← Джавами‘

Джавами‘ · id 7717

دروس للشيخ نبيل العوضي

نبيل العوضي

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

حكم الألعاب التي على هيئة صور مجسمة السؤال ما حكم ألعاب الأطفال التي تكون مجسمة على أشكال الحيوانات أو يكون فيها صور؟ الجواب لو تساهلت في البداية في بيتك في أمور صغيرة فسوف تكثر عليك الأمور وتتشعب وإن الجبال من الحصى، فإياك أن تتساهل في البداية، ولو كانت للبنات، فلا تأتي بعروسة شكلها مجسم تماماً، فلو كانت العروسة ممسوحة الوجه، أو ليست بهيئة إنسان مائة بالمائة، فلا بأس بهذا، لكن أن تأتي بتمثال، بهيئة إنسان مائة بالمائة فلا، فهذا لا يجوز، أو تأتي بملابس لأطفالك عليها صور ذات أرواح وما ذكرناه في الدرس من الصور نقصد بها ذات الأرواح، أن تأتي بملابس الأطفال فيها صور لذوات الأرواح، وإن تساهلت في هذه الأمور شيئاً فشيئاً فسوف تسمح بالصور تعلق على الجدران، ثم تسمح بالتماثيل، ثم تسمح بجميع المنكرات، فاقطع الشر من دابره، نعم هناك صور لا تستطيع أن تتخلص منها مثل التي على المعلبات فلا حرج فيها، أو في الجرائد فقد تأتي فيها صور لكن بعد قراءتها عليك أن ترميها من البيت، وأحياناً تأتي بعض الصور داخل بعض الكتب فلا بأس لكن لا تكون على الأغلفة، الآن هناك مشقة في بعض الأمور والمشقة تجلب التيسير.

стр. 317

حكم لبس الساعة التي فيها شكل صليب السؤال بالنسبة لساعة اليد التي عليها صليب وهي غالية الثمن، وليس هناك سبيل لتغييرها، وشكل الصليب الذي فيها ليس بواضح؟ الجواب إن كان هذا الشكل الذي ذكره فهذا ليس بصليب، لكن ينتبه إذا كان يقترب من شكل الصليب فالأولى أن يتركها (ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه) حتى إن أحد الرجال الصحابة كان يلبس خاتماً من حديد فنزعه النبي ﷺ وقال: (هل يجرؤ أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها على يده وأخذها ورماها على الأرض، فلما ذهب ﵊ قالوا له: خذها وابتعها وانتفع بثمنها، قال: لا والله. لا آخذ شيئاً رماه رسول الله ﷺ فاتركها إن كانت أقرب إلى الصليب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 318

حياؤك إيمانك إعداد المرأة وتربيتها هو الخطوة الأولى في طريق الإصلاح الشامل للمجتمع. والإسلام منهج لإعادة صياغة الإنسان فكراً وعقيدة وأخلاقاً، وقد أنتج هذا التوجه نماذج رائعة من النساء الرائدات، وجدير بكل مؤمنة أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار حين تنظر إلى موقعها في خارطة الصلاح والفساد. والدعوة إلى طريق هؤلاء النساء والتحذير من مسالك شياطين الإنس، الذين يخططون لسلب المرأة أغلى ما لديها، هو الموضوع الأساس لهذه المحاضرة.

стр. 319

وقفة مع أم أيمن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. ثم أما بعد: أختي الكريمة: أسأل الله ﵎ أن ينفعني وإياكِ في هذا المجلس، وأن يكون ما نقول في هذا المجلس حجة لنا لا حجة علينا. أبدأ حديثي إليكِ بقصة لا علاقة لها بالموضوع عن طريقٍ مباشر فاسمعي إليها: لما توفي النبي ﷺ قال أبو بكر لـ عمر ﵄: مر بنا إلى أم أيمن، من هي أم أيمن؟ إنها إحدى الصحابيات إنها امرأة وهي واحدة من بنات جنسك عاشت في العصر الأول وفي الصدر الأول من يزورها؟ إنهما خير من يمشي على وجه الأرض حين ذاك، إنهما أبو بكر وعمر -الشيخان- ﵄. قال: مر بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما وصولا إليها بكت أم أيمن، فقالا لها: ما يبكيك رحمك الله؟ إن ما عند الله خيرٌ لرسوله، تبكين على رسول الله؟! رسول الله غادر هذه الدنيا الملعونة الحقيرة إلى ما هو خير، إلى ما هو أعظم، فلم تبكين؟ فقالت: إني لأعلم أن ما عند الله خيرٌ لرسوله، وأن رسول الله ﷺ قد صار إلى خير مما كان فيه، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع عنا من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعل أبو بكر يبكي، وجعل عمر يبكي، وبكى الثلاثة جميعاً أن الوحي قد انقطع من السماء. إن أم أيمن تبكي وإن المرأة في القرن العشرين تبكي، لكن ما الفرق بين البكائين؟! ما هَمُّ أم أيمن؟! همها أن الوحي قد انقطع، أما الآن فلا وحي جديد، ولا قرآن ينزل، لهذا بكت، هذا هَمُّ أم أيمن، وما هم فتاة القرن العشرين؟! تبكي آخر الليل لفراق حبيبها، وتبكي أول النهار لسماعها ذلك المطرب وهو يتغزل بالنساء، تبكي لأنها ما لقيت عشيقها في تلك الليلة، تبكي لأنه تزوج ولم يتزوجها! فرقٌ بين أم أيمن وبين فتاة القرن العشرين، أم أيمن تبكي لأنها تسمع قول الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً﴾ [الزمر:٢٣] اسمعي إلى أم أيمن كيف كانت تستشعر إلى هذا القرآن ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٣] تقشعر الجلود، تدمع العيون. هذا المصطفى ﵊ يقول لأحد أصحابه: (اقرأ، قال: اقرأ عليك وقد أنزل القرآن عليك! قال: أقرأ، إني أحب أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت حتى وصلت إلى قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] قال: حسبك -لمَ حسبك؟ - قال: فنظرت فإذا عيناه تذرفان) ما تحمل ﵊ ذلك الكلام، يقوم الليل كله بآية، فهلا جلسنا هذه الساعة كما جلست أم أيمن تبكي لأن الوحي قد انقطع. أختي الكريمة: كيف حالك مع القرآن؟! هل دمعت عينك يوماً ما؟! سلي نفسك هذا السؤال، كم تقرئين في اليوم والليلة؟ كيف أنت مع أوامر القرآن ونواهيه وأحكامه؟ كم تحفظين من القرآن؟ هلا سألت نفسك هذا السؤال؟ هل هذبت به النفس، وطهرت به القلب، ورفعت به الإيمان؟ هل عملت به؟ هل دعوت إليه؟ هل شغلت به الأوقات؟ أم أنها المسلسلات والمجلات والأغنيات والفيلم والمرآة والزيارات وغيرها، إننا نفقد أم أيمن في هذا الزمن.

стр. 320

المرأة بين الجاهلية والإسلام أختي الكريمة: ولنبدأ بموضوعنا: حياؤك إيمانك. إن المرأة قبل الإسلام لا شيء، إن المرأة قبل الإسلام في متاعب بل هي أحقر حتى من الدواب، المرأة قبل هذا الدين وقبل هذه الشريعة المتاع خيرٌ منها، بعض الدواب تُرحم أما هي لا ترحم، إذا مات زوجها هل ترث منه شيئاً؟ لا بل هي تورث، يرثها إخوان الزوج، أقرباء الزوج يرثونها كالمتاع الساقط اللاقط، بل البنت كانت يوماً من الأيام عاراً وفضيحة. انظري إلى عبد الله بن المغفل بعد أن أسلم كان يبكي، لماذا؟ لأنه طلب من زوجته أن تزين تلك البنت، من؟ إنها ابنته، زينيها، فأخذها وقلبه يرق لها ولكن يخشى العار والفضيحة، فإذا به يذهب بها إلى ذلك البئر الذي قد جف منه الماء، فيتردد هل يلقيها في ذلك البئر والبنت تداعبه وتلاعبه، وقد زينتها أمها بأحسن زينة، وهو يتردد بين عاطفة الأبوة وبين الجاهلية الجهلاء، من خوف الفضيحة والعار يتردد ويتلكأ، ثم إذا به بعد لحظات يسقطها من شفير البئر إلى قاعه لتسقط بجسدها في ذلك البئر الذي جف فتناديه تقول: يا أبتِ! ضيعت الأمانة! يا أبتِ ضيعت الأمانة! يأتي رجل ويقول: (يا رسول الله! كانت لي في الجاهلية اثنتي عشرة بنتاً وأدتهن كلهن فقال: من لا يرحم لا يُرحم). ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨] قبل الإسلام، قبل شريعة محمد ﵊، قبل هذا القرآن الذي بين يديك ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩] يتردد بين هذا وهذا، هل يمسكه على هونٍ وذلٍ وفضيحة وعار، أم يدسه في التراب؟ يدس من؟ تلك البنت الصغيرة التي شرفها الله، بل جاء الإسلام ورفع شأنها حتى جعل سورة كاملة في القرآن وسماها "النساء"، بل وسورة أخرى سماها "مريم"، بل سورة ثالثة سماها "المجادلة"، كل هذا لمن أختي الكريمة؟ تكريماً وتشريفاً لك يا أمة الله! إن المرأة في هذا الدين قسيمة الرجل، لا فرق بينها وبين الرجل ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] نعم، لها ما للرجل وعليها ما على الرجل إلا فيما اختصت به، وإلا فيما اختص به ذلك الرجل. أختي الكريمة: جاء الإسلام ليرفع من شأنك وليعزك، هذا الإسلام الذي جاء موافقاً لفطرة المرأة، المرأة مفطورة على ماذا؟ مفطورة على الحياء، مفطورة على الحجاب، على الستر، على العفاف، هذه فطرة المرأة فطرت عليها، ولهذا لما كان النبي ﷺ يعلمهن ذلك الأدب، ويحثهن على ذلك الحياء، قال لهن لما خرجن من المسجد: (استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق) لا تمشين في الوسط، لا تزاحمن الرجال في الطرقات، هذا وهي ليست خارجة من مسرح، أو ملهى، أو مقهى، أو مطعم! لا. أختي الكريمة، بل وهي خارجة من بيت الله قال: (استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق -أي تتوسطن الطريق- عليكن بحافات الطريق). هل اعترضت إحداهن؟ هل قالت: كيف وكيف؟! هل قالت: أنا امرأة لي الوسط كما للرجل؟! هل قالت المرأة هذا الكلام؟ لا، قال الراوي: (فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليلصق بالجدار من لصوقها به) الثوب يلصق بالجدار، فطر الله المرأة على هذا. أيما امرأة خالفت حياءها وعفتها فإنها خالفت فطرتها، ومسخت فطرتها؛ لأن الله جل وعلا يخاطبها بالفطرة فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٩] هل أنتِ من نساء المؤمنين؟ إذن اسمعي: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] قال بعضهم: أي يضعن الغطاء من الرأس إلى الصدر فلا تبدو إلا عينٌ واحدة للطريق فقط، حتى ترى بها الطريق، عينٌ غير مكحلة، ولا مزينة ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩].

