← Джавами‘

Джавами‘ · id 7717

دروس للشيخ نبيل العوضي

نبيل العوضي

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

بشارات المؤمن في قبره قال ﵊: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبالٍ على الآخرة) يعني على فراش الموت، لعل ابنته عنده تبكي، وولده يبكي، ولعله في حادث سيارة، ولعله في فراش المرض، أو لعله ساجد أو راكع، أو لعله يقرأ القرآن أو يستمع إليه، انقطع من الدنيا وبدأ يقبل على الآخرة. (نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه) مؤمن، صالح، تقي، قارئ للقرآن، داعية إلى الله، مجاهد، آمر بالمعروف، ناهٍ عن المنكر، طالبٌ للعلم، بارٌ بوالديه، واصلٌ لأرحامه، اسمع: (نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفنٌ من أكفان الجنة) قماش من الجنة، كفن من الجنة. يا عبد الله: تخيل منظره، تخيل رائحته، تخيل منظر هذا الكفن، بل منظر من يحمله: (وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر) أي يجلسون أمامه إلى أن يذهب آخرهم على مد البصر يا عبد الله: هذه بشارة ولعل من حوله يبكون وهو فرح، ولعل زوجته عنده تنوح وهو مستبشر، ولعل أمه تبكي وهو يطرب فرحاً بلقاء الله جل وعلا، ورؤية الملائكة البيض بشارة في الدنيا قبل دخول القبر: (ثم يجيء ملك الموت ﵇، حتى يجلس عند رأسه) وأنت لا تراه، أنت لا تحس به، هو موجود عنده في الغرفة، ولعله يقبض روحه وبعد قليل يأتي إلى أحد الجالسين، ولعله بعد أيام ينتظر أحد الذين يبكون، هو جالسٌ عند رأسه وأنت لا تدري ويقول: (أيتها النفس الطيبة المطمئنة) اطمأنت بم؟ اطمأنت -يا عبد الله- بالقرآن: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:٢٨] اطمأنت ببر الوالدين، اطمأنت بصلاة الفجر، وبالسجود والركوع، اطمأنت بذكر الله جل وعلا: (يا أيتها النفس الطيبة المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان) الله أكبر! يبشر بالمغفرة، يبشر بالرضوان: (فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء) تخيل قطرة تخرج من فيّ السقاء، لو ينزل الماء فتبقى قطرة تنزل، هل تحس بالصعوبة؟ هل تحس بشقاء؟ هل تحس بألم؟ تخرج كما تسيل القطرة، بنعومة وسهولة! (حتى إذا خرجت روحه صلَّى عليه كل ملكٍ بين السماء والأرض) يصلون عليها ويدعون لها، ويستغفرون لها. عبد الله: يقول ﵊: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع شبرٍ إلا عليه ملك راكع أو ساجد) بين السماء والأرض كل الملائكة يستغفرون لك، ويصلون عليك. عبد الله: ليست القضية أن يصلي عليه عشرون أو ثلاثون من الناس خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً لا. كل الملائكة في السماء والأرض يصلون عليه، اسمع: (صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء) حتى ملائكة السماء يصلون عليه، فيأخذها ملك الموت: (فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط) الله أكبر! وضع في كفن الجنة، وفي حنوط من الجنة، فيصلي عليه ملائكة الأرض والسماء، واسمع الآن إلى النبي ﷺ في هذا الحديث يقرأ بعض الآيات، منها هذه الآية، قال الله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١]. لعل أهله يبكون، ولعلهم ينوحون، ولعلهم يحزنون، وهو في طربٍ وفي شغفٍ، وفي حب للقاء الله جل وعلا. اسمع يا عبد الله: وضع في كفن من أكفان الجنة، وحنط من حنوط الجنة (ويخرج منها -أي من جسده- كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان؛ بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه به في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا) لحظات فقط، أهله لعلهم لا زالوا يغسلونه، بل لا زالوا يحاولون إخراجه من المستشفى، أو إخراج الجثة من الحادث، أو إزالة الحريق عنها، أو لربما لم يجده أحد بعد، ولم يعثر على جثته أحد، أما روحه وصلت إلى السماء الدنيا، لعله تقطع جسده في معركة من المعارك، بل لربما تقطع الجسد إرباً إرباً، وهو في الجهاد في سبيل الله، أما الروح طيبة طاهرة وصلت إلى السماء الدنيا: (فيقولون: لمن هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان؛ بأحسن اسمٍ كان ينادى به في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له، فيفتح له) الله أكبر! السماء الدنيا تفتح له، سماء عظيمة تفتح له، كرامة له (فيشيعه من كل سماءٍ مقربوها إلى السماء التي تليها) جنازة تمر في السماء، تعرف من يمر بالجنازة ومن يشيعها؟ أفضل ملائكة في السماء، وأقرب الملائكة إلى الله، يمشون خلف هذه الجنازة، من سماء إلى سماء، تستقبله ملائكة أخرى، أفضل الملائكة في كل سماء تستقبل هذه الروح لتصعد بها إلى السماء التي تليها: (حتى يؤتى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله عز جل: اكتبوا عبدي في عليين) ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:١٩ - ٢١] فيكتب كتابه في عليين، ثم يقال: أعيدوه إلى الأرض، فإني وعدتهم منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فيرد إلى الأرض). تخيل الروح من السماء السابعة تنزل إلى الأرض، لربما لا زالوا لم يدفنوه، ولربما دفنوه ولا زالوا لم يكملوا دفنه، بل لربما يسلم بعضهم على بعض ويعزي بعضهم بعضاً، فيقال: فلاناً توفي، ﵀، لقد كان صالحاً، كانت لا تفوته صلاة الفجر ﵀، لم يسمح لابنه بفسادٍ ولا لبنته بمنكر ﵀، ما أدخل التلفاز قط في حياته إلى البيت، رحم الله فلان توفي لقد مات في الجهاد في سبيل الله، لقد مات وقد صلى الفجر في جماعة الله، أكبر!

стр. 562

حال المؤمن مع منكرٍ ونكير (ثم يقال: أعيدوه إلى الأرض، فإني وعدتهم: منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فيرد إلى الأرض، وتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان -وبدأت الأسئلة، إنه الاختبار، إنها الفتنة العظيمة -شديدا الانتهار- ليس أي ملكين، إنهما ملكان شديدا الانتهار، إذا نهرك يا عبد الله تنسى اسمك من اسم غيرك- شديدا الانتهار فينتهرانه) يغلظان له في الكلام، نعم صالح لكنه اختبار، نعم مصلٍ لكنه اختبار، قارئ للقرآن، قائم لليل، يصوم النهار؛ لكنه اختبار وفتنة؛ ليتبين الصادق من الكاذب، يتبين قوي الإيمان من هش الإيمان. (فينتهرانه ويجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ -أول سؤال، وأول اختبار، من ربك؟ - فيقول: ربي الله) بكل ثبات ويقين، وبكل شجاعة يقول: ربي الله، لا يتلعثم فيها، ولا يتردد بها، ولا ينساها؛ لأنه ملأ قلبه بحب الله جل وعلا، كان يقوم لله، وينام لله، ويذكر الله جل وعلا صباح مساء، الله أحب إليه من كل شيء، من نفسه وماله وولده والناس جميعاً، يحب الله عز جل حباً عظيماً: (من ربك؟ ربي الله، ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ نعم. كان يتبعه في سنته حذو القذة بالقذة، يسأل كيف صلى فيصلي مثله، كيف حج ليحج مثله، يسأل كيف صام فيصوم مثله، يسأل كيف كان يدعو، كيف كان يلبس، كيف كان يأكل، يحب اتباعه في كل شيء، فيتبعه ﵊ في كل مستحب وواجب ويحبه، فإذا به يقول: (هو رسول الله ﷺ ، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله تعالى فآمنت به وصدقت) العلم هو الذي دله على هذا، علم الكتاب والسنة، علم الشرع يا عبد الله، ما كان يسمع أحاديث الناس، ما كان في دينه يصلي لفلان وفلان، كان أول ما يبحث وأول ما يسأل عن آية من كتاب الله، أو عن حديث من أحاديث رسول الله، لهذا قال: (قرأت كتاب الله تعالى، فآمنت به وصدقت). ثم يعاد الاختبار مرة ثانية: (فيقولان: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فذلك حين يقول : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]-اسمع الإجابة- فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ -الآن النتيجة- فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي؛ فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره) ولعل أهله يبكون، ولعلهم يعزي بعضهم بعضاً، ولعل أعينهم تدمع، ومنهم من يقول: مسكين فارق الدنيا، أنتم المساكين! لقد فرش له من الجنة، لقد ألبس من الجنة، ولما يغادر أهله المقبرة، ولما يكملوا بعضهم تعزية بعض، وقد ألبس من الجنة وفرش له من الجنة. اسمع تتمة البشارة: (قال: ويأتيه رجلٌ حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، أبشر برضوان من الله، وجنات فيها نعيمٌ مقيم، هذا يومك الذي كنت توعد). هذه يومك يا من تصلي الفجر! هذا يومك يا من تعتكف في المساجد! هذا يومك يا من غضضت البصر وكففت عن الحرام! كان الناس يخوضون في الربا وكنت تصبر وتتحمل وتكتفي بالحلال، كان الناس يفعلون المنكرات وأنت تصبر عن الحرام (هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له: وأنت بشرك الله بالخير، من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح) أنا قراءة القرآن، أنا الدعوة إلى الله، أنا قيام الليل، أنا بر الوالدين، أنا الحج، أنا العمرة: (أنا عملك الصالح، فوالله ما علمتك إلا كنت سريعاً في طاعة الله، بطيئاً في معصية الله، فجزاك الله خيراً) نعم، قد يعصي الصالح ربه، وقد يقع في الذنب: (كل بني آدم خطاء) لكنه بطيء، لكنه يندم ولا يصر، أما في الطاعات فإنه سريع، يقوم نشطاً للصلاة، يقوم مسرعاً للنفقة، أول إنسان يأتي إلى المسجد، إذا أخبر عن مجال الدعوة إلى الله كان في المقدمة، إذا أخبر بالجهاد كان الأول، إن دعي للتصدق كان الأول، إن أمر بالصلاة يقف نشيطاً سريعاً في الطاعة، أما في المعصية يندم، ويتأخر ويقدم قدماً ويؤخر أخرى، فإن وقع في الذنب رجع وأناب واستغفر: (ثم يفتح له بابٌ إلى الجنة، وبابٌ إلى النار يرى منزله في النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا، فإذا رأى ما في الجنة) يرى القصور والأنهار، يرى الجنان، ومكانه فيها يا عبد الله! وقبل يوم أو قبل ساعات كان في الدنيا معذباً، كان في الدنيا متعباً، ينصب في طاعة الله، بعد ساعات رأى منزله في الجنة. يا عبد الله: لعلك في بعض الأحيان إن مات أحد الصالحين قلت: مسكين كان ينوي أن يفعل كذا وكذا لكنه سبقته المنية، بل لعلنا نحن المساكين، لعله رأى منزله في الجنة وأنت لا تدري: (فيقول: فإذا رأى ما في الجنة قال: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي، فيقال له: اسكن) فينام نومة لا يستيقظ إلا على قيام الساعة، نومة خفيفة، نومة لا يحس فيها إلا بالنعيم والراحة.

