟ ما الخبر؟ لقد مات فلان، إنا لله وإنا إليه راجعون! عالم بعد عالم، ثم يأتي عليك يوم تطلب فيه العلم، وتأتي إلى مسألة وتصعب عليك، وتريد أن تذهب إلى العلماء فتتذكر فلاناً ﵀، فمن يحلها لك؟ وتأتي إلى سند من الأسانيد لا تعرف صحته، ولم تدر ما قال فيه العلماء، ثم تريد أن تسأل عن العالم الفلاني، فلا يحلها إلا عالم واحد، تسأل عنه فإذا به قد مات وتعرض لك مشكلة في الفقه، فتبحث عنها في الكتب وفي المصادر والمراجع وتسأل عنها، فما أحد يجيبك عنها، وتتحير، ثم تريد أن تذهب إلى عالم من العلماء فإذا به قد مات فتدارك نفسك قبل أن يموت العلماء.
стр. 234
أمور لابد منها عند الطلب
إذا أردت أن تطلب العلم فعليك بأمور، نذكر بعضها:
стр. 235
لا تطلب العلم منفرداً
الأمر الأول: ألا تطلب العلم بمفردك.
تعاون مع إخوانك؛ لأن النبي ﷺ يقول: (الجماعة رحمة) وفي الجماعة البركة، وتنزل الرحمة، وتغشاهم السكينة، ويقول النبي ﷺ : (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله! وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر.
ثم قال ﵊: فإن لله سيارات من الملائكة، يطلبون حلق الذكر، فإذا أتوا عليهم صفوا بهم) الله أكبر! انظر إلى الحث على الجماعة، فلا تطلب العلم بمفردك، بل إذا وجدتَ حلقاً للذكر فاجلس فيها، ولا تجلس في البيت، وتقول: أنا أقرأ كتاباً وأطلب العلم وأحفظ وما عليَّ من الناس؛ فإن الرحمة لا تنزل عليك، ولا تغشاك السكينة، ولا يذكرك الله فيمن عنده، فإن هذا الفضل لمن يجتمع مع الإخوان ومع الأصحاب.
ثم طالب العلم لوحده تكثر أخطاؤه، ويكثر زلَلُه، وتكثر عنده الشبهات، ثم طالب العلم لوحده مَن ينافس؟ ما عنده أحد ينافسه، أما طالب العلم مع الجماعة ومع الأقران فإنه ينافس هذا وذاك، وهذا يحاول أن يعلو عليه، وهكذا يتحمس ويتشجع، أما لوحده فلن يحصل على هذا.
стр. 236
العلم يعصم من الفتن
الأمر الثاني: اعلم أن العلم يعصمك من الفتن.
أتذكر الأزمة التي مرت بنا، من صمد في الأزمة برأيه وبعقله؟ إنهم العلماء، أما أكثر الناس فتخبطوا، هذا يقول: افعل، وهذا يقول: لا تفعل، هذا يقول: اقتل، وهذا يقول: لا تقتل، هذا يقول: الزم، وهذا يقول: لا تلزم وكل الناس في شعب وأفكار، وهذا تزعزع، وهذا اضطرب، حتى إن بعضهم خرج من البلد ونسي ابنته في البيت، أما أهل العلم فقد ثبتهم الله ، لأن العلم يثبت أهله.
стр. 237
الشعور باللذة
الأمر الثالث: أثناء طلب العلم لا بد أن تشعر باللذة.
ما هي هذه اللذة؟ إذا لم تحصل لك فاعلم أن هناك لذة ما يحصل عليها إلا من جربها، فإذا وقعت لك مشكلة أثناء طلب العلم، كأن تعرض لك مسألة فقهية، ما عرفت حلها، فتبحث عنها وتقلب الكتب والمراجع والمصادر، وتسأل، وتمر عليك أيام وأنت تبحث، حتى تحصل عليها، فتقول: وجدتُها، وجدتُها ما أحلاها من لذة! والله إنها لذة عظيمة.
طالب حديث يبحث عن سند فلا يجده، ثم يبحث حتى يجده في النهاية، والله إنها لذة عظيمة، ما يشعر بها إلا من جربها.
بات بعض العلماء قلقاً يفكر، أصابه القلق والمرض من الحاجة والفقر، يقول: فعرضت لي مسألة في الفقه، ثم تجلت هذه المسألة أخذ يفكر ويفكر في المسألة، حتى انحلت، فقام فرحاً بعد أن كان قلقاً، ثم قال: أين الملوك؟ تقول أمه: نظرتُ إليه فتعجبت من حاله، لقد كان قلقاً، والآن أصبح فرحاً، ما الذي حصل؟! إنها لذة طلب العلم.