стр. 321

امرأة من أهل الجنة عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: [ألا أريك امرأة من أهل الجنة قلت: بلى يا ابن عباس] امرأة في الدنيا تمشي وهي من أهل الجنة الله أكبر! كيف استحقت الجنة هذه المرأة؟ قال: [هذه المرأة السوداء انظر إليها] انظر إليها إنها من أهل الجنة وهي تمشي على الأرض، أتت النبي ﷺ فقالت: (إني أصرع وأتكشف فادع الله لي، فقال النبي ﷺ : إن شئتِ صبرت ولك الجنة -الصبر على هذا الصرع، وهذا البلاء ما الثمن؟ الجنة، الجنة يا أختي الكريمة- وإن شئتِ دعوت الله أن يعافيك -تريدين المعافاة؟ أو تريدين الصبر على البلاء ثم الجنة؟ - فقالت: بل أصبر يا رسول الله). القضية جنة أختي الكريمة، جنة عرضها السماوات والأرض، جنة فيها الأنهار تجري من تحتهم، جنة فيها القصور لبنة من ذهب ولبنة من فضة، جنة عرضها السماوات والأرض، قالت: (بل أصبر ولكني أتكشف فادع الله لي ألا أتكشف، فدعا لها ﷺ نعم. أحب الجنة، وسوف أصبر على هذا البلاء وأتحمل هذا المرض، وأتحمل هذا الصرع إلا شيئاً واحداً لا أتحمله، ما هو؟ إنه التكشف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]. نعم، أختي الكريمة إنها صبرت لكنها لم تصبر على التكشف، والسبب حياؤها، تقول: يا رسول الله! نعم أريد الجنة، لكن لا أتحمل أن أتكشف، فيراني الرجال، ففرحها بالجنة لم ينسها حياؤها.

стр. 322

ضرورة التمسك بالحياء والصبر على ذلك أختي الكريمة: إياك إياك! أن تبالي بالدعوات السافرة، قالوا: معقدة، قالوا: متزمتة، قالوا: من يتزوجك؟ قالوا: انظروا إلى الخيمة التي وضعتها على رأسها، قالوا: انظروا إليها لا تستطيع أن تمشي، من سوف يقودك إلى الجامع؟ إلى المدرسة؟ من قال لك: إن الحجاب واجب؟! ومن ألزمك بالحجاب؟! دعوات ما تحملتها تلك المرأة فإذا بها تقول لهم: كفى كفى. لا أتحمل هذا، فنزعت حياءها، وتعرت من جلبابها، ورمت حجابها، ثم انكشفت أمام الناس، والله جل وعلا يقول لها ولأمثالها: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] قال العلماء: يعني الثوب الخارجي، هذا الذي يظهر، هل لك على العباءة سبيل؟ لا، العباءة لا بد أن تظهر، وكل الصحابيات كُن َ كالغربان السود، أرأيت الغراب الأسود؟ هل يُرى منه شيء أبيض؟ لا، فهن كالغربان السود، يمشين في الطرقات، ويلتصقن بالجدار، فيتعلق ثوبها بالجدار. أرأيت: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] بعض الناس يقول: ما ظهر أي: الوجه والكفان لا، خاب وخسر، والكفان، تقول عائشة: [كنا محرمات فإذا مر علينا الرجال أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها] تسدل الواحدة جلبابها على وجهها، وهي محرمة لا يجوز لها أن تغطي وجهها، ولكن كشف الوجه أشد، لا بد أن تغطي وجهها إذا مر عليها الرجال، ولكن تقول: [فإذا جاوزونا كشفناه] نعم، إذا جاوزونا كشفناه ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] ثم قال في نهاية الآية، اسمعي وعي: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] يعني: حتى لو كان في رجلك خلخال، أو أي شيء يوضع في الرجل، أو كان كعب عالٍ؛ فانتبهي، لا يجوز لك أن تضربي بالرجل على الأرض، بل ما الذي دعاك ودهاك فلبستي هذا الخلخال؟! أختي الكريمة: أين الحياء؟ (الحياء والإيمان مقترنان، إذا ذهب أحدهما ذهب الآخر) واسمعي ما يقوله بعضهم: إنا سمعنا أختنا شيئاً عجاب قالوا كلاماً لا يسر عن الحجاب قالوا خيام علقت فوق الرقاب قالوا ظلام حالكٌ بين الثياب قالوا التأخر والتخلف في النقاب قالوا الرشاقة والتطور في غياب نادوا بتحرير الفتاة وألفوا فيه الكتاب رسموا طريقاً للتبرج لا يضيعه الشباب يا أختنا هم ساقطون إلى الحضيض إلى التراب يا أختنا هم سافلون بغيهم مثل الكلاب يا أختنا هذا عواء الحاقدين من الذئاب يا أختنا صبراً تذوب ببحره كل الصعاب يا أختنا أنت العفيفة والمصونة بالحجاب يا أختنا فيك العزيمة والنزاهة والثواب فالنار مثوى الظالمين لهم عقاب والله يكشف ظلمهم يوم الحساب والجنة المأوى ويا حسن المآب

стр. 323

قصة تبين أثر العفة أختي الكريم: أسمعت بـ سارة؟ من هي؟ إنها زوجة الخليل إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، سارة أخذت عنوة إلى ذلك الظالم الطاغية الذي كان يحكم مصر في ذلك الزمن. قام جنوده بالقبص عليها، قبضوا على من؟ على العفيفة الطاهرة سارة، ليذهبوا عفتها، وليسلبوا كرامتها، أخذوا زوجة خليل الرحمن! فإذا بها تربط وتحبس لتنتظر مصيرها الأسود المظلم، فرفعت يدها وقلبها إلى الله جل وعلا وهي تبكي فقالت: اللهم إن كنت تعلم أني أؤمن بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط عليَّ هذا الكافر، اللهم اكفنيه بما شئت، اللهم اكفنيه بما شئت. فاقترب منها الكافر ليسلب منها ما يريد، فإذا بجسمه ينشل، وإذا بجسمه يتجمد، وإذا به لا يستطيع الحراك، فيصرخ ويصيح، فإذا تركها زال ما به، ثم إذا اقترب منها مرة أخرى يتجمد جسمه مرة ثانية وينشل ولا يستطيع أن يحرك الجسد، وكلما أراد الاقتراب منها تجمدت يده وانشل جسمه وصرخ: أخرجوها من عندي ما جئتموني إلا بشيطان، ثم أرسلها إلى زوجها ومعها هدية هاجر فأصبحت جارية لإبراهيم خليل الرحمن ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨].

стр. 324

واقع المرأة في العصر الحديث أختي الكريمة: هذا الزمن الأمر تغير، والنساء تغيرن، أين الحياء؟ تجدين المرأة في هذا الزمن تجلس مع رجل، وتختلي معه في غرفة، وتغلق الباب وهي معه، بحجة ماذا؟ دكتور في الجامعة، أو في الكلية، تناقشه في رسالتها، أو تسأله بعض الأسئلة، أو تبحث معه بعض المواضيع الدراسية، من هو؟ هل هو رسول الله؟! من هو؟! هل هو أبو بكر؟! لو كان أبو بكر فإنه لا يجوز. وإن كنَّ بعض النساء تأتي بحجة أنها مريضة، فتذهب إلى المستشفى، أو إلى المستوصف فتدخل على الطبيب وتخلو به لوحدها، بلا محرم من محارمها كالأب والأخ وغيرهما، حتى ولا أمٌ ترافقها، تدخل على الطبيب لوحدها، فيغلق الباب فيسألها عما شاء، وينظر إليها كيف شاء، بل والمصيبة والأدهى والأمر أ، يكشف منها ما شاء! الله أكبر! أين الحياء؟! أين العفة؟! أين الطهارة؟! إلى هذه الدرجة تنازلت المرأة؟! إلى هذه الدرجة -أختي الكريمة- تساهلتِ في الحياء؟! عفتكِ عندك لا شيء؛ إن المرأة لا تساوى شيئاً بغير عفة، المرأة بغير حياء لا تساوى شيئاً، لا تساوى ذلك المنديل الذي ترميه في القمامة، إي والله! أختي الكريمة: هل نسيتِ نداء الله جل وعلا؟ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]. أختي الكريمة: بعض النساء تذهب مع زوجها، أو أخيها، أو حد محارمها. إلى أين؟! تذهب إلى ملهى، أو إلى مطعم تقول: هذا مكان مخصص للعائلات وفيه اختلاط الرجال مع النساء، وهي تقول: هذا مكان للعائلات، هل هذه حجة؟ هل هذا تأويلٌ أم تحريف لنصوص الشرع؟ وبعضهن تذهب للأسواق بحاجة وبغير حاجة، لم؟ تقول: أريد أن أخرج من البيت، مللت هذا السجن، مللت هذا البيت، أريد أن أذهب كي أتسكع في الأسواق، ثم تقول: الحمد لله لست بمفردي، مع من تذهبين؟ أذهب مع السائق! الله أكبر! أين الحياء؟! أين العفة؟! إيمانك مرتبطٌ بالحياء، كلما قل الإيمان قل الحياء، وإذا ذهب الحياء: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت). تجلس بعض النساء في أماكن مختلطة وليس لها في ذلك حاجة، مثلاً: تذهب إلى المستشفى هناك طبيبة أو طبيباتٌ وطبيبٌ واحد، وتقول: لا أريد طبيبة، أريد طبيباً بحجة أنها ضعيفة، إنها لا تفهم مثل غيرها، تريد طبيباً، الله أكبر! أين حياؤك؟ أين عفتك؟ هل وضعتي الحياء في البيت ثم خرجتِ! اسمعي أختي الكريمة: إن هذا الوجه الذي طالما كنتِ في الدنيا تحسنيه، وتجمليه، وهذا الجسد كم كنت في الدنيا تحرصين على نعومته، وهذه الثياب التي تلبسينها، أتعلمين -يا أختي الكريم- أنه سوف يأتي يوم إن كنت من الغافلات، وكنتِ ممن ذهب عنهن الحياء وضاعت منهن العفة، اسمعي يا أختي الكريمة إلى هذا الوجه، ما الذي سوف يحصل له ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [الأحزاب:٦٦] أرأيتي السمكة كيف تشوى في النار؟ وهكذا يتقلب هذا الوجه الحسن، والوجه الجميل، ما الذي حدث له؟ ما الذي جرى له؟ أين جمالك؟ أين تلك النضارة؟ ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ هل تعرفين ما السبب؟ ﴿يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦]. يا ليتنا أطعنا الله عندما قال: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] يا ليتنا أطعنا الرسول عندما قال: (المرأة عورة) (صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما، وذكر منهما نساء كاسيات عاريات) نعم تلبس لكن اللبس عارٍ، تجعل أسفل الثياب شقوقاً وخرقاً لماذا؟ بحجة أن تمشي على راحتها، ولم تجعلين الثياب ضيقة؟ من أباح لك هذه الثياب الضيقة؟ وتجعل أعلى الصدر فتحة، وعند الساقين فتحة، وإذا الأكمام قصيرة حتى بدا الساعدان، والثياب ضيقة حتى انكشفت الصدور، واتصف الجسد.

