Полный текст (1 195 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الأسئلة
نشكر فضيلة الشيخ على ما قدم، ونسأل الله أن يثبتنا وإياه لما يحبه ويرضاه.
هناك مجموعة من الأسئلة:
стр. 422
الجمع بين الخوف من الله والرجاء فيما عنده
السؤال
كيف نوازن بين الآيات والقصص التي ذكرتها من الخوف من الله ، وبين يقيننا بأن الله رب رحيم غفور، ولو أتى العبد بذنوب مائة سنة ولم يشرك بالله شيئاً لغفر له ولمن يشاء، فكيف نوفق بين ذلك؟
الجواب
وأزيدك من الشعر بيتاً اسمع! يقول ﵊: (لو بلغت خطاياكم عنان السماء ثم تبتم لتاب الله عليكم)؛ بل يقول الله جل وعلا: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] لكن لمن رحمة الله يا عبد الله؟ ولمن مغفرته؟
يقول الله جل وعلا: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦] رحمة الله للذين يتقون رحمة الله ﵎ للذي يعمل الصالحات ويخاف للذي يصلي ويصوم ويركع ويسجد ويقرأ القرآن ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ثم يخاف عقاب الله، هذه رحمة الله بهم، ولهذا عندما مرت امرأة تبحث عن رضيعها وكأنها مجنونة، تبحث عنه يمنة ويسرة والصحابة ينظرون؛ ما بالها؟ فلما وجدت ابنها أخذته وضمته إلى صدرها وألقمته ثديها ترضعه وهي تبكي، فقال النبي ﷺ لأصحابه: (أتظنون أن هذه ملقية ولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله.
قال: لَلَّهُ أرحم بعباده من هذه بولدها) الله أرحم بعباده.
لكن الشاهد -يا عبد الله- أن الله أرحم بمن؟ بعباده.
نعم! يذنبون؛ بل حتى المتقون -أولياء الله- يقعون في الذنب؛ لكن يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] التقي لله إذا أذنب تذكر وانتبه وأتبع السيئة الحسنة تمحها، هذا هو المتقي لله، ولهذا فرق بينهم ابن مسعود، فقال: [المنافق يرى ذنبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا -يعمل الكبائر وكأنه ذباب وقع على أنفه فقال به هكذا وطار الذباب- أما المؤمن فيرى ذنبه مثل جبل يوشك أن يقع عليه] هذا هو الفرق.
أعلمت رحمة الله لمن؟ إنها لمن يذنبون لكنهم يتوبون ويستغفرون (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون).
يصف الله المتقين بأوصاف، ومن هذه الأوصاف ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران:١٣٥] هل المتقون يفعلون الفواحش؟! نعم قد يقع في الفاحشة، قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥] ثم قال: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] نعم! رحمة الله للذين لا يصرون، إذا فعل الذنب أو المعصية فر إلى الله جل وعلا، واستغفر وأناب، وركع وسجد، وتاب إلى الله جل وعلا فهؤلاء لهم الرحمات ولهم المغفرة.
عبد الله! توبة الله، ورحمة الله ومغفرته لها شروط:
أولها: الندم:
اندم على ما مضى اندم في هذا المجلس، فلعل السعادة تكون الآن، ولعل الله يسجلك الآن من أهل الجنة اندم على ما مضى وغداً يكون حقيقياً من القلب؛ كما قال الله: ﴿إِلّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:١١٠] القلب يتقطع.
ثانيها: أن تقلع عن جميع الذنوب والمعاصي:-
لا تقول: أستغفر الله وأنت لا زلت محتفظاً بالأفلام والأشرطة والكتيبات وغيرها، لا.
انتبه!
ثالثها: العزم على ألا ترجع إلى المعصية:
ولم يقل العلماء: لا ترجع، بل قالوا: تعزم على ألا ترجع، فلربما ترجع يوماً من الأيام تضعف النفس ويضعف الإيمان وترجع إن رجعت إلى المعصية، فعد إلى التوبة، فإن الله ﴿كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً﴾ [الإسراء:٢٥] كلما أذنبوا عادوا إلى الله جل وعلا.
стр. 423
التوبة إلى الله وخطر الرجوع إلى المعاصي
السؤال
لقد مررتُ بمرحلة خطيرة في حياتي، حيث بدأت بالسجائر والخمور والحبوب المسكرة وقد أدمنتُ عليها، أما الآن فقد بدأ قلبي يميل إلى ذكر الله ، وإلى قراءة القرآن الكريم، وقررت أن أترك هذه الأشياء التي كنت أمارسها، ولكن الماضي بدأ يلاحقني مرة أخرى، فأرجو من فضيلتكم التكرم بإعطائي بعض النصائح، وكذلك أرجو أن تدعو لي، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
عليك بأمور:
أولاً: غيِّر مكان الوظيفة:
إن كانوا معك في أي مكان فاهجر هذا المكان كما قال ذلك الناصح العالم: (إنك بأرض سوء، فاتركها واذهب إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها قوماً يعبدون الله فاعبد الله معهم).
أقول لك: يا عبد الله! اذهب إلى مخيماتهم إلى جمعياتهم إلى مجالسهم إلى مساجدهم إلى مراكزهم إلى أماكن تواجدهم وهم كثيرون، نسأل الله أن يحفظنا وإياهم كثيرون في هذه البلاد التي نسأل الله أن يحفظها ويحفظ أهلها، اذهب إليهم واطرق عليهم الباب، وقل: يا إخوة! إني تبت إلى الله، وأريد أن أعرف مجالسكم وأماكن تجمعاتكم أين تجلسون؟ ماذا تقرءون؟ ماذا تتعلمون؟ عندهم الذكر والإيمان والرحمات تنزل، وتغشى مجالسهم السكينة، وتحفهم الملائكة إلى السماء الدنيا، فاجلس معهم.
ثانياً: عليك بكتاب الله:
عليك بالقرآن الكريم، فليس هناك واعظ بعد الله مثل كلامه جل وعلا -كلام الله القرآن- اجعل لك ورداً في اليوم والليلة تقرأه بينك وبين نفسك، إما أن تقرأ أو تستمع، إما شريط أو قارئ يقرأ عليك، أو تقرأ في حلقة، أو تقرأ لوحدك اقرأ القرآن وتعلق به، سواء في الليل، أو بعد الفجر، أو بعد العصر، وأقل القليل أن تقرأ جزءاً واحداً، وهذا هو أضعف الإيمان؛ أن تقرأ في اليوم جزءاً بتدبر وخشوع ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّه﴾ [الحديد:١٦].
ثالثاً: عليك بالأذكار:
أذكار الصباح والمساء أدبار الصلوات دخول البيت الخروج من البيت دخول المسجد والخروج منه اللباس الجماع الطعام والشراب، كل شيء له ذكر؛ حتى الأوقات التي ليس فيها أذكار مخصوصة فإن فيها أذكاراً عامة (لئن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مِمَّا طلعت عليه الشمس) أتعرف لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦] إذا تركت الذكر مشى معك شيطان، فإذا قلت: أنا لا أراه، أقول لك: يا عبد الله! هذه حقيقة يمشي معك يدخل البيت معك يأكل معك، بل حتى يجامع الزوجة معك، إذا تركت ذكر الله جل وعلا، لماذا كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا دخل فجاً سلك الشيطان فجاً آخر، بل في بعض الروايات أن الشيطان يخر على وجهه إذا رأى عمر لماذا يا عبد الله؟ مِن ذكرٍ لله في القلب قبل أن يكون في اللسان.
رابعاً: عليك بالدعاء:
ادعُ الله جل وعلا، قل: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك.
يا عبد الله! إذا كان عندك بعض الذنوب والآثام فلا تقل: أنا منافق وقد نافقت، ولا أستحق أن أكون مع الصالحين، أو لا أصلح أن أصلي في بيوت الله؛ إما أن أكون مستقيماً (١٠٠%) وإما أن أكون فاجراً! لا يا عبد الله! هذه حيلة من حيل إبليس، وهذه مكيدة أتعرف ماذا يريد أن يودي بك؟ أن تترك الصلاة، وتهجر الصالحين، بل قلها: لم لا أترك المعاصي والذنوب وأكون مستقيماً على طاعة الله! إن لم تستطيع أن تتغلب على الذنوب والمعاصي فكن مع الصالحين، فلعل الله أن يعفو عنك ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] وجاهد نفسك لتتخلص من هذه الذنوب والمعاصي.
خامساً: احذر من سوء الخاتمة:
فإنك إن نويت الرجوع لعل ملك الموت ينتظرك، ولعلك يصدق فيك حديث النبي ﵊ الذي يقول فيه: (فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة -صلاة وذكر ودروس- حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع -سوف يدخل الجنة؛ بكاء وذكر وخشوع لو مات على هذه الحال دخل الجنة- فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).
عبد الله! هذا رجل كان صالحاً مع الصالحين لكنه فتر وضعف وقل الإيمان في قلبه لكنه لا يزال مصلياً، تعرَّف على أصحاب سوء وفجرة وفسقة، كان يجلس معهم لكنه كان يذهب للصلاة، يريد أن يوفق بين هذا وهذا، يقول: أتمتع شيئاً قليلاً معهم وأصلي مع الصالحين، وهذا الرجل مسكين! ألا يعلم أن حب الغناء والقرآن في قلب عبد لا يجتمعان؟!
في يوم من الأيام قالوا له: يا فلان! سوف نسافر، قال: إلى أين؟ قالوا: إلى بلد كذا وكذا.
قال: لماذا؟ قالوا: نريد أن نلعب ونلهو قال: أعوذ بالله! لا أذهب معكم، لأنه لا يزال في قلبه شيء من الصلاح كحال أكثر الناس، قالوا له: يا فلان! سفرة قليلة ثم نرجع؟ قال: أعوذ بالله أن أذهب معكم.
قالوا: تعال معنا -انظر حزب الشيطان انظر كيف يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير -قالوا: تعال ولا تفعل معنا شيئاًَ- قال: لا آتي، فلا زالوا به حتى أقنعوه، انظر خطوات الشيطان! فلما سافر معهم دخلوا الفندق، وكانوا في كل ليلة يذهبون للزنا والخنا وهو جالس في الغرفة لا يذهب معهم؛ لأنه لا يزال في قلبه شيء من التقوى والخوف من الله، ولكنه لم يبذل الأسباب، اسمع وتدبر -يا عبد الله- لعل الشيطان يستدرجك مثله، وكان يجلس كل ليلة في الغرفة فمكروا مكراً، وقالوا: هذا الرجل لا يذهب معنا ولا يفعل المعاصي معنا، لا بد أن نفعل له أمراً ونمكر به، فقال بعضهم: ماذا نفعل؟ قالوا: نأتي له ببَغِيٍّ -عاهرة داعرة- في غرفته، فجاءوا إليه في الغرفة، وأدخلوا عليه امرأة، وأقفلوا عليه الباب، فلا زال يصد ويغض البصر ويردها ويدفعها ولا زالت تحاول به وتراوده عن نفسها، ولا زال يردها حتى وقع بها، فلما وقع بها قبض الله روحه، ومات على هذه الحال.
عبد الله! الأمر استدراج عبد الله! لا تظن أن الأمر فقط هذه المرة وإن شاء الله أرجع، ما يدريك لعلك يختم لك على هذه الفعلة! ولعلك تموت وأنت معها! أو تموت وأنت تنظر لهذا الفيلم أو ذاك المسلسل الداعر! ما يدريك لعلك تموت على هذا الحال! هل تنفعك الصلاة؟! أم ينفعك القرآن؟!
عبد الله! إنما الأعمال بالخواتيم، وما من ميت يموت إلا بعث على ما مات عليه.
القضية ستون سبعون سنة ثم ماذا؟ ثم نقف عند الله خمسين ألف سنة هل تعادل هذه هذه كن حكيماً، وحاسب نفسك يا عبد الله.
