Полный текст (1 195 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
النميمة وخطرها
ما بالكم بالذي يتكلم ليفسد بين الناس فيمشي بالنميمة؟ فإن من أخطر الأمور وأكبر آفات اللسان: النميمة يأتي إلى فلان ويقول: سمعت فلاناً قال فيك كذا، وسمعت أن فلاناً صنع كذا، ويجلس حتى يفرق بين الأحبة يقول تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١٠ - ١١] أي: يمشي بين الناس بالنميمة.
قال ابن مسعود: [والله الذي لا إله غيره ما من شيء أحوج إلى طول سجن من اللسان] ويأتي عمر إلى أبي بكر فينظر إليه جاذباً لسانه، فيقول: [مه يا أبا بكر غفر الله لك؟ فيقول: هذا الذي أوردني الموارد] من يقول هذا الكلام؟ إنه أبو بكر الذاكر، العابد، الصالح، التقي، الورع، يقول: هذا الذي أوردني الموارد، فماذا سنقول نحن؟! وفكر في لسانك اليوم فقط، هل وقعت في غيبة مسلم؟ بل قد يكون المسلم في ناحية من نواحي الأرض، في أقصى الشرق أو الغرب ونحن جالسون في هذا المجلس قد نقع في عرضه! فهل فكرت يوماً من الأيام أن تحاسب هذا اللسان؟
عمر بن الخطاب ﵁، عندما جادل النبي ﷺ في الحديبية، وهو كان يريد الحق، ويريد الرفعة لهذا الدين، قال: [أنعطي الدنية في ديننا؟] وأخذ يخاطب أبا بكر والنبي ﷺ يريد أن يقاتل الكفار حماية لهذا الدين.
انظر إلى هذه الكلمات التي قالها عمر، ظل يتذكرها إلى أن مات، وقال لمن عنده: [ما زلت أعمل لذلك أعمالاً].
يقول: أخاف أن أحاسب على تلك الكلمات، فعملت لها أعمالاً، لعل الله أن يعفو عني (واتبع السيئة الحسنة تمحها) ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:٦ - ١١].
قال ﵊: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة يُضحِكُ بها جلساءه -كلمة في مجلس أضحك بها الجالسين- يهوي بها أبعد من الثريا) والحديث صحيح.
هذه كلمة فما بالكم بكلمتين! ما بالكم بالمجلس كله من أوله إلى آخره! يُضحك، ويكذب، ويقع في أعراض المسلمين، يتكلم بكلمات وهدفه أن يضحك بها الناس، من طلب منك أن تُضحِك الناس بما حرَّم الله؟ وهل أنت ملزم بهذا؟ وماذا ينفعك هذا المجلس عند الله سبحانه يوم القيامة؟ إذا رأيت في الصحيفة: فلان تكلمت عليه، وفلان وقعت في عرضه، وفلان سببته، وفلان اغتبته ما الذي سينفعك عند الله إن جئت بهذه الأعمال؟ فكر، فالمسألة خطيرة! ولهذا لما قال معاذ للنبي ﷺ : (وهل نحن مؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟) أي: الخمر نؤاخذ عليه، والزنا نؤاخذ عليه، والقتل نؤاخذ عليه، هذه الأعمال علمنا أنها فواحش ومنكرات وكبائر، لكن اللسان، الذي يستهين به أكثر الناس، حتى اللسان؟ بعض المرات نمزح، نقضي المجلس، نُضحِك الناس، ولا نقصد شيئاً: (أوَنحن مؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟! قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) ما الذي يدخل الناس النار أيها الإخوة؟! إنه اللسان، فانظر إلى خطورته.
ويقول الله تعالى في وصف عباده: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢] اللغو: هو الكلام الذي لا ينفع، فما بالكم بالكلام الذي يضر!
إن من أخطر الكلمات التي يطلقها الإنسان شهادة الزور.
وقد حذر النبي ﷺ من الكبائر، فلما جاء إلى شهادة الزور قال الراوي: (وكان متكئاً فجلس -وقد تغير وجهه- فقال: ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة والزور) يقول الحسن ﵀: [من كثر كلامه كثر كذبه] فالذي يكثر من الكلام في كل مجلس لغير فائدة، يكثر كذبه.
والشافعي عليه رحمة الله كان لا يتكلم إلا فيما ينفع، حتى إنه إذا تكلم لم يكن يرفع صوته، يقول ابن بنت الشافعي: ما سمعت أبي ناظر أحداً يوماً فرفع صوته.
حتى رفع الصوت! يقول: ما رأيته يوماً يرفع صوته، والنبي ﷺ يقول: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً) كل واحد منا يحفظ الحديث، لكن من يريد منا هذا البيت في الجنة؟ وكم من الناس من يكذب ليضحك به الناس، وهو لا يشعر أنها كذبة وقد سجلت عليه.
стр. 282
ضرورة انشغال اللسان بما ينفع
أخي العزيز: ما الذي تشغل به لسانك؟ اشغله بذكر الله، اشغله بطاعة الله، بالتسبيح، بالتحميد، بالتهليل، بالاستغفار لقد كان النبي ﵊ في المجلس الواحد يستغفر الله سبعين مرة، فهل استغفرنا مرة واحدة في المجلس؟! كم ضيعنا من الأجور والحسنات ونحن نجلس نتحدث في المجالس ولا ندري ما الذي نتفوه به، يقول ﵊: (من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة) وليس في الجنة شجرة إلا ساقها من ذهب، فهل جربت هذا؟ لن تأخذ منك إلا ثانيتين أو ثلاث ثوان، ولو أردنا أن نزرع نخلة كم ستأخذ منَّا؟ ستظل شهوراً حتى تثمر، وربما لا تثمر، لكن في خلال ثلاث ثوانٍ تحصل على نخلة في الجنة ساقها من ذهب هل جربت في المجلس أن تقول: سبحان الله وبحمده مائة مرة، ولن تأخذ من وقتك خمس دقائق، وما الذي يحصل؟ (من قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) والله يقول: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] فاشغل لسانك بالخير، وقد تقول: لقد تكلمت بالخير، وبالصالحات، وسألت عن أحوال المسلمين، وتكلمت عن شجونهم، وتكلمت عن مآسي المسلمين، شغلت لساني بهذا وانقطع الخير، فماذا أصنع؟ أقول لك ما قاله ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) وقال ﵊ لأحدهم لما قال: لا أستطيع، قال: (إن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا عن خير).
أسأل الله ﵎ أن ينفعني وإياكم بما ذكرت، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وجزاكم الله خيراً على حسن استماعكم.
стр. 283
إن أكرمكم عند الله أتقاكم
ميزان التفاضل بين الناس إنما هو التقوى، وفي هذه الخطبة بين الشيخ خطر الافتخار بالأنساب، ووضح أن ذلك من أمور الجاهلية، كما ذكر عقوبة من يفتخر بأنسابه الفجار أو الكفار، وأن النسب لا يغني يوم القيامة عن الفاجر شيئاً.
стр. 284
الافتخار بالأنساب من أمور الجاهلية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد:
أيها الإخوة المسلمون: معنا في هذه الخطبة داء عظيم وشر عريض انتشر في صفوف كثير من المسلمين، بل في بعض أصحاب الدين، وهذا الشر وقع في عهد النبي ﷺ بين أصحابه، وهو شر عظيم، إن مات عليه الإنسان فقد مات على الجاهلية، وهذا الشر -أيها الإخوة الكرام- حذَّر الله جل وعلا منه ورسوله ﵊، فاسمع وانظر إلى واقعنا وواقعك قبل هذا، هل أنت تقع في هذا الشر أو أصابك هذا البلاء؟
إن كان ذلك فاستعذ بالله منه ثم تخلص منه، فإنك إن لقيت الله جل وعلا به فقد لقيته بشر عظيم.
هذا الشر الذي حطمه الله جل وعلا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣].
قالوا: يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: (أكرم الناس عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: أكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: تسألوني عن معادن العرب؟ قالوا: نعم.
قال: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) هذا هو ميزان الله جل علا، وهذا هو المقياس عند الله، أكرم الناس وأشرفهم وأعلاهم وأعظمهم هو أتقاهم لله جل علا.
ومن عقيدة لا إله إلا الله أنك تحب في الله وتبغض في الله جل علا، ولن يصل الإنسان إلى أعلى مقامات الإيمان إلا بهذا، أن يحب لله ويبغض لله، أن يحب فلاناً الذي خالفه في اللون والأصل والجنس وخالفه في البلد لله جل وعلا، ويبغض فلاناً ولو كان من أمه وأبيه؛ لأن الله يبغضه ولا يحبه.
стр. 285
التحذير من الافتخار بالآباء والأجداد
واسمع إلى النبي ﷺ عندما رأى العصبية الجاهلية في بعض أصحابه، حيث إن منهم من كان يتعصب لقبيلة، ومنهم من كان يتعصب لأصل، ومنهم من كان يتعصب لبلد، رأى هذا في أصحابه ﷺ فقال: (إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية -أي: فخر الجاهلية أو عيب الجاهلية- وفخرها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب) أي: إذا أردت أن تفتخر بالأصل فافتخر بما تطأه تحت رجلك، فتفخر أن أصلك من تراب، هذا الذي يهيله الناس ويطئونه بأقدامهم افتخر به؛ لأن هذا هو الأصل الذي نرجع إليه.
قال رسول الله ﷺ : (الناس بنو آدم، وآدم من تراب، إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي) مقياس الناس مؤمن تقي فهذا هو الكريم، وفاجر شقي فهذا هو اللئيم، قال: (لينتهين أقوام عن فخرهم برجال إنما هم فحم من فحم جهنم) أي: كفوا عن هذا؛ لأن بعض الناس إذا افتخر يفتخر بفلان الذي يرجع أصله إليه، فإن جئت لترى سيرته تجده فاجراً أو فاسقاً أو غير مشهود له بصلاح ولا بعلم ولا جهاد.
стр. 286
عقوبة من يفتخر بنسبه وهم عصاة
إذاً: تفتخر بماذا يا عبد الله؟ قال: (إنما هم فحم من فحم جهنم) ثم اسمع إلى عقوبة أولئك الذين يفتخرون بأولئك الرجال قال: (أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها) أرأيت تلك الحشرات التي تمشي على الأرض تدفع النتن بأشرف شيء في جسدها ألا وهو الأنف، قال: إذا افتخروا بأولئك الرجال يكونون عند الله أهون من هذه الجعلان؛ لأن المؤمن إذا افتخر فإنما يفتخر بعمله الصالح، وإن فرح فإنما يفرح بنسبه إلى الله جل علا، وهو التقوى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] يأتي الناس يوم القيامة ويأتي من كان يفتخر ويعجب ويعظم نفسه على الناس؛ لأنه من قبيلة كذا، يأتي يوم القيامة فيقول الله لهم: (رفعتم أنسابكم ووضعتم نسبي).
نعم يا عباد الله! رفعنا أنسابنا ووضعنا نسب الله -إلا من رحم الله- فتجد الواحد منا يحقر فلاناً مع أنه يحفظ القرآن الكريم كاملاً أو من الذين يصلون الفجر، أو ممن يطيع الله جل علا، يحقره لأنه من بلد كذا أو من لون كذا، ونعظم ونشرف فلاناً ولعله يجاهر بالمعصية، بل لعله فاسق فاجر، نعظمه لأنه من أنسابنا قال: (رفعتم أنسابكم ووضعتم نسبي -هذا يوم القيامة- فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم).
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] فيخرج المجرم الأثيم في ذلك اليوم فيقول: رب أحرق قبيلتي وعشيرتي كلها في النار وأنقذني منها يا رب! فيرد الله جل وعلا عليه: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج:١١ - ١٨].
стр. 287
انقطاع الأنساب يوم القيامة
كلا يا فلان: كلا أيها المجرم! يا من رفعت نسبك في الدنيا ووضعت نسب الله جل وعلا! اليوم لا تنفعك القبيلة ولا تنفعك العشيرة.
هذا نوح ﵇ ماذا استفاد ابنه منه، أبوه كان أول رسول على وجه الأرض لكن هل انتفع بهذا النسب أم نفعه ذلك الأصل؟ كلا.
عندما شفع له نوح ﵇ قال الله جل علا: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦] فلا ينفعك الأصل ولا النسب عند الله جل وعلا.
وهذا ﵊، اصطفاه الله جل علا من خير الأقوام ومن خير العشائر، بل كان من أفضل قبيلة على وجه الأرض، وكان في هذه القبيلة من أفضل فخذ وعائلة، نسب قد استله الله من شريف ثم من شريف ثم من شريف حتى خرج أفضل الخلق ﵊، فلما خرج في الناس جمع قبيلته وعشيرته الشريفة التي خرج منهم أفضل الناس ﵊ فقال: (يا معشر قريش!) خير القبائل في ميزان الناس: (يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً -لا تنفعكم القرابة ولا ينفعكم النسب ولا ينفعكم أنني من قبيلتكم ومن عشيرتكم- اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً) ثم اقترب من أصله: (يا بني عبد مناف! -هذا هو الفخذ الذي ينتسب إليه قال:- اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً) لا ينفع الأصل ولا النسب ثم جاء إلى عمه: (يا عباس بن عبد المطلب! لن أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله! لن أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئتِ لن أغني عنك من الله شيئاً) ولو جاءت فاطمة يوم القيامة فقال لها الله: ماذا فعلت يا فاطمة؟ فقالت: إن أبي محمداً ﵊، فإنه لن يغنيها من الله شيئاً.
عباد الله: إن هذه المسألة خطيرة، وإن هذا الأمر لجلل، وإن كثيراً ممن يزعم لا إله إلا الله ويسجد لله جل وعلا قد رسب في هذا الاختبار، اختبار التقوى واختبار محبة الله جل وعلا، أن نحب من يحب الله وأن نبغض من يبغض الله، ولو كان أقرب الناس إلينا، بل ولو كان أخاك من أمك وأبيك، إذا كان لا يُعرف بصلاة ولا بذكر ولا بعبادة لله جل وعلا، فإننا نبغض من أبغض الله جل وعلا وهكذا كما قال بعضهم
كن ابن من شئت واكتسب أدباً يغنيك محموده عن النسب
إن الفتى من يقول هأنذا ليس الفتى من يقول كان أبي
стр. 288
من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه
ولو قلت -يا عبد الله- أنا أرجع في أصلي إلى فلان بن فلان، وماذا يا عبد الله؟ أنت تقاس بعملك الصالح وتقاس بصلوات الفجر وتقاس بذكرك لله، ومدى قراءتك للقرآن وتطبيقك لشرع الله، أما نسبك فلن ينفعك عند الله شيئاً، ولهذا قال ﵊: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) من بطأ به عمله، قصر في الطاعات والواجبات لم يسرع به نسبه عند الله ولن ينفعه نسبه.
وإذا وضع الصراط على النار يوم القيامة جاء الناس يمشون، فهذا يمشي كسرعة الريح وذلك كالجواد، وهذا يركض وهذا يمشي، وهذا يزحف وهذا يتلبط على بطنه فيقول: يا رب يا رب لمَ بطأت بي؟ فيرد الله جل وعلا عليه يوم القيامة فيقول: (إني لم أبطئ بك يا فلان، إنما بطأ بك عملك) لقد تخلفت عن الصلوات، لقد تخلفت عن قراءة القرآن، إنك لم تُحسن العمل معي، في الدنيا تأخرت عن الطاعات، وهكذا يتلبط على بطنه على متن جهنم نعوذ بالله وإياكم منها.
أقول هذا القول وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد:
جاء أبو ذر ﵁، ومن منا يعلو في عمله الصالح أبا ذر؟ ومن منا يستطيع أن يصل إلى مستوى أبي ذر ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ؟ رأى أبو ذر رجلاً فقال له: [يا بن السوداء] وما يضر اللون وما ينفع؟ هذه هي حكمة الله جل وعلا أن جعل هذا أحمر وهذا أصفر وهذا أبيض وهذا أسود، نعمة من الله جل علا عليهم جميعاً، وجعل هذا من بلد كذا وهذا من بلد كذا، أم أنك اخترت أنك من بلد كذا قبل أن تولد؟ أم أنها بقدرتك وبشجاعتك وبذكائك اخترت أن تكون من لون كذا؟ أم أنك اخترت أباك وأمك يا فلان؟ كله بقدر الله جل وعلا قال أبو ذر: [يا بن السوداء] فسمع ذلك ﵊، ذلك النبي العظيم الذي أسس دولته على تقوى من الله جل علا، فلا فرق بين الناس إلا بالتقوى، فقال ﵊: (أعيرته بأمه يا أبا ذر؟ -فسكت- قال: أعيرته بأمه يا أبا ذر؟! إنك امرؤ فيك جاهلية) ولو كنت من العباد والزهاد، ولو كنت ممن تقوم الليل وتصوم النهار وتطعم المساكين، إنك امرؤ فيك جاهلية، نعم هي الجاهلية -ورب الكعبة- التي تجعل الإنسان يقيس الناس بألوانهم وبجنسياتهم وببلدانهم وبأصولهم فيحقر فلاناً، لأنه من أصل كذا أو من قبيلة كذا أو من بلد كذا: (أربع في أمتي لا يتركونهن من الجاهلية) والحديث صحيح، فإلى أن تقوم الساعة وهذه في أمة محمد ممن هم ضعاف الإيمان فدخلت الجاهلية في قلوبهم وانظر ماذا قدم قال: (الفخر بالأحساب).
