← Джавами‘

Джавами‘ · id 7717

دروس للشيخ نبيل العوضي

نبيل العوضي

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أسباب تفرق المسلمين المسلمون تفرقهم الحدود؛ بل داخل الوطن الواحد تفرقهم الأعراف والقبليات والقوميات؛ بل داخل الفئة الواحدة تفرقهم المناصب والوجاهات، حتى صار هذا الجسد ممزقاً لا يأبه له أحد. الشيشان وفلسطين وكشمير والصومال، عدِّدْ ما شئت من مصائب المسلمين التي لو طلبت من أحدهم ريالاً أو بضع ريالات قال: ليس هذا شأني، هم يتحملون شئونهم، وكأن المسلمين لا يتكافلون، ولا يرعى بعضهم بعضاً، والله جل وعلا وصف المؤمنين فقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] نعم، هكذا المؤمنون وإلا فلا، إن لم يكونوا أولياء بعض، فليسوا حقاً بمؤمنين، ما الذي حدث؟! ولماذا وصل المسلمون إلى هذه الحال؟!

стр. 457

الكبر من أهم أسباب تفرق المسلمين من أهم الأسباب التي تفرق بين المسلمين: الكبر. اسمع أول سببٍ يفرق بين المسلمين، وفتش في نفسك، هل هذا السبب فيك؟! هل هذا الأمر دخل في قلبك يوماً من الأيام؟ (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) ذرة من كبر تمنع الإنسان عن الجنة. وأول ما عصي الله به الكبر: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤] ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [ص:٧٦] يقول: أنا خيرٌ من هذا، تريد أن تساويني به؟! ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧٦] أنا خيرٌ منه، أنا من قبيلة كذا وهو من قبيلة كذا، أنا خيرٌ منه، أنا منصبي كذا وهو عامل نظافة، أنا خيرٌ منه، أنا جنسيتي كذا، وهذا جنسيته كذا، قل لي بالله: هل هناك فرقٌ بين المعنيين، بين كلمات إبليس وما يطلق من كلمات في هذا الزمن؟ ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧٦] إنه الذي ملأ قلوب بعضنا. ما هو الكبر؟ هل الكبر أن يركب الإنسان سيارة نظيفة، أو يلبس ملابس جميلة، أو يتزين عندما يدخل المجالس؟ لا، هذا ليس من الكبر، بل هذا مطلوب إن لم يتجاوز الإسراف، الكبر: بطر الحق وغمط الناس، أن يرد الإنسان الحق ويحتقر الناس، يحتقر أي إنسان كان ولو كان يعمل أخس الأعمال، ولو كان يعمل في النجاسات؛ فإن احتقره فإن في قلبه كبراً، قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣] فقد قسمنا الله إلى أمم وشعوب وألوان وجنسيات لهدفٍ واحد، قال : ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣] فإن دخل في قلبك كبر فاسمع قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]. دخل رجل فقال ﵊: (ما تعدون هذا فيكم؟ فقال: يا رسول الله! هذا حريٌ إن تكلم أن يسمع له -هذا رجل لو جلس في مجلس ونطق فالكل يسمع له- وإن خطب أن ينكح -لو أراد أي بنت فلا أحد يرده- وإن استأذن أن يؤذن له -يدخل أي مكان شاء، فهو رجل ذو وجاهة ومنصب- ثم دخل رجلٌ آخر، فقال: ما تعدون هذا فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! هذا حريٌ إن تكلم ألا يسمع له -لا أحد يأبه له، ولا أحد يلتفت إليه- وإن خطب ألا ينكح -لا أحد يزوجه، فهو مسكين فقير رث الهيئة، والناس لا تلتفت إليه، هذا ميزان من؟ ميزان البشر، أما ميزان رب البشر فإنه يختلف- قال: والله إن هذا -أي: الفقير المسكين المطرود المنبوذ- خيرٌ من ملء الأرض من مثل ذاك) الله أكبر! ديننا عظيم، ديننا كبير، وليس هناك دينٌ أعظم منه. ليدع الغرب ما يدعون من الحضارة، وليزيفوا ما يزيفون من الحقائق؛ فإن في أعظم دولة متحضرة في هذا الزمن يدخل مليون رجل -من الاضطهاد والعصبيات والعنصريات- السجون ويضربون؛ بل ويقتلون لأجل لونهم! أيدعون الحضارة؟! أي حضارة هذه؟!! كذبوا والله! حضارتنا وديننا يجعل فيه ﵊ أسامة بن زيد -وهو مولى ابن مولى- قائداً لجيشٍ فيه أبو بكر وعمر، هذا ديننا، وهذه حضارتنا، وهؤلاء أجدادنا وأعلنها ﷺ مدوية: (لا فضل لأعجمي على عربي ولا لعربي على أعجمي إلا بالتقوى) وذلك موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. الكبر وما أدراك ما الكبر؟! انظر إلى أفضل الخلق ﵊ كيف كان متواضعاً؛ صبيان صغار يقول أنس: (كان يأتيهم فيسلم عليهم) هل جربت هذا؟! ماذا يصنع قائد الأمة، الحاكم، رئيس الدولة، ماذا يصنع في البيت؟! تقول عائشة: كان يخصف نعله؛ إذا تقطع نعله كان يصلحه؛ بل كان يصلح ثيابه؛ بل كان يقوم في خدمة أهله، فمن منا جرب هذا؟ يخدم أهله في البيت، بل كان أفضل الخلق ﵊ يحلب الشياه، وكانت تأتيه الجارية البنت الصغيرة، فتأخذ بيده فتذهب به أين شاءت؛ لا يردها حتى تقضي حاجتها؛ بل كان ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه، وكان إذا أكل لا يتكئ، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقها، وكان يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم؛ إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله). الله أكبر! ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:١٤٦]. علام تتكبر؟! مرَّ مَلِكٌ على عالم من العلماء، فلم يقف له العالم قال: ويحك! ألا تدري من أنا؟! -أتدري من أنا الذي جئت ولم تقم لي؟! - قال: أعرفك، قال: من أنا؟ قال: أنت أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين هذا وهذا تحمل في بطنك العذرة، فقال الملك: إي والله! ما عرفني إلا هذا! (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر). عندما تولى أبو بكر الخلافة قالت جارية من الجواري -وكان يحلب لهن الشياه- الآن أبو بكر صار خليفة، لا يحلب لنا الشياه، فسمعها أبو بكر، فقال: لا والله! أبو بكر يحلب الشياه قبل الخلافة وبعد الخلافة. عمر يحمل كيساً من الدقيق إلى الفقراء فيقال له: يا عمر أنت الآن خليفة وتفعل هذا؟! قال: وجدت في نفسي شيئاً فأردت أن أكسرها. عثمان ينام في المسجد، فلا يُدرى من هو الخليفة، لا يعرفون من هو أمير المؤمنين؛ لا يعرفون عثمان بين أصحابه. علي بن الحسين ﵁ من آل بيت رسول الله، فهو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لما مات وجدوا في ظهره سواداً قالوا: من أين هذا السواد؟ فسألوا عنه؟ فقيل: إنه كان يحمل كل ليلة الدقيق على ظهره في الليل، ولا أحد يراه، ويوزعه على أيتام المسلمين. الحسن بن علي بن أبي طالب مر يوماً على فرسه، فوجد الفقراء على الطريق ليس عندهم إلا كسرة خبز، فقالوا: هلمَّ إلى الغداء يابن رسول الله -انزل تغد معنا يابن رسول الله- فنزل وهو يقول: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل:٢٣] فنزل وأكل معهم خبزاً يابساً على الطريق. يأكل مع فقراء المسلمين؛ لأنه يعلم أن الله جل وعلا لا يحب المستكبرين. أيها الإخوة المسلمون! التآلف والتحاب والتواد والتآخي بين المسلمين أصلٌ من أصول ديننا، وإن اختلفت الجنسيات، والأوطان، والألوان، فإننا كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠]. أقول هذا القول، وأستغفر الله.

