Полный текст (1 195 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
ترك الأولاد في الشوارع والأسواق
المخالفة الحادية والعشرون: ترك الأولاد والبنات في الشوارع والأسواق، وتأتي الأم لصلاة التراويح أين أولادها؟ في الشوارع أين بناتها؟ مع السائق في الأسواق أين الأولاد؟ أمام التلفاز، أتت لتأتي بنافلة وتركت واجباً وهو تربية الأولاد.
أمة الله: لا بد أن تراعي تربية الأولاد، فغير صحيح أن تأتي المرأة الساعة والساعتين في بيت الله تصلي ولا تدري أين أولادها، على الأقل اعلمي أين يجلسون، ومع من يذهبون، وفي أي مجلسٍ يقضون أوقاتهم، وعلى الأقل تأتي بالبنات الكبيرات ليصلين معها، وتحث الأولاد على أن يذهبوا للصلاة معها، أما أن تترك الأولاد والبنات في الشوارع وفي الأسواق فلا يجوز، بل إن بعض الناس يذهب إلى بيت الله الحرام ليعتكف ويترك أولاده هي تصلي في الحرم مع زوجها ولكن أين الأولاد؟ في الشوارع، وفي الأسواق، بل إن بعضهم يتسكع ويلاحق النساء حتى في بيت الله الحرام!! أتت لتأتي بنافلة وتركت أمراً واجباً وهو تربية الأولاد ونحن لا نمنع من هذه النافلة، ولا نمنع من صلاة التراويح ولا القيام، ولكن احرصي على الأولاد وأنت تأتين إلى التراويح والقيام.
стр. 492
الجهل بأحكام الصلاة
المخالفة الثانية والعشرون: بعض النساء -وهذا كثير- تجهل أحكام الصلاة، فتأتي -مثلاً- لصلاة العشاء وقد فاتتها ركعة أو ركعتان، فيسلم الإمام وتسلم معه لا بد أن تعلمي -يا أمة الله- أنك دخلتِ في الصلاة وقد فاتتك ركعة أو ركعتان أن تأتي بهذه الركعة أو الركعتين التي فاتتك، لقول النبي ﷺ : (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) وهذا كثيرٌ في صف النساء، تأتي وتترك ركعة مع الإمام في صلاة العشاء وتسلم معه، وتظن أنها صلت العشاء! ما صلت، وما قبل منها هذه الصلاة.
وكيف تعلمين أنك قد أدركت هذه الركعة؟ تدركينها بالركوع، فإذا ركعت والإمام راكع لم يقل: سمع الله لمن حمده، فقد أدركت الركعة، وإذا أدركتِ الركعتين فائتي بعد الصلاة بركعتين، وإذا أدركتِ ركعة فائتي بعد الصلاة بثلاث ركعات.
стр. 493
عدم معرفة أحكام الحيض
المخالفة الثالثة والعشرون: تظن بعض النساء أنها إذا طهرت قبل الفجر ولم تستطع أن تغتسل وأذن الفجر فإنها لا تتم صومها، نوضح الأمر: بعض النساء أتتها الدورة وما طهرت إلا قبل الفجر بدقائق، الآن ما تستطيع أن تغتسل، وأذن الفجر لكنها ما اغتسلت، فتقول في نفسها: لا أستطيع أن أصوم.
لم لا تستطيعين أن تصومي؟ تقول: لأني ما اغتسلت قبل أذان الفجر.
نقول لك يا أمة الله: الذي يحرم الصوم ويمنع الصوم هو الحيض وليس الغسل، فإذا طهرت قبل أذان الفجر فإنه يجب عليك أن تصومي، حتى لو اغتسلت بعد أذان الفجر، يجب عليك أن تصومي وتنوي الصيام حتى لو لم تغتسلي إلا بعد أذان الفجر.
стр. 494
ظن بعض النساء أنه لا يجوز تذوق الطعام في نهار رمضان
المخالفة الرابعة والعشرون: تظن بعض النساء أنه لا يجوز لها أن تذوق الطعام، وتتحرج من هذا الفعل؛ تتحرج من أن تذوق الطعام في نهار رمضان نقول: هذا الأمر إذا كنتِ بغير حاجة إليه فلا تفعليه، أما إذا كنت بحاجة إليه -وهذا كثيرٌ في النساء اللواتي يطبخن الطعام، فهن بحاجة إلى أن تذوق الطعام، بطرف اللسان- فإنه لا حرج في هذا، وقد أفتى بجوازه ابن عباس، وقال الإمام أحمد: لا بأس بهذا لكن تركه أفضل.
فإن ذاقت الطعام ثم لفظت ما ذاقته وأخرجته من فمها فإنه لا بأس بهذا إن شاء الله.
стр. 495
تحرج بعض النساء من وضع الحناء
الخامسة والعشرون: كثير من النساء تتحرج من وضع الحناء، وتظن أن الحناء يبطل الصيام، وأنه من المفطرات -ولا دخل للحناء في الصيام، فإنها إذا وضعته أثناء النهار- أو أثناء الليل فلا حرج عليها إن شاء الله.
стр. 496
الخروج إلى المسجد مع السائق
السادسة والعشرون: بعض النساء تذهب لصلاة التراويح، أو لحضور بعض المحاضرات، وهذا خير، ولا بأس به، وتؤجر على هذا إن شاء الله، وهي حريصة على الأجر، لكنها -للأسف- تذهب مع السائق لوحدها، فتريد أن تأتي إلى الخير فترتكب الشر، تريد أن تطيع الله فتعصي الله جل وعلا ومن أباح لك أن تختلي بسائقك لوحدك في سيارة؟ وبعض الأماكن بعيدة، فتذهب مع سائقٍ لوحدها أقل القليل -يا أمة الله- تأتين مع محرم، أو مع مجموعة من النساء، وإن لم تستطيعي فصلاتك في بيتك خيرٌ لك من ذهابك مع سائقٍ لوحدك إلى صلاة التراويح أو لحضور المحاضرة.
стр. 497
أخطاء في صرف الزكاة
السابعة والعشرون وهي الأخيرة: أن بعض النساء -ولعل هذا الأمر لا دخل له في الصيام، ولكن لأن كثيراً من النساء تؤدي زكاة مالها في رمضان؛ فإننا نتكلم عن الزكاة باختصار- بعض النساء تعطي الزكاة من لا يستحق، وتقول: هذه تعودنا أن أبي وجدي وجدتي كانوا يعطون الزكاة لهذه الأسرة، فنحن تعودنا أن نعطيهم ولو كانوا أغنياء، وهذا لا يجوز، والله قد حدد الزكاة لثمانية أصناف من الناس، ولا يجوز أن نعطي غيرهم، فإذا أغناهم الله فلا يجوز لنا أن نعطيهم شيئاً من الزكاة، أما الصدقات فأنتِ حرة فيها، وبعض النساء تعطي الزكاة لمن لا يصلي، وهذا لا يجوز، بل قال شيخ الإسلام: ولا يُعطى تارك الصلاة الزكاة ولو كان من أهلها -حتى ولو كان فقيراً- بل يشهر به حتى يعرف أي: حتى يترك هذا الأمر ويصلي ويصوم، ثم يعطى من الزكاة.