стр. 563

حال الفاجر في القبر أما الآخر، أما صاحب الفجور، أما صاحب المعاصي، أما الذي لا يعرف عن الصلاة إلا الجمعة إلى الجمعة، أما أهل الفساد والمنكرات، أما أهل الخمور والمخدرات، أما الذين يتبعون النساء يمنة ويسرة ولا هم لهم في الدنيا إلا تتبع النساء والعورات، اسمع إلى مصيرهم وحالهم: (وإن العبد الكافر أو الفاجر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبالٍ على الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد، سود الوجوه، معهم مسوح من النار) تعرف ما هي المسوح؟ لباس من شعر خشن، يأتون به من وسط جهنم، لباس أهل النار، يأتون به ليلبس أول ما يؤخذ من جسده، تتعجب بعض الأحيان، ترى بعض الناس على فراش الموت يصيح، ويسود وجهه ويزرق ويخاف، ويصيح صياحاً وليس به شيء، ما الخبر؟ يرى أمراً لا تراه أنت، وبدأ ملك الموت يندفع والروح تتفرق: (معهم مسوح من النار، فيجلسون مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه ويقول: أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخطٍ من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده) يعني الروح تهرب، تتوزع في الجسد؛ لأنها لا تريد الخروج إلى غضب الله وسخطه.

стр. 564

بشارات السوء للفاجر في القبر عبد الله: في تلك اللحظات لا تنفع التوبة، تلك اللحظات لو يدفع الملايين لا ينفعه عند الله، لو يقطع جسده لله جل وعلا والله لا ينفعه كل هذا: (أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود الكثير الشعب وهو الشوك من الصوف المبلول) حديد فيه شعب كثيرة، عليه الصوف ينتزع الثوب من هذا الحديد، أتعرف ما الذي يحصل؟ يتقطع ذلك الصوف ولا يخرج، ينتزع الروح وتتقطع الروح في الجسد من شدة نزعه: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً﴾ [النازعات:١ - ٢]. (تتقطع معها العروق والعصب؛ فيلعنه كل ملكٍ بين السماء والأرض، وكل ملكٍ في السماء) كل ملك في السماء، بل بين السماء والأرض. كم ملك يا عبد الله؟ أول ما تخرج الروح يلعنونه، اللهم العنه، اللهم العنه، اللهم العنه، يا عبد الله إنه دعاء الملائكة! يا عبد الله فكر إلى أين تسير! لكل أمرٍ نهاية! يا عبد الله والله مهما طال بك العمر فإن الموت يأتي بغتة! ولا مقدمات لخروج الروح، وسل كبار السن؛ كم عشتم في الدنيا، يقولون لك: أياماً معدودة، مرت كلمح البصر، كأنه حلم ثم ذهب، كأنها نومة استيقظت منها: (فيلعنه كل ملكٍ بين السماء والأرض، وكل ملكٍ في السماء، وتغلق أبواب السماء، ليس من أهل بابٍ إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من قبلهم، فيأخذه -يعني ملك الموت، الآن نزع الروح، اسمع وقارن بين الأول والثاني- فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة، فيقولون: فلان بن فلان). لا إله إلا الله! كان في الدنيا يحرص على رائحته الطيبة، كان يحرص على ثيابٍ زكية، كان يحرص على تسريحة شعره، يقف أمام المرآة الساعات الطوال، كان يحرص دوماً ألا يخرج إلا بأنظف الملابس وأطيب الروائح، ما بال الروح كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض، ما الذي جرى؟ نعم. دنسها بالمعاصي، نعم نجسها بالخبائث والمنكرات. (ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى يؤتى به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يُفتح له -مصيبة يا عبد الله! نسأل الله العافية، إن كان الواحد منا ما فتحت له أبواب السماء فليبشر بهذه النتيجة- ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠] فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين -في الأرض السفلى- ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى الأرض). لعله مات وهو يعاقر امرأة بالحرام، قبحه الله ما صلى منذ شهر، ومات اليوم؛ أعوذ بالله، أما الصالحون فنفروا عنه، ولم يصل عليه أحدٌ من الصالحين، وما صلى عليه إلا كل مغرور لا يدري عن حاله، قبحه الله؛ مات وهو يشرب الخمر، أو انتحر بالمخدرات، قبحها الله من ميتة، اسمع: (فيقال: أعيدوا عبدي إلى الأرض، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتطرح روحه من السماء طرحاً حتى تقع في جسده) تلقى من السماء الدنيا إلى الأرض، تطرح يا عبد الله، انظر إلى المسافة هذه كلها، أما المؤمن فينزل، أما هو فإنه يطرح وترمى نفسه، والملائكة لا تنزله إلى الأرض؛ لأنه لا يستحق، إنما يطرح على الأرض طرحاً، اسمع إلى قول الله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [الحج:٣١] ومن المشركين الذين لا يصلون يا عبد الله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١].

стр. 565

موقف الفاجر مع منكر ونكير في القبر ثم قال: (فتعاد روحه في جسده وإنه ليسمع خبط نعال أصحابه إذا ولوا عنه) يسمعهم يمشون على القبر، يسمع قرع نعال أبيه، وقرع نعال أخيه، وقرع نعال جيرانه، وقرع نعال أصحابه إن صلى عليه أحد، يسمع قرع نعالهم: (ويأتيه ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه ويجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! فيقولان له: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: من؟ فيقال: محمد، فيقول: هاه هاه لا أدري! سمعت الناس يقولون ذلك، فيقال: لا دريت ولا تليت) كيف يدري وكان قدوته من الدنيا كافراً مطرباً نصرانياً، قدوته من الدنيا في لباسه ومظهره؟ كيف يدري وكان في الدنيا يستهزئ بسنته ﵊؟ كيف يدري وكان ينام على عشقها وحبها ويتغزل بالتفكير فيها؟ كيف يدري وكان لا يعرف القرآن سنين طويلة؟ كيف يدري وكان يسمع الأذان ويولي؟ كيف يدري -يا عبد الله- وكان ينام على الفجور ويقوم على الفجور؟ فيقال: (لا دريت ولا تليت، فينادى من السماء؛ أن كذب عبدي، فافرشوا له من النار) أنت لم تر شيئاً، حفرة فقط، فرش له من النار في قبره، نعوذ بالله! نار تلظى يا عبد الله! نار تحرق، ولعله قبل ساعات كان في بيته منعماً، كان في قصره مكرماً، أما الآن فرش له من النار. (فافرشوا له من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه) إن أضلاعه تتداخل بين بعضها البعض، يضيق القبر حتى يدخل الضلع في الآخر: (ويأتيه رجلٌ قبيح الوجه قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: وأنت بشرك الله بالشر من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر فيقول: أنا عملك الخبيث) أنا عملك الخبيث، إن كانت امرأة، أنا التبرج، أنا السفور، أنا مخالطة الرجال، أنا استماع الأغاني، أنا أكل الربا، أنا ترك الصلاة، أنا السب والشتم واللعن والاستهزاء بالصالحين، أنا عملك الخبيث، إلى الآن ما جاء إلى الله جل وعلا، إلى الآن ما جاء يوم الحساب، إلى الآن ما جاء اليوم الآخر، اسمع إنه أول منازل الآخرة: (أنا عملك الخبيث، فوالله ما علمتك إلا بطيئاً عن طاعة الله -في الطاعة والخير يتثاقل، يجر نفسه وكأنه يحمل جبلاً، إن جاء إلى مجلس ذكر، أو إلى الصلاة، وقراءة القرآن، لعله يأتي ولكن بكسل وبتثاقل، ويكره العمل لكنه يفعله رياءً أو استحياء- سريعاً إلى معصية الله، فجزاك الله شراً، ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة -مطرقة من حديد- لو ضُرِبَ بها جبلٌ لصار تراباً، ويضربه ضربة حتى يصير بها تراباً). اسمع وانظر وتخيل يا عبد الله! ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق:١٣ - ١٤] الأمر ليس بالجدل، وليس بالضحك، وليس بالهزل، إنها حقيقة أخبر بها الله، إنها أول منازل الآخرة يا عبد الله، لعلك تقدم عليها الليلة أو بعد لحظات، أو بعد ساعات، فاستعد لها يا أخي الكريم. (حتى يصير بها تراباً، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين -إلا الجن والإنس- ثم يفتح له بابٌ من النار، ويمهد من فرش النار، فيقول: -وهو في هذا الحر، وهذا الضيق، وهذا التعب والنصب والعذاب، تظنه ماذا يقول؟ - يقول: رب لا تقم الساعة، رب لا تقم الساعة) تعرف لم يا عبد الله؟ لأنه يدري أن الساعة أدهى وأمر. إنها الأسئلة؛ إن قارنتها في الدنيا فهي الأخيرة، وإن قارنتها بالنسبة للآخرة فهي الأسئلة الأولى يا عبد الله، فليس هناك دور ثانٍ، وليست هناك فرصة أخرى، والقضية قوة إيمان وضعف إيمان. إن كنت من المؤمنين الصالحين، وممن آمن بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، إيماناً ليس باللسان فقط، بل إيمانٌ باللسان والقلب والأركان، قولٌ وعملٌ يا عبد الله، فإنك سوف تجيب على هذه الأسئلة، وإن كنت ممن يقول الناس كلاماً فتقول مثلهم فقط؛ هكذا رياءً وسمعة، حياءً واستحياءً من الناس، لربما يجيب على هذه الأسئلة، ولربما يكون ممن يقول: هاه هاه لا أدري، وستسمع النتيجة الأولى: أن كذب عبدي، ووقتها لا ينفع الندم، ولا ينفع العويل، ولا ينفع البكاء. فالله الله أيها الإخوة الكرام، أن نستعد للإجابة على هذه الأسئلة، وأن نتأهب لها. أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 566

الأسئلة

стр. 567

الانتكاسة بعد الالتزام السؤال هناك شاب كان يحافظ على الصلاة، ويحفظ من كتاب الله شيئاً يسيراً، وفي يومٍ وليلة انتكس على عقبيه فترك الالتزام، حتى أصبح أهله يتضايقون منه، فما نصيحتك له؟ الجواب غالبهم لم ينتكس في يوم وليلة، غالبهم بدأ الإيمان عنده يضعف والظاهر لم يتغير، بدأ الإيمان يفتر في قلبه شيئاً فشيئاً، أما الظاهر من لحية وثوبٍ وصلوات الفرائض وغيرها لا زالت ظاهرة سوية، ولكن الباطن اختلف وضعف. التقوى هاهنا، التقوى هاهنا يا عبد الله: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكِر الله﴾ [الرعد:٢٨] الإيمان بدأ يضعف في القلب، بدأ يفتر شيئاً فشيئاً، لم يظهر عليه شيء لكنه إذا فتح الجريدة والمجلة الخليعة نظر فيها، وإن جلس في مجلسٍ استساغ الغيبة والنميمة، بل يتكلم في أعراض الناس، بل يتأخر عن الصلاة، كان في الصف الأول ثم الثاني ثم الأخير، ثم بدأ يلحق ركعة أو ركعتين، ثم لا يدرك إلا الركعة الأخيرة، ثم السلام ثم الجماعة الأخرى، ثم بدأ يصلي في البيت، شيئاً فشيئاً، الإيمان بدأ يخمد وبدأ يذهب، ولكنه تمادى، واستهان بالأمر، وتساهل فيه حتى انتكس: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٣]. اسمع يا عبد الله إلى هذا الرجل الذي وصفه الله جل وعلا في هذا الوصف، أقبح وصفٍ في القرآن: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٧٥] من اهتمامه والتزامه صار عالماً، بل أعلم بني إسرائيل: ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٧٥] علم الشريعة: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٧٥] ارتد وانتكس، تعرف ما الذي جرى؟ ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] نعم. هذا مستواه، وهذا وصفه، يدخل في دين الله، ويعرف القرآن، ولذة الإيمان، ويصلي مع الصالحين، ثم بعد أيام مع الفجرة الفاسقين، ويترك الصلاة وراءه، ويترك القرآن ويهجره، ويترك الصالحين إلى الفسقة والفجرة، أتعرف بم شبهه الله؟ قال الله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦] أي لا فائدة منه فهو يلهث إن كان قد حمل عليه أو لم يحمل عليه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦] أنت إن رضيت بهذا المثل فاقنع بحالك يا عبد الله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣] افعل ما بدا لك؛ لكن ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:٢٩]. نعم. افعل ما بدا لك في هذه الدنيا، فإنك تجازى به عند الله جل وعلا. أقول: السؤال لعله قد يكون غير دقيق عند حال كثير من الناس، يصعب أن يكون في يومٍ وليلة إلا ما ندر، وإلا غالبهم بدأ الإيمان ينقص ويتساهل، ضعف الإيمان وتمادى، بدأ يقع في الصغائر ويتمادى، صغيرة تلو صغيرة حتى صارت الصغائر كالجبل، فأهلكت قلبه، ودمرت دينه وحياته، حتى كان كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١].