стр. 458

الحسد الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: من أسباب تفرق المسلمين: الحسد. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]. هل عملت في الأرض معصية قبلها؟! إنه الحسد؛ الذي ملأ قلوب بعض الناس، فحسدوا الناس على ما آتاهم الله من فضله. اتق الله، وارض بما قسم الله لك، المؤمنون إخوة؛ لا يحتقر بعضهم بعضاً، ولا يحسد بعضهم بعضاً، ولا يظلم بعضهم بعضاً، ولا يتكبر بعضهم على بعض (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه). إن أعظم الأمم التي تفرق المسلمين هي اليهود، إذ أن الحسد هو شغلهم الشاغل منذ أول الزمان إلى هذا الوقت، حيث أرادوا أن يؤلبوا المسلمين في المدينة بعضهم على بعض، وهم الذين وضعوا السم له، ولا يزال السم يعاوده ويجد أثره حتى مات ﵊. من الذي سممه؟ اليهود؛ بل هم الذين سحروا محمداً ﵊. وهم قبل ذلك قتلة الأنبياء والمرسلين؛ بل ما تجرأت أمةٌ على سب الله كما تجرأ اليهود، هم الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] قالوا: الله يطلب منا المال فهو فقير!! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً! بل يقولون في التوراة المحرفة: إن الله نزل وتصارع مع يعقوب؛ بل يقولون -تعالى الله عما يقولون-: إن الله بكى ورمدت عينه، وعادته الملائكة! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً! أما سبهم الأنبياء، فإنها أكثر أمةٍ سبت الأنبياء، وقتلت الأنبياء والرسل، وحاربت دين الله. ثم لما مات ﵊ زرعت الفتنة والفرقة بين المسلمين، فادعى ابن سبأ الإسلام، ثم أخذ ينشر الفتنة بين المسلمين، وهكذا لا يزالون يفرقون الأمة؛ لأنهم يعلمون أنه أعظم سلاحٍ يقضون به على الإسلام والمسلمين. انظروا إليهم الآن كيف يفرقون المسلمين، والمسلمون يتكالبون على رضاهم، ويستجدون السلام منهم؛ يستجدون رضا اليهود حتى يعيشوا في سلام، كأنهم يعاندون قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]. يريدون السلام مع اليهود، والمساكين لم يقرءوا كلام الله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]. في حين يحارب بعضهم بعضاً، يطلبون الصلح والسلام مع اليهود. أي أمة هذه؟! هل تستحق النصر؟! إن الله لا يظلم أحداً، ومتى ما رأى الله فينا استحقاق النصر نصرنا وهو القائل: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. إنهم يصادمون سنة الله الكونية والشرعية وقد قال رسول الله ﷺ : (لن تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود). أليس في قلبك هذا؟ ألا تنتظر هذا اليوم؛ الذي تكون فيه في جيش عيسى ﵇ تقاتل فيه اليهود؟! (لن تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون). الله أكبر! هذه سنة الله الكونية والشرعية، وهم يستجدون اليهود السلام، ويطلبون رضاهم، وهم يحرقون شعباً مسلماً، يحرقون لبنان ويقصفونها صباحَ مساءَ، والمسلمون يتوسلون منهم السلام والرضا! أي ذلة يعيشها المسلمون اليوم؟! (لا إله إلا الله! ويلٌ للعرب من شرٍ قد اقترب فتقول زوجته: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم، إذا كثر الخبث). إذا طم الخبث وعم بالمسلمين، فإنهم يهلكون وإن كانوا ألف مليون مسلم؛ لكنهم غثاء كغثاء السيل، قد أوهن قلوبهم حب الدنيا، وكراهية الموت.

стр. 459

أسباب النصر من أسباب النصر التي لا بد أن نأخذ بها: الرجوع إلى الدين، والتآخي والتآلف. من اليوم لا فرق عندك بين أعجمي وعربي، وأبيض وأسود، وأصفر وأحمر، لا فرق بين مديرٍ وعامل نظافة، لا فرق بين غنيٍ وبين فقير، الناس كلهم سواء عندك: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] يكون في قلبك كل المسلمين سواء، أخوك في الصين، وفي الهند، وفي باكستان، وفي أمريكا، وفي جنوب أفريقيا، والذي بجنب بيتك؛ كلهم لك إخوان. فهذا من أسباب النصر. ثم لنرجع إلى ديننا، ولنأمر بالمعروف، ولننه عن المنكر، ولنتآلف، ولنتحاب، ولنتواد؛ فإن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠]. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اللهم أعداء الدين. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد؛ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. أقول هذا القول، وأقم الصلاة.

стр. 460

ما الهم الذي تحمله ؟ إن الإنسان المؤمن الصادق مع نفسه، لو نظر إلى حال السلف الصالح وصدقهم مع الله في مقالهم وحالهم، والهم الذي كانوا يحملونه، حيث حملوا همَّ دين الإسلام وهمَّ الدار الآخرة والمصير، يجد الفارق الكبير بين تلك الأمة وأمتنا اليوم، حيث أصبح همها السفاسف والدناءات، والأمور الدنيوية، وهذا له سبب وهو البعد عن الله، وعدم النظر والعمل بالكتاب والسنة.

стр. 461

ضرورة الاهتمام بعمل القلب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه. أما بعد: الموضوع كما سمعتم: ما الهم الذي تحمله، وهذا الموضوع لعلي ما اخترته إلا قبل أن آتي لهذا المجلس، ولأنه يهم كثيراً من الملتزمين قبل العوام، ولهذا تجد كثيراً من الملتزمين إنما التزامهم في الظاهر، أما همه فقلبه أبعد ما يكون عن الالتزام، سله من صباحه إلى مسائه، من يومه إلى ليله، بم تفكر؟ ماذا يشغل قلبك؟ ما الهم الذي تحمله؟ أقصى شيء الدوام والوظيفة والمعاش، أو الدارسة إن كان طالباً، أو الزوجة أو الأولاد، أو البيت والأثاث والقسيمة، ثم ماذا؟ ثم لا شيء، ثم أن ينام على الفراش ليستيقظ ويبدأ يوماً جديداً، هذا همه، هذا حاله، هذا تفكيره، ولهذا كثير من الناس يفرح لما يرى اللحية ما شاء الله على حالها، والإزار قصير، وهذا شيء مطلوب وطيب، ولكن ادخل في قلبه، لا تجد أثراً من أثر الالتزام، ولهذا الله جل وعلا ما ينظر يوم القيامة إلى صورنا ولا إلى أجسامنا ولكن ينظر إلى القلوب، ولهذا الله جل وعلا يقول: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] أي قلب هذا القلب السليم؟ قلب تجده إن جاء وكبر في الصلاة همه في الدنيا، هل هذا القلب سليماً؟! قلب إن خلا بمحارم الله تلذذ وتعلق بها بل انتهكها، هل هذا القلب سليم؟! قلب إن قرأ القرآن فهو لا يفكر إلا بالدنيا، وإن بكى في الصلاة فإنما يبكي على مصيبة أو على عزيز فقده ولا يبكي لتأثره بالقرآن، ولهذا فإن الله جل وعلا في أكثر الآيات يخاطب القلوب دون الأجساد، فيقول الله : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] القلب هو الذي يجعل الله عليه الران، المعصية تلو المعصية، والنظرة، ثم أغنية، ثم غيبة، ثم نميمة، ثم عقوق حتى يجعل الله على القلب ران، بل أشد من الران قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون:٣] الطبع على القلب، بل القفل: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].

стр. 462

الهم الذي كان يحمله السلف ولهذا نتكلم عن الهم الذي يشغل قلبك، أسألك بالله واسأل نفسك في هذا المجلس، بم تفكر؟ وما الذي يشغل همك من الصباح إلى المساء؟ ما الذي يطغى على تفكيرك وعلى قلبك؟ هل هي الدار الآخرة؟ هل هي سكرات الموت؟ ألا تفكر بهذه الأمور؟ أم أنك إن فكرت بها فتأخذ حيزاً قليلاً من همك، أما الغالب: المعاش، والدنيا، والقسيمة، والسيارة، والزوجة، والأولاد، والسفر، ومتاع الدنيا قال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء:٧٧].

