← Джавами‘

Джавами‘ · id 7717

دروس للشيخ نبيل العوضي

نبيل العوضي

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

لا تخطط بدقة نصيحة أخرى: لا تخطط تخطيطاً دقيقاً. فلا تكن مثالياً، إلى درجة أنك تقول: أنا من الساعة الخامسة إلى الساعة السادسة في الكتاب الفلاني، ومن السادسة إلى السابعة إلا ربع في الكتاب الفلاني، وبعد المغرب من الساعة السابعة والربع إلى الساعة الثامنة إلا ربع في الكتاب الفلاني، حتى تنام، وهكذا من الصباح إلى الليل لا تضحك على نفسك، ولا يكن تخطيطك بهذه الدقة، فلا بد أن تجعل لك أوقات فراغ، وراحة، تحسباً للطوارئ وللظروف، ولراحة الجسد، فإن العين تمل، والنفس تمل، فلا بد أن تكون مسايراً للواقع، تقول: بعد العصر لهاتين الشغلتين كله، أو بعد المغرب لهذه الشغلة، حتى إذا كانت هناك أوقات فراغ فما يضيع عليك جدولك. أيضاً أيها الأخ: اعلم أن الأمور الطارئة ليست فشلاً في جدولك، فقد تضع اليوم جدولاً لقراءة كتاب، وحفظ متن، فيأتيك أخ لك ويقول: تعال معنا لعمل شيء ما، أو لتوزيع شريط إسلامي أو زيارة، أو غيرها فلا تقل: أنا اليوم عندي جدول لأقرأ هذا الكتاب هذه أمور طارئة، لا بد منها، واعلم أنها ليست فشلاً لجدول إذا كانت لله ، وفي طاعة. أيضاً اعلم أن بعض الناس بغيض، تجلس معه نصف ساعة فيقول: اسمح لي، انتهى وقتك، هذا هو الوقت المحدد للزيارة، حتى إن بعض الناس قيل له: أريد أن أجلس معك، فقال: كم تريد؟ قال: ربع ساعة قال: لا بأس، وأول ما جلس أخذ يراقب الساعة، فلما انتهت الربع الساعة قام، فقال: ما أكملت حديثك، بغير سلام ولا كلام ولا استئذان، فهذا الأمر يجعلك عند بعض الناس بغيضاً نعم لابد من الدقة، لكن ليس إلى هذه الدرجة، على الأقل اعتذر له، ولو بلباقة. أيها الإخوة: أعلموا أن البداية لا بد أن تكون بقوة، فلابد أن تبدأ طلب العلم والنشاط في هذه العطلة بقوة، لكن عليك بالحكمة، فقد يكون حماسك بتهور ثم تنقطع ابدأ بقوة لكن بحكمة وبعدل واعتدال. ثم عليك ألاَّ تكون وحدك، استشر، وكوِّن لك مجموعة قرناء، واعلم أن القرين إذا كان ضعيفاً سيحبطك، بل اجعل لك قريناً أعلى منك مرتبة، أو على الأقل يساويك في الرتبة في العلم، حتى تتنافس معه.

стр. 247

لا استثناء في البداية إذا عزمت على ألا تنام بعد الفجر إلى الشروق، ثم بعدها تنام ساعتين، فلا تجلس يومين أو ثلاثة ثم تنقض، ليس هذا العزم بعذر من الأعذار، وإياك أن تستثني من أول الأيام؛ حتى يتعود الجسد، فإنه قد يحتاج إلى شهر أو شهرين حتى يتعود، فإذا تعوَّد ستأتي الاستثناءات، فقد تكون يوماً مريضاً، ويوماً عندك شيء ضروري، ويوماً نمت متأخراً، أما في البداية فإياك إياك من الاستثناءات، فإن النفس كالطفل، كما قيل: النفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطمِ أيضاً عليك أن تعلم أن بر الوالدين ليس ضياعاً للوقت. وبعض الناس يقول: والدي ضيَّع عليَّ وقتي. لا يا أخي، حمل الحاجات والذهاب إلى صلة الأرحام، وحمل الأهل إلى مكان من الأماكن، وقضاء حاجاتهم، والجلوس معهم، والحديث معهم، هذا ليس بمضيعة للوقت، لا تكن إلى هذه الدرجة صخراً وجافاً، لا يجلس معك أحد، ولا تداعب الإخوان والأهل، ولا تجلس معهم، ولا تقضِ لهم حاجاتهم.

стр. 248

مضيعات الأوقات من مضيعات الأوقات:

стр. 249

النوم أولاً: النوم: بعض الناس ينام ثماني ساعات، ويقول: قال العلماء: النوم ثماني ساعات، وهذا ليس بشرط، بعض العلماء كان ينام أربع ساعات، وأعرف شيخاً قال لي: والله أنا لا أنام إلا أربع ساعات. وعشرون ساعة علم ودعوة وشغل، ونحن نقول: الجيد فينا من ينام ثماني ساعات، هذا إذا لم ينَم أكثر من ثماني ساعات، فإياك أن تضيع العمر في النوم، فإن النوم موت، ولهذا يسمى النوم أخو الموت، وفي هذه الأيام نرى بعض الناس يسهر إلى الفجر، ثم يصلي الفجر، ثم ينام إلى الظهر، هذا خطأ يا أخي، فإن ساعة من النوم في الليل تعدل ساعات من النوم في النهار، ولهذا فإن من ينام أغلب النهار يحس بتعب وإرهاق؛ لأن نوم النهار ليس كنوم الليل، فلابد أن تنام من الليل ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً﴾ [النبأ:١٠ - ١١] قال ﵊: (أما أنا فأنام وأقوم) ثم عليك بنوم القيلولة لحديث: (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل) نَمْ في الظهر لكي تتنشط في طاعة الله ، وإياك أن تتعب نفسك، فلا تعطيها حقها ولا راحتها من النوم ثم لا تستطيع أن تقرأ كتاباً، فكلما قرأتَ صفحةً نعستَ، وكلما صليتَ ركعةً نعستَ، وكلما جلستَ مجلساً نِمتَ، وكلما دعوتَ إلى الله تعبتَ، فعليك أن تعطي نفسك من الراحة ولكن لا تزِد عن حدِّها.

стр. 250

الأكل ثانياً: الأكل. سمعتُ عن بعض الناس أنه يجلس على الغداء ساعة كاملة، فيجلس حتى يأتي الأكل يتحدث، ثم يأتي الأكل ويتركه ليبرد، ثم يبدأ يأكل لقمة من هذا ولقمة من هذا، وأحاديث وكلام ولغو حتى ينتهي، ثم يأتي ما يحلي به الطعام، ثم إذا شبع جلس حتى يشرب الشاي، ثم بعد هذا يشرب البيبسي، ثم بعد هذا يجلس ليرتاح، ثم بعد هذا ينام، فإذا بالعصر قد ذهب وقته ساعة كاملة على الأكل ما هذا يا أخي؟ تضيع وقتك ثم تقول: ما عندي وقت! أعرف بعض الناس -وهذه لعلها مبالغة- يجلس على الأكل وعنده كتاب، وهذا من حرصه على طلب العلم، وعلى استغلال الأوقات.

стр. 251

الكلام ثالثاً: الكلام. بعض الناس ما عنده إلا الكلام، لو جلس عندك سبع ساعات لما تعب لسانه، ويأتي بقصة بعد قصة، وحادثة بعد حادثة، وسالفة بعد سالفة، وكلام بعد كلام، ولا يمل، سبحان الله! كل الناس عندهم أحاديث طيبة، يُمْضِي الإنسانُ نصف ساعة يسلي بها الوقت والمجلس، لا بأس بهذا، والكلام إذا كان فيه فائدة، وترويح عن النفس فلا بأس به، لكن بعض الناس يضيع وقته في الكلام، ينتهى من هذا، وهذا كأنه أحس بالملل، فيذهب عند فلان، ويجلس معه ساعة أو ساعتين، ثم يذهب إلى الثالث، ويضرب عليه الهاتف: هل عندك شيء؟ فيجيب: ليس عندي شيء، فيقول: أتمنى أن أقعد وإياك قليلاً، فيجلس وإياه ساعة أو ساعتين، ثم يذهب إلى الرابع، فيقول: يا فلان أنا جالس مع نفسي وأريد أن أجلس معك، وهكذا ثم يأتي الليل فينام ويقول: الحمد لله، اليوم قضيت وقتي كله في طاعة الله، فقد زرتُ فلاناً وفلاناً. وهو لا يعلم أنه قد ضيع وقته كله، وأن هذا الكلام كله سيحاسب عليه عند الله . والزيارة لا بد منها، ولابد عليك أن تكرم الضيف، ولا تقل: أنا طالب علم، ليس عندي وقت. هذا خطأ، بل عليك أن تكرمه، وإذا كان ضعيف الإيمان يريدك أن تنصحه، وقد يكون عنده مشكلة، فعليك أن تكرمه مهما كان، قال النبي ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) لكن بعض الناس ليس عنده شغل إلا الزيارات، رجل فارغ، يجلس من العصر إلى أذان المغرب، ولولا الأذان لما خرج، ولو أتاك بعد الفجر، فسيجلس إلى الظهر، حتى لو قلت له: يا فلان أنا مشغول، يقول: سأذهب معك إلى ظروفك. يريد أن يخرج معك في شغلك، حتى ولو كنت تريد أن تجلس، سبحان الله! بعض الناس هكذا، يريد أن يضيع أوقات الناس، لكن المهذب، لا تقل له: اخرج أنت فارغ، لا يا أخي، اجلس معه، بالتعريض، تأتي بكتاب وتقرؤه عنده، أو تضع شيئاً وتكتب، فسيفهم إذا كان ذكياً، أو يأخذ كتاباً آخر ويقرأ عندك، فتكون قد استفدت وأفدت. ابن الجوزي يأتي أمثال هؤلاء فيقول: إن أنكرتُ عليهم صارت بيني وبينهم وحشة، وإن سكت ضاع العمر، فكنت آتي بالأقلام لأبريها، والدفاتر والأوراق لأقطعها ويسطر. لأن هذه تأخذ عليه وقت، لم يكن عندهم مثلنا، تشاكيل وقلم جاهز، بل الأقلام تُبَرَّى، والأوراق تُقَطَّع وتُسَطَّر، يقول: آتي بهذه التي لا تحتاج إلى شغل الذهن، ولا تمنع عن المحادثة، آتي بها عند الضيوف، وأبدأ أستغل الأوقات بتقطيع الأوراق وتجهيز الأقلام، حتى إذا ذهبوا بدأ في الكتابة، وفي النسخ، وفي العلم، وفي المطالعة، انظروا كيف استغل الوقت! وبعض السلف كان صريحاً، حتى إن بعضهم يقال له: لعلنا شغلناك. فيقول: صدقتم؛ لقد كنتُ أقرأ كتاباً فلما أتيتموني تركتُ الكتاب وأتيتكم. وعليك بحسن الاعتذار، فتقول لإخوانك: يا فلان عندي شغل، اسمح لي جزاك الله خيراً، فإني كنت ألخص في شريط وما عندي إلا هذا الوقت، أراك إن شاء الله بعد المغرب بأسلوب جميل، باعتذار لبق، بأدب، لا تقفل الباب في وجهه، أو تدعو عليه، وبعض العلماء من شغله لو تذهب وتطرق عليه الباب بالسماعة يرد عليك، ليس عنده وقت، ولو جلس يستقبل كل إنسان، ويجلس مع كل إنسان، لما استفاد الناس من علمه، ولما صار علمه إلا لحاجة الناس، والكلام الفارغ مع فلان وغيره. وبعض الناس عنده عقدة نفسية، كلما قلتَ له شيئاً قال: أنا مشغول، يريد أن يظهر أنه طالب علم، وأنه داعية إلى الله، كلما قلت له شيئاً قال: اسمح لي لا أستطيع أنا مشغول. وإذا قلتَ له: يا فلان عندنا اليوم نشاط رياضي، قال: أنا مشغول. وإذا قلت: عندنا طلعة، قال: اسمحوا لي، لا أستطيع، أنا مشغول، أريد أن أحفظ، وأريد أن أقرأ، لا تصل إلى هذه الدرجة من العقد، قد يكون هذا رياء والعياذ بالله، تريد أن تقول للناس: لاحظوا أني ما امتنعت من مجيئي معكم في الطلعة إلا ليقول الشباب: فلان -ما شاء الله- ليس عنده وقت يطلع أو يأكل. وكأن الأمر أصبح رياءً، يا أخي أنت لابد أن يكون لك وقت للراحة فاجعله مع إخوانك؛ أما أن تظهر الانشغال، فهذا مرض وعقدة نفسية فانتبه لها.