стр. 568

أمور تعين على الالتزام السؤال أنا شاب من أصحاب سود الوجوه، أصحاب المعاصي والذنوب، فأريد أن أصبح من الصنف الثاني فما السبيل؟ الجواب المؤمن الصادق يقوم الليل، ويصوم النهار، ويقرأ القرآن، ويدعو إلى الله، ويفعل جميع الطاعات، ويخاف أن الله لا يتقبل منه، هذا المؤمن الصادق: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] المؤمن الصادق يخاف على نفسه، يخاف على نفسه ألا يقبل الله منه حسنة، ابن عمر تصدق بصدقة فقال ابنه له: [[يا أبت تقبل الله منك، قال: يا بني لو علمت أن الله تقبل مني حسنة؛ ما كان غائباً أحب إلي من الموت، لكن ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]] يقولها وهو أحد كبار الصحابة وصناديدهم، وأحد العلماء والفقهاء وحملة الشريعة إلى الآن، يقول: [لو علمت أن الله قبل مني حسنة، ما كان غائباً أحب إلي من الموت]. عبد الله: هذا هو المؤمن الصادق، يخاف ألا يتقبل الله منه، وهو في نفس الوقت يصلي ويركع ويعبد الله جل وعلا، يعيش بين الخوف والرجاء، نعم يخاف لكن لا يغلب خوفه على رجاؤه، ولا رجائه على خوفه، أما الفجرة والفسقة تجد أحدهم لا يصلي لله ركعة، ولا يسجد لله سجدة، ويهجر القرآن، وينظر لعورات المسلمين، ويأتي إلى المحرمات، وإذا سألته: قال: إن ربي غفور رحيم، مغرور ومسكين وغره الشيطان بعمله! عبد الله: هذا السائل لعل حاله إن شاء الله حال الصالحين، فلعله إن شاء الله يصلي ويذكر الله، ويسجد، ويصلي الفجر، ومع هذا يخاف أن يكون من أصحاب الشمال. عمر بن الخطاب يقول: [[والله لو نادى منادٍ من السماء: يا أهل الأرض كلكم في الجنة إلا واحداً لظننت أنه أنا] انظر! يقول لـ حذيفة: يا حذيفة: أسماني رسول الله من المنافقين؟! يا حذيفة! أجبني أكنت في سجل المنافقين؟! يا حذيفة هل كنت ممن سماه رسول الله منافقاً؟! فيقول حذيفة: لا يا عمر ولا أزكي أحداً بعدك. وكان يخاف على نفسه من النفاق. وعثمان كان يبكي إذا ذكر له القبر، يخافون يا عباد الله. أما الفجرة والفسقة الذين لا يصلون ولا يدعون الله ولا يرجونه سبحان الله! أما المؤمن الذي يعيش بين الخوف والرجاء فأبشر وأكثر من الطاعات ومن الصالحات، ولما سأل الرجل قال: (سلني يا ربيعة بن كعب! فقال: يا رسول الله! أسألك مرافقتك في الفردوس الأعلى) ما قال الجنة، قال الفردوس وأعظم مكان في الفردوس، مرافقتك في الفردوس الأعلى، انظر إلى رجائه، وهمته العالية، قال: أسألك مرافقتك في الجنة، هل قال له المصطفى أبشر، هل قال له المصطفى: نم وارتاح، أدعو لك وانتهى الأمر؟ لا. قال: (أعِنّي على نفسك بكثرة السجود) الأمر يحتاج إلى صلاة، يحتاج إلى سجود، يحتاج إلى ظمأ الهواجر، يحتاج إلى قراءة قرآن، يحتاج إلى اعتكاف في المساجد، يحتاج إلى أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، يحتاج إلى أمر بالرسالة، وإلى صبر حتى تسمعها عند الله جل وعلا: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤]. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 569

التربية العبادية للنفس تربية النفس قضية مهمة جداً، وقد أقسم الله على فضلها، وهي ترتكز على محورين: ١ - تربية النفس في معاملتها مع الله. ٢ - تربية النفس في معاملتها مع الخلق. وفي هذين المحورين مقامات ترتقي فيها النفس حتى تبلغ أعلى الدرجات.

стр. 570

كيفية تربية النفس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه. أما بعد: التربية العبادية هي: أن يربي الإنسان نفسه، وهي قضية مهمة، فقد أقسم الله على فضلها فقال: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:١ - ٨] واسمع للمقسم عليه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩] قد أفلح من طهر هذه النفس ورباها، وكانت من غايات بعثته ﵊ أن يربي الناس ويزكيهم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] والتزكية هي بمعنى التربية. وقضية التربية -أخي الكريم- ليست سنوات التزام، لو سألت بعض الناس: كم سنة أنت ملتزم؟ قال: ست أو سبع أو عشر سنوات. فليست القضية في العمر أو في السنوات، لكن هل ربيت نفسك على عبادة الله جل وعلا؟ هل طهرت هذه النفس؟ هل زكيتها؟ ألهم الله هذه النفس الفجور والتقوى، ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩] أي: من زكى هذه النفس وطهرها عن الأدناس والأنجاس، ولهذا سوف نتكلم -يا عبد الله- في هذه الكلمات عن كيفية تربية النفس تربية عبادية، وسوف أقسم الموضوع إلى قسمين: أن تربى النفس على أن تكون هذه النفس عابدة لله جل وعلا في أمرين: أولاً: في معاملتها مع الله تعالى. ثانياً: في معاملتها مع الناس. أنت عبد لله جل وعلا أنت عندما تبيع وتشتري عبد لله، وعندما تتعامل مع الأم أو الأب أو الإخوة أو مع أي أحد من الناس جميعاً أنت عبد لله جل وعلا، فتربي نفسك حتى في معاملتك مع الناس، ولهذا سوف نقسم الموضوع -كما قلت- إلى قسمين: بينك وبين الله، ثم بينك وبين الناس.

стр. 571

تربية النفس في معاملتها مع الله

стр. 572

تربية النفس على استشعار عظمة الله جل وعلا أولاً: يا عبد الله! اسمع إلى هذه المقامات بينك وبين الله، إذا أردت أن تكون عبداً وتذل لله بالعبودية فلا بد أن تستشعر عظمة الله جل وعلا من هو الله؟ قدَّر عظمته، ولن تستشعر عظمة الله جل وعلا إلا بعد أن تعلم صفاته جل وعلا، قال الله تعالى عن نفسه وعن صفاته: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. أرأيت إلى الأرض بجبالها وأنهارها وبحارها وبما فيها! كلها يقبضها الله يوم القيامة، بل أرأيت إلى هذه السماء! أتعرف كم بينها وبين السماء التي تليها؟ خمسمائة عام، ثم السماء التي تليها خمسمائة عام، وهكذا سبع سماوات يطويها الله كطي السجل للكتب بيده جل وعلا، بل يقبض السماوات والأرضين ويهزهن ويقول: (أنا الملك أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟). انظر إلى عظمة الله عندما تكون لوحدك في البيت، وتدعوك نفسك للنظر لامرأة، أو استماع أغنية، أو تقوم لأذان الفجر ثم ترجع وتنام، أتعرف من تعصي يا عبد الله؟ قال بعض السلف: "لا تنظر لصغر المعصية لكن انظر إلى عظمة من عصيت" تعصي الرب الجليل جل وعلا، اسمع إلى عظمته وهو يخاطب موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] يا رب! أريد أن أنظر إليك، اشتاق لرؤية الله جل وعلا، والله لا يرى في الدنيا لكنه يراه المؤمنون في الجنة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: يا موسى! في الدنيا لن تراني: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف:١٤٣] وكان في ذلك المكان جبل عظيم جداً، قال: انظر إلى الجبل يا موسى! ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] قال: سوف أتجلى -يا موسى- للجبل، فإذا تحمل الجبل فسوف أتجلى لك يا موسى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: نزه الله سبحانه عن كل شيء لما رأى الجبل صار دكاً على الأرض، يقول ﵊: (تجلى الله للجبل قدر هكذا وأشار برأس إصبعه) فصار الجبل دكاً أرأيت عظمة الله! انظر -يا عبد الله- إلى السماوات السبع العظيمات أتعرف كم قدر هذه السماوات السبع بالنسبة للكرسي؟! أتعرف ما هو الكرسي؟ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] يقول ابن عباس: [هو موضع قدمي الرب جل وعلا] ولله جل وعلا صفات حقيقية ثابتة نثبتها كما أثبتها ﵊، صفات حقيقية نعقل معناها لكن لا نعقل، كيفيتها قال ابن عباس: [الكرسي موضع قدمي الرب] أريد منك -أخي الكريم- أن تتصور هذا الأمر، هذه السماوات السبع العظيمة بالنسبة للكرسي كحلقة ملقاة في صحراء، هذه الحلقة هي السماوات السبع وهذه الصحراء هي الكرسي، أرأيت المقارنة والفرق!! ثم يا عبد الله! هل تعلم نسبة الكرسي بالنسبة للعرش، الآن تصور الأمر هذا الكرسي بالنسبة لعرش الرحمن كحلقة في صحراء، هذه الحلقة هي الكرسي، والصحراء هي العرش: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] على العرش استوى استواءً حقيقياً يليق بجلاله جل وعلا: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] يعلم ما توسوس به كل نفس، بل ما تسقط من ورقة إلا ويعلمها جل وعلا، أعلمت الآن عظمة الله جل وعلا؟! هل تصورت -يا عبد الله- هذه العظمة ثم بعدها تسأل نفسك: الواحد منا يعصي الله فإذا دخل أحد الناس ترك! أمام الناس لا يعصي لكن إذا خلا بينه وبين نفسه بدأ يعصي الله جل وعلا أتعرف من تعصي؟ إنك تعصي الرب العظيم الجليل القهار الملك.