стр. 424
مناصحة الشاب المنحرف بعد أن كان ملتزماً
السؤال
شخص من صغره حتى سن التاسعة عشر كان ذا دين وصلاة وإخلاص، والآن أهمل الصلاة، وحلق لحيته، وشرب الدخان، وعاشر البنات، نصحناه مرات ولا زلنا ننصحه فما الحل معه؟
الجواب
فلنستمر في النصيحة، ثم الدعاء، ولا تعلم ماذا يفعل الدعاء؟
اسمع إلى هذه القضية! هذا شيخ كبير يقول: كان لي جار كنت أنصحه كل يوم، وكان هذا الجار مولع بالطرب ودائماً يستمع للأغاني، فكنت كل فترة أنصحه، فيعاهدني على التوبة، لكنه يرجع في اليوم الثاني كما كان، لكن هذا الشيخ ما ملَّ منه، يقول: فجئته يوماً من الأيام فنصحته وأغلظت عليه في النصيحة، فرأيته فإذا به يبكي، فقلت: لعله تأثر، ثم ذهبت وجاءني في اليوم التالي وفي يده جميع الأشرطة، فقال لي: يا شيخ! خذ هذه الأشرطة واحرقها، قلت: ما الخبر؟ قال: تبت إلى الله، فقلت له: كيف؟ قال: يا شيخ! جلست في الليل أفكر في حديثك، وأتفكر في الكلام الذي قلته، فنمت على هذه الحال، فرأيت في المنام أنني على شاطئ البحر أمشي، فإذا برجل يأتيني فقال لي: يا فلان! قلت: نعم.
قال: أتعرف المطربة الفلانية؟ -التي كان يعشقها- قلت: نعم! قال: هي تغني في المكان الفلاني، فأخذت أركض باتجاه صوت الأغنية، ثم مسك بيدي رجل، فالتفت فإذا هو رجل حسن الوجه، فنظرت إليه فقلت له: دعني! فقال: لن أدعك، فقلت له: ماذا تريد؟ فقرأ علي قول الله جل وعلا في المنام وهو يرتل: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢] قال: فتعجبت في المنام من هذا الأمر، فأخذ يردد الآية وهو يرتل في المنام، يقول: وأخذت أردد معه الآية، ولما استيقظت من النوم وأنا أردد هذه الآية وأبكي ولا أدري عن نفسي، فدخلت علي أمي وأنا أردد هذه الآية وأبكي، فأخذت أمي تبكي معي وأنا أردد هذه الآية: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢] يقول: فمن لحظتها قررت التوبة إلى الله جل وعلا.
أيها الدعاة إلى الله! لا نيأس من رحمة الله، ندعو لهم، وأنت يا عبد الله لا تدعو إلى الله فتنفر الناس، لأن الدعوة لها آداب وشروط وصفات.
يا عبد الله! ابدأ معه باللين بالمواعظ بالرقائق بالأشرطة بالكتيبات بالنصيحة الغير مباشرة بالنصيحة المباشرة بالدعوة الفردية بالدعوة الجماعية لا تيأس من رحمة الله جل وعلا.
فهذا نوح ﵇ تسعمائة وخمسون سنة ما يئس من رحمة الله، ما آمن معه إلا قليل، كان مستمراً في الدعوة لولا أن الله قال له: قُفِل الباب، كفى ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦] هنا انتهى الأمر دعا على قومه وإلا فإنه كان غير آيس من رحمة الله استمر في الدعوة إلى الله ولا تيأس، ولعل الله أن يهديه قبل أن يموت.
стр. 425
النظر إلى النساء في التلفاز وتأثير ذلك على الإيمان
السؤال
ما حكم النظر إلى النساء في التلفاز؟ وهل يؤثر ذلك على الإيمان؟ كما نرجو من فضيلتكم تقديم نصيحة لأولياء الأمور أن يراقبوا أبناءهم في رؤية التلفاز لا سيما الأفلام المدبلجة وغيرها وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
أما بالنسبة للتلفاز فهو خطر عظيم، وشر مستطير يا عبد الله! إذا لم تستطع أن تخرجه من البيت فعلى الأقل خفف منه راقب التلفاز فالأولاد إذا نظروا إلى المسلسلات، أو الأفلام الثقافية، أو برامج دينية، أو بعض الأمور التي ليس فيها محرمات فلا بأس بهذا، أما أن نفتح التلفاز لكل من هب ودب؛ بل بعض الأولاد يدخلون التلفاز في الغرفة ويغلقون على أنفسهم الباب والأب لا يعرف ذلك؛ بل بعضهم أشر من هذا؛ يأتي بجهاز فيديو ويضعه في غرفته مع التلفاز ولا يعلم الأب ماذا ينظر الأولاد؛ بل بعضهم يأتي بالستلايت -البث المباشر- ويضعه في بيته، أتعرف ماذا في هذا الجهاز؟ أظن أن أكثركم يعرف هذا ثم يسأل: أولادي لا يصلون! كيف تريدهم يصلوا بعد أن ينظروا إلى هذه الأفلام وإلى تلك المسلسلات.
اسمع إلى هذا الخبر العجيب!
كان رجل فيه شيء من الصلاح ولكنه غافل عن تربية أولاده، وكان له ابن وبنت صغيران في السن، دخل عليهما البيت يوماً من الأيام، ولما فتح غرفة الأولاد فإذا به يجد الولد يفعل بأخته الفاحشة، وهما صغيران، فعنف عليهما وضربهما، ثم قال الأب للولد: لم فعلت هذا؟ قال: يا والدي! رأيته في التلفاز.
ولم تضربه يا عبد الله؟! أنت الملوم، وأنت المخطئ.
يا عبد الله! ثم إذا كبر الولد وعق أمه، والآن العقوق -ولا حول ولا قوة إلا بالله- حدث به ولا حرج عقوق الأمهات، وعقوق الآباء، وتفكك الأسر، والآداب الدخيلة كيف جاءت؟ أنت رجل صالح أدرى بهذا، وأنا أعلم أنك لم تعلم أولادك إلا الأخلاق الحسنة حتى الكذب تضربهم عليه، وهذا من حسن تربيتك لهم، وتأمرهم بالصلاة وجزاك الله خيراً، حتى القرآن تحثهم على قرائته؛ لكن يا عبد الله جئت بتلفاز يجلسون عنده أكثر مما يجلسون عندك، ويسمعون منه نصائح أكثر مما يسمعون منك؛ بل أصبح النجوم والأبطال والقادة والقدوات من؟ إما نصارى أو يهود أو شهوانيون أو فجرة وفسقة ثم تطلب منه أن يقرأ القرآن أو يصلي أو يركع ويسجد!
يا عبد الله! لا تكن متناقضاً إذا جاءك الشر ولا بد منه في البيت، فراقبه وحُد من شره، فمثلاً: بعد الثامنة أو التاسعة شيئاً فشيئاً حتى تتخلص منه، وأنا لا أقول هذا من باب إباحة المعصية! لا يا عبد الله! إنما أقول لك: إن استطعت أن تخرجه فأخرجه من بيتك، وكثير من البيوت -بفضل الله- تعيش بغير تلفاز، والحمد لله الأخبار تسمع من وسائل أخرى مذياع وجرائد ولا تظن أنهم يعيشون في ضيق ونكد! لا، بالعكس إذا دخل الأب يلتفون حوله، أما أنت إذا دخلت أثناء الفيلم أو المسلسل هل يقوم أحد يسلم عليك؟ بعض الآباء يدخلون يسلمون فلا أحداً يرد عليهم؛ بل يقول بعض الأولاد: لا تقاطع الفيلم! اتركنا ننظر!
أرأيت يا عبد الله؟! لا تقل: بيوت ليس فيها تلفاز فيها ظلمات وضيق ونكد! لا.
كيف أن بعض الزوجات الآن هداهن الله أصبحت تتعلم كيف ترد على زوجها تغلظ عليه القول؛ بل تقول له: أنا مثلك في البيت، وحالي مثل حالك في البيت؛ بل تريد أن تخرج كما يخرج الرجال، وتعمل كالرجال، وتفعل كل شيء، وتقول: لا يوجد فرق بيني وبينك!! كيف تعلمت المرأة كل هذا؟ ألم تنظر إلى أمها محجبة مستترة، لو أن أبا هذه الزوجة أمر زوجته أن تقوم الليل كله خدمةً لوالدها لفعلت ولا ترد له شيئاً، واسألوا العجائز: هل ترد الواحدة على زوجها؟ لا والله، الزوج كأنه أمر مقدس، إذا أمر بأمر تجدها تعمل وتكدح من الصباح إلى المساء ولا ترد له طلباً ما الذي جرَّأ كثيراً من النساء؟
إنه التلفاز يا عبد الله تغريب للبيوت هدم للعقيدة، يصبح الشاب إذا كان عمره عشرين سنة، تقول له: يا أخي! لا يجوز تهنئة النصارى بالكريسمس.
يقول: لماذا لا يجوز! هم نصارى ونحن مسلمون حالهم مثل حالنا، لهم دين سماوي ونحن لنا دين سماوي! كيف تعلم هذا الشاب هذه العقيدة الفاسدة؟! هذا يهدم دينه يا عبد الله؟ يقول الله جل وعلا واسمع إلى هذه السورة:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] سماهم الله كافرون ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٢ - ٦].
ألا يحفظ هذا الشاب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]؟!
أيها الشاب المسكين! أتعرف أنك عندما تهنئ النصارى بعيد الكريسمس أتعرف بم تهنئهم؟! كأنك تقول: أهنئكم بشتمكم للرب جل وعلا، (شتمني ابن آدم) أتعرف كيف شتمه لله؟! أن ينسب له الولد، وهم يحتفلون في هذا اليوم أن ولد الله عيسى ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً﴾ [مريم:٩٠ - ٩١] وهو يقول: عيدكم مبارك أو كلمات إفرنجية! يهنئهم بهذا الكفر والشتم لله جل وعلا، كيف تعلم شباب المسلمين هذا؟
التلفاز يا عبد الله البث المباشر الأفلام والمسلسلات، أنت رجل صالح وملتزم ومتمسك بالعادات والتقاليد؛ لكن كيف دخلت في بيتك على حين غفلة منك؟ إنه التلفاز شر وأي شر.
يا عبد الله! هَدَمَت الأسر، وضَيَّعَت الأولاد، وأفْسَدَت الأخلاق، ودَمَّرَت حتى العقائد إلا ممن رحم الله جل وعلا.
إذاً يا عبد الله! إذا استطعت أن تتخلص فتخلص، وإلا فخفف وهون عليك هذا الشر، وإذا استطعت أن تراقب فراقب التلفاز منع الأفلام والمسلسلات لا ستلايت وبث مباشر لا فيديو، شيئاً فشيئاً حتى تدخل البديل على البيت، ويصبح التلفاز مغلقاً لا يفتحه إلا بعض الناس، في بعض الحالات الاضطرارية، وليس فيه محرم ولا منكر.
والله أعلم.
стр. 426
الأسباب المعينة على صلاة الفجر ونصيحة للنساء
السؤال
نرجو منكم حثنا على أسباب تعين المسلم على صلاة الفجر، وقد ذكرتم في محاضرتكم أن البعض ينام على الأغاني، فهل يجوز لنا أن نذهب للنوم ونحن نستمع إلى القرآن من جهاز التسجيل؟
ثم ختاماً نرجو أن توجه كلمة تنصح بها النساء؟
الجواب
كل ما قيل في المحاضرة للرجال فهو للنساء أيضاً؛ ولكن نخص النساء بنصيحة لنفسي أولاً ثم لأخواتي النساء ثانياً:
أيتها الأخوات: لعلنا عندما تكلمنا عن تربية الأولاد نعلم -ونحن صادقون- أن أكثر من يجلس مع الأولاد ويربيهم هن النساء، فلهذا دورهن في تربية الأولاد أكبر من الآباء؛ لأن الأب -كما نعلم- يكدح ويعمل ويشقى؛ لأن يأتي ببعض لقيمات لأولاده وأهل بيته، أما الأم فهي التي تربي وتعلم وتدرس.
أمة الله! فرق بين أم تعلم أولادها منذ الصغر على الأفلام والمسلسلات والمصارعات والأغاني والطرب، وبين أم تربي أولادها أول ما ينطق الولد، يقول: سبحان الله، والحمد لله، وإذا أكل قال: باسم الله، وإذا انتهى من الطعام قال: الحمد لله.
أعرف -أيها الإخوة وأسأل الله أن يبارك في مثل هؤلاء الأولاد- أولاداً أعمارهم ثلاث سنوات، لا يأكلون الطعام إلا ويقولون: باسم الله! ولا يدخلون الخلاء إلا ويقولون: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) ولا ينتهي من الطعام إلا يقول: الحمد لله، وإذا سمع الأغاني والموسيقى إلا ويذهب يغلق التلفاز والمسجل، وأعرف بعض الإخوة له ولد -أسأل الله أن يبارك فيه- لو كان في الشارع وبجانب الشارع سيارة قد فتحت الموسيقى يناديه -عمره ما أكمل أربع سنوات- ويقول: أما تدري أن الموسيقى حرام؟! أغلق الموسيقى.
