← Джавами‘

Джавами‘ · id 7717

دروس للشيخ نبيل العوضي

نبيل العوضي

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

العلامة السابعة: انتشار الربا السابعة من العلامات انتشار الربا، حتى لا تكاد تجد مكاناً إلا وفيه دار للربا، بل قال ﵊: (بين يدي الساعة يظهر الربا) أي: ينتشر الربا، وفي البخاري: (حتى تجد الرجل لا يبالي عن كسبه، هل من حلال، أو من حرام) لا يهتم، يشتري البضائع، ويشتري السيارات، ويتعامل مع الناس، ولا يبالي، هل من حلال أو من حرام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨] فإن رأيت بنكاً ربوياً في أي مكان، فاعلم أن هذا علامة من علامات الساعة، واعلم أن التعامل معه يقرِّب الساعة، وأن ظهورَها في المجتمعات شرطٌ من أشراطها.

стр. 387

العلامة الثامنة: انتشار المعازف واستحلالها ومن علامات الساعة: أن تنتشر المعازف -أي: الموسيقى- وتُسْتَحل بين الناس. وانظر إليها -يا عبد الله- في مجتمعاتنا، في المدارس، وفي بعض المستشفيات، وفي المجتمعات، حتى إنك تجد هذه المعازف لا يخلو منها بيت من بيوت المسلمين، قال ﵊: (سيكون في آخر الزمان -واسمع إلى هذا اللفظ، قال: آخر الزمان، أي: إذا وقع فاعلم أن هذا الزمان هو آخر الزمان، والساعة قريبة- قال: خسف وقذف ومسخ) وفي حديث صحيح آخر: (أن منهم من يُمْسَخ إلى قرد، ومنهم من يُمْسَخ إلى خنزير -أجارنا الله وإياكم- قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهرت المعازف والقَيْنات) أتعرفون مَن هُنَّ القَيْنات؟ إنهن المغنيات اللواتي قد انتشرن في هذه المجتمعات، والحديث في صحيح الجامع ورواه ابن ماجة.

стр. 388

العلامة التاسعة: انتشار عقوق الوالدين أن تجد البنت تتطاول على أمها، والولد يتطاول على أمه ويعقُّها، هذه من علامات الساعة، قال ﵊: (سأخبرك عن أشراطها -أي: الساعة- إذا ولَدَت الأَمَةُ ربَّتَها، وفي - صحيح مسلم -: إذا ولَدَت الأَمَةُ ربَّها) أي: أن تجد البنت والولد يعقان أمهما، ويتطاولان عليها، حتى أصبحت هذه الضعيفة والمسكينة لا تستطيع أن تأمر ولدها ولا ابنتها، حتى وجد في بعض المجتمعات أن يشتكي الولد بأمه وأبيه، ويبلغ الشرطة عن أمه وأبيه، أتعرفون لِمَ يا عباد الله؟ لأنه قد منعه الحرية، في أن يعاشر النساء، وأن تخالط البنت مَن تشاء من الرجال.

стр. 389

العلامة العاشرة: كثرة التجارة من علامات الساعة -وهي الأخيرة- كثرة التجارة بين الناس، حتى يصبح أكثر الناس أهل تجارة وأهل أموال، ولا يفكرون من الصباح إلى المساء إلا بالدينار والدرهم، قال ﵊: (بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفُشُوُّ التجارة حتى تشارك المرأة زوجَها في التجارة) رواه أحمد، وهو صحيح، بل إن بعض الرجال يُرغِم زوجته أن تدخل معه في التجارة، ويُرْغِمها أن تشاركه في المال والدينار. هذه -يا عبد الله- بعضٌ مِن علامات الساعة، وإلا فهي كثيرة، وما وقع منها كثير. عبد الله: قال الله جل وعلا: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] أي: جاءت علاماتها وجاءت أماراتها، هل تنتظر -يا عبد الله- أن تقع عليك، فإنها لن تقوم إلا على شرار الخلق، وإنها إذا قامت وأنت حي -يا عبد الله- فاعلم أنه مَن تقع عليه الساعة فهو من شرار الخلق، فسَل الله ألا تقوم وأنت حي موجود على وجه هذه البسيطة. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اللهم أعداءك أعداء الدين. اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 390

فضل الصيام إن شهر رمضان شهر عظيم ينتظره المسلمون بفارغ الصبر يعدون أيامه ولياليه عداً، ولابد لنا قبل قدوم هذا الشهر الكريم أن نتعلم أحكامه وفقهه وآدابه، وما يجب فيه وما يحرم حتى يكون صومنا صحيحاً متقبلاً.

стр. 391

أصناف الناس في استقبال شهر رمضان إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المسلمون! يهل علينا بعد أيام قليلة شهر هو من أعظم الشهور في العام -شهر رمضان المبارك- هذا الشهر الذي ينتظره المسلمون بفارغ الصبر ينتظره عباد الله الصالحون، يعدون الأيام والليالي عداً، حتى إذا جاء ذلك الشهر فرحوا بقدومه، واستبشروا به، والناس في قدوم هذا الشهر أحوال وأصناف وأجناس، فمنهم: من يفرح بقدوم هذا الشهر ليروج بضاعته في هذا الشهر، فهو يفرح لا لله؛ لكنه يفرح لتجارته. وذاك رجل آخر يفرح بقدوم هذا الشهر لتلك المسلسلات والأفلام والبرامج التي تُعرض في التلفاز، فهو يفرح؛ لكن ليس لله ، ولا للدين؛ لكنه يفرح لأمر في نفسه. وآخر يفرح لأجل الليالي التي يقضيها في رمضان في لعب، ولهو، وسمر، وطرب، ومعصية لله ، فهو يفرح؛ لكنه خاب وخسر بهذا الفرح. أما المؤمنون الصادقون، فإنهم يفرحون بقدوم هذا الشهر؛ لأنه شهر الرحمة وفيه ليلة خير من ألف شهر؛ لأنه شهر المغفرة.

стр. 392

فضائل شهر رمضان اعلم -يا عبد الله- أن المؤمن والعاقل منا لا يضمن نفسه أنه سوف يدرك هذا الشهر، فليكن متأهباً له فرحاً به، فلربما يؤجر بقيامه وصيامه وإن لم يأتِ عليه هذا الشهر. هذا الشهر يقول فيه ﵊: (إذا جاء رمضان فُتِّحَت أبواب الجنان): فُتِّحَت يا عبد الله أتعرف أبواب ماذا؟! إنها أبواب الجنان! أبوابٌ إذا فتحت خرجت رائحة من الجنة تُشَمُّ على مسيرة أربعين عاماً. أبواب الجنان التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، سوف تفتح بعد بضعة أيام، فكن مستعداً لها فلربما تُكتب من أهلها، وأنت لا تعلم. قال: (وغُلِّقَت أبواب النيران) نعم -يا عباد الله- فالنار في شهر رمضان مغَلَّقة، بل يكتب الله في كل ليلة عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة من ليالي رمضان. فاحرص أن تكون من العتقاء من النار في شهر رمضان، (فرغم أنفه من أدرك رمضان ولم يُغفر له). (ينادي منادٍ في رمضان: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] لم يكتبه الله جلَّ وعَلا مشقة ولا تعذيباً، ولا تكليفاً فقط ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] فلستم أول الأمم يا أمة محمد ﵊؛ فالأمم التي سبقتكم قد كتب عليهم الصيام، فهوِّنوا عليكم، وارفقوا بأنفسكم، واعلموا أنكم لستم أول الأمم. قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] فهذا هو غاية الصيام، وتلك هي أهدافها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] بل يعينك الله جلَّ وعَلا في شهر رمضان حتى تصل إلى التقوى، فتصفد الشياطين ومردتها، وكم نسمع في شهر رمضان من مذنب أقبل على التوبة! ومن متبرجة تحجبت! ومن تارك للصلاة صلى! ومن بخيل أدى زكاة ماله! ومن مذنب بكى لله وخشع! ومن فاسق فاجر أقبل على الله بالطاعات والحسنات؟! لِمَ يا عبد الله؟! لأنه شهر التقوى والرحمة (رَغِمَ أنفُه، ثم رَغِمَ أنفُه، ثم رَغِمَ أنفُه من أدرك رمضان ولم يُغفر له) شهر الرحمات -يا عبد الله- تتنزل فيه الرحمات، وتقبل فيه الأعمال، بل من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه. إذا فاتك هذا الفضل، أي صمتَ ولم يُغفر لك فاعلم أن (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه) فإن قمت رمضان ولم يُغفر لك فالفرصة ثالثة لا تفوتك: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدم من ذنبه) ليلة القدر يا عبد الله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر:٢ - ٥]. أتعرف ما هو الصيام يا عبد الله؟! ليس هو امتناع عن الأكل والشرب والجماع وغيره من المفطرات، بل هو شهر الصيام الذي يتلذذ به الصائمون لمن تترك طعامك وشهوتك يا عبد الله؟ لله جلَّ وعَلا، يقول الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي) من الذي أمر به؟ الله، ولمن تصوم؟ لله، ومن الذي يثيب عليه؟ الله (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به). من يمنعك -يا عبد الله- إذا خلوت في بيتك بمفردك فأكلت وشربت؟! مَن عَرفك؟! ومن اطلع عليك؟! ومن الذي علم بك؟! من الذي يمنعك عن الطعام والشراب وأنت في السر وحدك؟! إنها مراقبة الله (إلا الصوم فإنه لي) سر بين العبد وربه (وأنا أجزي به) أتعرف ما ثواب الصائم -يا عبد الله- إذا لقي الله جلَّ وعَلا؟ الناس يدخلون من أبواب الجنان إلا الصائمين، فلهم باب مخصص بهم، لا يدخله غيرهم إنه الريان، وما أدراك ما الريان! صبروا على الصيام فوفاهم الله أجورهم، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].