стр. 573

تربية النفس على مراقبة الله جل وعلا المقام الثاني من مقامات العبودية: مقام المراقبة: اسمع إلى الإمام أحمد أتاه رجل فقال له: يا إمام! سمعت أحد الناس يقول شعراً، قال: ما هو؟ فأخبره بالشعر، فأغلق الإمام أحمد الكتاب، ثم دخل الغرفة وأغلق على نفسه الباب، فانتظره الناس فاستبطئوه، ثم جاءوا عند باب الغرفة، واستمعوا ماذا يقول فسمعوه يردد الشعر وهو يبكي أتعرف ما هو هذا الشعر؟ إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب لهونا لعمر الله حتى تتابعت ذنوب على آثارهن ذنوب فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ويأذن في توباتنا فنتوب وأخذ يبكي الإمام أحمد ويردد تلك الأبيات، فإذا جئت في الليل، وأغلقت الباب، وأطفأت الأضواء، وبدأت تعصي الله؛ لا تقل: خلوت ولكن قل: عليَّ رقيب: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤] ألا تعلم -يا عبد الله- أن الله يراك؟! يطلع عليك وأنت في هذه الحال! هذا عمر بن الخطاب يمر على بيوت الناس، فإذا به يستمع إلى صوت يخرج من بيت صوت من؟ صوت امرأة في بيتٍ لوحدها أتعرف ما قصة هذه المرأة؟ هذه المرأة خرج زوجها للجهاد أشهراً عديدة ومديدة ولم يرجع، ونحن نعلم -يا عباد الله- أن المرأة تشتهي، ولا يرد هذه المرأة شيء ما الذي يردها عن الحرام؟ لكن أتعرف ما الذي ردها؟ أخذت هذه المرأة تقول شعراً وعمر بن الخطاب يستمع إليها، تقول: تطاول هذا الليل واسود جانبه وأرقني ألا خليل ألاعبه فوالله لولا الله رباً أراقبه لحرك من هذا السرير جوانبه لِمَ يا عبد الله؟ لأن هذه المرأة في قلبها إيمان بأن الله يراقبها ويطلع عليها: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد:١٠] الله يعلم المستخفي في الظلمات وهو ينظر لها ويكلمها ويداعبها ويضاحكها؛ بل لعله يزني بها -أجلكم الله- فهو في علم الله ولو كان مستخفياً في الليل أو سارب بالنهار، أي: مجاهر بالنهار. عبد الله: راقب الله جل وعلا، ولا تظن أنك عندما تختلي أنه لا أحد يراك، أبو جهل حارب النبي ﵊ وصد عن سبيل الله، أتعرف بم رد الله عليه؟! قال لـ أبي جهل ولأمثاله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤] ألا يعلم هذا الكافر الفاجر أن الله يراه؟! والله لو علم حق العلم أن الله يراه ومطلع عليه ما تجرأ على هذه المعصية، ولما تجرأ على أن ينتهك حرمات الله جل وعلا! عبد الله: إذا أردت أن تربي هذه النفس على العبادات؛ فأكثر من العبادات، واستمع إلى سلفنا كيف كانوا يعبدون الله جل وعلا، كان الواحد يقضي وقته بالعبادة من قيام وصيام وقرآن وذكر وعبادة مطلقة، اسمع لهذه المواقف: صعدت جاريتان -بنتان صغيرتان- على سطح المنزل، وكانتا لا تصعدان إلا في الليل تعرف لِمَ؟ لأن الليل يستر الناس، وكان من حياء الجاريتين أنهما لا تصعدان إلا وقت الليل، فصعدتا على سطح المنزل، فنظرتا إلى بيت الجيران، ثم نزلتا فقالتا لأمهما: أين العمود -عمود الخشب- الذي كان في بيت جارنا؟ قالت الأم: ليس ذلك بعمود، إنما هو منصور بن المعتمر كان يقوم الليل فمات، كانتا تظنان أنه عمود واقف في بيت الجيران تعرف لِمَ يا عبد الله؟ من طول قنوته وقيامه، تعال إلى كثير من المسلمين بل حتى الصالحين منهم متى قمت الليل متى كان آخر مرة؟ يقول لك: منذ رمضان! عبد الله! رجل صالح، عابد لله، لكنه لا يقوم الليل ولا مرة في الأسبوع أو الشهر، فكيف يريد أن يربي نفسه على عبادة الله جل وعلا؟ كيف يريد أن يذلل نفسه لله جل وعلا؟ انظر إلى الله ماذا يخاطب نبيه ﵊: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [المزمل:١ - ٢] قم الليل كله، ثم قال: إلا قليلاً ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل:٤] نعم! بماذا يقوم؟ ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:٤] لِمَ يا رب هذا القيام؟ ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل:٥] وننصح الدعاة إلى الله جل وعلا بقيام الليل لأنك سوف تجد أمراً ثقيلاً، فاستعين بالعبادة على الأمر الثقيل: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣]. سفيان -عليه رحمة الله- أتعرف كيف كان يقوم الليل، وكيف كان يتعبد الله جل وعلا؟ أيها الإخوة! الواحد فينا يضحك ويحتقر نفسه أنه يصلي الصلوات الخمس، ويتنفل باثنتي عشرة ركعة، ويوتر قبل أن ينام، يقول ﵊: (لو أن أحدكم يجر على وجهه في سبيل الله) هل أحد منا يجر على وجهه في سبيل الله؟ يقول: (منذ أن ولد إلى أن يموت) تخيل إنسان هذه عبادته منذ ولادته يجر على وجهه إلى أن يموت، كل هذا في سبيل الله، قال: (لحقره يوم القيامة) لأتى يوم القيامة واحتقر عمله كله. أخي الكريم! انظر لعبادتك كم هي؟ حتى إن الواحد ينسى منذ متى قام الليل أو صام التطوع، بل متى ختم القرآن، بل منذ متى هلل مائة مرة بعد صلاة الفجر؟ عبد الله! لنعرف أنفسنا ولنقدر أنفسنا حقها. كان سفيان -عليه رحمة الله- يقوم الليل، فإذا أذن الفجر وضع رجليه على الحائط لماذا؟ حتى يرجع الدم إلى رأسه من شدة قيامه لليل: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً﴾ [الزمر:٩] وهذه الآية نزلت في عثمان، يقول ابن عمر: [والله إنها نزلت في عثمان بن عفان ﵁] تعرف كيف كان فعله؟ ﴿قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً﴾ [الزمر:٩] وهو يقود أمة، خليفة من خلفاء المسلمين حينما وقعت الفتنة وحوصر جاءه الصحابة فقالوا له: ندفع عنك الثوار؟ قال: لا. وفدى بنفسه لهذه الأمة؛ قال: اتركوهم. قالوا: نقاتل معك؟ قال: لا تقتلوا أحدا، ً وكان في البيت يقرأ القرآن حتى يروى أنه كان يختم القرآن في ليلة، فكان يقرأ القرآن وزوجته عنده، فكسر الثوار الباب، ثم دخلوا عليه في البيت، ثم طعنوه تسع طعنات بخنجر، وتطاير الدم على المصحف، حتى قال هذا الشقي: أما ثلاث فلله -ثلاث طعنات- وأما الست فلشيء في نفسي! وكذب والله؛ فإن التسع كلها ليست لله جل وعلا، بل كلها لشيء في نفسه، فبكت زوجته ثم قالت: قتلتموه وإنه ليحيي الليل كله بالقرآن: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً﴾ [الزمر:٩] لِمَ كل هذا يا عثمان؟! لِمَ يا أبا بكر؟ لِمَ هذا يا عمر؟ ما الذي تفعله بنفسك يا علي لِمَ كل هذا؟ ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]. عبد الله: سل نفسك: هل يسمع القرآن في بيتك؟ هل إذا جاء الليل توقظ الزوجة لقيام الليل؟ سلي نفسك يا أمة الله: هل تقومين في الليل وتوقظين الزوج؟ (رحم الله رجلاً قام يصلي فأيقظ زوجته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة أيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) هل نرى بيوتاً مثل هذه البيوت؟ تمر في الليل فتسمع الزوج يقرأ والزوجة تصلي وراءه قيام الليل؟ هل هذه البيوت موجودة؟ هل بيتك هكذا؟ حتى إن بعض بيوت السلف كان لا يمر عليهم دقيقة في الليل إلا وأحدهم يصلي. كما يذكرون أن بيتاً كان فيه أم وابنيها، وكانوا صالحين، وكانوا يجزئون الليل ثلاثة أجزاء، ثلث يقوم هذا، وثلث يقوم هذا، وثلث تقوم الأم، فلما ماتت الأم جزءوا الليل نصفين كل واحد يقوم نصف الليل، فلما مات أحدهما كان الآخر يقوم الليل كله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩] هذا هو العلم ليس العلم أن نحفظ مسائل فقط، ليس العلم أن ندرس كتباً فقط ثم لا نقوم الليل، ولا نصوم النهار، ولا تدمع العين، ولا نرفع اليد ندعو الله جل وعلا. اسمع إلى مسروق -عليه رحمة الله- هذا الرجل كان يقوم الليل وتجلس زوجته خلفه تبكي رأفة لحاله من شدة قيامه لليل، تقول: فإذا أذن الفجر يزحف كما يزحف الصبي: عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه يا عبد الله! الذي يخذل في قيام الليل، وفي صلاة الفجر، يخذل في الجهاد في سبيل الله. اسمع لـ ابن المبارك، أحد المجاهدين، تعال إليه في الليل! إذا نام الناس قام إلى الفجر يصلي، فإذا أصبح الصباح رفع السلاح مجاهداً في سبيل الله، هذه هي العبادة يا عباد الله! ليس أننا أمام الناس صالحين، وأمام الناس ساجدين راكعين، فإذا جئنا في البيت، وإذا جن الظلام، وإذا نزل الرب إلى السماء الدنيا لا تجد من يقوم لله جل وعلا، ولا تجد عبادة السر، ولا تجد صيام نافلة ولا قرآن ولا تدمع العين! عبد الله: اسمع إلى زوجة رياح، وكان رجلاً صالحاً، فتزوج امرأة فكانت أصلح منه، فأراد أن يختبرها في ليلة العرس -ليلة الزواج- فنام الرجل، فلما نام قليلاً قامت الزوجة لتصلي في الليل، كانوا متعودين على القيام، قالت له: قم يا رياح وصلِّ؟ فقام فقال: لا زال في الوقت متسع، ثم نام وهي تصلي، ثم لما صلت شيئاً قليلاً، قالت له: قم يا رياح! فقام ثم قال: لا زال في الوقت متسع، وهو يختبرها، وهو أحد القائمين، الراكعين الساجدين، لكن أراد أن يختبر المرأة، ثم نام قليلاً حتى اقترب الفجر، قالت له: قم يا رياح فقال: لا زال في الوقت متسع، فلما أذن الفجر، قالت: قم يا رياح! فلما قام، قالت: ما الذي غرني بك يا رياح؟ ما الذي غرني برجل لا يقوم الليل إلا لصلاة الفجر. عباد الله: هل هذه هي أحوالنا لا نقوم إلا لصلاة الفجر؟ هذا رجل قام لصلاة الفجر، فقيل للنبي ﷺ : (يا رسول الله! فلان نام حتى الفجر- قام يصلي الفجر لكنه ما قام يصلي الليل -قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنه). لو جاء رسول الله ﵊ ونظر إلى أحوال المسلمين حتى الفجر إلا من رحم الله ماذا سوف يقول؟! هل هي فقط قضية بال الشيطان في أذنه أم أن الأمر أخطر وأكبر؟