اجتمع الناس يفتخرون بأنسابهم، كل منهم بحسبه وبقبيلته وبأصله، وكان بينهم سلمان ﵁ فهذا قال: أنا ابن كذا، وأنا ابن كذا فقيل: يا سلمان! انتسب، فقال ﵁: [لا أعرف لي أباً في الإسلام، ولكني سلمان ابن الإسلام] نعم وصدق الشاعر:
دعي القوم ينصر مدعيه ويلحقه بذي الحسب الصميم
أبي الإسلام لا أبَ لي سواه إن افتخروا بقيس أو تميم
نعم افتخر بنسبك إلى كذا، أما أنا فأفتخر بنسبي إلى صلاة الفجر، أما أنا فأفتخر بنسبي إلى قراءة القرآن، أما أنا فأفتخر بنسبي إلى الدعوة إلى الله وإلى الجهاد في سبيل الله.
стр. 289
وقفة أخيرة مع الافتخار بالأنساب
بل -عبد الله- لو كان من أنسابك من هو مجاهد أو عالم أو عابد أو زاهد، فإنه لا يحل لك أن تفتخر به.
ولسنا وإن كرمت أوائلنا يوماً على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا
نعم يا عبد الله! لو كان أبوك صالحاً ومجاهداً وعالماً أينفعك هذا؟ إلا أن تتأسى به في دين الله جل وعلا، كيف بمن انتسب إلى غير هذا؟
عباد الله!
ولا ينفع الأصل من هاشم إذا كانت النفس من باهلة
نعم لا ينفع الأصل إذا كانت النفس خبيثة، وإذا كان الرجل يكذب، وكان ينظر إلى النساء، وكان غشاشاً، وكان يعادي دين الله جل وعلا، ويحارب الله جل وعلا، لا ينفعه الأصل ولو كان من هاشم ولو كان من أصل محمد ﷺ ، أسمعت بـ أبي لهب؟ ذلك الرجل النسيب من القبيلة العظيمة والعشيرة النسيبة، إنه أبو لهب: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥].
نعم يا عباد الله! لم ينفعه ماله ولا أصله ولا عشيرته ولا قبيلته، بل حكم الله عليه أنه في النار، ويلعنه المسلمون إلى قيام الساعة فيقول صغيرهم وكبيرهم: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] ولو كان من أصل عظيم، ولو كان من جنس عظيم، هذا عمر ﵁ يقول: [يا أيها الناس! لو كان سالم مولى أبي حذيفة -مولى أي: عبد من العبيد- حياً لجعلته خليفة على المسلمين].
دين الله لا يحابي أحداً ولا يجامل أحداً، وهذا أبو عبيدة ﵁ يقوم في الناس فيقول: [يا أيها الناس! إني رجل من قريش أعظم القبائل وأشرف القبائل -لكن اسمع ماذا قال- ولا أعلم رجلاً يفضلني بتقوى -أحمر أو أسود أو من أي لون كان ومن أي جنس كان- إلا تمنيت أني في مسلاخه] تمنيت أنني هو.
ولو كان من ذلك الأصل، أو ذلك اللون، أو ذلك الجنس، أو تلك القبيلة، نعم إنه قول الله جل علا الذي دخل قلوبهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات:١٣] آدم وزوجه حواء: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ﴾ [الحجرات:١٣] لمَ يا رب جعلتنا شعوبا وألواناً وقبائل؟ لمَ يا رب كل هذا؟ ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣] وكأن الله ينبه على هذا الأمر، أن من الناس من سوف يفتخر بقبيلته وبشعبه فقال الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣].
نعم أيها الإخوة! إنه دين الله وسنة رسول الله ﷺ ، شاء من الناس من شاء، وأبى من الناس من أبى، ورضي من رضي، وسخط من سخط، فإنها عقيدة لا إله إلا الله وشريعة سيد المرسلين ﵊، الذي كبر في الصلاة فصلى خلفه سلمان من فارس، وصهيب من الروم، وأبو بكر من قريش، وبلال من الحبشة، كل منهم يستوي مع أخيه لا يتقدم أحد على أحد، ولا يتأخر أحد على أحد، إنها عقيدة الإسلام وكلمة لا إله إلا الله.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اللهم أعداءك أعداء الدين.
стр. 290
بلغوا عني ولو آية
تكلم الشيخ حفظه الله في هذه المحاضرة عن أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث إن الله قد رتب عليه الخيرية والصلاح والنجاح والنجاة والاجتماع لهذه الأمة المحمدية، وقد أصبحنا في عصر انتشر فيه الفساد وادلهمت الفتن، ولا يوجد آمر بمعروف أو ناه عن منكر؛ وكل هذا يرجع إلى أسباب أدت إلى الفتور عن الدعوة.
стр. 291
سبب خيرية هذه الأمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
يقول تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] أخرجت هذه الأمة للناس، ماذا تفعل؟ ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] بل أمر الله جل وعلا هذه الأمة كلها نساءً ورجالاً، شباباً وشيباً، قال الله جل وعلا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] أي: لتكونوا كلكم أمة، ما تفعل هذه الأمة؟ ماذا تصنع؟ تلعب؟ تلهو؟ تأكل؟ تشرب؟ تنام؟ تنكح؟ لا، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤].
الفتور في الدعوة: كان رجلاً داعية إلى الله جل وعلا، لا يرى منكراً إلا أنكره، وزجر عنه، يصدع بالحق لا يخاف في الله لومة لائم، يدخل في المجالس يذكرهم بالله، إذا ذهب إلى الصلاة ومر في الطريق على بشر قال لهم: الصلاة يا قوم، الصلاة، أذكركم الصلاة، كان إذا خرج من المسجد ورأى منكراً، لا يتركه إلا أنكره بيده إن استطاع، وإن لم يستطع فبلسانه، كان آمراً ناهياً داعياً إلى الله جل وعلا.
ما الذي أصابه؟!
أصابه الفتور، وبدأ يضعف، بدأ الآن يرى المنكرات فيولي، ويستطيع الكلام لكن لا يتكلم، يدخل في محل فيه الموسيقى والمعازف لا يتكلم، كان في السابق يقف عند الباب، أأطفأتم المعازف والموسيقى وإلا لا أدخل؟ أما اليوم تغير الحال، بدأ يدخل، لا يبالي سواءً أأُطْفِئت الموسيقى أم لَمْ تُطْفَأ، بل بدأ يتطور الأمر، بدأ يجلس مجلساً فيه المنكر، ويُعمَل فيه بالحرام، ويتكلم فيه بالإثم، وهو مبتسم، لا يبالي!
ما الذي جرى؟! ما الذي حدث؟!
أكثر من هذا: بدأ يتصور الأمر، بدأ يفعل هو المنكر، بدأ يقع فيه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] أنت وليي وأنت أخي وأنت خليلي، لِمَ؟ لنأمر بالمعروف ولننهى عن المنكر! ولَمْ يَسْتَثْنِ الله جل وعلا النساء، قال: حتى النساء، المرأة في بني جنسها، المرأة في بيتها، المرأة بين قريباتها، داعية إلى الله جل وعلا.
أسمعتَ بـ عائشة كيف حفظت لنا شيئاً كثيراً من ديننا؟!
كانت تدعو إلى الله جل وعلا، وتُعلم الدين، وكم سمعنا في التاريخ من نساء، كن عالماتٍ، آمراتٍ بالمعروف، ناهياتٍ عن المنكر بين بنات جنسهن.
стр. 292
أسباب الفتور في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أيها الأخ الكريم: الدعوة إلى الله قد يصيب صاحبها الفتور والضعف والخمول، ولهذا أسباب، سوف نتكلم عنها في هذا المجلس، فأعرني سمعك، وانتبه، ولا تقولن: إن الدعوة إلى الله وظيفة الإمام، أو وظيفة الشيخ، أو وظيفة لجنة من اللجان، أو هيئة خيرية، أو هذا عمل وزارة الأوقاف، أو العلماء والدعاة؟! كلا، كل مسلم هو داعية الله جل وعلا، قال رسول الله ﷺ : (بلغوا عني ولو آية).
ألا تحفظ آية من كتاب الله؟! بلغها يا عبد الله، ألم تحفظ حديثاً من أحاديث رسول الله؟! قال رسول الله ﷺ : (نضَّر الله امرءاً سمع مني مقالة فوعاها فبلغها، فرب مبلغ أوعى من سامع).
هذا رجل في أقصى المدينة، سمع أن في آخر المدينة قوماً كفروا بالله، جاءهم رسول يأمرهم بالمعروف فما استجابوا، نهاهم عن المنكر فما انتهوا، بلغهم دعوة الله فما استجابوا له وكذبوه، هل جلس وقال: هم بعيدون عني؟! هل قال: يهلكوا إن هلكوا، وأنا الحمد لله نجوت بديني؟!
ما قال هذه الكلمات، بل ركض على رجليه، ما مشى، أخذ يركض ويسعى ليبلغهم دين الله، قال الله عن هذا الرجل: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس:٢٠] من أبعد مكان في المدينة، بعض الناس تقول له: جارك لا يصلي، يقول: ما لي علاقة به.
يا أخي: في المحل الذي بالقرب منك، هناك منكر يُباع، هلاَّ بلغت ولو مرة في حياتك، قال: أنا الحمد لله ما أبيع، ما لي علاقة بالناس: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس:٢٠] يركض على رجليه، أتعرفون ماذا قال؟! ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢١].
في النهاية بعد دعوته إلى الله، هل قالوا: جزاك الله خيراً، كما يُقال لنا اليوم؟! هل قالوا له: جزاك الله خيراً؛ لكن لا تعيد الكرَّة؟!
لا.
بل قتلوه؛ لأنه دعا إلى الله جل وعلا، جاء من آخر المدينة، يركض على رجليه، ينقذ الناس من النار، فكانت النتيجة والثواب: أنهم قتلوه.
فبعثه الله جل وعلا: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس:٢٦] إلى الآن مشفق على قومه، قتلوك أيها الداعية! ذبحوك أيها المبشر المنذر! ومع هذا تشفق على قومك؟! نعم.
إنها الرحمة على الناس: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧].
لمَ يترك كثير من الناس الدعوة إلى الله؟ يدعو سنة أو سنتين ثم يترك الدعوة إلى الله، انظر واستمع إلى هذه الأسباب.
стр. 293
الدعوة لغير الله وترك الإخلاص
السبب الأول يا عبد الله: بعض الناس يدعو لكن لغير الله، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لكن لغير الله جل وعلا، يدعو لنفسه، يدعو لسمعة، يدعو لوجاهة؛ حتى يصل إلى منصب، حتى يقال في الناس: فلان ما شاء الله اهتدى على يديه عشرة، يتمنى هذه الكلمات، ما يريد وجه الله ﵎.
يريد أموالاً من الناس، يعلِّم القرآن، يدرِّس الناس، يهديهم إلى الله جل وعلا من أجل حفنة دنانير، لَمْ يدعُ إلى الله جل وعلا؛ ولكن دعا من أجل هذه الدنانير، وكانت الأنبياء تقول لأقوامها: ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [هود:٥١].
إنما يتعثر وينقطع عن الدعوة من لم يخلص لله، هل حقاً كنت تدعو إلى الله؟ فما بالك اليوم جلست؟! هل الله ﵎ الذي كنت تدعو إليه في السابق غاب الآن؟
انظر لنوح ﵊، انظر للمخلص، تعرف كم ظل يدعو إلى الله ﵎؟!
ألف سنة إلا خمسين عاماً، كلها دعوة إلى الله جل وعلا: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً﴾ [نوح:٥] ما كان هناك دوام، في الليل أدعو وفي النهار ما أدعو، لا، كل حياته دعوة إلى الله، سواءً أكنتُ في العمل أو في البيت، أو في المسجد، أو في الشارع، أنا داعية إلى الله ﵎: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح:٥ - ٧] هل جربتَ أن تدعو إنساناً فيضع أصبعيه في أُذنيه حتى لا يسمع؟ ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح:٧] يضعوا الثياب على وجوههم حتى لا يسمعون نوحاً: ﴿وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً﴾ [نوح:٧] انظروا! عنادٌ وعتوٌّ وفجور؛ لكن نوح كان يدعو لله، لا يدعو لأجل السمعة، لأجل المال والدنانير، لأجل المناصب، بل يدعو لله جل وعلا، بعد تسعمائة وخمسين سنة قال الله جل وعلا: يا نوح! انتهى الأمر: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦].
أغلقت أبواب التوبة، ما هناك أحد سيهتدي يا نوح.
ونوح ﵇ الآن يخاف على المؤمنين أن يضلوا، لأن باب الضلال لم يُقْفَل، فماذا قال نوح ﵇؟
قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧].
يخاف على قومه أنهم إذا ولدوا فسيولدون كفاراً، وإذا بقوا لعلهم يضلوا، اسمع -يا عبد الله- في آخر حياته لما قال الله له: فاركب على السفينة، أتعرفون ماذا قال الله؟ ما حصيلة تسعمائة وخمسين سنة من الدعوة؟ أمثل ما في هذا المسجد ثلاثمائة أو أربعمائة رجل؟! لا.
قال الله جل وعلا بعد تسعمائة وخمسين سنة دعوة إلى الله: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠] إنا لله وإنا إليه راجعون! تسعمائة وخمسون سنة؟! ما فَتَر، ما تَعِب، ما سئم، أتعرفون لِمَ؟ لأن الله يعلم أن الله خلقه لعبادته، والدعوة إلى الله من أشرف العبادة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:٣٣].
إذاً: أول أمر -يا عبد الله- الإخلاص.
أنت تدعو لله أم للذين كفروا؟! لِمَ الآن تغيرت يا عبد الله؟! لِمَ كنتَ في السابق خطيباً داعياً واعظاًَ، أما اليوم نجدك في المقاهي تستمع إلى الأغاني، وتغتاب المسلمين، وتلعب بعض الألعاب المحرمة؟! ما الذي جرى؟! ما الذي حدث؟! كنت في السابق تجول وتصول، تصدع بالحق، أما اليوم على مدرجات الملاعب تصفق وتزمجر، ما الذي حدث؟! هل كنت تدعو إلى الله حقاً أم كنتَ تدعو لغيره؟!
стр. 294
الركون إلى الدنيا
السبب الآخر الذي به يفتر الناس عن الدعوة -واستمع لهذه الأسباب، وابحث عن دائك، فإن بعض الناس لا يدري أصلاً، ولعل أحد هذه الأسباب أو أكثرها تقع عليك يا عبد الله-
آفة النسيان: الركون إلى الدنيا:-
همه قلبه حياته مماته لأجل الدنيا يعيش من أجلها يموت من أجلها لا يتمنى ولا يطلب غيرها قلبه منشغل بها واسمع إلى ما يقوله الرب جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود:١٥] كان يوماً من الأيام يأمر بالمعروف، دخل في تجارة، وليست بحرام، ولكن انشغل عن الدعوة، بدأ في تجارته يتعامل بالربا، بدأ يسلف النساء، بدأ يعاقر الحرام، بدأ يتساهل في دين الله شيئاً فشيئاً: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله يدخل على الملك، فيقول له الملك الطاغية: يا بن تيمية! سمعنا أنك تريد ملكنا، وملك آبائنا؟
أتعرفون ماذا قال ابن تيمية؟! كان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر لا يخاف في الله لومة لائم، سُجن مرات عديدة، رُمي في بئر عاماً كاملاً، لا يرى الشمس فيه، يُنزل إليه الطعام بالحبل، يقضي حاجته في مكانه، عاماً كاملاً في السجن.
استدعاه الملك فقال له: سمعنا أنك تريد ملكنا؟ انظروا إلى أهل الدنيا، يخافون من الدعاة إلى الله، يظنون أن الدعاة يريدون الحكم، يريدون الملك، يريدون المنصب، لا والله، الدعاة إلى الله جل وعلا ما يريدون شيئاً من الدنيا، فقال له شيخ الإسلام، وقد أخذ حفنة من تراب بيده، ثم قال له: والله ما ملكُك ولا ملك آبائك وأجدادك يساوي عندي حفنة من هذا التراب.