وبعض النساء تظن أن الذهب الملبوس لا يجب أن تخرج زكاته، وهذا فيه خلاف عند أهل العلم، لكن الصحيح -والله أعلم- أنه يجب عليها أن تخرج زكاة الذهب ولو كان من الذهب الملبوس، لقوله ﵊ لما رأى بنتاً تلبس الذهب قال لأمها: (أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا يا رسول الله! قال: أيسرك أن يسورك الله بسوارين من نار يوم القيامة؟! قالت: لا.
يا رسول الله! فخلعتهما ورمتهما وقالت: هما لله ورسوله).
أمة الله: هذه بعض المخالفات، وهي كثيرة، ولعلك قد سمعت بعضها، لكن نحثك -يا أمة الله- قبل قدوم رمضان أن تستمعي لبعض الأشرطة التي ستدلك على سنن الصيام، وتقرئي بعض الكتب التي تعلمك شروط وجوب الصيام، وعلى أركان الصيام، وعلى مستحبات الصيام، وعلى المفطرات في نهار رمضان، وعلى مبطلات الصيام، فلا بد أن نتعلم قبل أن نقع في المحظورات، وقبل أن نفقد صومنا.
هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 498
الأسئلة
стр. 499
ختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام
السؤال
هل يجوز ختم القرآن في رمضان كل يوم مرة، حيث أنه لا يعقل الإنسان في أقل من ثلاث؟
الجواب
السنة ألاَّ تقرأه في أقل من ثلاث، لكن قال بعض العلماء: إذا كان الزمان شريفاً مثل رمضان فإنه يقرأ في أقل من ثلاث، بل كان الإمام الشافعي وغيره يختمه في كل يوم مرتين، فيجوز لأجل هذا الشهر الشريف أن نختمه في أقل من ثلاثة أيام، لكن أنبه على أمر: بعض النساء تقرأ القرآن وأهم شيء عندها أن تختم، وأن تصل إلى هذا المكان الذي حددته لنفسها، فلا تعقل، ولا تتدبر، ولا تخشع، ولا تتفكر في هذه الآيات التي تقرؤها، فهذه لا تستفيد من هذه القراءة، والله جل وعلا يقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [محمد:٢٤] العبرة في القراءة هي التدبر.
стр. 500
الإسراف في الطعام للضيوف
السؤال
إذا جاء ضيوف وأراد منهم أصنافاً من الطعام، فهل يجوز أن أضيفه كما يريد، أم أقتصر على وجبة واحدة؟
الجواب
الضيف يكرم، لكن نقول: لا بد من الاقتصاد في الطعام، لكن إذا كان هناك ضيف فلا نبالغ، نكرمه كما يكرمه الناس، كما هي عادة الناس، ولا نبالغ في رمضان عن غيره.
стр. 501
حكم صلاة المرأة في المسجد
السؤال
أيهما أفضل للمرأة: أن تصلي في بيتها صلاة التراويح والقيام أم في المسجد؟
الجواب
إذا كانت تستطيع أن تصلي في بيتها بقراءة طويلة، وترتل وتخشع فالأفضل في بيتها، لكن إذا كانت لا تستطيع ولا تحفظ، ولا يصلي أحدٌ بها، فلا بأس في ذهابها إلى المسجد، فإن هذا فيه -إن شاء الله- أجور، وفيه قراءة للقرآن، فلعلها ما تستطيع أن تقرأ بنفسها أو يُقرأ لها.
стр. 502
وقت إخراج الزكاة
السؤال
أود أن أخرج الزكاة الآن، فهل يجوز أم بعد رمضان؟
الجواب
الزكاة نوعان: زكاة مال، وزكاة فطر، وزكاة المال أربعة أصناف، أما زكاة الفطر فلا يجوز إلا في ليلة العيد، ويجوز تقديمها قبل يوم أو يومين، أما زكاة المال فإنها تكون في كل سنة مرة، فالذهب والفضة والأموال النقدية الآن، وعروض والتجارة، أما الزروع فوقت الحصاد، وما يخرج من الأرض فكذلك في وقت الحصاد، أما زكاة الأموال ففي كل حولٍ مرة، والحول المقصود الحول القمري، وليس الحول الشمسي، فنجعل لنا يوماً عربياً كل سنة ونخرج فيه الزكاة، ويجوز تقديمها على وقتها للحاجة.
стр. 503
حكم زيارة النساء للمقابر
السؤال
هل يجوز للمرأة زيارة القبور مع عدم الإكثار وعدم فعل شيء من المعاصي؟
الجواب
اختلف أهل العلم في زيارة المرأة للقبور، والراجح والأحوط -والله أعلم- أن تجتنب المرأة زيارة المقابر؛ لأن النبي ﷺ لعن زوارات القبور، والزوارات يحتمل أنهن المكثرات من الزيارة، ويحتمل التي تزور مرة أو مرتين، لكن الأحوط للمرأة ألا تزور المقابر.
стр. 504
حكم قضاء الصوم على من أفطرت وقد بلغت
السؤال
عندما بلغت لم أصم لأني لم أخبر أحداً لأني كنت صغيرة، فهل عليَّ أن أصوم ما أفطرت؟
الجواب
إذا كنتِ تعلمين وكم يوماً أفطرتِ وأنتِ كنت جاهلة فعليك أن تصومي وتقضي هذه الأيام، ولعل الله يعذرك بهذا.
وننبه مرة أخرى أن على الصغيرات إذا بلغت، ورأت علامات البلوغ؛ أنه يجب عليها أن تصوم.
стр. 505
تعويد الأولاد على الصيام
السؤال
هل يجوز أن أعود ابنتي على الصيام وعمرها أحد عشر عاماً، وكذلك ابني وعمره تسعة أعوام؟
الجواب
نعم.
إذا كانت لم تبلغ وكان لم يبلغ ليس الصيام بواجب عليهما، لكن نعودهما، ونرغبهما، ولو كان هناك شيء من الإجبار لا بأس به، إذا كان لا يشق عليهم الصيام تجبرهم شيئاً ما، ونحبب إليهم الصيام قبل الإجبار، فالتحبيب والترغيب أفضل من الإجبار، وقد كان السلف والصحابة يلهون الأولاد باللعب وبغيرها حتى لا يجوعوا وحتى ينسوا الطعام.