стр. 393

الفطر في رمضان بغير عذر كم من الناس -أعاذنا الله وإياكم- مَن يفطر في نهار رمضان بغير عذر أباح الله له فيه الفطر؟! اسمع إلى هذا الحديث الخطير الذي يبين فيه ﵊ عقوبة المفطرين في نهار رمضان، والحديث عن أبي أمامة، قال ﵁: قال رسول الله ﷺ : (أتاني في المنام آتيان، فأخذا بعضُدَي، ثم قالا لي: انطلق، قال: فانطلقتُ فإذا بجبل وعر، فقالا لي: اصعد، قلت: لا أطيقه، قالا: سنسهله عليك، قال: فصعدتُ، فلما كنت في سواد الجبل فإذا بأصوات شديدة، قلتُ: ما هذا؟ قالا: هذا عُواء أهل النار، ثم قالا لي: انطلق! فانطلقتُ فإذا بأقوام معلقون بعراقيبهم، مشققة أشداقُهم -شفاههم ووجوههم مشققة- تسيل دماً، فقلتُ: سبحان الله! مَن هؤلاء؟ قالا: هؤلاء الذي يفطرون قبل تحلة صومهم). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] لا تستثقله -يا ضعيف الإيمان- فإنه ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ ثلاثون أو أقل يأتي ويذهب كلمح البصر، ولا يشعر به الصالحون، بل يتمنون بقاءه، أما ضعاف الإيمان -المذنبون أهل الشهوات- فإنهم يستثقلونه والعياذ بالله.

стр. 394

شهر رمضان شهر القرآن والدعاء شهر رمضان -يا عبد الله- أنزل الله فيه القرآن كله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نُزِّل منها إلينا خلال ثلاث وعشرين سنة، من السماء الدنيا إلى الأرض مُنَجَّماً ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥].

стр. 395

قراءة القرآن في رمضان عند السلف كان الإمام الشافعي ﵀ يختم القرآن في رمضان ستين مرة، أي: في كل يوم يختم القرآن في النهار مرة، وفي الليل مرة، عرفوا قدر هذا القرآن، لعلك تقول: السنة في كل ثلاثة أيام؟ أقول لك: لشهر رمضان ميزة وخاصية، لا تعدلها في غيرها. وهذا الإمام مالك عليه رحمة الله -إمام دار الهجرة - كان في شهر رمضان يترك المجالس والكتب كلها، إلا مجالس القرآن الكريم، وتلاوة القرآن. هؤلاء سلفنا الصالح كانوا في شهر رمضان لا يعرفون إلا القرآن، يتركون كتب العلم؛ لأجل مدارسة القرآن. هلاَّ كنا مثلهم يا عباد الله؟! نعكف على قراءة القرآن نتدبره ونتلوه، ونقوم الليل به، ونحفظ آياته وأحكامه. يا عباد الله؟! هلاَّ كنا مثلهم نستعد في شهر رمضان للقرآن؟!

стр. 396

استجابة الدعاء في رمضان للصائم دعوة لا ترد أتعرف ما هي الدعوة؟! قال بعض أهل العلم: إنها قبل الإفطار. فاستعد يا عبد الله قبل أن يؤذن المؤذن لغروب شمس يوم في نهار رمضان أن ترفع يدَيك إلى الله، وتستقبل القبلة، وتدعو الله جلَّ وعَلا أن يتقبل منك صومك، ويعتقك من النار، ويغفر ذنوبك، فادعُ الله، فإن لكل صائم دعوة مستجابة، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]. عباد الله! إنه شهر المغفرة والرحمة!

стр. 397

شهر رمضان شهر الإقلاع عن المعاصي هل يصح لنا في هذا الشهر أن نستمر على معصية الله جلَّ وعَلا؟! وهل يصح لأولئك الذين يعكفون على التلفاز، ويستمعون إلى الأغاني، وينظرون إلى الأفلام، أن يصروا على لهوهم وطربهم ومعاصيهم؟! هل يصح لأولئك أن يظلوا على تركهم للصلاة؟! ولهؤلاء على أن يتابعوا النساء؟! ولأولئك أن ينظروا للحرام؟! ولهؤلاء أن يأكلوا الربا؟! يا عباد الله! ألا يحق لنا في ذلك الشهر أن نكف عن المعاصي والآثام؟! وأن نستعد للتوبة من الذنوب والآثام؟! وأن نستعد للقاء الرحمن جلَّ وعَلا؟! ألا يحق لنا في هذا الشهر ألا يخرج رمضان إلا وقد غفر الله لنا ذنوبنا؟! (مَن لَمْ يَدَعْ قولَ الزور والعملَ به، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) فماذا يغنيك -يا عبد الله- أن تترك الطعام والشراب والجماع الذي هو مباح، ثُم ترتكب الحرام، فتستمع للغناء، وتأكل الربا، وتترك الصلاة، وتنظر إلى النساء، وتفعل المُحرَّمات (فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه). أقول هذا القول، وأستغفر الله.

стр. 398

أدلة وجوب صيام شهر رمضان وشروط الصيام الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: أيها الإخوة المسلمون! صوم رمضان واجب بالكتاب، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣]. وواجب بالسنة، قال ﵊: (بُني الإسلام على خمس وذَكَر منها: صيام رمضان). وبالإجماع: فقد أجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان. فقال أهل العلم: صوم رمضان واجب على كل من: ١ - المسلم: فالكافر لا يجب عليه صيام رمضان، وسوف يُحاسب به عند الله. ٢ - العاقل: فالمجنون لا يجب عليه صيام رمضان، وكذلك إذا كَبُر الرجل أو المرأة، فذهب عقله أو ذهب عقلها، أو أصابه الكِبَر أو أصابها، فأصبح لا يعرف شيئاً، فهذا لا يجب عليه الصوم، ولا يجب أن يُصام عنه، ولا يُطعم عنه عن كل يوم مسكيناً، فقد رفع الله عنه القلم. ٣ - البالغ: فالصبي الذي لم يحتلم، والبنت التي لم تبلغ لا يجب عليهما الصيام؛ لكن يعوَّدون منذ الصغر، كما كان الصحابة يعودون أولادهم الصغار منذ الصغر على الصيام، ويلهونهم باللعب وبغيره عن الطعام والشراب، فيُعَوَّد الصغير، وتُعَوَّد الصغيرة منذ الصغر على الصيام حتى يُعْتاد عند الكِبَر. ٤ - القادر: فالعاجز الذي لا يستطيع الصوم كالمريض لا يجب عليه الصوم، فإذا كان مرضه يُرجى برؤه، فإنه يقضيه بعد أن يشفى إن كان المرض لا يُرجى برؤه، وسوف يستمر معه حتى الموت إلا بعلم الله وبإذنه، فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً. ٥ - المقيم: فالمسافر لا يجب عليه الصوم، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]. ٦ - التخلي من الموانع: فالمرأة الحائض وكذا النفساء لا يجب عليهما الصوم، ويقضيان بدلاً عنه أياماً أُخر.

стр. 399

مبطلات الصيام عباد الله: ليس من المفطرات شيء إلا ما بَيَّنَه الله جلَّ وعَلا وبَيَّنَه رسوله ﵊:

стр. 400

الأكل والشرب من مفطرات الصوم: الأكل والشرب، قال الله جلَّ وعَلا: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] فإذا أكل الإنسان أو شرب في نهار رمضان فقد أفطر، إلا إن كان ناسياً، إن أكل ولو كان طعاماً غير مُغَذٍّ ولا مشبع أو غير نافع، كأن يكون ضاراً فإنه أفطر، إلا إن كان ناسياً أو مكرهاً أو غير عامد.

стр. 401

الجماع كذلك من المفطرات: الجماع، فمن جامع زوجته في نهار رمضان متعمداً عالماً فقد أفطر، وعليه القضاء والكفارة، سواءً أنزل أو لَمْ يُنْزِل، فإن من المسلمين -هداهم الله- من يظن أنه يجوز له أن يجامع بشرط ألا يُنْزِل، ونحن نقول: الجماع يوجب القضاء والكفارة سواءً أنزلت أم لَمْ تُنْزِل.

стр. 402

التقيؤ عمداً ثم من المفطرات -يا عباد الله- الاستقياء، بأن يتعمد الإنسان أن يُخْرِج ما في بطنه سواء أكان بإصبعه أو بعود، أو بتعَمُّدِ شَمِّ رائحةٍ كريهة، أو بتعَمُّدِ عَصْرِ بطنِه، أو بغيرها من الوسائل، فإذا تعمد إخراج ما في بطنه فقد أفطر، وعليه القضاء. فإن خرج ما في بطنه رغماً عنه بغير قصد ولا تعمد، فلا شيء عليه، وصومه صحيح، قال ﵊: (مَن ذَرَعَه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فليقضِ) أي: مَن تعمَّد إخراج ما في بطنه.

стр. 403

إخراج المني كذلك من المفطرات: إخراج المَنِي بشهوة، أو بمباشرة، أو بتعَمُّد، فمن أخرج مَنِيَّه -ماءه- بتعَمُّد سواءً أكان بيده، أو بفراشه، أو بمباشرة زوجته بغير جماع فقد أفطر، وعليه القضاء ولا كفارة. أما من خرج ماؤه وهو نائم فاحتلم، فاستيقظ فرأى الماء، فلا شيء عليه، وصومه صحيح.

стр. 404

الحجامة قال بعض أهل العلم من المفطرات: الحجامة، فقد قال ﵊: (أفطر الحاجم والمحجوم) فاحتياطاً يترك الإنسان الحجامة.