انظر يا عبد الله إلى الدنيا في قلب شيخ الإسلام، مات ولم يتزوج، ليس رغبة عن الزواج، ولكنه لم يتفرغ للزواج، من سجن إلى آخر، من سجن إلى آخر، حتى توفي في سجن دمشق وقد ختم القرآن إحدى وثمانين مرة، حتى وصل في المرة الحادية والثمانين إلى قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥] ثم خرجت روحه إلى بارئها، انظروا لمن تبرأ من الدنيا! لمن ترك الدنيا! كيف عوضه الله جل وعلا! لعله يحصل على مقعد صدق عند مليك مقتدر.
صهيب الرومي: جاء فقيراً إلى مكة، فجمع المال، انظر -يا عبد الله- الفتنة، جمع المال، وكان ثرياً غنياً تاجراً معروفاً في قريش، فلما آمن وأراد الهجرة إلى المدينة، قال له صناديد قريش: جمعتَ أموالنا، وتريد أن تذهب بها؟! والله لا ندعَك، الآن لو يُقال لك: تريد أن تدعو إلى الله؟! تريد أن تنشر دين الله؟! اترك جميع أموالك، اترك هذا العمل، اترك المنصب الذي أنت فيه، اترك الدنيا وزينتها، هل تفعل؟!
قال صهيب الرومي: [يا قوم! تريدون أموالي وتتركوني أهاجر بديني؟ قالوا: نعم، نريد أموالك، قال: اذهبوا إلى مكان كذا وكذا ففيه جميع أموالي وما جمعتُه] فذهبوا يأخذون أمواله فإذا بـ صهيب الرومي يهاجر، فلما أقبل إلى المدينة قال النبي ﷺ : (ربح البيع أبا يحيى! ربح البيع أبا يحيى!).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥] إن المنافق إذا أمرته بعمل دعوي، أو شجعته لنشاط دعوي يحسب حسبته: هل هناك مصلحة مادية؟! هل هناك أموال من ورائها؟! هل هناك عَرَضٌ قريب، شهرة، منصب، أموال، فإذا لم يجد يتعذر بالأعذار: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لَاتَّبَعُوكَ﴾ [التوبة:٤٢] والله الذي لا إله غيره لو كانت الدعوة إلى الله جل وعلا فيها أموال، وفيها مناصب، وفيها كنوز لاتبع أكثر الناس سبيل الدعوة إلى الله جل وعلا، ولكن بالعكس، فيها تضحيات، فيها بذل من المال، فيها بذل من الوقت والنفس ولعلها الروح يا عبد الله!.
ولهذا ما يتبعها إلا قليل، وإذا سألتهم يعتذرون بالتجارات، يعتذرون بالأعمال، يعتذرون بالأولاد، يعتذرون بالأهل، يقولون لك: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [الفتح:١١] هذا عذرهم في السابق وهذا عذرهم في اللاحق.
اسمع يا عبد الله إلى أبي بكر ﵁، لما علم أن الدعوة إلى الله تحتاج منه بعض المال، تحتاج الآن الدعوة إلى الله مالاً، وأنت فقير ما عندك شيء، أتعرف ماذا فعل أبو بكر ﵁؟! جاء بكل ماله، لم يفكر في غده، ولم يفكر في أولاده، وأهله، الإيمان إذا بلغ هذه المرتبة، لا يفكر الإنسان بحطام الدنيا، فقال النبي ﷺ : (يا أبا بكر! ماذا تركت لأهلك؟! قال: تركتُ لهم الله ورسوله) أسألك بالله، هل سمعت أن ابناً لـ أبي بكر أو بنتاً لـ أبي بكر مات جوعاً؟! لا يا عبد الله! ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦].
عبد الله: إذا كنت تخاف بعض الأحيان على منصب، أو رزق، أو أموال، أو تجارات تضيع، فاعلم -يا عبد الله- أن الرزق: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢] لا أقول لك: اجلس في المسجد، أو اترك العمل نهائياً، لا يا عبد الله! ولكن ادعُ إلى الله ولو كنت في العمل، ادعُ إلى الله ولو كنت في تجارة، ادع إلى الله جل وعلا ولو كنت تبيع وتشتري، كن داعياً إلى الله جل وعلا صباح مساء، في السر والعلن، في البيت وخارج البيت، كن داعياً إلى الله ﵎.
стр. 295
عدم الصبر
السبب الثالث: من الأسباب التي يترك بعض الناس بها الدعوة إلى الله: عدم الصبر:-
فهو يترك الدعوة إلى الله جل وعلا، لسب أو شتم، أو قرار فصل، ولعلها إهانة، أُغلق الباب في وجهه، أو طُرد من البيت، قال: لن أتعب نفسي لأجل هذه المساجد، أجلس كما كنتُ في السابق، أعبد الله، وليس لي علاقة بأحد، ويتحدث بقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة:١٠٥].
اسمع يا عبد الله للسابقين كيف صبروا؟! وأضرب لك أمثلة للنساء قبل الرجال، لتعلم أيها الرجل! أن من النساء من صبرن على الدين، ومن الرجال من لم يصبر.
انظر إلى هذه المرأة التي شم النبي ﷺ رائحتها في السماء، رائحة طيبة، قال لجبريل: (ما هذه الرائحة الطيبة؟ قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون) خادمة، وظيفتها تمشِّط شعر بنت فرعون، الذي كان يقول لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] أنا إلهكم، فاستحيا النساء، وذبح الأبناء، الدماء تسيل في الشوارع، بذنب وبغير ذنب، فرعون كان يقوم في الناس فيقول لهم: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف:٥١] أدلة الربوبية عنده، أنه يملك مصر: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] انظر السخافة: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤] حتى إنه قال لهم يوماً: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] أعوذ بالله! وليس أي رب، بل قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] كانت عندهم آلهة، لكن كان يقول: أنا الأعلى، أعوذ بالله: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ﴾ [النازعات:٢٥] قوله: الأعلى: ﴿وَالْأُولَى﴾ [النازعات:٢٥] قوله: ربكم.
جاءت هذه الماشطة فآمنت بالله، خادمة عندها أولاد صغار رُضَّع، وكانت تقوم بتمشيط بنت فرعون، وفي يوم من الأيام، وكانت تكتم إيمانها، سقط المشط، فأخذت المشط، وقالت: باسم الله، فقالت البنت: مَن؟ أبي؟ قالت: بل ربي وربكِ ورب أبيكِ الله رب العالمين، طفح الإيمان، وانفجر الإيمان من القلب، لم تبالِ بقتل ولا بسفك دماء، ولا بغير هذا، لم ترفق بأولادها، قالت: بل ربي وربكِ ورب أبيكِ الله رب العالمين، فتهددتها وقالت: سأخبر أبي، قالت: أخبريه، فأُخْبِر فرعون، فاستدعيت الماشطة، إنا لله وإنا إليه راجعون!
ثم سألها -وراءك أولاد، وراءك بيت يا عبد الله! وراءك أهل تنفق عليهم، هذه ليس وراءها رجل، وراءها أولاد صغار، جيء بالماشطة في قصر فرعون- قال لها فرعون: أَوَلَكِ ربٌ غيري؟! قالت والموت ينتظرها، والدماء تسيل في الشوارع، والأولاد خلفها قالت: نعم، ربي وربكَ الله رب العالمين.
انظر إلى الداعية إلى الله، بدأت الآن تدعو فرعون إلى الله جل وعلا، فتقول: ليس ربي فقط بل ربي وربك، أي: ارجع إلى الله يا فرعون! امرأة خادمة ماشطة، قال: ما تقولين؟ قالت: أقول: ربي وربك الله ورب العالمين، أي: فافعل فما تريد، ما قتلها، بل جاء بأولادها الصغار، والأم تقتل نفسها ولا ترى أولادها يصيبهم شيء، فجيء بأولادها الصغار، الرضع يا عبد الله! وأحميت القدور.
أحميت القدور، وجيء بولدها، وتخيل المنظر، الولد لما يُجَر، يلتفت لمن؟ لأمه، وتخيل المنظر، يظنه لا يبكي، نعم يبكي، المشهد يقتضي أنه يبكي، وأن يستنجد بأمه، وأن قلب الأم قد تفطر، وأن الموت أمامه، والجنود يسحبونه، ولعلهم يتضاحكون، وفرعون أمامها، وينتظر منها كلمة تنقذ أولادها، ولكنه الصبر، أُخذ الولد الأول، فيرمى في القدر وهو حي يصيح، ويحترق، وينفصل اللحم عن العظم، وهي تراه، حتى طفحت العظام وذابت اللحوم، والولد الآخر -والقصة حقيقية يا عبد الله- الولد الآخر هكذا، والأطفال ينظرون إلى إخوانهم، والولد الثالث، حتى فني أولادها جميعاً، ما بقيت إلا العظام، جيء بها الآن تُجر إلى ذلك القدر، فقالت لفرعون والتفتت: لي إليك حاجة، فرح فرعون، ظن أنها سوف ترجع عن دينها، قال: ما تريدين؟ قالت: أسألك: أنك إن أحرقتني أن تجمع عظامي وعظام أولادي في كفن واحد، وتدفننا جميعاً، عجب فرعون وقال: ذلك لك من الحق علينا، فإذا بها ترمى في القدر وتحرق معهم.
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢] * ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٣] لا تظن -يا عبد الله- أن هذا الدين هكذا، الحمد لله نصلي في المسجد ونرجع، ولا شيء، أتعرف لِمَ؟ لأنه يُبتلى المرء على قدر دينه، فإن كان في دينه قوة وزيادة اشتد عليه البلاء، وأشد الناس بلاءً الأنبياء.
فهذا زكريا تبعه قومه ليقتلوه، تخيل، نبي يدعو إلى الله، ليتهم طردوه من بيته بل تبعوه ليقتلوه، زكريا -يا عبد الله- الذي ما كان بدعاء ربه شقياً، لو رفع يديه لأهلك الله قومه، تبعوه فدخل في الغابة، وهم يركضون خلفه، والشيطان معهم، حتى فتح الله له شجرة، فدخل فيها، وأغلق الله الشجرة عليه، ولكن بقي شيءٌ من ثيابه خارج الشجرة، فجاء الشيطان يدل الناس على مكانه، فقال: هذا مكان زكريا، دخل في الشجرة وهو حي، فإذا بقومه يأتون بالمنشار، لينشروا زكريا، فإذا به لما بدأ المنشار ينشره يئنُّ من الألم، فقال الله: وعزتي وجلالي لئن لم يسكن أنينك لأقلبن الأرض عليهم، فسكت زكريا، وتحمل العذاب، حتى لا يهلك الله قومه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].
الواحد منا يدعو سنة أو سنتين قال: مللتُ، ماذا يا عبد الله؟! أنت داعية إلى الله جل وعلا حتى تخرج روحك من جسدك، ادعُ إلى الله في السوق، ادعُ إلى الله في الشارع، بعض الناس للأسف إذا أُغلق الباب في وجهه ترك الدعوة إلى الله جل وعلا، وإذا بصق في وجهه قال: بطَّلنا الدعوة إلى الله، هذا محمد ﵊ يسجد عند الكعبة، فإذا بـ أبي جهل يقول لقومه: [من يذهب إلى سلى جزور بني فلان، فيرميه على ظهر محمد؟] ﵊، فيقوم أشقى القوم إلى سلى جزور بني فلان فيأتي به فيرميه على ظهره ﵊، قذارة، ونجاسة البعير، يرميها كلها على ظهره ﵊، ولم يستطع أن يرفع رأسه ﵊، ولم يستطع أحد من الصحابة أن يتحرك، كل منهم قد كتم إيمانه، وآمن سراً، فإذا بـ فاطمة وكانت بنتاً صغيرة جويرية تركض ركضاً إلى أبيها، وهي تبكي، حتى جاءت إليه تزيح الدم وسلى الجزور عن ظهره ﵊.
أناس يُضربون بالسياط، أناس يُحمى الحديد فيطفأ في ظهورهم، أناس يوضعون على الجمر، فينسلخ الجلد عن اللحم، عمار يقف وأمه أمامه تضرب وتجلد، ويمر ﵊ عليهم فيقول: (صبراً آل ياسر -ما عنده شيء، ما عنده جنود، ما عنده جيش- فإن موعدكم الجنة) تريدون الجنة؟ هذا طريقها، جنة بغير بلاء ومكاره، ليست هناك جنة: (حفت الجنة بالمكاره) فإذا بـ عمار ينظر إلى أمه فيقوم أبو جهل الطاغية فرعون هذه الأمة، فيأخذ حربة بيده، فيطعن أم عمار في فرجها، فيسيل الدم، وهي تصيح حتى تموت، من ينظر إليها؟ عمار يا عبد الله، ابنها الصغير، ينظر إلى أمه تعذب هذا العذاب، لكنه صبر في سبيل دين الله جل وعلا.
خباب قال: (يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟! ألا تستنصر لنا؟!) جاع الصحابة ثلاثين يوماً، ليس عندهم طعام ولا شراب، أطفالهم يصيحون من الجوع، والمشركون يأكلون اللحوم والأطعمة، حتى يقول ﵊: (ليس لي ولـ بلال طعام إلا ما يواريه بلال تحت إبطه) يخفي الطعام بلال تحت إبطه حتى يأكله ﵊، أكلوا ورق الشجر، ونحن للأسف لأجل وجبة غداء تركنا الدعوة إلى الله، لأجل وجبة عشاء نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأجل بطوننا، لأجل فروجنا، إلا من رحم الله جل وعلا، فيأتي خباب فيقول: (ألا تدعو لنا؟! -ماذا يريد خباب؟ يريد دعوة إلى الله، أتعرف ماذا قال النبي ﷺ ؟ - قام مغضباً وقد تغير لون وجهه فقال: يا خباب! إنه كان فيمن كان قبلكم، يؤتى بالرجل -انتبه! - فتحفر له الحفرة -وتخيَّل! - فيوضع فيها، ويؤتى بالمنشار فيوضع على مفرق رأسه -فيفرق فرقتين، ليس هناك مخدر، تخيل المنشار على رأسك، ويبدأ ينشر الرأس، ولا تموت إلا بعد ملل، إنا لله! لِمَ كل هذا؟ - قال: ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه -يفصل اللحم عن العظم وهو حي- قال: لا يرده ذلك عن دينه لكنكم قوم تستعجلون).
انظر يا عبد الله! إلى هذا العالم الداعية، دعا إلى الله جل وعلا في بلده، وأطلق فتوى تعارض الطاغية في بلده في ذلك الحين، وسمع الملك الطاغية أن عالماً في بلده أصدر فتوى تعارض سياسته، فاستدعاه في القصر، وكان طاغية جباراً ظالماً، يسفك الدماء، فاستدعى ذلك الرجل العالم الداعية، فقال له: سمعنا أنك أفتيت فتوى، قال: وما هي؟ قال: سمعنا أنك تقول: لو كان عندك عشرة أسهم لرميت النصارى بتسعة، ورميتنا بسهم واحد، هل قلت هذا؟ لو قال: نعم، يقتل الآن.
فقال هذا العالم الداعية: لا والله ما قلت هذه الفتوى، ففرح الطاغية، وقال: إذاً ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: لو كان عندي عشرة أسهم لرميت النصارى بسهم واحد، ورميتكم بتسعة.
صححِّ الفتوى، أنتم تسعة أسهم، والنصارى واحد، فقال: ماذا تقول؟ قال: أقول ما تسمع.
فما قتله الملك، بل صلبه بين الناس، وقال ليهودي -أشد الناس عداوة-: اسلخ جلده من رجليه إلى رأسه، ولا تقتله.
اسلخ الجلد وهو حي، فجاء أمام الناس والناس ينظرون.
للأسف ينظرون إلى هذا العالم يُضرب، وهذا يُقتل، وهذا يُسجن، وهذا يُبعد، وهذا يُضيق عليه، والناس يتفرجون، كل منهم يخاف على أولاده، وعلى ماله، وعلى نفسه، إلا من رحم الله، فإذا بهذا اليهودي يسلخه من رجليه، تخيل الآن المنظر، يسلخ الجلد وهذا العالم الداعية يقول: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٩] ويرددها: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٩] وإذا به يسلخه حتى وصل إلى صدره، وهو يردد هذا الذكر، فتأخذ اليهودي رأفة؛ فيطعنه بالخنجر في قلبه، حتى مات: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢].