стр. 252

الهاتف والمباريات والجرائد رابعاً: ومن مضيعات الأوقات: الهاتف. بعض الشباب يقول: وأملُّ من بعضهم، وأعرف عن البعض أنه كان يجلس الساعة والساعتين يكلمني في التليفون، فكنت أسكت وأفكر أن أغلق في وجهه، فأستحي منه، أما الآن فإني أقول له: يا أخي معذرة أنا مشغول، وأعتذر له، فإنه يجلس ساعة ونصف بالهاتف يتحدث ويضيع الوقت. والمباريات وما أدارك ما المباريات! طالب علم يريد أن يقضي وقته في حفظ القرآن وفي طلب العلم، ويأتي ليشاهد المباريات، أما يستحي؟! يا أخي ما أحد ينظر إليك إلا الله ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤] وتأتي تضيع وقتك أمام المباريات!! كذلك الجريدة، أتعرف أن الجريدة بعض الأحيان تأخذ ساعة إلا ربع أو ساعة كاملة؟ يمر الوقت بسرعة في مجلة تافهة، ويا ليتها مجلة علمية، فتأتي وتقرأ من العصر وما تشعر إلا وقت أذان المغرب، وقد ضاع وقتك وأنت لم تشعر، في مسابقات ومجلات. وبعضهم يضيع وقته في الاستحمام، فيسبح ساعة إلا ربع، وهذا من مضيعة الوقت، ولابد أن تقدر لكل أمر قدره، اجعل لكل شيء قدره، فالاستحمام له وقت، والراحة لها وقت، والنوم له وقت، والأكل له وقت، والجريدة لها وقت، وكل شيء له وقت، وإياك أن تفرط في الأوقات أو أن يضيع عليك الوقت. جد ابن تيمية ﵀ كان إذا ذهب إلى الحمام للاستحمام أو لقضاء الحاجة كان يقول لحفيده: اقرأ عليَّ الكتاب حتى لا يضيع عليَّ الوقت. وهو في الحمام -أجلكم الله- ويستمع إلى ولده وهو يقرأ عليه الكتاب. أما نحن فلا نبالغ إلى هذه الدرجة، لكن شغّل المسجل، هذا إذا كان وقتك ضيق إلى هذه الدرجة، لكن ما أظن أحداً وقته ضيق إلى هذه الدرجة، أنه يستحم أو يقضي حاجته وليس عنده وقت، لكن شغل الشريط واستمع، وليس ذلك عيب، بل هو استغلال للوقت.

стр. 253

علامات الوقت الضائع ما هي علامات الوقت الضائع؟ علامته: بعد أن ينتهي يحس بضيق، يشاهد المباراة ساعة ونصف ويصفقون ويضحكون ويشجعون، وبعد أن ينتهي اسأل عن حاله، يقول: لا أعلم ماذا أصابني، صدري ضيق، ويجلس عند التليفزيون، ويشاهد مسرحية ثلاث ساعات، ويضحك بل لعله يسقط على بطنه من الضحك، وبعد أن ينتهي البرنامج ويقفل التلفاز اسأله عن حاله، فسيقول: أحس بضيق في الصدر. هذه هي علامة الوقت الضائع، وكذلك لو جلس وتحدثت مع الشباب، فسوف تحس بعد ساعة بضيق في الصدر، لأنه قد ضاع الوقت، ولا يعني هذا ألا تتحدث مع الشباب، ولا تجلس معهم، فإياك إياك! واجعل لكل شيء قدراً. ثم عليك ألا تضيع الأوقات التي تذهب، كأن تكون في السيارة، فإن بعض الشباب الموظفين يقول: ما عندي وقت. نقول له: وأنت في الطريق ضع شريطاً واستمع، وكل يوم استمع إلى شريط علمي، وستسمع في الشهر ثلاثين شريطاً، وفي الشهرين ستكمل كتاب التوحيد كله على شرح الشيخ ابن عثيمين أليس هذا الأمر سهلاًَ؟! الخطيب البغدادي ﵀ كان يمشي وفي يده جزء يطالعه، وبعض العلماء كان يمشي ويقرأ، فكان ربما يمر بالحفرة فيسقط فيها، وتمر به الدابة فتضربه وهو لا يشعر، فكانوا يستغلون أوقاتهم حتى في الطريق. والبعض كان يقرأ على بعض العلماء جزءاً كاملاً في الطريق، فهذا ابن عثيمين كان يمشي مع السعدي ﵏ إذا علم أن عنده زيارة، أو عنده وليمة من مسجده أو من بيته، ويسأله إلى أن يصل إلى بيت الضيف، ما كان يضيع هذا الوقت، حتى إذا ذهب إلى بيت الضيف، كان ربما دخل معه، وربما رجع مع الشيخ، انظر استغلال الوقت! أما نحن فنضيع الأوقات في الانتظار عند الطبيب، وفي الجمعية، وفي الإدارة، وفي الوزارة، وفي كل مكان! فلا تضيع وقتك، وعليك أن تقرأ كتاباً ولو كان صغيراً.

стр. 254

ضرورة الحذر من التسويف ومخالطة أهل الضياع لا تقل سوف فسوف، يضيع عليك العمر، وهذه من أساليب الشيطان، وإذا كان عندك مهمة صعبة وبحث كبير فجزئه، ولا تقل: أحفظ القرآن كله، لا، بل: احفظ جزءاً في كل شهر، ولا نقول لك: احفظ القرآن كله في سنة، فهذا الأمر صعب، بل نقول: في كل سنة احفظ عشرة أجزاء، فإن الأمر صار سهلاً، إذاً: عليك أن تجزئ الأمور حتى لا تعظمها، ولا تقول: الأمر صعب، وكبير جداً، ولابد من أوقات راحة كما ذكرنا. لا تخالط أهل ضياع الأوقات، الذين لا هم إلا اللعب واللهو والضحك، واعلم أنه كلما مر الزمان كلما ازداد شغلك، وازداد همك. يُحكى أن أحمد بن محمد السلفي، الحافظ الكبير، يقول عن نفسه: أنه حدَّث سنة اثنتين وتسعين وما في وجهه شعرة، كان شاباً صغيراً، كان يحدث الناس وعمره سبع عشرة سنة. يقول الحميدي: سمعتُ زنجي بن خالد، يقول للشافعي: أفتِ يا أبا عبد الله، فقد والله آن لك أن تفتي. وهو ابن خمس عشرة سنة، ويقال له: أفْتِ، فقد وصلت إلى درجةٍ تَفْتِي الناس. انظروا إلى الهمة العالية التي تنطح الجبال! عباد الله: إنَّا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى جزء من العمُرِ يقول الشاعر: والوقت أنفسُ ما عنيتَ بِحفظهِ وأراه أسهلَ ما عليك يضيعُ أقول هذا القول، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 255

الأسئلة

стр. 256

اللهو المذموم السؤال ذكرتَ أن طالب العلم لا بد أن يكون له وقت يلهو فيه، وما ذكَر الله اللهو في القرآن إلا وذمَّه، فماذا تقصد باللهو؟ وما معنى اللهو في القرآن؟ الجواب اللهو في القرآن هو الذي يصد عن الله وعن الدارة الآخرة، فهذا هو المذموم، لكن لَهْوٌ يعينك على طاعة الله، ويحببك لإخوانك، ويزيد بينك وبينهم الألفة والتعارف، فهذا لََهْوٌ محمود، أما اللهو الذي يصد عن ذكر الله فهو اللهو المذموم الذي يصرفك عن طاعة الله، والذي يزيدك غفلة على غفلة، وهذا أكثر لَهْوِ أهل الدنيا.

стр. 257

كتب ينصح بقراءتها السؤال ما هي الكتب التي تنصح بقراءتها في الصيف؟ الجواب كل واحد بحسب مستواه، لكن يبدأ الإنسان بالقرآن وتفسيره، ثم بالحديث ومعانيه، ثم بالفقه، وبالعقيدة، هذه هي الأمور الأساسية، ثم أهم شيء أن يجلس مع إخوانه في الدروس وحلق العلم، كما قال علي: [كدر الجماعة، ولا صفو وحدة] فلأن تجلس مع إخوانك مع الكدر والضيق ومع قلة الفائدة أفضل من أنك تجلس لوحدك، وبعد أيام يفترسك الشيطان، فإن الشيطان مع الواحد.