عبد الله! هلا ربينا أولادنا على هذا؟!
اسمع لهذا الشاب، وأختم بهذه القصة لأولئك النساء:
رجل حث على الجهاد في سبيل الله، فإذا به بعد الخطبة جاءته امرأة، فقالت له: يا شيخ! ولم يلتفت إليها، قالت له: يا شيخ! فأعطته صُرَّة وقالت له: يا شيخ! ليس عندي إلا هذا أتصدق به للجهاد في سبيل الله، امرأة تجاهد بمالها في سبيل الله، انظروا مَن مِن النساء، الآن تجد بعض النساء لو أراد الزوج أن ينفق شيئاً من المعاش في سبيل الله لقالت له زوجته: لا.
عندنا أثاث، وأريد ذهباً مثل فلانة؟ ولم لا تذهب بي إلى هذه المطاعم؟ ولم لا نسافر إلى بلد كذا وكذا؟ قال: يا فلانة! أريد أن أتصدق ببعض المال قالت: لِمَ نتصدق؟ وليس الأمر واجباً، إنما ندفع الزكاة وكفى مثبطة عن طاعة الله، لكن بعض النساء تصدقت بصُرَّة، ولما فتح الشيخ هذه الصُّرَّة فإذا فيها ضفيرتان، ما عندها إلا جسمها، قصت شعرها وتصدقت به في سبيل الله؛ لأن أغلى ما عند المرأة هو شعرها، قصته وأعطته لذلك الشيخ، وقالت: أسألك يا شيخ أن تجعله رباطاً لفرسك في سبيل الله، فربطه الشيخ لفرسه في سبيل الله، وأراد أن يذهب للمعركة فناداه صبي صغير، فقال له: يا شيخ! قال: ماذا تريد؟
قال: أن تحملني معك للجهاد، قال: أنت صبي صغير وعذرك الله، قال: أقسم عليك بالله لتحملني معك في الجهاد، قال: أنت صبي صغير، قال: أقسمت عليك بالله، فقال له: بشرط، قال: ما هو الشرط؟ قال: إذا مت وبعثك الله فاشفع لي عند الله يوم القيامة، قال: لك ذلك الشرط، فحمله معه على الفرس، وذهب إلى الجهاد، وبدأت المعركة، وحَمِي الوطيس، فإذا بهذا الشاب الصغير يقول للشيخ: يا شيخ! أعطني سهماً ولا يرد عليه الشيخ، والمعركة قد حميت، فقال له: أعطني سهماً، فأعطاه ثلاثة أسهم، فقال: باسم الله! ورمى سهماً، فأصاب به نصرانياً فقتله، والثاني قتل آخر، والثالث قتل آخر، فقتل ثلاثة بثلاثة أسهم، ثم وهو في المعركة أصيب بسهم فسقط من على الفرس، فنزل الشيخ ومسح الدم عن وجه هذا الصبي، فقال للشيخ: يا شيخ! أعطِ هذه الخرقة لأمي، قال: يا بني! ومن أمك؟ قال: أمي صاحبة الضفيرتين ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٣٤] فأخذ الصُّرَّة ودفن الولد، ثم رجع إلى البيت وطرق الباب، فخرجت بنت صغيرة، فقال لها الشيخ: أين أمك؟ قالت: وأين فلان أخي؟ قال: أبشركم بأنه مات في سبيل الله، فهلل أهل البيت وكبروا، ثم قالوا: مات أبوه فاحتسبناه في سبيل الله، ومات أخوه الكبير فاحتسبناه في سبيل الله، والآن مات أخونا الصغير فنحتسبه عند الله، الله أكبر!
هذه التربية؛ ليست تربية مطاعم الوجبات السريعة إلى منتصف الليل والولد عند المطاعم متى يأتي؟ آخر الليل، أين ذهب؟ لا ندري، الأم عند فلانة وفلانة، الأم لا تعرف إلا الأفلام والمسلسلات، ثم إذا انتهت الأفلام والمسلسلات رفعت سماعة الهاتف ساعة وساعتين تكلم فلانة أين الأولاد؟ لا تدري أين البنات؟ لا تردي ماذا يستمعون؟ لا تدري، والله إنها مسئولة عند الله -جل وعلا- عن هؤلاء الأولاد.
إنها جريمة في حق الأولاد إذا فعلنا بهم هذه الأفعال؛ بل حتى الأب -يا عبد الله- ولستَ أنت أيضاً بمبرأ عن هذا الكلام، فأنت مسئول عن ابنك أين توصله؟ وأين ترسله؟ ومع من يجلس؟ وماذا يرى؟ وماذا يستمع؟ وماذا يلعب؟ وهل يصلي أم لا يصلي؟
عبد الله! أنت مسئول عن الأولاد، وليس الأمر فقط إنجاب الأولاد ثم رميهم في الشوارع! لا، تسأل عنهم واحداً واحداً يوم القيامة.
ثم يا عبد الله! إن لم نحسن تربية الأولاد أتعرف ما الذي سوف يحصل؟
سوف تجد الثمار في الدنيا قبل الآخرة أتعرف كيف؟
استمع لهذه القصة:
قبل أيام نَشرت عندنا في الكويت في جريدة الوطن، نَشرت هذه القصة وهي غيظ من فيض، وما خفي أعظم:
أم عجوز طردها ابنها من البيت، فذهبت إلى دور العجزة -دور الرعاية- فاتصلوا على ابنها يأتي ليعمل الإجراءات الرسمية ليدخل أمه، فقال: أنا مشغول وغير مستعد، قالوا له: يا فلان! أما تستحِ؟! أمك عندنا.
قال: افعلوا ما تفعلون لست مستعداً أن آتي إليها، فذهبت هذه الأم في الشوارع تبحث عن لقمة عيش، فما وجدت إلا المستشفى تدخله فتسقط فيه أياماً وقد آلامها المرض، فإذا بها تشتكي في الجرائد والمجلات تشتكي إلى الله جل وعلا من عقوق الأبناء.
أتعرف يا عبد الله من هو المسئول؟
أولاً: أنت إذا لم تحسن تربية الأولاد فإنك سوف تجني ثمرة العقوق قبل أن تموت وقبل أن تلقى الله جل وعلا.
عبد الله وأمة الله! عليكم واجبات في تربية الأبناء والبنات، وفي إصلاح البيوت الواحد منا إذا رجع إلى البيت: هذه الصور لماذا هي معلقة؟ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة أين البركة؟ لماذا الصور تُعَلَّق يا عبد الله؟ أنزل الصور، لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب أو صورة، الموسيقى لا نريد أن نسمعها في البيت.
عبد الله! لم لا تجعل مسجلاً، هناك أشرطة إسلامية؛ مواعظ قرآن أذكار تجعلها في البيت إذاعة القرآن أو غيرها، تشتري بعض الكتيبات وتضعها في البيت في الصالة؛ لتقرأ الأم والأخت، ويقرأ الأولاد.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه آجمعين.
стр. 427
لحظة لا بد منها
إن العبد إذا أصلح نيته، وعبد الله وأطاعه وأخلص له؛ بُشر بعمله ذلك في الحياة الدنيا عند الممات، فحسنت خاتمته، وإذا أفسد النية، وعصى الله ورسوله، وحارب الدين الحنيف، بُشر بعذاب الله وسخطه في الدنيا عند الممات، فساءت خاتمته، ولابد لكل إنسان أن يعلم أنها لحظة لابد منها ألا وهي: ساعة السكرات، وقد كان يخافها الصالحون والأتقياء الأبرار، فأقضت مضاجعهم، وأحرقت أفئدتهم.
стр. 428
السلف وتذكرهم للموت
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الإخوة الكرام! (لحظة لا بد منها) موقف لا بد منه، ساعة قادمة لا محالة؛ فما هذه اللحظة التي لا بد منها؟
لا بد أن نمر فيها المؤمن والكافر، الصالح والفاجر، صغير أو كبير، غني أو فقير، هذه اللحظة لا بد منها أي لحظة تلك؟
هي لحظة الاحتضار، ساعة السكرات، الفراق من هذه الدنيا، فكر معي في هذه الجلسة في هذه اللحظات التي هي حقاً لا بد منها؛ فكل الناس ميتون: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] هل أنت منهم؟ إي والله؛ لكن فعلك لا يوحي بذلك، لكن تصرفاتك وقلة عبادتك وضعف اليقين لا يوحي بأنك مؤمن بهذه الآية حق الإيمان، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)) [آل عمران:١٨٥].
كان عمر بن عبد العزيز ﵀ يجلس كل ليلة مع العلماء والعُبَّاد والزُّهَّاد يتذاكرون الموت وهذه اللحظة؛ فيبكون كأن جنازة بين أيديهم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
وكان عثمان ﵁ إذا ذُكر له الموت بكى.
وكان سفيان إذا قيل له عن الموت شيء أو ذكر الآخرة أخذ يبكي حتى يبول الدم ﵏ جميعاً.
أكثروا ذكر هادم اللذات.
أرأيت الغفلة؟! إنما جاءت بعد أن نسي الناس هذه اللحظة التي هي لا بد منها، قال بعضهم:
إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى يدني من الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً فإنما الربح والخسران في العمل
سليمان ﵇ نبيٌ من الأنبياء كان جالساً مع أحد أصحابه، فجأة دخل رجل ثالث عليهما، فأخذ الرجل الثالث ينظر إلى الرجل الذي عند سليمان -اسمعوا القصة العجيبة- فخاف الرجل، رجل غريب دخل وأخذ يحد النظر وينظر إليه بعينين محدقتين، فلما خرج الرجل الغريب قال صاحب سليمان: يا نبي الله، من هذا الرجل الذي دخل؟ قال: لم تسأل؟ قال: رأيته ينظر إلي نظراً محدقاً ففزعت منه، قال: ألم تعلم من هو؟ قال: لا يا نبي الله، قال: هذا ملك الموت، فخاف الرجل وقال: يا نبي الله احملني، قال: لمه؟ قال: احملني إلى أي أرض بعيدة أهرب من ملك الموت، كل الناس يخافون من الموت، فحمله سليمان إلى بلاد بعيدة قيل: هي الهند، فلما نزل الرجل، فإذا بملك الموت يستقبله، فقَبَضَ روحه.
فجاء ملك الموت إلى سليمان ﵇ قال: له نبي الله: يا ملك الموت أخبرني عن قصة هذا الرجل، قال: هذا قصته غريبة، قال: ما قصته؟ قال: أمرني ربي أن أقبض روحه في تلك البلاد فوجدته عندك فقلت: سبحان الله! أمرني ربي أن أقبض روحه في تلك البلاد البعيدة وهو عندك جالس، يقول: فإذا به يذهب بنفسه إلى حتفه: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة:٨].
مهما فعلتَ وصنعتَ وأخذتَ من الاحتياطات واستعديت يا أخي العزيز لصحتك؛ فإن الموت قادم مهما فررت، أرأيت المستشفيات كيف تمتلئ؟!
أرأيت الناس ماذا يصنعون؟!
أرأيت الناس عن ماذا يبحثون؟!
عن الحياة لكنه الموت: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
أخي العزيز! فكر في هذه اللحظات والناس على صنفين:
- منهم من يموت وخاتمته حسنة.
- ومنهم من يموت -والعياذ بالله- وقد ساءت خاتمته.
كم من الناس من فضحه الله عند الموت، فُضِح -إي والله- فإذا به يكفر ويفجر، وإذا بملك الموت يقبض روحه وهو على فجوره ومعصيته.
كان يقول: إنها آخر مرة أعصي الله ثم أتوب بعد هذا، وما يدري أنها اللحظة الأخيرة، إنها السكرة، إنه على موعد مع ملك الموت.
كان يقول: سوف أتوب إذا قدم الحج، سوف أتوب في رمضان، سوف أتوب بعد شهر أو شهرين والمسكين لا يدري أن الموت أقرب: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾ [الشعراء:٢٠٥] في لهو وطرب وسكر وعربدة: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٦] الموت! ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٧].
سفيان الثوري يقول: [والله لا أخاف ذنوبي -الأمر ليس بالذنوب، الذنوب يتوب منها؛ لكنه يقول: لكن أخاف أن أسلب الإيمان قبل الموت] أخاف أن أُفتن فأسلب الإيمان قبل الموت.