جرِّب -أيها الأخ- عندما تُلخص أشرطة، كعشرين شريطاً للشيخ ابن عثيمين أو غيره من العلماء، فعندما تصل إلى الشريط الأخير تحس بلذة، وسوف ترى أن الشريط الأخير ينتهي بسرعة، وتتمنى أنه ما انتهى ما يشعر بها إلا من دخل في طلب العلم، فإن بداية العلم صعبة، ثم بعد أيام ستشعر بلذة، ولو دعيت إلى اللهو واللعب لما التفت إليه أبداً لأنك في لذة وفي نعمة لا يعلمها إلا الله.
стр. 238
المنهجية في طلب العلم
رابعاً: عليك بالمنهجية في طلب العلم.
إياك أن تكون فوضوياً في طلب العلم! اطلب العلم لكن بمنهجية، فابدأ بالأهم ثم المهم، ابدأ بحفظ القرآن، وقراءة معاني القرآن، ثم بالسنة وقراءة معاني أحاديث النبي ﷺ ، ثم بقراءة الفقه، ثم العقيدة وهكذا.
ومن العجيب أن بعض الناس ينشغل بالفروع عن الأصول، فتجده يحفظ اثنتي عشرة طريقاً في حديث: (من أتى إلى الجمعة فليغتسل) وهو ما يعرف آداب الغسل! وتجده يعرف مسائل دقيقة جداً في الفقه، حتى إن بعض العلماء ما سمعوا بها، ولكن لو تسأله عن صلاته لما عرف كيف يصلي، ولا يعرف مسنونات الصلاة، ولا يعرف ماذا يفعل، حتى لسانه يقع في محرمات وهو لا يشعر!!!
فعليك بالأهم ثم المهم، وكل الدين مهم لكن هناك أمر أهم من غيره، وعليك بالتدرج.
عليك ألاَّ تنشغل بالأدوات عن الهدف، فإن بعض الناس ينشغل بالأدوات مثل النحو ومصطلح الحديث، وينشغل به، وهو ليس إلا أداة لتعرف حديث النبي ﷺ ، وتتعلم معانيه، أما أن تنشغل بهذه الأداة عن الهدف الأساسي فهذا خطأ في طلب العلم.
стр. 239
إياك وتتبع الزلات
وبعض الناس ينشغل أثناء طلب العلم بعيوب الناس، وهذه مصيبة، فيتكلم في الشيخ الفلاني، وفي العالم الفلاني، وفي الداعية الفلاني، ويجمع الأشرطة والكتب، حتى إن بعض الناس تجده يجمع الأوراق والأشرطة والكتيبات، وكل كتاب يكتب في أوله أخطاء ذلك العالم، وهو لو قرأ عليك القرآن لما قرأه قراءة صحيحة، ولو أخطأ في صلاته لما عرف إصلاح صلاته، ولا يعرف معاني آيات في القرآن، ثم بعد هذا ينشغل بعيوب الناس، ويأتي ليتكلم في أمور كبار للعلماء، في الجماعات، وفي الفرق، وفي أهل البدع، يرد على شبهات أهل البدع وهو لا يعرف عقيدة أهل السنة والجماعة فهذا من الخطأ ومن الجهل والفوضى في الطلب، فلا يطلع كتاب إلا واشتراه، يذهب ويسأل صاحب المكتبة: ما هي الكتيبات الجديدة؟ وكل يوم فقط يقرأ الكتبيات الجديدة، هذا طلب علم لكنه فوضى، فطالب العلم الجاد يقرأ العلم من الأصول، فيقرأ القرآن، ومعانيه، وتفسيره، والحديث، ومعناه، والفقه أما أن يكون علمه في الكتيب الجديد في الساحة فهذا لا يستفيد من طلب العلم.
стр. 240
تعلم العلم مع الأدب
خامساً: لابد من تعلم العلم مع الأدب.
إياك إياك أن تتعلم العلم بغير أدب! وانظر إلى الأدب عند بعض العلماء وعليكم أن تتحملوا فإن هذا الدرس تطبيق عملي لما قلناه من الصبر، ومن احتمال الكلام، ومن التصبر في طلب العلم.
يقول الشافعي ﵀ -وانظروا إلى الأدب مع شيخه- يقول: كنتُ أصفح الورقة بين يدي مالك صفحاً رقيقاً هيبة له لئلا يسمع وقعها.