стр. 258

لحوم العلماء مسمومة السؤال أرجو توجيه كلمة لبعض الشباب الذين يتكلمون في العلماء والمشايخ، والانشغال بالفروع البسيطة في الدين؟ الجواب أكثر ما يصدر هذا إما من أناس جُهَّال بدين الله ، فيبدأ يتكلم في العلماء والمشايخ، أو من أناس أصابهم الغرور والعُجب، فيظنون أن مستواهم أعلى من الشيوخ والعلماء، فيبدأ يطعن فيهم، أو من إنسان يظن أن العلماء معصومون، فإذا رأى خطأً من عالم أقام الدنيا وأقعدها، سبحان الله! يا أخي كل الناس يصيبون ويخطئون، (كل بني آدم خطاء) فيبدأ يجمع أخطاء الشيخ الفلاني وأخطاء الشيخ الفلاني، ويبدأ يتكلم ويضيع وقته وعمره، يقول ابن عباس: [من آذى فقيهاً فقد آذى رسول الله] أتعرف لماذا يا أخي؟ لأن العلماء ورثة الأنبياء، ومن الذين يرثونك؟ إنهم أقرب الناس إليك، أبناؤك وزوجتك وإخوتك، ولهذا لما كان العلماء ورثة الأنبياء فهم أقرب الناس إلى الأنبياء، وهذا يتكلم فيهم في المجالس، من أنت؟ هذا جمع من الحسنات أمثال الجبال، وأنت ماذا جمعتَ؟ حتى الفجر ربما لم تصله، وكل مجالسك غيبة ونميمة، ولو سألناك عن سورة الأنعام ربما لم تحفظها، وهذا الإنسان قد أفنى عمره في العلم والدعوة والجهاد، ولعله أخطأ بعض الأخطاء التي لا يسلم منها أحد. وأسألك سؤالاً: رجل يحفظ سورة الإخلاص، ورجل يحفظ القرآن، أيهما تكثر أخطاؤه؟ من المعلوم أن الذي يحفظ القرآن كله أخطاؤه أكثر؛ لأنه حافظ كل القرآن، ولهذا كثرت أخطاؤه، أما الذي يحفظ الإخلاص فقط فهذا ليس عنده أي خطأ؛ لأنه ليس عنده علم، ولأنه جاهل، وربما تكون جالساً في المنطقة الفلانية، ولا يعرفك أحد، ولا يراقبك أحد، وليس لك ولا درس واحد، ولو كان لك درس فسنخرج عليك مائة خطأ، حتى اللغة العربية لا تعرف أن تنطقها، لغتك أعجمية، تنصب الفاعل، وترفع المفعول، ومع هذا تجلس في مجلس وتقول: الشيخ الفلاني فعل، والشيخ الفلاني ما فعل، والشيخ الفلاني مبتدع، والشيخ الفلاني كذا. فهذا إما جاهل وإما مغرور. وهذا إن لم يتب ويصلح أمره فسوف يفضحه الله ولو بعد حين.

стр. 259

البداية المحرقة تؤدي إلى نهاية مشرقة السؤال من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة ما هو تعليقكم على هذا؟ الجواب جزاك الله خيراً، فإن الذي ليس له بداية محرقة يحترق، وكما قيل: (ومن طلب العلى سهر الليالي). وقال الشاعر:- أأبيت سهران الدُّجَى وتبيته نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي؟! هذا يتعب ويسهر ويجني، وترى أثر التعب عليه من طلب العلم، ومن قراءة الكتب، وهذا قد انتفخت عينه من النوم، ومن الأكل، ومن الشرب، ومن اللعب، ومن المرح، فهل يستوي هذا وهذا؟ لا والله لا يستويان عند الله ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩].

стр. 260

العلم لا ينتهي السؤل: سمعتُ الحث على طلب العلم، وقد يفهم الشباب من هذا الدرس أن العلم يؤخذ كله في هذه العطلة، ويريد أن يصبح عالماً، فيأخذ العلم كله في هذه العطلة، فهل هذا صحيح؟ الجواب العلم لا ينتهي، اطلب العلم حتى تموت، موسى ﵇ سئل: من أعلم الناس؟ قال: أنا. موسى الذي اصطنعه الله على عينه، وكان أفضل من يمشي على الأرض، علمه الله منذ صغره ورباه وأوحى إليه، قيل له: من أعلم الناس؟ قال: أنا، فعاتبه الله، كيف أنت أعلم الناس؟ هذه كلمة عظيمة، اذهب إلى البلد الفلاني فإن فيها رجلاً يعلم علماً لا تعلمه يا موسى ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥]. والعلم ثلاثة أشبار: الشبر الأول: التكبر، أول ما يبدأ الشباب في طلب العلم يصيبهم الكبر، ويظن أنه ما أحد مثله في العلم. الشبر الثاني: التواضع، إذا توغل في العلم تواضع. الشبر الثالث: يعلم أنه لا يعلم. قال الشافعي: كلما ازددتُ علماً ازددت علماً بجهلي. فالمتكبر هو الذي عنده قليل علم، فاعرف أنه جاهل، فما تكبر إلا جاهل، وما تواضع إلا عالم، وكلما ازددتَ في العلم كلما ازداد تواضُعك. أيها الإخوة: ليس العلم كل شيء، الذي لا يستطيع أن يطلب العلم في هذه العطلة، عليه أن يتجه لعبادة أخرى (اعملوا فكل ميسر لما خلق له). بعض الناس أعطاه الله قوة في اللسان، وفي البلاغة. وبعض الناس أعطاه الله حسن أخلاق، فهو يستطيع أن يكسب الناس إلى الدين. وبعضهم أعطاه الله مالاً ينفقه في سبيل الله. وبعضهم أعطاه الله أسلوب الكتابة. وبعضهم أعطاه الله قوة في الجسد، وهكذا ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤]. المهم أن يكون وقتك في طاعة الله، علم، دعوة، عبادة، صلة، أي عمل خيري، وليس شرطاً أن تكون طالباً للعلم، المهم أن تتعلم العلم الواجب عليك، والفرض، فهناك فرض كفاية وفرض عين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه. وجزاكم الله خيراً على حسن استماعكم.

стр. 261

إلى متى الغفلة ؟ الغفلة داء عضال، وقد لا يكتشف إلا في ساعة الاحتضار. وإن الناظر في سيرة السلف الصالح ليتجلى له مدى خوفهم من هذا الداء، وقدر استعدادهم للحظة اللقاء مع الله. وفي هذا العصر أيضاً صور لأناس استيقظوا من غفلتهم قبل فوات الأوان.

стр. 262

الغفلة والانتباه في ساعة الموت الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: حياكم الله في هذا المجلس، وأسأل الله ﵎ أن يكون اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً. أيها الإخوة الكرام: هذه موعظة لنفسي قبل أن أعظكم، والإنسان منا -نسأل الله العافية- يغفل، وتصيبه بعض الأحيان الغفلة، ولعله ما ينتبه منها إلا بعد أن يفوت وقت الندم، ومن الناس من يعيش في غفلة ما ينتبه منها إلا ساعة الوفاة: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق:٢٢] فيعيش في الدنيا -نسأل الله العافية- بين الأكل والشرب والنكاح والمأكل والملبس، أهم شيء عنده في الحياة أن يؤثث البيت أضخم أثاث، هذه غايته، أمنيته أن يتزوج الواحدة والاثنتين والثلاث، فلا هم أعلى من هذا، همه في الدنيا أن يلبس أحسن الملابس، ويعتلي أعلى المناصب، ويجمع الأموال ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة:٣] ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢].