أحد السلف يقول: [والله إني أخاف أن أُفتن قبل موتي، قالوا: وكيف ذاك؟ -كيف تُفتن- قال: أخاف أن يشتد نزعي -يعني: خروج الروح- ثم أقول كلاماً لا يرضي ربنا، ثم أُفتن قبل الموت].
يقول ﵊: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة -من صلاة وصيام وقيام وركوع وسجود- حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم:٢٧] الظالم يضله الله قبل الموت.
стр. 429
نماذج لأناس ساءت خاتمتهم
اسمع إلى الأولين والحاضرين كيف ساءت خاتمتهم، وكيف حسنت خاتمة بعضهم:
العماد المقدسي هذا رجل صالح يقول عنه صاحبه ابن قدامة رحمهما الله: (والله ما أعلم أنه عصى الله معصية واحدة) ما رأيته في حياتي كلها على معصية واحدة، أرأيت إذا استقام الرجل! مَن صلح ظاهره وصلح باطنه لا تسوء خاتمته، إنما تسوء خاتمة من أقدم على الكبائر، أو فسد عقله ودينه، أو أقدم على الذنوب العظام، هذا الذي تسوء خاتمته، أما مَن أصلح ظاهره وأصلح باطنه فإن الله يثبته، أتعرف ماذا فعل هذا الرجل قبل الموت؟
قال وهو يحتضر: يا حي يا قيوم! لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث يقولون: فاتجه باتجاه القبلة ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
﴿إِنَّ الَّذِينَ قالوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا﴾ [فصلت:٣٠] يقول ابن عباس: [تتنزل -أي: حقيقة- عند الوفاة] أتعرف ماذا تقول؟ ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠].
أما من فسد واستمر على الذنوب والمعاصي فاسمع ما يحدث له!
стр. 430
رجل كفر بـ (لا إله إلا الله) عند الموت
وهذه القصص التي سوف أذكرها لكم إنما هي والله قليلٌ مِن كثيرٍ مما نعاشرُه ونعاصرُه، بل تركت بعض القصص الحقيقية خشية أن يكذبني بعض الناس، ومَن سأل وعايش ومَن عُمِّر يسمع مِن هذه الأخبار العجب العجاب.
يقول عبد العزيز بن أبي روَّاد: حضرت رجلاً عند الموت يلقن أي: يقال له: قل لا إله إلا الله، فكان آخر كلمة قالها: هو -وهم لا يقولون: أنا حتى لا يلفظون ألفاظ الكفر- كافر بما تقول، هو كافر بما تقول، فقالوا له: قل لا إله إلا الله، فيقول: هو كافر بما تقول، هو كافر بما تقول، يقول: فلا زال يرددها حتى مات، يقول: فسألتُ عنه ما جريمته؟ ما مصيبته؟ مسلم مع المسلمين قالوا: هذا الرجل كان يدمن الخمر، وكان يشرب الخمر كثيراً.
أتأمن أيها السكران جهلاً بأن تفجعك في السكر المنية
فتضحى عبرة للناس طرىً وتلقى الله من شر البرية
أيأمن الذي يشرب الخمر أو يتعاطى المخدر أن يلقى الله على هذه الحال؟!
﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩].
стр. 431
نهاية متعاطي المخدرات
بل نسمع عن كثير من الناس في الشهر الماضي عندنا في البلد مات ثلاثة عشر شاباً، كلهم صغار في السن، أتعرف كيف ماتوا؟ كلهم ماتوا متعاطين للمخدرات، ثلاثة عشر شاباً في شهر واحد، الله أكبر! (ما من ميت يموت إلا يُبعث يوم القيامة على ما مات عليه)، ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤].
يقول لي أحد رجال المباحث: دخلنا إحدى الشقق وكسرنا الباب وإذا بالرائحة متعفنة، فوجدنا جثة على هيئة سجود متعفنة يخرج منها الدود، أتعرف كيف مات؟ مات وهو يتعاطى المخدرات، تقول لي: سجد لمن؟
أقول لك: العلم عند الله، متعاطٍ ساجد مات على هذه الحال منتحراً قبل الموت.
أخي العزيز! ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ:٥٤].
يقول عبد العزيز بن أبي روَّاد الذى رأى هذا الرجل ﵀: اتقوا الذنوب فإنها هي التي أوقعته.
الذنوب والمعاصي يا عبد الله! العمر واحد، والحياة مرة، والموت مرة واحدة، وليست هناك فرصة أخرى، من مات انتهى أمره وعمله، لا ندم، لا توبة: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرر) فإذا غرر انتهى أمره ولو كانت فيه روح.
стр. 432
فتاة تموت في يوم عرسها
اسمع إلى تلك الفتاة التي كانت تحلم وتأمل الآمال والأحلام، جاءها من يريد خطبتها، فوافق الأهل ووافقت البنت، وكانت أسعد لحظات حياتها، ثم جاء وقت عقد القران فعُقِد عليها وفرحت البنت الشابة الصغيرة، فإذا بها تذهب مع أمها وأخواتها لتشتري الثياب والذهب وتعد لحفلة الزفاف، يا ألله! إنها أسعد لحظات الفتاة، تتأمل هذه اللحظات، كيف يدخل عليها زوجها! كيف تخرج معه! ماذا سوف تلبس! كيف سوف ندعو الناس! في أي مكان! ما هي الوجبات! ما هو الطعام! ماذا سوف أفعل! ماذا سوف نصنع! من سوف تغني! إنها أسعد لحظات الفتيات.
يقولون: في يوم زفافها بعد أن كانت قد ذهبت إلى إحدى الصالونات، صفَّفَت شعرها، وفعلت ما فعلت، الله أعلم هل هو من الحلال أو من الحرام، الله أعلم ماذا صنعت! يقولون: وفي السيارة وهي ذاهبة إلى الصالة أصيبت بحادث، وانتهى كل شيء، وخرجت الروح إلى بارئها.
تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجرِ
فكم من صحيح مات من غير علةٍ وكم من سقيم عاش حيناً من الدهرِ
وكم من صغار يُرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبرِ
وكم من عروس زينوها لزوجها وقد نسجت أكفانها وهي لا تدري
стр. 433
شاب يصاب بمرض الإيدز
بل اسمع -يا عبد الله- إلى هذا الشاب الذي غرق في الذنوب والمعاصي، كلما جمع بعض الأموال ذهب إلى بلاد الحرام يفعل الفجور، ويزني ويعاشر النساء، ويشرب الخمور.
وكان لا يبالي، همه في الحياة النساء الفتيات الزنا الحرام الخمر يوم من الأيام سقط في الفراش مريضاً؛ حُمِل إلى الطبيب لكنه لم يقوَ على الخروج، يوم ويومان المرض يزداد والأدوية لا تنفع، الرجل يزداد مرضه بعد التحاليل جلس إليه الطبيب قال: أريد أن أخبرك بخبر قال: وما هو؟ قال: وتتحمل الأمر قال: أخبرني قال: للأسف بعد أن حللنا الدم علمنا أنك مصاب بمرض الإيدز.
كأنه حكم بالإعدام، بل الإعدام أرحم، إي والله الإعدام أرحم، فإن موت الإيدز موت بطيء، قد يظل الرجل يتألم شهوراً، أسمعتم بهذا؟ شهوراً قد يظل على الفراش، يصل إليه الأمر أن يُشَل جسمه، ألم لا يقوى عليه حتى لو يُعطى المسكنات لا ينفع، يصاب بالشلل، يصاب بالعَتَه، يصاب بالعمى، يصاب بالخرس ربما شهور وهو على الفراش، لا يقرب منه أحب الناس إليه، بل بعضهم أجلكم الله لا يستطيع أن يقضي حاجته، ويقضي الحاجة على فراشه، تخيلتَ! تصورتَ! يا ليته مات قبل هذا: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣].
стр. 434
شاب يموت على سماع الموسيقى
أخي العزيز! أسمعت بهذا الرجل الذي مات وهو يسمع الغناء والطرب؟
يقول: كنا شابين ذهبنا للدراسة في بعض البلاد، فدخلنا ذلك المكان الذي سوف نسجل فيه للدراسة يقول: وكان صاحبي في سيارته في الموقف فقلت له: تعال لنذهب نسجل للدراسة يقول: وقد فعلنا من الحرام ما فعلنا فقال لي صاحبي: لا.
سوف أنتظرك في السيارة، قلت له: ماذا تصنع؟
قال: اذهب سجل واسأل: هل هناك تسجيل ثم ارجع، يقول: فذهبت إلى العمارة وهو واقف في سيارته يقول: وطال بي المقام، فرجعت بعد ساعات إلى صاحبي فوجدته نائماً في السيارة، فتحت الباب قلت له: يا فلان، قم، يقول: وصوت الموسيقى خارج السيارة يقول: فلم يرد علي، قلت له: يا فلان قم، يقول: فلم يجبني، يقول: حركته، يقول: سبحان الله! لم يكن به بأس أبداً، مات وهو يستمع الموسيقى مات وهو يستمع إلى الغناء.
منهم من مات وهو يغني، منهم من مات وهو يدندن، منهم من مات أمام الناس وهو يرقص ويغني ويفسق ويفجر والناس كلهم شهود عليه وأتاه ملك الموت وقبض روحه.
تنام ولم تنم عنك المنايا تنبه للمنية يا نئومُ
تموت غداً وأنت قرير عينٍ من الغفلات في لُجج تعومُ
لهوتَ عن الفناء وأنت تفنى وما حي على الدنيا يدومُ
والمصيبة أن بعض الناس غره ظاهره، نظر، ما شاء الله! اللحية، والإزار قصير، والسواك في الجيب، ظن أنه بهذا قد بلغ الفردوس وما يدري أن هذا مهم ولكن الأهم سلامة القلب: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
هل سمعتَ برجل يصلي الصلوات الخمس يقضي ليله على الفضائيات والقنوات الخليعة؟!
هل سمعت بشاب يتظاهر بالسنة وربما تبدو عليه آثار السنة يجلس أمام الإنترنت بالساعات الطوال يدخل على بعض المواقع الإباحية، والمسكين يظن أنه لا أحد يراه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]؟!
هل سمعتَ بفتاة تتظاهر بالحجاب والستر والعفاف، فإذا نام الأهل، وهدأت الأصوات، وسكن الناس دخلت إلى غرفتها فرفعت سماعة الهاتف تكلِّم صاحبها ويكلمها؟!
هل سمعت بمن يتظاهر بالسنة يجلس مجالس لا همّ له فيها إلا الغيبة والنميمة، ثم يقول: نحن على خير، فاللحية لا زالت على السنة، والثوب على السنة، والسواك في اليد، وهذا مهم، وظن المسكين أنه بهذا قد وصل.
стр. 435
رجل يموت ورأسه في مصرف المجاري
أخي العزيز! الغفلة وما أرداك ما الغفلة!
شخصية كبيرة أعرفه، قضى حياته كلها أتعرف في أي شيء؟
قضى حياته في حرب شريعة الله ، رجل ممن يسمى بالعلمانيين يحارب شريعة الله طوال حياته، يحارب الإسلاميين، يحارب أهل الدين، يحارب شريعة الله، أتعرف كيف مات؟ مات ورأسه عند مصرف المجاري، يقولون: قَبُح وجهه وهو ميت، الذين غسلوه يقولون: هذا فلان! قَبُح وجهه وقَبُح منظره: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُم﴾ [الأعراف:١٨٥].
من منكم يضمن -أيها الإخوة الكرام- أن يرى شروق الشمس؟! من يضمن أن يأتي الفجر عليه؟!
والله لا أحد، أنا وأنت لا نضمن، من منا يضمن أن يرجع إلى البيت؟!
من الناس من يقول الآن: سوف أرجع إلى البيت فأحرق الصور، وأتلف الأشرطة، وأزيل هذا الجهاز، بل سوف أرجع إلى البيت وأغيِّر حتى رقم الهاتف، وألغي هذه الأرقام حتى لا يعرفني أحد، وأهجر هذه المجالس أقول لك: يا أخي الكريم! أنت أملك طويل، هل تضمن أن ترجع إلى البيت؟! هل تضمن يا أخي العزيز أن تسمع نهاية حديثي؟!
هل تضمن يا أخي الكريم أن تسمع آخر كلمة أقولها؟!