стр. 506
حكم الصلاة والصيام للأعمى والأصم
السؤال
ولد عمره ست عشرة سنة، وهو أعمى وأصم، ولكنه فطن ويفهم ولا يتكلم، ما حكم الصيام والصلاة بالنسبة له؟ وتخرج له الزكاة؟
الجواب
نعم.
يؤمر بالصيام إذا كان عنده عقل، فإن الصوم في رمضان واجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم خال من الموانع، فإذا كان عاقلاً وهو مسلم وبالغ، وكان خالياً من الموانع، مثل: الحائض والنفساء، ومقيم -غير مسافر- فإن الصوم يجب عليه ولو كان أعمى، ولو كان أصم.
стр. 507
حكم بلع البلغم للصائم
السؤال
أشعر ببلغم كثير، هل يجوز بلع البلغم وأنا صائمة؟
الجواب
البلغم إذا لم يخرج إلى الفم فإنه يجوز ابتلاعه، أما إذا خرج إلى الفم فالأحوط إخراجه.
стр. 508
حكم البخور والعطر في نهار رمضان
السؤال
هل البخور والعطر من المفطرات أم لا؟
الجواب
الأولى تركه، وقال بعض العلماء: إن استنشاق البخور مباشرة يفطر، لأنه جرم ومادة، ولو لم يكن جرماً لما رأيناه بالأعين، ولهذا فاجتنابه أولى، بل ربما يكون الواجب اجتنابه مباشرة، أما العطر إذا كانت رائحتة غير نافذة، ولا تدخل الفم والحلقوم أو الجوف؛ رائحة في الغرفة، أو بخور قد بخر في مكان وذهب الجرم وبقيت الرائحة فقط؛ فإنه لا بأس بهذا.
стр. 509
حكم ابتلاع الدم الخارج من الأسنان حال التسوك
السؤال
التسوك -أحياناً- يخرج من الأسنان دماً فما الحكم؟
الجواب
نحاول ألا نتسوك بشدة وبغلظة حتى لا يخرج هذا الدم، فإذا خرج الدم فنحاول ألاَّ نبتلعه، فإن كان رغماً عنا فترك التسوك أفضل، وإلا لا بأس بهذا إن شاء الله.
стр. 510
الصوم عن الميت
السؤال
توفي والدي منذ ثلاث سنوات، وكان ﵀ لا يصوم، وذلك لأنه لا يستطيع الصبر عن شرب السجائر، ونحن حتى هذا اليوم لا نعلم هل يجوز لنا الصوم عنه، وما العمل جزاك الله كل خير؟
الجواب
إذا كان يفطر متعمداً ولا عذر له فلا يُصام عنه، ولكن يُدعى له بالمغفرة إذا كان من المصلين، ويُتصدق عنه، ويُستغفر له، لأنه لا عذر له كما قال العلماء وهو الصحيح: من أفطر عمداً متعمداً في نهار رمضان ولا عذر له، فإنه لا يجزئه ولو صام الدهر كله.
стр. 511
صوم النذر
السؤال
نذرت أنه إذا خرج زوجي من الأسر أن أصوم شهرين، ولم أصم إلا عشرة أيام لظروف خاصة، وأخرجت نقوداً عن الأيام التي لم أصمها، فهل هذا يصح لي؟
الجواب
إذا كنت تستطيعين الصيام شهرين فيجب عليك صيام شهرين، كما قال الله : ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان:٧] هذا نذر يجب أن تفعليه، وهذا النذر معلق، فإذا حصل الأمر وخرج زوجك من الأسر يجب عليك أن تصومي، وأنت التي أوجبت على نفسك هذا الأمر، وهذا النذر ثقيل، كان الأفضل لك ألا تنذري هذا النذر حتى لا تقعي في مثل هذا الحرج، فإن لم تستطيعي صيام شهرين فإن عليك كفارة اليمين، وكفارة اليمين معلومة؛ إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد وما استطاع أن يطعم عشرة مساكين، أو أن يعتق رقبة فإنه يصوم ثلاثة أيام.
стр. 512
حكم من أكل أو شرب ناسياً في صوم النافلة
السؤال
صمت يوم نافلة، ونسيت فأكلت حتى شبعت من الأكل وشرب الماء، فتذكرت أني صائمة، علماً بأنني كانت لي نية في الصيام وتسحرت، فهل أكمل صيامي؟
الجواب
نعم؛ لأن الله يكون قد أطعمك وسقاك، وتكملين الصيام ولا حرج إن شاء الله.
هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 513
وبشر الصابرين
إن العبد المؤمن يبتلى بالمصائب والمحن؛ فتكون إما سبباً في تكفير سيئاته وذنوبه أو سبباً في ارتفاع درجته في الجنة، أو أنه ينال بصبره على البلاء محبة الله ورضاه عنه، ولذلك إذا أراد المسلم أن يكون من الصابرين والحامدين الله فلينظر إلى الأنبياء وكيف كانوا يبتلون، ويقتدي بالصحابة والصالحين، فإن هذا كله يذهب عن قلبه الألم والحزن، ويبعث مكانه الرضا بأقدار الله، والصبر والثبات على دين الله.
стр. 514
الصبر عند أول صدمة
الحمد لله رب العالمين.
والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذا الحديث أوجهه إلى كل مبتلى، إلى كل مَن أصيب بمصيبة، ونزلت عليه بلية، إلى كل مهمومٍ مغموم، إلى كل مكروبٍ منكوب، إلى كل مَن تعرضت له كارثة، وسَمِع بفاجعة، أوجه هذا الحديث: (وبشر الصابرين).
وهل منا إلا مكروبٌ، أو مهمومٌ، أو مغموم!
التفت إلى مَن حولك مِن الناس جميعاً؛ هل تجد فيهم إلا منكوباً، أو مكروباً، أو مهموماً، أو مغموماً؛ إما بفقد حبيب، أو بحصول مكروه، أو بنزول مرض، أو بسماع فاجعة، أو بغيرها من البلايا، أوجه هذا الحديث إلى كل مَن أوذي، إلى كل مَن ظُلم، إلى كل من قُهر، إلى كل من أصيب بمصيبة، أقول لهم: قال الله جل وعلا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٦] (إنما الصبر عند الصدمة الأولى) أي: أول ما تأتيه المصيبة؛ سَمِع بوفاة القريب، أو بفقد الحبيب، أخبره الطبيب بالمرض، يا لها من فاجعة! سوف تموت ولا بد، إن المرض قد استشرى في الجسد، سمع بالخبر، فأتته المصيبة، ماذا يقول؟
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦].