стр. 405

الأمور التي لا يبطل بها الصيام ومن الأشياء التي لا تفطر، ويظن بعض الناس أنها تفطر: ١ - بلع الريق:- فمن بلع ريقه فإنه غير مفطر، إلا إن أخرج النخامة إلى فمه فإنه احتياطاً يخرجها ولا يبتلعها مرة أخرى. ٢ - السواك:- وما يُروى من حديث: (استاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي) فغير صحيح، فالسواك سنة أول النهار، وآخر النهار، أما ما يوجد هذه الأيام من سواك مضاف إليه طعم بالنعناع أو الليمون أو غيره فإنه يُتْرك في نهار رمضان، لأن فيه مادة تُزاد على طعم السواك، فلا يجوز لك أن تتسوك به في نهار رمضان. ٣ - وكذا من غير المفطرات التي لا تؤثر في الصيام: الاغتسال؛ فمن اغتسل في نهار رمضان فلا شيء عليه. ٤ - وكذا من أصبح جُنُباً: فمن جامع زوجته بالليل فنام، ثم أذن الفجر وهو نائم، فاستيقظ ولم يغتسل، فصومه صحيح، فليغتسل وليتم صومه. ٥ - وكذا بالنسبة للنساء: الحِنَّاء، والاكتحال، فإنهما لا يفطران. ٦ - القطرة؛ فإذا كانت في العين أو في الأذن، فإنها لا تفطر. ٧ - وبالغ -يا عبد الله- في الاستنشاق والمضمضة إلا أن تكون صائماً. ٨ - من الناس من يظن أن الحقن جميعها تفطر الصائم، وهذا غير صحيح؛ إلا الحقنة التي تغني عن الطعام والشراب، فإنها تفطر صاحبها. عباد الله! لا بد لنا قبل قدوم شهر رمضان أن نتعلم أحكامه، وفقهه، وآدابه، وما يجب فيه وما يحرم حتى لا نقع في المحظور، ثم يأتي الناس فيسألون عن صومهم، فإذا هم قد أبطلوه.

стр. 406

حكم تقدم رمضان بصيام وحكم تبييت النية عباد الله! يقول ﵊: (لا تقدموا شهر رمضان بصوم يوم ولا يومين؛ إلا صوماً كان يصومه أحدكم) فإذا كان اليوم الأخير من شهر شعبان فلا نصومه احتياطاً، حتى لا يكون من رمضان (من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم) إلا من كان معتاداً على صيام أيام فليصُمها ولا حرج عليه. ويجب على كل مسلم أن يبيت نية الصوم قبل أذان فجر أول يوم من رمضان فلا صوم لمن لم يجمع الصيام قبل الفجر، إذا لم تعزم ولم تقصد في قلبك أنك تصوم غداً، فإذا أذن الفجر وأنت غير عازم على الصيام، فلما أذن الفجر نويته بعد الأذان فإنه لا صوم لك -يا عبد الله- إلا ما كان نافلة. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اللهم أعداء الدين.

стр. 407

كيف تقوي إيمانك؟ (١) لقد بلغ سلفنا الصالح في قوة الإيمان والخوف من الديان مبلغاً عظيماً، وما ذاك إلا لأنهم علموا حقيقة الدنيا فاستدركوا الأمر قبل فواته. أما في حاضرنا فقد انتشر ضعف الإيمان إلا فيمن رحم الله، فرُكن إلى هذه الدنيا وشهواتها ولذاتها وزينتها ونسي لقاء الله وغفل عنه. والتوبة، والتفكر في المصير النهائي الذي يصير إليه العبد من أهم العوامل التي تساعد على تقوية الإيمان.

стр. 408

ظاهرة ضعف الإيمان عند الملتزمين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين. وبعد: فيسر اللجنة الثقافية بجمعية التربية الإسلامية أن ترحب بكم وتشارككم في هذه الفعاليات للمخيم الشتوي، والتي نلتقي في هذه الليلة مع فضيلة الشيخ/ أبي علي نبيل العوضي إمام وخطيب جامع صفوان بن أمية بـ الكويت، وكما قد عرفه بعض الإخوة، وهو من إخواننا الطيبين والذي له أثره، وبعض أشرطته المنتشرة -ولله الحمد- قد لاقت قبولاً عند كثيرٍ من الناس. فنسأل الله أن يوفقنا وإياه لما يحبه ويرضاه، ونسأل الله لنا وله الإخلاص في القول والعمل. ونترك المجال الآن مع فضيلة الشيخ ليلقي كلمته. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: العنوان كما تشاهدون: (كيف تقوي إيمانك؟) والمتكلم أحوج بهذا العنوان من السامع، وكل منا أدرى بنفسه، وكما قيل: يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعفُ عني قال بعض السلف: "لو كان للذنوب رائحة لم يطق أحدٌ أن يجلس عندي؛ ولكنه ستر الله جل وعلا". فنسأله بعد الستر العفو. العنوان هو: (كيف تقوي إيمانك؟) اسمع يا عبد الله إلى هذه الأمثلة من قصص سلفنا وحياتهم كيف كانوا يعيشون وكيف نعيش؟! الواحد منا في بداية التزامه وهدايته يكون عنده حماساً وحرصاً وذكراً وخوفاً من الجليل، أما الآن فقد تغير الحال، بدأ هذا الشاب الملتزم يستمع إلى بعض الأغاني بدأ هذا الرجل الملتزم ينام عن صلاة الفجر ما الذي جرى؟ بدأ إذا مشى في الأسواق ينظر يمنة ويسرة ينظر لهذه ويلتفت إلى تلك ما الذي جرى؟ الإيمان قل وضعف، كان في السابق لا ينام الليل حتى يقومه أبداً لا ينام الليل كله، أما الآن فتمر عليه الليلة والليلتان والثلاث فلا يصلي حتى الوتر، كان في السابق يصوم الاثنين والخميس ويريد أكثر، أما الآن فيمر عليه الشهر وهو لا يصوم حتى ثلاثة أيام ما الذي جرى؟ يرى المنكرات فلا يشمئز قلبه، ولا يغضب لله، ولا يتكلم المنكرات تلو المنكرات ما الذي حدث؟ إن مؤشر الإيمان قد ضعف يقرأ القرآن وكأنه صحيفة أو مجلة يستمع إلى الآيات والمواعظ وكأنها حكايات ما الفرق وما الذي جرى؟ إنه الإيمان، فالقلب هو القلب؛ لكن الإيمان ضعف.

стр. 409

حقيقة الإيمان عند السلف الصالح

стр. 410

الحسن البصري وشدة خوفه من الله اسمع -يا عبد الله- إلى الحسن البصري عليه رحمة الله: قام ليلة من الليالي فزعاً من نومه فأخذ يبكي! ما الذي جرى؟ ما الذي حدث؟ يبكي بكاءً شديداً حتى أبكى أهل الدار جميعاً، فلما هدأ قالوا: ما لك يرحمك الله؟ قال: ذكرت ذنباً لي فبكيت، قال الله -جلَّ وعلا- عن أحوال هؤلاء لأنهم تدبروا تلك الآيات أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥] أرأيت مؤشر الإيمان! ذنب يبكيه ليلة كاملة، ونحن -والله المستعان- إلا من رحم الله ذنوبنا تترا، وآثام ومعاصٍ؛ بل حتى الكبائر والرجل يضحك ويلعب علامَ تلعب؟! ولِمَ تضحك وتلهو وأنت تعصي الله جلَّ وعلا؟ ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ [الأنعام:١٥] مِمَّ تخاف؟ ومِمَّ تخشى؟ ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥]. هذا الحسن البصري أتعرف كيف كان يعيش؟ كان هذا الرجل يروي عن رسول الله ﷺ حديث: (يخرج من النار رجل بعد ألف عام) تُرى يا عبد الله! لو حُكِيْتَ هذا الخبر ماذا تقول؟ أعوذ بالله! ألف سنة يمكث في النار؟ ونار الآخرة ضُعِّفت عن نار الدنيا بسبعين مرة، ويأكلون فيها الزقوم، والغسلين، والغساق، والصديد، والحميم أعوذ بالله! ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاش﴾ [الأعراف:٤١] ألف سنة في هذه النار أتعرف ماذا قال الحسن البصري؟ قال: [يا ليتني أكون هذا الرجل] المهم أنني أخرج من النار، ولو كان بعد ألف عام. اسمع -يا عبد الله- ماذا يُروَى عن الحسن البصري! يقال: إن النار كأنها لم تخلق إلا له، من بكائه وخوفه من الله، ومن قوة إيمانه.

стр. 411

قوة إيمان الإمام مالك بن أنس هذا الإمام مالك ﵀، قام ليلة من الليالي -طوال الليل- وهو قابض على لحيته، وهو يقول: "يا رب يا رب! قد علمتَ ساكن الجنة من ساكن النار ففي أي الدارَين مالك ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] لا يستطيع أن ينام كيف ينام والنار تسعر تحته؟! كيف ينام والجنة تزين فوقه؟! كيف ينام من هذا حاله؟! ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [السجدة:١٦]. عبد الله! هلاَّ كنا كهؤلاء؟! الذنوب كثيرة، والآثام أكثر هلاَّ قمنا ليلة من الليالي نبكي ونتذكر الذنوب ونحصيها ونعدها؟! أتظن أن الله ينسى؟! أتظن أن نظرتك عندما فتحت الجريدة ونظرت للمرأة أتظن أن الله نسيها؟! أم تظن -يا عبد الله- عندما كنت تستمع إلى تلك الأغنية ثم أغلقت الشريط أو المذياع وقد تمتعت بالسماع أتظن أن الله قد نسي، قال سبحانه: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦]. نعم! نسينا الذنوب لكن هل تعرف متى نتذكر؟ الجواب إذا لقينا الله جل وعلا، وجيء بجهنم تُجر، لها سبعون ألف زمام، وتخيل ذلك المنظر الأنبياء، والمرسلون، والصالحون، والصديقون يجثون على الركب ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية:٢٨] كل الأمم تجثو على الركب، في تلك الحال كل منا يمر عليه شريط حياته، وذكريات عمره، يتذكر يوم نادته أمه فقال: لا، وأمره أبوه فقال: أف، كلٌّ مسطور. عبد الله! ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ﴾ [الفجر:٢٣] ولكن! ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] ماذا يستفيد من الذكرى؟ يتذكر كم ليلة نام عن صلاة الفجر ولم يقم إلا والشمس قد طلعت، والمصيبة أنه يضحك تضحك علام يا عبد الله؟! كان السلف من الصحابة والتابعين يبكون ليس فقط إذا خرج وقت الصلاة؛ بل إذا فاتتهم صلاة الجماعة، كان الواحد منهم إذا دخل المسجد والناس قد صلوا بكى.