والله لا نضمن، أن نسمع أذان العشاء، بل لا نضمن إذا خرج النفس أن يرجع إلينا مرة أخرى.
стр. 436
شاب انسلخ عن منهج الله
أخي العزيز! (ما من ميت إلا يُبعث يوم القيامة على ما مات عليه).
اسمع إلى هذا الشاب! ونحذر كل من أقبل على الله ثم انتكس، كل من استقام ثم انحرف! انتبه! انتبه! القضية ليست بالهينة!
يقول بعض كبار السن -والقصة قريبة لعلها في العقود الماضية- ممن كانوا يبحرون في البحر للتجارة: كان هناك شاب ركب معنا في السفينة يريد التجارة معنا يقولون: كان هو المؤذن والإمام يدعوهم للصلاة، ويعنف على من يتأخر عن الصلاة، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، إمامهم ومؤذنهم، الله أكبر! شاب صالح يقولون: فَرَسَت السفينة عند جزيرة من جزر الهند للتجارة، يقولون: فلم ينزل من السفينة خشية على دينه والثبات عليه، ومرت الأيام، ترسو السفينة أياماً حتى يتبضع الناس، يقولون: فجاء صاحب له؛ انظر لأصحاب السوء، فقال له: يا فلان لم أنت حابس نفسك في السفينة؟
قال: لا أريد أن أنزل.
قال: لمه؟
قال: أخشى الفتنة.
قال: تعال، ولا تدخل إلى مواقع الفتنة، تعال إلى السوق فقط يقولون: فراوده حتى اقتنع، فنزل معه وأخذ يتجول ويطلق لعينيه العنان، يقولون: حتى اقترب من موضع فساد فقال له الصالح: ما هذا؟ قال: هذا مكان الفجور لا تقرب منه، فقط اجلس هنا، سوف أدخل ثم أخرج إليك، قال: يا فلان! اتق الله، قال: اتركني ألهو برهة من الزمن ثم أخرج، يقولون: وانتظَرَ صاحبَه، يقولون: وأخذ ينظر إلى كل من يدخل ومن يخرج، أرأيت! إنها خطوات الشيطان، خطوة خطوة، يقولون: فلما نظر اقترب، فتح إحدى النوافذ وأخذ ينظر إلى الداخل، فتحرك قلبه للمعاصي وللذنوب يقولون: ولم يفعل شيئاً فرجع إلى السفينة.
وفي اليوم الثاني نزل بنفسه إلى المكان، أرأيت! إنها خطوات الشيطان يقولون: فنزل إلى المكان بنفسه، لم يحتج إلى أحد، فدخل، فأخذ يعاشر ويعاقر الحرام ويشرب من الحرام ويفعل الحرام يقولون: وظل أياماً في ذلك المكان لم يخرج منه أبداً.
ولما حانت ساعة الرحيل قال قائد السفينة: أين فلان؟ ركب الناس، قالوا: لا نعلم قال: انزلوا ابحثوا عنه فبحثوا فوجدوه في مكان الفجور والدعارة يقولون: فرجعوا إلى قائد السفينة قالوا: إن فلاناً قد فسد دخل إلى ذلك المكان الفاجر، قال قائد السفينة: ائتوني به قالوا: لا يرضى قال: قيدوه وأتوا به وفعلاً، يقول كبار السن: فقُيِّد بالحبال وأدخل السفينة رغماً عنه وهو يبكي وهو يقول: لا أريد أن أذهب معكم، أريد أن أمضي حياتي في هذا المكان، أرأيت كيف انتكس!
يقولون: ومرت السفينة وسارت في البحر، يؤذن المؤذن فلا يصلي معهم، يقولون: فقط جالس في السفينة يبكي، يبكي بكاء شديداً حتى جاءه قائد السفينة يوماً لما اشتد بكاؤه قال: يا فلان! لقد أزعجتنا، لقد رفعت الصوت حتى مللنا منك لم تبك هذا البكاء؟
قال: أتريد أن تعرف؟ قال: نعم، يقولون: فكشف عن سوءته -عورته- يقولون: فنظر إلى سوءته قد أصابها المرض ويخرج منها الدود، يقولون: حتى فزع قائد السفينة وهرب منه، قال: أعوذ بالله! أعوذ بالله! لم نسمع بهذا من قبل.
يقولون: وفي تلك الليلة قام كل مَن على السفينة على صوت صيحة شديدة وصراخ يقولون: فاتجهوا ناحية الصوت في آخر الليل فوجدوا هذا الشاب عاضاً على خشبة في السفينة وقد زَهَقَت روحُه، أرأيت! أرأيت!
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٧٥] مثل: الثعبان، أرأيت الثعبان كيف ينسلخ من جلده؟! هكذا: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْها﴾ كان يصلي الآن لا يصلي، كان يقرأ القرآن الآن يستمع الغناء، كان يذهب إلى الحج والعمرة الآن يذهب إلى بعض البلاد ليفعل الحرام: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] أي: بالدين ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف:١٧٦].
أتعرف مَثَل هذا الرجل الذي ينسلخ، الذي ينتكس؟! كان يقوم الليل، الآن في الليل على الفضائيات؛ أفلام، مسلسلات، رقص، غناء، كان يبدأ صباحه أول ما يبدأه بصلاة الفجر في المسجد أما الآن صباحه على الأغاني والموسيقى، كان يذهب يتجول ليدعو إلى الله، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، الآن يتجول لينظر إلى النساء ويعاكسهن، أرأيت! ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا﴾ [الأعراف:١٧٦].
стр. 437
امرأة تقتل ولديها ارضاءً لعشيقها
أخي العزيز! أسمعت بأناس عشقوا حتى مرضت قلوبهم وسقمت القلوب من العشق؟! أسمعت بمرض العشق؟!
مرض الزمن، شباب ورجال يبكون أتعرف لم يبكون؟
لأن حبيبته فارقته، الله أكبر! أسمعت برجل احمرَّت عيناه من البكاء، ودق جسمه، وترهل واحدودب ظهره ومرض وسقم تعرف لماذا؟ لأنه يعشق، الله أكبر!
أسمعت بامرأة أنجبت طفلين صغيرين من أجمل ما خلق الله، أحدهما عمره سنة والآخر ثلاث سنين، طلقها زوجها فعشقت رجلاً وعاشرته بالحرام، فامتنع الرجل عنها، قال: إن أردتيني فتخلصي من الطفلين، أتعرف ماذا صنعت؟ وضعتهما في سيارة، ودفعت السيارة إلى أحد الأنهار، فسقطت السيارة وفيها الطفلان، وغرق طفلاها إرضاءً لعشيقها إرضاءً لحبيبها.
أسمعت برجل ضرب أمه وأباه إرضاءً لعشيقته؟!
أسمعت برجل دمَّر أسرته لعين عشيقته؟!
أرأيت! إنه مرض العصر إي والله، إنه مرض العصر.
قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم العشق أعظم مما بالمجانين
العشق لا يستفيق الدهر صاحبه وإنما يصرع المجنون في الحين
إي والله، أما العشق فإنه لا يستفيق صاحبه.
стр. 438
ابن عباس يؤتى بشاب عاشق
ابن عباس في يوم عرفة -وعرفة قريبة منا- استشِعْر لَمَّا يقال: لك: عرفة، ومنى، ومكة، استشعر هذه البلاد، أعظم يوم، يوم عرفه، وابن عباس كان جالساً بعد العصر، وهذه أفضل ساعة في يوم عرفه، آخر الساعات في أفضل يوم، والرب ينزل، والمكان عظيم، وجيء لـ ابن عباس بشاب يُحمل، شاب ضعيف قد ترهل جسمه ونحف، فتى بلِيَ بدنُه يُحمل إلى ابن عباس، فقال ابن عباس: [سبحان الله! ما هذا؟ فقالوا له: استشفِ لهذا يا ابن عم رسول الله -أي: ادعُ له الله قال: ما به؟ قالوا: يا بن عم رسول الله إن به مرض العشق -العشق في أيام ابن عباس - فقال ابن عباس: ماذا؟ قالوا: العشق، فأخذ الشاب الضعيف صاحب البدن المريض الذي يوشك أن يفارق الحياة، فأخذ يترنم يقول شعراً أتعرف ماذا قال؟ اسمع ماذا قال هذا الشاب:
بنا من جوى الأحزان والصب لوعةٌ تكاد لها نفس الشفيق تذوبُ
ولكنَّ ما أبقى حشاشة مقولٍ على ما به عودٌ هناك صليبُ
وما عجبي موت المحبين في الهوى ولكن بقاء العاشقين عجيبُ
قال ابن عباس: ويحك! ماذا تقول؟
يقولون: فأخذ يصيح ويضطرب بين يدي ابن عباس حتى خرجت روحه في يوم عرفة.
وما عجبي موت المحبين في الهوى ولكن بقاء العاشقين عجيبُ
يقول عكرمة: فما زال ابن عباس ﵄ يتعوذ من العشق يومه ذلك حتى غربت الشمس].
إنه مرض! ألا ترونهم ماذا يكتبون؟ ألا ترون أشعارهم؟
جنون وغرام، بل والله إن بعض أشعارهم لا تقال إلا في الله، عبادة يعبدون بها من يعشقون إي والله!
أسمعت بمن سجد لعشيقته فكانت السجدة الأخيرة، ويلقى الله على هذه الحال.
стр. 439
رجل يعشق فتاة نصرانية فيكفر هو وتسلم هي
يذكر ابن الجوزي قصة رجل مسلم عشق فتاة نصرانية؛ فتعلق قلبه بها فحُرِم منها وحرمت منه؛ فمرض الرجل ومرضت الفتاة، يقول ابن الجوزي في ذم الهوى، اسمع ما الذي حصل!
يقول: فاشتد مرضه، وكان عندهما صاحب ينقل الخبر بين الاثنين، يأتي إليها فينقل خبره، ويأتي إليه فينقل خبرها، فمرض الشاب وازداد مرضه، فسقط على الفراش حتى اشتد به المرض، وكان صاحبه عنده فقال الرجل المريض العاشق: يا فلان! أرى أنه قد حان الأجل، سوف نفارق هذه الدنيا، قد حان الأجل واقتربت الساعة، قال: أما صاحبتي فما لقيتها في هذه الحياة، وأنا أريد أن ألقاها في الآخرة فقال صاحبه: إذاً ماذا تصنع؟
قال وهو يحتضر: سوف أبدل ديني؟ قال: ماذا؟ قال: سوف أبدل ديني، قال: هو على دين النصارى، وأعبد الصليب وأعبد عيسى، يقول: فلا زال يرددها حتى مات من ساعته، أرأيت!
يقول ابن الجوزي: يُروى أن هذه الشابة ماتت بعد أيام أتعرف كيف ماتت؟ يقولون: ماتت وهي مسلمة، أسلمت وشهدت الشهادتين، ثم ماتت وهي مسلمة: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤].
стр. 440
شاب يموت وهو يعاشر امرأة بالزنا
يقولون: أحدهم مات وهو يعاشر امرأة بالزنا، شاب صالح فتر وضعف دينه، اختلط ببعض الفسقة الفجرة، وكان قد تعود على العمرة والحج قالوا له: نريد أن نذهب إلى بلاد الزنا والخنا قال: أعوذ بالله! قالوا: تعال تمتع، قال: لا، فلا زالوا به حتى اقتنع، والقصة حقيقية، وهذه القصة ربما البعض لا يصدقني بها؛ ولكن هناك من القصص ما هو أغرب.
يقولون: فذهب معهم بعد أن اشترط عليهم ألا يذهب معهم إلى الحرام، فقط ليرى تلك البلاد، فكان في كل ليلة يجلس في الغرفة في الفندق، وهم يذهبون إلى الحرام ويرجعون في الصباح، كل ليلة وهو لا يذهب معهم لا زال فيه شيء من الدين.
يقولون: حتى مكروا مكراً قالوا: سوف نأتي بعاهرة إليه في الغرفة لم لا يفعل الزنا معنا؟! حسد وحقد يقولون: فجاءوا له بعاهرة إلى غرفته ووعدوها بمكافأة عظيمة إن راودته ووقع عليها، يقولون: فأُدخلت العاهرة إليه في الغرفة وأُغلق الباب، فلا زالت تراوده ولا زالت تكلمه، ولا زال بها ولا زالت به هو يدفعها وهي تراوده حتى وقع عليها وفعل معها الزنا، يقولون: وفي الصباح دخلوا عليه فوجدوه مضطجعاً عندها، هما الاثنان على فراش واحد، فراش الزنا.