стр. 574

تربية النفس على الورع أيضاً من مقامات العبودية بينك وبين الله: أن تربي النفس على مقام يسمى الورع، وهو مقام عظيم لا يصله إلا قليل من الناس، وهو أن تترك المكروه خشية أن تقع في الحرام، وتفعل المستحبات خشية أن تترك الواجبات، حتى قيل عن بعض الصالحين: إنهم تركوا كثيراً من المباح خشية أن يقعوا في الحرام، وشق الواحد على نفسه خشية أن يقع في يوم من الأيام في الحرام، اسمع إلى النبي ﷺ وهو يمر في الطريق فيرى تمرة، فتركها؛ لأنه ﷺ خشي أن تكون هذه التمرة من تمر الصدقة؛ لأنهم معشر آل النبي ﷺ حرم الله عليهم هذه القاذورات والصدقات، فرماها النبي ﷺ تورعاً. اسمع لـ أبي بكر ﵁ وهو يأكل طعاماً صنعه له غلامه، ثم قال أبو بكر بعد أن أكل الطعام: من أين لك هذا الطعام؟ قال: جئت به من مال؟ قال أبو بكر: من أين حصلت على هذا المال؟ قال هذا الغلام: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية. ونحن نعرف أن الكهانة والشعوذة والعرافة كلها شرك بالله جل وعلا، يقول: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، فأعطاني مالاً، واشتريت به طعاماً وأعطيتك، الآن أبو بكر معذور لأنه أكل الطعام وهو لا يعلم، فكان يكفيه أن يستغفر الله جل وعلا وينتهي الأمر، لكن انظروا إلى ورع أبي بكر أتعرف ماذا فعل؟ وضع إصبعه في حلقه حتى أخرج كل الطعام الذي في باطنه، قال: [والله لو لم تخرج إلا مع خروج روحي لأخرجتها] تعرف لِمَ يا عبد الله؟ إنه الورع! الواحد منا الآن يسأل: هل هذه المعصية صغيرة أو كبيرة؟ تعرف لِمَ؟ لأنه إذا كانت صغيرة يقول: ليس فيها بأس، وإذا كانت كبيرة يكف عنها، ولم يعلم أن الإصرار على المعصية كبيرة، وقد قال السلف: "لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى عظم من عصيت". الإمام أحمد واسمع لهذه القصة العجيبة التي تتحدث عن امرأة بلغت القمة في الورع، هذه المرأة جاءت تسأل الإمام أحمد، فتقول له: يا إمام! نغزل على سطوحنا فتمر بنا مشاعل الظاهرية -أي: حرس الإمام أو الحاكم يمرون بجوار البيت وعندهم مشاعل أو سرج- فيقع الشعاع علينا، قالت: فهل يجوز الغزل في ضوئها؟ أي: هل يجوز أن ننسج الثياب بهذه الأضواء، لأن هذه الأضواء لعلها جاءت من حرام، ولعل هذا الضوء لا يحل لنا أن نستفيد منه هل سمعت بهذا الورع؟! إنسان يخاف أن يستخدم الضوء الذي يأتيه لعله من حرام! تقول: هل يجوز لنا أن نغزل في هذا الضوء؟ فقال الإمام أحمد: من أنتِ؟ فقالت هذه المرأة: أنا أخت بشر الحافي - وهو أحد الورعين والصالحين الزاهدين، زهدوا في الدنيا، فبكى الإمام أحمد ثم قال: من بيتكم يخرج الورع، ورع وأي ورع يا عباد الله؟! الآن المرأة تقول لزوجها: ادخل في هذه التجارة أو ساهم في هذه الشركة، يقول الرجل: والله كأن فيها ربا، فتقول: كل الناس يفعلونه، ليس هناك بأس أن ندخل في هذه التجارة، لعلنا نكسب بعض المال انظروا -يا عباد الله- إلى ضعف الإيمان، وقلة الورع، وضعف اليقين بالله جل وعلا.

стр. 575

تربية النفس على التقلب بين الصبر والشكر أيضاً من المقامات -يا عبد الله- بينك وبين الله جل وعلا أن تتقلب بين الصبر والشكر، وإياك والثالث، فأنت إما أن تكون صابراً وإما أن تكون شاكراً: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن). اسمع يا -عبد الله- إلى أصحاب النبي ﵊ في مكة أتعرف ما الذي جرى بهم؟ حاصرهم المشركون في شعبٍ حتى إنهم كانوا يتضورن من الجوع، والأطفال يبكون، والمشركون أمامهم يأكلون من اللحوم والأطعمة، حتى إن الصحابة من شدة الجوع أكلوا أوراق الشجر! انظر يا عبد الله إلى هذه الحالة التي كانت عند الصحابة، والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]. ماشطة ابنة فرعون، كانت تمشط شعر بنت فرعون؛ فإذا بالمشط يسقط من يدها، فقالت هذه الماشطة: باسم الله! وأخذت المشط، فقالت البنت: من؟ أتعنين أبي؟ فقالت الماشطة المؤمنة: بل ربك ورب أبيك الله رب العالمين! فقالت البنت: سوف أخبر أبي؟ فقالت الماشطة: أخبريه وليكن ما يكون انظروا يا عباد الله! على الثبات، فاستدعاها فرعون، وتعرفون من هو فرعون! الذي قتل الرجال، واستحيا النساء، واستعبد الناس، الطاغية الذي كان يقول: أنا ربكم الأعلى! وهل تعرف من وقفت أمامه؟ إنها امرأة خادمة، كانت ماشطة لبنت فرعون! هذا الموقف الذي لا يستطيع أن يقفه الرجال الأشداء ووقفته تلك المرأة. فقال فرعون لها: يا ماشطة! ألك رباً غيري؟ فقالت الماشطة: نعم! ربي وربك الله رب العالمين، انظر للجرأة وللقوة، قالت: ربي وربك الله رب العالمين، قال: يا ماشطة! توبي وارجعي، قالت: ربي وربك الله رب العالمين، فجاء فرعون بأطفالها الصغار -والأم لا تصبر على أذية أولادها حتى لو كان في ذلك موتها- فجاء بقدر فيه زيت، ثم أحماه حتى أصبح يغلي، ثم جاء بأولادها واحداً تلو الآخر، ورماهم في القدر أمام أمهم وهم يبكون، واللحم ينفصل عن العظم! انظر يا عبد الله إلى هذا الموقف! هل تتحمله أنت أيها الرجل؟! والمرأة صابرة رابطة الجأش، فقالت له: أطلب منك طلباً، فظن فرعون أنها سوف ترجع، فقال: ما هو؟ قالت: أطلب منك أنك إذا قتلتني أن تجمع عظامي وعظام أولادي فتدفننا في قبر واحد: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة:٢١٤]. يا عبد الله: لا تظن أن النعمة تدوم، ولا تظن أن الأمر ميسر إلى أبد الدهر لعلك تبتلى، حتى قال ﵊ لـ حذيفة: (أحصني كم يلفظ الإسلام؟ قال: لِمَ) هذا أول إحصاء في الدولة الإسلامية، قال: (أحصني كم يلفظ الإسلام؟ قال: ولِمَ؟ قال: أربعمائة نفس، قال ﵊ لا تدري لعلكم أن تبتلوا) يقول حذيفة: مرت علينا أيام لا يستطيع أحدنا أن يقضي حاجته. اسمع لـ أبي ذر ﵁، لما أسلم قام في الناس، وهو ينطق الشهادتين، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فجاءه المشركون يضربونه من كل جهة، حتى أدموه فصار كتمثال من الدم، حتى جاء العباس يفكهم عنه وكان مشركاً في تلك الأيام، ثم جاء في اليوم الثاني هل أيس؟ وهل تراجع؟ وجاء في اليوم الثاني وقام بين المشركين وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وهم يضربونه حتى صار كتمثال من الدم، وجاء في اليوم الثالث يعلنها صريحة يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صبروا يا عبد الله! أسمعت بلالاً كيف كان يجر على الرمضاء؟ أما سمعت ببعضهم كان يحمى الحديد حتى يحمر، ثم يطفأ في ظهره، وبعضهم كان ينام على الجمر، وكان أحدهم يقول: أحد أحد، صابر على دينه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]. المقام الثاني: الشكر: اشكر النعمة التي أنت فيها، وأخص النساء ممن لا يشكرن نعمة الله جل وعلا عليهن، واسمع يا عبد الله! إلى هذا الموقف الذي يذكره أحد المشايخ، وقد نقلته تقريباً بالنص، ولعلك تقول لي: هذا من نسج الخيال، لكن أقول لك: إن هذا الموقف حال كثير من الناس، ممن لا يشكرون نعمة الله جل وعلا، ممن يرزقهم الله رزقاً حلالاً، ينامون في بيت واسع، ورزقهم الله زوجة صالحة، ورزقها الله زوجاً صالحاً وأولاداً وذرية ولكن لا يشكرون نعمة الله، يريدون أكثر من هذا بالحرام، اسمع إلى هذه المرأة تقص حالها، وحال كثير من النساء، ولعلك تعتبر بهذه القصة، ثم انظر حال كثير من الناس. تقول هذه المرأة واصفةً نفسها مع زوجها وكيف أنها كفرت نعمة الله، تقول: كنا معاً في أطيب حال، وأهنئ بال، زوجين سعيدين متعاونين على طاعة الله، عندنا القناعة والرضا، طفلتنا مصباح الدار، ضحكتها تفتق الزهور، إنها ريحانة تهتز، فإذا جن علينا الليل ونامت الصغيرة، قمت مع زوجي نسبح الله، يؤمني ويرتل القرآن ترتيلاً، نعمة وأي نعمة، لا يحصل على هذه النعمة كثير من الناس، يتمنونها فلا يحصلون عليها، وتصلي معنا الدموع، في سكينة وخشوع، كأني أسمعها وهي تفيض قائلة: إنا إيمان فلان وفلانة، وذات يوم -اسمع لكفر النعمة- أردنا أن تكثر عندنا الفلوس، اقترحت على زوجي أن نشتري أسهم ربوية -انظر الإغراء- لتكثر عندنا الأموال وندخرها للعيال-انظروا الحجة- ووضعنا فيها كل ما نملك، حتى حلي الشبْكة، تقول: ثم انخفضت أسهم السوق، وأحسسنا بالهلكة، فشربنا من الهموم كأساً، وكثرت علينا الديون والتبعات، فعلمنا أن الله يمحق الربا ويربي الصدقات، وفي ليلة حزينة خلت فيها الخزينة، تشاجرت مع زوجي فطلبت منه الطلاق، فصاح: أنت طالق، أنت طالق، فبكيت وبكت الصغيرة وعبر الدموع الجارية تذكرت جيداً يوم أن جمعتنا الطاعة وفرقتنا المعصية: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]. عبد الله: لا تنظر إلى من هو أقوى منك وأكثر منك، وأفضل منك نعمة، لكن انظر إلى من هو دونك، ولا تزدري نعمة الله جل وعلا. عبد الله! هذا هو القسم الأول الذي أردت أن أتحدث عنه.