стр. 463

هم الآخرة يقول يوسف: قال لي سفيان الثوري: ائتني بالماء، يقول: فقربت إليه كوزاً من ماء، ليقوم في الليل، يقول: فاقترب من الماء، ووضع يده على خده، يقول: فتركته وذهبت ونمت، يقول: فاستيقظت لصلاة الفجر، فجئت إليه فإذا هو على الحال التي تركته عليها، فقلت له: يا أبا عبد الله ما زلت على الحال التي تركتك عليها؟ قال: نعم، على هذه الحال. قال: ولم؟ قال: هم الآخرة، ولهذا من الناس من أخلصهم الله بهذا: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ﴾ [ص:٤٦] ما هي الخالصة؟ ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص:٤٦]. كان بعضهم يصلي، فيبكي وتسيل دموعه وتهراق، ولا يشعر من بجنبه أنه يبكي، أين همه؟ همه في الآخرة. وكان بعضهم كما تقول زوجة مسروق تقول: كان يصلي الليل، حتى تجلس خلفه وتبكي، تبكي رأفة على حاله، ورحمة به، تقول: فإذا أذن الفجر زحف كما يزحف البعير لم؟ همه الآخرة قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨]. حتى قال ﵊ في حديث صحيح: (ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، وما رأيت مثل النار نام هاربها) إذا أراد أن ينام خوف النار يفزعه فيوقظه، وإذا أراد أن يتلذذ بالفراش حب الجنة يطيره، حتى قالت بنية لأبيها: يا أبتي! مالي أرى الناس ينامون وأنت ما تنام، نومك قليل؟ فقال هذا الرجل -اسمع لتلك الكلمات ثم انظر لحالنا وهمومنا-: يا بنية! خوف أبيك من النار أذهب عنه النوم. عثمان بن عفان ثالث الخلفاء، يقول ابن عمر: أنزل فيه قول الله جل وعلا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٩] في الليل ما ينام، حتى قيل: إنه كان يختم القرآن كله في ليلة. دخل عليه الخوارج، وهو في غرفته، طلب الصحابة أن يقاتلوا دونه فأبى، قال: ما تقاتلون اتركوهم، فدى الأمة بدمه، دخلوا عليه واقتحموا الباب، ثم طعنوه تسع طعنات، أشقى القوم طعنه تسعاً قال: أما ثلاث فلله، وأما ست فلشيء وقر في الصدر. وكذب، تسع كلها ليست لله، طعنه فسال الدم على المصحف فبكت زوجته وقالت: قتلتموه، وإنه ليحي الليل بالقرآن. انظر الهموم، يمشي على الأرض وهمه في الآخرة، همه أن يدخل الجنة، همه أن ينجو من النار، حتى قال: [والله لو كنت بين الجنة والنار، وما أدري إلى أيهما أصير، لتمنيت أن أصير رماداً]. ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ [الزمر:٩] من الذي جعله ساجداً وقائماً في الليل والناس نيام؟ بل الناس أمام الملهيات، وفي المباحات، ويتلذذون بالفرش والنساء، أما من هو ساجد وقائم لم؟ ما الهم الذي يشغل قلبه؟ قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]. هل يشغل قلبك هم الدار الآخرة أم أنك نسيت؟ حتى صرت من الذين يصلون ولم يصلوا، ينقرها ولا يدري ماذا صلى، وبم قرأ الإمام، ولم يتذكر يوماً خشع فيه من قراءة القرآن، من السلف من قتل ومات بآية، تعرف ما هذا الآية؟ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد:١٦] أي قلوب هذه؟ قلوب ملأتها الدنيا، وفتن الدنيا، حتى أصبحت تكبر وكأنها ما كبرت، بل جاءني أحد الناس يشتكي يوماً من الأيام -ولن أنسى هذا السؤال- يقول: والله أفكر في المعصية حتى في السجود، حتى في السجود أقرب ما يكون العبد من ربه، أي قلب هذا؟ بل أي هم هذا؟ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦]. ألا يأتيك هم -أخي الكريم- أنك يوماً من الأيام سوف تكون طريح الفراش. الحسن البصري يدخل يوماً من الأيام على البيت، فيقول له أهله: يا أبا سعيد! العشاء، فيقول: كلوا عشاءكم، فيقولون له: يا أبا سعيد! برد العشاء، فيقول لهم: كلوا عشاءكم، فقد رأيت مصرعاً لا أزال أعمل له حتى ألقاه، رأيت رجلاً يحتضر: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩]. لا تقل أخي الكريم! أنا أصبحت أفضل من غيري، والحمد لله عندي بعض الأعمال الصالحة، عند الممات يتبين كل شيء، ويظهر ما في القلب، همك الذي يشغلك سوف تتلفظ به عند الموت، بل يخرج الله السرائر: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩]. إن لم يكن في الموت، فعند اللقاء عند الله جل وعلا، رجل قلبه يتعلق بأمرد صبي، فلما حانت ساعة وفاته قال: أسلم يا راحة العليل ويا شفاء المدنف في النحيل رضاك أشهى إلى فؤادي من رحمة الخالق الجليل فقالوا له: اتق الله، ماذا تقول؟ أخرج الله ما في قلبه، إن كان حب مردان، أو أموال، أو تجارات وعقارات، أو أثاث، أو فتن الدنيا، أو تعلق قلبه ببيت أو سيارة أو أولاد أو زوجات، فسوف يظهر الله ما في قلبه ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] عند الممات يقولها لكن هل تنفعه؟! ولتتخيل أخي الكريم تلك اللحظات التي فيها تنازع الموت، تخيل ولعلها تكون الليلة الأخيرة هذه، وسل نفسك هل أنت مستعد لهذه اللحظات؟ أم أن ملك الموت سوف يطرق عليك الباب، أو يستأذن منك قبل أن ينزع الروح منك؟ أم أنك يا عبد الله سوف يؤخرك الله حتى ترجع الأمانات إلى أهلها، وتتوب من بعض المعاصي التي بينك وبين الله، لا يعلم عنها إلا الله جل وعلا؟ ولهذا الإمام أحمد لما أشغله هذا الهم، وأقلقه ذلك الهم، يوم من الأيام جاءه رجل فقال له شعراً، فقام الإمام أحمد من مجلسه، وكان حوله التلاميذ والأصحاب، فدخل في غرفة وأغلق الباب، فانتظروه فتأخر، فاقترب أحدهم يستمع إلى الإمام أحمد خلف الباب، يردد الشعر نفسه وهو يبكي: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب لا تقل: ما في أحد، أغلقت الباب، ويفتح التلفزيون وينظر، ما في أحد؟ إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب لهونا لعمر الله حتى تتابعت ذنوب على آثارهن ذنوب فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ويأذن في توباتنا فنتوب عمر بن الخطاب، انظر إلى الهم الذي أشغله، يقال: كان يُرى في وجهه خطان أسودان من البكاء. أخي الكريم: كانوا لا ينامون الليل من الهم الذي يقلقهم، حتى كان ﵊ يقوم الليل كله بآية، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] يرددها ويبكي، ليلة من الليالي تقوم عائشة فتسمع النبي ﷺ في الليل يبكي، فتقترب فإذا هو في السجود، تعرف ماذا يقول؟ يقول: (اللهم أمتي أمتي، اللهم أمتي أمتي) انظر الهم الذي يقلقهم.