هذا هو الأدب، وماذا نستفيد من طلب العلم بغير أدب؟! طالب علم حافظ للقرآن وحافظ أحاديث كثيرة، وما جلس مجلساً إلا ولسانه سليط على الناس، يبدِّع الناس، ويفسقهم ويكفرهم ويضللهم، ولو ناقشته في مسألة لفسقك وبدَّعك، ولا تستطيع أن تناقشه أصلاً، فإنه يرفع صوته عليك، ولا بد أن يكون منتصراً هذا عنده علم لكنه قليل في الأدب، فلا ينفع علمه هذا إلا إذا وجد معه الأدب.
يقول الربيع بن سليمان، وهو تلميذ الشافعي، فلأن الشافعي أحسن أدبه مع شيخه، أحسن تلميذه معه الأدب، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، يقول الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليَّ هيبة له.
وبعض الناس قليل أدب، يجلس أمام شيخه، والشيخ يتكلم، فينادي باسمه، أو يتصيد أخطاءه، أو يفضحه بين الناس وكل عالم وشيخ له أخطاء، وله زلات، لكن هذا ليس عنده إذا جلس في مجلس إلا أن يقول: سمعتم الشيخ ماذا قال؟ ويبدأ يتكلم ويجرح سبحان الله! أتعب نفسه في جمع الأدلة على الشيخ فلان، أتعب نفسه ووقته وضيع عمره وقل أدبه.
стр. 241
تنظيم الأوقات وتقسيمها
سادساً: عليك بتقسيم الأوقات.
لا يكون وقتك سَبَهْلَلاً، بل يكون لك وقت في الحفظ، ووقت مطالعة، ووقت كتابة، ووقت تلخيص، ووقت مدارسة، ووقت مراجعة، ووقت حضور درس ولا بد أن يكون لك وقت للراحة، فطالب العلم لا بد أن يرتاح، ولا بد أن يستجم، ويلهو لهواً مباحاً، كما قال ﵊: (ولكن ساعة وساعة) فلا تضحك على نفسك، تتحمس من البداية ولا تجعل لك وقتاً ولو ربع ساعة تلهو أو ترتاح، ثم تستمر يوماً أو يومين أو ثلاثة أو أربعة، (إن الله لا يمل حتى تملوا) وطبيعة الإنسان ساعة وساعة، فإذا وصلت إلى مرتبة العلماء، بعد هذا نقول: اجعل وقتك كله للناس، وأما من الآن فلا تجعل أوقاتاً تلعب أو تمرح أو تتنزه فيها هذا من الخطأ، اجعل أوقات فراغك مع إخوانك، في الأنشطة، وفي البرامج، وفي الرحلات، والنزهات، اخرج معهم ولو كان على حساب طلب العلم؛ لأن النفس تحتاج، ولو لم تقضِ هذا الوقت مع إخوانك فسوف تقضيه مع غيرهم، ولو أن تجلس لوحدك في البيت للراحة.
стр. 242
عدم الاستعجال في الفتيا
سابعاً: إياك أن تستعجل الفُتيا.
فإن بعض الناس يحفظ القرآن وعمره سبع سنوات، ويحفظ معه مائة أو مائتي حديث، ويظن أنه قد بلغ مرتبة الفتيا، وأنه يحق له أن يفتي،
يا أخي: إلى الآن لم تبلغ مرتبة الفُتيا، الفُتيا لها شروط ولها ضوابط، وانظروا إلى السلف كيف كانوا يتهربون من الفُتيا، أما الآن فإنك إذا سألت أحداً قال لك: أنا أرى في المسألة وأرجِّح كذا.
من أنت حتى ترجح؟ أو يقول أنا أقول في هذه المسألة كذا.
من أنت حتى تقول أصلاً؟ أنت إما أن تنقل رأي العلماء وفهمهم أو تسكت، أما أن ترجح وتفصل وتقول: والله أظن أن الشيخ الفلاني جاءنا بالصواب.
سبحان الله! إما أن تسمعها من شيخ وإلا إياك أن تتعجل حتى تبلغ هذه المرتبة.
يقول حجاج بن عمير بن سعيد: سألتُ علقمة عن مسألة، فقال: ائت عبيدة فاسأله -يتهرب من المسألة- قال: فأتيت عبيدة، فقال: ائت علقمة.
فقلت: علقمة أرسلني إليك.
فقال: ائت مسروقاً فاسأله.