стр. 263

الموت يأتي ويقطع الآمال من الناس من ينتبه في ساعة الوفاة، كان يجلس مع أهله كل ليلة يسامرهم، ويضاحكهم، ويلاعب أولاده، وعدهم بالسفر في الصيف، وعد البنت الصغيرة بلعبة، أما الزوجة فوعدها بالذهب والفضة، والملابس الوفيرة، أحلام وأوهام يعيشها ويعيِّش أولاده بها، نام وقال لزوجته: أيقظيني الساعة السابعة للعمل، أين صلاة الفجر؟ ليست بحسبانه، وليست في باله، أيقظيني للعمل، نام في تلك الليلة، والمسكين كان على موعدٍ لا يعلم عنه شيئاً، انتبه وفزع! رأى شيئاً بجنبه قال: من أنت؟! قال: أنا ملك الموت. ما الذي جاء بك؟! قال: جئت أنتزع الروح انتظر قليلاً لم يريد الانتظار؟ أتعرف يا أخي الكريم؟ عنده أمانات ما أرجعها لأهلها، عنده ذنوب ومعاص إلى الآن ما تاب منها، انتظر قليلاً: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] صاح فإذا أهل البيت يجتمعون، فزعت الزوجة وقامت -وهذه القصة واحدة من قصص كثيرة تحصل للناس- فزعت الزوجة: ما الذي بك؟ ما الذي جرى؟ -لا يستطيع أن يجيبها، هو الآن في همٍ آخر، هو الآن في علمٍ آخر، هو الآن في حياة أخرى، يا أخي الكريم! ما تدري أنت بها؟ - وإذا بالأولاد يجتمعون عنده، وإذا بالأب وبالأم يأتون، ينظر إليهم ولكن -للأسف- لا يستطيع أن يجيب أحداً منهم ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ) [القيامة:٢٦ - ٢٨] تخيل هذا المنظر البنت على صدره تبكي، تقول: يا أبي! ألم تعدني تلك الليلة بهذه اللعبة؟ لمَ لا تجيب؟ الابن يقول: يا أبي! وعدتنا بالسفر، لمَ الآن لا تجيب يا أبي؟ تقول له الزوج: يا فلان! لمن تتركنا؟ أما الأم فإنها تبكي وتقول: يا بني! غادرتنا صغيراً، أما الأب فقد جاء بالطبيب، والحالة عنده بكاء وفزع وعويلٌ ولعلها نياحة: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٧] تقول: لمَ هذه السكتة؟ أقول لك: لعلها العبرة قد خنقت القارئ، ولعلها فترة فكر ونظر في هذا المشهد العظيم ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة:٢٧ - ٢٨] علم أنه يفارق، يفارق ماذا؟ هل يفارق مصحفاً كان يقرؤه؟ لا. هل يفارق صلوات في آخر الليل؟ لا. إلا من رحم الله، هل يفارق الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله؟ لا. إلا من رحم الله. تعرف ماذا يفارق؟ يفارق سيارة جديدة، يفارق أثاثاً وفيراً، يفارق -يا أخي الكريم- زوجة لم يتمتع بها، يفارق ذلك البيت الذي بناه وأثثه ولكن لم يسكنه إلى اليوم ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٨ - ٢٩]. رجل كان يعيش في حلم لم ينتبه منه، كان يقود سيارته مسرعاً -كحال أكثر الشباب هذا الزمن- والموسيقى قد ارتفعت، والأغاني قد تولع بها، ويعيش في عالمٍ آخر يفكر في عشيقة أو حبيبة، أو في أغنية، أو همٍ يحرق قلبه، وفجأة انقلبت به السيارة، وجاءه ذلك الشرطي، وسحب جثته، فعلم أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، قال: يا فلان! قل: لا إله إلا الله، أتعرف ماذا قال؟ قال: هو في سقر، هو في سقر، هو في سقر، ثم فارق الدنيا ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٧ - ٢٩]-تقول لي: لِمَ دخل سقر؟ - ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣] ما كان يصلي، ولا يذكر الله جلَّ وعلا، وما كان يعكف على قراءة القرآن. الآن وقد قربنا من شهرٍ كريم -أيها الأخ الكريم- أسألك بالله: متى ختمت القرآن آخر مرة؟ لو دخل بيننا ملك الموت ونزع هذه الروح، هل أنت الآن مستعد؟ هل صليت خمس صلوات اليوم في جماعة بخشوعٍ وخضوع؟ هل أنت اليوم لم ترتكب محرماً إلا وتبت منه، عندك ذنوب سابقة، هل تبت منها؟ هل تخلصت منها؟ مظالم بينك وبين البشر، هل تحللت منهم؟ هل أنت الآن مستعد؟ أم أنك سوف تقول إذا جاءك الملك: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] لماذا؟ ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾ [المؤمنون:١٠٠] أعمل صالحاً، يا رب! أرجعني فقط وأنا والله ما أرفع رأسي عن السجود، الآن عرف الحقيقة، الآن انتبه من النوم، الآن تيقظ من تلك الغفلة، ولكن لا ينفعه ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] يرجع حتى يقبل بناته؟ أو حتى يسلم على أمه أو يودع أباه، أو يوزع أمواله؟ لا. أتظن أنه يرجع حتى يبني البيت أو يسكنه؟ لا والله. بل يرجع لقضية واحدة ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:١٠٠]. الآن كن أنت هذا الرجل، أسألك بالله منذ رمضان الماضي إلى اليوم كم مرة ختمت القرآن؟ كم مرة قرأته قراءة تدبر؟ فالقضية ليست قراءة، بل القضية تدبر ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].

стр. 264

عظم الموت عند السلف الله أنعم عليك بالنعم، فهل أديت شكرها؟ كم من الناس من هو عقيم لا يلد له، يتمنى أن يسمع كلمة (أبي) فتجده يتمناها، ويحترق قلبه عندما يرى أولاد المسلمين وهو ليس له ولد، أعطاك الله الولد، وأعطاك الذرية، وكبرت الذرية فهل شكرت الله فيها؟ هل حجبت البنات؟ اتق الله فإنهن سوف يتعلقن برقبتك عند الله جل وعلا يوم القيامة. من أتى لهم بالتلفاز، أليس هو أنت؟ من أدخل للبيت تلك الملاحق القذرة، أليس هو أنت؟ سوف تأتي يوم القيامة وتُسأل عن هذا ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة:١٢] هل الآن أبصرت؟! الآن لا ينفعك البصر، هل الآن سمعت؟ أين أنت في الدنيا فهي وقت العمل؟ الآن لا ينفعك شيء في يوم الحسرة ويوم التغابن. يا أخي الكريم: كن مستعداً وصادقاً مع نفسك، لا تقل مثلما قال فلان: في العمر متسع، وإذا جاء رمضان إن شاء الله أو وقت الحج أتوب، أو لما يحصل كذا وكذا سوف أصلح، هل تضمن أن تدرك ذلك اليوم؟

стр. 265

أبو العتاهية وهارون الرشيد دخل أبو العتاهية على هارون الرشيد وقد مدح الناس قصره، فقال له: ماذا تقول أنت يا أبا العتاهية؟ قال أنا أقول: عش ما بدا لك سالماً في ظل شاهقة القصور قال الملك: هه، يعني زد، ما أعظم هذا الشعر!! يجري عليك بما أردت من الغدو من البكور ففرح الملك فقال: فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور فهناك تعلم موقناً ما كنت إلا في غرور فبكى الملك حتى سقط على الأرض من البكاء، ثم لما أفاق قال للجنود وللحرس: اهتكوا الستر، وأغلقوا الأبواب فإني راجعٌ إلى بيتي القديم. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٨٥] مصيبتنا -والله- في الدنيا، حتى بعض الصالحين مصيبته في الدنيا، حتى بعض من يتظاهر بالالتزام مصيبته في الدنيا، كبَّر وما زال قلبه في البيت، سجد ومازال يفكر في الدوام، يقرأ القرآن وهو يتذكر زوجته وأشغال البيت، إنا لله وإنا إليه راجعون، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥].

стр. 266

عمر بن عبد العزيز أمام القبور الخليفة عمر بن عبد العزيز هل سمعتم به؟ إنه أمير المؤمنين، هذا الرجل صار أميراً للمؤمنين، أتعرف ماذا فعل؟ كان يأتيه أحد الولاة، فيدخل في بيت -أو كوخ أمير المؤمنين أمير المؤمنين يسكن كوخاً! - فيسأله أمير المؤمنين عن أحوال الرعية وعن شئون المسلمين -لا يغيب عن المسلمين- فلما انتهى قال الوالي: أما الآن فإني سائلك يا أمير المؤمنين عن أهلك وولدك، قال: انتظر، وكان في الغرفة سراج، فأطفأ السراج وأظلمت الغرفة فقال الوالي: لم فعلت هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا السراج من أموال المسلمين أشعلته لأسأل عن أحوالهم، أما أن تسألني عن أهل بيتي وأولادي فلا يحق لي أن أشعل هذا السراج، إنه من أموال المسلمين. كان لا يملك إلا ثوباً واحداً، إذا غسلته زوجته فاطمة يجلس في البيت لا يخرج حتى يجف اللباس ثم يخرج إلى الناس ويلبسه. هذا الرجل في يوم من الأيام صلى بالناس العيد إماماً، وبعد الصلاة مرَّ على مقبرة فنزل عن بغلته -هذا موكبه- وعنده بعض أصحابه، فقال لمن عنده: انتظروا، فذهب إلى المقبرة وأخذ ينظر إلى القبور أسألك -أخي الكريم! وأطلب منك طلباً: اذهب للمقبرة في غير يوم جنازة، لا تقل: أذهب لجنازة قريب أو صاحب، لا. اذهب يوماً من الأيام لوحدك هكذا، وانظر إلى القبور، وكلمها، هل يجيبك أحد؟ سلها هل يرد عليك أحد؟ - قال عمر وهو ينظر إلى المقابر: أيها الموت! ماذا فعلت بالأحبة؟ أيها الموت -يكلمهم- ماذا صنعت بهم؟ فلم يجبه أحد، ثم خرَّ على ركبتيه وهو يبكي ويردد شعراً فيقول: أتيت القبور فناديتها أين المعظم والمحتقر تفانوا جميعاً فما مخبرٌ وماتوا جميعاً ومات الخبر فيا سائلي عن أناسٍ مضوا أما لك فيما مضى معتبر فإذا به يبكي بكاءً مراً حتى اجتمع الناس حوله، حتى هدأ ﵀. إنها القبور، إنه منزلك يا أخي الكريم! مر عليه يوماً من الأيام وتفحصه، هل تحمل معك أثاثاً؟ أو يدخل معك فيه أحد؟ بعد أيام ولعله بعد لحظات سوف تسكنه وأنت لا تدري، غفلة وأي غفلة! ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٨٥] القضية أكبر من هذا، لو كان موتاً لكان هيناً، يقول الشاعر: فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حيٍ ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعدها عن كل شيء

стр. 267

عثمان يبكي إذا رأى القبور القضية أكبر من الموت يا أخي الكريم! القضية هي ما بعد الموت. عثمان بن عفان ﵁ ثالث الخلفاء، إذا وقف على المقبرة بكى، يروى أنه كان يختم القرآن كله في ليلة، وقد أنزل الله فيه آيات هي: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] هذا هو العلم الحقيقي، العلم الذي يوصلك إلى خشية الله ومخافته، عثمان قتل وبيده مصحف، قال له الصحابة: نقاتل عنك؟ قال: دعوهم، فدى الأمة بدمه، قال: دعوهم واتركوهم. خوارج كفَّروا عثمان، كفروا أصحاب محمد ﵊، اقتحموا عليه الباب -انظر إلى الوقاحة- ودخلوا وهو يقرأ القرآن، وزوجته عنده فطعنوه تسع طعنات، طعنه الشقي وقال: أما ثلاث فلله، وأما ست فلشيء وقر في الصدر، وكذب والله، فالتسع كلها ليست لله ، ألله قتل عثمان؟ أعوذ بالله! لما قتل سال الدم على المصحف، فبكت زوجته على أمرٍ واحد، قالت: قتلتموه وإنه ليحيي الليل بالقرآن: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩].

стр. 268

السعادة الحقيقية في طاعة الله أخي الكريم: القضية سعادة الدنيا والآخرة، أتريد السعادة؟ ما منكم من أحدٍ إلا ويقول: نعم. أتعرف أين هي؟ إنها في ركعات في آخر الليل، هي في صلاة الفجر وبعدها إلى طلوع الشمس، والله الذي لا إله غيره إنها السعادة. اجلس مع بعض الأتقياء الورعين الصالحين قل لهم: ما هي أسعد لحظات الحياة؟ يقول لك: إنها ساعة الإفطار عندما كنت في الحرم وأسمع الأذان يؤذن وبيدي رطبات أفطر عليها. سل الآخر، يقول لك: كنا في مسجد فلان نقوم الليل وكنا نبكي من خشية الله، فهي أسعد لحظات الحياة. سل الثالث يقول: متى أسعد لحظات الحياة؟ يقول: لما كنا نسمع أصوات المدافع والرشاشات وكنا في الصف الأول فكانت تغمر قلوبنا سعادة لم نشعر بها مرة أخرى، إنها السعادة الحقيقية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].