إلى هؤلاء جميعاً أوجه حديثي، وأرسل هذه الكلمات؛ من الروح إلى الروح، ومن القلب إلى القلب، أقول لكل واحد منهم: عظَّم الله أجرك، ورفع درجتك، وجبر كسرك، واسمع! فإنها الدنيا، ألم تعرفها إلى الآن؟! ألم تدر أنها كما قيل:
طبعت على كدرٍ وأنت تريدها صفواً من الأقذار والأكدار
إنها الدنيا! ابن عباس كان في سفر، فجاءه خبر مفزع، ما الخبر؟ مات ابنه، ابن ابن عباس مات، ويأتيه الخبر وهو بعيد عنه، وهو ليس بجنبه، هو في السفر، ماذا فعل ابن عباس؟ هل شق جيباً؟ هل لطم خداً؟ هل نفش شعراً؟ هل صاح بأعلى صوته؟ تنحى عن الطريق، ثم كبر، ثم صلى ركعتين، ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فعلنا كما أمرنا ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣] صَبَر وصَلَّى ركعتين، ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون.
هل عندما تأتيك المصيبة تكون هذه حالك؟!
أحد الشعراء يسمى: أبا الحسن التهامي، مات ابنه الصغير، والابن ليس كغيره، موت الابن يعرفه مَن مات له ابن، يعرف كيف الابن غالٍ! قطعة من الكبد قد ذهبت، يتمنى الأب أن لو مات ولم يرَ وفاة ابنه، عندما مات ابنه أنشد شعراً فقال:
حكم المنية في البرية جار ما هذه الدنيا بدار قرار
بينا يرى الإنسان فيها مخبراً حتى يرى خبراً من الأخبار
جاورت أعدائي وجاور ربه شتان بين جواره وجواري
وما هي إلا فترة من الزمن فيموت الشاعر، فيُرى في المنام، فيقال له: ماذا صنع بك ربك؟ قال: أدخلني الجنة، قالوا: وبم أدخلك الجنة؟ قال: بهذا البيت:
جاورت أعدائي وجاور ربه شتان بين جواره وجواري
لو كل من مات له حبيب، أو صاحب، أو ابن، أو قريب فكر بهذا، فنحن الآن في سجن، فإذا مات كأنه أطلق من هذا السجن، وكأنه خرج منها، أليست الدنيا سجن المؤمن؟
فكر! فكر يا من مات قريبه! يا من مات حبيبه! يا من مات صاحبه! أليست الدنيا سجن المؤمن؟ فإذا مات خرج من هذا السجن للحديث الصحيح: (ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلاَّ الجنة) لو احتسب هذا الحبيب، واحتسب ذلك القريب.
وفي الحديث الآخر: (إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ قالوا: نعم.
وهو أعلم، قال: ماذا قال؟ وهو أعلم، يقولون: يا رب حمدك واسترجع -مات ابنه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، الحمد لله على كل حال- قالوا: حمدك واسترجع، فقال الله جل وعلا: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد) ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].
مات ابن المصطفى ﷺ إبراهيم، فدَمَعَت عيناه، ثم قال: (إن العين تدمع، وإن القلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون).
تقول: ماتت زوجتي وهي غالية، ماتت أمي لا أملك أغلى منها في الدنيا، ماذا أصنع؟
أقول لك: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] يا مَن دَفَنْت أمك وأباك، وشيَّعْت ابنك وابنتك، وودَّعْت زوجتك، هل سوف تبقى في هذه الدنيا؟ لا والله ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
وقالوا في الشعر:
اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد
واصبر كما صبر الكرام فإنها نوب تنوب اليوم تكشف في غد
وإذا أتتك مصيبة تشجى لها فاذكر مصابك بالنبي محمد
مات ابنٌ لـ زينب بنت محمد ﵊، انظر ماذا قال يعزيها، وأنا أعزي كل مصاب، قال: (لله ما أعطى، وله ما أخذ، وكل شيء عنده بمقدار، مروها فلتصبر ولتحتسب) نعم: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦].
أنت وأبناؤك وأحبابك وأقرباؤك كلنا لله ، إنما هي عارية أعطانا الله إياها، ثم أخذها منا، فهل تصبر؟
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥].
стр. 515
أشد الناس بلاء الأنبياء
اسمع يا أخي الكريم! يا من أصيب بالمرض! يا من فجعه المرض! يا من سقط على فراش المرض طريحاً لا يستطيع أن يتقلب يمنة أو يسرة! يا من أصابته الحمى فأنهكته وأهلكته وجلس على الفراش لا يدري هل هو حيٌ أم ميت؟ أوجه إليك هذا الحديث، فاسمع وانبته!
إن أيوب ﵇ كان يملك مالاً عظيماً، وجاهاً، وأهلاً، وأولاداً، وأنعاماً، وصحةً، وبدناً قوياً، خسر كل هذا، ما الذي بقي له؟
بقي له لسانٌ يذكر الله به، وقلبٌ يعقل، هذا الرجل العظيم جلس على الفراش سبع عشرة سنة يقاوم المرض، ليس عنده إلا زوجته تطببه وتداويه، سبع عشرة سنة على فراش المرض، ماذا قال؟
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] * ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء:٨٤] مَن الذي مَرِض؟ مَن الذي ابتُلِي؟ (أشد الناس بلاءً الأنبياء) أبشر! إذا أحب الله عبداً ابتلاه، بل إن دليل الإيمان البلية وشدتها، مَن أشد الناس بلاءً؟ (الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل) ماذا سَمَّى الله أيوباً؟ ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] (إن الله يُذْهِب عن العبد خطاياه كلها بحُمَّى ليلة واحدة) حمى وحرارة ليلة واحدة يُذْهِب الله ويكفر جميع الخطايا.
يا من أصيب بالمرض فجزع، ويا من أتاه خبر المرض فلم يصبر! اسمع إلى الحديث الصحيح: (إذا مرض العبد بعث الله إليه ملكين، فقال: انظرا ماذا يقول لعواده فإن هم إذ جاءوه حمد الله، وأثنى عليه) هل رأيت مريضاً لما يُسأل كيف حالك؟ يقول: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله على كل حال، الحمد لله أخذ مني شيئاً وأعطاني أشياءً، الحمد لله الذي لم يجعلني مثل فلان وفلان، الحمد لله إن كان قد ابتلى فقد أنعم: (فإذا هو قد حمد الله، وأثنى عليه يخبران الله وهو أعلم، فيقول الله جل وعلا: لِعَبْدي -اسمع وعُد إلى الله- لِعَبْدي إن توفيته أن أدخله الجنة -إن مات بهذا المرض أدخله الجنة، يحمد الله على هذا المرض، ويصبر، ويحتسب الأجر، لو مات في هذا المرض يدخل الجنة- قال: وإن شفيته له علي أن أبدله لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، وأن أكفر عنه سيئاته) هل لك بعد هذا الأجر من أجر؟!
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢].
стр. 516
كل شيء بقضاء الله وقدره
مما يسلي المبتلى والمصاب، أن يعلم أن كل شيء بقدر الله : (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رُفِعت الأقلام وجفت الصحف) قال الشافعي:
دع الأيام تفعل ما تشاء وطب نفساً إذا حكم القضاء
انظر القوة في الإيمان! يعرفون حقيقة الدنيا، إنها دار بلاء، دار محن، دار مصائب، دار كرب.