فقالوا لها: كيف صاحبك؟ قالت: هو بخير حال، هل فعل ما فعل؟ قالت: نعم.
ويقولون: فأيقظوه فلم يتحرك، فلان، لم يجبهم، أتعرف ماذا صنع الله به؟
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤] ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم:٤٤] مسكين ما يدري أن ملك الموت ينتظره، فلما وقع انتهى أمره.
تقول: لماذا؟
أقول لك: القلب مريض، القلب كان يريد المعاصي، كان يريد الزنا، كان يريد الخنا: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] يقول الله : ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
سمعتُ عن رجل أتعرف كيف مات؟ قيل له: قل: لا إله إلا الله يقول: لا أريد أن أقولها، قيل له: قل: لا إله إلا الله قال: لا أريد أن أقولها.
وآخر: قيل له: قل: لا إله إلا الله، قال: هو في سقر، هو في سقر، هو في سقر.
وثالث: قيل له: قل: لا إله إلا الله قال: بم أجيبه؟ بم أجيبه؟ قالوا: مَن؟ قال: ربي بم أجيبه إذا لقيته؟
وآخر: قيل له: قل: لا إله إلا الله! أتعرف ماذا قال؟ قال: ربي هو ذا يظلمني، ربي هو ذا يظلمني، ربي هو ذا يظلمني، قيل له: اتق الله اتق الله، وهو يقول: ربي يظلمني، ومات وهو يلفظها يلقى الله على هذه الحال.
أخي الكريم! العمر واحد والحياة واحدة، فاختر لنفسك أي ميتة تريد.
كان رجل من بني النجار في أيام النبي ﵊، ولم يشفع له أن كان في ذلك العصر، كان مع النبي وحفظ البقرة وآل عمران وكان من المقربين؛ لكنه انتكس وتنصر واتبع دين النصرانية، وذهب إلى النصارى، فأعجبوا به، رجل كان مع محمد ﵊ وختم البقرة وآل عمران؛ فأعجب به النصارى ورفعوا شأنه وأعلوا مكانه حتى وصل به الأمر أنه نُصِّب منصباً عند النصارى، بعد أيام قصَم الله عنقه ومات الرجل أتعرف ماذا صنع الله به؟ يقولون: دُفن هذا الرجل ثم جيء بعد يوم وقد لفظته الأرض، النصارى دفنوه، ثم جاءوا بعد يوم فوجدوه قد لفظته الأرض، فدفنوه مرة أخرى، وجاءوا بعد يوم فوجدوه خارج الأرض، الأرض تلفظه، ثم دفنوه في اليوم الثالث وحفروا له حفرة، وأدخلوه في الحفرة، وردموا عليه التراب فجاءوا في اليوم الثالث، فوجدوه خارج الأرض، كلما دفنوه فإذا بالأرض تلفظه حتى الأرض لا تريد أن تحوي هذا الرجل رجل انتكس: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا﴾ [الأعراف:١٧٦] ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٩].
стр. 441
نماذج لأناس حسنت خاتمتهم
أخي العزيز! حتى لا يصاب الإنسان منا باليأس انظر إلى الصالحين كيف ختم الله لهم.
سوف أخبرك بقصص قديمة وقصص حقيقية واقعية معاصرة حتى لا تقول: الأمر في الأزمان الماضية فقط، لا يا أخي العزيز.
стр. 442
الرسول ﷺ يختار الرفيق الأعلى
على رأسهم نبينا ﵊ فمات وعلي أي حال مات؟! كان يعرق ويصاب بالحرارة حتى تقول له عائشة: (يا رسول الله! إنك تمرض لا كما يمرض أحدنا، قال: نعم إني أوعك ليس كأحدكم) أتعرف لمه؟ (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل) كان يُسكب عليه سبع قرب من الماء حتى تخف حرارته ﵊ فيفيق، ثم يريد القيام فيسقط مرة أخرى ويُغمى عليه، ثم يسكب عليه بالماء وهكذا حتى يرفع إصبعه إلى السماء ويقول: (لا إله إلا الله إن للموت سكرات).
أخي الكريم! هل فكرت في هذه السكرات! كيف الموت! كيف تخرج الروح! يقول: أحد السلف لما احتضر قيل له: [كيف الموت؟ قال: كأني بين السماء والأرض وقد أُطبقت السماء على الأرض وأنا بينهما -الله أكبر! - وكأن نَفَسِي يخرج من ثقب إبرة] إي والله كأن النَّفَس يخرج من ثقب إبرة.
قال بعضهم: كأنه شوك يُجَر من الرجل إلى الرأس.
إنه الموت، الموت قد يكون الليلة، قد يكون غداً، هل فكرت في هذه اللحظات، بكت فاطمة، فقال لها رسول الله ﷺ : (يا بنية! لم تبكين؟ قالت: واكرب أبتاه، واكرب أبتاه، فقال النبي ﵊: يا فاطمة! لا كرب على أبيك بعد اليوم، لا كرب على أبيك بعد اليوم).
وضعته عائشة على صدرها بين سحرها ونحرها، فأخذ يقول: (الرفيق الأعلى، الرفيق الأعلى، الرفيق الأعلى) لا إله إلا الله! ثم خرجت نفسه ﵊: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠].
стр. 443
عمر بن الخطاب المبشر بالجنة
أرأيت إلى عمر بن الخطاب ﵁ كان يصلي الفجر يقولون: في آخر صلاة بكى -بكى في صلاة الفجر- فبكى الناس حتى سُمِع نشيجه من وراء الصفوف، فتقدم أشقى القوم المجوسي وكان بيده خنجراً مسموماً، فأخذ الخنجر وطعن به أمير المؤمنين عمر ﵁ -طعنه في الصلاة- فحمل عمر -أتعرف ماذا قال عمر وهو مطعون؟ - قال: الصلاة الصلاة ماذا صنع الناس بها؟ الصلاة الصلاة ماذا صنع الناس بها؟ فإذا بـ عمر بن الخطاب ﵁ يُحمل فيُدخل إلى غرفته، فإذا ابن عباس يقول: يا أمير المؤمنين! ما من عين تطرف إلا يذكرك الناس بخير فقال: غُرَّ بهذا غيري يا ابن عباس، فقال لابنه عبد الله: يا بني! ضع خدي على الأرض، فلم يلتفت عبد الله، ثم قال له مرة أخرى: ضع خدي على الأرض، فلم يتلفت قال: يا بني! ضع خدي على الأرض لا أم لك، يقولون: فوُضع على الأرض فأخذت عيناه تذرفان بكى عمر، ثم قال: ويلٌ لي إن لم يغفر لي ربي، ويل لي إن لم يغفر لي ربي، إنه المبشر بالجنة، فاروق هذه الأمة.
стр. 444
عثمان بن عفان يستشهد على أيدي الخوارج
أسمعت بـ عثمان؟
عثمان علم أنه سوف يموت، رأى رؤيا في المنام -وكان صائماً- أنه رأى النبي ﵊ وأبا بكر وعمر، فقالوا له بعد أن سلموا عليه: اصبر يا عثمان، فإنك ستفطر عندنا، فاستيقظ في الصباح وكان صائماً فعلم أنه لن تغرب عليه الشمس إلا وقد قبض الله روحه، فأعْتَقَ عشرين مملوكاً يملكهم وتصدق بما تصدق، وجلس في بيته يقرأ القرآن قالوا: [نقاتل الناس عنك قال: لا، دعوهم.
فإذا به يدخل عليه الأشقياء الفجار، فيأتي الرجل ويمسك عثمان من لحيته فيطعنه تسع طعنات قال: أما ثلاث فلله، وأما ست فلشيء وقر في الصدر.
وكذب، فالتسع كلها ليست لله.
فسال الدم على المصحف فبكت زوجته وقالت: قتلتموه، وإنه لَيُحْيِي الليل بالقرآن] ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ هذه هي الوفاة، هذا هو الموت الذي يشرف الإنسان: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يقولون سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢].
стр. 445
سعد بن أبي وقاص المبشر بالجنة
أسمعت بـ سعد بن أبي وقاص، هذا العابد المبشر بالجنة، هذا المجاهد؟
كان رأسه في حضن ابنه مصعب وهو يحتضر؛ فبكى مصعب بن سعد بن أبي وقاص ﵁، وأبوه ينظر وهو يحتضر فقال له: [أي بني لم تبك؟ قال: أبكي على حالك يا أبي، فقال له: يا بني! لا تبك فإن الله لا يعذبني أبداً، وإني من أهل الجنة] كيف لا وقد بُشِّر بها؟!
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦].
أخي العزيز! أي خاتمة تريد؟ ألا تريد هذه الخاتمة؟ إنه الجهاد إنه الصدق إنها العبادة.
عثمان أتعرف لم مات على هذه الحال؟
كان يقوم الليل، ويصوم النهار، وينفق ماله في سبيل الله، ويجاهد في سبيل الله، هكذا قبض الله أرواحهم.
стр. 446
الحسن بن علي سيد شباب أهل الجنة
أسمعت بـ الحسن بن علي المبشر بالجنة ريحانة رسول الله ﵁ وعن أبيه؟
لما احتُضِر بكى بكاءً شديداً سبحان الله! مبشرون بالجنة ويبكون عند الوفاة! بكى بكاء شديداً فقال له أخوه: [ما يبكيك يا أخي؟ إنما تقدم -انظر التذكير! إذا الإنسان احتضر ذكِّره بأعماله الصالحة، ذكِّره بأعماله الخيِّرة؛ حتى يحسن الظن بالله قال: يا أخي! لم تبكِ وأنت تقدم على رسول الله، وعلى علي، وعلى فاطمة، وعلى خديجة، وهم قد ولدوك؟!
كيف تبكي وأنت سيد شباب أهل الجنة؟!
كيف تبكي وقد قاسمت الله مالك ثلاث مرات؟!
كيف تبكي وقد مشيت إلى الحج خمس عشرة مرة على قدمك؟!
كيف تبكي وأنت المبشر بالجنة؟!
يقول الراوي: فأخذ يزداد بكاؤه ﵀] ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠].
مصيبة! بعض الناس يصلي خمس صلوات الفروض وظن أنه قد وصل، ظن المسكين أنه قد انتهى وقد أصاب الفردوس الأعلى!
الحسن بن علي أتعرف لما توفي ماذا وجدوا؟ وجدوا على ظهره خطوطاً سوداء فسألوا: [ما هذه الخطوط؟ ماذا كان يصنع الرجل؟ فلم يجدوا إجابة، حتى بحثوا كثيراً فوجدوا صاحباً له ومقرباً إليه قالوا: أتعرف هذه الخطوط السوداء في ظهر الحسن؟ قال: نعم، قالوا: مم هذه الخطوط؟ قال: كان ﵀ ورضي الله عنه كل ليلة إذا انتصف الليل، ونام الناس، وسكنت الأصوات، كان يحمل كيساً من طحين ودقيق على ظهره كل ليلة، فيتجول على بيوت الفقراء فيوزع عليهم الطعام، أرأيت! ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠].
стр. 447
أبو الدرداء يشتكي من ذنوبه
أبو الدرداء ﵁، تعرفون من هو أبو الدرداء.
يقول معاوية: [دخل عليه أصحابه في مرض الموت فقالوا له: مم تشتكِ رحمك الله؟ قال: أشتكي ذنوبي، فقالوا له: وماذا تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة، قال: أفلا ندعو لك الطبيب؟ -هل تريد طبيباً؟ - قال: الطبيب هو الذي أضجعني] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج:٢٧ - ٢٨].
قبل سنوات في الحج الناس قبل غروب الشمس في يوم عرفة، أعظم يوم، يغفر الله لكل أهل عرفة، يقول لملائكته: (أشهدكم أني قد غفرت لهم) بل لو أن الإنسان ذنوبه مثل عدد حبات الرمل، أو مطر السماء، أو أيام الدنيا ليُغَسِّلها الله في ذلك اليوم، يكفر كل الذنوب.
في ذلك اليوم قبل سنوات والناس في سياراتهم ينتظرون موعد النفير، غروب الشمس في اللحظات الأخيرة، والرحمات تتنزل، إذا بإحدى الباصات يخرج منها التكبير: الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! تجمَّع الناس؛ ما الخبر؟ قبض الله روحه في تلك اللحظات.