стр. 269

المعاصي لا تأتي إلا بالضنك قبل أيام اتصل بي شاب قال: أنت الشيخ؟ قلت: نعم تفضل، قال: يا شيخ! لم تخطر على بالك معصية ولن تخطر على بالك معصية إلا وقد فعلتها، قلت: وماذا تريد؟ قال: يا شيخ! كل شيء فعلته في الدنيا، قلت: وما طلبك؟ قال: مللت حياة الدنيا، كرهت الحياة، وكأنه يريد الانتحار، ففتحت له باب التوبة، وفتحت له باب الرجاء، يقول: يا شيخ! كلما أفعل المعاصي كلما ازددت ضيقاً وهماً وغماً. أتدري ما هو السبب؟ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] أعرض عن ذكر الله. بعض الصالحين يقول: عندي أحياناً ضيق في الصدر، تسأله: هم الأمة؟ هم الناس؟ إصلاحهم؟ يقول: لا. إذاً ما همك؟ هم القيامة؟ هم الآخرة؟ يقول: لا. ما همك؟ هم القبر؟ يقول: لا. يقول: ما أدري هم في الصدر، أقول لك: فتش في نفسك عن ذنبٍ ارتكبته، فتش في نفسك، نظر إلى امرأة، سماع أغنية، غيبة زل بها اللسان، نوم عن صلاة، هذا هو ضيق الصدر، يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥].

стр. 270

السعادة في السجود أحد الناس يقول عن نفسه: ما من معصية إلا وفعلتها، ضاقت بي الأرض بما رحبت، قررت السفر، مللت الحياة، يقول: سافرت، فإذا به يذهب إلى أين؟ إلى بلدٍ أخرى فيها أخوه، وكان أخوه صالحاً، يقول: طرقت الباب ودخلت عليه، قال: ما الذي جاء بك؟ قال: يا أخي والله مللت هذه الحياة -والشيء بالشيء يذكر، السويد من أكثر الدول إباحية، ليس فيها حرام، أو ممنوع، افعل ما تفعل، حتى الرجل يتزوج مثله، وعندهم لذلك قانون، ومع ذلك هذه الدولة أعلى نسبة انتحار فيها، يذهب إلى أعلى عمارة ويرمي نفسه من الأعلى، هذا مصيرهم- يقول هذا الشاب: سافرت إلى أخي وجلست عنده. يقول: نمت أول ليلة عند أخي، وفي الفجر جاءني رجل يوقظني، قال لي: قم، قلت: إلى أين؟ قال لي: قم لصلاة الفجر، فنظرت إليه، فقلت له: أنا لا أصلي، قال: أعوذ بالله مسلم لا يصلي؟! فقلت: أنا لا أصلي دعني أنام، قال: قم صل ولو مرة، قلت: لا أصلي، واغرب عن وجهي، قال: جرب الصلاة مرة، ثم ذهب، وجلست أفكر على الفراش بكلامه: جرب الصلاة ولو مرة، يقول: فقمت واغتسلت، وذهبت إلى المسجد وصليت، ثم رجعت إلى أخي فقلت له: يا أخي! وجدتها، قال: ما وجدت؟ قلت: وجدت السعادة التي كنت أبحث عنها، قال: أين؟ قلت: في سجودي في الصلاة: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الزمر:٢٢] نسأل الله ألا يقسي قلوبنا ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الزمر:٢٢] يسمع ذكر الله ولا يتأثر، لا يقشعر الجلد ولا يبالي، كأنها قصص أو كأنها أحاديث الناس ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢]. قال أخوه: إذاً نعمت السعادة ونعمت الهداية فظل يوماً أو يومين، ثم قال لأخيه: سوف أرجع إلى بلدي، فرجع إلى أمه وطرق الباب عليها، ففتحت أمه الباب وقالت: يا بني! ما الذي جاء بك مسرعاً هذه المرة؟ -كان متعوداً للسفر إلى الحرام- قال: يا أماه! وجدت الذي أبحث عنه، قالت أمه: وما هي؟ قال: وجدت السعادة، قالت: يا بني! أين وجدتها؟ قال: وجدتها في الصلاة، وجدتها في القرآن، وجدتها بالذكر، ففرحت أمه، فظل يوماً أو يومين ثم قال: يا أماه! أطلب منك طلباً؟ قالت: وما هو يا بني؟ قال: أريد السفر يا أماه، قالت: إلى أين يا بني؟ قال: أريد السفر للجهاد في سبيل الله، قالت أمه: يا بني! ما منعتك وأنت تسافر للمعصية أفأمنعك وأنت تسافر للطاعة؟! اذهب وتوكل على الله. سافر الشاب التائب إلى الجهاد، وتدرب شهوراً ثم دخل في المعركة وكان بجانبه صاحبٌ له، اشتدت المعركة وقويت الغارة فإذا بصاحبه يصاب بشظية، فحمل صاحبه ليسعفه وأسرع به ولكن المنية أقرب، غادر صاحبه الدنيا، ما غسله ولا كفنه؛ لأن الشهيد لا يغسل ولا يكفن، يبعث عند الله اللون لون دم والريح ريح مسك، أول قطرة من جسمه تغسل جميع ذنوبه، ولو تقطع بالحديد أو تراه يحترق فإنه لا يحس إلا كقرصة نملة. حفر لصاحبه حفرة وأنزله فيها ثم رفع يديه وقال: اللهم إني أسألك ألا تغرب عليَّ الشمس هذا اليوم إلا وقد قبلتني شهيداً عندك يا رب، ثم قبل أن يدفن صاحبه اشتدت المعركة، حمل السلاح وتقدم، فإذا به يصاب بضربة تودي بحياته ويدفن مع صاحبه في تلك الحفرة: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. لا تقل: بي هم وغم، إن كان هم الدعوة هم الإسلام هم المسلمين هم القيام هم المعاد هم القبر، فأقول لك: نعم الهم، أما إن كان هم الدنيا فبئس الهم، أما إن كان هم الدنانير والدراهم فبئس الهم، أما إن ضاق صدرك بالذنوب والمعاصي فبئس الضيق يا أخي الكريم، واعلم أنها بداية شر وأنها شؤم تلك المعاصي، اتق الله ، وراقبه ولا تقل: لا أحد يراني، والناس يظنون بي الخير، اسمع إلى ما يقول الشاعر عن نفسه: إلهي لا تعذبني فإني مقرٌ بالذي قد كان مني فكم من زلة لي في البرايا وأنت علي ذو فضل ومنِّ إذا فكرت في ندمي عليها عضضت أناملي وقرعت سني وما لي حيلة إلا رجائي وعفوك إن عفوت وحسن ظني يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني نرضى بكلام الناس ومدحهم، يا شيخ! أيها الصالح! أيها التقي! نفرح بتلك الكلمات، ونسأل الله العافية، ثم إذا جئنا يوم القيامة ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧].

стр. 271

صور من عبادة السلف

стр. 272

قتيل القرآن هل سمعت عن علي بن الفضيل بن عياض؟ إنه ابن عابد الحرمين، هذا الرجل إذا صلى خلف أبيه -وقد كان أبوه إماماً- فإن أباه لا يرتل القرآن، بل يقرأ قراءة عادية، خوفاً على ابنه؛ لأن ابنه إن خشع وتدبر لا يتحمل نفسه، في يوم من الأيام دخل ابنه ولم يعرف عنه أبوه، فكان يرتل فسمع صوت ابنه يبكي، فأكمل الصلاة مسرعاً فإذا ابنه على الأرض مغمىً عليه يبكي؛ لأنه قرأ قول الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦] أتعلم هذا الرجل ماذا يسمى؟ إنه يسمى قتيل القرآن، يروى أنه مات عند آية: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ [الأنعام:٢٧] فسكت، فنظروا إليه فإذا هو قد غادر الدنيا. تقول لي: مبالغة، تقول لي: أصحاب النبي ما حصل لهم هذا، أقول لك: أين السنة؟ النبي ﷺ قرأ عنده أحد الصحابة (فإذا به يقول له: حسبك -قف ولا تكمل القراءة- قال: فنظرت فإذا عيناه تذرفان) يبكي ﵊. يقول ابن مسعود: (يا رسول الله! قمت الليل بآية واحدة؟ -كل الليل بآية واحدة- لو فعلها أحدنا لوجدنا عليه) أتعرف ماذا يقرأ؟ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة:١١٨] هم الأمة ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] فكان يبكي وهو يرددها الليل كله.

стр. 273

عبادة أبي حنيفة الإمام أبو حنيفة يقول عنه رجل: هذا الرجل لا يصلي كثيراً، وصلاته مثل الناس، ثم يقول: لا بد أن أراقبه لأعلم لمَ رفع الله شأنه؟ أتظن أن الأئمة الأربعة ليس هناك من يفوقهم، أو يوازيهم؟ لا. هناك أئمة كثر، ولكن رفع الله هؤلاء الأربعة، واسمع: يقول هذا الرجل: راقبته، فصلَّى العشاء ودخل البيت، فانتظرت عند باب البيت -وبعد العشاء كان الناس ينامون ولا أحد يخرج- يقول: وراقبت البيت، فلما هدأ الناس خرج فتبعته، فإذا به يرجع إلى المسجد، يقول: فدخلت خلفه، فإذا به يصلي بعد العشاء إلى طلوع الفجر، بآية واحدة يرددها ويبكي: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] وهذا من حديث أهل الجنة، فهم يتلاقون ويتزاورون فيقول بعضهم: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] ليلة كاملة يرددها ويبكي.