دع الأيام تفعل ما تشاء وطب نفساً إذا حكم القضاء
ولا تجزع لحادثة الليالي فما لحوادث الدنيا بقاء
ومن نزلت بساحته المنايا فلا أرضٌ تقيه ولا سماء
وأرض الله واسعة ولكن إذا نزل القضا ضاق الفضاء
نعم، علموا حقيقة الدنيا.
стр. 517
الرضا بالقدر
إلى كل معاق، إلى كل من أصيب بعاهة مستديمة، إلى كل من شُلَّ جسده، أو عمي بصره، ابن عباس في آخر عمره يُصاب بالعمى فيحمد الله، فيقولون: [علامَ تحمد الله؟ قال: الذي أبقى لساني ذاكراً، وقلبي مفكراً، وعقلي معتبراً] الحمد لله الذي أبقى هذا، ذهب البصر وبقي غيره.
عبد الله! تلفت يمنة ويسرة، إن أصبت بمرض انظر إلى غيرك، انظر إلى من حولك، انظر إلى من هو أشد منك مرضاً، وأقسى منك مصيبة.
رجل من الأعراب في البادية ليس هناك أفضل منه نعمة؛ عنده أموال، وأغنام، وأبقار، وإبل، وعنده بُنَيَّات وأولاد صغار، وزوجة ما أحسنها من زوجة! وفي بيته الصغير يعيش في تلك البادية.
في يوم من الأيام ضاعت إبله، فذهب يطلبها، تأخر ثلاثة أيام، ولما رجع أتعرف ما الذي حصل لأهله؟ كان الأهل في البيت، وفي آخر الليل اشتد المطر، وجاءهم سيلٌ عظيم يقتلع الصخور من الأرض، جاء هذا السيل فهدم البيت، وأوقعه على رأس أطفاله، فلم يبق في البيت حيٌ تطرف عينه، لا ابنٌ، ولا ابنة، ولا زوجه، هلكت الأموالُ، والشياه، والضياع.
رجع فوجد الأرض قاعاً صفصفاً، لم يجد أهلاًَ، ولا ولداًَ، ولا مالاً، ولا مسكناً، ذهبت الدنيا بلمح بصر، وهل أدرك الإبل؟ رجع حتى الإبل لم يدركها، خسر الدنيا بلحظة وبلمح البصر.
فإذا به من بعيد يرى ناقة من الإبل قد شردت فتبعها لعله يدرك ناقة من أمواله، تبعها، فإذا به يمسك ذيلها فلما مسكها رفسته برجلها على وجهه، سقط على الأرض فإذا هو قد عمي، ذهب بصره، ما الذي بقي له من الدنيا؟ أخذ يمشي في الصحراء يصيح وينادي علَّ من يجيبه، علَّ من ينقذه.
فإذا أعرابيٌ آخر أخذ بيده، أخبره الخبر، فجع الأعرابي من قصته، فذهب به إلى الخليفة، أخبره بالخبر، فقال له الخليفة: وكيف تجدك الآن؟ من يتحمل هذه المصيبة ومن يطيقها، قال: كيف بك الآن؟ قال: أما أنا الآن فقد رضيت عن الله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧].
إن بعض الناس لا يطيق مصيبة أن يفقد واحداً من أهله، أو يخسر سيارة، أو يفقد جزءاً من ماله، فإذا به لا يتحمل، ويجزع، ويتسخط، وللأسف لم يذق إلى الآن حلاوة الصبر، نعم، إنه مرٌ في ظاهره، لكن عاقبته أحلى من العسل.
стр. 518
أقوال وقصص في فضل البلاء
стр. 519
يبتلي الله العبد وهو يحبه ليسمع تضرعه
اسمع يا عبد الله إلى بعض الأقوال المأثورة في فضل البلاء، تقول: لم يبتليني الرب جل وعلا؟ ولم يُنزل علي هذه المصيبة؟ ولم يعاقبني الرب جل وعلا؟
اسمع ماذا يقول بعض العلماء! يقولون: إن الله يبتلي العبد وهو يحبه -أتعرف لِمَه؟ - ليسمع تضرعه، يحب الله جل وعلا أن يسمع تضرع العبد إليه .
هل فكرت قبل أن تطرق الأبواب، وقبل أن تستغيث بالناس، وقبل أن تلجأ إليهم أن تفر إلى الرب الغفور الرحيم، أن تلجأ إلى ذي الجلال والإكرام، قيل: البلاء يَسْتَخْرِج الدعاء، تجد الرجل لا يذكر ربه، لا يدعو الله، لا يقوم الليل، لا يقرأ القرآن، لا يتصدق، لا يفعل شيئاً، فإذا نزل البلاء اسْتُخْرِجَ هذا كله، فدمعت عينه، ورفع يديه، خشع قلبه، سكنت نفسه، وتاب إلى الله.
стр. 520
قصة رجل شل جسمه
قيل لأحد العُبَّاد: كيف كانت توبتك؟ -وهو لبيد العابد- قيل له: كيف كانت توبتك؟ -اسمع كيف تاب إلى الله جل وعلا هذا الرجل! - يقول: لدغتني حية -ثعبان- فلم أحس بالألم وبعد فترة لم أشعر بيدي -شُلَّت يده اليمنى- يقول: وبعد أيام شُلَّت يدي الأخرى، وأنا ما أدري ما الذي أصنع وما الذي أفعل، يقول: ومرت الأيام فشُلَّت إحدى رجلَي ثم الأخرى، فطُرِحْت على الفراش، لا أستطيع أن أحرك جسمي كله، يقول: ومرت الأيام فعمي بصري، وطال علي الأمر، فتوقف لساني عن الكلام -هل بقي فيه شيء؟ - يقول: لم يبقِ الله إلا سمعي، أسمع ما يسوءني وأنا على الفراش، عندي زوجة، يسقوني وأنا غير عطشان، وأعطش فلا أرتوي، وآكل وأنا شبعان، وأجوع فلا أُطْعَم، وأُكْسَى وأنا كذا، يقول: وهكذا، أذوق الويل والمر والألم، يقول: حتى جاء يومٌ من الأيام فجاءت جارة لنا -يسمع كل كلام حوله، ولا يرى، ولا يستطيع أن ينطق ولا يتحرك- يقول: جاءت جارة لنا، فسألت زوجتي: كيف حال زوجك؟ فقالت الزوجة قالت: لا حيٌ فيُرجى، ولا ميتٌ فيُنسى، يقول: فتألمت من هذه الكلمات حتى انهمرت دموعي وأنا أبكي على الفراش، يقول: فلما جاء آخر الليل دعوت الله جل وعلا، واجتهدت بالدعاء وأنا أبكي وأستغيث بالله، وأتوسل إلى الله، فجاءني ألم شديد في جسمي فأنهكني الألم، حتى أغمي علي، يقول: وبعد ساعات استيقظت من النوم فوجدت يدي على صدري، يقول: فحركتها، فإذا هي تتحرك، ويدي الأخرى تتحرك، ورجلاي يقول: فقمت على جسدي، وأنا أتكلم، ففتحت الباب فنظرت إلى النجوم، وأنا أقول: يا قديم الإحسان لك الحمد، يا قديم الإحسان لك الحمد، وأنا ألتفت إلى مَن حولي وأقول: لربي الحمد، لربي الحمد: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] الكافر إذا اضطر استجاب الله له، الكافر إذا ضاقت عليه الأمور، وأخلص الدعاء، استجاب الله له، كيف بالمؤمن! ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢].