стр. 412

حاتم الأصم وقوة إيمانه ومحاسبته لنفسه كان حاتم الأصم يجلس في بيته وقد فاتته صلاة العصر في جماعة ولم يخرج وقت الصلاة، فيصلي ويجلس في البيت، فيأتيه بعض الناس يعزونه ويواسونه، فبكى! فقالوا له: ما يبكيك رحمك الله؟ قال: " لو مات لي ولد لعزاني أهل الحي جميعاً، وتفوتني صلاة ولا يعزيني إلا نفر قليل، والله إن فوات الصلاة علي أشد من موت ابن لي". عبد الله! أرأيت الفرق بيننا وبينهم! كيف كان إيمانهم في القلوب كالجبال الراسية، كان الواحد منهم إذا قرأ آية لا يتحملها، يتدبر فيبكي من آية واحدة.

стр. 413

عبادة أم المؤمنين عائشة ﵂ اسمع لـ عروة وهو يحدِّث عن أبيه عبد الله بن الزبير يقول: كنت إذا غدوت -أي: في الفجر أو الصباح الباكر- أبدأ ببيت عائشة أسلم عليها، وفي يوم من الأيام دخلت عليها فإذا هي قائمة تصلي -مَن؟ عائشة، مَن هِي عائشة؟ صِدِّيْقَة بنت صِدِّيْق، من أهل الجنة، وأبوها أول هذه الأمة دخولاً الجنة بعد النبي ﷺ ، يقول: كانت تصلي وتقرأ قوله جل وعلا: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] فنظرت فإذا هي تبكي وتعيد الآية مرة ثانية: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] انتظرت فإذا هي تعيد الآية مرة ثالثة، ورابعة، وخامسة، وهي تبكي، حتى أطالت علي، فتركتُها وذهبت إلى السوق أقضي حاجة لي، فقلت: أرجع لها بعد زمن، ثم رجعت إليها بعد زمن طويل، فدخلتُ عليها في البيت فوجدتها قائمة تردد الآية نفسها وتبكي ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧]. أرأيت الفرق بيننا وبينهم! كانوا إذا قرءوا القرآن ليس كحالنا اليوم، كانت الآية الواحدة توقفهم، فيتدبرون ويستشعرون ويتلذذون ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].

стр. 414

قوة إيمان محمد بن المنكدر وخوفه من الله اسمع لـ محمد بن المنكدر بكى بكاءً شديداً حتى أشفق عليه أهله وتضايقوا منه، لِمَ هذا البكاء ولم ذلك النحيب؟ حاولوا معه فلم يستطيعوا. عبد الله! هم بشر كما نحن بشر، وهم يذنبون كما نحن نذنب، ولكن فرق بين قلوبهم وقلوبنا، نعم (كل بني آدم خطاء) لكن أرأيت الفرق بين التوابين وبين غيرهم. قال الراوي: فاستدعينا صاحباً له ليهون عليه، وليخفف عليه بكاءه ونحيبه، يقول: فجئنا بـ أبي حازم صاحبٌ مثله فدخل عليه يخفف عليه، فقال له: يا أبا عبد الله! ما الذي جرى؟ ما الذي حدث؟ أبكيت أهلك، لقد أشفقوا عليك، لم كل هذا البكاء؟ فقال له محمد بن المنكدر: يا أبا حازم أتعرف ما الذي يبكيني؟ قال: ماذا؟ قال: قول الله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] كان يظن أنه إذا لقي الله فإن أبواب الجنان مفتوحة، نعم! كان يظن المسكين لما حضر بعض الدروس، أو صلى بعض الصلوات، أو قرأ بعض الآيات، ظن أنه في الفردوس الأعلى، فلما جاء يوم القيامة إذا حسناته هباءً منثوراً، وإذا أعماله ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩]. يأيها الصالحون! لا تأمنوا مكر الله يأيها المتقون القائمون الصائمون! لا تأمنوا مكر الله كيف بمن لا يقوم الليل! كيف بمن لا يصوم النهار! كيف بمن لا يعرف القرآن ولا يتدبره! كيف بمن لا يعرف الفجر إلا بعد طلوع الشمس! كيف بمن إذا خلا بمحارم الله انتهكها ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]. عبد الله! لا تظن أن الأمر هزلاً وضحكاًَ. عبد الله! إذا جئت يوم القيامة ورأيت الأعمال كـ جبال تهامة بيضاً فجعلها الله هباءً منثوراً ماذا تفعل؟ وماذا تقول؟ وماذا تصنع؟ هل ينفع النحيب أم ينفع البكاء أم ينفع الندم؟ اسمع إلى قول بعضهم وكأنه يحكي عن نفسه ويحكي عنا، وهذه صفة التائب المنكسر إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني فكم من زلة لي في البرايا وأنت علي ذو فضل ومني إذا فكرت في ندمي عليها عضضت أناملي وقرعت سني وما لي حيلة إلا رجائي وعفوك إن عفوت وحسن ظني يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعفُ عني

стр. 415

قوة إيمان ابن عمر ﵁ هذا ابن عمر! أتعرف من هو ابن عمر؟ ومن أبوه؟ إنه عمر بن الخطاب ﵁ ذلك الرجل الذي كسَّر كسرى، وقصَّر قيصر، وفتح الله به البلاد، لو كان نبيٌ في هذه الأمة لكان عمر، الملهم المحدَّث، الذي صدَّقه القرآن، وأنزلت آيات من فوق سبع سماوات تصديقاً لكلامه. هذا عبد الله بن عمر بن الخطاب يشرب في يوم من الأيام ماءً بارداً ثم بكى، فقيل له: لماذا تبكي؟ فاشتد بكاؤه، فقال: [ذكرت آية في كتاب الله -انظر كيف كانوا يعيشون مع كلام الله- قالوا: وما هي هذه الآية؟ فقال: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤] فعلمت أن أهل النار يشتهون الماء فيحال بينهم وبين الماء] هذا من شرب الماء البارد، فكيف بمن سكن بيوتاً مثل بيوتنا! كيف لو عاشوا مثل عيشتنا! كيف لو شربوا هذه المشروبات، وأكلوا تلك الأطعمة، ولبسوا هذه الملابس، وسكنوا هذه البيوت، ماذا تظنهم يقولون؟ ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤].

стр. 416

قوة الإيمان عند عمر بن عبد العزيز اسمع -يا عبد الله- إلى عمر بن عبد العزيز ﵀ الخليفة الراشد، كان يقوم الليل يصلي -انظر كيف كانوا يعيشون مع كلام الله- فإذا به يقرأ في الليل آية ويرددها الليل كله وهو يبكي! انظروا الفرق بيننا وبينه، وانظروا إلى قلوبنا وقلوبهم، وأحوالنا وأحوالهم، هذا الرجل يقرأ بنفسه الآية ثم يبكي الليل كله، أما نحن -أيها الناس وأنا أولكم- فنسأل الله ألا يكون قد ختم على قلوبنا، أتعرف ما هي هذه الآية؟ ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر:٧١] مَن هم؟ إنهم أهل النار أين الأغلال؟ في الأعناق، أتظنها كأغلال الدنيا؟ أم تظنها كحديد الدنيا؟ ماذا يلبسون؟ سرابيلهم -ملابسهم- من قطران -أي: نحاس منصهر- يلبسونه! تخيل هل تتحمل الأغلال في الأعناق ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ﴾ [غافر:٧١] ثم ماذا؟ ﴿يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ﴾ [غافر:٧١ - ٧٢] يسحبون على وجوههم في النار، وتخيل هذا المنظر ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧٢] ثم يحرقون في النار، يتقلبون بل يشوون في النار ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج:١٥ - ١٦] أتعرف ما معنى ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج:١٦]؟ أي: ينفصل اللحم عن العظم من شدة الحر فكيف بالنار؟! عبد الله! يتفكر في هذه الآية طوال الليل وهو يبكي ويرددها، ولكن انظر إلى حالنا! لا تظن -يا عبد الله- أنك عندما تصلي، وتحضر بعض الدروس، وتستمع إلى بعض الآيات، وتتصدق ببعض الدنانير لا تظن أنك قد أمنت مكر الله، لا تعرف فالأعمال بالخواتيم، فكم وكم من الناس كان صالحاً فختم له بالسوء؟! اسمع إلى هذا الشاب الذي حفظ القرآن كله وخرج للجهاد في سبيل الله، وهذه القصة ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية، فكان في الجهاد من أفضل الناس، يصلي بالناس، ويقرأ فيهم القرآن، ويعلمهم، فأحبه الجيش كله، وكان يختم القرآن كله، فلما وصلوا إلى معسكر الروم، وعسكروا عند حصنهم، فإذا بهذا الشاب يذهب ليقضي حاجة له، فلما ذهب نظر في الحصن فإذا فتاة نصرانية تنظر إليه، فنظر إليها. عبد الله! إنما لك الأولى وليست لك الثانية، اصرف بصرك، ألا تحفظ القرآن؟ ألم تسمع قول الله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]؟ ما لك؟ لكنه استمر في النظر وتلذذ به، ثم خاطبها انظر كيف أن النظر يؤدي إلى الكلام، والكلام يؤدي للشوق، فإذا به يقول لها: كيف السبيل إليك؟ أين كتاب الله؟! فقالت له تلك الفتاة: أن تتنصر، فإذا به يطرق باب الحصن، ويعلن ردته ويتنصر، وكان قبل قليل يصلي بالناس، ويحفظ القرآن كله، فيدخل الحصن ليعانقها، فيبحث المسلمون عنه فلم يجدوه، فأسفوا عليه أسفاً شديداً، بحثوا عنه فظنوا أن الروم قد أسروه؛ بل لعلهم قتلوه، ثم رجعوا إلى بلادهم وقلقوا وحزنوا عليه حزناً شديداً، ورجعوا في السنة القادمة، وعاد الأمر مرة أخرى؛ فإذا بهم يعسكرون عند الحصن نفسه، وإذا بهذا الشاب الذي كان يصلي بهم ويحفظ القرآن يقف مع النصارى في صف واحد يرفع السلاح، فقالوا له ينادونه: يا فلان! فنظر إليهم، فقالوا له: يا فلان! ما فعلت قراءتك؟! ما فعلت صلاتك؟! ما فعل عملك الصالح؟! فقال: لقد أنسيتُ القرآن كله إلا آية واحدة لم ينساها أتعرف ما هي يا عبد الله؟ ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر:٢] الله أكبر! جعلها الله حسرة في قلبه، يتعذب بها إلى يوم يلقاه ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر:٢] لا تقل: الحمد لله! أنا أصلي، وأقرأ القرآن، وأنا مسلم! لا يا عبد الله، لا تأمن مكر الله، ادعُ الله في السجود، ادعُ الله بين الأذان والإقامة، ارفع يديك، وقل: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ثم ما يدريك لعل الله قد لا يقبل منك حسنة، ولعل الله لا يتقبل منك سجدة وركعة. يأتي ابن عمر سائل، فإذا به يقول لابنه: [أعطه درهماً؟ فيعطيه درهماً، فيذهب ليتصدق، ثم قال له ابنه: يا أبتاه! هل تقبل الله منك؟ فقال ابن عمر -واسمع إلى تلك الكلمات العظيمات-: يا بني! لو علمت أن الله قد تقبل مني ما كان غائب أحب إلي من الموت] لو كان الواحد منا يعلم أن الصلاة متقبلة منه، أو أن الله تقبل منه حسنة ما كان غائب أحب إلينا من الموت. أتعرف لماذا؟ يقول: لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]، ويقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠] أي: يصلون، ويركعون، ويقومون الليل، ويصومون النهار، ويدعون إلى الله، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وقلوبهم وجلة، ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] هذا الذي يصلي ويركع ويسجد، يخاف أن الله لم يتقبل منه، فكيف -يا عبد الله- بمن إذا جاء في الليل، وأغلق باب بيته، وجلس مع أهل بيته وفتح لهم التلفاز، فنظر إلى ما شاء، واستمع إلى ما شاء، وقلَّب المجلة فنظر فيها إلى ما شاء، وذهب إلى الأسواق يتلفت يمنة ويسرة، ويكلم من شاء، ويضاحك من شاء، ويلاعب من شاء، وينظر إلى من شاء هذا كيف يخاف؟! عبد الله! لنكن صرحاء مع أنفسنا، ولنكن صادقين، والواحد منا يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله جل وعلا.