وهذه امرأة تحمل رضيعاً بيدها، وأمامها أخدود مليء بالنيران، يقال لها: ترجعي عن دينك أو ترمي بنفسك والرضيع في النار؟ قالت: أرمي بنفسي، فلما أرادت أن ترمي نفسها، ترددت، وقالت: ما ذنب هذا الرضيع؟! أنا أحرق نفسي لله، لا بأس، روحي فداء لدين الله، لكن هذا الرضيع ما ذنبه؟! ما جريمته؟! لِمَ أحرقه بهذه النيران؟! فإذا بها تتردد وتتقاعس، فينطق الله الرضيع في المهد فيقول: يا أماه! اثبتي فإنك على الحق.
فترمي بنفسها ورضيعها في النار: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج:٤ - ٧].
لم كل هذا؟!
﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨].
لا تقل يا عبد الله: أنا ما أُبتلى!
أقول: يبتلى المرء على قدر دينه.
стр. 296
ضعف الإيمان
السبب الرابع: من أسباب ترك الدعوة إلى الله جل وعلا: ضعف الإيمان:
فلان يدعو إلى الله ثلاث سنوات، ثم يترك الدعوة! ما السبب؟!
ضعُف الإيمان، فتَر، بدأ يرتكب بعض الذنوب والمعاصي.
فتش في نفسك يا عبد الله، لِمَ كنت في السابق إذا رأيتَ منكراً انقبض الصدر، تضجرت، خرجت من هذا المجلس، ما تتحمل منكراً في الأرض؟! أما اليوم تنظر إلى التلفاز صباح مساء، الأفلام العارية الداعرة، المجلات القذرة تقرؤها صباح مساء، ما الذي جرى؟!
إنها الذنوب والمعاصي.
أتذكر يا عبد الله تلك النظرات؟! أتذكر تلك المسلسلات؟! أتذكر تلك الأشرطة؟! أتذكر تلك الليالي الحمراء؟! أتذكر عندما كنت تغلق الباب على نفسك وتفعل ما تفعل؟! هذا الذي ثبطك عن الدعوة إلى الله! ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦].
ولهذا يا عبد الله إن الدعوة إلى الله متناسبة مع الإيمان، كلما ارتفع الإيمان ازدادت الدعوة إلى الله، وكلما ضعف الإيمان قلت الدعوة إلى الله.
واسمع إلى قول النبي ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده) الواجب الأول باليد، إذا رأيت تلفازاً والأهل ينظرون فأغلق التلفاز في بيتك، أنت صاحب البيت ورب الأسرة، تستطيع أن تمنع المنكر فامنع بيدك، أنت مدير في مؤسسة، أنت مسئول في مكان، أنت صاحب المحل، أنت صاحب السلطة، أنكر المنكر بيدك، إلا إذا رتب منكراً أكبر من هذا، فهنا يحرم الإنكار.
قال: (فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه) يا عبد الله! ما الذي يمنعك من اللسان؟! ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] اصدع يا عبد الله، هل تخاف في الله لومة لائم؟! هل تخاف كلام الناس؟! هل تتثبط لاستهزاء المستهزئين؟! اصدع بما تؤمر.
ثم قال النبي ﷺ : (فإن لم يستطع -الدرجة الثالثة- فليغيره بقلبه).
كيف يغير بالقلب؟!
قالوا: يخرج من المجلس، يتضايق، يغادر هذا المكان، يبين لمن حوله: أنني صحيح لم أستطع أن أتكلم؛ لكن لتعلموا أنني لا أرضى بهذا المنكر، أخرج من هذا المكان.
ثم قال ﷺ : (وذلك أضعف الإيمان) أضعف الإيمان، يعني: أقوى الإيمان الإنكار باليد، ثم اللسان، وقد يتفاوت، فأحياناً يكون الإنكار باللسان خير من اليد.
عبد الله: الإيمان يتناسب مع تغيير المنكر، مع الأمر بالمعروف، مع الدعوة إلى الله، ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِوَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الإيمان بالله جل وعلا.
تذكر ذنوباً، تذكر معاصٍ كنت تفعلها يا عبد الله صدتك عن طريق الدعوة إلى الله جل وعلا.
стр. 297
عدم التوكل على الله سبحانه
السبب الخامس: وهو يمنع كثيراً من الناس عن الدعوة إلى الله ﵎، ويصيبهم بالضعف والفتور وهو: عدم التوكل على الله:-
يعتمد على أسبابه، يظن أنه إذا دعا اهتدى الناس! لا يا عبد الله! الأمر كله معلق بالله جل وعلا، أسمعت بمؤمن آل فرعون؟! فرعون كان في قصره مؤمن، كتم إيمانه، وخاف، لكن لما اجتمع فرعون والحاشية وكان هو موجوداً، واتفقوا على قتل موسى، هذا الرجل ما استطاع كتمان الإيمان، فأظهر إيمانه وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨] أتفعلون هذا الفعل في رجل يدعو إلى الله جل وعلا؟! أتسجنون هذا الرجل؟! ما جريمته؟! ألأنه دعا إلى الله جل وعلا تطردونه، وتضربونه، وتقتلونه، وتستهزئون به؟! هذا المؤمن الداعية إلى الله جل وعلا ما تحمل وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨].
وأخذ يجادلهم، وأخذ يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويناقشهم، ويقنعهم بالدعوة إلى الله، وبصحة هذا الدين، وفي النهاية ماذا قال؟ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤] قال: ستذكرون هذا الكلام، وأنا أفوض أمري إلى الله، ومتوكل على الله جل وعلا، أنا فقط عليَّ البلاغ، ومتوكل على الله.
قبل قليل قال لهم: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩].
عباد الله: يقع زلزال في خمس ثوانٍ فيدمر جميع البيوت، هذا جندي من جنود الله، فهذه ريح أرسلها الله على قوم عاد سبع ليالٍ وثمانية أيام دمَّر الله القرية كلها، حتى إنه كانت الريح تأخذ الواحد منهم إلى أعلى السماء ثم تطرحه على الأرض فينفصل الرأس عن الجسد.
العجوز كانت تختبئ في البيت من شدة البرد، ريحٌ صرصر بارد، تجلس في البيت فتغلق الباب على نفسها، وتشعل النار، فتموت من البرد وهي في بيتها.
وسمعتم بذلك الرجل، الذي قتل، وقد قدمنا قصته أول المحاضرة، هل أرسل الله جيشاً؟! هل أرسل الله ملائكة؟! هل أرسل الله عباداً له؟!
لا يا عباد الله! انظر ماذا قال الله : ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ [يس:٢٨] ما أنزل الله ملائكة.
ماذا فعل الله؟!
﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس:٢٩] صيحة واحدة، جندي من جنود الله جل وعلا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١].
توكل على الله، وفوض أمرك إلى الله جل وعلا، وإياك إياك أن تعتمد على حساب الماديات، تعتمد على حولك وقوتك ونشاطك وذكائك! لا يا عبد الله.
انظر إلى إبراهيم ﵊، رمي في النار بالمنجنيق، شهر كامل يجمعون الحطب لحرق إبراهيم، فلما جمعوا الحطب وأشعلوا النار، يمر الطير من فوق النار فيسقط من حرارتها، إبراهيم ما استطاعوا أن يأتوا إلى النار فيقذفوه فيها، بل رموه بالمنجنيق، فلما كان في الهواء جاءه جبريل في اللحظة الأخيرة، قال: ألك إليَّ حاجة؟ -جبريل ينقذه الآن- فقال إبراهيم: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم: حسبي الله ونعم الوكيل، فلما سقط في النار، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٦٩ - ٧٠].
توكل على الله أيها الداعية، لا تقل: أنا بقوتي وبنشاطي وبعملي سوف أكره الناس جميعاًَ! لا يا عبد الله! ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩] ما تستطيع يا عبد الله!
إذاً توكل على الله ﵎.
стр. 298
شدة الخلاف والنزاع بين الدعاة
السبب السادس: عبد الله، من أسباب الفتور في الدعوة -واستمع لهذا السبب وانتبه له-: كثرة الخلاف، وانتشار الشقاق والنزاع، هذا يسب هذا، وهذا يشتم هذا، وهذا يطعن في هذا، وهذا يغتاب هذا، حتى صار بعض الدعاة والخطباء الواعظين الآمرين بالمعروف والنهاة عن المنكر يحتاجون إلى من يدعوهم إلى الله ﵎!
ما السبب؟!
دخل في هذه المتاهات، بدأ يختلف مع إخوانه، وهل كلما اختلفنا افترقنا يا عباد الله؟! نحن المسلمون للأسف كما قال ﷺ : جعل الله بأسنا بيننا، بأس هذه الأمة بينها، كلما اختلف رجل مع أخيه تفرقا وتهاجرا، حتى قال شيخ الإسلام: إن كان هذا الأمر صحيحاً ما بقي أخَوان.
عباد الله: نحن نتفق في أصول الإسلام، نتفق في أصول أهل السنة والجماعة، وماذا بعد هذا؟
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠].
هذه الحادثة والله لو حدثت في زماننا ولم تحدث قبلنا، لرأيت النزاع والشقاق، يقول النبي ﷺ : (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) ففهم بعض الصحابة أنه حتى ولو فات وقت العصر فلن يصلوا العصر إلا في بني قريظة، وبعض الصحابة فهم أمراً آخر قالوا: لا يقصد النبي ﷺ إلا الاستعجال، فلما حان وقت الصلاة صلوا في الطريق.
اختلفوا يا عباد الله! هل سمعت أن الصحابة تقاتلوا وافترقوا لأجل هذه المسألة؟ لا.
يا عبد الله: الصدور أوسع مما تظن، والحمد لله هذا الدين يسع كثيراً من الخلاف، ولهذا رأينا الشافعي يخالف الإمام أحمد، ومالك يخالف أبا حنيفة، هل سب أحد منهم الآخر؟! هل شتمه؟! هل حذر منه؟! هل نفر الناس عنه؟! هل حذر من التتلمذ والدراسة عليه؟! لا يا عباد الله.
أتعرف لماذا؟ لأن عندهم قاعدة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] نحن والحمد لله ندخل تحت لواء أهل السنة والجماعة، فليعذر بعضُنا بعضاً.
نعم، نتناصح، نتناقش، نتجادل، وسألتُ بعض الناس سؤالاً، قلتُ لهم يوماً: لو رأينا رجلاً شيخاً وقوراً صاحب دين وصدق، أكل لحم جزور، ونحن نعلم أن لحم البعير ينقض الوضوء، وبعد أن أكل لحم البعير قام ليصلي بنا، فقام بعض الناس يقول له: يا شيخ! لحم البعير ينقض الوضوء، وهذا هو القول الصحيح، لقول الرسول ﷺ حينما سئل: (أنتوضأ من لحم الجزور؟ قال: نعم) فقال الشيخ: لا، لحم البعير لا ينقض الوضوء.
فقلنا له: يا شيخ، صلاتك لا تصح، قال: لا، أنا مقتنع بأن لحم البعير لا ينقض الوضوء، فقام وصلى بنا، هل تصلي خلفه وأنت تعتقد أن لحم البعير ينقض الوضوء؟
يقول الشيخ محمد الصالح بن عثيمين: يصلي خلفه، وصلاته صحيحة، وصلاتك صحيحة، أرأيت ما أعظم هذا الدين! أرأيت ما أعظم فهم العلماء وفقههم الدقيق.
يقول: بما أنه يعتقد أن هذا لا ينقض الوضوء، وهو ليس متبعاً للهوى، بل متبعاً للدليل، وهذا قول جمهور العلماء أن لحم الجزور لا ينقض الوضوء، وهم يقولون: إن هذا الحديث منسوخ، إذاً هو متبع للدليل ومجتهد، وإن أخطأ فله أجر، فتصلي خلفه، وبما أن صلاته صحيحة، فصلاة من خلفه صحيحة.
أرأيتم يا عباد الله! كيف أن بعض الناس ضاقت أنظارهم، صار لا يرى في أخيه إلا الخطأ، لا يرى فيه إلا السوء، لا يرى فيه إلا الزلل، لا يعرف حسناته وفضائله.
سُئل الشيخ ابن عثيمين حفظه الله في الحج الماضي: عن تقويم الناس، وتقويم الجماعات والطوائف، يقولون له: إن بعض الناس يقول: لا يجوز إذا أردت أن تقيم إنساناً أن تذكر حسناته، تذكر العيوب التي فيه فقط؟ أتعرف ماذا قال الشيخ ابن عثيمين؟!
قال: إذا كنت تريد أن تقيم إنساناً يجب عليك وجوباً أن تذكر حسناته وسيئاته.
ليس استحباباً، بل وجوباً؛ لأن هذا تقييم، هذا ميزان العدل والإنصاف يا عبد الله، أما إذا أردت أن تحذر من بدعة أو خطأ، فلا يجب عليك أن تذكر الحسنات، بل تحذر من البدعة، وتحذر من الخطأ، ولا بأس بهذا كله.
إذاً: يا عباد الله! لتتسع صدورنا للناس.
نعم، نتعاون، نتناصح، نتذاكر، نتناقش، إمامنا ورائدنا كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة السلام وإجماع الصحابة، هذه حجتنا القاطعة التي ليست بعدها حجة؛ ولكن يا عباد الله! لتكُن صدورنا أوسع مما هي عليه الآن.
стр. 299
وجود الشبه المثبطة
السبب السابع: من الأسباب التي تجعل بعض الناس يترك الدعوة إلى الله جل وعلا: شُبَهٌ -وسوف أسردها سريعاً- يتعلق بها كثير من الناس.
لِمَ لا تدعو إلى الله؟ لِمَ لا تأمر بالمعروف؟ لِمَ لا تعمل معنا في طريق الدعوة إلى الله؟ اسمع لهذه الشُّبَه:
الشبهة الأولى:
بعض الناس يقول: الواقع مرير، والفساد كبير، والسيل جارف، ولا تستطيع أن تعمل شيئاً، اجلسوا في بيوتكم، عليكم أنفسكم.
وهذا الرجل المسكين ما قرأ كتاب الله حقاً؛ لأن الله جل وعلا يقول لنبيه: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨] ما عليك شيء، ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] حتى ما يكون هناك حجة علي، فقط بلِّغ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٢].
ماذا قالت بنو إسرائيل؟
﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف:١٦٤] ما فيهم خير؟ القوم ضاعوا وفجروا وتركوا دين الله، والفساد منتشر، لا تستطيعوا أن تفعلوا شيئاً: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٤] لا نيئس من رحمة الله جل وعلا.
الشبهة الثانية:
بعض الناس يقول ضد هذا، يقول: الحمد لله، الناس في خير، لِمَ هذا التعب؟! لِمَ هذا الصياح؟! لِمَ الأمر بالمعروف؟! لِمَ النهي عن المنكر؟! الحمد لله المساجد ممتلئة.
نقول: هذا الرجل ينظر بعين واحدة، ولا ينظر بالعين الأخرى.
عبد الله: أما ترى الفساد منتشراً؟! ألا ترى التبرج في كل مكان؟! أين نحن من صلاة الفجر؟!
أيها المصلي صلاة الفجر: ألا ترى الفرق بينها وبين صلاة العشاء؟! ألا ترى الفرق بين هذا وهذا؟!
الصلاة تقام وما زالت المحلات مفتوحة! وبعض الناس يعمل ولا يبالي بالصلاة، ألا ترى هذا يا عبد الله؟!
ألا ترى سب النبي ﷺ في الصحف؟! كيف تجرأ الناس إلى هذا؟!
يأتي ذلك فيقول: ليس هناك دليل، لا من القرآن ولا من السنة على وجوب الحجاب! إنا لله وإنا إليه راجعون.
ألا ترى الآخر يقول: ليس هناك دليل في القرآن ولا في السنة على تحريم الخمر؟! ألا ترى هذا يا عبد الله؟!
فجور سب لله سب لرسول الله تحريف لهذا الدين، وأنت جالس تقول: الحمد لله، الناس بخير! أي خير هذا يا عبد الله؟!
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ
الشبهة الثالثة:
اسمع يا عبد الله إلى شبهة أخرى: بعض الناس يقول: تعال يا أخي، نريد أن نوزع شريطاً في الشارع، في المحلات، في ذلك المجمع، جمعنا بعض الأشرطة ونريد أن نوزعها في ذلك المجمع، في ذلك السوق، تعال معنا، فيقول: إني أخاف.
لِمَ تخف يا عبد الله؟!
قال: أخاف الفتنة، أخاف أن أنظر إلى النساء، أخاف أن يتعلق قلبي بهن، اتركوني في البيت، في المسجد، سبحان الله! لَمَّا يذهب لحاجياته لا يقول: أخاف الفتنة.