стр. 325

المصير المحتوم للمرأة المتبرجة أختي الكريمة: أتعلمين ما الذي سوف يحدث لهذا الوجه الذي كنتِ طالما تحسنيه وتجمليه ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا﴾ [الكهف:٢٩] يستغيثون في النار، يستغيثون يريدون الماء يريدون الشراب البارد، يريدون أي شيء حتى الموت ولا يحصلونه. ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف:٢٩] انظري إلى رحمة الله، يعطيهم الله الماء، يقتربون ليشربوا من الماء فإذا بفروة الرأس تسقط، وإذا بالوجه يشوى، أرأيت كيف يشوى اللحم؟ يشوى الوجه قبل شرب الماء ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:٢٩]. هذا الجلد الناعم، أتعرفين ما الذي سوف يحصل له؟ ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج:١٥ - ١٦] نزاعة للشوى: ينفصل العظم عن اللحم، يظهر العظم دون اللحم، لم؟ من شدة حر النار ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] يا من تلبسين الملابس الفاتنة، وتخرجين إلى الناس لتقولي لهم: هيت لك! يا من تلبسين الملابس التي هي من فرنسا وأمريكا وبريطانيا، مجلات داعرة، حتى إن بعض المسلمات تسبق الكافرات باللباس الفاتن، يا من تخرجين إلى الناس، وتظنين أنه لا أحد يراك، وقد فتحت في الثوب فتحة، أو رميت العباءة، أو وضعتها على الكتف، أو تلبس البنطلون، نسأل الله العافية! الله أكبر! أختي الكريمة: كوني صادقة، ارجعي إلى نفسك، حاسبيها حساباً صادقاً، أتعرفين ماذا يلبس أهل النار؟ اسمعي أختي الكريمة! اسمعي وتفكري واستشعري ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ﴾ تفصل لهم ثياب، أتعرفين ما هذه الثياب؟ من حرير؟ أم ممَ؟ ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج:١٩ - ٢٠] بل أكثر من هذا، يلبسون قبل دخولهم النار ثياباً، أتعرفين ممَ؟ من نحاس منصهر، تخيلي النحاس إذا انصهر، هل تستطيعي أن تضعي إصبعك فيه؟! أهل النار يلبسونه رجالاً ونساءً ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٤٩ - ٥٠]. أختي الكريمة: لقد سمعنا أن امرأة تأتي إلى بائعٍ في محل فتداعبه، وتضاحكه، بحجة ماذا؟ حتى يخفض السعر، سبحان الله! الدينار أغلى عندك من الحياء؟! الدرهم والدينار صارا عند بعض النساء أغلى من العفة والكرامة، وأغلى من العرض. أختي الكريمة: كيف تختلي امرأة في محلٍ مع بائع وقد كشفت وجهها وساعديها وتنظر إليه وتكلمه ويكلمها، وكأنه محرمٌ لها، اسمعي لما يقول الشاعر، وتفكري وتدبري واجعلي نفسك مثلما يقوله هذا الشاعر: كيف احتيالي إذا جاء الحساب غداً وحشرجت بي أثقالي وأوزاري وقد نظرت إلى صحفي مسودة من شؤم ذنبٍ قديم العهد أوطار وقد تجلى لبسط العدل خالقنا يوم المعاد ويوم الذل والعار يوم الذل، ذل والله! ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٧ - ٨٩]. وقد تجلى لبسط العدل خالقنا يوم المعاد ويوم الذل والعار يفوز كل مطيعٍ للعزيز غداً بدار عدلٍ وأشجار وأنهار لهم نعيم خلود لا نفاد له يخلدون بدار الواحد الباري ومن عصى في قرار النار مسكنه لا يستريح من التعذيب في النار فابكوا كثيراً فقد حق البكاء لكم خوف العذاب بدمع واكفٍ جاري

стр. 326

العفة في أعلى مراتبها نماذج وشواهد فاطمة بنت محمد بن عبد الله ﵂ وصلى الله وسلم على أبيها، أسمعتي بها؟ هل جاءتك أخبارها؟ هل تشكين فيها يوماً من الأيام؟ اسمعي إليها وهي تحاور صديقة لها، من هي؟ إنها أسماء بنت عميس، تقول لها: [يا أسماء -اسمعي للحوار، وعيه، وانتبهي إليه، وتدبري معانيه- إني لأستحي أن أخرج غداً على الرجال من خلال هذا النعش] أتعلمين ماذا تقصد؟ تقول: يا أسماء أخاف أن أحمل يوماً من الأيام على الأكتاف، فينظر الناس إلى جسمي، وقد وصف هذا الجسم تقول: أخاف من هذا المنظر، أخاف من هذا الموقف، لا أتحمله، نعم تخاف على حيائها بعد الموت، وتخشى على عفتها بعد الموت، تريد أن تعيش عفيفة وتموت عفيفة وتحشر إلى الله عفيفة. فقالت لها أسماء: [يا فاطمة! أولا نصنع لك شيئاً رأيته في الحبشة؟ تقول: فصنعت لها النعش المغطى من جوانبه] مثل الصندوق، توضع فيه المرأة فلا يراها من حولها، وتحمل على الأكتاف لا يراها الناس، الله أكبر! الله أكبر! تقول فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله، سترك الله كما سترتني. أرأيت -أختي- عفافاً مثل هذا العفاف؟ أرأيت طهراً أفضل من هذا الطهر، تقول فاطمة يوماً من الأيام: [خيرٌ للنساء ألا يرين الرجال ولا يراهن الرجال]. هي بنت من هي زوج من هي أم من من ذا يداني في الأنام علاها أما أبوها فهو أفضل مرسلٍ جبريل بالتوحيد قد رباها وعلي زوج لا تسل عنه سوى سيف غدا بيمينه تياها أختي الكريمة: يا من بدأ الناس يتكلمون على عفتك، وحيائك، وحجابك! قوليها صادقة: لست من تأسر الحلي صباها فكنوزي قلائد القرآن وحجابي الإسلام فوق جبيني هو عندي أبهى من التيجان لست أبغي من الحياة قصوراً فقصوري في خالدات الجنان ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١]. هذه امرأة قتل ولدها في المعركة، فجاءت بعد المعركة تبحث عن ولدها بين القتلى، تبحث عنه يمنة ويسرة، تبحث عنه بين القتلى فلا تجده، امرأة متنقبة محتجبة محتشمة تبحث عن ولدها القتيل بين القتلى، فرآها الرجال تبحث عن ولدها، فقالوا لها: يا فلانة اكشفي النقاب لتبحثي عن ولدك حتى تريه، أتعلمين ماذا قالت؟ إن حزن فقد ولدها لم ينسها عفتها وكرامتها وحياؤها، قالت تلك المرأة كلماتٍ عجيبة قالت: لأن أفقد ولدي خيرٌ لي من أن أفقد حيائي وديني. يعيش المرء ما استحيا بخيرٍ ويبقى العود ما بقي اللحاء فلا والله ما في العيش خيرٌ ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

стр. 327

نساء في الهاوية قبل أيام جاءني بعض الإخوة -واسمعي وانتبهي فالخطب جلل- من الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، من الدعاة الصادقين، رأوا بعض العمارات التي يدخلها النساء غير الشريفات، عمارات وشقق مخصصة لهذه الدعارة الفاضحة الماجنة، فانتظروا تلك المرأة حتى خرجت، فجاءوا إليها يكلموها وينصحوها، فاتضح أنها تملك بيتاً وزوجاً وأولاداً وبناتاً، لا إله إلا الله! من الذي جرها إلى هذا؟ من الذي ضحك عليها؟ من الذي غرها؟ أختي الكريمة: إن هذا الحياء الذي نطالبك به وذلك الحجاب، وأن تصبح المرأة كلها محجبة محتشمة ليس طاعة لفلان أو علان، وليست عادة، وليست تقاليد، أو موروثات، لا يا أختي الكريمة، إنما هي طاعة لله ولرسوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] ليست لك الخيرة، إنه أمر الله، وأمر رسوله ﵊. أختي الكريمة: كلها ستين أو سبعين سنة ثم ماذا؟! ثم سوف تقفين بين يدي الجبار العزيز القهار، الذي لا تخفى عليه خافية ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٣٠]. أختي الكريمة: سوف تقفين بين يدي العزيز القهار الجبار، يقول لك: يا فلانة! ألم أوجب عليك الحجاب؟! يا فلانة ماذا فعلت بالحياء؟! يا فلانة ألم تعلمي أنني أراك وأنت تكلمين ذلك الرجل؟! ألم تعلمي أنني أسمعك وأنت ترفعين سماعة الهاتف فتكلمي فلاناً ويكلمك فلان؟! فلانة ما الذي غرك بي؟ ألم أصح لك جسدك؟ ألم أسقك من الماء البارد؟ وإن كذبت على الله وقلتي: يا رب ما فعلت شيئاً، يا رب ما ارتكبت شيئاً، ما كلمت رجلاً قال: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥] تنطق اليد فتقول: يا رب! في اليوم الفلاني فتحت تلك المجلة، وذلك التلفزيون، ونظرت إلى ذلك المسلسل، يا رب! في اليوم الفلاني صافحت ابن عمها، وصافحت ابن خالها، يا رب! في اليوم الفلاني لمست ذلك الرجل ولمسها ذلك الرجل، إنها الفضيحة، إنه العار، والذل بين يدي العزيز القهار، ذلك اليوم تصبح المرأة -واسمعي إلى حالها-: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]. هل تتحملين يا أختي الكريمة وقوفك أمام الله جل وعلا، الجلد يتكلم، والرجل تنطق، تقول: يا رب في اليوم الفلاني سافرت بغير محرم، يا رب في اليوم الفلاني ذهبت إلى ذلك المطعم، ولذلك الملهى، ولذلك النادي، وإلى ذلك السوق ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾ [فصلت:٢١].