стр. 417

التفكر في الأجل والمصير من أسباب زيادة الإيمان من الأمور التي تقوي إيمانك يا عبد الله! أن تتفكر في الأجل والمصير.

стр. 418

ابن عباس وتدبره لآيات الفراق والمصير اسمع إلى ابن عباس وهو يقرأ قول الله جل وعلا: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٨٤] فبكى، ثم قيل له: [يـ ابن عباس! لماذا تبكي؟ قال: آخر العدد خروج نفسك آخر العدد فراق أهلك آخر العدد دخول قبرك] ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٨٤] ما يدريك أنك قد لا تخرج من هذا المجلس من يضمن لك أنك تصل إلى البيت؟ البعض منا وهو يستمع إلى هذه الكلمات يقول: إن شاء الله أتوب من الغد، وما يدريك أنك ترى الغد؛ بل من يضمن لك أنه إذا خرج منك النَّفَس أن يعود إليك؟! عبد الله! لا تكن طويل الأمل. عبد الله! إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء. عبد الله! لا تضمن أنك تخرج من هذه الأبواب وأنت جالس تستمع إلي، اعزم على التوبة، وعلى ترك الذنوب والمعاصي، قلها صريحة من قلبك: رب تبتُ إليك اندم والندم يكون في القلب لا في اللسان، لينكسر القلب، وليخشع لله، ثم اعزم من القلب أنك لن تعود إلى المعاصي أبداً ما حييت؛ فإن غلبتك نفسك وعدت فعد مرة أخرى للتوبة، وكلما عدت عد مرة أخرى للتوبة. يا نفس توبي فإن الموت قد حانا واعصي الهوى فالهوى مازال فتانا أما ترين المنايا كيف تلقطنا لقطاً فتلحق أخرانا بأولانا في كل يوم لنا ميت نشيعه نرى بمصرعه آثار موتانا يا نفس مالي وللأموال أجمعها خلفي وأخرج من دنياي عريانا أبعد خمسين قد قضيتها لعباً قد آن أن تقصري قد آن قد آنا لما أتت أبو الدرداء سكرات الموت قال كلمات -أرجو منك أن تحفظها قبل أن تخرج- عظيمات تكتب بماء الذهب، قال ﵁ وهو ينصح هذه الأمة وكأنه يعنينا أمة غافلة أمة نائمة أمة قد ألهتها الشهوات أمة لا تعرف -إلا من رحم الله- إلا النوم على الأغاني والطرب والنساء أتعرف بم ينصحهم؟ يقول وهو يحتضر: [ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا؟! ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا؟! ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه] ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْت﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]. عبد الله! لا تقل: من الغد، وما يدريك لعل هذا يكون هو النذير الأخير.

стр. 419

قصص بعض التائبين اسمع إلى هذه القصة يرويها أحد الدعاة إلى الله، وكأن الله إذا أراد أن يهدي إنساناً يسر له السبل، وفتح له الأبواب، وقذف في قلبه النور، ولعل بعض الناس ينقذهم الله قبل الموت، ولعلك منهم، ولعل هذا المجلس -يا عبد الله- تكتب لك فيه السعادة، وتتخلص فيه من ذنوب أنت أدرى بها. نعم! أنت تدري ولا يدري أحد سواك إلا الله، أنت أدرى بها، ذنوب في السر ذنوب تخفيها في الخلوة ذنوب تتحدث بها في نفسك والله يعلم ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر:١٩] يعلم هذه الأعين الخائنة في الصور والجرائد والمجلات والأسواق والتلفاز ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]. يقول هذا الداعية إلى الله: مررت في الشارع فرأيت شاباً مع فتاة، فجئت لأنصحهم ولأدعوهم إلى الله -وهذه العبرة ليست فقط للعصاة أو لمن ضعف إيمانهم؛ بل هي أيضاً للصالحين الذين كسلوا في الدعوة وتباطئوا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- يقول: فلما اقتربتُ، فإذا الفتاة قد هربت، فجئت للشاب، فأخذت أنصحه وأذكره وأعظه نصف ساعة، فلما انتهيت رأيت عيناه تذرفان كم هم الشباب في هذا الزمان من يحتاجون إلى موعظة؟! إلى نصيحة؟! إلى كلمة تخرج من القلب فتفتح القلوب؟! كم وكم يا عبد الله؟! لكن من البخيل؟! ومن المقصر؟! ومن المسئول؟! إذا جاء عند الله يوم القيامة! كم وكم؟! يقول: فلما بكى أعطيته رقم هاتفي، وأخذت رقم هاتفه ثم ذهبت، وبعد أسبوعين تذكرتُه، فاتصلت به في الصباح، فقلت له: فلان، قال: نعم، قلت: هل تذكرتني؟ قال: وكيف أنسى صوتاً كان سبباً لهدايتي؟! قلت: الله أكبر! اهتديت؟ قال: نعم، إنني والله منذ تلك النصيحة وأنا لا أفارق المسجد ولا الصلاة ولا الذكر ولا القرآن، أنقذه الله على يديه، فقلت: سوف أزورك -إن شاء الله- اليوم، فقال لي: متى؟ قلت: بعد صلاة العصر، فصليت العصر ورجعت إلى البيت، فجاءني ضيوف وأخروني عن الموعد، فلما تأخر الموعد وحل الليل، قلت: لا بد أن أزوره حتى ولو تأخرت عنه، فجئته في الليل، فطرقت عليه الباب ففتح الباب رجل كبير في السن، فقلت له: أين فلان؟ فقال: فلان؟ قلت: نعم. قال: دفناه قبل ساعة، قلت: أنا اليوم كلمته بالهاتف، قال: دفناه قبل ساعة، وأنا أبوه، فقد صلى الظهر ثم جاء إلى البيت لينام، وقال: أيقظوني لصلاة العصر فجئنا لنوقظه؛ فإذا هو قد فارق الدنيا، وقال لي الشيخ الكبير: من أنت؟ فقلت لأبيه: أنا عرفت ابنك قبل أسبوعين، فقال ذلك الشيخ الكبير: دعني أقبل رأسك، قلت: لماذا؟ قال: لأنك أنقذت ابني من النار ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣]. لا تقل يا عبد الله: غداً، ولا تقل: عندما أرجع إلى البيت، ولا تقل: بعد المحاضرة، الآن وأنت تسمع فلربما يدخل علينا ملك الموت ويقبض هذه الروح وينزعها وأنت لم تتب إلى الله، فأعلنها صادقة من قلبك، وتلفظ بها في قلبك، وقل: رب تبت إليك، لعلك تسألني، وتقول: مم أتوب؟ أقول لك: يا عبد الله! أنت أدرى وأعلم مم تتوب؟ كم وكم هي الذنوب التي نخفيها؟ كم وكم هي المعاصي التي نسرها إن لم تكن معاصٍ فهي تقصير في واجبات صلوات خشوع فيها بر والدين صلة أرحام أمر بمعروف نهي عن منكر هذه واجبات كم وكم قصرنا فيها؟ أعلنها يا عبد الله صريحة، أطلقها من قلبك الآن وتب إلى الله . اسمع إلى هذا الشاب عمل من المعاصي والذنوب في هذه الدنيا نساءٌ عاشَر شرابٌ شَرِب أغاني استمع إلى كل شيء، له في الدنيا كل ما تتصوره فَعَلَه هل شعر بالسعادة؟ لا والله. هل أحس بالفرح؟ لا. أتعرف ماذا يقال عنه؟ إنه ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، تعرف لم يا عبد الله؟ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] والله لو عاشروا كل النساء، وسكنوا القصور، وأخذوا من الأموال الملايين، وسافروا إلى بقاع الدنيا؛ فإن الضيق في صدورهم، وإن الحسرة في قلوبهم، وإن الوحشة يعيشون فيها، ويعيشون بها، ويموتون عليها، يقول: إنه ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، لم يتحمل الألم والضيق فسافر إلى أخيه في بلد آخر، وكان أخوه صالحاً، طرق الباب، فقال له أخوه: سبحان الله! ما الذي جاء بك؟ قال: يا أخي! والله لقد ضاقت علي الدنيا بما رحبت أحس بوحشة وبضيق، قال: تفضل واجلس عندي، فجلس عنده، فلما جاء وقت الفجر جاء رجل صالح ليوقظهم لصلاة الفجر، وكان أخوه صالحاً، قام أخوه للصلاة فجاء الصالح ليوقظ هذا الرجل، فقال له: يا فلان! قم يا فلان! قم يا فلان! قم، قال: سبحان الله! لماذا؟ قال: صلِّ الفجر، قال: ماذا؟ قال: صلِّ الفجر؟ قال: أنا لا أصلي، قال: أعوذ بالله! لا تصلِّ، قم صلِّ، قال: أنا لا أصلي منذ سنوات، قال: اتق الله، جرب الصلاة ولو مرة، قال: اذهب، فذهب الرجل، وجلس يفكر على الفراش (جرب الصلاة ولو مرة) جرب الهداية جرب الالتزام، أنت فعلت كل شيء في الدنيا وما حصلت على السعادة والفرح الذي تريد، وما شعرت بالحلاوة التي تطلب، فقام من الفراش، واغتسل من الجنابة، وذهب إلى المسجد، فصلى، يقول: ولما سجد أحس بسعادة ما شعر بها منذ سنوات ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ [الزمر:٢٢] الصدر ينشرح ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢]. يقول: أحسست بسعادة ما شعرت بها منذ سنوات، ولما رجع إلى أخيه قال: يا أخي! تبت إلى الله رجعت إلى الله، فسافر إلى بلده، فطرق الباب، فإذا أمه تقول له: ما الذي جاء بك؟ لماذا رجعت مسرعاً؟ قال: يا أماه! حصلتُ على السعادة. قالت: كيف؟ قال: تبت إلى الله رجعت إلى الله، فقامت له أمه وأجلسته عندها، ومكث أياماً، ثم جاء إلى أمه فقال: يا أماه! أريد منك طلباً، قالت: وما هو؟ قال: أريد السفر، قالت: إلى أين؟ قال: للجهاد في سبيل الله، قالت: يا بني! كنت تسافر للمعصية ولم أمنعك، أفأمنعك أن تسافر للطاعة، اذهب يا بني على بركة الله، فسافر للجهاد، وفي أثناء الجهاد، وفي إحدى المعارك إذا بصاحبٍ عنده أصيب بشظية فحمل صاحبه ليسعفه ولينقذه، فإذا بصاحبه يموت بين يديه، فحفر له قبراً والشهيد لا يُغَسَّل ولا يُكَفَّن، إنما يُبعث عند الله، اللون لون الدم، والريح ريح المسك في المحشر، فإذا به يحفر لصاحبه قبراً، ويُنزل صاحبه في القبر، ويرفع يديه فيقول: اللهم إني أسألك ألا تغرب علي شمس هذا اليوم إلا وقد تقبلتني شهيداً في سبيلك، فأنزل صاحبه، فإذا بغارة أخرى، فيذهب للسلاح، وتشتد المعركة، ويحمي الوطيس، فإذا به يصاب، فتذهب نفسه، ويدفن مع صاحبه في ذلك القبر ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].