يقول لي المسكين: قال لي الطبيب: مرضك لا شفاء له، قلت له: كذب الطبيب، فما من داء إلا أنزل الله له دواء، عَلِمَه مَن عَلِمَه، وجَهِلَه مَن جَهِلَه؛ ولكن هل طرقْتَ باب الله؟ وهل استغثت بالله؟ وهل جربت الدعاء من القلب؟
стр. 521
قصة المرأة التي كانت تصرع وتتكشف
امرأة أصيبت بالصرع، فتأتي إلى الرسول فتقول له: (يا رسول الله! ادعُ الله لي، قال: إن شئتِ دعوتُ الله لك، وإن شئتِ صبرتِ ولك الجنة، قالت: بل أصبر) إذا كان الأمر فيه جنة سأصبر: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٦].
стр. 522
النبي ﷺ وهجرته إلى الطائف
أوجه هذا الحديث إلى كل من خسر ماله، إلى كل من فقد الدنيا، إلى كل من أصيب بمصيبة، إلى الدعاة إلى الله، إلى الصالحين المصلحين، إلى من أوذي في الله، إلى من أوذي لأنه متمسكٌ بسنة رسول الله، إلى كل محجبة يُستهزأ بها، ولأنها ملتزمة يُفتَرى عليها، أوجه هذا الحديث.
أقول: إن النبي ﵊ هو أشد من أوذي، وأكثر من أصيب.
يَخْرج من مكة إلى الطائف.
ولِمَ خرج من مكة مهاجراً إلى الطائف؟
لأنه في مكة ضُرب، وشتم، واتُّهم بعقله حتى قيل: ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٥٢].
في مكة كان يسجد فيُؤتى بسلى الجزور فيوضع على ظهره.
في مكة خُنِق حتى كاد يُقتل ﵊.
في مكة أصيب بالجوع حتى تمر عليه الثلاثون ليلة لا يجد ما يأكل إلا ما يواريه بلال تحت إبطه.
هكذا أصيب ﵊.
خرج إلى الطائف ما الذي حصل له؟
رمي بالحجارة، وتُبِع بالعبيد، والصبيان، والأطفال، والسفهاء، يركضون خلف خير مَن وطئت قدمُه الثرى، خلف خير إنسانٍ على وجه الأرض، يرمونه بالحجارة، دَمَعَت عينه، انطلق وهو مهمومٌ على وجهه، رفع يديه إلى الله وهو يقول ولسان حال كل داعية إلى الله مهموم، كل داعية إلى الله مكلوم، كل داعية إلى الله مبتلى، لسان حاله يقول: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الرحمين، يا رب المستضعفين، إلى مَن تكلني؟ إلى قريبٍ يتجهمني؟ أم إلى عدوٍ ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي؛ لكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك، أو يحل عليَّ سَخَطُك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك).
يا أخي الكريم! يا أخي العزيز! يا من ابتُلي! يا من ظُلم! يا من قُهر! يا من استهزئ به! اسمع يا أخي الكريم إلى هذا الشاعر ماذا يقول وهو يرى حال المسلمين! وكأنه يصف حالنا، المسلمون في الدنيا إما حروبٌ قاتلة، أو جوعٌ طاحن، أو مرضٌ متفشٍ، أو جهلٌ قابع، هذه حال المسلمين إلا مَن رحم الله، اسمع ماذا يقول!
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأيام كما شاهدتها دولاً من سره زمن ساءته أزمان
وتلك دار لا تبقي على أحد ولا يدوم على حال لها شان
أما سمعت أن زكريا قُتِل، ويحيى ذُبِح، ويوسف سُجِن، وسار على هذا الطريق الأولون، فهل أنت بعيدٌ عنهم؟! لقد حفت الجنة بالمكاره.
سُب الرسول حتى قيل له: ساحرٌ مجنون، ﵊، قال الله جل وعلا: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٥٢] أخْرِجْ لي رسولاً ما قيل له: ساحرٌ أو مجنون، وهم أعقل الناس، وأفضلهم، وأشرفهم مكانة، قال الله: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات:٥٣] هل يوصي بعضهم بعضاً؟ بل السب والشتم والطعن، حتى الطعن في العرض وصل إلى النبي ﷺ ، تُكِلِّم في عرضه، والإفك العظيم والإفك الكبير يفنده الله في القرآن إلى قيام الساعة، وكأنها سنة كونية أن يرسلوا الكذب حول المصلحين، فإذا بالنبي ﵊ يقف صامداً ثابتاً وكأن الله يقول له: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧] بل موعد هؤلاء وهؤلاء يوم اللقاء، يوم يجمعهم الله جميعاً، المؤمنون الصالحون الدعاة مع المنافقين، يجمعهم الله جل وعلا يوم القيامة، فإذا بالرب جل وعلا يقول لهم: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١٠] أتذكرون لما كنتم تسخرون منهم، ومن أعمالهم، ودعوتهم، وسنة نبيهم، بل من مصحفهم؟! أتذكرون؟! ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [المؤمنون:١١٠ - ١١١].
الصبر الصبر أيها الداعية: ﴿لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠] اصبر كن حكيماً، كن حليماً، فإن هذا الطريق لا يَثْبُت عليه إلا الصابرون.
стр. 523
إلى كل من له أسير
أوجه حديثي لكل من أُسِر له حبيب، لكل من أُسِر له صديق، إلى أم الأسير، إلى ابن الأسير، إلى أخ الأسير في أنحاء الأرض جميعاً، أينما كان أسراهم، في سجون طواغيت الأرض، أوجه هذا الحديث، لعله يكون به تسلية.