إذاً يا عبد الله! إن كنت تخاف الفتنة، لِمَ لا تدعو في مكان الرجال؟! لِمَ لا تدعو في عملك؟! لِمَ لا تدعو في المقاهي التي تجلس فيها؟! تدعو إلى الله جل وعلا: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة:٤٩] استأذن عن الجهاد، اعتذر عن الجهاد، أتعرف لِمَ؟
الجد بن قيس قال: (يا رسول الله! ما أستطيع أن أذهب إلى الجهاد، قال: لِمَ؟ قال: أخاف فتنة بني الأصفر) أخاف أن أفتتن بالنساء، قال الله جل وعلا: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩].
الشبهة الرابعة: بعض الناس يحتج بشبهة أخرى: يقول: أنا لا أصلح للدعوة إلى الله، أو بعضهم يقول: أنا عندي ذنوب، وعندي معاص، كيف أدعو إلى الله جل وعلا؟! اسمع! كل منكِر مطالب بالدعوة ولو كان عنده بعض المعاصي.
ولو لَمْ يعظ الناس من هو مذنبٌ فمن يعظ العاصين بعد محمدِ
هل هناك بعد رسول الله ﵊ إنسان لا يعصي الله؟! حتى أبو بكر: (كل ابن آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوابون).
إذا كان كل إنسان يقول: أنا عندي معاصٍ، حتى أترك المعاصي ثم أدعو إلى الله.
أخطأت يا عبد الله، صحيحٌ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٤٤] هذا إثم؛ لكن لا تجمع مع الإثم إثماً آخر، ما هو الإثم؟ ألا تدعو إلى الله جل وعلا، وقلها صادقة من قلبك: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨].
أول الناس في هذا الطريق محمد ﵊، وأيضاً من يسير في طريق الدعوة إلى الله؟! قال: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] كل من ادعى اتباع النبي ﷺ يجب أن يدعو إلى الله، وهذه الآية -يا عبد الله- تدل على أن من تمام الاتباع الدعوة إلى الله.
стр. 300
عدم الشعور بالتحدي
السبب الثامن: ختاماً: من أسباب ترك الدعوة إلى الله: عدم الشعور بالتحدي:
أيها الإخوة الكرام: كل منا مطالب بالدعوة إلى الله، ألا تشعر أننا يتحدانا أُناس يريدون أن ينشروا الرذيلة بين صفوفنا؟! ألَمْ تسمع بهذا؟!
ألا تعلم أن اليهود والنصارى همهم الآن -في هذه البلاد خاصة- أن يجردوها من الإسلام؟ أن يغير فكر المسلم الذي يصلي إلى فكرٍ غربي، بحيث يصبح همه في الحياة المادة، وهذا حصل لكثير من الناس.
جاءني أحد الأيام شاب، بعد أن صليت الظهر، قال لي: يا فلان! أما زلتم تصلون؟! قلتُ: نعم، قال: الناس وصلوا إلى القمر وأنتم ما زلتم تصلون؟!
قلت: أنت لَمْ تَصِلْ إلى القمر ولَمْ تُصَلِّ، نحن الحمد لله صلينا، وإن شاء الله سوف نصل إلى أعلى من القمر، بإذنه جل وعلا، فنحن نأمل أن نصل إلى الفردوس الأعلى.
عبد الله: ألا تشعر بالتحدِّي؟! هناك كتَّاب في الجرائد يسخرون من دينك، يستهزئون بك، يشككون الناس حتى في العقيدة، هناك أناس يشككون الناس حتى في دين الله، بعضهم يشكك أن دين الإسلام لا يصلح، لو أردتَ أن تطبق فتطبق أي مذهب؟! انظر التشكيك، وبعضهم يأتي بشُبه حتى يشكك العجائز وكبار السن في دينهم يا عبد الله، أين أنت؟!
يقول أحد الشباب: كنت في بلاد ألمانيا في صبيحة كل يوم أخرج للدراسة، وفي يوم من الأيام طرق عليَّ الباب طارق، فتحتُ الباب فإذا امرأة من الدعاة النصرانيات، يتجولن كل صباح على الناس، تخيَّل! نصارى، يقول: فلما علمت أنها تدعوني إلى النصرانية، أغلقتُ الباب في وجهها.
انظر لعزته بدينه، يقول: وجلستُ في البيت، يقول: والله! أسمعُها تدعوني إلى دينها من وراء الباب نصف ساعة.
نصف ساعة تتكلم، تنشر دينها، ولا تبالي، أُغْلِقَ الباب أم لم يُغْلَق؛ لكن تدعو إلى مبدئها، ودينها الباطل، أين المسلمون؟! أين الدعاة إلى الله جل وعلا؟!
نحن متحدَّون يا عباد الله، النصارى يغزوننا، اليهود يغزوننا، ليس غزواً عسكرياً، بل غزواً إعلامياً وثقافياً، والآن سوف يكون الغزو في المرحلة القادمة اقتصادياً، وأنت أعلم بهذا.
عباد الله: ما دورنا؟! ما عملنا؟! الواحد يكفي أنه يصلي ويرجع إلى البيت؟! لا والله، لا يكفي هذا، ما يكفي أنك تفتح المصحف ثم تدرس في البيت، ألم تسمع قول الله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠].
يا عباد الله: الآن في هذا الزمن من يفكر في أمريكا، وفي بريطانيا، وفي روسيا كيف يدمروا ديننا وكيف يفسدوا عقيدتنا؟!
تتعجب من هذه المخدرات في الآونة الأخيرة انتشرت في كل البلاد الإسلامية، وهذه الخمور في كل الأحياء.
قبل أيام ركبتُ طائرةً، زذهبت لإحدى الدول لإلقاء الدروس والمحاضرات، هذه الطائرة أغلب ركابها نصارى -والله أعلم- بحيث يعرفون من أشكالهم، ولم يكن معي من المسلمين إلا القلة، ممن يلبسون اللباس الإسلامي -الهيئة الخليجية- والله الذي لا إله غيره، لما ارتفعت الطائرة في السماء؛ نزع كل منهم حزامه، فرأيت بعض الناس يرجع إلى الخلف، ثم اكتشفت أنهم يرجعون لأخذ الخمور وشربها، والله إن هؤلاء المسلمين العرب سبقوا النصارى لهذه الخمور!! للأسف يا عباد الله!
بعض النساء تشتكي وتقول: تزوجته صالحاً، وبعد زمن تعرف على شلة فاسدة، فبدءوا يأتونه في البيت، ترك الصلاة، بدأ يشرب الخمور، حتى وصل به الحال أنه يجبر زوجته على أن تعاشر أصحابه، هذا في بلاد المسلمين بلاد التوحيد -يا عباد الله- ألسنا في تحدٍ؟!
إلى الآن ألَمْ تعلم أن من الناس من يفكر في إفساد دينك ودين أولادك، حتى في أرحام الأمهات، هناك من يخطط لإفساد الأولاد في أرحام أمهاتهم! أما تعلم بهذا يا عبد الله؟!
بعد عشرين أو ثلاثين سنة تكبر وتشيخ، وسوف يعيش أولادك في هذا المجتمع، وإذا لم يصلح المجتمع -يا عبد الله- فسوف يكون أولادك أول ضحية، وإني مذكرك: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر:٤٤] ستذكر هذه الكلمات.
سوف يأتي يوم من الأيام ابنتك لا تستطيع أن تدرسها، بعض البلاد الإسلامية اليوم ممنوعٌ أن تظهر المرأة بحجاب، كونها تخرج من البيت بحجاب تعتبر جريمة، لو كنت مكانهم ماذا تفعل يا عبد الله؟!
فحتى لا نصل إلى مثل هذه الحال، علينا أن نبادر إلى الدعوة إلى الله جل وعلا، لنبلغ دين الله ﵎، لنأمر بالمعروف، لننهَ عن المنكر، حتى لا يأتي يوم ندعو الله جل وعلا فلا يستجيب لنا، ثم يسلط الله عباداً علينا، ندعوه فلا يكشف عنا السوء، حتى لا يأتي يوم يصبح المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، حتى لا يأتي ذلك اليوم علينا أن نجتهد في تبليغ دين الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
قال الله ﵎: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [هود:١٢١ - ١٢٢].
أقول هذا القول.
وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 301
ثغرات في البيوت
إن الله لم يكتف بأمر العبد بإصلاح نفسه، بل أمره بإصلاح أهله وتربيتهم التربية الحسنة الصالحة، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً) والوقاية من النار تكون بالصلاح والإصلاح والطاعة لله سبحانه، فلذلك يجب على المؤمنين إصلاح بيوتهم، خاصة وقد أصبحنا في عصر المغريات والشهوات والشبهات والعياذ بالله.
стр. 302
لماذا الاهتمام بالبيوت
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
ثم أما بعد:
موضوع المحاضرة -أيها الإخوة- ثغرات في البيوت، وحينما أردت أن أعد الموضوع رأيت أن الثغرات كثيرة، وأنني لن أستطيع أن أحصيها في هذا المجلس، ويكفينا بعض الثغرات نقضي بها هذا الوقت نسأل الله أن يصلح لنا بيوتنا، ولكن بداية ومقدمةً لماذا نهتم بالبيوت؟
يقول الله : ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً﴾ [النحل:٨٠] إذن الله يمتن علينا بهذه البيوت، فكم من رجلٍ يفترش الأرض ويلتحف السماء، وكم من أسرة لا تجد بيتاً يأويها، ولهذا كان ﵊ إذا أوى إلى الفراش حمد الله الذي آواه، وجعل له هذا المسكن.
ثانياً: أن في هذه الكلمات وفي هذه الدروس وقاية لنا ولأهلينا من عذاب النار وقد قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] فلا يكفي المسلم أن يقي نفسه من النار، بل يجب عليه أن يقي والدته ووالده وإخوته وأبناءه وزوجه وكل من في البيت ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] أتعرف كيف صفتها؟
﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] أترضى عبد الله أن ترى أمك يوم القيامة تحترق في هذه النار؟ تصور أن ترى أختك وأخاك يحترقان في تلك النار، أو ترى أولادك الصغار الذين طالما سهرت على راحتهم أن تراهم يحترقون في النار ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] ولهذا جعل الله الخسران الكبير ذلك اليوم ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥].
ثالثاً: يقول ﵊: (إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه، أحفظ أم ضيع) حتى يسأل الرجل عن أهل بيته.
رابعاً: عبد الله! إذا اشتدت الخطوب، وزادت الفتن، وكثرت على المسلم إلى أين يلتجئ؟ إلى أين يذهب؟ كيف يحتمي؟
يقول ﵊: (سلامة الرجل في الفتنة أن يلزم بيته).
خامساً: أن أكثر الناس يقضون أوقاتهم في البيوت، ولهذا حق لنا أن نتكلم عن ثغراتٍ في البيوت.
عباد الله! يسأل الصالحون متى يصلح الله هذه الأمة؟
ومتى يصلح الله هذا المجتمع؟ ومتى تزول المنكرات؟
ومتى يحكم بشرع الله؟
لكن نسألك قبل هذا السؤال متى تصلح بيتك؟
يا من عجز عن إصلاح بيته، كيف يصلح المجتمع؟
يا من لم يستطع أن يطبق شرع الله في بيته، كيف ستطبقه في المجتمع؟
يا من ينظر إلى الجيران، وإلى الأسواق، وقد كثرت فيها المنكرات، ألا تنظر إلى بيتك؟
ألا تلتفت إلى غرفتك؟ ألا تنظر إلى أمك وأبيك؟ ثم تنظر إلى غيرهما؟
عبد الله! ماذا يحدث لو أصلح كلٌ منا بيته؟
لو فرضنا أن هذا المجلس يحوي مائتي رجل مصلح داعية إلى الله، استمع إلى الكلام وذهب بيته، ولنفرض أن متوسط الاعداد في البيوت سبعة، إذاً لعله يصلح بنا بعد هذا المجلس ما يزيد على ألف وأربع مائة رجل وامرأة.
انظروا يا عباد الله! كيف لو أصلح كلٌ منا بيته، ماذا سوف يحدث في المجتمع؟
أبو بكر يأتيه ﵊ في القائلة متخفياً فيقول: بأبي هو وأمي، لا يأتي في هذا الوقت إلا لحاجة، فيدخل فيقول: (أريدك في أمر) وكانت عائشة في البيت، فيقول: هم أهلك يا رسول الله! أي أن عائشة تحفظ السر ولكن أي سر؟
سر الهجرة، فيقول أبو بكر: هم أهلك يا رسول الله! أي: لن يفشوا لك سراً، ثم يخبر عليه الصلاة السلام بالسر الأعظم، وبالأمر الكبير الهجرة إلى المدينة، فهل تفشي عائشة سراً؟ إنه بيتٌ صالح لا يفشي سراً، ولا يعرف منكراً، يريد الخروج للهجرة، من الذي يقوم عليهما؟
ابنته الثانية أسماء بنت أبي بكر ﵂، تريد أن تحفظ لهما الطعام فلا تجد إلا نطاقها فتمزقه اثنتين ثم تربط به الطعام.
إنه بيتٌ صالح.
وأي بيت وبيت عمر ﵁ من الذي خرج منه؟
خرج منه عبد الله بن عمر بن الخطاب.
وبيت علي بن أبي طالب من الذي خرج منه؟
خرج منه سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين وذرية طيبة بعضها من بعض.
стр. 303
بعض ثغرات البيوت
الثغرات نسردها ثغرة ثغرة، وكلما ذكرنا ثغرة فقف في بيتك ولو لبرهة، وادخل غرفة غرفة، وفرداً فرداً وانظر في هذه الثغرات، هل هي حقاً موجودة في بيتك؟
لتتعاهدها وتصححها ولا تنتظر مني الحلول، فسوف أذكر كل ثغرة وأعرض لحلٍ بسيط، والحل يبدأ من نفسك.
стр. 304
ضعف الإيمانيات والعبادة
الأولى: ضعف الإيمانيات والعبادة فيها.
حتى لا تكاد تجد فيها مصلياً، أو داعياً، أو قارئاً للقرآن، أو ذاكراً لله، أو تالياً آيات الله، أو باكياً، أو رافعاً يديه، يقول ﵊: (مثل البيت الذي يذكر الله فيه والذي لا يذكر الله فيه كمثل الحي والميت) فهل رأيت الفرق بينهما؟
ويقول الله لموسى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾ [يونس:٨٧] لمَ؟ ماذا نجعل في هذه البيوت يا رب؟
لقد كان فرعون يقتل الرجال ويستحيي النساء، ويتبعهم ويلاحقهم ويعذبهم، فما حاجتنا لهذه البيوت؟
قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس:٨٧] قال ابن عباس: [أمروا أن يتخذوها مساجد] ليلزم كلٌ بيته، وليغلق على نفسه الباب، وليأتي إلى زوجته وأبنائه وإخوانه وأخواته فليقيموا فيه الصلاة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] أين بيوتنا من تلك البيوت؟ ولنسرد عليكم بعض صفات بيوت الصالحين وقس بيتك على بيوتهم:
عتبان بن مالك أحد أصحاب النبي ﷺ البدريين يقول: (أتيت رسول الله، فقلت: يا رسول الله! قد أنكرت بصري -يعني: ضعف بصري- وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار وسال الوادي الذي بيني وبينهم لا أستطيع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، وددت يا رسول الله! -انظر إلى طلبه وقس نفسك عليه- أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى) أي: تصلي فأجعل مكاناً في بيتي مصلى أصلي فيه، فأين هذا المصلى في بيتك؟
ابحث عنه، هل هو في غرفة نومك؟ أم في غرفة الجلوس؟
أم المكان الذي يجتمع فيه أهل البيت؟
سل نفسك هل يوجد هذا المصلى في بيتك تصلي فيه النوافل؟
قال: (فقال رسول الله ﷺ : سأفعل إن شاء الله، قال عتبان: فغدا علي رسول الله ﷺ وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله فأذنت له فلم يجلس حتى دخل البيت ثم قال: أين تحب أن أصلي من بيتك؟ -أي مكانٍ تحب أن تجعله مصلى- قال: فأشرت له في ناحية البيت، هذا المكان يا رسول الله! قال: فقام رسول الله، فكبر فصففنا فصلى ركعتين ثم سلم) رواه البخاري ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٨٧].
عبد الله! هل تتذكر آخر مرة صليت فيها نافلة في بيتك؟
قال ﵊: (اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها مقابر) عندما تصلي في البيت ويأتي أخوك الصغير، فينظر إليك، فماذا سيفعل؟ وعندما تأتي أختك الصغيرة، فتنظر إليك وأنت تصلي النافلة، وتراقب، فماذا تظنها فاعلة؟
سوف تقلدك في الصلاة، تخيل -عبد الله- وأنت تصلي هل يجرأ أحدٌ في البيت أن يغني، أو يرفع أصوات الغناء؟
فوالله إن الشياطين لتفر من البيت، فلتجعل لبيتك من صلاتك النافلة.