فأتيتُ مسروقاً فسألتُه، فقال: ائت علقمة فاسأله -أرجعه إلى الأول- فقلتُ: علقمة أرسلني إلى عبيدة، وعبيدة أرسلني إليك.
فقال: ائت عبد الرحمن بن أبي ليلى.
فأتيتُ عبد الرحمن بن أبي ليلى يبحث عن سوال واحد، ولو سئل به أحد الناس لأجاب مباشرة قبل أن يكمل السؤال قال: فأتيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، فسألتُه فكرهه.
كره الإجابة، مع أنهم علماء! يقول: فكرهه، ثم رجعتُ إلى علقمة، فأخبرتُه، فقال: كان يُقال: أجرأ القوم على الفُتيا أدناهم علماً.
إذا أردت أن تعرف أضعف الناس علماً فهو الذي يفتيك بسرعة، الذي كلما سألتَه بسؤال أجابك، فهذا أضعف الناس وأقلهم علماً.
стр. 243
كل ميسر لما خلق له
لا تقل: أنا لا أصلح للعلم، فكل إنسان يصلح، ولا تقل: قد جربت فما فلحت.
بل جرِّب مرة أخرى، ومرة ثالثة، ورابعة، وتجرب حتى يدركك الموت وأنت تجرب وتحاول.
ومن الأمور التي تستغل وقتك بها أثناء العطلة: الدعوة إلى الله، ومنها: صلة الأرحام، ومنها: بر الوالدين، ومنها: زيارة الإخوان في الله، ومنها: عيادة المرضى، ومنها: اتباع الجنائز، ومنها: أن تعين مريضاً أو ضعيفاً، ومنها: أن تعمل أمراً يخدمك في الدنيا، وينفعك عند الله ، وهناك أمور كثيرة، فالذي لا يصلح لطلب العلم يصلح في أمور أخرى.
فلا تقل: أنا لا أصلح لطلب العلم، بل اطلب العلم الواجب واستغل وقتك في أمور أخرى، فهناك أمور كثيرة، وكما قال ﵊: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) وبعض الناس يطلب علماً قليلاً جداً، يقضي به فرضه، ثم إذا كان عنده وقت فراغ كبير يقول: ما أصلح لطلب العلم، نقول له: عندك دعوة، عندك زيارة الإخوان، عندك بر الوالدين، عندك صلة الأرحام، عندك عيادة المرضى، عندك توزيع شريط أو نشره، عندك مساعدة الإخوان في الله وإذا لم تستطع هذه فطاعة الله كثيرة، المهم أن لا يمضي الوقت إلا في طاعة الله .
وأفضل الأعمال على حسب الأوقات، فمثلاً: قراءة القرآن، الحسنة بعشره أمثالها، ولكن أيهما أفضل: قراءة القرآن أم الترديد خلف المؤذن؟ قراءة القرآن أفضل من الترديد خلف المؤذن، لكن لو أذن المؤذن، ففي هذه اللحظة يكون الترديد خلف المؤذن أفضل، لأن لكل وقت ما يناسبه وبين الأذان والإقامة، الأفضل هو الدعاء، فإن لم تفعل فاقرأ القرآن أو اذكر الله ، ولا تخلط بين الأوقات، ولا تخلط بين الأمور، فإذا أمرك أبوك بأمر، فلا تقل: أنا مشغول، أنا أطلب العلم! هذا خطأ، فإن هذا أفضل، وهذا وقته، وصلة الأرحام لها وقتها، وعيادة المريض كذلك ويأتي إليك إخوانك في الله ويقولون لك: فلان من الناس مات، هناك جنازة، فلا تقل: أنا مشغول، أنا أطلب العلم! هذا خطأ، هذا وقت اتباع الجنائز، ولكل شيء وقت، وإذا مرض جارك، أو أخوك في الله فاذهب إليه، ولا تقل: ليس عندي وقت، أريد أن أحفظ القرآن سبحان الله! [لأن أمشي في حاجة أخي خير لي من أعتكف في مسجدي هذا شهراً] وإذا جاءك جار لك وقال: يا أخي أوصلني، سيارتي تعطلت، فلا تقل: لست بفارغ، الآن جدولي أن أحفظ قرآناً.
هذا خطأ يا أخي، ولكل وقت ما يناسبه، ولكل حالة ظروفها.
المهم أن يمضي الوقت في طاعة الله، بأي شيء.