стр. 576

تربية النفس في معاملتها مع الخلق القسم الثاني -وهو أمر مهم-: أن يربي الإنسان نفسه في تعامله مع الناس، مع إخوانه في الله جل وعلا، اسمع يا عبد الله إلى هذه المقامات التي لا بد أن نتحلى بها، في تعاملنا مع البشر، ربِّ نفسك عليها، ولا تظن أن هذه الأوراق صفراء وقديمة، وهذه الأمثلة من نسج الخيال ولا يمكن أن توجد في صفحاتنا اليوم، لا يا عبد الله! يمكنك أن تعمل بها وأنت تربي نفسك على هذه الأخلاق وتلك المقامات، فاسمعها يا عبد الله وعشها ثم حاسب نفسك هل أنت تتعامل بهذه الأمور أم لا؟

стр. 577

تربية النفس على التواضع مع الخلق أول ما تربي نفسك على التواضع، أن تذل نفسك بين الناس، هل جربت أن تمشي بين الناس وتعتبر نفسك أذلهم وأحقرهم وأدناهم منزلة؟ هذا رجل يسمى: بكر بن عبد الله المزني أحد الصالحين الزاهدين، رجل سطره التاريخ في زهده وعبادته، يوماً من الأيام كان واقفاً في عرفة، تعرف ما الذي يحصل في عرفة؟ الناس بين باكٍ وخاشع وساجد وراكع وداعٍ لله جل وعلا، في عرفة تكثر الدموع والبكاء، وبكر بن عبد الله المزني جالس في عرفة -لعل هذا الرجل أفضلهم- قال: لا إله إلا الله، لولا أني فيهم لقلت: قد غفر الله لهم، قال: المصيبة أني موجود بينهم، لو كنت خارجاً عنهم لجزمت أن الله قد غفر لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤] على إخوانهم في الله، على عباد الله الصالحين ذليل، أما شدته وقسوته على من؟ ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] كم تجد من الناس مع النصارى واليهود ذليل؟ متواضع لين هين ومع إخوانه في الله قاس كم ترى من الناس أمثال هؤلاء؟ موقف آخر في هذا المقام: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، هذا التابعي أبوه وجده صحابيان، وهو من أشرف التابعين في علمه وعبادته، هذا الرجل كان في منى، وأظن من حج منكم يعرف كيف يكون الناس في منى، زحام وكل واحد يدفع الثاني في زحام منى، هذا الرجل كان يمشي في منى فإذا برجل يدفعه، فالتفت إليه سالم، تظنه ماذا يقول؟ ولِمَ التفت سالم إليه؟ قال الرجل لـ سالم بن عبد الله: إني لأظنك رجل سوء، سبحان الله! أولاً دفعه ثم شتمه، والآن ماذا تظن سالم يرد عليه، تخيل يا عبد الله! تمشي في الطريق فيدفعك رجل، فتلتفت إليه فلا يتأسف، ويسبك، ويقول: أنت رجل سوء، كيف ترد عليه يا عبد الله؟! تعرف ماذا قال سالم؟ قال: والله ما عرفني إلا أنت: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] قلوب متواضعة لينة، الواحد يحقر نفسه، حتى قال بعضهم في تعريف التواضع: ألا ترى لنفسك حقاً أو فضلاً على أحد، فتظن أن الناس كلهم خير منك.

стр. 578

تربية النفس على نقاء النفس مع المسلمين المقام الثاني: تربي نفسك على هذه المقامات، فالقضية ليست آيات نحفظها، أو دروس نحضرها ثم نصلي بعض الصلوات ثم ماذا؟ النفس-نسأل الله العافية- لا يتحملها إنسان، واسمع إلى المقام الثاني وهو مقام عظيم، بل سوف نعرف أن هذا المقام لا يصل إليه إلا قلة من الناس ممن اصطفاهم الله جل وعلا، سلامة الصدر والقلب للناس. هل جربت يوماً من الأيام، أن تنام وليس في قلبك على أحد من المسلمين غل، هل جربت يوماً من الأيام أن تنام وليس في قلبك على أحد حقد. اسمع إلى هذا الحديث، يقول ﵊: (يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة) يقول الصحابة: فخرج رجل، وهذا الرجل غير معروف، نعلاه تحت إبطه، ولحيته يقطر منها أثر الوضوء، فعجبنا من أمره وهو يمشي على الأرض وهو مبشر بالجنة، ثم قال في اليوم الثاني: (يطلع عليكم رجل من أهل الجنة) فخرج نفس الرجل، وفي اليوم الثالث نفس الرجل: (يطلع عليكم رجل من أهل الجنة). عبد الله! تخيل أنك مبشر بالجنة وتمشي على الأرض، تتمنى أن تموت اليوم قبل الغد، من أهل الجنة! يقول عبد الله بن عمرو فتبعته وطرقت الباب عليه، فقلت: يا فلان! إني قد لاحيت أبي -صارت بيني وبين أبي خصومة- وأقسمت ألا أرجع إليه ثلاثة أيام، فإن شئت أن تضيفني، فقال: تفضل، يقول ابن عمرو: جلست عنده ثلاثة أيام، فما رأيته كثير عبادة ولا كثير صوم ولا شيء -أي: يقوم الليل لكنه قليل والصحابة أكثر منه في قيام الليل وصيام النهار- يقول: فجئته في اليوم الثالث فأخبرته الخبر، فقلت: يا فلان سمعت رسول الله يقول عنك كذا وكذا، فأخبرني عن حالك؟ قال: يا فلان! ليس إلا ما رأيت- أي: ما عندي عبادة أكثر من هذه التي رأيتها - فذهب عبد الله ثم ناداه، فقال: يا بن أخي! تعال ارجع، قال: فرجعت، فقال لي: تذكرت أمراً، قال: إنني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً ولا أحسد مسلماً على خير آتاه الله إياه، فقال الصحابي: هذه التي بلغت بك. نعم! هذه التي أدخلتك الجنة، ثم قال: وهي التي لا تطاق، يقول الصحابي: هذه المنزلة لا تطاق. وهذه المنزلة عظيمة يا عبد الله! ولا تخدع نفسك فتقول: أنا لا أحمل في نفسي أبداً، فتش وفتش، فسوف تجد في نفسك على فلان غلاً، وعلى فلان حقداً، وعلى فلان حسداً، ولفلان غش، ولفلان كره، وعلى فلان إساءة ظن. يا عبد الله! هلا سلمت صدرك، يقول الله جل وعلا عن المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] اسمع للدعاء: ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] (هل يستطيع أحدكم كـ أبي ضمضم؟ من أبو ضمضم يا رسول الله؟! قال: هذا رجل كان إذا أصبح يقول: اللهم إني قد وهبت نفسي وعرضي فلا يشتم من شتمه، ولا يظلم من ظلمه) كل يوم يقول: يا رب! كل من تكلم فيَّ فقد حللته، هلا جربتها لتسلم صدرك وتدعو لإخوانك بالعفو، ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]. بعض الصالحين وللأسف -وهذا إذا كان في بعض الصالحين كيف لك بغيرهم- تجده يتذكر لأخيه موقفاً قبل عشر سنوات! وإلى اليوم لم ينسه وما عفا عنه، إلى اليوم يقول: لا أعفو عنه حتى يأتيني ويعتذر لي. سبحان الله! أين هذه المقامات التي بلغها أولئك؟ سامح أخاك إذا خلط ممن أصابك بالغلط وتجاف عن تعنيفه إن زاغ يوماً أو قسط واعلم بأنك إن طلبت مهذباً رمت الشطط من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط تريد يا عبد الله من إخوانك ألا يخطئوا لن تجد أحداً من الناس مبرأ من الزلل والخطأ.

стр. 579

تربية النفس على إحسان الظن بالناس اسمع يا عبد الله إلى المقام الثالث! وهو مقام عظيم جداً، وأيضاً أقول لك: من الصعب أن تجد من الناس من يقوم بهذا المقام؛ وهو مقام إحسان الظن، أن يخطأ عليك إنسان أو يتكلم بكلمات فتحسن الظن به كم وكم من الناس -والله يا إخوة- لا يتحمل الكلام، بل يحمله على أشد محمل، فتجده يقول: ما تكلم إلا وهو يقصدني، وما تكلم إلا وهو يريد كذا وكذا، وما قال هذه الكلمات إلا وهو يريد كذا وكذا، وما أدراك؟ أشققت عن قلبه؟ هل فتشت فيه؟ هلا جئت وسألته! اسمع يا عبد الله! إلى أولئك السلف الذين سلمت صدورهم وقلوبهم لإخوانهم، يقول ابن معين: إنا لنطعن على أقوام -أتعرف من هو ابن معين؟ إنه جراج ليس في الطب، بل جراح، أي يقول: فلان ثقة فلان كذاب فلان وضاع وعلمه هذا واجب وخدمة لدين الإسلام، يقول: إنا لنطعن على أقوام لعلهم حطوا رحالهم في الجنة، يقول: أنا أتكلم في أناس يمكن أنهم دخلوا الجنة ونتكلم فيهم، انظر إلى الورع وإلى إحسان الظن في إخوانهم، واسمع إلى المقامات: من المقامات التي ذكرناها قبل قليل العفو والصفح، واسمع للإمام أحمد مع المعتصم، الإمام أحمد جلد جلداً لو جلد هذا الجلد بعير لمات، حتى كان بعضهم يجلده فإذا تعب أتاه آخر فيجلده حتى يسقط على الأرض ويستمرون في الجلد. وهذا الإمام عندما أطلق سراحه، جاءه طبيب يعوده، فلما نظر إلى ظهره قال: يا إمام! لقد مات الجلد -أي: اللحم- ولا بد أن يستأصل ونقطع اللحم، قال: وإلا استشرى في الجسد، فتموت وتهلك، وما عندهم بنج ولا مخدر، فاستلقى الإمام أحمد على بطنه، وجاء الطبيب بالمشرط، أتعرف من السبب في هذا كله؟ إنه المعتصم الذي أمر بجلد الإمام أحمد، وهو السبب في هذا كله، وهل الإمام أحمد مخطئ أو ظالم؟ لا والله، إنه يحمي عقيدة المسلمين، عقيدة أهل السنة. فجاء الطبيب وأخذ يقطع لحمه، فلما بدأ بالقطع وضع الإمام أحمد يده على رأسه، فلما بدأ بالقطع قال الإمام أحمد: اللهم اغفر للمعتصم، اللهم اغفر للمعتصم: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]. بكى في ليلة من الليالي بكاء شديد، فقال أهله وتلاميذه، بكيت الليلة بكاء ليس ككل ليلة، ما الذي جرى؟ قال: مر علي في الدرس آية أتعرف ما هي هذه الآية؟ ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠] فتذكرت المعتصم، فقمت الليل وبكيت في السجود ودعوت الله أن يحله. أيها الإخوة: هذه مقامات عظيمة، وهذه النفس إذا لم تترب على هذه المقامات ولم تذل لله جل وعلا، وتذل نفسها لإخوانها -والله يا إخوة- فلن ينصرنا الله جل وعلا، ولذلك تجد هذه الدعوة دائماً تتقدم ثم تتأخر، ومع هذه الأعمال والجهود المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يقتلون لِمَ هذا يا عبد الله؟ النفوس ضعيفة، ولهذا من قال: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم في أرضكم. ونختم بهذه القصة حتى نعلم أيها الأخ الكريم أن هذه النفس تحتاج إلى تربية، ونتيقن أنها مراحل عظيمة حتى نصل إلى هذه المستويات، فاسمع يا عبد الله! إلى هذه القصة الأخيرة، وهي قصة الحسن بن الحسن ﵁، فقد دخل على علي زين العابدين -وقد سمي بـ زين العابدين من شدة عبادته- وهو جالس بين تلاميذه فدخل عليه الحسن، فأغلظ له في الكلام وكان بينهم خصومة وخلاف، فشتمه وسبه وتكلم فيه، ولم يرد عليه زين العابدين بكلمة واحدة حتى انتهى من سبه وشتمه ثم ذهب، فجاءه في الليل، وطرق الباب عليه، ففتح الحسن بن الحسن الباب، وتعجب من زين العابدين هل جاء الآن يأخذ حقه؟ هل جاءه يسبه الآن ويشتمه؟ أتعرف ماذا قال؟ سلم ثم قال: يا فلان! إن كان حقاً ما قلته فغفر الله لي، وإن كان كذباً فغفر الله لك، والسلام. ثم ولى وتركه، فجاء الحسن بن الحسن في الطريق وأمسكه وعانقه، ثم بكى وطلب منه أن يحله، ثم قال: والله لا أعود إلى أمر تكرهه أبداً ما حييت: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠]. وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 580

الشباب والتحديات المعاصرة إن شباب الأمة الإسلامية يواجهون اليوم تحديات كبيرة من اليهود والنصارى، تحديات الشبهات والشهوات الواردة من حضارتهم الزائفة، فيجب على شباب الإسلام العودة إلى كتاب ربهم، فلقد قص علينا قصص الشباب والفتيان في الأمم الماضية، وفي عهد أصحاب النبي ﷺ ، فلتكن لنا بهم أسوة.