يقول ابن عباس -انظر الابن إذا رأى زوج خالته يصلي ماذا يفعل؟ - يقول ابن عباس: (بت في بيت خالتي ميمونة -أم المؤمنين ﵂، زوج رسول الله- قال: فصلى رسول الله ﷺ العشاء -تخيل غلام صغير يقص تلك القصة، انظر كيف تأثر بذلك القدوة- ثم جاء إلى منزله قال: فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم قام فقال: نام الغليم -يعني ابن عباس - يقول: وأنا أنظر إليه -يراقبه ابن عباس صغير قال: فتوضأ ثم قال: فقمت من النوم فتوضأت مثل وضوئه ثم صففت عن شماله وصليت -غلام صغير إذا رآك تصلي يفعل مثلك؟ - قال: فجذبني بأذني وجعلني عن يمينه، يقول: فصليت معه حتى صلى خمس ركعات، قال: ثم صلى ركعتين، فنام حتى سمعت غطيطه) انظر كيف تأثر الصبي انظر كيف يتأثر أفراد البيت بمن يصلي في البيت؟
كان عبد العزيز بن أبي روَّاد ﵀ إذا جن عليه الليل يأتي إلى فراشه فيمر يده على فراشه فيقول: إنك للين، ووالله إن في الجنة لألين منك.
نعم إن الفراش لين، لكن في الجنة ما هو ألين منه، ولا يزال يصلي الليل كله ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٥ - ١٦].
ومعاوية بن قرة كان يقول إذا صلى العشاء: يا بني! نوموا، يا بني! نوموا لعل الله أن يرزقكم من الليل خيراً، يأتي بعد العشاء وينوم أهل البيت حتى يقوموا آخر الليل.
وانظر إلى الأم كيف تتأثر بابنها إذا صلى!
تقول أم الربيع بن خثيم إذا رأته قام بالليل، يصلي فيبكي: يا بني! لعلك قتلت قتيلاً -أخبرني اعترف- فيقول: يا أماه قتلت نفسي ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩].
وانظر كيف تتأثر البنت بأبيها عندما يصلي!
تقول ابنة عامر بن عبد قيس: يا أبتاه! مالي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام! فيقول: يا بنية! إن جهنم لا تدع أباك ينام ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾ [طه:١٣٢].
عبد الله! أين أنت من صلاتك في البيت؟ انظر إلى أولئك الصالحين، تقول زوجة مسروق: كان إذا قام الليل جلست خلفه أبكي عليه، فإذا صلى انتفخت قدماه، فإذا انتهى من صلاته لا يستطيع أن يمشي من شدة القيام، تنتفخ قدماه، تقول: أبكي خلفه وأسأل الله أن يعينه.
انظر كيف تتأثر الزوجة بزوجها؟
وانظر كيف يتأثر الابن بأبيه يقول: عبد الله بن الإمام أحمد: كان أبي يقرأ كل يوم سُبعاً، يعني سبع القرآن، يصلي بالليل سبع القرآن، يعني في كل سبعة أيام يختم القرآن كله، يقول: وكان ينام نومة خفيفة بعد العشاء ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو.
يقول وكيع: كان علي والحسن ابنا صالح بن حي وأمهم قد جزءوا الليل ثلاثة أجزاء -تخيل- يقول: فكان علي يقوم الثلث ثم ينام، ويقوم الحسن الثلث ثم ينام، وتقوم أمهما الثلث ثم تنام.
يعني الليل كله صلاة في صلاة، وتدخل البيت فلا تسمع -كما تسمع في بيوتنا- تلفازاً ومسلسلات وأغاني ومجوناً وطرباً وفساداً وتنتشر الشياطين وتعشعش في البيوت، لا والله إن دخلت فالليل كله قراءة في قراءة، من أوله إلى آخره، فماتت الأم فجزآ الليل بينهما، أحدهما نصف الليل والثاني النصف الآخر، قال: ثم مات علي، فقام الحسن الليل كله، حتى لا تمر دقيقة في الليل إلا وفي البيت مصلي.
زيد بن الحارث أتعرف ماذا يفعل؟ كان يجزئ الليل مع ابنيه ثلاثة أجزاء، له جزءٌ، ولابنه جزءٌ، ولابنه الثالث جزء.
حتى لا تبقى في الليل ثانية إلا ومصلٍ أو راكعٍ أو ساجدٍ أو قارئ للقرآن.
ويقول إبراهيم بن وكيع: كان أبي يصلي فلا يبقى في دارنا أحدٌ إلا صلَّى حتى جارية سوداء.
كل أهل البيت يصلون حتى الخادمة تصلي معهم في الليل.
ويقول أبو عثمان النهدي: تضيفت أبا هريرة -جلست عنده ضيفاً- سبع ليال، يقول: فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثاً، تخيل حتى الخادمة تصلي معهم الليل ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً﴾ [مريم:٥٤] أتعرف ماذا كان يفعل؟
﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ [مريم:٥٥].
عبد الله! إن قمت لصلاة الفجر فمن يقوم معك؟
إن قمت الليل فمن يصلي معك؟
سلوا أنفسكم وانظروا إلى بيوتكم، كلٌ منا ينظر إلى بيته، هل يقوم أهل البيت؟
هل يقوم الوالد والوالدة؟
هل يقوم الإخوة والأخوات؟ هل يقوم الأبناء؟
هل تقوم الزوجة؟ هل يقوم الأهل؟
يقول رفعة بن صالح: كان له أهلٌ وبنات كان يقوم فيصلي ليلاً طويلاً، فإذا كان السحر، يعني: إذا جاء آخر الليل أتعرف ماذا يفعل؟
يصلي لوحده، فإذا جاء آخر الليل نادى بأعلى صوته:
يا أيها الركب المعرشون أكل هذا الليل ترقدون ألا تقومون فتصلون.
يقول: فيهب أهل البيت جميعاً صغيراً وكبيراً، فمن باكٍ، ومن مصلٍ، ومن داعٍ، ومن متوضئٍ، ومن ذاكرٍ لله، يقومون حتى صلاة الفجر، لا يبقى أحدٌ في البيت إلا وقام.
وتزوج رياح القيسي ﵀ امرأة -وهو رجل صالح- يقول: فلما جاء الليل في الليلة الأخرى قال: قامت تصلي، وأراد أن يختبرها، فقامت ربع الليل فلما انتهى ربع الليل قالت: يا رياح! قم فصلِّ، قلت: سوف أقوم، ورجعت ونمت، أريد أن أختبرها، يقول: فمضى الربع الآخر، نصف الليل وهي تصلِّ، فقالت: يا رياح! قم فصلِّ، تريده أن يصلي لتنام، يقول: فقلت: سأقوم ونمت، أريد أن أختبرها، يقول: فذهب الربع الثالث فقالت: يا رياح! قم فصلِّ، يقول: فقمت ورجعت فنمت، يقول: فقالت لي: مضى الليل وعسكر المحسنون وأنت نائم، ليت شعري من غرني بك يا رياح!
أي أنه لا يقوم الليل، فكيف بحال بيوتنا؟ لا يصلي بعضهم حتى الفجر، يقول: فقامت حتى الصباح، قامت الليل كله.
عبد الله! هل يُقرأ في بيتك القرآن؟
قال ﵊: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، فإن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة).
стр. 305
ضعف العلم الشرعي
الثغرة الثانية: ضعف التعليم الشرعي في البيوت.
انظر إلى بيتك، أهلك، أمك وأبيك، هل حقاً يتعلمون العلم الشرعي؟
بعض الصالحين يهتم بالجيران، ويهتم بأهل المسجد، ويهتم بالناس، ولا يهتم بأمه ولا أبيه.
يروى أن أحد الصالحين جاء إلى أمه وقد كبرت في السن، قال: يا أماه! اقرئي عليَّ القرآن، قالت: يا ولدي لا أعرف إلا سورة واحدة أقرأ بها في جميع صلاتي، ظن أنها الفاتحة، قال: يا أماه! اقرئي عليَّ تلك السورة، فاستعاذت وسمت، ثم قالت:
إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
قال: يا أماه! القرآن، قالت: هذا أقرأ به في جميع صلاتي، قال: يا أماه! والفاتحة؟ قالت: والله لا أحسن غيرها.
من المسئول؟
يقول ﵊ والحديث في البخاري: (ثلاثة لهم أجران) ليس أجراً واحداً بل أجران يا من فرط بالأجور! يا من يبحث عن البعيد وأقرب الناس إليه قد فرط فيه! قال: (من الثلاثة: ورجلٌ كانت عنده أمة) ليست زوجته ولا أمه ولا أبناؤه، بل أمة، فكيف بالزوجة والأم، قال: (فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها فله أجران).
تأتي امرأةٌ إلى رسول الله ﷺ فتقول: (يا رسول الله! غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوماً -أي: تعلمنا وتحدثنا وتفقهنا في أمور ديننا- قال: موعدكن بيت فلانة، فكنَّ يجتمعن، ويأتي ﵊ ويدرسهن).
عبد الله! هلا جعلت في بيتك يوماً في الأسبوع تدرس فيه الأهل، تقرأ عليهم من رياض الصالحين، أو تفسير السعدي، أو بعض القرآن، أو تقرأ عليهم بعض القصص، أو تعلمهم بعض أمور الدين.
عبد الله! هلا جعلت في بيتك مكتبة سمعية وأخرى مرئية، هلا جعلت في بيتك مكتبة فيها بعض الكتيبات، وبعض القصص، وبعض المجلات، وبعض الأوراق والنشرات، لعلك -يا عبد الله- قد غفلت عن هذا.
عبد الله: إن من أهم الأمور أن تجعل في بيتك مجلساً تدرس فيه الأولاد، والزوجة، والأم، ما يحتاجونه من أمورهم، ولنضرب على ذلك أمثلة:
تجلس معهم جلسة في الأسبوع تقرأ عليهم بعض القصص، وبعض الأحكام التي يحتاجون إليها؛ في الطهارة، والصلاة، والتفسير، تفسر لهم الفاتحة، وبعض السور القصيرة، وتعلمهم بعض أحكام البيوت، وأحكام الطعام والشراب، وأحكام اللباس، وأحكام المجلس، وأحكام النوم، وآداب الاستئذان، وآداب المزاح.
يقول أبو قتادة: وكان يريد أن يتوضأ فقربوا إليه إناءً فيه ماء، فلما أراد أن يتوضأ جاءت هرة فشربت وولغت فيه ثم ذهبت، فتوضأ فقالت له زوجته: (تتوضأ وقد ولغت فيه الهرة! فقال لها يعلمها سمعت رسول الله ﷺ يقول فيها: إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات) تنظر إلى أخيك الصغير يشرب وهو قائم فتعلمه، تقول له: اجلس (نهى رسول الله أن يشرب الرجل قائماً) وتنظر إليهم وقد فعلوا بعض المنكرات -وسوف نأتي إلى بعضها- فتخبرهم بأن هذا الأمر حرام.
واطلب العلم قبل أن تعلم غيرك، واجعل لهم مسابقات في البيت في حفظ القرآن، وفي حفظ الأحاديث، وفي حل بعض الأسئلة، وفي قراءة كتاب، واجعل لهم جوائز مادية، وجوائز معنوية، كأن تذهب بهم رحلات إن أجابوا على هذه الأسئلة، وإن حفظوا تلك الأجزاء أو السور، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦].
ومن الوسائل: أن تدعو في بيتك بعض الصالحين، قال نوحٌ ﵇ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً﴾ [نوح:٢٨] فادع بعض الصالحين إلى بيتك، واجعل لأهلك يوماً تدعو فيه أحد الصالحين وتجعل لهم مجلساً يذكرهم وينصحهم ويعظهم كما كان يفعل رسول الله ﵊.
стр. 306
انتشار المنكرات والمعاصي
الثغرة الثالثة: انتشار المنكرات والمعاصي في البيوت.
وسوف نسرد بعض المنكرات وتخيل بيتك وتذكر، وتجول في الغرف؛ لتنظر هل هذه المنكرات توجد فيه، ولعل المنكرات لا تعد ولا تُحصى ولكن هذه بعضها:
أول المنكرات وهي من أعظمها وأشدها: اختلاط النساء بالرجال، ودخول غير المحارم على النساء.
قال ﵊: (إياكم والدخول على النساء! قال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أرأيت الحمو؟ -يعني قريب الزوجة أو قريب الزوج- قال: الحمو الموت) أي: الحمو بمثابة الموت.
انظر ماذا يحدث في بيوتنا؟
وتذكر من يدخل على أخواتك؟
هل يدخل عليهن من ليس بمحرمٍ لهن؟
من يدخل على أمك؟ من يدخل على زوجتك؟ من يدخل على بناتك؟
هل يدخل عليهن من ليس بمحرمٍ لهن ويختلي بهن وهن بغير حجاب؟
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] أتعرف فيمن نزلت؟ لقد نزلت في أزواج النبي ﷺ في الصحابيات العفيفات الطاهرات، فكيف بك أنت وكيف بنا نحن في هذه العصور التي كثرت فيها المعاصي وانتشرت؟!
ثانياً من المنكرات: السائقين والخادمات.
وفي ذلك من المنكرات ما الله بها عليم، واسمع إلى الحديث وكفى بهذا الحديث عبرة، يقول أبو هريرة وزيد بن خالد: (كنا عند النبي ﷺ فقام رجل فقال: أنشدك الله -يسأل رسول الله- إلا قضيت بيننا بكتاب الله فقام خصمه وكان أفقه منه، فقال يا رسول الله: إن ابني كان عسيفاً عند هذا) أي: خادماً عند هذا، انظروا إلى خطورة الخدم والسائقين والخادمات، ودخولهم إلى البيوت بغير حرمة وبغير استئذان.
قال: (إن ابني كان عسيفاً عند هذا -يعني خادماً- قال: فزنا بامرأته) أتعرف هذه القصة فيمن نزلت؟ وأين وقعت؟ في عهد رسول الله (قال: فزنا بامرأته فافتديت ابني منه بمائة شاة وخادم) حتى أحل المشكلة ويسكت أعطيته مائة شاة وخادم، والآن ماذا يحدث؟
إذا زنا ابنه بالخادمة ماذا يفعل؟
يسكتها ببعض المال ويرسلها إلى بعض الدول لتقتل الولد الذي حملت به، فيجمع بين الزنا والقتل ثم يرسلها إلى بلدها، انظر إلى الجرائم التي تحدث في بيوت المسلمين بسبب خادمة تأتي بغير حاجة، وتختلط مع أهل البيت بغير ضرورة، وبغير حاجة، وبغير ضوابط.
قال: (ثم سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأته الرجم، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله -لا مجاملة، حكم الله ينزل- قال: المائة شاة والخادم رد عليك -رجع له المائة الشاة والخادم، لأن ذلك ليس حكم الله- قال: وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام لا مجادلة فيها ولا مجاملة، ابنك يجلد مائة جلدة ويطرد سنة كاملة- قال: واغدُ يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، فذهب أنيس إلى تلك المرأة فاعترفت فرجمها) رواه البخاري.
فانظر ماذا يحدث مع السائقين!
عبد الله! تخرج أختك مع السائقين لوحدها، أليست خلوة؟
أليس الشيطان ثالثهما؟ ثم تسأل بعدها: أختي لم تلتزم؟ زوجتي لم تصلح؟
ألا تسأل ابنك: لِمَ يجلس في البيت والخادمة موجودة؟
ألم تحاسب الخادمة: كيف تخرج متبرجة؟
من الذي أجاز لك أن تستقدم الخادمة ثم ترسلها بين المسلمين عارية متكشفة؟ من الذي أباح لك هذا؟
من الذي أجاز لك أن تأتي بكافرة إلى بلاد المسلمين؟
عبد الله! إن في الخادمات والسائقين والخدم خطورة لا يعلم بها إلا من عرفها.
ثالثاً: من المنكرات: التلفاز.
الشاشة، مدمرة البيوت، ومفسدة الأخلاق، والله إن في الشاشة لأخطار لا يعرف حقيقتها إلا من عرف دين الله، وعرف شرع الله، وذلك في العقيدة، يجلس الأبناء أمام التلفاز فماذا يرون؟
يرون النصارى واليهود، ويحبون هذا الممثل، وتلك الممثلة، وهذا اللاعب، وتلك المطربة، وهم نصارى ويهود، وبعد هذا يهدم الولاء والبراء من نفوسهم.