إن العاقل دائماً يشتكي ويقول: ما عندي وقت، أما البطَّال فيقول: ما أفعل بالوقت؟ وقتي فارغ، علموني، أعطوني أشياء أعملها.
стр. 244
كيف تنظم وقتك
وهنا نصائح سريعة -قبل ختام الدرس- فحاول أن تحفظها، وإذا ما حفظتها فاسأل غيرك ممن حفظها، كما كان بعض السلف في طلب العلم، كان أحدهم يطلب العلم والآخر يعمل، ونحن نقول: البعض يطلب العلم، والبعض ينام، ثم إذا استيقظ هذا يعلِّم هذا.
стр. 245
رتب شئونك أولاً
قبل أن تبدأ في طلب العلم رتب أمورك، ورتب جدولك، وفي كل يوم يكون عندك ورقة صغيرة تكتب فيها الأمور التي تريد أن تعلمها اليوم ماذا سأفعل أزور فلاناً، وأدعو إلى الله، وأقرأ هذا الكتاب، وأراجع، وغيرها من الأعمال، فاجعل لك ورقة صغيرة، خاصة إذا كنت من كثيري النسيان، وممن وقته ضائع سَبَهْلَلاً، فاجعل لك ورقة تكتب فيها هذه الأمور, ونظم نفسك قبل مجيئك لطلب العلم.
بعض الشباب عنده مكتبة لا تعرف أين مكان كل كتاب منها، فإذا أردت أن تخرج كتاباً تجلس نصف ساعة حتى تجده، ولعلك قد لا تجده فعليك أن تقضي ولو يوماً كاملاً في بداية العطلة لترتيب المكتبة، وكذلك الأشرطة، واجعل لك فهرساً، يسهل لك البحث عن الكتب.
إذاً: رتب نفسك قبل بداية طلب العلم.
стр. 246
لا تخطط بدقة
نصيحة أخرى: لا تخطط تخطيطاً دقيقاً.
فلا تكن مثالياً، إلى درجة أنك تقول: أنا من الساعة الخامسة إلى الساعة السادسة في الكتاب الفلاني، ومن السادسة إلى السابعة إلا ربع في الكتاب الفلاني، وبعد المغرب من الساعة السابعة والربع إلى الساعة الثامنة إلا ربع في الكتاب الفلاني، حتى تنام، وهكذا من الصباح إلى الليل لا تضحك على نفسك، ولا يكن تخطيطك بهذه الدقة، فلا بد أن تجعل لك أوقات فراغ، وراحة، تحسباً للطوارئ وللظروف، ولراحة الجسد، فإن العين تمل، والنفس تمل، فلا بد أن تكون مسايراً للواقع، تقول: بعد العصر لهاتين الشغلتين كله، أو بعد المغرب لهذه الشغلة، حتى إذا كانت هناك أوقات فراغ فما يضيع عليك جدولك.
أيضاً أيها الأخ: اعلم أن الأمور الطارئة ليست فشلاً في جدولك، فقد تضع اليوم جدولاً لقراءة كتاب، وحفظ متن، فيأتيك أخ لك ويقول: تعال معنا لعمل شيء ما، أو لتوزيع شريط إسلامي أو زيارة، أو غيرها فلا تقل: أنا اليوم عندي جدول لأقرأ هذا الكتاب هذه أمور طارئة، لا بد منها، واعلم أنها ليست فشلاً لجدول إذا كانت لله ، وفي طاعة.
أيضاً اعلم أن بعض الناس بغيض، تجلس معه نصف ساعة فيقول: اسمح لي، انتهى وقتك، هذا هو الوقت المحدد للزيارة، حتى إن بعض الناس قيل له: أريد أن أجلس معك، فقال: كم تريد؟ قال: ربع ساعة قال: لا بأس، وأول ما جلس أخذ يراقب الساعة، فلما انتهت الربع الساعة قام، فقال: ما أكملت حديثك، بغير سلام ولا كلام ولا استئذان، فهذا الأمر يجعلك عند بعض الناس بغيضاً نعم لابد من الدقة، لكن ليس إلى هذه الدرجة، على الأقل اعتذر له، ولو بلباقة.
أيها الإخوة: أعلموا أن البداية لا بد أن تكون بقوة، فلابد أن تبدأ طلب العلم والنشاط في هذه العطلة بقوة، لكن عليك بالحكمة، فقد يكون حماسك بتهور ثم تنقطع ابدأ بقوة لكن بحكمة وبعدل واعتدال.