стр. 464

هم الأمة من الهموم أخي الكريم التي لا بد أن تشغلك، هم هذه الأمة، هم إصلاحها، ألا يقلقك؟ ألا يؤثر في قلبك؟ عندما تخرج من بيتك ولا يخرج أحد للصلاة غيرك ألا تضطرب أخي الكريم؟ عندما تقوم للفجر إن كنت من مصلي صلاة الفجر، أنك تمشي في الشارع لوحدك، ولا تسمع إلا قرع نعليك، ألا يحزنك؟ ألا يهمك هذا؟ ألا يصيبك بالحزن أن ترى في كل يوم تزداد بيوت الربا التي تحارب الله جهاراً نهاراً؟ ألا يحزنك ويقلقك لما ترى في الشارع هذه متبرجة، وهذه مع فلان، وهذه كاشفة عن رأسها، وتلك حاسرة عن ساعديها، ألا يحزنك يا عبد الله؟ إن هذا الهم قتل محمداً ﵊، حتى تقول عائشة: [كان يجلس -آخر عمره في الصلاة، تعرف لمَ؟ تقول-: مما حطمه الناس، مما حطمه الناس] ألا تحمل هذا الهم يا عبد الله؟ ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ [الكهف:٦]. همه إن لم يكن في الموت وفي القبر وفي القيامة وفي الجنة والنار فإنه في هموم الأمة، يحزن ويتألم، حتى قام من مجلسه وهاجر من مكة إلى الطائف، خرج إلى الطائف على قدميه الشريفتين، ودخل على رءوساء القوم وكبراءهم، حتى قال قائلهم قبحه الله: أما وجد الله غيرك ليرسله. وقال الآخر: إن كنت صادقاً فلن أجيبك، وإن كنت كاذباً فأنا أكبر وأشرف وأعلم من أن أجيبك. فتبعوه بالحجارة، يلحقهم الصبيان والعبيد والسفهاء، وهو يمشي حتى قال ﵊: (انطلقت -اسمع إلى الرواية- قال: هائماً على وجهي فلم استفق إلا بـ قرن الثعالب) تخيل من شدة الهم، ما يدري أين استفاق، مشى فلم يستفق إلا بـ قرن الثعالب، فجاءه ملك الجبال قال: (مرني أطبق عليهم الأخشبين -ترتاح، يزول الهم، يزول كل شيء- قال: لا. أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً) وكان لسان حاله، يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨]. أين أتباع محمد ﷺ ، تعرف من هم؟ ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ الدعاة إلى الله هم أتباع محمد ﷺ ، هل هذا الهم الذي تحمله؟ ما الهم الذي تحمله يا عبد الله، هل تحمل هم الأمة؟ باخع نفسك، أي: قاتل نفسك على آثارهم: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ [الكهف:٦]. أيها الإخوة الكرام! إن القلب بعض الأحيان يكاد يتفطر إن كان في القلب إيمان، إن كان في القلب إسلام، لما ترى شباباً لا يصلون، بل بعضهم يضحك عليك لما تصلي، وجاءني أحدهم والله يقول لي بعد أن صلينا الظهر، قال: لا زلتم تصلون، الناس قد وصلوا القمر وأنتم لا زلتم تصلون، بل صارت الأسئلة الآن في حكم تارك الصلاة: هل يجوز أن يزوج أو لا يجوز أن يزوج؟ والله يا إخوة! يدمى القلب ويحزن القلب من حال هذه الأمة، قبل أيام خرجت من البيت حتى -أيها الأخ الكريم- يصيبك بعض الهم، لتنشغل على حال هذه الأمة، خرجت من البيت فإذا بزحام، والسيارات مجتمعة، وأصوات رنات السيارات والناس قد خرجت، فذهبت مسرعاً فإذا بالشوارع مغلقة، ما الخبر؟ وإذا الناس قد نزلوا من السيارات يرقصون، ما الذي جرى؟ وبعضهم يصور، وأغلقوا الشوارع، وكأن لسان حالي يقول: إن فلسطين لعلها حررت، الحمد لله، بل لعل مشكلة كشمير انتهت بفضل الله، أم لعله والحمد لله طبق شرع الله عندنا، يفرح الناس، يحق لهم أن يفرحوا بهذا، ولسان حالهم يرد، فيقولون: لا، بل فريقنا فاز في لعبة القدم. أي سخف مدمر عن فساد الشعوب نم وإلى أي خيبة هبطت هذه الأمم ألف مليون أصبحوا كثغاء بشط يم ومُصلى نبيهم بيد اللص يقتسم أنا أقسمت بالذي برأ الكون من عدم وكسا ثوب عزة كل من بالهدى اعتصم إن قنعنا بسخفنا وركنا إلى النعم فخطى الخصم ماضيات من القدس للحرم عندها يندم الجميع يوم لا ينفع الندم ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ [هود:١١٦] أولوا عقل، أولوا نهى، ألوا ألباب، هؤلاء هم صفوة الخلق، من هم يا رب؟ ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود:١١٦] هم هؤلاء أهل العقل، بل ما يستحق غيرهم أن يكونوا ألو بقية، ألو نهى، وألوا ألباب. جاءني قبل أيام ضابط في المباحث، يقول: يا شيخ! ما طلعت من المخفر إلا الساعة الرابعة صباحاً، قلت: ما الخبر؟ قال: قبضنا على مزرعة أو حوطة كلها ممتلئة بالشباب والشابات دعارة، يقول: وكلهم أو أغلبهم من أهل هذه البلد، إخواننا وأخواتنا، يقول: وجئت إلى فتاة ليست كبيرة -صغيرات أكثرهن- فقلت لها: كيف خرجت من البيت؟ أهلك أين هم؟ تقول: أهلي يظنون أنني من خيرة الفتيات، ويحسبون أنني من أشرف الفتيات، قلت: كيف إلى الفجر ما يدرون عنكِ؟ قالت: قلت لهم: إنني في عرس. أين الرجال؟ أين أولو الغيرة؟ أين أصحاب الحمية؟ أين الدعاة إلى الله جل وعلا؟ صار هم بعضهم -للأسف- أنه يحضر هذا المجلس ثم يشرب شاهي وقهوة، ويقلب كف على كف ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. لا حول ولا قوة إلا بالله تقولها بعد أن تبذل الأسباب، بعد أن يشغل قلبك فتسجد في الليل وأنت تبكي تقول: اللهم أمتي أمتي، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، ولهذا ذلك الذي آمن من قوم إسرائيل من قوم فرعون ماذا قال؟ ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩] ولهذا قال في خاتمة كلامه: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر:٤٤]. أيها الناس: تحركوا! وليشغلنا على الأقل الهم في البداية، لأنه إذا دخل هذا الهم في القلب وصلحت هذه المضغة، صلح الجسد كله، فتجده إما متكلماً أو كاتباً أو ناشراً أو موزعاً أو طارقاً للأبواب، أما إذا فسدت هذه المضغة، فتجده يصد، ويقول للداعية: ماذا تفعل؟ الفساد أكبر منك، يا أخي! ما تستطيع أن تفعل شيئاً، ويأتي المريض الثاني فيقول: الحمد لله نحن بخير، نحن أفضل من غيرنا، ولكن الخطأ باقٍ، والمنكر يبقى منكر، والربا من الموبقات، والزنا من المحرمات، والفواحش من أسباب هلاك الأمم، لابد أنك ترضى بهذا وتصدق هذا، ولهذا زينب لما قالت: ﴿أنهلك وفينا الصالحون!؟﴾ فينا صالحون الحمد لله، يتبجح بها بعض الناس، فينا الحمد لله أهل الصلاة، أهل المساجد، والصائمون والمتصدقون نعم، لا نشك بهذا، ولكن قال: ﴿نعم إذا كثر الخبث﴾ ما الهم الذي تحمله؟ أسألك بالله أيها الأخ الكريم! هل همك لا زال -بعد هذه الكلمات- في أثاث سوف تشتريه بعد أيام؟ أم لا زال همك في شهادة سوف تحصل عليها بعد أشهر؟ أم همك لا زال في سفر سوف تسافره بالصيف؟! أم همك لا زال في سيارة سوف تركبها بعد أيام؟! همك بم يا عبد الله؟! ما الهم الذي تحمله؟ نعم. لا تنسى نصيبك من الدنيا، ولكن لا تطغى عليك الدنيا: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء:٧٧].

стр. 465

حال الأمة اليوم اسمع أخي الكريم! إلى حال أمتنا يصفها هذا الشاعر، هذه الأمة المريضة ولا نقول ميتة، اسمع إلى حالها، وأرجو أخي الكريم أن تفكر في كلمات هذه الأبيات، فكر واستشعر، ثم سل نفسك بعدها، هل دخل الهم في القلب؟ يقول: إني تذكرت والذكرى مؤرقة مجداً تليداً بأيدنا أضعناه كان صغار الصحابة يواجهون صناديد الكفر - أبا جهل - وينقضون عليه كالصقر، وكلهم يفتخر يقول: أنا قتلته يا رسول الله! مجد حتى كان يعد ﵊ سراقة بسواري كسرى، وأعطاه عمر لـ سراقة، اسمع ذلك المجد الذي ضاع: أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصاً جناحاه كم صرفتنا يد كنا نصرفها وبات يملكنا شعب ملكناه استرشد الغرب بالماضي فأرشده وكان لنا ماض نسيناه بالله سل خلف بحر الروم عن عرب بالأمس كانوا هنا واليوم قد تاهوا وانزل دمشق وسائل صخر مسجدها عمن بناه لعل الصخر ينعاه هذي معالم خرسٌ كل واحدة منهن قامت خطيباً فاغراً فاه الله يعلم ما قلبت سيرتهم يوماً فأخطأ دمع العين مجراه لا در در امرئ يطري أوائله فخراً ويطرق إن سائلته ما هو يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواه يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه ما الهم الذي تحمله؟ هل في قلبك هم؟ تطرق يوماً من الأيام بيوت الجيران، تقول لهم: يا قوم! اتقوا الله، يا قوم! الأذان يؤذن ولا أحد منكم يخرج إلى الصلاة، هل هذا الهم يشغل قلبك؟ هل يشغل قلبك يوماً من الأيام أخي الكريم أنك ترى ولدك يحفظ القرآن، يدعو إلى الله، يطلب العلم، يجاهد في سبيل الله، هذه الأمنية التي ما حصلت أنت عليها، هل تتمناها لأولادك؟ هل تتمناها لجيلك يا عبد الله؟ هل يشغل قلبك هذا الهم أن ترى يوماً من الأيام الحدود تطبق وشرع الله يقام، وكتاب الله وسنة رسول الله يحكم بها في هذه الأرض هل هذا الهم يشغل قلبك؟ أم أنت ممن يقلب الجريدة، والصحف، يبحث عن بيت، ويبحث عن محل، أو يفكر في تجارته؟ ولا أحرم عليك هذا ولكن، سل نفسك يا عبد الله وكن صادقاً ما الهم الذي تحمله؟ هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 466

مخالفات نسائية في رمضان كل الناس يفرحون بقدوم رمضان، لكن الفرحة تتفاوت من شخص لآخر، والمؤمن يجب أن يكون فرحه برمضان لأنه شهر التوبة والقرآن، ولأن فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم هذا ما تحدث عنه الشيخ في بداية محاضرته، ثم تكلم حول بعض المخالفات التي ترتكبها النساء في رمضان، فذكر سبعاً وعشرين مخالفة.