стр. 274

عبادة الإمام أحمد وصبره الإمام أحمد ﵀، لمَ رفع الله شأنه؟ هذا الرجل حفظ ألف ألف حديث في صدره، وإذا قلنا: إمام أهل السنة والجماعة فإنه لا يستحق غيره هذا الاسم، أحمد بن حنبل يلبس نعالاً ثماني عشرة سنة، ما غير نعله، كلما تقطع نعاله رقعه وخصفه بيديه، دخل عليه ابنه في يوم من الأيام وهو متربع في غرفة مظلمة، يبكي، فقال له ابنه عبد الله: يا أبت! لمَ تصنع هذا؟ قال: يا بني! تفكرت في القبر وحالي بعد الموت، قال: يا أبت! لمَ لا تستند على جدار؟ قال: يا بني! أستحي أن أناجي ربي وأنا مستندٌ على الجدار، جاءه شاعر في يوم من الأيام فقال له: اعطني مما عندك من الشعر؟ فقال له شعراً، فقام الإمام أحمد ودخل غرفة وطال المقام فسمعه أحد التلاميذ يبكي ويردد هذه الأبيات: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيبُ تصدى لأهل البدع، وقال قولته المشهورة: القرآن كلام الله غير مخلوق، فجيء بالجلادين وقال المعتصم: كل واحد منكم يجلده أقوى ما عنده جلدتين فقط، أقوى ما يستطيع، فجلد وكلما يجلد يسقط على الأرض، ثم يفيق، ثم يجلد، مائة وستين ضربة، هل ترجع يا إمام؟ قال: لا أرجع؟ حمل إلى السجن، وهو رجل كبير في السن، يقول عن نفسه في ليلة باردة قارسة، وقد رمي في السجن يقول: أخذت أتحسس بيدي، حتى وقعت يدي على ماءٍ بارد، يقول: فأخذت الماء وتوضأت به، ثم صليت حتى الفجر، تعرف كم يوماً جلس في السجن؟ ثمانية وعشرين شهراً، أكثر من سنتين في السجن؛ لأنه قال: القرآن كلام الله، وقد سرد الصوم فيها، وما أفطر يوماً واحداً. يأتيه الوالي بطعام لعظم موقفه، بأفخم أنواع الطعام، والإمام أحمد يقول: والله لا أذوق لهم طعاماً أبداً. يأتيه الشيطان عند الموت، فيقول: يا إمام! لقد فتني، وهو يقول: لا بعد، لا بعد، لا بعد.

стр. 275

العودة العودة إلى طاعة الله ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧]. نحن ماذا فعلنا يا إخوان؟! ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨] لِمَ يأتيك الضيق وذلك الهم؟ سل نفسك: كم تعبد الله جل وعلا؟ تأتي عائشة فتقول: (يا رسول الله! هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] قالت: هؤلاء الذين يسرقون ويزنون ويقتلون، قال: لا يا بنة الصديق! هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون ألا يتقبل الله منهم). ابن عمر يتصدق فيقول له ابنه: [تقبل الله منك يا أبي، فضحك، وقال: لو علمت أن الله تقبل مني ما كان غائباً أحب إلي من الموت] لو علمت أن الله قبل مني حسنة لكنت أتمنى الموت، ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] لا تقل لي: يا شيخ! ضيقت باب التوبة، يا شيخ! أين الرجاء؟ يا شيخ! أين رجاء رحمة الله جل وعلا؟ أقول لك: نعم، الله وصف نفسه بأنه غفار، ولم يقل غافر، بل قال: غفار، لكن لمن؟ اسمع: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه:٨٢] أولاً: تب إلى الله، فهل يعقل أن يكون صالحاً وهو لا يصلي الفجر إلا بعد طلوع الشمس؟! هل يمكن أن تتصور صالحاً تمر عليه السنة لم يختم القرآن مرة؟! هل تتصور صالحاً يكبر للصلاة ويفكر في الدنيا؟! هل تتصور -يا أخي الكريم- صالحاً يرى منكراً في مجلس ويجلس فيه؟! أيها الأخ الكريم: اتق الله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه:٨٢] فقط؟ لا ﴿لِمَنْ تَابَ﴾ [طه:٨٢] فقط؟ لا ﴿لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]. أيها الإخوة الكرام: هذه جلسة محاسبة، وهي موعظة لعلها تخرج من القلب إلى القلب، وما ندري قد لا نلتقي بعد هذه اللحظات، بل قد لا تلتقي بأهلك، بل قد لا تخرج من هذا المجلس. هنيئاً لمن جلس في هذا المكان واستمع هذا الحديث، وقالها من قلبه ندماً وحسرة: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤]. هنيئاً لمن عاهد الله وهو يستمع إليه ألا تضيع منه ليلة إلا بركعات أول الليل أو آخره. هنيئاً لمن عاهد الله ألا يهجر القرآن، هنيئاً لمن عزم الآن ألا تفوته صلاة جماعة في بيتٍ من بيوت الله. هنيئاً لمن عزم الآن وهو جالس أن يخرج تلك الصور وتلك الأفلام وأن يخلص بيته من ذلك الجهاز الخبيث. هنيئاً لمن عاهد الله ولمن استقام على أمر الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨] لن أقول لك: سوف تأتينا فرصة رمضان، فلعلنا لا ندرك رمضان يا أخي الكريم! أقول لك: فرصة هذه الليلة، فرصة هذا المجلس، فرصة قبل رجوعك إلى البيت، فما تدري. تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جن ليلٌ هل تعيش إلى الفجرِ فكم من صحيح مات من غير علة وكم من سقيمٍ عاش حيناً من الدهر وكم من صغارٍ يرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبرِ وكم من عروسٍ زينوها لزوجها وقد نسجت أكفانها وهي لا تدري تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جن ليلٌ هل تعيش إلى الفجرِ هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وجزاكم الله خيراً.

стр. 276

أمسك عليك لسانك إن من أخطر ما يواجه دين الإنسان وعقيدته لسانه، ومن مخاطره التي يجب الحذر منها: الولوغ في أعراض المسلمين إطلاقه بالسب والشتم واللعن النميمة. فعلى المسلم أن يحذر هذا الخطر الكبير، وليصن لسانه بشغله في طاعة الله، فإن لم يستطع فالصمت خير له.

стр. 277

اللسان وخطره الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن هذا الموضوع خطير؛ لأنه يتعلق بمصير العبد عند الله ، يتعلق بدخول الجنة أو دخول النار، وهي هذه التي حولها ندندن، ونرجو من الله دخول الجنة والنجاة من النار. جاء في الحديث الصحيح: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة) ولما سئل: عن أكثر ما يدخل الناس النار قال: (الفم والفرج) ولما أخذ النبي ﷺ يُعلّم معاذ بن جبل أركان الإسلام وشرائع الدين، وعمَّا يحبه الله وعمَّا يبغضه، قال: (أولا أدلك على ملاك ذلك كله؟ -ما يحفظ لك دينك- قال: بلى يا رسول الله! قال: أمسك عليك هذا، وأمسَك بلسانه). إن أخطر ما يواجه دين الإنسان وعقيدته لسانه، بل إن اللسان به يدخل الإنسان الإسلام، وبه يخرج من الدين، واللسان كما قيل: احذر لسانك أيها الإنسان لا يلدغنك إنه ثعبان كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الشجعان فاللسان خطير، ومن خطورته أن أعضاء الجسم في كل صباح تحذر اللسان، وتقول: (اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا) ويقول الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] كل كلمة وكل لفظة تُسجَّل. وكم يجلس الإنسان في المجالس! ويأخذ في الكلام، فإذا بهم قد جاءوا بفلان من عباد الله، ووضعوه بينهم وهو ميت، فأخذوا ينهشون في لحمه! بل كم نرى من الأمثلة من عباد صالحين مصلين! يذهبون إلى العمرة وإلى الحج، ويتصدقون ويصومون النوافل، ولكن كما قال ابن القيم: كم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ما شاء الله عليه! تجده حتى السواك لا يتركه، وبعض المكروهات عنده كالمحرمات، وبعض المباحات يتركها خوفاً من الوقوع في المحرمات، والشبهات يجتنبها كم من رجل تجده متورعاً عن الفواحش والظلم، يقول ابن القيم: ولسانه يسري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي بما يقول!

стр. 278

الولوغ في أعراض المسلمين تعرفون حادثة الإفك، وما الذي جرى؟ ولِمَ أنزل قرآن بسببها؟ والرسول ﷺ شهر كامل لا يدري ماذا يصنع، أتعرفون ما الذي حدث؟ كل المصيبة كانت من اللسان ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥] أتحسب أن الأمر هين عندما تجلس في مجلس وتتكلم على فلان أو علان، أو في أعراض المسلمين؟! ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥]. بل إن النبي ﷺ في ليلة المعراج لمَّا عٌرِج به -وأرجو أيها الأخ العزيز، أن تتخيل المشهد- (رأى رجالاً لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم، وصدورهم -تخيل الدم ينزل، ولو رأيته لقلت إنه مجنون، من يفعل بنفسه هذا الفعل؟ هذا الإنسان يخمش وجه وصدره- فقال: سبحان الله ما هذا؟! فقال: هؤلاء الذين يقعون في أعراض الناس، ويتكلمون في أعراض المسلمين) (ونظر إلى الكعبة وقال: ما أعظم حرمتك! لكنَّ حرمة المسلم أعظم منك). إذاً: فالمؤمن الذي يشهد الشهادتين له حرمة عند الله ، فإياك إياك! فإن الكلمة عندما تخرج لا تعود مرة أخرى، وسوف تجدها عند الله في المحشر ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا﴾ [الكهف:٤٩] يدعون على أنفسهم بالويل والثبور! لماذا؟ ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]. أي لفظة صغيرة كانت أو كبيرة. قال أهل العلم: الغيبة -غيبة المسلم- من الكبائر. ولاشك أنكم سمعتم بحديث المفلس، ولكن هل تفكرتم فيه؟ نعم. فنحن نحفظ حديث المفلس، بل بعضنا يحفظ روايات لهذا الحديث، وبعضنا يحفظه من صغره، بل إن البعض منا يعرف أقوال العلماء في ضوء هذا الحديث، لكنَّ المصيبة أين نحن من واقع هذا الحديث؟ هل تفكرنا فيه؟ يقول ﷺ : (المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار). فكر وأنت الآن جالس تستمع إليّ، كم من إنسان تكلمت عليه بسوء؟! من الناس من يقول: هم ألوف لا أستطيع أن أحصيهم، فكلهم سيكونون خصماءك عند الله يوم القيامة، فيخاصمونك إلى الله ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩]. أتظن أن الأمر هين؟! تجلس في مجلس فتغتاب أخاك، وتتكلم فيه وتطعن، وتتكلم بما يسوءه ويكرهه، ويتركك الرب جل وعلا؟! لا. إن الأمر فيه عدل، وميزان عند الله سبحانه يوم القيامة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] يقول أنس ﵁: [خدمت رسول الله تسع سنين، فوالله ما نهرني، ولا قهرني، ولم يقل لشيء لم أفعله: لِمَ لم تفعله] أسمعت هذا الأدب الرباني، أدب النبي ﵊ مع خادمه، تسع سنوات ما قال له يوماً من الأيام: لماذا فعلت هذا الشيء؟ أو لِمَ لَمْ تفعل هذا الشيء؟ ويقول أنس: (ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله ﷺ أرأيتم إلى الأدب؟ فإياك إياك أن يتكلم اللسان إلا بعد أن تفكر، يقول أحدهم: جاهدت نفسي عشر سنوات وما زلت أجاهدها على أمر وسوف أدركه قالوا: وما هو؟ قال: أن أصمت عما لا يعنيني. يا أخي ما الذي يعنيك؟ ما شأنك وشأنه؟ ما الذي ألزمك أن تتكلم في عرضه؟ من الذي أجبرك على أن تلوِّث لسانك بعرض فلان، وتلوكه بحرمة فلان، وتتكلم في عورة فلان؟ من الذي ألزمك بهذا؟ قال ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) وقال ﵊: (من صمت نجا) والحديث في صحيح الجامع.