стр. 420

التوبة التوبة! قبل حلول الأجل عبد الله! أطلب منك في هذه الكلمات ألا تؤجِّل، أو تسوِّف، فإذا ضعف الإيمان فقِسْ نفسك، وراجعها مع كلام الله جل وعلا اقرأ القرآن تدبر يا عبد الله! ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦] تدبر يا عبد الله ولو صغار السور ألا تتدبر قوله جل وعلا: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات:٩ - ١١]. عبد الله! ارجع في هذه الليلة إلى البيت؛ إن كنت تملك أشرطة أو بعض الصور أو بعض الأفلام، فاحرقها ومزقها وقطعها لله جل وعلا، وقل: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] عجلت إليك يا رب! رب إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. عبد الله! أتعلم أنك لو تصلي ركعتين فتحسن فيهما ولا تحدث بهما نفسك، وتعلنها في الركعتين توبة صادقة لله، فإنك لا تنتهي من الركعتين إلا وقد بدل الله سيئاتك حسنات. عبد الله! هذا رجل كبير في السن يأتي إلى رسول الله ﷺ يمشي على عصا، حاجباه قد سقطا على عيناه من كبر سنه، فيقول: (أي محمد أي محمد أي محمد! فيُدَل على رسول الله ﵊. فيقول: ما تريد؟ قال: إن لي ذنوباً وخطايا لو وزعت على أهل الأرض لأهْلَكَتْهم) ذنوبي لو يتقاسمها كل أهل الأرض لأهلكتهم، تخيل ماذا فعل؟ وماذا أحدث هذا في دنياه؟ كل هذا العمر المديد كل هذه الذنوب والمعاصي والشرك والكفر- فيقول: (هل لي من توبة؟ فيقول له ﵊: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله! قال: إذاً تعمل الخيرات، وتترك السيئات -تبدأ الآن تصلح، ﴿وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان:٧٠]- يبدلها الله لك حسنات -لكن الرجل لم يصدق- قال: وغَدَراتي وفَجَراتي؟ -يعني: ذنوبي كثيرة- قال: يبدلها الله لك حسنات، ثم تولى الرجل وهو يقول: الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر!) ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ [الفرقان:٦٨] ما هي اللذة؟ يقف ساعة فقط؛ لكن انظر للإثم: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الفرقان:٦٩] ضيق الدنيا، وضنك في الدنيا، ووحشة وحسرة وألم في الدنيا، ثم ضيق في القبر، ثم يضاعف له العذاب يوم القيامة، ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان:٦٩ - ٧٠]. ﴿مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٧٠]: يعلنها الآن صادقة من قلبه. ﴿وَآمَنَ﴾ [الفرقان:٧٠]: صدَّق بوعود الله. ثم ﴿عَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان:٧٠] هجر هذه المجالس إلى مجالس الخير، ترك هذه الأفلام لأفلام الخير، كسر تلك الأشرطة إلى القرآن والمواعظ والدروس والخير، ترك أولئك الفسقة الفجرة إلى هؤلاء الصالحين الطيبين ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠]. دخل الحسن البصري على أهله، فقالوا له: يا أبا سعيد! العشاء فلا يجيب، يا أبا سعيد! العشاء فلا يجيب، فيقول لأهله: كلوا عشاءكم أتعرف لماذا يا عبد الله؟ لأنه رأى رجلاً يحتضر ويموت أمامه، فقال لأهله: لقد رأيت مصرعاً لا أزال أعمل له حتى ألقى الله. أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 421

الأسئلة نشكر فضيلة الشيخ على ما قدم، ونسأل الله أن يثبتنا وإياه لما يحبه ويرضاه. هناك مجموعة من الأسئلة:

стр. 422

الجمع بين الخوف من الله والرجاء فيما عنده السؤال كيف نوازن بين الآيات والقصص التي ذكرتها من الخوف من الله ، وبين يقيننا بأن الله رب رحيم غفور، ولو أتى العبد بذنوب مائة سنة ولم يشرك بالله شيئاً لغفر له ولمن يشاء، فكيف نوفق بين ذلك؟ الجواب وأزيدك من الشعر بيتاً اسمع! يقول ﵊: (لو بلغت خطاياكم عنان السماء ثم تبتم لتاب الله عليكم)؛ بل يقول الله جل وعلا: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] لكن لمن رحمة الله يا عبد الله؟ ولمن مغفرته؟ يقول الله جل وعلا: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦] رحمة الله للذين يتقون رحمة الله ﵎ للذي يعمل الصالحات ويخاف للذي يصلي ويصوم ويركع ويسجد ويقرأ القرآن ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ثم يخاف عقاب الله، هذه رحمة الله بهم، ولهذا عندما مرت امرأة تبحث عن رضيعها وكأنها مجنونة، تبحث عنه يمنة ويسرة والصحابة ينظرون؛ ما بالها؟ فلما وجدت ابنها أخذته وضمته إلى صدرها وألقمته ثديها ترضعه وهي تبكي، فقال النبي ﷺ لأصحابه: (أتظنون أن هذه ملقية ولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: لَلَّهُ أرحم بعباده من هذه بولدها) الله أرحم بعباده. لكن الشاهد -يا عبد الله- أن الله أرحم بمن؟ بعباده. نعم! يذنبون؛ بل حتى المتقون -أولياء الله- يقعون في الذنب؛ لكن يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] التقي لله إذا أذنب تذكر وانتبه وأتبع السيئة الحسنة تمحها، هذا هو المتقي لله، ولهذا فرق بينهم ابن مسعود، فقال: [المنافق يرى ذنبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا -يعمل الكبائر وكأنه ذباب وقع على أنفه فقال به هكذا وطار الذباب- أما المؤمن فيرى ذنبه مثل جبل يوشك أن يقع عليه] هذا هو الفرق. أعلمت رحمة الله لمن؟ إنها لمن يذنبون لكنهم يتوبون ويستغفرون (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون). يصف الله المتقين بأوصاف، ومن هذه الأوصاف ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران:١٣٥] هل المتقون يفعلون الفواحش؟! نعم قد يقع في الفاحشة، قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥] ثم قال: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] نعم! رحمة الله للذين لا يصرون، إذا فعل الذنب أو المعصية فر إلى الله جل وعلا، واستغفر وأناب، وركع وسجد، وتاب إلى الله جل وعلا فهؤلاء لهم الرحمات ولهم المغفرة. عبد الله! توبة الله، ورحمة الله ومغفرته لها شروط: أولها: الندم: اندم على ما مضى اندم في هذا المجلس، فلعل السعادة تكون الآن، ولعل الله يسجلك الآن من أهل الجنة اندم على ما مضى وغداً يكون حقيقياً من القلب؛ كما قال الله: ﴿إِلّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:١١٠] القلب يتقطع. ثانيها: أن تقلع عن جميع الذنوب والمعاصي:- لا تقول: أستغفر الله وأنت لا زلت محتفظاً بالأفلام والأشرطة والكتيبات وغيرها، لا. انتبه! ثالثها: العزم على ألا ترجع إلى المعصية: ولم يقل العلماء: لا ترجع، بل قالوا: تعزم على ألا ترجع، فلربما ترجع يوماً من الأيام تضعف النفس ويضعف الإيمان وترجع إن رجعت إلى المعصية، فعد إلى التوبة، فإن الله ﴿كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً﴾ [الإسراء:٢٥] كلما أذنبوا عادوا إلى الله جل وعلا.