стр. 328

حوار شعري مع متبرجة اسمعي إلى هذا الرجل وهو يخاطب تلك المرأة التي كشفت عينيها المكحلتين، وشيئاً من خديها، والكفين وشيئاً من الساعدين، بل لما كانت تمشي تنزل من السيارة تظهر شيئاً من ساقيها، أو تصعد السلالم تظهر شيئاً من ساقيها ولا تبالي ولا تهتم، اسمع إلى هذا الشاعر كيف يخاطبها يقول لها: هذي العيون وذلك القدُ والشيح والريحان والندُّ من أين جئت أأنجبتك رؤىً بيض فأنت الزهر والوردُ قالت وفي أجفانها كحلٌ يغري وفي كلماتها جدُ عربية حريتي جعلت مني فتاةً ما لها ندُّ أغشى بقاع الأرض ما سنحت لي فرصةٌ بالنفس يعتدُّ عربيةٌ فسألت مسلمةٌ قالت نعم ولخالقي الحمدُ فسألتها والحزن يعصف بي والنار في قلبي لها وقدُ من أين هذا الزي ما عرفت أرض الحجاز ولا رأت نجد هذا التبذل يا محدثتي سهم من الإلحاد مرتد فتنمرت ثم انثنت صلفاً ولسانها لسبابها عبدُ قالت أنا بالنفس واثقة حريتي دون الهوى سد فأجبتها والنار تلفحني أخشى بأن يتناثر العقدُ ضدان يا أختاه ما اجتمعا دين الهدى والكفر والصد والله ما أزرى بأمتنا إلا ازدواجٌ ما له حدُ ألا تفكرين في ذلك اليوم؟

стр. 329

أين المتبرجات من هذه المرأة أختي الكريمة: والله إن الأب ليتبرأ، وإن الأم لتهرب، وإن الأطفال ليتبرءون منك عند الله جل وعلا، تأتين إلى ابنك، أو إلى زوجك، أو أخيك تطلبين منه حسنة أو شفاعة فكلٌ منهم يقول: نفسي نفسي ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. أختي الكريمة: هذه عجوزٌ ذهبت إلى المستشفى لتعمل عملية في عينيها، فلما خرجت من العملية ونجحت، بكت هذه العجوز، فقيل لها: ما يبكيك يا فلانة وقد نجحت العملية؟ فقالت: لا أبكي على عيني، وإن فقدتها، ولكني أبكي أن رجلاً قد كشف عن وجهي ولم ير وجهي أحدٌ من الناس طوال هذه السنين، عجوزٌ تبكي لأن رجلاً نظر إلى وجهها مع الضرورة ومع الحاجة لها، ولكن: إنه الحياء، إنها العفة يا أمة الله! انظري إلى نساء هذا الزمن، كل يوم يرتخي الثوب، كل يوم يقصر الثوب، هذا رسول الله ﷺ يقول: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقالت أم سلمة: كيف يصنع النساء في ذيولهن؟ -إلى أعلى من الكعب، يا رسول الله المرأة ما تتحمل هذا الشيء- فقال النبي ﷺ : يرخينه شبراً -يعني يرخين الثياب على الأرض شبراً- قالت أم سلمة ﵂: إذاً تنكشف أقدامهن -يعني شبر لا يكفي يا رسول الله- قال: يرخينه ذراعاً ولا يزدن عليه). أختي الكريمة: الأمر خطير، المرأة هذا الزمن بدأت فقط لا تكشف من ساعديها ولا شيئاً من ساقيها، بل وصل الأمر إلى الركبتين. لحد الركبتين تشمرينا بربك أي نهرٍ تعبرينا كأن الثوب ظلٌ في صباحٍ يزيد تقلصاً حيناً فحينا تظنين الرجال بلا شعورٍ لأنك ربما لا تشعرينا أختي الكريمة: في هذا الزمن أصبحت بعض النساء تلزم زوجها أن يأتي في حفلة الزفاف وفي ليلة العرس فيدخل أمام النساء على شيء مثل المنصة ليقف عليها أمام الناس، لينظر إلى النساء بغير حياء، ولا عفة، أو طهر، يدخل الرجل أمام النساء لينظر إليهن واحدة تلو الأخرى، بل صارت المرأة تخالط ابن عمها وابن خالها وابن خالتها وتجلس معه، بل وتركب معه في السيارة، بل ويصافحها وتصحافه، بحجة أنه من القبيلة، أو أنه من العشيرة، بل صارت المرأة هذا الزمن تختلط حتى بالسائقين وتختلي بهم، تذهب معهم إلى أين؟ إلى السوق، أو الطبيب، أو المدرسة، أو الكلية، سائقٌ يخلو بها لوحدها، لا محرم، حتى الأم لا تركب معها، ما الذي حدث؟ ما الذي جرى يا أختي الكريمة؟ (إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت) حقاً وصدقاً. عائشة كانت فتاةً صغيرة، تقول: (كنت أنظر إلى الحبشة يلعبون بالمسجد وأنا متسترة بالنبي ﷺ وهو يسترني بردائه) وهي فتاة صغيرة، والنبي ﷺ يسترها وهي تنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، أرأيت الحياء؟! أرأيت الستر؟! أرأيت العفاف؟! ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]. اسمعي إلى هذا الحديث، يقول ﵊: (ثلاثة لا تسل عنهم -يعني هالكون- وذكر من الثلاثة: امرأة غاب عنها زوجها، وقد كفاها مؤنة الدنيا فتبرجت بعده) فلا تسل عنهم، خرج زوجها وتركها في البيت لا تحتاج أحداً، فإذا بها ترفع سماعة الهاتف، أو تضع ذلك الفيلم، أو تواعد فلاناً، أو تخرج من البيت بغير إذنه، أو تخالط فلاناً وفلاناً من الناس، الله أكبر! أين العفاف؟! أين الحياء يا أختي الكريمة؟! هذه امرأة امتنعت عن تقديم اختبارٍ للقرآن الكريم في الكلية -إحدى الكليات الشرعية- وكانت من الذكيات المجتهدات المتقدمات في الدراسة، لكنها امتنعت عن الاختبار الشفهي للقرآن فقيل لها: لمَ امتنعتي عن هذا الاختبار؟ قالت: كيف يسمع صوتي أحد من الرجال؟! ولو كان مدرس القرآن، ولو كان شيخاً من الشيوخ، ولو كان رجلاً صالحاً، ولو كان غيره من الناس.

стр. 330

حقائق عن دعاة تحرير المرأة أختي الكريمة: يا من تكشفين شيئاً من الوجه، أو شيئاً من الذراعين، أو من الساعدين، أو الساقين، ألا تقدرين الله حق قدره؟! من الذي أمرك بالحياء؟ من الذي أمرك بالعفة؟ إنه الله جل وعلا، أتعرفين من هو الله؟! ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. أتعرفين من الذي أمرك بالحياء، والحجاب، والعفة، والطهارة، والنزاهة؟ إنه الله جل وعلا ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]. أختي الكريمة: إن الغرب الآن الذي يعيش فيما يسميه بالحرية وفيما يسميه بالتقدم والحضارة في أمريكا قبل سنوات طويلة عملوا إحصائية فوجدوا أن في كل سنة يوجد عندهم مليون طفل مرمي من الزنا، مليون طفل من الزنا في كل سنة! كيف يعيش هذا الولد؟! كيف يحيا بغير أم، وبغير حنان، وبغير أبوة، وبغير عاطفة؟! يمشي ويعيش في الأرض وقد امتلأ قلبه بالحقد الدفين والغل على هذه الأمم، وعلى هذه الشعوب. عشرون ألف حالة اغتصاب سنوياً في دولة واحدة، قبل سنوات وليس اليوم عشرون ألف حالة اغتصاب، أين الحرية المزعومة؟! أين حرية المرأة؟! وأين كرامتها المزعومة يا أختي الكريمة؟! يقول بعضهم: لا تستقيم حالة الشرق الإسلامي حتى يرفع الحجاب عن وجه المرأة ويغطى به القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩].

стр. 331

رحلة فتاة من الظلمات إلى النور أختي الكريمة: قبل أن نختم حديثنا، اسمعي إلى قصة هذه الفتاة، فتاة غرتها المجلات، فتاة ضحكت عليها تلك المقالات، سمعت بدعاة تحرير المرأة، قرأت لهن، وكتبت إليهن، واستمعت إليهن، فإذا بها تسير وراءهن، داعيات تحرير المرأة، هدى شعراوي هل سمعتي بها؟ أم تلك التي تسمى صفية زغلول امرأة سعد زغلول هل سمعتي بها؟ أولئك اللواتي استقبلن سعد زغلول بعد تحرير مصر استقبلن سعد زغلول كما يسمونه الرجل الوطني الهالك، استقبله أفواج من النساء متحجبات في الظاهر، أما الباطن لا يعلم به إلا الله، ثم يسيرون مسيرة إلى ميدان الإسماعيلية، ليجتمع الناس الحشود الهائلة والجماهير الغفيرة، إلى قادات المجتمع، وإلى سيدات المجتمع، من؟! هدى شعراوي؟ صفية زغلول؟ وغيرهن من الهالكات، فإذا بهن يرمين الحجاب ويطأنه بأقدامهن ثم يحرقنه وسط تصفيق الجماهير الحاشدة، أرأيت كيف؟ هذه الفتاة غررت بتلك الدعوات، كانت لما تقرأ على صفحات المجلات صورة من؟ صورة فلانة النجمة الموهوبة، أو الممثلة الواعدة، أو المطربة الشهيرة، فلانة بنت فلان، كيف تطبع هذه المجلة؟ كم نسخة؟ عشرون ألف، ثلاثون ألف، بل بعض المجلات مئات الآلاف تطبع؛ ليقرأها وليرى صورتها كل ساقطٍ ولاقط، وكل حقير ووغد، وكل ساقطٍ ومجرم فاسق، ينظر إلى صورتها ويتمتع بها، هل تساوى هذه المرأة شيئاً؟! فاغترت هذه الفتاة بهذه المجلات، وبهذه القصص، وبتلك الوعود، تقول عن نفسها: ضياعٌ في التفكير، ضياعٌ في المشاعر، تقول: كل من حولي كان سافراً، أمي سافرة، أخواتي سافرات، صديقاتي سافرات، تقول: كيف يدعوني أحدٌ للحجاب والكل من حولي سافر؟! تقول: كنت لم أتجاوز السابعة عشر من العمر، رافقت أختي وخالتي في السيارة لكي نذهب إلى أهلي، يقول: ومع السرعة الشديدة وعدم تحكم السائق انقلبت بنا السيارة، تقول كان حادثاً رهيباً، واقتربت ساعة الموت ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩] فهل تظنين -أختي الكريمة- أن هذه التي كانت كل يوم في موضة، وكل يوم في سهرة، وكل يوم معها صديق، هل تظنينها ماذا تفعل عند لحظة الوفاة؟ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] تقول: حادث رهيب لم أنسه حتى اليوم، توفيت أختي وخالتي، تقول: ونجوت وحدي ولله الحمد. تقول: وبعد هذا الحادث، رأيت في المنام أحلاماً مفزعة، تقول: أرى في المنام رأسي ويدي ورجلي مسودة، تقول: الرجل مسودة، واليد مسودة، والرأس مسوداً تقول: ففهمت الرسالة، وعلمت أنها الأعضاء المكشوفة، وأنه الجسد المكشوف. تقول: فأقوم من نومي فزعة، وتقول: هاأنا اليوم أعلنها بغير تردد، عازمة متوكلة على الله تقول: تحجبت والتزمت بالصلاة، والتزمت بالعفاف، ورضيت بالحياء، وتقول: لن أفارق المصحف، ولن أفارق الصلاة ولا الصيام، تقول: محاولات كثيرة وعديدة من شيطانات الإنس يحاولن إعادتي للسفور، وللضياع، وإعادتي للدنيا ولكن لا أمل لهن ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].