стр. 581

قصة أصحاب الكهف الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: الشباب المسلم أمام التحديات المعاصرة، الشباب، الفتيان، الرجال، كلمات متقاربة في العصور الأولى، حمل دين الإسلام الرجال والشباب، وبداية الدعوة حمل هذا الدين الشباب، وسوف يحمل هذا الدين الشباب، قال الله جل وعلا حاكياً قصة فتيانٍ سماهم أهل الكهف، كانوا يعيشون بين الملوك، وكانوا من أبناء الملوك، يعيشون في القصور على الحرير والديباج، يأكلون أفضل المأكولات ويلبسون أفضل اللباس، ويسكنون القصور، هؤلاء الشباب وأولئك الفتيان علموا أنهم لا يعبدون الإله الحق، ماذا قال الله جل وعلا عن حالهم؟: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الكهف:١٣] فتية، انظر كل كلمة في القرآن لها حكمة، الله يريد أن يميزهم قال: فتية: فتيان صغار، لكن انظر كيف كان شأنهم؟ ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ [الكهف:١٣ - ١٤] هربوا من قومهم وتوجهوا إلى الكهف فكان من شأنهم ما كان.

стр. 582

قصة الغلام المؤمن والراهب قصة أخرى: غلام يعيش في قصر الملك، والقرآن والسنة يحدثانا بأنباء الشباب والفتيان الذين كان لهم شأن عظيم، اسمع إلى قصة هذا الغلام: أجبره الملك أن يذهب يتعلم السحر من ساحر كافر، وهذا الساحر وذلك الشعب لا يؤمن بالله، والساحر يعلمه السحر ليكون خليفة له في السحر، وكان الغلام الشاب الصغير يمر في طريقه على راهب يتعلم منه الإيمان والتوحيد، وكل يوم هذا حاله، يمر على راهب يعلمه الدين، وساحر يعلمه الكفر برب العالمين، لكن الغلام مؤمن، صادق الإيمان، انفضح أمره، وانكشف سره، فهدده الملك، أقتلك أو ترجع عن دينك؟ والقصة تعلمها، لكن أرجو منك أن تتخيلها: غلام صغير شاب أمام ملك طاغية جبار، قتل أمامه أناس، فقال الملك للغلام: ترجع عن دينك وإلا أقتلك؟ قال: لا أرجع عن ديني. فأرسله مع الجنود ليرمى به في البحر فيغرق، فلما توسط البحر، -تخيل الموقف- فلما وصلوا به إلى البحر وأرادوا أن يرموه في البحر ليغرق، رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم اكفنيهم بما شئت يا رب! أنت حسبي أتوكل عليك أن تكفيني هؤلاء الجنود، فاهتز المركب بالجنود وسقطوا وغرقوا جميعاً ولم يبق إلا الغلام. من الذي نجاه؟ من الذي نصره مع أنه غلام صغير مربوط أمام جنود؟! إنها سنة الله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١]. هل تظنه هرب؟ لكنه رجع إلى الملك ولو كان أحدنا مكانه الآن فأقل شيء يفكر فيه الهرب، ولكن الغلام قضيته أكبر، قضيته أن يدعو إلى الله، أن يؤمن الناس برب العالمين وإن مات، رجع يمشي على رجليه إلى الملك مرة أخرى، فخاف الملك منه، وقال: ما الذي جاء بك؟ أين الجنود؟ كيف لم تمت؟ فأخبره بالخبر. قال: الآن أقتلك حقيقة، وأرسله مع جنود آخرين يرفعونه إلى أعلى جبل ليرموه من هناك إلى الأرض فيهلك، والغلام مربوط مقيد، غلام صغير يكفي أن يقتله رجل واحد، ولكنه يرسل معه الجنود خوفاً ورعباً ووجلاً؛ لأن الكلمات التي يقولها تقذف في أنفسهم الرعب، فلما صعدوا به إلى أعلى الجبل -انظر إلى الغلام، انظر إلى الصفاء والنقاء، انظر إلى التوكل- قال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فما هي إلا ثلاث كلمات وإذا بالجبل يهتز، فيسقط الجنود ويبقى الغلام. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، إنها جنود من جنود الله، هذه الجبال، وتلك الرياح، وهذه البحار، كلها جنود لله جل في علاه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] سقط الجنود، ورجع الغلام يمشي على قدميه إلى الملك، أنا أريد أن أخبرك أن هذا غلام ليس رجلاً كبيراً هذا غلام صغير. فلما دخل على الملك المرة الثالثة، خاف الملك منه واقتنع الملك أن في الأمر شيء غريب، فقال له الغلام: أتريد أن تقتلني؟ قال: نعم. قال: إذا أردت قتلي فاسمع ما أقوله لك. قال: إذا أردت أن تقتلني فأنا أدلك، الغلام يريد أن يدعو إلى الله، وأن يدخل الناس في الدين لو على حساب موته. قال: اجمع الناس على صعيد واحد وعلى أرض واحدة، كل الناس النساء والرجال -هو الآن يريد أن يعرف الناس التوحيد، يقيم عليهم الحجة أو يهتدوا- ثم اربطني في جذع شجرة، ثم خذ سهماً من كنانتي، لا تأخذ أي سهم، وإنما سهم من كنانتي أنا، ثم أنت الذي ترميني ليس غيرك، وقبل أن ترميني ترفع صوتك أمام الناس وتقول: بسم الله رب الغلام، ثم ترميني بالسهم وإنك بهذا قاتلي، وليس هناك طريقة أخرى لقتلي إلا هذه. الملك الآن نسي كل شيء أهم شيء عنده أن يموت الغلام وأصبح تفكيره أقتل الغلام ثم أفعل بعد هذا ما أفعل، فجمع المك الناس في صعيد واحد، ويا له من منظر، الغلام يدل الملك على قتله، ويمكن البعض منا وقف أمام المقصلة أو المشنقة يريد أن يقتل إعداماً يسقط على الأرض ويغمى عليه قبل الموت وقبل الإعدام، وأناس يصرخون، وبعضهم من شدة خوفهم قد انتفخت بطنه ورأي هذا، وبعضهم مات قبل أن يعدم من الخوف، وهذا الشاب الصغير بكل ثقة وهدوء يربط على تلك الشجرة، والناس كلهم مجتمعون ينظرون، النساء والرجال والأطفال والجنود، والملك يأخذ سهماً من كنانة الغلام، ويريد أن يرمي بالسهم ثم يقول قبل أن يرمي بالسهم: بسم الله رب الغلام، ثم يرمي بالسهم فيأتي السهم على صدر الغلام ويسيل الدم ثم يموت الغلام. فلما مات الغلام بدأ الناس كلهم يهللون: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله رب الغلام، لا إله إلا الله رب الغلام، فالتفت الملك ما الذي حدث؟ ما الذي جرى؟ انفجرت المدينة بالإيمان، انطلق التوحيد، الملك استغرب من الأمر، هذا الذي كان يخشاه، بدل الغلام صار الآن أمة كاملة، أراد أن يقضى على مؤمن صغير، فما علم أن أولئك الناس كلهم سيؤمنون، انطلق الناس بالإيمان. قال لجنوده: مروهم بالكفر والردة، فما استطاعوا، قال: احفروا لهم الأخاديد والحفر، حُفروا لهم الحفر وأشعلوا فيها النيران، أخذوا الناس واحداً واحداً: ترتد عن دينك أو نرميك في النار؟ هو يرمي بنفسه في النار، كلما جاءوا لواحد يرمونه في النار وهو يقول: لا إله إلا الله رب الغلام، لا إله إلا الله رب الغلام، آمنت بالله رب الغلام، ويرمى الناس في تلك النيران، والملك يشاهد ويتعجب، شعبه كله يحترق، أي إيمان هذا؟ أي دين هذا؟ أي عقيدة تلك؟ حتى جاءوا بامرأة تحمل رضيعاً صغيراً، قالوا لها: ترتدين عن دينك وإلا رميناك في النار؟ قالت: ارموني في النار ولكن اتركوا الغلام يعيش، قالوا: بل نرميه معك، فترددت المرأة، هذا الغلام ترمونه معي في النار، ما ذنبه؟ ما جريمته؟ تخيل طفل صغير ترددت المرأة وكأنها أرادت الرجوع، ولكن الله أنطق الغلام في المهد فقال: يا أماه أثبتي فإنك على الحق، فرمت بنفسها ورضيعها في النار: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج:٨ - ٧] كلهم شهود ينظرون إلى الناس يحترقون: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج:٨ - ٩] هذه القصة العظيمة التي نقرؤها إلى قيام الساعة من بطلها؟ إنه غلام صغير، إنه شاب أيها الرجال! غلام صغير آمنت أمة كاملة بسببه!

стр. 583

صور من حياة شباب الصحابة محمد ﵊ يبعث لهذه الأمة بشيراً ونذيراً، يأتي إلى خديجة، تأخذ بيده إلى من؟ إلى ورقة بن نوفل، فيقول له: يا بن أخي! أخبرني بالذي جرى لك؟ فيخبره بالقصة، فيقول له: هذا الناموس الذي أنزل على موسى وقال: يا ليتني كنت جذعاً -يعني شاباً قوياً لأنه كان شيخاً كبيراً- إذ يخرجك قومك، فتعجب النبي ﵊ وقال: أومخرجي هم؟ -ما الذي فعلته لهم- قال: نعم، ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا أوذي. بداية البلاء، فانطلقت الدعوة، ونشر الدين. ومن أكثر الذين بدءوا الدخول في الإسلام الشباب. هذا علي بن أبي طالب وذاك طلحة وهذا سعد، والأرقم ذلك الشاب القوي المؤمن الذي فتح بيته لتكون مقراً للدعوة، قال: بيتي لكم. شباب آمنوا بالله جل وعلا، وأخذوا ينشرون هذا الدين. لـ علي وحده قصص وحكايات في الدعوة إلى الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ [الكهف:١٣]. انطلق ﵊ في الدعوة، وبدأ يعلم الصحابة القرآن، فجاء الفتيان الصغار والشباب يحفظون كتاب الله جل وعلا. سمعتم بالقراء الأربعة الذين تلقوا القرآن من محمد ﵊؟ ثلاثة من الأربعة من الشباب من الفتيان: معاذ بن جبل شاب، عبد الله بن مسعود شاب، سالم مولى أبي حذيفة شاب، ثلاثة شباب يحفظون كلام الله جل وعلا، ليكونوا نبراساً للأمة بعده.

стр. 584

ترجمان القرآن فتىً صغير لا يتجاوز السابعة من العمر يتعلم الدين، ويحفظ القرآن، بل ويقرأ المفصل، بل ويسأل عن التفاسير، يموت ﵊ وعمره عشر سنوات ويصير ترجمان القرآن، من هو؟ إنه ابن عباس ﵁، ترجمان القرآن، ما من آية إلا وتجد له فيها قول، إذا قال ابن عباس فكفى، مات أفضل الخلق ﵊ وعمره عشر سنين، إنهم الشباب، انطلقوا للجهاد معه ﵊ فمن الذي كان يحمل الرايات؟ ومن الذي كان يقاتل، الشيوخ؟ لا. ولكن الشباب هم من حملوا هذا الدين على أعناقهم وعلى أكتافهم.