إن يعقوب ﵇ أُخِذ منه ابنه وهو طفلٌ صغير، ولم يكن قلبه متعلقاً بأحد أكثر من هذا الولد، يوسف الذي أوتي شطر الجمال، أُخذ من بين يديه وهو أقرب الناس إليه، أتعرف كم فقده؟ فقده منذ الطفولة إلى أن بلغ أشده، ثم أُدْخِل السجن قيل: تسع سنين، ثم صار عزيزاً في مصر سنوات طوال، لكن يعقوب ﵇ هل يئس؟ هل قنط من رحمة الله؟ قال لبنيه: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] قالوا له: إلى الآن ما مللت الدعاء؟! ما مللت الذكرى؟! ما مللت الأسف؟! ذهب الأسير، انقطعت الأخبار، ماذا قال يعقوب؟
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦] أنا لا أطلب منكم، لا أرجوكم، ولا أشتكي إليكم، إنما أشتكي لله.
إلى كل قريبٍ لأسير، طرقْتَ كل الأبواب وولَجْتَ كل السبل، وناديتَ مَن ناديتَ، لكن اعلم أن الأمر بيد مصرف الأمور، بيد الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، إن كان هو أسير وأنت طليق فإن شاء الله تنقلب الأمور فتفرج الكرب ويفك الأسير، إن الأمر بيد الله: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] لم ييأس يعقوب، فإذا به بعد سنين طوال، يأتيه الخبر فإذا الله يَرُد عليه يوسفَ وأخاه، ويَرُّد عليه بصرَه، ويشكر الله على هذا.
الحجاج بن يوسف الثقفي -اسْمَعِي! - أوجه الحديث خاصة إلى أم الأسير، وإلى زوجة الأسير، وإلى ابن الأسير، اسمعوا هذه القصة، والقصة حقيقية!
الحجاج أحد الطغاة، الذي قتل ما يزيد على مائة وعشرين ألفاً من المسلمين، يداه تسيل بالدماء، يوماً من الأيام أسر شاباً من شباب المسلمين، أخذه أسيراً في سجنٍ من السجون، سمع عمه ابن محيريز، وهذا عابد زاهد، عالم ورع، سمع أن ابن أخيه قد سجن، من الذي سجنه؟ ومن الذي أسره؟
إن الذي أسره هو الحجاج بعينه، حاكم العراق في ذلك الوقت، فإذا بـ ابن محيريز يطرق الأبواب، ويذهب للوجهاء، وللعظماء وللكبراء علَّ أحداً أن يشفع له، ابن أخيه كابنه؛ لكنه لم يجد مجيباً، كل الناس خافوا، كل الناس أمَّلوه ولكن لم يستطع أحد، ولم يجرؤ أن يطرق باب الحجاج أحد.
ذهب إلى البيت حزيناً كئيباً، نام، غَلَبَتْه عيناه فنام، فجيء له في المنام فقال له قائل في المنام: يا ابن محيريز! قصدت الأمر من غير بابه -لم تحسن ولوج الأمر في الباب الصحيح- فقام فزعاً، فإذا به يتوضأ، ثم يصلي آخر الليل، ويلجأ لله جل وعلا، يقول الثقاة المحدِّثون: "إن الحجاج فَزِع من نومه واستيقظ، ونادى الحرس، والجيش، فقال لهم: أين فلان السجين، قالوا: لا زال حياً، قال: أخرجوه طليقاً الآن، فأُخرج من سجنه، يقول الثقاة المحدِّثون: لا ندري ما الذي جعل الحجاج يُخرج ذلك الشاب" أتدري ما الذي أخرجه؟
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦].
المهم: أن لا نيأس.
стр. 524
لا تحزن إن الله مع كل مؤمن
أخي الكريم! أختي الكريمة! قبل أن نختم حديثنا، لا تحزن لا تحزن كلمات أطلقها المصطفى ﵊ لصحابه في الغار قال: (لو أبصر أحدٌ قدمَه لرآنا يا رسول الله! -أتعرف ماذا قال له؟ - ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]).
نعم.
إن كان الحزن أمراً طبيعياً جِبِلِّياً في البشر فاغلبه يا عبد الله، وانطلق بحياتك، ماذا يعني أنك أصبت بمرض، أو فقدت حبيباً، أو خسرت أموالك؟
ما مضى فات والمؤمَّل غيب ولك الساعة التي أنت فيها
ابدأ حياتك من جديد، ابدأ طريقك من جديد، الدنيا أحقر من أن تغتم بها، أو تهتم بها، أو تأسى على ما فات: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٣].
(عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خير له) عجباً لأمر المؤمن.
في الحديث: (من أصابه هَمٌّ أو غمٌ فقال: الله ربي لا شريك له، أذهب الله غَمَّه).
اللهم إنا عبيدك، بنو عبيدك، بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمك، عدلٌ فينا قضاؤك، نسألك بكل اسم هو لك؛ سَمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا.
وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 525
وسائل تقوية الإيمان
قبل أن يبدأ الشيخ في الدرس تحدث عن احتقار الناس وحذر من ذلك، ثم بدأ بذكر الأسباب التي تقوي الإيمان، مبيناً أن من أعظم الأسباب التي تقوي الإيمان قراءة القرآن الكريم، وهناك قصص توضح ذلك، منها إسلام جبير بن مطعم لسماعه آية أو آيتين من القرآن، وكذلك بعض الشباب عادوا إلى الله لمجرد سماعهم آيات من القرآن.
ثم انتقل الشيخ إلى السبب الثاني وهو الصحبة، فحذر من صحبة قرناء السوء، ونصح الآباء نصائح من أجل الحفاظ على أسرهم وأبنائهم.
كما أن الشيخ أجاب على أسئلة تهتم بالأمور الاجتماعية والدعوية.
стр. 526
إياك واحتقار غيرك من المسلمين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
أرحب بكم في بيت من بيوت الله ، وأرجو قبل أن نبدأ أن نستشعر المكان الذي نحن فيه، وأن نستشعر الليلة التي نحن فيها، وأن نستشعر الكلام الذي نسمعه، كم من الناس الآن في هذه اللحظة التي تستمعون فيها إلي الآن؛ ربما يسهر على أفلام ومسلسلات!
كم من الناس الآن في المقاهي يدخن!
كم من الناس الآن من يتجول في الأسواق!
كم من الناس الآن من يعاكس الفتيات، وربما يسهر على الغناء وربما يفعل ويفعل!
الناس شتى ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤] وانظر إلى اصطفاء الله لك من بين الناس أن جاء بك إلى هذا المسجد لتسمع ذكره جل وعلا، وهذا يحتاج إلى شكرٍ وإلى استغفار، من أنا حتى يختارني الله من بين الناس، أتعرف كم إنسان يعيش في الأرض؟
اليوم يعيش أكثر من خمسة مليارات إنسان على وجه الأرض، أكثر من خمسة آلاف مليون لا يعرفون الله جل وعلا.
ومليار ومائتا مليون مسلم؛ منهم من يعبد حجراً منهم من يعبد قبراً منهم من يعبد خيطاً منهم من يعبد رجلاً منهم من يشرك مع الله غيره، انظر إلى اصطفاء الله لك حين جعلك من الموحدين: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧] الله هو الذي هداك.