стр. 332

العاقبة الحسنة للعفيفة قوليها صادقة بملئ فيك أختي الكريمة: حيائي قبل كل شيء، عفتي وإن لم يرض الناس جميعاً، كرامتي في ستري. أختي الكريمة: قوليها صادقة، توكلي على الله، ابدئي حياة جديدة، حياة الستر، والعفاف، والطهر، حياة الحياء، الحياء لا يأتي إلا بخير، أتعرفين ما النهاية؟! أتعرفين ما هو المصير؟! ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. إذا كانت الحورية في الجنة الياقوتة على رأسها خيرٌ من الدنيا وما فيها، وتلبس سبعين حلة يرى مخ ساقها من وراء الحلل، والحورية في الجنة لو اطلعت على الأرض لأضاءت ما بين السماء والأرض، ولملأته ريحاً، ونصيفها على رأسها خيرٌ من الدنيا وما فيها، وكل فترة وزمن تزداد حسناً وجمالاً، هذه الحورية في الجنة كأمثال اللؤلؤ المكنون، فكيف يكون مصير المؤمنة إذا دخلت الجنة؟! جاء في بعض الآثار أنها سوف تكون سيدة الحور العين، وأجمل من جميع الحوريات، وأحسن من جميع الحوريات. أختي الكريمة: هذا جزاؤك في الجنة، وهذا مصيرك في الجنة، في الدنيا نعيم وفي الآخرة سعادة أبدية، قوليها صادقة من قلبك: صفحة جديدة بينك وبين الله ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤]. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. أقول قولي هذا وأصلي وأسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 333

خطوات الشيطان إن العداوة بين الإنسان والشيطان قديمة، منذ أن خلق الله آدم ﵇، والشيطان مستمر في إغوائه لعباد الله وأوليائه؛ لذلك لابد من اليقظة والحذر من الشيطان ومن خطواته ومداخله هذا ما تحدث عنه الشيخ، مذكراً بقصة إبليس مع العابد برصيص، واستدراجه له وإغوائه إياه.

стр. 334

العداوة بين الإنسان والشيطان إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المسلمون: ذكر أهل التفسير قصة عجيبة سوف نوردها عليكم في هذه الخطبة، وفيها عبر جمة، تدلك -يا عبد الله- على أن للشيطان خطوات يبدؤها بعبد الله الصالح خطوة خطوة، وغايته العظيمة ومناه الأكبر أن يكفر الناس بالله رب العالمين، فإن كفر الناس فرح وإلا حزن. ولنعلم -عباد الله- أن العداوة بين الشيطان وبني آدم قديمة، منذ أن خلق الله آدم وقبل أن ينفخ فيه الروح، كانت تلك هي بداية العداوة، والحسد، والحقد، والصراع بين الإنسان والشيطان. حتى إذا خلق الله آدم أمره بالسجود، ولكنه: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤] ثم تهدد بني آدم كلهم فقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦] انظروا كيف الكافر المتكبر ينسب الغواية لله، يقول: أنت الذي أغويتني، ويقول بسبب أنك أغويتني ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.

стр. 335

قصة إبليس مع العابد برصيص واستدراجه له واسمعوا -يا عباد الله- إلى هذه القصة كيف قعد لهم صراط الله المستقيم. يروي أهل التفسير أن هناك عابداً من بني إسرائيل كان يعبد الله أربعين سنة، ولم يصبر عنه الشيطان، واسم هذا العابد برصيص، ولنسمع إلى حكايته، وإلى العجب في أمره: أربعون عاماً لم يقدر عليه إبليس ولا أعوانه، فجمع إبليس الشياطين والمردة، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن لإبليس عرشاً على الماء يجمع فيه أعوانه والمردة من الشياطين، ثم يرسلهم على بني آدم) يرسلهم على فلان المصلي، وعلى فلان الصائم، وعلى فلان الراكع، وعلى فلان الساجد، وعلى فلان الذي أسلم حديثاً أو قديماً ليضلهم عن سبيل الله. فجمع أعوانه فقال لهم: من منكم يقدر على هذا العابد؟ لنا أربعون عاماً لم نقدر عليه، فجاء الشيطان، ووصفه يسمى الشيطان الأبيض الذي كان يتصدى للأنبياء والمرسلين، وقال: أنا أتكفل به. قال: اذهب إليه، فتمثل هذا الشيطان بصورة رجل راهب عابد ساجد لله، فأتاه في الصومعة، فدخل عليه يناديه فلم يجيبه برصيص، وقد كان يصلي عشرة أيام، ولا يرتاح بعد العشرة الأيام إلا يوماً واحداً، فدخل عليه الشيطان في صورة راهب، وتمثل له أنه يصلي بجنبه، وأخذ يصلي بجنبه عشرة أيام وانظروا إلى صبره وانظروا إلى طول نفسه، وإلى خطواته خطوة خطوة. فلما انتهى من العشرة أيام، نظر إليه العابد من بني إسرائيل، وقال: ما تريد؟ وما شأنك؟ قال: جئت أتمثل بك، وأتعبد الله مثلك، وأصلي وأركع وأتأسى بك، فتركه ذلك العابد وجلس معه يصلي، فزاد ذلك العابد في صلاته، فكان لا ينقطع عن الصلاة إلا بعد أربعين يوماً، ويصوم أربعين يوماً، ويفطر يوماً، حتى يختبره هل يصبر أو لا يصبر، فكان الشيطان لخبثه ولمكره يصلي معه أربعين يوماً، ويصوم معه أربعين يوماً، ولا يفطر إلا يوماً واحداً، ولا يرتاح إلا يوماً واحداً، فتحمله سنة كاملة على هذه الحال، يصلي ويصوم ويذكر الله معه، وتمثل له بأنه عابد راكع خاشع زاهد لا يريد من الدنيا شيئاً، فلما انتهى الحول، قال له الشيطان: ظننت -يخاطب العابد- ظننت أنك تعبد الله خيراً من هذا، فقد أخبروني عنك أنك تعبد الله وما كنتُ أظن أنك بهذا الضعف في العبادة. قال: ماذا تقول؟ قال: أريد أن أبحث عن غيرك يعبد الله أكثر منك. قال له: اجلس. وكأن العابد قد تشوق إليه. قال: لا. سوف أتركك لأبحث عن غيرك، ولكني أعلمك كلمات احفظها ينفعك الله بها، قال: وما هي هذه الكلمات؟ قال: كلمات إذا قلتها على مريض شافاه الله، وإذا قلتها على مبتلى عافاه الله، قال: وما هي هذه الكلمات؟ فعلمه كلمات ثم ذهب وتركه ثم جاء إلى إبليس، فقال له إبليس: ما صنعت بذلك الرجل؟ قال: قد أهلكته، قال: كيف هذا؟ قال: اصبر، فذهب الشيطان إلى رجل بين الناس فخنقه وصرعه، فسقط مجنوناً، فبحث الناس عن طبيب، فتمثل الشيطان على صورة طبيب، فجاء إليهم، فقال للناس: أنا أعالجه وأطببه، فأتوا بهذا المجنون إلى ذلك الطبيب، فقال لهم الطبيب: إن به جنوناً لا يقدر عليه إلا رجل واحد من الناس، قالوا: ومن هو؟ قالوا: برصيص العابد، يقدر عليه ويعالجه، فذهبوا به إلى ذلك العابد، فقرأ عليه تلك الكلمات، فتخلى الشيطان عنه، فإذا به يرجع معافىً كما كان، فخنق الشيطان ثالثاً، ورابعاً، وخامساً، فانتشر بين الناس أن هذا العابد عنده كلمات إذا قرأها على رجل مريض شافاه الله، حتى جاء الشيطان إلى جارية للملك ولحاشيته، فصرعها فذهبوا بها إلى هذا العابد الزاهد. فقال لهم: إنني لا أقرأ على النساء وطردهم. فقال لهم الشيطان: اجعلوها في غار عنده، فإذا جُنَّت وصُرِعت أتاها وقرأ عليها فشفيت بإذن الله، فجعلوها في الغار. وانظروا إلى خطواته! والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] ليست خطوة ولا اثنتان بل هي خطوات طويلة، وانظروا إلى السنوات التي ترقَّب فيها ذلك العابد. أتاه الشيطان فقال له: هذه جارية مريضة مسكينة اقرأ عليها لتذهب إلى أهلها، لِمَ تجلس في هذا الغار لوحدها؟ لربما أتاها أهل السوء، ولربما فعلوا فيها كذا وكذا، انزل إليها، واقرأ عليها ولتذهب، فنزل ذلك العابد المسكين من صومعته إلى ذلك الغار، فلما اقترب من الغار صرع الشيطان تلك الفتاة، فلما صرعها ألقت ما عليها من ثياب وهي لا تشعر، فلما دخل ذلك العابد نظر إلى جسد لم ينظر إليه طوال حياته، ولم يره طوال عمره، نظر العابد إلى ذلك الجسد فالتفت، فوقع الشيطان في قلبه، فقال: أرأيت؟ فأخذ يذكره بتلك الصورة، وقال: ارجع إليها فاقرأ عليها، فرجع فنظر فإذا الجسد عار، فلا زال به مرة ومرتين وثلاث حتى وقع العابد على تلك المرأة، فزنى بها!! أربعون عاماً يعبد الله! لكن الشيطان إلى الآن لم يرضَ بهذا؛ فأخذ يراوده مرتين وثلاث وأربع حتى وقع عليها مرات طويلة، حتى حملت منه، فجاءه الشيطان وقال له: يا فلان! أتفعل هذا؟ لو أتى أهلها فنظروا إليها لَفُضِحت ولانكشف أمرك ولتكلم الناس عليك وعلى أمثالك من العباد. فقال للشيطان: ماذا أفعل؟ قال: اقتلها، ثم تب إلى الله فإن الله غفور رحيم. فأتاها ذلك العابد بعد أن زنى وارتكب الجريمة الفاحشة، قتلها وقتل ما في بطنها، ثم قال له الشيطان: اذهب فادفنها في مكان كذا وكذا، حتى لا يراك أحد، فإذا أتاها أهلها فقل: إن الشيطان صرعها وذهب بها فدفنها ثم لما جاء أهلها يسألون عنها: أين فلانة يا فلان؟ -وانظروا إلى الجريمة الثالثة: الزنى، ثم القتل، ثم الكذب- قال لهم: إن الشيطان قد أتاها وصرعها وذهب بها، ولا أدري إلى أين، فأخذوا يبحثون عنها، فلما أيسوا رجعوا إلى بيوتهم وقد صدقوا ذلك العابد، فرجعوا إلى البيوت. فجاء الشيطان في المنام إلى الثلاثة الذين كانوا يبحثون عن الفتاة فقال لكل واحد منهم: إن أختكم وجاريتكم لم يذهب بها الشيطان، إنما قتلها ذلك العابد بعد أن زنى بها، قتلها ودفنها عند جبل كذا وكذا، فلما استيقظوا قال الأخ الأصغر: أنا رأيت في المنام كذا وكذا، فقال الأوسط: وأنا كذلك، وقال الكبير: وأنا كذلك، لكنهم ذهبوا إلى العابد فقالوا له: رأينا في المنام كذا وكذا، فقال لهم: تتهموني وأنا العابد؟! تتهموني وأنا المصلي الراكع الساجد؟! تتهموني بهذا؟! قالوا: لا والله لا نتهمك. ثم رجعوا إلى أنفسهم، فجاءهم الشيطان مرة أخرى وقال لهم: لقد كذب عليكم مرة ثانية، اذهبوا إلى مكان كذا وكذا، وسوف ترون بعض ثيابها لم يُدفن، فذهبوا إلى المكان، فحفروا فإذا بأختهم مقتولة، وإذا بجنينها معها، فذهبوا إلى ذلك العابد وقالوا له: كذبت علينا قاتلك الله! فأخبروا الملك، فأمر بصلبه، فهدموا صومعته ومسجده، ثم ربطوا عنقه بحبل وجروه بين الناس ليفتضح أمره، ثم جيء به إلى الملك أمام الناس ليقتل ويُصلب، فجاءه الشيطان فقال له: هل عرفتني؟ قال: لم أعرفك، قال: أنا الذي عبدتُ الله معك سنة كاملة، وعلمتُك الكلمات، قال له: ماذا تريد؟ قال: إنك إن قُتلتَ افتضح أمرك، وإن قُتلتَ تكلم الناس على أمثالك من العباد، قال: كيف المخْلَص؟ قال: هل تريد أن تتخلص من هذا الذي أنت فيه؟ قال: نعم، قال: ولا يراك الناس؟ قال: نعم، قال: اسجد لي سجدة واحدة وأنا أخلصك مما أنت فيه، فلما استكان له واستجاب له وهو يريد الخلاص، سجد له سجدة واحدة، فلما سجد قال الشيطان له: إني بريء منك، فقتله الملك على الكفر بالله جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر:١٦ - ١٧]. أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. , أو