стр. 279

إطلاق اللسان بالسب والشتم واللعن من الناس من يطلق لسانه -للأسف حتى من بعض المسلمين- في السب والشتم، فإذا غضب سب وشتم، بل إن بعضهم تجده يصلي، لكنه إذا غضب لا يمسك لسانه، قال ﵊: (المتسابان شيطانان) وفي بعض الأحيان تجد في الطريق، أو في الدوام، أو في البيت، اثنين هذا يسب هذا، وهذا يتكلم على هذا، يقول ﵊: (المتسابان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان). وأعظم السب الذي يخرج من اللسان على وجه الدنيا هو سبُّ الرَبّ جل وعلا، وسبُّ الرَبِّ بنسبة النقص له ، أو بنسبة الولد له، هذا كله سب وشتم لله، ويأتي تحته درجة أقل منه: وهي سب الأنبياء والرسل، وسب الملائكة، وسب الصالحين، وعلى رأسهم الصحابة، في الحديث الصحيح: (من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) فكم من الناس من لا يبالي فيسب أصحاب رسول الله! أسمعت أولئك الذين يتكلمون في عرض أصحاب رسول الله؟! فقد قال بعضهم: ما رأينا أكبر منهم بطوناً ولا أجبن عند اللقاء. ألسنة تكلمت بهذا الكلام، فأنزل الله آيات من فوق سبع سماوات: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:٦٥] كنا نقضي الأوقات حتى تمر الساعات ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] كلمات أُطلقت أَوبقت دنياهم وآخرتهم، ومن الناس من يطلق لسانه بأشد من هذا، أو بمثله من اللعن؛ واللعن من أخطر الأمور، فإياك أن تلعن أحداً يوماً من الأيام! قال ﵊: (لعن المؤمن كقتله) أرأيت إنساناً يمسك بالسلاح فيقتل؟ ستقول: أعوذ بالله من القتل، ولن تصل إلى هذه الدرجة بإذن الله، لكن (لعن المؤمن كقتله). واللعن هو الطرد من رحمة الله ويقول ﷺ : (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء) تخرج اللعنة إلى السماء فإن استحقها صاحبها وإلا رجعت على قائلها، قال بعض أهل العلم: حتى الكافر الحي في حال حياته لا يعيَّن باللعن، وما يدريك؟ فلربما يسلم ويؤمن ويتوب قبل أن يموت، هذا في الكافر، فما بالك بمن يلعن المسلمين؟! ما بالك بمن يصفهم بلسانه بالكفر، فيضلل فلاناً ويفسق فلاناً، ويبدع فلاناً؟ وقد جاء رجل يوماً من الأيام إلى صاحبه، وكان ينكر عليه كل يوم، فقال له ذات يوم: (والله لا يغفر الله لك -من غضبه وحماسه وشدة إنكاره للمنكر، قال: أنت على هذه الحال، فلا يغفر الله لك- فقال الله : من ذا الذي يتألى عليَّ؟ قد غفرت له وأحبطت عملك) أحبط الله عمل الصالح وغفر لصاحب المنكر، قال الإمام الشافعي: قال كلمة أوبقت دنياه وآخرته. يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] لا تتكلم في شيء لا تعلمه، لا تتكلم في شيء من حقوق الألوهية أو الربوبية، فإن سلب الإيمان من الإنسان، أو لعنه، أو إخراجه من دين الله، هذا يحتاج إلى شروط، فاحذر من خطر اللسان ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦]. اجلس في مجالس الناس اليوم وانظر: من منهم يجلسون على ذكر الله؟! أغلب المجالس اليوم إما غيبة للناس، أو لغو بالباطل، والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣] إن لم تكن مجالس فحش وبذاءة. والله جل وعلا وصف مجالس الناس فقال: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء:١١] أكثر نجوى الناس لا خير فيها ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١].

стр. 280

أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم هل يتجرأ واحد منا أن يأكل ديناراً من ربا؟ ولو أعطيتك ديناراً من الربا فهل ستأخذه؟ أعوذ بالله من الربا (درهم ربا -يأكله وهو يعلم- أشد عند الله من ست وثلاثين زنية) (إن أدنى الربا مثل أن يأتي الرجل أمه) وإن أشد تصوير لجريمة في القرآن هو للربا، قال تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧] قال ابن عباس: [يعطى صاحب الربا يوم القيامة رمحاً فيقال له: بارز ربك!] تأكل الربا طول عمرك فالآن حارب ربك! ومن منا يقوى على تلك العقوبة؟! إن الربا شنيع، وإن أربى الربا وأشد الربا الاستطالة في عرض المسلم، قال ﵊: (وإنَّ أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه) وإذا كانت حرمة المسلم أعظم حرمة عند الله من الكعبة، فما بالك يا أخي العزيز! وما الذي جرأك؟! وبأي حجة تلقى الله؟ وبأي عذر تواجه ربك؟ يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] انظر الآن إلى الخطوات الربانية! انظر إلى القرآن وتسلسله! أول خطوة يبدأ الإنسان بها: إساءة الظن، فيبدأ يراقب، ويتتبع العثرات، ويتجسس، ويبحث عن العورات، ولعله يسجل عليك، لم كل ذلك؟ لأنه أساء الظن بداية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] ما الذي يحصل بعد الظن؟ ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢] ثم بعدها بدأ يتجسس، ويجلس في المجالس، ويقول: لقد رأيت فلاناً يفعل كذا وكذا، وفلان الذي يدعي أنه داعية إلى الله، وأنه صالح، وأنه مصلح أتعرفون ماذا يصنع في بيته؟ وماذا عنده؟ وماذا فَعَل في العام الماضي؟ ثم يبدأ يغتابه ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢] وقالوا عن ميمون -وهذه قاعدة فاعمل بها، ويكفي من هذه الكلمة هذه القاعدة، وميمون هو أحد القراء، يقولون-: كان لا يغتاب أحداً ولا يدع أحداً عنده يغتاب، بل كان ينهاه وإلا قام وتركه. وأنت جرب هذا من هذه اللحظة، أمسك لسانك عن غيبة المسلمين، فإن اغتاب رجل فانصحه بالتي هي أحسن، وقل له: جزاك الله خيراً، بارك الله فيك، دعنا من الناس، فإن عاد فعد وقل: يا أخي! بارك الله فيك، لنتكلم بما ينفعنا وما يفيدنا، ولا نأتي بأسماء الناس في مجلسنا، ونغتاب الناس. فإن انتهى وإلا فقم واتركه. إني أدعوك إلى هذا الصنيع، وقد تقول: لا أستطيع. أقول لك: بل إنك تستطيع، ووالله الذي لا إله غيره، لو طبقنا هذه القاعدة لانتفعنا خيراً الكثير، ولعلمنا حقاً أن أكثر مجالسنا لا تنفع، إلا ما ذكر فيها الله : ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١] أتظن أن الكلمة عندما تخرج تذهب! لا. بل ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦] هذه هي المصيبة؛ أننا نسينا في الجد كم تكلمنا؟ لكنَّ الله جلَّ وعلا قد أحصى ذلك كله، يقول الحسن: [الغيبة أسرع في دين المؤمن من الآكلة في الجسد]. وأرجو أن تتأمل معي في هذه اللحظات كم من رجل كان يدعو إلى الله، وكان من رواد المساجد، بل كان لا يترك الصف الأول في صلاة الفجر، وربما يجلس إلى الشروق، وكان يقرأ القرآن، وكان يدعو إلى الله، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أين هو الآن؟ ما الذي جرى له؟ وما الذي حصل؟ لو رأيت إلى أكثرِهم لوجدت أن السبب هو الغيبة، كان لا يتورع عن غيبة الناس، بل إن بعضهم كان يغتاب الدعاة إلى الله، والعلماء، والمصلحين، فأصابه ذلك السم، قال الحسن: [الغيبة أسرع في دين المؤمن من الآكلة في الجسد] أرأيت الآكلة؟ هي الآن مثل السرطان، الرجل سليم -ما شاء الله- ليس فيه شيء، ولكن لحظة من اللحظات وقع، يُفحص جسمه فإذا السرطان قد انتشر فيه، ويقول الطبيب: سيبقى أياماً ثم يموت، انتهى أمره! إذاً: الغيبة أسرع في الدين من الآكلة في الجسد، ويقول أحد السلف: إذا رأيت الرجل منشغلاً بعيوب غيره عن عيب نفسه فاعلم أنه قد مُكِر به. جعل يتكلم على الناس ونسي نفسه، فيا من تتكلم على غيرك بالسوء هل نسيت نفسك؟! سبحان الله! يرى أحدكم القذا في عين أخيه ولا يرى الجذع في عينه! يحاسب أخاه لأنه قد أخطأ في شيء قد اجتهد فيه، أو زلَّ في أمر لم يقصده، وينسى جرائمه وفضائحه! تجده لا يصلي الفجر ولا يهتم بها، وتجده عاقاً لوالديه ويستهين بهذا الأمر، وتجده قاطعاً للرحم؛ وهذه كلها كبائر ملعون صاحبها، فلا يبالي بهذا كله، ولكنه يشتغل بأعراض الناس ويتكلم عن سوآتهم. قال: إذا رأيتم الرجل ينشغل بعيب غيره عن عيب نفسه فاعلموا أنه قد مكر به. هذا الرجل مستدرج، وقد مكر به، فانتظر عليه أياماً وشهوراً وسنوات، فسوف يأتي يوم وتسمع خبره، لأن أولئك العلماء وأولئك الصالحون لما تكلموا بهذه الكلمات رأوها بأعينهم قبل أن يتكلموا بها بألسنتهم، سنة الله في خلقه، بل (من تتبع عورة أخيه -تكلم في عورته- تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو كان في عقر داره) والله يقول: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١١] فكل شيء يُكتب وسوف تحاسب عليه عند الله جلَّ وعلا.