стр. 467

فرح الناس بقدوم شهر رمضان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: العنوان -أخواتي الكريمات- كما سمعتن: "مخالفات شرعية في رمضان". رمضان يفرح بدخوله كثيرٌ من الناس، منهم من يكون من أهل الدنيا فيفرح بدخول رمضان، فهذا التاجر يفرح؛ لأن رمضان قد دخل، وبضاعته سوف تروج، وتجارته سوف تربح، فهو يفرح برمضان، لكن ليس لله جل وعلا. وذاك يفرح بدخول رمضان لأجل اللعب واللهو، والسهر والمرح، وقضاء الأوقات في المباح، وإن لم يكن هذا في الحرام، فهو يفرح برمضان لكن ليس لله جل وعلا. وهذا يفرح بدخول رمضان لأجل ما يعرض في التلفاز من مسلسلات ومسابقات، وأفلام وبرامج، وقضاء الأوقات فيما حرم الله، فهو يفرح بدخول رمضان لكن ليس لله جل وعلا. ومن الناس من يفرح بدخول رمضان لأجل الدعاء والقرآن، والصلاة والذكر والعبادة، لأن النبي ﷺ قال: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنان، وغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين، وفي رواية فيها زيادة: قال: وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة). إن رمضان يفرح المؤمن بدخوله بل بقدومه، بل يفرح إذا اقترب هذا الشهر ويبكي لفراقه، لأن الله قد كتبه، فهو يفرح لأن الله كتبه عليه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] لم يكتبه الله لأجل المشقة، ولا لأجل التعب، ولا لأجل التكليف فقط، بل قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]

стр. 468

رمضان شهر التوبة ولماذا يفرح المؤمنون بقدوم هذا الشهر؟ لأنه شهر التوبة، فكل من زلت زلة، وكل من أخطأت خطأً، ومن وقعت في معصية تنتظر هذا الشهر بفارغ الصبر؛ لترفع يدها إلى الله جل وعلا، لعل الله يجعلها من عتقائه من النار (ولله سبحانه عتقاء من النار وذلك في كل ليلة). مضى رجب فما أحسنت فيه وولى شهر شعبان المبارك فيا من ضيع الأوقات جهلاً بحرمتها أفق واحذر بوارك فسوف تفارق اللذات قسراً ويخلي الموت كرهاً منك دارك تدارك ما استطعت من الخطايا بتوبة مخلصٍ واجعل مدارك على طلب السلامة من جحيمٍ فخير ذوي الجرائم من تدارك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [التحريم:٨] أي: ليست أي توبة، تستغل المؤمنة الصادقة هذا الشهر في التوبة إلى الله جل وعلا من الذنوب والخطايا والمعاصي، فهنيئاً لهذه المرأة، وهنيئاً لتلك التي ما خرج رمضان إلا وقد عتقها الله من النار، وهنيئاً لهذه التي ما مضى رمضان إلا وقد غفر الله ما تقدم من ذنبها، تفرح بقدوم هذا الشهر؛ شهر المغفرة، شهر العتق من النار، شهر التوبة.

стр. 469

رمضان شهر القرآن وتفرح المرأة وتعد الأيام عداً لقدوم شهر رمضان؛ لأنه شهر القرآن الذي أنزله الله فيه، والذي يتفرغ فيه المؤمن والطامع لله جل وعلا في كل شيءٍ إلا من قراءة القرآن، قال الله جل وعلا في وصف هذا الشهر: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] حُق لشهرٍ مثل هذا أن ينزل الله فيه القرآن، وحُق لشهرٍ مثل هذا أن نعتكف فيه على قراءة القرآن، هذا الشافعي عليه رحمة الله، أتعرفن يا إماء الله كم كان يختم القرآن في رمضان؟ كان يختمه ستين مرة، أما الإمام مالك، إمام دار الهجرة، كان إذا جاء رمضان أقفل الكتب وأغلقها، وترك المجالس إلا مجالس القرآن، يعتكف على قراءة القرآن، وعلى تلاوته، وعلى مراجعته، وعلى مدارسته، قال الله جل وعلا: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] من النساء من يمر عليها رمضان وما ختمت القرآن ولا مرة واحدة، ولا مرة واحدة! سبحان الله! وليس الختم بواجب، ولا نقول: إن هذا الأمر واجب؛ ولكن أي تقصيرٍ في العبادة أعظم من هذا؟ الناس كلهم يعتكفون على كتاب الله، الصغير والكبير، الغني والفقير، الذي هجر القرآن أحد عشر شهراً يختمه في رمضان، وهذا تقصير، وهذا هجران، ولكن أي هجرٍ أعظم من امرأة يمر عليها الشهر كله ولم تختم القرآن مرة واحدة؟ هذا الشهر شهرٌ عظيمٌ، فيه ليلة يقول الله عنها: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:١ - ٣] هذه الليلة خير من ألف شهر. أمة الله: كيف بكِ إذا وفقك الله لقيام تلك الليلة: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).

стр. 470

مخالفات النساء في رمضان أمة الله: يجب قبل الصيام أن نطلب العلم، وأنتن في هذا المكان، وفي هذه المجتمع غير معذورات لتقصيركن في طلب العلم نُسأل في كل أمر، كم من النساء من تجامع في نهار رمضان! وكم من النساء من تفعل المحرمات في نهار رمضان؟ وكم من النساء من تفعل المعاصي في نهار رمضان وهي لا تدري! ترتكب المحرمات، وتقع في المحظورات، وتأتي المفطرات ثم بعد هذا تسأل: ما حكم صيامي؛ لقد فعلت كذا وكذا؟ يجب أن تتعلمي العلم قبله، والله جل وعلا يقول: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]. والمخالفات التي سوف نذكرها بعضٌ من كثير، وغيضٌ من فيض، فإن مخالفات الناس في رمضان كثيرة جداً، وما سوف أذكره ليس كله حرام؛ فبعضه لا يجوز، وبعضه مكروه، وبعضه خلاف الأولى، والله جلَّ وعلا قسَّم الناس فقال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر:٣٢] أي: من الناس من يقع في المحرمات ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر:٣٢] لا يفعل المحرمات لكنه قليل الطاعات ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] أعلى الناس مرتبة، ليس فقط يترك الحرام، بل حتى المكروه يتجنبه، وتجدينها تحرص على المستحبات، تفعل المستحب والواجب، إذا كان الأمر يحبه الله جل وعلا، وإذا كان الأمر فيه شبهة بين الحرام والحلال تتركه وتتجنبه خوفاً أن تقع في الحرام. هذه أعلى المراتب في الناس.

стр. 471

ترك الصلاة أول مخالفة من مخالفات الصيام: أن بعض النساء قد تصوم رمضان ولا تصلي، أو لا تصلي إلا في رمضان، والله جل وعلا قال عن الصلاة: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] وقال ﵊: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) وقال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) فبعض النساء تنام عن صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، أو تنام عن الظهر حتى يدخل وقت العصر، أو تنام عن بعض الصلوات حتى يخرج وقتها، هي محافظة على الصيام، وهي مشكورة على هذا، لكنها تضيع ما هو أهم من الصيام، وهي الصلاة، والله جل وعلا يقول: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩].

стр. 472

استقبال رمضان بصوم يوم أو يومين المخالفة الثانية: أن بعض النساء تصوم قبل رمضان بيوم أو يومين، وإذا سئلت: لماذا؟ تقول: احتياطاً، ولربما يدخل رمضان والناس لا يدرون، أو لربما طلع الهلال وما رآه الناس، فهي تصوم احتياطاً، نقول: إنها قد وقعت في المحظور؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا تقدموا رمضان بصوم يومٍ ولا يومين إلا صومٌ كان يصومه أحدكم) أي: إذا كانت متعودة على صيام نذر، أو كان هذا اليوم يوم خميس مثلاً، أو إثنين، أو أحد الأيام التي اعتادت على صيامها؛ فإنها تصوم ولا ريب في هذا، لكنها إن قصدت الاحتياط والتقديم على رمضان لأجل الشك فإنها قد وقعت في معصية النبي ﷺ .