ثم عليك ألاَّ تكون وحدك، استشر، وكوِّن لك مجموعة قرناء، واعلم أن القرين إذا كان ضعيفاً سيحبطك، بل اجعل لك قريناً أعلى منك مرتبة، أو على الأقل يساويك في الرتبة في العلم، حتى تتنافس معه.
стр. 247
لا استثناء في البداية
إذا عزمت على ألا تنام بعد الفجر إلى الشروق، ثم بعدها تنام ساعتين، فلا تجلس يومين أو ثلاثة ثم تنقض، ليس هذا العزم بعذر من الأعذار، وإياك أن تستثني من أول الأيام؛ حتى يتعود الجسد، فإنه قد يحتاج إلى شهر أو شهرين حتى يتعود، فإذا تعوَّد ستأتي الاستثناءات، فقد تكون يوماً مريضاً، ويوماً عندك شيء ضروري، ويوماً نمت متأخراً، أما في البداية فإياك إياك من الاستثناءات، فإن النفس كالطفل، كما قيل:
النفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطمِ
أيضاً عليك أن تعلم أن بر الوالدين ليس ضياعاً للوقت.
وبعض الناس يقول: والدي ضيَّع عليَّ وقتي.
لا يا أخي، حمل الحاجات والذهاب إلى صلة الأرحام، وحمل الأهل إلى مكان من الأماكن، وقضاء حاجاتهم، والجلوس معهم، والحديث معهم، هذا ليس بمضيعة للوقت، لا تكن إلى هذه الدرجة صخراً وجافاً، لا يجلس معك أحد، ولا تداعب الإخوان والأهل، ولا تجلس معهم، ولا تقضِ لهم حاجاتهم.
стр. 248
مضيعات الأوقات
من مضيعات الأوقات:
стр. 249
النوم
أولاً: النوم:
بعض الناس ينام ثماني ساعات، ويقول: قال العلماء: النوم ثماني ساعات، وهذا ليس بشرط، بعض العلماء كان ينام أربع ساعات، وأعرف شيخاً قال لي: والله أنا لا أنام إلا أربع ساعات.
وعشرون ساعة علم ودعوة وشغل، ونحن نقول: الجيد فينا من ينام ثماني ساعات، هذا إذا لم ينَم أكثر من ثماني ساعات، فإياك أن تضيع العمر في النوم، فإن النوم موت، ولهذا يسمى النوم أخو الموت، وفي هذه الأيام نرى بعض الناس يسهر إلى الفجر، ثم يصلي الفجر، ثم ينام إلى الظهر، هذا خطأ يا أخي، فإن ساعة من النوم في الليل تعدل ساعات من النوم في النهار، ولهذا فإن من ينام أغلب النهار يحس بتعب وإرهاق؛ لأن نوم النهار ليس كنوم الليل، فلابد أن تنام من الليل ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً﴾ [النبأ:١٠ - ١١] قال ﵊: (أما أنا فأنام وأقوم) ثم عليك بنوم القيلولة لحديث: (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل) نَمْ في الظهر لكي تتنشط في طاعة الله ، وإياك أن تتعب نفسك، فلا تعطيها حقها ولا راحتها من النوم ثم لا تستطيع أن تقرأ كتاباً، فكلما قرأتَ صفحةً نعستَ، وكلما صليتَ ركعةً نعستَ، وكلما جلستَ مجلساً نِمتَ، وكلما دعوتَ إلى الله تعبتَ، فعليك أن تعطي نفسك من الراحة ولكن لا تزِد عن حدِّها.
стр. 250
الأكل
ثانياً: الأكل.
سمعتُ عن بعض الناس أنه يجلس على الغداء ساعة كاملة، فيجلس حتى يأتي الأكل يتحدث، ثم يأتي الأكل ويتركه ليبرد، ثم يبدأ يأكل لقمة من هذا ولقمة من هذا، وأحاديث وكلام ولغو حتى ينتهي، ثم يأتي ما يحلي به الطعام، ثم إذا شبع جلس حتى يشرب الشاي، ثم بعد هذا يشرب البيبسي، ثم بعد هذا يجلس ليرتاح، ثم بعد هذا ينام، فإذا بالعصر قد ذهب وقته ساعة كاملة على الأكل ما هذا يا أخي؟ تضيع وقتك ثم تقول: ما عندي وقت! أعرف بعض الناس -وهذه لعلها مبالغة- يجلس على الأكل وعنده كتاب، وهذا من حرصه على طلب العلم، وعلى استغلال الأوقات.
следующие страницы →