يُبعث عند الله وهو يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.
الناس في المحشر ينظرون، مَن هذا؟ ماذا صنع؟ ماذا فعل؟ حَجَّ واعْتَمَرَ ومات وهو في هذه الحال.
يقول في المحشر والناس يسمعون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
وربما بجنبه رجل بُعث عند الله يغني!
بُعث عند الله يشرب الخمر!
بُعث عند الله يزني!
بُعث عند الله على التلفاز، أو أمام الإنترنت!
بُعث عند الله نائماً عن الصلاة متعمداً، وضع ساعته بعد طلوع الشمس متعمداً ألا يصلي الفجر!
بُعث عند الله يدخن!
بُعث عند الله يسكر!
ومنهم من يُبعث عند الله وجرحه ينزف والناس ينظرون ما باله يضحك ويبتسم وهو ينزف الدم! اللون لون دم، والريح ريح مسك أتعرف من؟ إنه الشهيد: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد:١٩] أي ميتة هذه! الله أكبر!
أرأيت! تسحقهم الدبابات، نزلت عليهم الصواريخ، تفجرت فيهم الألغام، تبحث عن جثته، لا تجدها، احترق، تقطع إرْباً إرباً، مزق جسمه حتى لا تكاد تجد له أثراً، هل أحس بالألم؟ كلا والذي خلق السماء لا يجد ألماً إلا كما يجد أحدنا ألم القرصة قرصة النملة أسمعت بهذا؟ إلا كقرصة النملة، ثم إن خرج الدم أول قطرة يَغْفِرُ الله ذنبه كله، يرى مقعده من الجنة قبل أن يموت، يؤمَّن فتنة القبر، إنها الميتة.
стр. 448
جعفر الطيار يموت وهو يبتسم
جعفر الطيار قُطِعَت يمينه، فمسك الراية بالشمال فقُطِعَت، فاحتضن الراية بعضُدَيه فتكسرت الرماح عليه وهو يبتسم ويقول:
يا حبذا الجنة واقترابها
طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها
كافرة بعيدة أنسابها
стр. 449
ابن تيمية يموت وهو يقرأ القرآن
أسمعت بـ شيخ الإسلام كيف مات وهو يقرأ القرآن؟
ختم القرآن أكثر من ثمانين مرة فلما وصل إلى قول الله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥] فجلس ولفظ الشهادتين وخرجت النفس إلى بارئها.
стр. 450
عمر بن عبد العزيز مات وهو يعاين الملائكة
عمر بن عبد العزيز الزاهد العابد المجاهد الورع، قبل الوفاة قال لمن حوله: [اخرجوا فإني أرى وجوهاً ليست وجوه إنس ولا جن -الملائكة- فلفظ قبل الوفاة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]].
هل أعددت أيها الأخ الكريم لهذه اللحظات؟!
стр. 451
الحسن البصري يموت وهو يلفظ الشهادتين
أسمعت عن الحسن البصري؟
الذي كان يبكي بكاءً شديداً، الذي زار جارية يوماً من الأيام يعزيها قبل وفاتها، فبكى ﵀، الحسن البصري كان يبكي فيقال له: لم تبك؟ قال: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقياً.
الحسن العابد الزاهد العالم التقي النقي يقول: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقياً.
في الاحتضار بكى، قالوا: لم تبك قال: نُفَيْسَةٌ ضعيفةٌ وأمرٌ هئول، وإنا لله وإنا إليه راجعون! ثم أغمي عليه، فأيقظوه، يا أبا سعيد! يا أبا سعيد! فاستفاق قال: رحمكم الله، لقد نبهتموني من جنات وعيون، ومقام كريم، أيقظتموني وأنا في إغمائتي دخلت الجنة، وأنا في إغمائتي دخلت الجنة ورأيتها رحمكم الله.
ثم لفظ الشهادتين وفاضت روحه: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].
стр. 452
داعية يموت على عتبات المسجد
شاب عمره خمسة عشر عاماً وأحد الدعاة إلى الله، داعية ملتزم عابد حسن الخلق يحدثني من أثق ويعرفه.
يقولون: توضأ لصلاة المغرب، فذهب إلى المسجد، ولم يكن به مرض أبداً، رجل شاب أثَّر في كثير من الناس، واهتدى عليه بعض الناس، شاب أحد الدعاة إلى الله، من طلبة العلم ومن الملتزمين توضأ لصلاة المغرب، قد انتهى يومه، يقولون: فما أن خطى عتبات باب المسجد لعله كان يقول: اللهم افتح لي أبواب رحمتك فإذا بروحه تخرج ويسقط عند باب المسجد: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].
أخي العزيز! فكِّر أي ميتة تريد؟ فكر في حالك، لا تقل: لا، الله سوف يقبضني على هذه الحال، ما أدراك؟
يا من يصر على الذنوب! يا من يخفيها بينه وبين نفسه! يا من يسهر على الفضائيات! يا من يكلم الفتيات! يا من ينظر إلى الحرام! يا من يجلس مجالس الغيبة والنميمة! فكر يا أخي العزيز؛ فإن الموت يأتي بغتة: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦].
ماذا أصنع؟
تب من الآن، واستعد، وانتبه، فإن هذه اللحظة تأتي فجأة.
كن مستعداً يا أخي العزيز، ادعُ الله أن يحسن الخاتمة، ادعُ الله بالثبات فإن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
أخي العزيز! استعد لهذه اللحظات.
كيف أستعد؟
بالصيام، من مات وهو صائم وجبت له الجنة.
بالقيام، فإن القيام من أسباب ووسائل الثبات على الدين.
قراءة القرآن، فلعل الله يثبتك يا أخي العزيز.
ولا تقل: أنا ملتزم، فإن هذه المقولة إنما تدل على ضعف الإيمان، وعدم معرفة حقيقة النفس.
الملائكة التي لا تعصي الله ما يأمرها، طوال حياتها عبادة، إذا بُعِثَت قالت: (سبحانك، ما عبدناك حق عبادتك، سبحانك، ما عبدناك حق عبادتك).
أسأل الله جل وعلا أن يحسن خواتيمنا جميعاً.
أقول هذا القول، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وجزاكم الله خيراً على حسن استماعكم وإنصاتكم.
стр. 453
لماذا لا ينصرنا الله ؟!
لقد وصل المسلمون في هذا الزمن إلى حال من الذل والهوان مع أن عددهم يفوق الألف مليون، بسبب الخلاف والنزاع والتشرذم الذي طغى عليهم، وذلك لتخلقهم ببعض الأخلاق السيئة كالكبر والحسد التي أوصلتهم إلى هذا المستوى من الذل، فلابد من الرجوع إلى دين الله والتآخي والتآلف فيما بينهم لينالوا نصر الله .
стр. 454
من أسباب ذل المسلمين وهزيمتهم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد:
أيها الإخوة المسلمون! لماذا لا ينصرنا الله جل وعلا؟!
كم عدد المسلمين في هذه الأيام؟
يفوقون الألف مليون مسلم، وهم أرخص الدماء على وجه الأرض!
ما الذي يجري للمسلمين؟
وما الذي يحدث لهم؟
أمةٌ من أمم الإسلام تباد من الأرض ولا يتحرك لهم ساكن!
ما الذي يحدث لهم؟ وما الذي يجري؟ ولماذا وصلنا إلى هذه الحال؟!
كنا خير أمة تهابنا الفرس والروم؛ تحسب لنا الأمم ألف حساب، ثم صرنا إلى أذل الأمم، صار حالنا لا يؤبه له، دماؤنا أرخص الدماء، كلامنا لا يسمع ولا يطاع؛ بل لا نُستشار حتى في أمورنا، ما الذي حدث؟! وما الذي جرى؟!
إن من أعظم الأمور التي أوصلتنا إلى هذه الحال التي نحن فيها ما سوف نتحدث عنه في هذه الخطبة.
стр. 455
الخلاف والنزاع بين المسلمين
من أعظم أسباب ذلنا وهزيمتنا: الخلاف والنزاع بين المسلمين والتفرق والتشرذم بينهم.
انظروا إلى أحوالنا، كثيرٌ منا يحمل الحقد على أخيه؛ تعصبٌ للجنسيات، والقبليات، والقوميات، والأصول، والأعراف؛ لم يخرج المستعمر من هذه البلاد الإسلامية إلا بعد أن زرع فينا التفرق والتشرذم والتعادي، ووضع بيننا حدوداً تلو الحدود.
وما زال اليهود إلى هذه اللحظة يؤججون الفتن بين المسلمين، قال الله جل وعلا في وصف أفضل أمةٍ وخير ناس -أصحاب محمدٍ ﵊: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال:٦٣] ليست القضية بالمال.
هل المال يجمع الأسود والأبيض والأحمر والأخضر؟! هل المال يجمع الحبشي والرومي والفارسي والقرشي؟! لا والله! ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣] دين الله هو الذي يجمع بينهم.
سبحان الله! هل نصدق أن يضع الفارسي يده بيد الرومي؟!
سلمان وصهيب من أمتين تقتتلان صباحَ مساءَ، أعدى أمتين على وجه الأرض في ذلك الزمان، ولكن يضع سلمان الفارسي يده بيد صهيب الرومي.
من يصدق أن يتقدم الحبشي على كل القرشيين ليكون هو المؤذن لرسول الله؟!
أي أمة تلك؟! أي شعبٍ هذا؟! إنها تربية المصطفى عليه الصلاة السلام.
أبو بكر سيدٌ من سادات قريش يقول له رسول الله ﷺ : (يا أبا بكر إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت الرب جل وعلا).
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤].
وصلنا إلى زمان يحتقر المسلم فيه أخاه؛ لأنه من جنسية كذا، أو لأنه عامل نظافة، أو لأنه ليست عنده شهادة، أو لأنه فقير مسكين، يحتقره وقد قال رسول الله ﷺ : (بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) أي يكفيه شراً، فإنه بلغ قمة الشر أن يحقر أخاه المسلم، ثم قال ﷺ : (المسلم أخو المسلم) المسلمون في قطر وفي الكويت، وفي المملكة، وفي المغرب، وفي أمريكا، وفي السودان، وفي أنحاء الأرض كلها هم إخوة.
(المسلم أخو المسلم؛ لا يسلمه ولا يظلمه).
بل قال النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى).
نبكي حالنا، ونحن ألف مليون مسلم:
ألف مليون أصبحوا كغثاء بشط يم
ومُصَلَّى نبيهم بيد اللص يقتسم
أنا أقسمت بالذي برأ الكون من عدم
وكسا ثوب عزة كل من بالهدى اعتصم
إن قنعنا بسخفنا وركنا إلى النعم
فخطى الخصم ماضيا ت من القدس للحرم
عندها يندم الجميع يوم لا ينفع الندم
﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦].
النزاع والضياع والتفرق هي من أسباب الهزيمة التي نعيشها في هذا الزمن.
هل -حقاً- نحن إخوانٌ مسلمون، متآلفون مترابطون؟!
جاء اليهود -كما يفعلون اليوم- يؤججون الفتنة في عهد رسول الله ﷺ ، فجاءوا للأوس يذكرونهم بالماضي -مساكين بعض الناس؛ يتذكر الماضي فيحقد على أخيه- وجاءوا للخزرج يذكرونهم بالماضي، أججوا الفتنة حتى كاد الخلاف أن يقع وينشب بين يدي رسول الله، فقام ﵊ فقال قولته المشهورة: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم).
ماذا يقول رسول الله ﷺ لو جاء في هذا الزمن إلينا؟! أي دعوى جاهلية نتداعى بها!! بل فاق المسلمون دعاوى الجاهلية، وهو ﷺ أمام خلاف يسير بين الأوس والخزرج قد قال: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم) كيف لو عاش بيننا؟!
стр. 456
أسباب تفرق المسلمين
المسلمون تفرقهم الحدود؛ بل داخل الوطن الواحد تفرقهم الأعراف والقبليات والقوميات؛ بل داخل الفئة الواحدة تفرقهم المناصب والوجاهات، حتى صار هذا الجسد ممزقاً لا يأبه له أحد.
الشيشان وفلسطين وكشمير والصومال، عدِّدْ ما شئت من مصائب المسلمين التي لو طلبت من أحدهم ريالاً أو بضع ريالات قال: ليس هذا شأني، هم يتحملون شئونهم، وكأن المسلمين لا يتكافلون، ولا يرعى بعضهم بعضاً، والله جل وعلا وصف المؤمنين فقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] نعم، هكذا المؤمنون وإلا فلا، إن لم يكونوا أولياء بعض، فليسوا حقاً بمؤمنين، ما الذي حدث؟! ولماذا وصل المسلمون إلى هذه الحال؟!