أول قضية قبل أن نبدأ في وسائل تقوية الإيمان ألا تحتقر الناس، لا تقل: أنا أصلي وأصوم وأتصدق، والناس لا يفعلون شيئاً من ذلك، إياك من احتقار الناس، لا تنظر إلى أهل المعاصي فتقول: أنا خير منهم، احتقر المعصية لكن لا تحتقر الناس، ربما هو يندم ويستغفر ويكون أقرب إلى الله منك، وربما نحن نعجب بأعمالنا وصلاتنا وصيامنا فيرد الله علينا العمل، لا تحتقر الناس، قل دوماً: أنا أضعف منهم، أنا أقل منهم منزلة، أنا أقل الناس ديناً وإيماناً، احتقر نفسك دوماً.
стр. 527
قصة رجل من بني إسرائيل اغتر بعمله
اسمع للقصة في بني إسرائيل يقصها النبي ﵊، قصة رجل عابد داعية؛ لكن اغتر بنفسه، كان يرى كل يوم رجلاً صاحب معصية فيقول له: يا فلان! اتق الله ودع ما أنت فيه.
تخيل لو أنك تمر على رجل -والعياذ بالله- وهو يشرب خمراً أو رجل -والعياذ بالله- فاحش، أو امرأة منظرها قبيح، كان يقول له: اتق الله ودع ما أنت فيه فيرد العاصي على الداعي إلى الله، يقول له: إليك عني، أجعلت علي رقيباً؟
أي: هل أحد سلطك علي؟
ردٌّ غير حسن، وكل يوم يدعوه؛ لكن الخطورة أن الشيطان استطاع إغواء الداعية، فإذا بالداعية يغتر بنفسه وهنا الخطورة؛ أن ترى لنفسك فضلاً على الناس، وأن ترى أنك أفضل من غيرك، وأن تحتقر الناس؛ فإذا به يقول: والله لا يغفر الله لك، من قال لك: أن الله لا يغفر له؟
قال: والله لا يغفر الله لك، فإذا بربنا جل وعلا يرد عليه يقول: (من ذا الذي يتألى علي؟) من الذي نصب نفسه رباً وحكماً وإلهاً على الناس قال: (قد غفرت له -يعني: للعاصي- وأحبطت عملك) أبو هريرة يعلق على هذا الحديث بقوله: [قال كلمة أوبقت دنياه وآخرته] إياك أن تحتقر الناس، وقل دائماً: يا رب! حبب إلي الإيمان وزينه في قلبي.
стр. 528
القرآن وتقويته للإيمان
أهل الإيمان الكامل ما هي صفاتهم؟
الله يقول عنهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] القلب يوجل إذا ذكر الرب.
أبو حنيفة قال له طفل: يا إمام! اتق الله، فاصفر لونه، وتغير وجهه لأنه ذكره بالله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] أول صفة من صفات أهل الإيمان الكامل أن إذا سمع القرآن أو الأذان أو الذكر؛ اضطرب القلب، واضطربت الجوارح واهتزت.
стр. 529
قصة علي بن الفضيل مع القرآن
علي بن الفضيل بن عياض؛ هذا رجل عابد، وأبوه رجل عابد يسمى: عابد الحرمين وهو الفضيل بن عياض، كنيته أبو علي عنده ولد اسمه علي صار علي أشد عبادة من أبيه.
في يوم من الأيام يقول: دخلت في البيت فوجدته يجول في الغرفة ويبكي ويبكي فقلت له: يا بني! لمَ تبكي؟
قال: يا أبي تفكرت في النار وكيف الخلاص منها فبكيت.
بكى لأنه تذكر النار, ثم قال: يا أبي! سل الذي وهبك إياي في الدنيا أن يهبني إياك في الآخرة في الجنة، ادع الله إذا دخلت الجنة أن يحلقني لك.
كان الفضيل إذا صلى الصلاة وعلم أن ابنه يصلي وراءه لا يرتل، ويقرأ قراءة عادية؛ لماذا؟
يعرف أن ابنه لا يتحمل ترتيل القرآن، بكاؤه شديد، ينقطع قلبه ويضطرب، في يوم من الأيام كبر وابنه لم يكن وراءه، فدخل في الصلاة وأبوه يصلي ما علم أن ابنه دخل، والأمر الآخر أنه قرأ آية تتفطر منها القلوب، وتتكسر منها الصخور، وتتصدع منها الجبال، فأيُّ آية تلك؟
إنها قول الله جل وعلا: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] فسمع صوت ابنه يبكي فخفف الصلاة وأتمها فوجدوا ابنه قد أغمي عليه من شدة البكاء، لكن نحن لا نصل إلى هذا المستوى؛ لكن نقول: أين التأثر؟
أين التدبر؟
أين دمعة العين؟
لوحدك ليس أمام الناس والأمر كالسر، كانوا يصلون فيبكي الواحد منهم ولا يدري من بجانبه، وينام مع زوجته على وسادة واحدة يبكي ما تدري عنه زوجته، إخلاص دمعة تنزل؛ لكن لله لا شهرة ولا سمعة حتى يقال: فلان بكاء وفلان خاشع، لا لا يبالون بالناس أصلاً.
стр. 530
ابن المنكدر وقصته مع القرآن
محمد بن المنكدر هل سمعتم به؟
أبو عبد الله العابد الزاهد؛ دخل البيت يوماً فأخذ يبكي، ومن أول أسباب تقوية الإيمان: أن تتأثر بالذكر وبالقرآن: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [الأنفال:٢].
ابن المنكدر بكى في البيت فقالت زوجته: يا أبا عبد الله! هون على نفسك لِمَ كل هذا البكاء؟
قال: إليكِ عني، أنت لا تعلمين ما الذي أصابني، فخرجت زوجته وخافت على زوجها، فذهبت إلى صاحبه أبي حازم فقالت: يا أبا حازم! تعال إلى صاحبك فقد قطع البكاء قلبه، فجاء أبو حازم وقال: يا أبا عبد الله! ما الذي جرى؟
قال: يا أبا حازم! آية مرت علي من القرآن، توقفت عندها ما تحملتها قال: أي آية؟ ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] تعرف ما معنى الآية؟
بعض الناس يظن أنه قد أصاب الفردوس وأنه يدخل الجنة وأنه من المتقين المؤمنين الصادقين، فإذا جاء يوم القيامة وجد الأمر على غير ما كان يظن، وجد الأمر ضد ما كان يظن، جاء يوم القيامة فإذا به يرى الحسنات سيئات، يرى الجنة ناراً، أعماله الصالحة صارت هباءً منثوراً: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] فإذا به يبكي فبكى أبو حازم واشتد بكاؤهما: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [الأنفال:٢].
следующие страницы →