стр. 473

ارتكاب المعاصي المخالفة الثالثة: أن بعض النساء- هداهن الله- في رمضان تقع في المعاصي، هي تعبد الله جل وعلا، ثم تحطم عبادتها، أو تضيع بعض أجورها، ولربما تصوم وليس لها من الصيام إلا الجوع والعطش، ومن المعاصي التي تكثر في رمضان: التلفاز؛ فبعض النساء -هداهن الله- تجلس من الصباح إلى المساء، أو من بعد الإفطار إلى طلوع الفجر، تقضي وقتها أمام التلفاز، ولا يخفى عليكن -أيتها الأخوات الكريمات- ما يكون من التلفاز في رمضان خصوصاً، وفي غير رمضان عموماً؛ من الأغاني والطرب والموسيقى، وبعض الأفلام والمسلسلات التي قد يدخلها بعض الأمور الخليعة أو الجنسية أو الأمور المحرمة؛ فهي تصوم عن المباح، ثم بعدها تقع في الحرام، فالطعام والشراب قد أحله الله وأباحه الله جل وعلا، تركت المباح لله جل وعلا، ولا تستطيع أن تترك الحرام لله جل وعلا! ومن النساء من تقضي ليلها ونهارها في استماع اللهو والطرب، وفي أشرطة الأغاني، والموسيقى، والمعازف، وإذا سئلت، قالت: أقضي النهار أو أقضي الليل بهذا، وهي بهذا الفعل تذهب كثيراً من أجرها إن حصلت على أجر الصيام، بل قال ﵊: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) أيُّ حاجة وأي فائدة لك -يا أمة الله- أن تصومي عن الطعام وعن الشراب، وعن الجماع الذي هو مباحٌ، ولربما يكون واجباً بعض الأحيان، أي داعٍ لترك هذا كله ثم تقنعين في غيبة بعض النساء؟! تجلس بعض النساء في نهار رمضان، أو في ليالي رمضان تتكلم على فلان وعلى علان، وعلى هذا البيت، وعلى تلك الأسرة لقد صامت وأفطرت على لحوم البشر، قال الله جل وعلا: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢]. وبعض النساء في نهار رمضان -ولا زلنا في المخالفة الثالثة- أو في ليالي رمضان، لا تحلو لها الأسواق ولا التجول في الأسواق إلا في ليالي رمضان، ولهذا نجد الأسواق في ليالي رمضان مكتظة بالناس، بل إن بعض الناس وبعض النساء لا تذهب إلى الأسواق لحاجة، إنما لأجل التجول، ولأجل التسكع في الأسواق، وفي الشوارع، وتقول لها: لماذا هذا؟ تقول: هي عادة تعودناها في ليالي رمضان أن نذهب إلى الأسواق. ولربما تقع في الحرام، ولربما تتطيب فتذهب إلى الأسواق، ولربما تتبرج بعض الشيء، ولربما تخالط الرجال، وتتميع في الكلام مع بعض الباعة، لقد ضيعت أجرها وصيامها لأجل هذه المحرمات، تركت أحب البقاع إلى الله، لتذهب إلى أبغض البقاع إلى الله، وهي تقول: عادة تعودناها في رمضان! بل بعض النساء -وللأسف- في ليالي رمضان تخرج متبرجة متعطرة، وسوف نأتي إلى هذا -إن شاء الله- لاحقاً.

стр. 474

عدم التسوك بعد الزوال المخالفة الرابعة: بعض النساء تظن أن السواك بعد الزوال محرم في رمضان، وهذه مخالفات- إماء الله- بعضها يشترك فيها الرجال مع النساء، وبعضها يخص النساء دون الرجال بعض النساء تنكر على من تتسوك في رمضان بعد الزوال، أي: بعد الظهر، وتظن أن السواك بعد الظهر حرام، أما قبل الظهر فهو حلال، وتستدل بحديث: (استاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي) وهذا الحديث لا يثبت، وهو غير صحيح، فالسواك في نهار رمضان أوله وآخره مباح، بل مستحبٌ؛ لقول النبي ﷺ : (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب) وكان يستحب ﵊ السواك عند كل وضوء، وعند كل صلاة، ولا دليل على تخصيص أول النهار دون آخره، ففي نهار رمضان السواك مستحب أوله وآخره، أما ما وجد هذه الأيام من السواك الذي هو بطعم النعناع، وبطعم الليمون، وغير ذلك؛ فإنه -كما أفتى بعض العلماء- لا يجوز أن يتسوك به في نهار رمضان، لأن فيه زيادة على السواك طعم، ولربما وصل إلى الجوف.

стр. 475

الأكل والشرب بعد طلوع الفجر المخالفة الخامسة: بعض النساء -هداهن الله- يؤذن الفجر فتأكل وتشرب، وتقولين لها: لماذا؟ فتقول: يجوز أن آكل وأشرب حتى يقول المؤذن: الصلاة خير من النوم. وبعضهن -والله- تأكل حتى الإقامة، وتقول: يجوز الأكل حتى تقام الصلاة! وهذا كله من الجهل بدين الله جل وعلا، فإذا كان المؤذن موثوقاً بأذانه، لا يتقدم بأذانه على طلوع الفجر فإنه يجب عليها أن تمسك عند قوله (الله أكبر) تمسك عن الطعام والشراب، إلاَّ لقمة بأيدينا، أو شراباً نتمه، أما أن نستمر في الأكل والشرب حتى يقول: الصلاة خير من النوم؛ فهذه مخالفة، قال ﵊: (فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) أما إن علمنا مؤذناً يؤذن قبل دخول الوقت فلا عبرة بأذانه؛ لأنه الله جل وعلا يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧].

стр. 476

الإفراط في الأكل المخالفة السادسة: الإفراط في الأكل، وكأن شهر رمضان شهر أكلٍ وشرب، فهؤلاء النساء وأولئك الرجال يذهبون قبل رمضان لشراء الطعام وتخزين المأكولات والمشروبات فهذا للإفطار، وهذا بعد الإفطار بساعة، وهذا بعد الإفطار بساعتين، وهذا بعد القيام، وهذا قبل القيام، وهذا بين الأربع ركعاتٍ والتي تليها، وهذا قبل الفجر بساعتين، وهذا للسحور! وكأن الليل كله لأجل الطعام والشراب، بل بعض النساء من الظهر إلى أذان المغرب وهي في المطبخ ماذا تفعلين؟ تطبخ عشرين صنفاً، وإذا كان صنف واحد قد نقص في الطعام فيا ويلها ثم يا ويلها! فالزوج يزمجر ويغضب، ويقلب المائدة على وجهها؛ لأن هذا الصنف غير موجود، وكأن شهر رمضان شهر أكل وشرب وليس شهراً للصيام، بل وكم نسمع من النساء بل حتى من الرجال من يصيبه مرض التخمة في رمضان، بل مرض السكر، وتجد المستشفيات يزدحم عليها النساء والرجال في شهر رمضان، لماذا؟ لكثرة الطعام والشراب، بل يجلس بعض الناس من أذان المغرب إلى أذان العشاء على المائدة يأكلون؛ ليس من الجوع، ولا من العطش، لا. إلا لشيء واحد، لأجل الأكل فقط، بل يأكل طعام السحور وكأنه قادمٌ على مفازة وعلى معركة، وكأنه قادمٌ على مهلكة، يأكل في السحور أكلاً لا يتحمله بطنه؛ ولهذا بعضهم يأتي إلى الفجر ولا يتحمل الصلاة، أو يأتي إلى التراويح ولا يتحمل الصلاة؛ لأنه أكل أكلاً لا يستطيع أن يأكله قبل رمضان في وجبتين وثلاث، أكلها في رمضان في وجبة واحدة. أمة الله: شهر رمضان شهر صوم، وشهر جوعٍ لله جل وعلا، نحس في هذا الشهر أننا جعنا لله جل وعلا، أما أن نأكل سحوراً ولا نجوع به حتى الإفطار؛ فهذا لا يصح، وعلينا أن نأكل كما قال ﵊: (فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه) أما هذه فقد جعلت الثلاثة الأثلاث كلها للطعام والشراب، ولا شيء للنفس أبداً، لا تستطيع أن تتنفس بعد هذا، ثم إن قامت لصلاة التراويح أو القيام كأنها تقول: أرحنا منها يا إمام، وعجل علينا في الصلاة؛ فإنني لا أستطيع أن أتحمل! ثم على المرأة أن تعلم أنه من شبع في الدنيا جاع يوم القيامة.

стр. 477

الفتور في العبادة المخالفة السابعة: التحمس للعبادة أول الشهر، ثم لا يزال الحماس ينقص شيئاً فشيئاً، نرى مصليات النساء أول رمضان ممتلئة، ثم ينقص صفاً، ثم صفين، ثم يأتي آخر رمضان ولا نجد إلا نصف المصليات، أين هن؟ إن الأمر حماس فقط، يوماً أو يومين، والله جل وعلا يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] بل أنت مطالبة -يا أمة الله- بالصيام والقيام إلى أن تموتي، فإذا ذهب رمضان هناك صيام نفل، وصيام تطوع، وهناك قيام طوال ليالي السنة، وليست المرأة معذورة أن تترك القيام من رمضان إلى رمضان القادم، هذا يدل على ضعف إيمانها، وقلة حرصها على دين الله جل وعلا، وليس الأمر بواجب لكنه أمرٌ مستحب، ولا يغفل عنه إلا غافل؛ ولهذا نجد بعض النساء تتحمل أول الأمر يومين، وثالث يوم تقرأ القرآن ما شاء الله، وتقوم الليل، ثم تبدأ تضعف، فتصلي ركعتين، أو تحرص على الوتر والدعاء، ثم تأتي إلى القيام ليلة وتترك ليالي، ثم لا تذكر القيام إلا آخر ليلة أو ليلة القدر، حتى يأتي رمضان القادم، والله جل وعلا يصف شهر رمضان بقوله: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] هي أيام تأتي وتذهب مسرعة، بل لعله يأتي رجل أو تأتي امرأة تذكرك -يا أمة الله- بآخر ليلة، تذكرك بوداع رمضان، وماذا فعلنا في ليالي رمضان، وماذا فعلنا لله جل وعلا، وهل قبلنا الله جل وعلا، وهل أعتقنا من النار أياماً معدودات، تأتي وتذهب مسرعة، بل -والله يا أمة الله- ذهب رمضان السابق، وأتى رمضان القادم وما أحسسنا به، أحد عشر شهراً ذهبت مسرعة وما أحسسنا بذهابها؛ لأن العمر يذهب مسرعاً، فإياك ثم إياك والتكاسل عن العبادة والطاعة!