ماذا يرون؟
الصليب يمسح على مريض فإذا به يُشفى، سبحان الله صغار سن! ماذا يرون؟
تأتي الراهبة تخرج من الكنيسة، فتذهب إلى ذلك الميت تقرأ عليه فإذا به يحيا، سبحان الله! ما الذي يرون؟
يرون رجلاً يموت فتذهب روحه إلى السماء، فتأتي إلى الذي يحاسبه من؟
الله!! فينظر الطفل إلى الرب يحاسبه ماذا يفعل.
يرسله إلى الجنة أو إلى النار!! سبحان الله! ما الذي سوف يُغرس في قلوب هؤلاء الأولاد، تظن عبد الله أنك سوف تعلمه العقيدة؟ أي عقيدة؟
ومن أخطاره في الاجتماع، انظر كيف يؤثر التلفاز على روابطنا الاجتماعية! التلفاز يدعو إلى الجريمة، من الذي علم أولئك الأولاد كيف يسرقون؟
أم كيف يغتصبون؟
أم كيف يضربون ويبطشون؟
أم كيف يقتلون؟ أم كيف يفعلون ويفعلون؟
من الذي دربهم وعلمهم شيئاً فشيئاً خطوة فخطوة إنه التلفاز، ونحن لا نشعر، ونقول: إذا أخرجنا التلفاز فكيف يقضون الأوقات؟ مساكين ما عندهم شيء غير هذا التلفاز.
كذلك أخلاقياً، ما الذي يثير شهوة البنت؟ أختك، أتعرف ماذا ترى؟ ترى العراة وشبه العراة في كل ليلة.
تخيل عبد الله أن أختك أو زوجتك ترى هذا المنظر! أو أن أمك رأت ذلك المنظر! هل تتحمل تلك الشاشة؟ أم تملكك نفسك؟
عبد الله أين الغيرة؟ أين الشهامة؟ أين الرجولة وزوجتك وأختك وأهل بيتك ينظرون إلى العراة، وإلى شبه العراة في كل ليلة، وأنت ساكت، وأنت لا تبالي، وبعد هذا تقول: فسد البيت، فسد البيت، وانتشرت المنكرات، ولم يستمع إلى نصحي أحد؟؟
أيضاً: في الإجازة كيف يستطيعون أن يصلوا الفجر وهم يسهرون على التلفاز؟
انظروا ماذا يحدث في النساء إذا أراد الرجل أن يتزوج عليها، ماذا تقول؟
تقول: الزواج من المرأة الأخرى ظلم، وتعدي ولا يجوز، وهذا حرام، وهذا رجلٌ ظالم، من الذي علمها؟
ومن الذي أفسد عقيدتها وعبادتها؟
إنه التلفاز وأنت لا تشعر يا عبد الله.
وتاريخياً: يفسد التاريخ، ويكذب على الناس وكم كذب عليهم! وصحياً: يضعف البصر والجسد، ومالياً: يرهق رب الأسرة، التلفاز يتبعه جهاز الفيديو، وبعده الأشرطة، وبعدها التصليح، وبعده يريدون جهازاً أكبر، ثم البث المباشر وما أدراك ما البث المباشر؟ ونترك هذا فكلٌ منكم يعرف خطورته.
أيضاً: من المنكرات يا عبد الله! الهاتف.
يقول أحد المصلحين: ما مررت على جريمة إلا وكان الهاتف وسيطاً فيها، الزنا، السرقة، حتى الأعراض، الهروب من البيت، المخدرات، المسكرات.
يا مسكين! يرفع رجلٌ سماعة الهاتف، أين فلان؟
صاحبه، من الذي ترد عليه؟
أختك، أو زوجتك، فلان ليس هنا، وبعضهن نسأل الله العافية ترقق صوتها وتجمله، والذي في قلبه مرضٌ يطمع، فيتصل بعد فترة ويقول: أين فلان؟
فتقول: غير موجود، فيقول: إذا أتى قولي له فلان اتصل عليك، ثم المرة الثالثة، ويسأل المرة الرابعة: أين ذهب؟ متى ذهب؟ ألم تخبريه، ثم يتحدث معها وهي ترد عليه، الرابعة الخامسة السادسة العاشرة، ثم بعدها نظرة فابتسامة فكلامٌ فموعد فلقاء، من الذي أوصلها إلى تلك الجرائم، وذلك الحضيض؟
إنه الهاتف ولا أحرمه، فإن فيه فوائد كثيرة، وفيه مصالح عظيمة، ولكن تضبط بضوابط الشرع يا عبد الله! هل يصح أن يظل الهاتف في غرفة أختك الساعات الطوال؟
من تكلم؟ تضحك عليك، أكلم فلانة، من فلانة؟ لا تدري؟ الهاتف وضع للاحتياجات الضرورية، تكلمها في حاجة ضرورية ثم بعدها تضع الهاتف وتغلقه، وإن كان هناك رجل لا ترفع المرأة الهاتف، ما الذي يجعلها ترفع الهاتف وهناك رجل، وزوجها موجود وأخوها موجود فهو الذي يرفع الهاتف، فإن كان ولا بد فرفعت الهاتف فلتلتزم قول الله: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] وكم من المصائب كانت بدايتها الهاتف؟
ومن المنكرات التي تنتشر في البيوت وابحث عنها في بيتك يا عبد الله، وأصلحها شيئاً فشيئاً حتى لا تؤتى من قبل البيت: رموز الديانات الكافرة.
ابحث في بيتك، إن كان هناك صليب فاكسره ولا تبالغ، ولا يصيبنك الوسواس، كلما رأيت خطين متقاطعين قلت هذا صليب وكسرته، لا، ما كان يشبه الصليب فأزله، تقول عائشة ﵂ في البخاري: (أن النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه).
السادسة: صور الأرواح.
ادخل كل غرفة إن كانت لك سلطة، وإلا فبالتي هي أحسن، بالحكمة والموعظة الحسنة، ادخل كل غرفة، فإذا رأيت صورة معلقة، أو تمثالاً موجوداً، أو على أي مكان، يقول ﵊ في حديث علي: (أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثناً إلا كسره، ولا صورة إلا لطخها) يعني طمسها، من مثله يفعل؟
يذهب إلى البيت ويبحث في كل غرفة، إن كانت هناك صورة بدأ بالتي هي أحسن وقال: هذا حرام، تقول عائشة: (اشتريت نمرقة فيها تصاوير، فدخل ﵊ فرآها فوقف عند الباب، فرأيت في وجهه كراهة، فقلت: يا رسول الله: أستغفر الله وأتوب إليه ما أذنبت؟ قال: ما هذه النمرقة؟ يا عائشة! أما علمتي أن أصحاب هذه التصاوير يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، يا عائشة! ألم تعلمي أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلبٌ أو صورة).
عبد الله! هلا كان لك بهذا الموقف أن تأتي إلى أبيك فتخاطبه بالتي هي أحسن فتقول له: يا أبتاه! إن هذه الصورة حرام تمنع الملائكة من دخول البيت، فلا تجعلوها تدخل البيوت، وكم انتشرت المنكرات في بيوتنا، يقول ﵊: (إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة، ولا تجعلوا بيوتكم مقابر) هل المقابر فيها صور؟ المقابر والحشوش والخلاء ينتشر فيها الشياطين لأنه لا يذكر فيها الله، هل فيها صور؟
ليس فيها صور، فكيف لو جاءت الصور؟
كيف لو كثرت التماثيل؟
كيف تنتشر الشياطين؟
ثم بعدها نسأل: لِمَ هذا المس الذي يصيب كثيراً من الناس؟
امرأة تصاب بمس، وشاب يصاب بمس، وينتشر السحر، وينتشر الجن والشياطين في البيوت، فما السبب؟ وما الذي يحدث؟
انظروا إلى بيوتنا كيف انتشرت فيها المنكرات.
السابعة: التدخين.
وهو من المنكرات، فلا تسمح أن يدخن في بيتك، إن كنت صاحب سلطة كالأخ الكبير، والزوج، والأب، يقول الله : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] والدخان منها، والدخان حرام، ومنكر شرعاً، ولا يجوز لك أن تجلس في مجلسٍ يدخن فيه، فإن كنت تستطيع أن تنكره بيدك فافعل فإن لم تستطع فبلسانك فإن لم تستطع ففارق هذا المجلس، ولا تجلس في مجلسٍ كهذا، ولك أن تضع لوحة في المجلس -إن كنت لا تستطيع ويغلبك الحياء- تمنع بها التدخين، واطلب من الكبار أن يمنعوا كل من يدخن، ولا تجعل في بيتك أدوات طفايات أو ولاعات أو غيرها للمدخنين، لا تسمح في بيتك لهؤلاء، من أراد أن يدخن ليخرج ويدخن ثم يرجع إلى البيت، حاول قدر المستطاع، إن لم تستطع ففارق هذه المجالس التي يدخن فيها.
ومن المنكرات: الإسراف في تجميل البيوت وتزويقها.
تقول عائشة: (إن رسول الله خرج في غداة فأخذت نمرقة فسترته على الباب -قماش على الباب- تقول: فلما قدم فرأى النمرقة، عرفت الكراهية في وجهه، تقول: فهتكته -قطع القماش- فقال: يا عائشة! إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين) ما أمرنا أن نزين الحجارة والطين، وليس تجميل البيوت بحرام (إن الله جميل يحب الجمال) ولكن المذموم الإسراف والمبالغة في هذا، يقول ﵊ في الحديث الصحيح: (ستفتح عليكم الدنيا حتى تنجدوا بيوتكم كما تنجد الكعبة) كما تزين الكعبة تزينوا البيوت، بل لعل الأمر زاد على هذا، زينت بيوتٌ أكثر من الكعبة، قال: (كما تنجد الكعبة فأنتم اليوم خيرٌ من يومئذ).
أخيراً من المنكرات: المجلات الخليعة.
لا تسمح أن تبقى في بيتك مجلة خليعة، بعض الإخوة يشتري الجريدة وفيها ملاحق نازلة فاسقة فاجرة، ويقول: أتابع الأخبار، فمن الذي أباح لك أن تدع هذه الملاحق في البيت؟
من الذي يقرؤها؟ من الذي ينظر إلى الصور؟
أختك وأخوك، أبوك وأمك، وزوجتك، أدخل الجريدة بغير الملحق إن كان فيها صور عارية، وإن كنت تستطيع أن تقطع تلك الصور الخليعة فافعل، وبعد هذا أخرج هذه المجلات من البيت بعد أن تقرأ ما فيها من أخبار، ولا تصبح المجلات مرمية في كل بيت، مجلات للأزياء، ومجلات للأخبار، وملاحق، وصور عارية، توضع في البيت من الذي ينظر إليها؟ من الذي يطلع عليها؟ من الذي يفتتن بها؟ ومن الذي يجلس في البيت وأنت غائبٌ عنه.
стр. 307
ضعف الروابط الأسرية
كذلك من الثغرات التي في البيوت: ضعف الروابط الأسرية في البيوت.
أخاطب الصالحين، أخاطب الدعاة بهذا بعض الصالحين يتعجب أن الأهل لا يستجيبون.
أنكر المنكر فلا أحد يستجيب، وأنصحهم بالصلاة فلا أحد يصلي، أقول لهم: أبعدوا التلفزيون فلا يبعدونه، فماذا أفعل؟
أقول لك يا عبد الله! أد دورك في البيت يستجب الأهل لك، فما دورك في البيت؟
يدخل بعض الصالحين ولا يتكلمون، يستمع إلى شريط، ثم يقرأ في كتاب، فإذا أذن المؤذن خرج المسجد فحضر الدرس وجلس مع الصالحين، ثم رجع البيت، تعشى ثم نام، ثم قام في الصباح إلى المدرسة، ثم رجع وهكذا.
أمه تقول له: تذهب إلى السوق؟
يقول: ما أستطيع عندي درس، اشتر الأغراض يوجد غيري فليذهب.
هناك ضيوف في البيت من الذي يستقبلهم؟
الديوان موجود.
أبوك سيسافر يحتاج إلى أغراض؟
يوجد غيري في البيت، ثم بعد هذا يسأل هذا الرجل يقول: لماذا لا يستجيب الأهل؟
سل نفسك يا عبد الله! واعلم أن البيت ليس فندقاً، تسلم ثم تأكل وتشرب ثم تذهب، لا بل أنت مسئول في البيت حالك كحال غيرك، عليك وظيفة كما على غيرك وظيفة، لا يصلح أن يأتي ذلك الفاسق فيقوم بأعباء البيت وأنت الصالح التقي لا تقوم بالأعباء، واسمع إلى تلك الأحاديث واعجب لها، تقول عائشة: (كان رسول ﷺ يخيط ثوبه) تخيل يخيط ثوبه، إمام المسلمين، وخير الناس على وجه الأرض يخيط ثوبه، قالت: (ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم) فهل تعمل هذا يا عبد الله؟
عبد الله! ما بالك لا تبر بوالديك، والوالدة لا تعطف على ولدها، والزوج لا يراعي حقوق زوجته، ولا الزوجة تراعي حقوق زوجها.
عبد الله! انظر إلى هذا الحديث يقول ﵊: (كل لهو ابن آدم باطل إلا ثلاث -وذكر منها- مداعبة الرجل زوجته) فهل تداعب الزوجة؟ (هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك) هلا بكراً، كان ﵊ يمازح عائشة ويتسابق معها، بل تقول ﵂: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد بيني وبينه واحد فيبادرني -انظر يمازحها وهو يغتسل وهي تغتسل- تقول: فيبادرني حتى أقول: دع لي دع لي، فتقول: ونحن جنبان) انظر كيف كان يمازحها وهو على جنابة، وهي على جنابة، بل كان إذا أتى من سفر يستقبله الصبية في البيت، فيعانقهم ويحتضنهم ﵊، انظروا إلى دورنا في البيوت، ثم نسأل عن دور الأهل؟
стр. 308
ضعف الرقابة والمحاسبة
ومن الثغرات: ضعف الرقابة والمحاسبة في البيوت.
أين الرقابة؟ وأين المحاسبة؟ وما دورك في البيت؟
ألا تسأل أختك عندما خرجت أين ذهبتِ؟
ولا تبالغ فيها، بل كن وسطاً فيها، أين ذهبت؟
من الذي أوصلك؟ وليس كل مرة حتى لا يضيق الأهل منك، ولكن بعض المحاسبة والمراقبة يا عبد الله! في البيت: مع من رجعت؟ لم تأخرتِ؟ والأب يسأل ابنه، فهذا النبي ﷺ تأتي فاطمة فيقول لها: (أين كنتِ؟ فتقول: كنت في جنازة لبني فلان، فقال: لعلك بلغت معهم -يعني المقبرة- تقول: يا رسول الله! كيف أفعل وقد سمعتك قلت فيه ما قلت! قال: أما إنك لو فعلت -أي دخلتِ المقبرة- ما دخلت الجنة حتى يدخلها جد أبيك).
وعائشة ﵂ تقول: يخرج النبي ﷺ ليلاً إلى البقيع قالت: فأذهب خلفه وأنظر ماذا يفعل؟ تقول: ودخل المقبرة، ثم رجع، فرجعت، فهرول فهرولت ودخلت البيت وسبقته فدخلت تحت اللحاف وغطيت نفسي، فدخل ﵊ فجلس عندها فاستمع إليها تتنفس بسرعة، قال: (ما شأنك يا عائشة؟ قلت: لا شيء يا رسول الله! قال: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت: يا رسول الله! كنت خلفك، قال: أما إنك كنت السواد الذي رأيته؟ قالت: بلى يا رسول الله! أنا السواد، قال: يا عائشة! أخفت أن يحيف الله عليك ورسوله، يا عائشة! أتاني جبريل وخشي أن يدخل عليك وأنت على غير حجاب فخرجت فكلمني وقال لي: إن الله يأمرك أن تذهب إلى أهل البقيع فتستغفر لهم، فذهبت فاستغفرت لهم).
انظر كيف كان يسألها، وكيف كان يحاسبها، فهلا حاسبت زوجتك؟ وهلا حاسبت إخوانك؟ وهلا حاسبت أهل بيتك؟
стр. 309
إهمال الأولاد في البيوت
من الثغرات: إهمال الأطفال الصغار في البيوت.
عباد الله! كلٌ منا له إخوة صغار، وله أبناء، فما دورك معهم؟
هلا جلست معهم تقص عليهم القصص؟
تعلمهم أصول العقيدة، كيف كان النبي ﵊ مع ابن عباس يعلمه أصل العقيدة؟ (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك) هلا قصصت عليه قصة نوح، أو قصة أصحاب الكهف، أو قصة أصحاب الغار، وتعلمهم الآداب، وتحفظهم كتاب الله، وانظر هلا جلست تمازحه في البيت فقد كان ﵊ يمازح الأطفال الصغار.