стр. 336

مداخل الشيطان وخطواته الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: أيها الإخوة الكرام: إن للشيطان مداخل كثيرة وخطوات طويلة، فلعله يبدأ ببعض الناس بالطاعة، ثم لا يزال به يستدرجه، ثم يستدرجه حتى يكره العبادة لله جل وعلا، ويبدأ ببعض الناس بالمباح؛ بلعب الكرة أو بالسهر أو بمجالس اللغو، أو ببعض الألعاب المباحة، يبدأ بها فلا يزال به حتى يرتد عن دين الله جل وعلا، ويبدأ ببعض الناس بالمكروهات فيأتيهم ويقول لهم: ليس الأمر بحرام إنما هو مكروه، ويأتي لبعض الناس بالصغائر ويقول لهم: إن الحسنات يذهبن السيئات، ويقدر على بعض الناس بالفواحش العظام وهو يقول لهم: إن الله يقبل التوبة عن عباده فافعل وتب إلى الله. وهكذا له خطوات، كما قال الله جل وعلا على لسانه: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٦ - ١٧]. نعم. وصدق الكذوب: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] انظر في الناس وفتش ثم ابحث: أين فلان الذي كان يصلي يوماً من الأيام؟ أين فلان الذي كان يركع ويبكي لله جل وعلا؟ أين هو الآن؟ لا يستجيب لنداء الله جل وعلا أين فلان الذي كان يحفظ القرآن في صدره؟ الآن لا يعرف إلا الأغاني والطرب أين فلان الذي كان يدعو الناس إلى الله؟ الآن يصد الناس عن سبيل الله، ما الذي حدث؟ وما الذي جرى؟

стр. 337

إبليس وإغوائه لآدم ﵇ لقد بدأ طريقه وخطواته بخطوة أولى مع آدم ﵇، أتى إلى آدم وحواء فقال لهما: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف:٢٠] واسمع إلى هذه الخطوة التي كانت بداية الشقاء للبشرية جمعاء، وهي بداية النزول من النعيم إلى دار البلاء، قال لهما: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠] فبدأ يوسوس لهما ليبدي لهما ما وُري عنهما من سوءاتها، بدأ يدلهما بغرور، حتى جاءهما بلباس الناصح الأمين، ولباس الشيخ الوقور، وقال لآدم: يا آدم أتريد الخلد في هذه الجنة؟ أتريد أن تصبح مَلَكاً من الملائكة؟ قال آدم: نعم. ومن منا لا يريد هذا؟! قال: كل من هذه الشجرة، يا آدم! أحل الله لك كل ما في الجنة إلا هذه الشجرة، ما شأنك تريد الأكل منها؟! الشيطان يا عباد الله! إنه يأمر بالفحشاء والمنكر، فإذا بآدم يأكل، وإذا بالسوءة تنكشف، وإذا بأول معصية من آدم لله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١] ثم تاب آدم فتاب الله عليه، ولكن جُبِلَت أمته على هذا الأمر، نسي آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته.

стр. 338

الحذر من فتنة الشيطان عباد الله: لا بد أن نكون متيقظين منتبهين، كل منا ينتبه على دينه؛ فإن الشيطان لنا بالمرصاد، وأقسمُ بالله أنه حق، كما قال: يأتينا من بين أيدينا -من أمامنا- ومن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، يأتينا الشيطان الخبيث من كل مكان؛ ليصدنا عن سبيل الله جل وعلا، يأتينا بالمباح، يأتينا بالمكروه، يأتينا بالصغائر، يأتينا ببعض المشتبهات؛ ليضلنا عن سبيل الله، وعندما يضل الناس يأتيهم يوم القيامة ليخطب بهم خطبته الشهيرة، ويجمع الناس الله الإنس والجن تحته ليقول لهم: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أي: لست بمنقذكم: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢] يكفر بهم، ويكفر بما كانوا يعبدونه من دون الله. إنها الحسرة والندامة لأتباع الشيطان وللشيطان نفسه يا عباد الله! اللهم أعذنا من الشيطان الرجيم. اللهم إنا نعوذ بكلماتك التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وبرأ وذرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارقٍ إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن. أقول هذا القول وأقم الصلاة.

стр. 339

رسالة إلى صانعة الأجيال النساء شقائق الرجال، وإصلاح المرأة وتربيتها واجب لا بد منه، وهو إصلاح للمجتمع وللجيل القادم. إن دور المرأة لا يقل عن دور الرجل، إلا أن الفطرة والدين يجعلان لكل منهما اختصاصاً وميداناً للعمل ليس للآخر، بحيث تتحقق السعادة في ظل إبداع كل منهما في مجاله، فيرضى الخالق عن هؤلاء المخلوقين. في هذه المادة بيان لما يجب تركه من العادات الخاطئة، ووسائل الإعلام الهدامة، والذهاب إلى السحرة، مع بيان لمسائل لا تستغني عنها أي مسلمة.

стр. 340

نداءٌ للمرأة المسلمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه. أما بعد: أيتها الأخوات الكريمات! هذه رسالة إلى صانعة الأجيال، صانعة المجتمعات، هذه رسالة إلى المرأة التي جاءت تطلب الأجر من الله جل وعلا في صناعة هذا الجيل. أيتها الأخت الكريمة! لعل الناظرة منكن إلى هذا المجتمع وإلى هذا الجيل الذي نعيش فيه، تجد أن الفساد وأن الشر قد انتشر، وأن الضلال قد عم، وأن المنكر قد استفحل، كما قال الله جل وعلا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١] ففي البيوت فساد، وفي الأسواق فساد، وفي الشوارع فساد، وفي المدارس فساد، وفي الجامعات فساد، في كل الدنيا فساد، الشر قد انتشر، والله ينتدبنا مؤمنين ومؤمنات، وصالحين وصالحات: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ [التوبة:٧١] وصفتهم: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] وهذه الولاية وذلك التعاون من أجل: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١]. نعم. المؤمنون بعضهم أولياء بعض، والمؤمنات بعضهن أولياء بعض، يأمرن بالمعروف وينهين عن المنكر؛ المنكر الذي قد انتشر في البيوت والأسواق، وفي المدارس والجامعات، وفي كل مكان، الله انتدبك يا صانعة الأجيال! ويا مربية الأنبياء والرسل! من أين خرج موسى؟ وكيف تربى عيسى؟ ومن أين ظهر نوح عليهم الصلاة والسلام؟ ومن الذي أرضع محمداً ﵊؟ إنها المرأة، إنها صانعة الرجال. أختي الكريمة، إليك أوجه هذه الكلمات، وإن كانت النصيحة في الوقت قصيرة، لكن أرجو أن تكون ثمينة فلرب كلام قليل يدل على خير كثير. أختي الكريمة: يا من تعيشين في البيت والله أمرك أن تقري فيه! ألا ترين حولك في البيت أن المنكرات قد انتشرت، والفساد قد عم، أين دورك؟ وما هي وظيفتك في البيت؟ أكل وطبخ وشرب وتنظيف فقط، إن التنظيف الأول والمطلوب الأول منك يا أمة الله: تنظيف البيت من المنكرات قبل القاذورات! وإن تطييب البيت المطلوب تطييبه بالصالحات، من صلاة وذكر وقرآن قبل أن تكون بالروائح الطيبة.

стр. 341

احذري التلفاز أختي الكريمة: ألا ترين ذلك التلفاز الذي يجثم في بيوتنا، وما يظهر فيه من المنكرات من المعازف والأغاني، ألا ترين ابنك كيف يدخل في غرفته فيغلق على نفسه الباب ليشاهد تلك المسلسلات والأفلام، بل بعضهم يتمادى ويأتي ببث مباشر ينقل له الشر والخطر والمجون من بلاد الغرب، ويغلق على نفسه الباب لينظر! أختي الكريمة: أين دورك؟ ما هي التربية التي ربيت بها أولئك الأبناء؟ هل هذا التلفاز جاء رغماً عن أنفك؟ أم لك دور في تربية الأبناء منذ الصغر على توجيه هذا التلفاز، وعلى تقييده، وعلى التحذير من شره؟

стр. 342

احذري الصور أختي الكريمة: ألا ترين تلك الصورة المعلقة على الجدار؟ صورة الجد، والعم، والأب، والأخ، والأولاد؛ لمَ تعلق على الجدران؟ أجيبك بهذه الإجابة: حتى تطرد الملائكة من البيت، وتأتي الشياطين لتعشعش في هذا البيت المسلم. أختي الكريمة: من الذي أباح لك أن تعلقي هذه الصور؟ وما دورك في البيت؛ طباخة، كناسة، نعم هذا عمل شريف وعظيم، لكن أعظم من هذا أن تكنسي البيت من تلك الصور: (إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب أو صورة).

стр. 343

احذري الخادمات الكافرات أختي الكريمة: من الذي أباح لك أن تعلو في البيت أصوات الموسيقى والمعازف؟ بل من الذي أباح لك في البيت أن تأتي بأولئك الخادمات الكافرات اللواتي يربين الأبناء، وعلامَ يربين الأبناء؟ خادمة نصرانية، ألم تسمعي بطفل يعيش في بلاد المسلمين لأبوين مسلمين، كبر هذا الطفل فوجد يعلق على صدره صليباً، فلما سئل قال: مربيتي ومعلمتي هي التي علمتني، قالوا: أمك؟! قال: لا. بل الخادمة، لأنه يعيش مع الخادمة أكثر من الأم. أين دورك يا صانعة الأجيال؟ هل خلقنا لأجل مجالس اللغو والشاي والقهوة، ولنقلب المجلات، ولنقرأ الجرائد؟ ثم الأولاد من الذي يربيهم؟ الخادمة. أيا صانعة الأجيال أين دورك في البيت؟ أختي الكريمة: أنتِ حارسة للبيت، تمنعين الشر من دخوله، وكل ضلال وفساد إنما يعرض عليك قبل الدخول في البيت، ثم يمنع.