стр. 478

المشقة على النفس بالصيام المخالفة الثامنة: بعض النساء تشق على نفسها وهي مريضة لا تتحمل الصيام، لكنها تقول: كيف أترك الصيام ونحن في رمضان؟ تقوم فتهلك نفسها، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] وقال ﵊: (لا ضرر ولا ضرار). نقول: يا أمة الله! إذا كان الصيام في نهار رمضان يضرك ضرراً بحيث ربما يقتلك أو يهلكك، أو يضرك ضرراً بالغاً؛ فإنه يجب عليك أن تفطري، والدليل الآية التي ذكرناها، والحديث السابق، ولقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) فلا يجوز لك أن تضري نفسك بالصيام، وكم من الناس علمنا أنه مات في رمضان لأنه صام، وقد نهاه الطبيب، وقد منعه الصالحون المخلصون، ولكنه لحرصه على العبادة، ونسأل الله أن يأجره، وأن يحفظ له عمله، وأن يحسن خاتمته، ولكن هناك أمور لا بد أن نتزن فيها، فإذا كان الصيام يضر فإنه لا يجوز أن نصوم.

стр. 479

ترك الصيام بعد البلوغ التاسعة من المخالفات: بعض النساء تبلغ وتصل إلى مرحلة البلوغ، سواءً بحيض، أو نزول الماء، أو نبت بعض الشعر في الأماكن المعلومة، أو تبلغ خمس عشرة سنة، ولكن تستحي أن تخبر أهلها، وهذه من عادة النساء؛ فيأتي بعض الآباء ويجبرون البنات الصغيرات، التي ربما عمرها عشر سنوات وقد بلغت، يجبرها على الإفطار، ويمنعها من الصيام، وهي تستحي أن تقول لوالدها: إنني قد بلغت، فهذه يجب عليها أن تخبر أمها، أو أختها، أو تأتي الأم فتتفقدها، أو تخبر البنت الصغيرة وتعلمها على علامات البلوغ، سواءً نزول الدم، أو الماء، أو نبت الشعر، أو بلوغ خمس عشرة سنة، فعلينا أن نعلم البنات الصغيرات، بل -يا أمة الله- يجب علينا أن نعود تلك التي لم تبلغ الحلم على الصيام، بل حتى الأولاد الذين بلغوا عشر سنوات أو أقل أو أكثر نعودهم على الصيام؛ لأنه من شب على شيء شاب عليه، وهذا هدي سلفنا الصالح.

стр. 480

عدم معرفة حكم من أصبح جنباً في رمضان العاشرة من المخالفات: أن بعض النساء يصيبها الحرج إذا أصبحت جنباً في رمضان ولم تغتسل، وتقول: لا يجوز لي أن أصوم وأتم الصوم. تقول: عائشة وأم سلمة: (كان النبي ﷺ يصبح جنباً ثم يغتسل ويصوم) فإذا نمت على جنابة، وأذن الفجر ولا زلت على جنابة، جنابة سابقة قبل أذان الفجر؛ فيجوز لك أن تغتسلي وتكملي الصوم.

стр. 481

التبكير بالسحور الحادية عشرة: تبكير السحور، فإن بعض النساء تبكر بالسحور قبل الفجر بساعة، أو بساعتين، فمثلاً تتسحر الساعة الثالثة ويؤذن الفجر الخامسة والربع، ثم بعد السحور ينام أهل البيت، أو تنام المرأة أو الأب أو الأولاد ينامون، ثم لا يستيقظون لصلاة الفجر، والسنة كما قال ﵊: (لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور) علق الخير على أمرين، الأمر الأول: تعجيل الفطور وسوف نأتيه، الأمر الثاني: تأخير السحور.

стр. 482

تأخير الإفطار الثانية عشر من المخالفات: تأخير الإفطار بعض النساء لأنها مشغولة بالطبخ، أو بتجهيز المائدة، أو بالدعاء، أو بالاستعداد للصلاة، تؤخر الفطور إلى ما بعد عشر دقائق أو ربع ساعة، والسنة كما ذكرنا: (لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطور وأخروا السحور).

стр. 483

عدم معرفة حكم من أكل أو شرب ناسياً الثالثة عشرة: أن بعض النساء إذا أكلت أو شربت ناسية تظن أنها قد بطل صومها، أو لا بد عليها أن تقضي هذا اليوم، والنبي ﷺ يقول لمن أكل أو شرب ناسياً: (فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) ونقول هذا في جميع المفطرات، فمن أكل، أو شرب، أو جامع -وهذا أمر قليل- ناسياً فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه.

стр. 484

عدم معرفة حكم الجماع في ليالي رمضان الرابعة عشرة: بعض النساء تحرم على نفسها الجماع في ليالي رمضان، وتظن أن الجماع طوال الشهر حرام، ولا يجوز أن تجامع زوجها في جميع رمضان، وهذا خطأ، وإذا كانت تعتقد أن هذا دين فلربما تقع في البدعة، لأن الله جل وعلا يقول: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] أحل لكم في الليل، أي: من أذان المغرب إلى أذان الفجر يحل الجماع، فإذا كانت المرأة تجامع زوجها في ليلة الصيام وأذن الفجر فيجب عليه وعليها أن ينزعا، وأن يكفا عن الجماع، ولو أذن الفجر ولا زالا على جنابة فالصوم صحيح، فعلى المؤمن أن يكف عن الجماع قبل أذان الفجر، فإذا أذن نزعا، وإذا أذن واستمرا في الجماع فقد بطل صومهما، وعليهما القضاء والكفارة.

стр. 485

المبالغة في المضمضة والاستنشاق المخالفة الخامسة عشرة: بعض النساء في نهار رمضان تبالغ في المضمضة والاستنشاق في الوضوء أو في غيره، والنبي ﷺ يقول: (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) أي: احترز أثناء الصوم في المضمضة والاستنشاق أن تبالغ، فلربما يصل بعض الماء إلى الحلقوم وإلى الجوف، فتكون قد ارتكبت وأتيت مفطراً من المفطرات.

стр. 486

ظن بعض النساء أنها تفطر بالاحتلام السادسة عشرة من المخالفات: أن بعض النساء تظن أنها أفطرت إذا احتلمت وهي نائمة، وهذا الأمر يقع للرجال وكذا للنساء، وبعض الناس يظن أن هذا يقع للرجال فقط، بل أيضاً يقع للنساء، فإذا احتلمت أو احتلم الرجل أثناء النهار أثناء النوم، واستيقظ أو استيقظت ووجد بعض الماء فالصوم صحيح، ولا حرج، وتغتسل وتتم صومها.

стр. 487

ظن بعض النساء أن القيء يفطر مطلقاً السابعة عشرة: ظن بعض النساء أنه إذا نزل القيء من غير عمد أن صومها قد بطل، وأن عليها القضاء، وكم سئلنا من بعض الناس يظن أنه إذا نزل القيء رغماً عنه أن صومه قد بطل، وهذا خطأ، لأن النبي ﷺ قال: (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فليصم) فمن تعمدت أن تخرج ما في بطنها؛ أن تستقيء، سواء بإصبعها، أو برائحة، أو بعود، أو بأي شيء تعمدت أن تخرج ما في بطنها؛ فإن عليها القضاء وقد بطل صومها، أما من خرج ما في بطنها رغماً عنها، فإن صومها صحيح وتتم صومها، ولا شيء عليها.