يقول يعلى بن مرة -واستمع إلى هذا الحديث العجيب- (خرجنا مع النبي ﷺ ، قال: فإذا الحسين يلعب في الطريق، يقول: نخرج الآن -تخيل إمام المسلمين وسيد الخلق أجمعين يخرج مع أصحابه فإذا حفيده في الطريق، انظر ماذا فعل؟ - قال: فأسرع النبي في المشي أمام القوم، ثم بسط يديه، فجعل الغلام يفر هاهنا، ويفر هاهنا ورسول الله ﷺ يتبعه، قال: ويضحك النبي ﷺ حتى أخذه فجعل إحدى يديه تحت ذقنه، والأخرى فوق رأسه فقبله ﵊، يقول: ونحن ننظر إليه)
وكان ﵊ يأتي الأطفال الصغار فيقول لأحدهم: (يا أبا عمير ما فعل النغير؟) وكان يأتي الأطفال فيحملهم على ظهره، وكان يمسح على رءوسهم، ويداعبهم، ويضحك معهم، يقول: (كان رسول الله ليجمع لسانه للحسن بن علي، فيرى الصبي حمرة لسانه فيندهش له) أي يضحك، ويسر له ﵊.
أخيراً عبد الله ما هو الحل؟
الحل ذكرناه آنفاً في طيات الكلام، ولكن الله يقول ونختم بهذه الكلمات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]
إياك عبد الله والاندفاع، فلا ترجع إلى البيت اليوم، وتهتك الصور، وتزيل الهاتف، وتزيل التلفاز، إياك يا عبد الله! كن متدرجاً، وكن حكيماً، وكن فطناً، ابدأ معهم بالأولويات، بالأهم ثم المهم.
أولاً: بأمرهم بالصلوات الخمس، بالفروض والواجبات، وحببهم إلى الدين، وحسن أخلاقك معهم، وقم بواجباتك، شيئاً فشيئاً تتدرج معهم، ولا تطلب المستحيل أن ينقلبوا في يوم وليلة، وتأمل في حاله ﵊، ثلاثة عشرة سنة يعلم أصحابه وما أمروا بأكثر الشريعة، حتى تقول عائشة: لو أمروا بترك الخمر ما فعلوا في مكة، وما أمروا إلا بعد الهجرة إلى المدينة، فكن متدرجاً وكن صابراً ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] لم يقل الله : واصبر، قال واصطبر، فتحمل واصبر عليهم، وكن رفيقاً بهم، وكن حليماً عليهم، أقول هذا القول وصلى الله وسلم على نبينا وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 310
الأسئلة
стр. 311
التدرج في تعليم الأهل
السؤال
أريد أن أعلم أهلي العلم الشرعي فبماذا أبدا؟
الجواب
أظن في الكلام الذي ذكرناه، يبدأ معهم بأصول العقيدة، بأحكام الفقه التي يحتاجونها، وليس كل أحكام الفقه بل التي يحتاجونها، من الطهارة والصلاة والعبادات والزكاة وغيرها مما يحتاجون إليه، ويحببهم في الدين بالرقائق وفضائل الأعمال مثل رياض الصالحين وغيرها من الكتب.
стр. 312
نصيحة لإحدى الضرات
السؤال
أمي تصلي وتصوم وتقوم الليل ولا أزكيها على الله، ولكنها لا تحب امرأة أبي، يعني ضرتها، وتتشاجر معها دائماً، فماذا تنصحها يا شيخ؟
الجواب
هذا يحصل، حتى إنه حصل مع أزواج النبي ﷺ ، فقد كان يحصل بينهن خلاف، بل انقسم أزواج النبي ﷺ إلى حزبين، حزب مع عائشة، وحزب مع أم سلمة، وكان يقع بينهن من الخلاف الشديد، بل مرة أتت إحدى أزواح النبي ﷺ بصحن فيه طعام إلى النبي ﷺ فرأته عائشة فكسرته من الغيرة الطبيعية التي تحصل بين النساء، ولكن نحاول أن نسدد ونقارب، وهي تتحمل، وتلك تتحمل، وكل منهما تكتم غيظها وغيرتها في قلبها، فإن رأت ما تكره من زوجة زوجها فعليها أن تتذكر محاسنها وفضائلها لكي تصبر وتتحمل، فلعلها تهدم صلاتها وصيامها ببعض أخلاقها السيئة.
стр. 313
المعين على قيام الليل
السؤال
أريد قيام الليل ولكن الشيطان يوسوس لي، فماذا أفعل؟
الجواب
اترك الذنوب والمعاصي يعينك الله على قيام الليل.
стр. 314
نصيحة للنساء
السؤال
ما نصيحتك للنساء وخاصة أن هناك نساء كثيرات؟
الجواب
النصيحة التي ذكرناها هي للرجال وللنساء، بل أعظم الناس حلولاً في هذه القضايا وهذه الثغرات هن النساء، لأنهن ربات البيوت، وهن أكثر من يجلس في البيوت، فإذا صلحت ربة البيت والأم التي تجلس في البيت صلح البيت كله، فعليهن صلاح الأولاد، وصلاح الذرية، وصلاح أهل البيت كله.
стр. 315
صحة إمامة الرجل زوجته في النوافل
السؤال
هل يجوز لزوج أن يؤم الزوجة في صلاة الليل أو بالعكس؟
الجواب
نعم يجوز أن يؤم بها وتصلي خلفه، والصحيح أنه هو الذي يؤم بها، ولا تؤم المرأة الرجال.
стр. 316
حكم الألعاب التي على هيئة صور مجسمة
السؤال
ما حكم ألعاب الأطفال التي تكون مجسمة على أشكال الحيوانات أو يكون فيها صور؟
الجواب
لو تساهلت في البداية في بيتك في أمور صغيرة فسوف تكثر عليك الأمور وتتشعب وإن الجبال من الحصى، فإياك أن تتساهل في البداية، ولو كانت للبنات، فلا تأتي بعروسة شكلها مجسم تماماً، فلو كانت العروسة ممسوحة الوجه، أو ليست بهيئة إنسان مائة بالمائة، فلا بأس بهذا، لكن أن تأتي بتمثال، بهيئة إنسان مائة بالمائة فلا، فهذا لا يجوز، أو تأتي بملابس لأطفالك عليها صور ذات أرواح وما ذكرناه في الدرس من الصور نقصد بها ذات الأرواح، أن تأتي بملابس الأطفال فيها صور لذوات الأرواح، وإن تساهلت في هذه الأمور شيئاً فشيئاً فسوف تسمح بالصور تعلق على الجدران، ثم تسمح بالتماثيل، ثم تسمح بجميع المنكرات، فاقطع الشر من دابره، نعم هناك صور لا تستطيع أن تتخلص منها مثل التي على المعلبات فلا حرج فيها، أو في الجرائد فقد تأتي فيها صور لكن بعد قراءتها عليك أن ترميها من البيت، وأحياناً تأتي بعض الصور داخل بعض الكتب فلا بأس لكن لا تكون على الأغلفة، الآن هناك مشقة في بعض الأمور والمشقة تجلب التيسير.
стр. 317
حكم لبس الساعة التي فيها شكل صليب
السؤال
بالنسبة لساعة اليد التي عليها صليب وهي غالية الثمن، وليس هناك سبيل لتغييرها، وشكل الصليب الذي فيها ليس بواضح؟
الجواب
إن كان هذا الشكل الذي ذكره فهذا ليس بصليب، لكن ينتبه إذا كان يقترب من شكل الصليب فالأولى أن يتركها (ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه) حتى إن أحد الرجال الصحابة كان يلبس خاتماً من حديد فنزعه النبي ﷺ وقال: (هل يجرؤ أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها على يده وأخذها ورماها على الأرض، فلما ذهب ﵊ قالوا له: خذها وابتعها وانتفع بثمنها، قال: لا والله.
لا آخذ شيئاً رماه رسول الله ﷺ فاتركها إن كانت أقرب إلى الصليب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 318
حياؤك إيمانك
إعداد المرأة وتربيتها هو الخطوة الأولى في طريق الإصلاح الشامل للمجتمع.
والإسلام منهج لإعادة صياغة الإنسان فكراً وعقيدة وأخلاقاً، وقد أنتج هذا التوجه نماذج رائعة من النساء الرائدات، وجدير بكل مؤمنة أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار حين تنظر إلى موقعها في خارطة الصلاح والفساد.
والدعوة إلى طريق هؤلاء النساء والتحذير من مسالك شياطين الإنس، الذين يخططون لسلب المرأة أغلى ما لديها، هو الموضوع الأساس لهذه المحاضرة.
стр. 319
وقفة مع أم أيمن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
ثم أما بعد:
أختي الكريمة: أسأل الله ﵎ أن ينفعني وإياكِ في هذا المجلس، وأن يكون ما نقول في هذا المجلس حجة لنا لا حجة علينا.
أبدأ حديثي إليكِ بقصة لا علاقة لها بالموضوع عن طريقٍ مباشر فاسمعي إليها:
لما توفي النبي ﷺ قال أبو بكر لـ عمر ﵄: مر بنا إلى أم أيمن، من هي أم أيمن؟ إنها إحدى الصحابيات إنها امرأة وهي واحدة من بنات جنسك عاشت في العصر الأول وفي الصدر الأول من يزورها؟ إنهما خير من يمشي على وجه الأرض حين ذاك، إنهما أبو بكر وعمر -الشيخان- ﵄.
قال: مر بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما وصولا إليها بكت أم أيمن، فقالا لها: ما يبكيك رحمك الله؟ إن ما عند الله خيرٌ لرسوله، تبكين على رسول الله؟! رسول الله غادر هذه الدنيا الملعونة الحقيرة إلى ما هو خير، إلى ما هو أعظم، فلم تبكين؟ فقالت: إني لأعلم أن ما عند الله خيرٌ لرسوله، وأن رسول الله ﷺ قد صار إلى خير مما كان فيه، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع عنا من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعل أبو بكر يبكي، وجعل عمر يبكي، وبكى الثلاثة جميعاً أن الوحي قد انقطع من السماء.
إن أم أيمن تبكي وإن المرأة في القرن العشرين تبكي، لكن ما الفرق بين البكائين؟! ما هَمُّ أم أيمن؟! همها أن الوحي قد انقطع، أما الآن فلا وحي جديد، ولا قرآن ينزل، لهذا بكت، هذا هَمُّ أم أيمن، وما هم فتاة القرن العشرين؟! تبكي آخر الليل لفراق حبيبها، وتبكي أول النهار لسماعها ذلك المطرب وهو يتغزل بالنساء، تبكي لأنها ما لقيت عشيقها في تلك الليلة، تبكي لأنه تزوج ولم يتزوجها!
فرقٌ بين أم أيمن وبين فتاة القرن العشرين، أم أيمن تبكي لأنها تسمع قول الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً﴾ [الزمر:٢٣] اسمعي إلى أم أيمن كيف كانت تستشعر إلى هذا القرآن ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٣] تقشعر الجلود، تدمع العيون.
هذا المصطفى ﵊ يقول لأحد أصحابه: (اقرأ، قال: اقرأ عليك وقد أنزل القرآن عليك! قال: أقرأ، إني أحب أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت حتى وصلت إلى قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] قال: حسبك -لمَ حسبك؟ - قال: فنظرت فإذا عيناه تذرفان) ما تحمل ﵊ ذلك الكلام، يقوم الليل كله بآية، فهلا جلسنا هذه الساعة كما جلست أم أيمن تبكي لأن الوحي قد انقطع.
أختي الكريمة: كيف حالك مع القرآن؟! هل دمعت عينك يوماً ما؟! سلي نفسك هذا السؤال، كم تقرئين في اليوم والليلة؟ كيف أنت مع أوامر القرآن ونواهيه وأحكامه؟ كم تحفظين من القرآن؟ هلا سألت نفسك هذا السؤال؟ هل هذبت به النفس، وطهرت به القلب، ورفعت به الإيمان؟ هل عملت به؟ هل دعوت إليه؟ هل شغلت به الأوقات؟ أم أنها المسلسلات والمجلات والأغنيات والفيلم والمرآة والزيارات وغيرها، إننا نفقد أم أيمن في هذا الزمن.
стр. 320
المرأة بين الجاهلية والإسلام
أختي الكريمة: ولنبدأ بموضوعنا: حياؤك إيمانك.
إن المرأة قبل الإسلام لا شيء، إن المرأة قبل الإسلام في متاعب بل هي أحقر حتى من الدواب، المرأة قبل هذا الدين وقبل هذه الشريعة المتاع خيرٌ منها، بعض الدواب تُرحم أما هي لا ترحم، إذا مات زوجها هل ترث منه شيئاً؟ لا بل هي تورث، يرثها إخوان الزوج، أقرباء الزوج يرثونها كالمتاع الساقط اللاقط، بل البنت كانت يوماً من الأيام عاراً وفضيحة.
انظري إلى عبد الله بن المغفل بعد أن أسلم كان يبكي، لماذا؟ لأنه طلب من زوجته أن تزين تلك البنت، من؟ إنها ابنته، زينيها، فأخذها وقلبه يرق لها ولكن يخشى العار والفضيحة، فإذا به يذهب بها إلى ذلك البئر الذي قد جف منه الماء، فيتردد هل يلقيها في ذلك البئر والبنت تداعبه وتلاعبه، وقد زينتها أمها بأحسن زينة، وهو يتردد بين عاطفة الأبوة وبين الجاهلية الجهلاء، من خوف الفضيحة والعار يتردد ويتلكأ، ثم إذا به بعد لحظات يسقطها من شفير البئر إلى قاعه لتسقط بجسدها في ذلك البئر الذي جف فتناديه تقول: يا أبتِ! ضيعت الأمانة! يا أبتِ ضيعت الأمانة!
يأتي رجل ويقول: (يا رسول الله! كانت لي في الجاهلية اثنتي عشرة بنتاً وأدتهن كلهن فقال: من لا يرحم لا يُرحم).
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨] قبل الإسلام، قبل شريعة محمد ﵊، قبل هذا القرآن الذي بين يديك ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩] يتردد بين هذا وهذا، هل يمسكه على هونٍ وذلٍ وفضيحة وعار، أم يدسه في التراب؟ يدس من؟ تلك البنت الصغيرة التي شرفها الله، بل جاء الإسلام ورفع شأنها حتى جعل سورة كاملة في القرآن وسماها "النساء"، بل وسورة أخرى سماها "مريم"، بل سورة ثالثة سماها "المجادلة"، كل هذا لمن أختي الكريمة؟ تكريماً وتشريفاً لك يا أمة الله!
إن المرأة في هذا الدين قسيمة الرجل، لا فرق بينها وبين الرجل ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] نعم، لها ما للرجل وعليها ما على الرجل إلا فيما اختصت به، وإلا فيما اختص به ذلك الرجل.
أختي الكريمة: جاء الإسلام ليرفع من شأنك وليعزك، هذا الإسلام الذي جاء موافقاً لفطرة المرأة، المرأة مفطورة على ماذا؟ مفطورة على الحياء، مفطورة على الحجاب، على الستر، على العفاف، هذه فطرة المرأة فطرت عليها، ولهذا لما كان النبي ﷺ يعلمهن ذلك الأدب، ويحثهن على ذلك الحياء، قال لهن لما خرجن من المسجد: (استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق) لا تمشين في الوسط، لا تزاحمن الرجال في الطرقات، هذا وهي ليست خارجة من مسرح، أو ملهى، أو مقهى، أو مطعم! لا.
أختي الكريمة، بل وهي خارجة من بيت الله قال: (استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق -أي تتوسطن الطريق- عليكن بحافات الطريق).
هل اعترضت إحداهن؟ هل قالت: كيف وكيف؟! هل قالت: أنا امرأة لي الوسط كما للرجل؟! هل قالت المرأة هذا الكلام؟ لا، قال الراوي: (فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليلصق بالجدار من لصوقها به) الثوب يلصق بالجدار، فطر الله المرأة على هذا.
أيما امرأة خالفت حياءها وعفتها فإنها خالفت فطرتها، ومسخت فطرتها؛ لأن الله جل وعلا يخاطبها بالفطرة فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٩] هل أنتِ من نساء المؤمنين؟ إذن اسمعي: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] قال بعضهم: أي يضعن الغطاء من الرأس إلى الصدر فلا تبدو إلا عينٌ واحدة للطريق فقط، حتى ترى بها الطريق، عينٌ غير مكحلة، ولا مزينة ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩].
следующие страницы →