стр. 344

احذري الساحرات أختي الكريمة: البيت المبارك لا يسمح أن يدخل فيه كفر ولا زندقة ولا ضلال، وإليك ذلك الكفر الذي دخل بيوت المسلمين، اسمعي إلى هذا الكفر، وهذا نبأ عظيم، وأمر جلل دخل بيوت كثير من المسلمين فأفسدها، وهذا الأمر أرجو أن ننتبه له أيتها الأخوات، صار بعض النساء مجنونات، وصار بعضهن موسوسات، لا تعرف أباها من أمها، بل صار بعضهن لا تتحمل الصلاة ولا قراءة القرآن، أتعرفن لمَ؟ لدخول السحر والشعوذة في بيوت كثير من المسلمين. وإليك أيتها الأخت علامات تعرفين بها تلك الساحرات الكافرات الفاجرات، اللواتي أفسدن بيوت كثير من المسلمات، هذه العلامات احفظيها، وأرجو أختي الكريمة، أن تعلمي هذه العلامات لكل النساء، من جارات وصديقات وقريبات، علميهن هذه العلامات، علامات الكافرات الساحرات، اللواتي أمرنا الله أن نستعيذ من شرهن، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:١ - ٤]. إذا أردت أن تربي أهل بيتك على الصلاح والعفة، فاسمعي إلى علامات تلك الساحرات اللواتي أفسدن بيوت كثير من المسلمين:

стр. 345

التسمي بأسماء محببة إلى النفوس العلامة الأولى: أنها قد تسمى مطوعة: أو لعلها تسمى باسم من الأسماء المحببة إلى النفوس، لكن من علاماتها: بعضهن تسأل المريض -وهذه أمور أرجو أن نفضح بها كل الساحرات- عن اسمه واسم أمه، وماذا تريد من اسم أمه؟ وهؤلاء كثيرون من السحرة والساحرات يسألون عن اسم أم المريض، وذلك لأنهم يستغيثون بالشياطين وبمردة الجن ليعالجوا هذا المريض، ولن يستطيعوا أن يسلطوه على مريض أو على زوج أو على زوجة إلا بعد أن يعرفوا اسم أمه.

стр. 346

أخذ بعض آثار المريض العلامة الثانية: أنهن يأخذن أثراً من آثار المريض، إذا ذهبت إلى المطوعة، أو إلى رجل يسمى مطوعاً، أو شيخاً، أو عنده من هذه الأمور التي يلبس بها على كثير من الناس، وقال: أعطوني أثراً من آثاره، ثوباً، منديلاً، طاقية، غترة، ساعة، نعلاً، أي شيء من آثاره، إذا طلبه هذا الشيخ أو تلك المطوعة أو هؤلاء الدجالون المشعوذون، فاعلمن أنها ساحرة، وأنه ساحر، وحكم الساحر في الشرع أنه كافر بالله العظيم، وحده القتل. أيتها الأخوات! الأمر خطير، ليس الأمر شفاء مريض فحسب، الأمر كما قال ﵊: (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ تعلمن ما معنى كفر؟ معناها: أن الصلوات، وصيام رمضان، وقراءة القرآن، والصدقات كلها صارت هباءً منثوراً.

стр. 347

أمر المريض بذبح حيوان موصوف العلامة الثالثة: من علاماتهن: بعضهن يطلبن من المريض حيواناً، شاة، أو دجاجة، أو ناقة، لونها كذا، تذبح بغير أن يذكر عليها اسم الله، ثم تدفن في مكان كذا، أو ترمى في مزبلة كذا، أو في تلك الخربة، أو في ذلك المكان، أو عند غروب الشمس، أو عند شروق الشمس، صفة معينة يذبح بها هذه الشاة، شكلها كذا وصفتها كذا، بشرط ألاَّ يذكر عليها اسم الله، هذه إذا سمعتنها من امرأة أو رجل، فاعلمن أيتها الأخوات أنهم مشعوذون دجالون.

стр. 348

قراءة آيات ثم إلحاقها بتمتمات وطلاسم العلامة الرابعة: يبدءون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم، والفاتحة، ويقرءون بعض الآيات ثم يتمتمون ببعض الطلاسم، وهذه من علاماتهم، وهم يستغيثون بشياطين من الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦]. بعض الناس من العوام الجهلة، يسمون هؤلاء الجن أجاويد أو أجواد، وبعضهم عير ذلك، وهذا من الجهل والبعد عن شريعة الله جل وعلا، ولو كانت تقرأ القرآن لسمعت قوله جل وعلا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦]. كان هذا فعل الجاهلية، فعل الكفار، يستغيثون ويطلبون الإعانة والاستعانة من الجن. والمصيبة كل المصيبة أنه يلبس على الناس أن أسماءهم مطاوعة وشيوخ، وأنهم أهل دين، وأنهم أهل قرآن، بعضهم يعلق المصحف أو أنه يعلق بعض الآيات في بيته، وكل هذا دجل، وكذب وضحك على الذقون.

стр. 349

كتابة الطلاسم العلامة الخامسة من علاماتهم: أن بعضهم يأمر المريض أن يأخذ بعض الأوراق، مكتوبة فيها طلاسم، مربعات أرقام حروف. تكتب الآيات في الأعلى والأسفل وفي اليمين والشمال لكن في وسط الورقة طلاسم، وكلمات غير مفهومة، كلمات تضحكين عليها، حروف وأرقام، وهو كفر بالله، واستغاثة بالشياطين، هذه استعاذة واستعانة بغير الله جل وعلا، والله أمرنا ألا نستعين إلا به: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. بعضهم يقول للمريض: اجلس في غرفة مظلمة، لا يدخل عليك فيها أحد فترة معينة من الزمن، أياماً معدودة، هذه من علامات بعضهم. وبعضهم يطلب من المريض ألا يمس الماء مدة من الزمن، لا يغتسل ولا يتوضأ. وبعضهم يعطي المريض أشياء يقول: هذه خذها وادفنها في أرض كذا وكذا. وبعضهم يعطي المريض أوراقاً يقول: هذه احرقها وتبخر بها، وبخر البيت، وبخر الغرفة كل يوم بها. هذه كلها من علامات الدجالين المشعوذين، وبعضهم يتمتم بكلام غير معروف. وبعض الساحرين والساحرات يخبر المريض أول ما يدخل يقول: أنت فيك كذا، ومبتلى بكذا، ووقع لك كذا، وسقطت في الحمام، وأتاك فلان، وترى في المنام كذا، وما يدريك؟ إنه يدعي علم الغيب؟ لا. هو يستعين بالجن والشياطين، ليعلموه هذه الأمور. أختي الكريمة: يا صانعة الأجيال! بيوت المسلمين والمسلمات ممنوع عليها أن تدخلها أولئك الساحرات، لأن الله جل وعلا يقول عنهم: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]. كيف نتصرف معهن؟ نطردهن، نفضحهن، نمنعهن، نحاربهن في كل مجلس، تعلمن عن أم فلان؟ تعلمن عن فلانة المطوعة؟ ألا تعلمن أنها تفعل كذا وكذا؟ هي مشعوذة، هي ساحرة، هي دجالة، ولا تخافي إلا من الله، لأن الله يقول: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢] ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١].

стр. 350

واجب المرأة في التربية والدعوة أختي الكريمة: اجلسي في البيت، هل تعودت يوماً من الأيام أن تجلسي مع ابنك الصغير الذي عمره ست أو سبع سنوات تعلميه كتاب الله؟ هل جربت أن تجلسي مع البنت الصغيرة وتقرئي عليها الفاتحة، وتقرأ معك الفاتحة، والمعوذتين، وسورة الإخلاص، وإنا أعطيناك الكوثر؟ تعلمين الصبي الصغير كيف يتوضأ، والبنت الصغيرة تربينها منذ الصغر على العفاف والحياء، والحشمة، تعلمينها ولو كان عمرها ست أو سبع سنوات، أنها لا تخرج إلا متحجبة متعففة، لا تقلد الغرب، لا تقلد أولئك الكافرات، هل جربت أن تصلحي البيت؟ ما بال البيت أختي الكريمة لا نسمع فيه القرآن؟ ولا يتلى فيه كتاب الله جل وعلا، ما الذي جرى في البيت؟ بيوت الصالحات السابقات، إذا دخلت البيت ترينها آخر الليل الزوجة والزوج يقومان الليل، فإذا أذن الفجر استيقظ أهل البيت -كل من بلغ سبع سنوات- ليصلوا الفجر، ما بالنا في بيوتنا أختي الكريمة لا نرى في صلاة الفجر ضوء يضاء، ولا ناراً تشعل، ولا سراجاً يضيء؟ ما لنا أختي الكريمة! نرى البيوت لا تستيقظ إلا بعد طلوع الشمس، بيوت نسأل الله العافية، أزال الله عنها البركة؟ أختي الكريمة: يا صانعة الأجيال! أراك تذهبين إلى المدرسة، وتخالطين الفتيات، وتجلسين مع بعض المتبرجات، ما أراك تتكلمين بكلمة، أو تهديهن شريطاً أو كتيباً أو تنصحينهن بنصيحة؟! ألم تسمعي قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨]. أينما كنت أيتها الأخت الكريمة؛ في المدرسة، والبيت، والشارع، والسوق، والوظيفة، أنت داعية إلى الله جل وعلا، لا فرق بين الرجل والمرأة. المرأة تدعو النساء، والرجل يدعو الرجال في الفصل، وإذا خرجتن من المدرسة، إذا جلست بين الحصص تجلسين مع فلانة، تقولين لها: اسمعي هذا الشريط لعل الله أن ينفعك به، فلانة! ما رأيك بهذا الكتيب هو هدية مني إليك، فلانة! عندنا مجلس للذكر، نجتمع فيه عند بيت فلانة، نستمع إلى أحاديث النبي ﷺ ، نتدارس القرآن، نتعلم بعض الخير، ما رأيك أن تأتي إلينا إلى هذا المجلس؟ فلانة ما لي أراك لا تتحجبين، ألا تخافين من نار الله جل وعلا؟ ألا تخشين عقوبة الله؟ ألا تعلمين أن المتبرجة لا تدخل الجنة، ولا تجد رائحة الجنة؟ أختي الكريمة: عندما تذهبين إلى الأسواق، مالي أرى حالك كحال كثير من النساء، لا تبالي بحلال أو حرام، تخرج متعطرة، متبرجة، متزينة، وكأنها تقول للرجال: انظروا إلى هذا الجمال، وانظروا إلى هذا الوجه، ومن منكم يتبعني؟ ومن منكم يلحقني؟