стр. 281

النميمة وخطرها ما بالكم بالذي يتكلم ليفسد بين الناس فيمشي بالنميمة؟ فإن من أخطر الأمور وأكبر آفات اللسان: النميمة يأتي إلى فلان ويقول: سمعت فلاناً قال فيك كذا، وسمعت أن فلاناً صنع كذا، ويجلس حتى يفرق بين الأحبة يقول تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١٠ - ١١] أي: يمشي بين الناس بالنميمة. قال ابن مسعود: [والله الذي لا إله غيره ما من شيء أحوج إلى طول سجن من اللسان] ويأتي عمر إلى أبي بكر فينظر إليه جاذباً لسانه، فيقول: [مه يا أبا بكر غفر الله لك؟ فيقول: هذا الذي أوردني الموارد] من يقول هذا الكلام؟ إنه أبو بكر الذاكر، العابد، الصالح، التقي، الورع، يقول: هذا الذي أوردني الموارد، فماذا سنقول نحن؟! وفكر في لسانك اليوم فقط، هل وقعت في غيبة مسلم؟ بل قد يكون المسلم في ناحية من نواحي الأرض، في أقصى الشرق أو الغرب ونحن جالسون في هذا المجلس قد نقع في عرضه! فهل فكرت يوماً من الأيام أن تحاسب هذا اللسان؟ عمر بن الخطاب ﵁، عندما جادل النبي ﷺ في الحديبية، وهو كان يريد الحق، ويريد الرفعة لهذا الدين، قال: [أنعطي الدنية في ديننا؟] وأخذ يخاطب أبا بكر والنبي ﷺ يريد أن يقاتل الكفار حماية لهذا الدين. انظر إلى هذه الكلمات التي قالها عمر، ظل يتذكرها إلى أن مات، وقال لمن عنده: [ما زلت أعمل لذلك أعمالاً]. يقول: أخاف أن أحاسب على تلك الكلمات، فعملت لها أعمالاً، لعل الله أن يعفو عني (واتبع السيئة الحسنة تمحها) ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:٦ - ١١]. قال ﵊: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة يُضحِكُ بها جلساءه -كلمة في مجلس أضحك بها الجالسين- يهوي بها أبعد من الثريا) والحديث صحيح. هذه كلمة فما بالكم بكلمتين! ما بالكم بالمجلس كله من أوله إلى آخره! يُضحك، ويكذب، ويقع في أعراض المسلمين، يتكلم بكلمات وهدفه أن يضحك بها الناس، من طلب منك أن تُضحِك الناس بما حرَّم الله؟ وهل أنت ملزم بهذا؟ وماذا ينفعك هذا المجلس عند الله سبحانه يوم القيامة؟ إذا رأيت في الصحيفة: فلان تكلمت عليه، وفلان وقعت في عرضه، وفلان سببته، وفلان اغتبته ما الذي سينفعك عند الله إن جئت بهذه الأعمال؟ فكر، فالمسألة خطيرة! ولهذا لما قال معاذ للنبي ﷺ : (وهل نحن مؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟) أي: الخمر نؤاخذ عليه، والزنا نؤاخذ عليه، والقتل نؤاخذ عليه، هذه الأعمال علمنا أنها فواحش ومنكرات وكبائر، لكن اللسان، الذي يستهين به أكثر الناس، حتى اللسان؟ بعض المرات نمزح، نقضي المجلس، نُضحِك الناس، ولا نقصد شيئاً: (أوَنحن مؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟! قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) ما الذي يدخل الناس النار أيها الإخوة؟! إنه اللسان، فانظر إلى خطورته. ويقول الله تعالى في وصف عباده: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢] اللغو: هو الكلام الذي لا ينفع، فما بالكم بالكلام الذي يضر! إن من أخطر الكلمات التي يطلقها الإنسان شهادة الزور. وقد حذر النبي ﷺ من الكبائر، فلما جاء إلى شهادة الزور قال الراوي: (وكان متكئاً فجلس -وقد تغير وجهه- فقال: ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة والزور) يقول الحسن ﵀: [من كثر كلامه كثر كذبه] فالذي يكثر من الكلام في كل مجلس لغير فائدة، يكثر كذبه. والشافعي عليه رحمة الله كان لا يتكلم إلا فيما ينفع، حتى إنه إذا تكلم لم يكن يرفع صوته، يقول ابن بنت الشافعي: ما سمعت أبي ناظر أحداً يوماً فرفع صوته. حتى رفع الصوت! يقول: ما رأيته يوماً يرفع صوته، والنبي ﷺ يقول: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً) كل واحد منا يحفظ الحديث، لكن من يريد منا هذا البيت في الجنة؟ وكم من الناس من يكذب ليضحك به الناس، وهو لا يشعر أنها كذبة وقد سجلت عليه.

стр. 282

ضرورة انشغال اللسان بما ينفع أخي العزيز: ما الذي تشغل به لسانك؟ اشغله بذكر الله، اشغله بطاعة الله، بالتسبيح، بالتحميد، بالتهليل، بالاستغفار لقد كان النبي ﵊ في المجلس الواحد يستغفر الله سبعين مرة، فهل استغفرنا مرة واحدة في المجلس؟! كم ضيعنا من الأجور والحسنات ونحن نجلس نتحدث في المجالس ولا ندري ما الذي نتفوه به، يقول ﵊: (من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة) وليس في الجنة شجرة إلا ساقها من ذهب، فهل جربت هذا؟ لن تأخذ منك إلا ثانيتين أو ثلاث ثوان، ولو أردنا أن نزرع نخلة كم ستأخذ منَّا؟ ستظل شهوراً حتى تثمر، وربما لا تثمر، لكن في خلال ثلاث ثوانٍ تحصل على نخلة في الجنة ساقها من ذهب هل جربت في المجلس أن تقول: سبحان الله وبحمده مائة مرة، ولن تأخذ من وقتك خمس دقائق، وما الذي يحصل؟ (من قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) والله يقول: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] فاشغل لسانك بالخير، وقد تقول: لقد تكلمت بالخير، وبالصالحات، وسألت عن أحوال المسلمين، وتكلمت عن شجونهم، وتكلمت عن مآسي المسلمين، شغلت لساني بهذا وانقطع الخير، فماذا أصنع؟ أقول لك ما قاله ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) وقال ﵊ لأحدهم لما قال: لا أستطيع، قال: (إن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا عن خير). أسأل الله ﵎ أن ينفعني وإياكم بما ذكرت، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وجزاكم الله خيراً على حسن استماعكم.

стр. 283

إن أكرمكم عند الله أتقاكم ميزان التفاضل بين الناس إنما هو التقوى، وفي هذه الخطبة بين الشيخ خطر الافتخار بالأنساب، ووضح أن ذلك من أمور الجاهلية، كما ذكر عقوبة من يفتخر بأنسابه الفجار أو الكفار، وأن النسب لا يغني يوم القيامة عن الفاجر شيئاً.

стр. 284

الافتخار بالأنساب من أمور الجاهلية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المسلمون: معنا في هذه الخطبة داء عظيم وشر عريض انتشر في صفوف كثير من المسلمين، بل في بعض أصحاب الدين، وهذا الشر وقع في عهد النبي ﷺ بين أصحابه، وهو شر عظيم، إن مات عليه الإنسان فقد مات على الجاهلية، وهذا الشر -أيها الإخوة الكرام- حذَّر الله جل وعلا منه ورسوله ﵊، فاسمع وانظر إلى واقعنا وواقعك قبل هذا، هل أنت تقع في هذا الشر أو أصابك هذا البلاء؟ إن كان ذلك فاستعذ بالله منه ثم تخلص منه، فإنك إن لقيت الله جل وعلا به فقد لقيته بشر عظيم. هذا الشر الذي حطمه الله جل وعلا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]. قالوا: يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: (أكرم الناس عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: أكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: تسألوني عن معادن العرب؟ قالوا: نعم. قال: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) هذا هو ميزان الله جل علا، وهذا هو المقياس عند الله، أكرم الناس وأشرفهم وأعلاهم وأعظمهم هو أتقاهم لله جل علا. ومن عقيدة لا إله إلا الله أنك تحب في الله وتبغض في الله جل علا، ولن يصل الإنسان إلى أعلى مقامات الإيمان إلا بهذا، أن يحب لله ويبغض لله، أن يحب فلاناً الذي خالفه في اللون والأصل والجنس وخالفه في البلد لله جل وعلا، ويبغض فلاناً ولو كان من أمه وأبيه؛ لأن الله يبغضه ولا يحبه.

стр. 285

التحذير من الافتخار بالآباء والأجداد واسمع إلى النبي ﷺ عندما رأى العصبية الجاهلية في بعض أصحابه، حيث إن منهم من كان يتعصب لقبيلة، ومنهم من كان يتعصب لأصل، ومنهم من كان يتعصب لبلد، رأى هذا في أصحابه ﷺ فقال: (إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية -أي: فخر الجاهلية أو عيب الجاهلية- وفخرها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب) أي: إذا أردت أن تفتخر بالأصل فافتخر بما تطأه تحت رجلك، فتفخر أن أصلك من تراب، هذا الذي يهيله الناس ويطئونه بأقدامهم افتخر به؛ لأن هذا هو الأصل الذي نرجع إليه. قال رسول الله ﷺ : (الناس بنو آدم، وآدم من تراب، إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي) مقياس الناس مؤمن تقي فهذا هو الكريم، وفاجر شقي فهذا هو اللئيم، قال: (لينتهين أقوام عن فخرهم برجال إنما هم فحم من فحم جهنم) أي: كفوا عن هذا؛ لأن بعض الناس إذا افتخر يفتخر بفلان الذي يرجع أصله إليه، فإن جئت لترى سيرته تجده فاجراً أو فاسقاً أو غير مشهود له بصلاح ولا بعلم ولا جهاد.
следующие страницы →