стр. 423

التوبة إلى الله وخطر الرجوع إلى المعاصي السؤال لقد مررتُ بمرحلة خطيرة في حياتي، حيث بدأت بالسجائر والخمور والحبوب المسكرة وقد أدمنتُ عليها، أما الآن فقد بدأ قلبي يميل إلى ذكر الله ، وإلى قراءة القرآن الكريم، وقررت أن أترك هذه الأشياء التي كنت أمارسها، ولكن الماضي بدأ يلاحقني مرة أخرى، فأرجو من فضيلتكم التكرم بإعطائي بعض النصائح، وكذلك أرجو أن تدعو لي، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب عليك بأمور: أولاً: غيِّر مكان الوظيفة: إن كانوا معك في أي مكان فاهجر هذا المكان كما قال ذلك الناصح العالم: (إنك بأرض سوء، فاتركها واذهب إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها قوماً يعبدون الله فاعبد الله معهم). أقول لك: يا عبد الله! اذهب إلى مخيماتهم إلى جمعياتهم إلى مجالسهم إلى مساجدهم إلى مراكزهم إلى أماكن تواجدهم وهم كثيرون، نسأل الله أن يحفظنا وإياهم كثيرون في هذه البلاد التي نسأل الله أن يحفظها ويحفظ أهلها، اذهب إليهم واطرق عليهم الباب، وقل: يا إخوة! إني تبت إلى الله، وأريد أن أعرف مجالسكم وأماكن تجمعاتكم أين تجلسون؟ ماذا تقرءون؟ ماذا تتعلمون؟ عندهم الذكر والإيمان والرحمات تنزل، وتغشى مجالسهم السكينة، وتحفهم الملائكة إلى السماء الدنيا، فاجلس معهم. ثانياً: عليك بكتاب الله: عليك بالقرآن الكريم، فليس هناك واعظ بعد الله مثل كلامه جل وعلا -كلام الله القرآن- اجعل لك ورداً في اليوم والليلة تقرأه بينك وبين نفسك، إما أن تقرأ أو تستمع، إما شريط أو قارئ يقرأ عليك، أو تقرأ في حلقة، أو تقرأ لوحدك اقرأ القرآن وتعلق به، سواء في الليل، أو بعد الفجر، أو بعد العصر، وأقل القليل أن تقرأ جزءاً واحداً، وهذا هو أضعف الإيمان؛ أن تقرأ في اليوم جزءاً بتدبر وخشوع ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّه﴾ [الحديد:١٦]. ثالثاً: عليك بالأذكار: أذكار الصباح والمساء أدبار الصلوات دخول البيت الخروج من البيت دخول المسجد والخروج منه اللباس الجماع الطعام والشراب، كل شيء له ذكر؛ حتى الأوقات التي ليس فيها أذكار مخصوصة فإن فيها أذكاراً عامة (لئن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مِمَّا طلعت عليه الشمس) أتعرف لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦] إذا تركت الذكر مشى معك شيطان، فإذا قلت: أنا لا أراه، أقول لك: يا عبد الله! هذه حقيقة يمشي معك يدخل البيت معك يأكل معك، بل حتى يجامع الزوجة معك، إذا تركت ذكر الله جل وعلا، لماذا كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا دخل فجاً سلك الشيطان فجاً آخر، بل في بعض الروايات أن الشيطان يخر على وجهه إذا رأى عمر لماذا يا عبد الله؟ مِن ذكرٍ لله في القلب قبل أن يكون في اللسان. رابعاً: عليك بالدعاء: ادعُ الله جل وعلا، قل: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك. يا عبد الله! إذا كان عندك بعض الذنوب والآثام فلا تقل: أنا منافق وقد نافقت، ولا أستحق أن أكون مع الصالحين، أو لا أصلح أن أصلي في بيوت الله؛ إما أن أكون مستقيماً (١٠٠%) وإما أن أكون فاجراً! لا يا عبد الله! هذه حيلة من حيل إبليس، وهذه مكيدة أتعرف ماذا يريد أن يودي بك؟ أن تترك الصلاة، وتهجر الصالحين، بل قلها: لم لا أترك المعاصي والذنوب وأكون مستقيماً على طاعة الله! إن لم تستطيع أن تتغلب على الذنوب والمعاصي فكن مع الصالحين، فلعل الله أن يعفو عنك ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] وجاهد نفسك لتتخلص من هذه الذنوب والمعاصي. خامساً: احذر من سوء الخاتمة: فإنك إن نويت الرجوع لعل ملك الموت ينتظرك، ولعلك يصدق فيك حديث النبي ﵊ الذي يقول فيه: (فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة -صلاة وذكر ودروس- حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع -سوف يدخل الجنة؛ بكاء وذكر وخشوع لو مات على هذه الحال دخل الجنة- فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها). عبد الله! هذا رجل كان صالحاً مع الصالحين لكنه فتر وضعف وقل الإيمان في قلبه لكنه لا يزال مصلياً، تعرَّف على أصحاب سوء وفجرة وفسقة، كان يجلس معهم لكنه كان يذهب للصلاة، يريد أن يوفق بين هذا وهذا، يقول: أتمتع شيئاً قليلاً معهم وأصلي مع الصالحين، وهذا الرجل مسكين! ألا يعلم أن حب الغناء والقرآن في قلب عبد لا يجتمعان؟! في يوم من الأيام قالوا له: يا فلان! سوف نسافر، قال: إلى أين؟ قالوا: إلى بلد كذا وكذا. قال: لماذا؟ قالوا: نريد أن نلعب ونلهو قال: أعوذ بالله! لا أذهب معكم، لأنه لا يزال في قلبه شيء من الصلاح كحال أكثر الناس، قالوا له: يا فلان! سفرة قليلة ثم نرجع؟ قال: أعوذ بالله أن أذهب معكم. قالوا: تعال معنا -انظر حزب الشيطان انظر كيف يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير -قالوا: تعال ولا تفعل معنا شيئاًَ- قال: لا آتي، فلا زالوا به حتى أقنعوه، انظر خطوات الشيطان! فلما سافر معهم دخلوا الفندق، وكانوا في كل ليلة يذهبون للزنا والخنا وهو جالس في الغرفة لا يذهب معهم؛ لأنه لا يزال في قلبه شيء من التقوى والخوف من الله، ولكنه لم يبذل الأسباب، اسمع وتدبر -يا عبد الله- لعل الشيطان يستدرجك مثله، وكان يجلس كل ليلة في الغرفة فمكروا مكراً، وقالوا: هذا الرجل لا يذهب معنا ولا يفعل المعاصي معنا، لا بد أن نفعل له أمراً ونمكر به، فقال بعضهم: ماذا نفعل؟ قالوا: نأتي له ببَغِيٍّ -عاهرة داعرة- في غرفته، فجاءوا إليه في الغرفة، وأدخلوا عليه امرأة، وأقفلوا عليه الباب، فلا زال يصد ويغض البصر ويردها ويدفعها ولا زالت تحاول به وتراوده عن نفسها، ولا زال يردها حتى وقع بها، فلما وقع بها قبض الله روحه، ومات على هذه الحال. عبد الله! الأمر استدراج عبد الله! لا تظن أن الأمر فقط هذه المرة وإن شاء الله أرجع، ما يدريك لعلك يختم لك على هذه الفعلة! ولعلك تموت وأنت معها! أو تموت وأنت تنظر لهذا الفيلم أو ذاك المسلسل الداعر! ما يدريك لعلك تموت على هذا الحال! هل تنفعك الصلاة؟! أم ينفعك القرآن؟! عبد الله! إنما الأعمال بالخواتيم، وما من ميت يموت إلا بعث على ما مات عليه. القضية ستون سبعون سنة ثم ماذا؟ ثم نقف عند الله خمسين ألف سنة هل تعادل هذه هذه كن حكيماً، وحاسب نفسك يا عبد الله.