стр. 351

التنبيه على بعض المنكرات في الأسواق أختي الكريمة: دورنا في الأسواق: أولاً: لا نخرج إلى الأسواق إلا متحجبات، محتشمات، متسترات، متعففات، بعض الأسواق لا يجوز لنا أن ندخلها، لأنها مريبة، بعض الأسواق فيها شبه، بعض الأسواق أيتها الأخت والله لو كنت صالحة عفيفة، لا يصلح أن تدخلي تلك الأسواق ولو كانت الحاجة ما كانت، الحمد لله لن تموتي من الجوع، الحمد لله أنت عندك ملابس تسترين بها العورات، ولا ينقصك شيء. بعض الأسواق أيتها الأخت الكريمة -وأنت تعلمين عنها- لا تسلم منها حتى الصالحات، ما نذهب إليها إلا لعلة إذا كان عندنا محرم. أختي الكريمة: بعض المحلات لا بد أن نقاطعها، نقاطع هذه المحلات التي تبيع أشرطة للأغاني، ومجلات خليعة، وملابس فاضحة، وتعلق بعض الصور التي هي أشبه ما تكون للنساء العاريات، هذه المحلات نقاطعها، وتلك المحلات نهجرها، بل نأمر الناس بحربها وبتركها، أيتها الأخت، هذه وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. مالي أراك أيها الأخت إذا ذهبت إلى السوق تكلمين البائع أو أخوك، وكأنه زوجك، تضحكين معه، وتتلطفين في العبارة معه، والله جل وعلا يقول لنساء النبي ﷺ وهن أشرف النساء على وجه الأرض: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب:٣٢] المرأة لا تتلين في الكلام، ولا تتميع في الحديث مع البائعين، والتجار، والمارين، بل بعضهن أعاذنا الله وإياكن من هذا، إذا رفعت سماعة الهاتف، وكأنها في الحديث تتميع وتتلين، وتخضع بالقول، كأنها تقول لهذا الرجل: هيت لك، أعوذ بالله من تلك الأساليب. بل إن بعض الصالحات، وكما حدثنا عنهن -ثبتهن الله- كانت إحداهن تدرس في كلية الشريعة وتدرس مادة القرآن على شيخ صالح، وهذه المادة فيها اختبار شفوي، وعليها درجات، هذه المرأة المتسترة صاحبة العفاف والحياء، تقول: تنازلت عن هذا الاختبار، وضحيت بتلك الدرجات وأخذت في الاختبار صفراً تقول: لا أريد أن يسمع رجل صوتي، لا أريد أن يسمع رجل صوتي. نساء المسلمين في الأسواق نسمع أصواتهن من خارج المحلات يضاحكن البائعين، وكأنهم أزواج لهن، وكأنهم إخوان لهن، إذا دخلت المحل أزالت الحجاب، تقول: حتى أرى البضاعة. أختي الكريمة: إذا كان هذا حالنا فلنعلم بأن الله سوف يؤاخذنا بما نفعل، ولعل العقوبة تكون في الدنيا قبل الآخرة. أختي الكريمة: إذا ذهبت إلى الأسواق، مالي أراك تشترين من الحلال والحرام؟ مجلات خليعة ما أنزل الله بها من سلطان، ادخلي المكتبات والجمعيات ماذا ترين فيها؟ مجلات تدعو إلى الجنس والشهوة، افتحيها ماذا فيها؟ فيها أخبار ممثلين وممثلات، ومسلسلات وأفلام، ودعوة إلى الفحش والدعارة، وبعض القصص الغرامية، تأتين بالمجلة، أولاً: حرام عليك أن تقرئي هذه المجلات، ثانياً: لو أتيت بهذه المجلة ورميت بها في البيت من يقرأ هذه المجلة؟ أيتها الأم! أيتها الزوجة! لنكن صادقين، إذا الزوج فتح المجلة، ونظر إلى تلك الصورة الجميلة، أتعرفين ماذا سوف يفعل؟ سوف يستقبح صورتك، وسوف يكره منظرك، لأنه نظر إلى صورة أجمل من صورتك، إذا شاهد تلك المسلسلات، ونظر إلى تلك الصور الابن المراهق، تعلمن أيتها الأخوات ماذا سوف يحدث؟!

стр. 352

الانتباه للأطفال وصونهم من الانحلال الآن في هذا المجتمع، وفي هذه البلد نسأل الله أن يعافينا، يقول لي أحد الإخوة: أن بعض صغار السن، ما تجاوز اثنتي عشرة سنة، تعلمن ماذا يفعل؟ يتعاطون المخدرات، من التي ربته؟ ومن الذي رباه؟ ومن أي بيت تخرج؟ وما قرأ؟ وكيف رضع؟ وأين عاش هذا الشاب؟ هذا أمه منذ الصغر ما كانت تعرفه، ما كان يعرف إلا هذه الخادمة وذلك السائق، ثم لما كبر شيئاً ما، خرج من البيت لا يأتي إلا في منتصف الليل، أين الأم؟ مع سماعة الهاتف، أو أمام المسلسل، أو تقلب المجلات إلى منتصف الليل، وجاء إلى غرفة المجلس رأى تلك المجلات، وهذه الأفلام والأشرطة، فأخذها وذهب إلى الغرفة وأغلق على نفسه الباب، ليكمل مسيرة الفساد، والذي أفسده؟ الأم والأب: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها).

стр. 353

واجب المرأة تجاه منكرات الأعراس أختي الكريمة: يا صانعة الأجيال! تستطيعين أن تغيري شيئاً كبيراً في هذا المجتمع، ولك دور عظيم، تستطيع هذه المرأة أن تغير كثيراً من مراسيم الزواج، ومن العادات البالية، ومن التقاليد التي عفا عليها الدهر وهي مخالفة لشرع الله، وإليك بعض الأمور التي أنت أيتها الأخت تستطيعين أن تغيريها بإرادتك، وباستطاعتك، وبالوقفة الصادقة من النساء الصالحات يستطعن أن يغيرن هذه العادات الدخيلة على عاداتنا، وعلى مجتمعاتنا، وأقصد مجتمعات المسلمين، ومجتمعات الصالحين. أولاً: المرأة في هذا الزمن -إلا من رحم الله- لا تبحث عن رجل صالح، بل تبحث عن رجل وسيم، صاحب سيارة ضخمة، وصاحب منصب، وصاحب رفعة، واسمه كذا، ومن القبيلة الفلانية، هذا الذي تبحث عنه كثير من المسلمات، هداهن الله، قال النبي ﷺ : (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه؛ إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض). غلاء المهور: بعض المسلمات يفتخرن على غيرهن، تقول: كم مهرك؟ أنا مهري خمسة آلاف فقط!!! فتجيبها خمسة آلف يا مسكينة! أنا مهري سبعة آلاف، وما تدري هذه الجاهلة أن المهر كلما زاد كلما قلت بركة المرأة، وهذا بنص حديث النبي ﷺ ، قال: (أقلهن مؤنة -أي مهراً- أكثرهن بركة) يعني: التي مهرها عشرة دنانير أعظم بركة من التي مهرها ألف دينار، والتي مهرها ألف دينار أعظم بركة من التي مهرها ألفين، ما بالك بالتي مهرها سبعة آلاف أو ثمانية آلاف دينار، أين البركة فيها؟! لعلك تقولين: أنا مجبورة، وأنا مقيدة بالعادات. أقول لك يا أمة الله: قوليها صريحة: بأنني لا أريد إلا ما أجهز به نفسي للعرس، ولا أظن أن امرأة تريد أكثر من ألف دينار لتجهز نفسها، ولكنها العادات، نسأل الله أن يعافينا منها، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء:٢٦ - ٢٧]. في بعض عادات النساء في الأفراح تسمع أصوات الغناء، والدفوف، والطار، وبعض المعازف والأغاني تخرج خارج الصالات، وخارج البيوت مكبرات ليسمع تلك الأصوات كل من مر عند البيت، وكل الجيران، وهذا حرام، فالذي أباحه لنا الشرع دف تضربه بعض الجواري بينهن ولا يسمعهن الرجال، ومعه كلمات لا تشتمل على فحش ولا على بذاءة ولا على سب ولا ما يخالف الدين، وكلام بسيط، وذلك الدف بغير معازف ولا أغاني هذا الذي أباحه لنا الشرع في العرس. ثم أختي الكريمة: بعض الأعراس يكون فيها السهر، حتى إن بعض النساء تخرج في الساعة الثانية عشرة، أو الواحدة ليلاً، فتذهب لتنام وتترك صلاة الفجر. وما يحدث في كثير من الأعراس من تبرج واختلاط، حتى إن بعض الرجال يدخل صالة الأفراح، ومن الذي أباح للزوج أن يدخل في الصالة يأخذ زوجته يقول: هذه عادة؛ لكن يدخل في الصالة ويجلس مع الزوجة أمام النساء ليتمتع برؤية الوجوه، ليرى نساء جميلات وإذا نظر إلى زوجته عافها واستقبحها وكره منظرها، لأنه رأى خمسمائة أو أربعمائة امرأة كل واحدة أجمل من الأخرى، من الذي أباح له أن يدخل؟ ومن الذي سمح له أن يدخل على النساء؟ هل هو رجل أم امرأة؟ فإن كان رجلاً فلنحترم أنفسنا ولنعظم شرعنا، بأنه لا يجوز له أن يدخل كما قال ﵊: (إياكم والدخول على النساء، قال رجل: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت، الحمو الموت). أختي الكريمة: يا صانعة الأجيال! كما قلت لك: إن الفساد كثير، والمنكرات كثيرة، فلنخرج من هذه الصالة كل واحدة منا بيدها وفي لسانها وبجهدها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، تدخل في البيت تفتش، تذهب إلى المدرسة تأمر بالمعروف تنهى عن المنكر، وفي الوظيفة، وفي كل مكان بالضوابط الشرعية بينها وبين النساء، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وقائدنا وشعارنا: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود:٨٨]. أسأل الله العلي القدير أن ينفعنا بما سمعنا، هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 354

صفات المنافقين إن النفاق داء عضال قد انتشر في هذه الأمة، وقد بين الله ورسوله ﵊ صفات المنافقين للحذر منها والابتعاد عنها؛ لأن النفاق خطر يوشك أن يخرج صاحبه من الدين إن كان نفاقاً أصغر، وإن كان نفاقاً أكبر فإنه يخرج صاحبه من الملة بالكلية.

стр. 355

حقيقة المنافقين إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المسلمون: إن مما ابتلى الله به هذه الأمة: أن جعل بين صفوفها صنفاً من الناس لا تعرفهم، يتكلمون بألسنتنا ويدَّعون ويظهرون الإسلام والإيمان، ولكنهم في حقيقتهم كفار، يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان، يصلون مع المؤمنين، ويصومون معهم، ويحجون معهم، ويجاهدون معهم، لكنهم كفروا بالله العظيم. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:٨ - ١٠]. إنها فتنة عظيمة في هذه الأمة، وبلاء عريض قد انتشر فيها، وهذه من حكمة الله جلَّ وعلا، أن يبتلي المؤمن فيراه يصبر أو لا يصبر، ويراه ينخدع بهم أو لا ينخدع بهم، ولم يترك الله هذه الأمة إلا وقد بين لهم صفات هؤلاء المنافقين: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٠]. وقد ذكر الله كثيراً من صفاتهم؛ بل جعل لهم سورة كاملة سماها باسمهم، وجعل أغلب سورة براءة وسورة التوبة في التحذير منهم وفي بيان صفاتهم، فاسمع رعاك الله إلى بعض أوصاف هؤلاء المنافقين، ولا تعجب إن رأيت بعضهم يصلي، وإن سمعت بعضهم ينطق الشهادتين، وإن علمت أن بعضهم يحج إلى بيت الله الحرام، فهو وإن كان هذا ظاهره؛ فباطنه الكفر بالله العظيم.
следующие страницы →