стр. 457
الكبر من أهم أسباب تفرق المسلمين
من أهم الأسباب التي تفرق بين المسلمين: الكبر.
اسمع أول سببٍ يفرق بين المسلمين، وفتش في نفسك، هل هذا السبب فيك؟! هل هذا الأمر دخل في قلبك يوماً من الأيام؟ (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) ذرة من كبر تمنع الإنسان عن الجنة.
وأول ما عصي الله به الكبر: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤] ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [ص:٧٦] يقول: أنا خيرٌ من هذا، تريد أن تساويني به؟! ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧٦] أنا خيرٌ منه، أنا من قبيلة كذا وهو من قبيلة كذا، أنا خيرٌ منه، أنا منصبي كذا وهو عامل نظافة، أنا خيرٌ منه، أنا جنسيتي كذا، وهذا جنسيته كذا، قل لي بالله: هل هناك فرقٌ بين المعنيين، بين كلمات إبليس وما يطلق من كلمات في هذا الزمن؟ ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧٦] إنه الذي ملأ قلوب بعضنا.
ما هو الكبر؟ هل الكبر أن يركب الإنسان سيارة نظيفة، أو يلبس ملابس جميلة، أو يتزين عندما يدخل المجالس؟ لا، هذا ليس من الكبر، بل هذا مطلوب إن لم يتجاوز الإسراف، الكبر: بطر الحق وغمط الناس، أن يرد الإنسان الحق ويحتقر الناس، يحتقر أي إنسان كان ولو كان يعمل أخس الأعمال، ولو كان يعمل في النجاسات؛ فإن احتقره فإن في قلبه كبراً، قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣] فقد قسمنا الله إلى أمم وشعوب وألوان وجنسيات لهدفٍ واحد، قال : ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣] فإن دخل في قلبك كبر فاسمع قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣].
دخل رجل فقال ﵊: (ما تعدون هذا فيكم؟ فقال: يا رسول الله! هذا حريٌ إن تكلم أن يسمع له -هذا رجل لو جلس في مجلس ونطق فالكل يسمع له- وإن خطب أن ينكح -لو أراد أي بنت فلا أحد يرده- وإن استأذن أن يؤذن له -يدخل أي مكان شاء، فهو رجل ذو وجاهة ومنصب- ثم دخل رجلٌ آخر، فقال: ما تعدون هذا فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! هذا حريٌ إن تكلم ألا يسمع له -لا أحد يأبه له، ولا أحد يلتفت إليه- وإن خطب ألا ينكح -لا أحد يزوجه، فهو مسكين فقير رث الهيئة، والناس لا تلتفت إليه، هذا ميزان من؟ ميزان البشر، أما ميزان رب البشر فإنه يختلف- قال: والله إن هذا -أي: الفقير المسكين المطرود المنبوذ- خيرٌ من ملء الأرض من مثل ذاك) الله أكبر! ديننا عظيم، ديننا كبير، وليس هناك دينٌ أعظم منه.
ليدع الغرب ما يدعون من الحضارة، وليزيفوا ما يزيفون من الحقائق؛ فإن في أعظم دولة متحضرة في هذا الزمن يدخل مليون رجل -من الاضطهاد والعصبيات والعنصريات- السجون ويضربون؛ بل ويقتلون لأجل لونهم!
أيدعون الحضارة؟! أي حضارة هذه؟!! كذبوا والله!
حضارتنا وديننا يجعل فيه ﵊ أسامة بن زيد -وهو مولى ابن مولى- قائداً لجيشٍ فيه أبو بكر وعمر، هذا ديننا، وهذه حضارتنا، وهؤلاء أجدادنا وأعلنها ﷺ مدوية: (لا فضل لأعجمي على عربي ولا لعربي على أعجمي إلا بالتقوى) وذلك موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
الكبر وما أدراك ما الكبر؟!
انظر إلى أفضل الخلق ﵊ كيف كان متواضعاً؛ صبيان صغار يقول أنس: (كان يأتيهم فيسلم عليهم) هل جربت هذا؟!
ماذا يصنع قائد الأمة، الحاكم، رئيس الدولة، ماذا يصنع في البيت؟!
تقول عائشة: كان يخصف نعله؛ إذا تقطع نعله كان يصلحه؛ بل كان يصلح ثيابه؛ بل كان يقوم في خدمة أهله، فمن منا جرب هذا؟
يخدم أهله في البيت، بل كان أفضل الخلق ﵊ يحلب الشياه، وكانت تأتيه الجارية البنت الصغيرة، فتأخذ بيده فتذهب به أين شاءت؛ لا يردها حتى تقضي حاجتها؛ بل كان ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه، وكان إذا أكل لا يتكئ، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقها، وكان يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم؛ إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله).
الله أكبر!
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:١٤٦].
علام تتكبر؟!
مرَّ مَلِكٌ على عالم من العلماء، فلم يقف له العالم قال: ويحك! ألا تدري من أنا؟! -أتدري من أنا الذي جئت ولم تقم لي؟! - قال: أعرفك، قال: من أنا؟ قال: أنت أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين هذا وهذا تحمل في بطنك العذرة، فقال الملك: إي والله! ما عرفني إلا هذا!
(لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر).
عندما تولى أبو بكر الخلافة قالت جارية من الجواري -وكان يحلب لهن الشياه- الآن أبو بكر صار خليفة، لا يحلب لنا الشياه، فسمعها أبو بكر، فقال: لا والله! أبو بكر يحلب الشياه قبل الخلافة وبعد الخلافة.
عمر يحمل كيساً من الدقيق إلى الفقراء فيقال له: يا عمر أنت الآن خليفة وتفعل هذا؟! قال: وجدت في نفسي شيئاً فأردت أن أكسرها.
عثمان ينام في المسجد، فلا يُدرى من هو الخليفة، لا يعرفون من هو أمير المؤمنين؛ لا يعرفون عثمان بين أصحابه.
علي بن الحسين ﵁ من آل بيت رسول الله، فهو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لما مات وجدوا في ظهره سواداً قالوا: من أين هذا السواد؟ فسألوا عنه؟ فقيل: إنه كان يحمل كل ليلة الدقيق على ظهره في الليل، ولا أحد يراه، ويوزعه على أيتام المسلمين.
الحسن بن علي بن أبي طالب مر يوماً على فرسه، فوجد الفقراء على الطريق ليس عندهم إلا كسرة خبز، فقالوا: هلمَّ إلى الغداء يابن رسول الله -انزل تغد معنا يابن رسول الله- فنزل وهو يقول: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل:٢٣] فنزل وأكل معهم خبزاً يابساً على الطريق.
يأكل مع فقراء المسلمين؛ لأنه يعلم أن الله جل وعلا لا يحب المستكبرين.
أيها الإخوة المسلمون! التآلف والتحاب والتواد والتآخي بين المسلمين أصلٌ من أصول ديننا، وإن اختلفت الجنسيات، والأوطان، والألوان، فإننا كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠].
أقول هذا القول، وأستغفر الله.
стр. 458
الحسد
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد:
من أسباب تفرق المسلمين: الحسد.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].
هل عملت في الأرض معصية قبلها؟!
إنه الحسد؛ الذي ملأ قلوب بعض الناس، فحسدوا الناس على ما آتاهم الله من فضله.
اتق الله، وارض بما قسم الله لك، المؤمنون إخوة؛ لا يحتقر بعضهم بعضاً، ولا يحسد بعضهم بعضاً، ولا يظلم بعضهم بعضاً، ولا يتكبر بعضهم على بعض (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه).
إن أعظم الأمم التي تفرق المسلمين هي اليهود، إذ أن الحسد هو شغلهم الشاغل منذ أول الزمان إلى هذا الوقت، حيث أرادوا أن يؤلبوا المسلمين في المدينة بعضهم على بعض، وهم الذين وضعوا السم له، ولا يزال السم يعاوده ويجد أثره حتى مات ﵊.
من الذي سممه؟ اليهود؛ بل هم الذين سحروا محمداً ﵊.
وهم قبل ذلك قتلة الأنبياء والمرسلين؛ بل ما تجرأت أمةٌ على سب الله كما تجرأ اليهود، هم الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] قالوا: الله يطلب منا المال فهو فقير!! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً!
بل يقولون في التوراة المحرفة: إن الله نزل وتصارع مع يعقوب؛ بل يقولون -تعالى الله عما يقولون-: إن الله بكى ورمدت عينه، وعادته الملائكة! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً!
أما سبهم الأنبياء، فإنها أكثر أمةٍ سبت الأنبياء، وقتلت الأنبياء والرسل، وحاربت دين الله.
ثم لما مات ﵊ زرعت الفتنة والفرقة بين المسلمين، فادعى ابن سبأ الإسلام، ثم أخذ ينشر الفتنة بين المسلمين، وهكذا لا يزالون يفرقون الأمة؛ لأنهم يعلمون أنه أعظم سلاحٍ يقضون به على الإسلام والمسلمين.
انظروا إليهم الآن كيف يفرقون المسلمين، والمسلمون يتكالبون على رضاهم، ويستجدون السلام منهم؛ يستجدون رضا اليهود حتى يعيشوا في سلام، كأنهم يعاندون قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].
يريدون السلام مع اليهود، والمساكين لم يقرءوا كلام الله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢].
في حين يحارب بعضهم بعضاً، يطلبون الصلح والسلام مع اليهود.
أي أمة هذه؟! هل تستحق النصر؟!
إن الله لا يظلم أحداً، ومتى ما رأى الله فينا استحقاق النصر نصرنا وهو القائل: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧].
إنهم يصادمون سنة الله الكونية والشرعية وقد قال رسول الله ﷺ : (لن تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود).
أليس في قلبك هذا؟ ألا تنتظر هذا اليوم؛ الذي تكون فيه في جيش عيسى ﵇ تقاتل فيه اليهود؟! (لن تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون).
الله أكبر! هذه سنة الله الكونية والشرعية، وهم يستجدون اليهود السلام، ويطلبون رضاهم، وهم يحرقون شعباً مسلماً، يحرقون لبنان ويقصفونها صباحَ مساءَ، والمسلمون يتوسلون منهم السلام والرضا! أي ذلة يعيشها المسلمون اليوم؟! (لا إله إلا الله! ويلٌ للعرب من شرٍ قد اقترب فتقول زوجته: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم، إذا كثر الخبث).
إذا طم الخبث وعم بالمسلمين، فإنهم يهلكون وإن كانوا ألف مليون مسلم؛ لكنهم غثاء كغثاء السيل، قد أوهن قلوبهم حب الدنيا، وكراهية الموت.
стр. 459
أسباب النصر
من أسباب النصر التي لا بد أن نأخذ بها: الرجوع إلى الدين، والتآخي والتآلف.
من اليوم لا فرق عندك بين أعجمي وعربي، وأبيض وأسود، وأصفر وأحمر، لا فرق بين مديرٍ وعامل نظافة، لا فرق بين غنيٍ وبين فقير، الناس كلهم سواء عندك: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] يكون في قلبك كل المسلمين سواء، أخوك في الصين، وفي الهند، وفي باكستان، وفي أمريكا، وفي جنوب أفريقيا، والذي بجنب بيتك؛ كلهم لك إخوان.
فهذا من أسباب النصر.
ثم لنرجع إلى ديننا، ولنأمر بالمعروف، ولننه عن المنكر، ولنتآلف، ولنتحاب، ولنتواد؛ فإن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠].
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اللهم أعداء الدين.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد؛ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.
أقول هذا القول، وأقم الصلاة.
стр. 460
ما الهم الذي تحمله ؟
إن الإنسان المؤمن الصادق مع نفسه، لو نظر إلى حال السلف الصالح وصدقهم مع الله في مقالهم وحالهم، والهم الذي كانوا يحملونه، حيث حملوا همَّ دين الإسلام وهمَّ الدار الآخرة والمصير، يجد الفارق الكبير بين تلك الأمة وأمتنا اليوم، حيث أصبح همها السفاسف والدناءات، والأمور الدنيوية، وهذا له سبب وهو البعد عن الله، وعدم النظر والعمل بالكتاب والسنة.
следующие страницы →