стр. 424

مناصحة الشاب المنحرف بعد أن كان ملتزماً السؤال شخص من صغره حتى سن التاسعة عشر كان ذا دين وصلاة وإخلاص، والآن أهمل الصلاة، وحلق لحيته، وشرب الدخان، وعاشر البنات، نصحناه مرات ولا زلنا ننصحه فما الحل معه؟ الجواب فلنستمر في النصيحة، ثم الدعاء، ولا تعلم ماذا يفعل الدعاء؟ اسمع إلى هذه القضية! هذا شيخ كبير يقول: كان لي جار كنت أنصحه كل يوم، وكان هذا الجار مولع بالطرب ودائماً يستمع للأغاني، فكنت كل فترة أنصحه، فيعاهدني على التوبة، لكنه يرجع في اليوم الثاني كما كان، لكن هذا الشيخ ما ملَّ منه، يقول: فجئته يوماً من الأيام فنصحته وأغلظت عليه في النصيحة، فرأيته فإذا به يبكي، فقلت: لعله تأثر، ثم ذهبت وجاءني في اليوم التالي وفي يده جميع الأشرطة، فقال لي: يا شيخ! خذ هذه الأشرطة واحرقها، قلت: ما الخبر؟ قال: تبت إلى الله، فقلت له: كيف؟ قال: يا شيخ! جلست في الليل أفكر في حديثك، وأتفكر في الكلام الذي قلته، فنمت على هذه الحال، فرأيت في المنام أنني على شاطئ البحر أمشي، فإذا برجل يأتيني فقال لي: يا فلان! قلت: نعم. قال: أتعرف المطربة الفلانية؟ -التي كان يعشقها- قلت: نعم! قال: هي تغني في المكان الفلاني، فأخذت أركض باتجاه صوت الأغنية، ثم مسك بيدي رجل، فالتفت فإذا هو رجل حسن الوجه، فنظرت إليه فقلت له: دعني! فقال: لن أدعك، فقلت له: ماذا تريد؟ فقرأ علي قول الله جل وعلا في المنام وهو يرتل: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢] قال: فتعجبت في المنام من هذا الأمر، فأخذ يردد الآية وهو يرتل في المنام، يقول: وأخذت أردد معه الآية، ولما استيقظت من النوم وأنا أردد هذه الآية وأبكي ولا أدري عن نفسي، فدخلت علي أمي وأنا أردد هذه الآية وأبكي، فأخذت أمي تبكي معي وأنا أردد هذه الآية: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢] يقول: فمن لحظتها قررت التوبة إلى الله جل وعلا. أيها الدعاة إلى الله! لا نيأس من رحمة الله، ندعو لهم، وأنت يا عبد الله لا تدعو إلى الله فتنفر الناس، لأن الدعوة لها آداب وشروط وصفات. يا عبد الله! ابدأ معه باللين بالمواعظ بالرقائق بالأشرطة بالكتيبات بالنصيحة الغير مباشرة بالنصيحة المباشرة بالدعوة الفردية بالدعوة الجماعية لا تيأس من رحمة الله جل وعلا. فهذا نوح ﵇ تسعمائة وخمسون سنة ما يئس من رحمة الله، ما آمن معه إلا قليل، كان مستمراً في الدعوة لولا أن الله قال له: قُفِل الباب، كفى ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦] هنا انتهى الأمر دعا على قومه وإلا فإنه كان غير آيس من رحمة الله استمر في الدعوة إلى الله ولا تيأس، ولعل الله أن يهديه قبل أن يموت.

стр. 425

النظر إلى النساء في التلفاز وتأثير ذلك على الإيمان السؤال ما حكم النظر إلى النساء في التلفاز؟ وهل يؤثر ذلك على الإيمان؟ كما نرجو من فضيلتكم تقديم نصيحة لأولياء الأمور أن يراقبوا أبناءهم في رؤية التلفاز لا سيما الأفلام المدبلجة وغيرها وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أما بالنسبة للتلفاز فهو خطر عظيم، وشر مستطير يا عبد الله! إذا لم تستطع أن تخرجه من البيت فعلى الأقل خفف منه راقب التلفاز فالأولاد إذا نظروا إلى المسلسلات، أو الأفلام الثقافية، أو برامج دينية، أو بعض الأمور التي ليس فيها محرمات فلا بأس بهذا، أما أن نفتح التلفاز لكل من هب ودب؛ بل بعض الأولاد يدخلون التلفاز في الغرفة ويغلقون على أنفسهم الباب والأب لا يعرف ذلك؛ بل بعضهم أشر من هذا؛ يأتي بجهاز فيديو ويضعه في غرفته مع التلفاز ولا يعلم الأب ماذا ينظر الأولاد؛ بل بعضهم يأتي بالستلايت -البث المباشر- ويضعه في بيته، أتعرف ماذا في هذا الجهاز؟ أظن أن أكثركم يعرف هذا ثم يسأل: أولادي لا يصلون! كيف تريدهم يصلوا بعد أن ينظروا إلى هذه الأفلام وإلى تلك المسلسلات. اسمع إلى هذا الخبر العجيب! كان رجل فيه شيء من الصلاح ولكنه غافل عن تربية أولاده، وكان له ابن وبنت صغيران في السن، دخل عليهما البيت يوماً من الأيام، ولما فتح غرفة الأولاد فإذا به يجد الولد يفعل بأخته الفاحشة، وهما صغيران، فعنف عليهما وضربهما، ثم قال الأب للولد: لم فعلت هذا؟ قال: يا والدي! رأيته في التلفاز. ولم تضربه يا عبد الله؟! أنت الملوم، وأنت المخطئ. يا عبد الله! ثم إذا كبر الولد وعق أمه، والآن العقوق -ولا حول ولا قوة إلا بالله- حدث به ولا حرج عقوق الأمهات، وعقوق الآباء، وتفكك الأسر، والآداب الدخيلة كيف جاءت؟ أنت رجل صالح أدرى بهذا، وأنا أعلم أنك لم تعلم أولادك إلا الأخلاق الحسنة حتى الكذب تضربهم عليه، وهذا من حسن تربيتك لهم، وتأمرهم بالصلاة وجزاك الله خيراً، حتى القرآن تحثهم على قرائته؛ لكن يا عبد الله جئت بتلفاز يجلسون عنده أكثر مما يجلسون عندك، ويسمعون منه نصائح أكثر مما يسمعون منك؛ بل أصبح النجوم والأبطال والقادة والقدوات من؟ إما نصارى أو يهود أو شهوانيون أو فجرة وفسقة ثم تطلب منه أن يقرأ القرآن أو يصلي أو يركع ويسجد! يا عبد الله! لا تكن متناقضاً إذا جاءك الشر ولا بد منه في البيت، فراقبه وحُد من شره، فمثلاً: بعد الثامنة أو التاسعة شيئاً فشيئاً حتى تتخلص منه، وأنا لا أقول هذا من باب إباحة المعصية! لا يا عبد الله! إنما أقول لك: إن استطعت أن تخرجه فأخرجه من بيتك، وكثير من البيوت -بفضل الله- تعيش بغير تلفاز، والحمد لله الأخبار تسمع من وسائل أخرى مذياع وجرائد ولا تظن أنهم يعيشون في ضيق ونكد! لا، بالعكس إذا دخل الأب يلتفون حوله، أما أنت إذا دخلت أثناء الفيلم أو المسلسل هل يقوم أحد يسلم عليك؟ بعض الآباء يدخلون يسلمون فلا أحداً يرد عليهم؛ بل يقول بعض الأولاد: لا تقاطع الفيلم! اتركنا ننظر! أرأيت يا عبد الله؟! لا تقل: بيوت ليس فيها تلفاز فيها ظلمات وضيق ونكد! لا. كيف أن بعض الزوجات الآن هداهن الله أصبحت تتعلم كيف ترد على زوجها تغلظ عليه القول؛ بل تقول له: أنا مثلك في البيت، وحالي مثل حالك في البيت؛ بل تريد أن تخرج كما يخرج الرجال، وتعمل كالرجال، وتفعل كل شيء، وتقول: لا يوجد فرق بيني وبينك!! كيف تعلمت المرأة كل هذا؟ ألم تنظر إلى أمها محجبة مستترة، لو أن أبا هذه الزوجة أمر زوجته أن تقوم الليل كله خدمةً لوالدها لفعلت ولا ترد له شيئاً، واسألوا العجائز: هل ترد الواحدة على زوجها؟ لا والله، الزوج كأنه أمر مقدس، إذا أمر بأمر تجدها تعمل وتكدح من الصباح إلى المساء ولا ترد له طلباً ما الذي جرَّأ كثيراً من النساء؟ إنه التلفاز يا عبد الله تغريب للبيوت هدم للعقيدة، يصبح الشاب إذا كان عمره عشرين سنة، تقول له: يا أخي! لا يجوز تهنئة النصارى بالكريسمس. يقول: لماذا لا يجوز! هم نصارى ونحن مسلمون حالهم مثل حالنا، لهم دين سماوي ونحن لنا دين سماوي! كيف تعلم هذا الشاب هذه العقيدة الفاسدة؟! هذا يهدم دينه يا عبد الله؟ يقول الله جل وعلا واسمع إلى هذه السورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] سماهم الله كافرون ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٢ - ٦]. ألا يحفظ هذا الشاب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]؟! أيها الشاب المسكين! أتعرف أنك عندما تهنئ النصارى بعيد الكريسمس أتعرف بم تهنئهم؟! كأنك تقول: أهنئكم بشتمكم للرب جل وعلا، (شتمني ابن آدم) أتعرف كيف شتمه لله؟! أن ينسب له الولد، وهم يحتفلون في هذا اليوم أن ولد الله عيسى ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً﴾ [مريم:٩٠ - ٩١] وهو يقول: عيدكم مبارك أو كلمات إفرنجية! يهنئهم بهذا الكفر والشتم لله جل وعلا، كيف تعلم شباب المسلمين هذا؟ التلفاز يا عبد الله البث المباشر الأفلام والمسلسلات، أنت رجل صالح وملتزم ومتمسك بالعادات والتقاليد؛ لكن كيف دخلت في بيتك على حين غفلة منك؟ إنه التلفاز شر وأي شر. يا عبد الله! هَدَمَت الأسر، وضَيَّعَت الأولاد، وأفْسَدَت الأخلاق، ودَمَّرَت حتى العقائد إلا ممن رحم الله جل وعلا. إذاً يا عبد الله! إذا استطعت أن تتخلص فتخلص، وإلا فخفف وهون عليك هذا الشر، وإذا استطعت أن تراقب فراقب التلفاز منع الأفلام والمسلسلات لا ستلايت وبث مباشر لا فيديو، شيئاً فشيئاً حتى تدخل البديل على البيت، ويصبح التلفاز مغلقاً لا يفتحه إلا بعض الناس، في بعض الحالات الاضطرارية، وليس فيه محرم ولا منكر. والله أعلم.
следующие страницы →