стр. 488

خروج بعض النساء إلى المسجد وهن متزينات متعطرات الثامنة عشرة: بعض النساء -هداهن الله- تخرج لصلاة التراويح، تريد أداء النوافل، وتريد أداء طاعة، فترتكب المحظور لأجل هذه النافلة، وأي محظور نقصد؟ تخرج متطيبة لأداء صلاة التراويح، أو متبخرة، أو متبرجة، والنبي ﷺ قال عن خروجهن للصلاة: (وليخرجن تفلات) أي: تخرج بملابس رثة، غير متزينة، ولا متطيبة ولا متبرجة، بل قال: (من أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء) أي: لا يجوز أن تذهب وتصلي وهي قد أصابت بخوراً، أي: طيباً، هذا لصلاة الفرض فكيف بصلاة النافلة! بل -يا أمة الله- كم وكم من النساء من تخرج لصلاة التراويح وكأنها تخرج إلى عرس، وكأنها تخرج إلى حفلة، فتمر في بعض الطرق، ومن يمر في هذا الطريق بعدها بدقائق يشم رائحتها، وكأنها تقول للرجال: هيت لكم! بل قال ﷺ في الحديث الآخر: (فهي كذا وكذا) أي: إن قصدت أن يشم الرجال رائحتها فهي كذا وكذا، وفي بعض الروايات (زانية) أجلكنَّ الله، وعافاكنَّ الله. إذاً: لا يجوز -يا إماء الله- إذا أردتن أن تخرجن لصلاة التراويح أن تخرجن بطيب، ولا برائحة، ولا متبرجات، ولا متزينات، بل تخرجن تفلات، بملابس سوداء على الأقل، ولا نجبر بهذا اللون، ولكن هذا اللون على الأقل حتى لا يلفت الأنظار.

стр. 489

الإتيان بالأولاد إلى المسجد التاسعة عشرة: بعض النساء -هداهن الله- تصطحب معها لصلاة التراويح جميع الأولاد، الصغار والكبار، فيصبح المسجد من إزعاج الأطفال كأنه حضانة، فلا يستطيع الإمام أن يقرأ، ولا المصلون أن يخشعوا، ولا النساء أن يصلين؛ لأن فلانة قد جاءت بأولادها جميعاً وبناتها، رمتهم بالمصلى لتصلي، أرادت أن تفعل خيراً لكنها قد منعت الخير عن كثير من الناس ولا نحرم إتيان الأولاد إلى المسجد ولا إلى المصلى، فقد كان الصحابة يفعلون هذا، وقد كان ﵊ يخفف الصلاة لأجل صياح بعض الأطفال، ولكن الأمر فيه قدر وفيه اتزان، أما أن نأتي بالأولاد جميعاً، ونرميهم بالمسجد، يبكون بكاءً شديداً، ولربما يمرض من هذا البكاء، ولربما يضيع في بعض المساجد، ولربما يتنازعون ويتشاجرون في المساجد؛ فلا يستطيع أحد أن يصلي نقول: يا إماء الله! جلوسكِ في بيتكِ وصلاتكِ فيه إذا كانت هذه حالك أفضل من إتيان المصلى وإزعاج الناس.

стр. 490

رفع الصوت في المسجد المخالفة العشرون: الحديث بصوتٍ مرتفعٍ في المسجد فكم من النساء من تأتي لصلاة التراويح، وتتكلم قبل الصلاة وبعدها، مع جارتها ومع زميلات، أو تقرأ القرآن قبل الصلاة، أو تتحدث مع فلانة، أو تأمر بمعروف، أو تنهى عن منكر، والرجال في المسجد يستمعون إليها. أمة الله: إذا أخطأ الرجل في الصلاة فلا يجوز لك أن تتكلمي، الرجل يقول: سبحان الله، والمرأة عليها أن تصفق وتضرب بيدها، لماذا؟ لأن الصوت ربما يفتن بعض الناس، ولربما يلهي بعض الناس ويشغلهم، والله جل وعلا يقول لنساء النبي: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] بل إن بعض الرجال يستحي في المسجد أن يرفع صوته، وبعض النساء لا تستحي أن ترفع صوتها! فإذا دخلت المسجد والمصلى فعليك بالسكينة والوقار، ولا ترفعي صوتك حتى لا يسمعك الرجال.

стр. 491

ترك الأولاد في الشوارع والأسواق المخالفة الحادية والعشرون: ترك الأولاد والبنات في الشوارع والأسواق، وتأتي الأم لصلاة التراويح أين أولادها؟ في الشوارع أين بناتها؟ مع السائق في الأسواق أين الأولاد؟ أمام التلفاز، أتت لتأتي بنافلة وتركت واجباً وهو تربية الأولاد. أمة الله: لا بد أن تراعي تربية الأولاد، فغير صحيح أن تأتي المرأة الساعة والساعتين في بيت الله تصلي ولا تدري أين أولادها، على الأقل اعلمي أين يجلسون، ومع من يذهبون، وفي أي مجلسٍ يقضون أوقاتهم، وعلى الأقل تأتي بالبنات الكبيرات ليصلين معها، وتحث الأولاد على أن يذهبوا للصلاة معها، أما أن تترك الأولاد والبنات في الشوارع وفي الأسواق فلا يجوز، بل إن بعض الناس يذهب إلى بيت الله الحرام ليعتكف ويترك أولاده هي تصلي في الحرم مع زوجها ولكن أين الأولاد؟ في الشوارع، وفي الأسواق، بل إن بعضهم يتسكع ويلاحق النساء حتى في بيت الله الحرام!! أتت لتأتي بنافلة وتركت أمراً واجباً وهو تربية الأولاد ونحن لا نمنع من هذه النافلة، ولا نمنع من صلاة التراويح ولا القيام، ولكن احرصي على الأولاد وأنت تأتين إلى التراويح والقيام.

стр. 492

الجهل بأحكام الصلاة المخالفة الثانية والعشرون: بعض النساء -وهذا كثير- تجهل أحكام الصلاة، فتأتي -مثلاً- لصلاة العشاء وقد فاتتها ركعة أو ركعتان، فيسلم الإمام وتسلم معه لا بد أن تعلمي -يا أمة الله- أنك دخلتِ في الصلاة وقد فاتتك ركعة أو ركعتان أن تأتي بهذه الركعة أو الركعتين التي فاتتك، لقول النبي ﷺ : (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) وهذا كثيرٌ في صف النساء، تأتي وتترك ركعة مع الإمام في صلاة العشاء وتسلم معه، وتظن أنها صلت العشاء! ما صلت، وما قبل منها هذه الصلاة. وكيف تعلمين أنك قد أدركت هذه الركعة؟ تدركينها بالركوع، فإذا ركعت والإمام راكع لم يقل: سمع الله لمن حمده، فقد أدركت الركعة، وإذا أدركتِ الركعتين فائتي بعد الصلاة بركعتين، وإذا أدركتِ ركعة فائتي بعد الصلاة بثلاث ركعات.

стр. 493

عدم معرفة أحكام الحيض المخالفة الثالثة والعشرون: تظن بعض النساء أنها إذا طهرت قبل الفجر ولم تستطع أن تغتسل وأذن الفجر فإنها لا تتم صومها، نوضح الأمر: بعض النساء أتتها الدورة وما طهرت إلا قبل الفجر بدقائق، الآن ما تستطيع أن تغتسل، وأذن الفجر لكنها ما اغتسلت، فتقول في نفسها: لا أستطيع أن أصوم. لم لا تستطيعين أن تصومي؟ تقول: لأني ما اغتسلت قبل أذان الفجر. نقول لك يا أمة الله: الذي يحرم الصوم ويمنع الصوم هو الحيض وليس الغسل، فإذا طهرت قبل أذان الفجر فإنه يجب عليك أن تصومي، حتى لو اغتسلت بعد أذان الفجر، يجب عليك أن تصومي وتنوي الصيام حتى لو لم تغتسلي إلا بعد أذان الفجر.

стр. 494

ظن بعض النساء أنه لا يجوز تذوق الطعام في نهار رمضان المخالفة الرابعة والعشرون: تظن بعض النساء أنه لا يجوز لها أن تذوق الطعام، وتتحرج من هذا الفعل؛ تتحرج من أن تذوق الطعام في نهار رمضان نقول: هذا الأمر إذا كنتِ بغير حاجة إليه فلا تفعليه، أما إذا كنت بحاجة إليه -وهذا كثيرٌ في النساء اللواتي يطبخن الطعام، فهن بحاجة إلى أن تذوق الطعام، بطرف اللسان- فإنه لا حرج في هذا، وقد أفتى بجوازه ابن عباس، وقال الإمام أحمد: لا بأس بهذا لكن تركه أفضل. فإن ذاقت الطعام ثم لفظت ما ذاقته وأخرجته من فمها فإنه لا بأس بهذا إن شاء الله.

стр. 495

تحرج بعض النساء من وضع الحناء الخامسة والعشرون: كثير من النساء تتحرج من وضع الحناء، وتظن أن الحناء يبطل الصيام، وأنه من المفطرات -ولا دخل للحناء في الصيام، فإنها إذا وضعته أثناء النهار- أو أثناء الليل فلا حرج عليها إن شاء الله.
следующие страницы →