стр. 585

عبد الله بن عمر ابن عمر في غزوة أحد: عبد الله بن عمر بن الخطاب أراد أن يقاتل فجاء إلى النبي ﷺ قال: أريد القتال، قال: أنت لا تقاتل، قال: أنا أستطيع حمل السلاح، قال: أنت لا تقاتل، وكان عمره ثلاثة عشر سنة، وكان يجادل النبي ﷺ على القتال، فجاء الخندق قال: الآن تجيزيني يا رسول الله! وعمره خمسة عشر سنة، فأجازه ﷺ القتال. كان شباب وفتيان الصحابة يقفون على أصابعهم ليرتفعوا؛ حتى يجيزهم ﵊ بالقتال، فإذا ردهم عن الموت والقتال بكوا: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ للجهاد، للموت، للسيوف، للدماء تتطاير: ﴿قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢]. شبابهم يبكون على الموت في سبيل الله، وشباب هذا الزمن إلا من رحم الله يبكي لأن عشيقته لم تتصل به، يبكي لأنها فارقته، لا ينام أياماً وليالي ويصفَرُّ لونه ويضعف جسمه لما يا فلان؟ هل لأن فلسطين احتلت؟! هل لأن الشيشان تدمر؟! هل لأن المصحف يدنس؟! لا. لأن عشيقته تركته، لأن حبيبته لم تلتفت له، لأنه لم يحصل على تلك الحبوب أو لم يحصل على ذلك الشراب، يبكي أياماً وليالي.

стр. 586

عمير بن أبي وقاص عمير بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص: في يوم من الأيام أراد الجهاد وأراد القتال فرده ﵊ فبكى، حتى رق النبي ﷺ له فأجازه. يقول سعد: كنت أعقد له خمائل السيف، يعني: كان صغيراً فأربط السيف حتى يحمله، السيف قد ينزل على الأرض وهو يمشي من صغر، عمره ستة عشر سنة، يقول: فدخل المعركة فأصيب فقتل، وعمره ستة عشر سنة، أرأيت إلى الشباب؟ ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ [الكهف:١٣].

стр. 587

علي بن أبي طالب شاب من الشباب اسمه علي بن أبي طالب: كل مسلم يعلم من علي، علي الأسد الشجاع، هذا الشاب في معركة خيبر اصطف الصحابة في صف واليهود في صف ثانٍ، خرج من بين المسلمين، وكان من عادة القتال في السابق، أن يخرج المبارزين من هذا الصف ومن هذا الصف يتبارزون قبل المعركة؛ ليحمى الوطيس ولتشتعل المعركة، يخرج أحد الأبطال من المسلمين وخرج من جانب اليهود رجلٌ يقال له مرحب؛ وهو من أشجع الأبطال ويعرف عند العرب كلهم، لو يقف أمامه عشرة لا يقدرون عليه، ومدجج بالدروع والأسلحة، سيف، ورمح، كل شيء عنده، ورجل كبير صاحب جسم ضخم، مدرب على السلاح لا يجابهه أحد، خرج من بين الصفوف، قائلاً: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب يعني: كلهم يعرفون من هو مرحب، ويعرفون شجاعة مرحب، ويعرفون بطولة مرحب قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب من الذي خرج لـ مرحب؟ من الذي ظهر ليبارزه؟ إنه الشاب الشجاع القوي، علي بن أبي طالب ﵁، وتخيل شاب أمام رجل، هذا ليس عنده من الأسلحة الشيء الكثير وذاك مدجج بالأسلحة، هذا معروف بخبرته في القتال وهذا شاب صغير، خرج علي بن أبي طالب ﵁، يرد عليه شعراً بشعر، فقال: أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غابات كريه المنظره أكيلهم بالسيف كيل السندرة وخرج المتبارزان وبدأت المبارزة والناس كلهم يتوجسون من الذي ينتصر؟ ضربة بضربة، وما هي إلا ضربة من علي يقسم به عدوه نصفين أمام الناس، فكبر الصحابة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، إنها الشجاعة، وإنه الإيمان إذا دخل في القلوب. انظر أيها الأخ العزيز! إلى الشباب كيف كانوا يتحملون الأذى.

стр. 588

خباب بن الأرت خباب بن الأرت: هذا شاب في مكة، من شدة الأذى لو تكشف عن ظهره لا يعرف هل هو لحم أو بدون لحم؟ ضرب هذا الرجل ضرباً حتى كانوا يختلفون من عذب أكثر هو أم بلال من شدة الأذى الذي أصابه ﵁، أتى يوماً من الأيام على النبي ﷺ وهو متوسدٌ بردة عند الكعبة، فقال: (يا رسول الله! ألا تدعو لنا، ألا تستنصر لنا، ألا ترى ما نحن فيه -لا يقول هذا جزعاً ولا يأساً لكنه يريد نصر الله، يعرف أن الرسول ﷺ إذا دعا فإن نصر الله قادم- فقام ﵊ مغضباً وقال: إنه كان فيمن كان قبلكم يؤتى بالرجل فتحفر له الحفرة ويوضع فيها، ويؤتى بالمنشار على مفرق رأسه فينشر فلقتين فلا يرده ذلك عن دينه، لكنكم قوم تستعجلون، لكنكم قوم تستعجلون).

стр. 589

الحقد الصليبي على الإسلام إن هذه التحديات المعاصرة هي واقعنا وعالمنا، وهذا الكلام أوجهه للشباب وللكبار وللشيوخ، كل منا متحدى بهذه التحديات، بل للرجال والنساء، بل حتى للأطفال. نحن نعيش في عالم يسيطر عليه اليهود والنصارى، ولا ريب في هذا يقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستشهدون وهم شهود نحن الآن لا نتصرف حتى في أمورنا الخاصة، أذكركم حتى لا تنسون وحتى يسجل التاريخ هذا، وحتى لا يوصف المسلمون بأنهم متخلفون أو بأنهم إراهبيون رجعيون، نذكركم بالواقع الذي نعيشه، قبل بضعة قرون دخل النصارى بيت المقدس، وأول من استحله النصارى قبل اليهود، فذبحوا ما يقارب سبعين ألف مسلم، نحروهم مثل الشياه، وهم يستبيحون تلك الأرض المقدسة. يقول أحد النصارى المستشرقين: كانوا يُكرهون العرب على إلقاء أنفسهم من أعلى الأبراج. تخيل! يأتون بهم من فوق أعلى بناية وأعلى عمارة ويدفعونهم وهم أحياء، نساء، أطفال، رجال، تخيل هذا المنظر، يعني: يتفننون في قتل المسلمين، يقول: ويجعلونهم طعاماً للنار. يشعلون الحفر فيحرقون فيها المسلمين، بل يقتلون الجثث فوق الجثث. ويقول الآخر وهو من المستشرقين: كان دم المقهورين -أي: المسلمين- يجري في الشوارع، حتى -انظر الوصف الدقيق البليغ- كان الفرسان يصيبهم رشاش الدم وهم راكبون. فارس على دابته وحصانه يمشي فإذا وطأت قدمه دم المسلمين يصيبه من دم المسلمين. أرأيت كيف حقدهم! أرأيت ماذا يريدون منا! وما البوسنة والهرسك عنا ببعيد، وما الذي حصل في الشيشان ببعيد، وما المحرقة التي يحرقون بها لبنان ببعيد، حقد في القلوب: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] من ظن أنهم سوف يرضون عنا فإنه يخالف كتاب الله. انتبه يا أخي العزيز فإن كلام الله حق: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢] ما كانوا يميزون بين طفل وشاب أو امرأة وشيخ، يقتلون الجميع. أسمعت بـ الأندلس، وعرفت ما الذي حصل فيها؟ أمة أبيدت من على الأرض، هذه أسبانيا الآن كانت في حضارة إسلامية، بل أكثر العلماء تخرجوا من الأندلس، ولو تذهب الآن إلى الأندلس لا تجد رائحة للإسلام، حولوا تلك المساجد إلى متاحف، كانوا يضعون الرجل في تابوت مخرق بالخناجر ويغلقونه بقوة، حتى يتعذب شيئاً فشيئاً فيموت. كيف كانوا يعرفون المسلمين؟ المسلمين تنكروا لدينهم خوفاً على أنفسهم، فكان النصارى يأتون إلى الأطفال فيكشفون عن عوراتهم فإذا رأوه قد ختن علموا أن عائلته مسلمة فقتلوهم جميعاً: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:١٠] حقد على المؤمنين من اليهود والنصارى، ثم بعد هذا يقولون: المسلمون إرهابيون، المسلمون يقتلون. قتل امرئٍ في غابة جريمة لا تغتفر وقتل شعب كامل مسألة فيها نظر انظروا إلى قضية الشيشان الآن، كم ألف قتل، وكم ألف فُجِّر، ومازالت المسألة فيها نظر، ومباحثات، وجولات، المسألة فيها زيارات، ثم لما أجلوا إلى تلك المخيمات وإلى تلك المعسكرات لم يسلموا، فرجالهم يعذبون صباح مساء، ونساءهم تغتصب على مرأى ومسمع من العالم كله، ولا يحرك أحد ساكناً. أين الشباب؟ أيحق لنا بعد هذا أن ننام نومة هنيئة؟! أيحق لنا بعد هذا أن ينادي ربنا للصلاة فنتولى؟! أيحق لنا أن نهجر المصاحف بعد أن علمنا أن اليهود والنصارى الحاقدون يريدون القضاء على هذه الأمة؟! أيحق لنا بعد هذا أن نرضى عنهم ونحبهم ونودهم؟!

стр. 590

حال الأمة الإسلامية في هذا الزمن إن النصر عند المسلمين في هذا الزمن ليس نصر الحروب والمجد، بل أصبح في بعض الأمور التافهة، مثل: لعب الكرة، والرياضة ليست بحرام، وأنا لا أحرم الرياضة، ولا لعب الكرة إذا كانت بقدر مباح، ولكن إذا تجاوز الأمر حتى صارت انتصارات المسلمين في ملاعب الكرة، وصار المسلمون يكرهون بعضهم بعضاً لأجل الكرة ولأجل الملاعب فحرام، أيها الأخ العزيز! ما الذي يحدث في ملاعبنا؟! وما الذي يجري في مبارياتنا؟! المسلمون يريدون الانتصار لكن ليس في المعارك بل في الكرة، وأخبرك أن اللعب ليس بحرام ولكنه بقدر، اسمع الشاعر كيف يصف أحوال المسلمين. للأسف: عربات تدفقت تشبه الهائج الخضم وعليها تكومت زمرٌ طيشها احتدم ماجت الأرض بالورود وداء الضجيج عم فتساءلت والأسى ينبض القلب بالألم هل فلسطين حررت وقطاف العناء تم أم بـ كشمير دمرت قوة الغاصب الأذم قيل لا بل فريقنا فاز في لعبة القدم أي سخف مدمر عن فساد الشعوب نم وإلى أي خيبة هبطت هذه الأمم ألف مليون أصبحوا كغثاء بشط يم ومصلى نبيهم بيد اللص يقتسم أنا أقسمت بالذي برأ الكون من عدم وكسا ثوب عزة كل من بالهدى اعتصم إن ركنا لعزنا وقنعنا بالنعم فخطى الخصم ماضيات من القدس للحرم عندها يندم الجميع يوم لا ينفع الندم صار عزنا اليوم في المباريات، يقولون: نجم، على أي شيء صار نجماً أو صار بطلاً؟ لأنه غنى أغنية، أو لأنه مثل في مسلسل، حتى صار القدوات اليوم للشباب ليس صلاح الدين، صار القدوات في هذا الزمن إما ممثل أو ممثلة، أو مطرب أو مطربة، أو مغني أو مغنية، أين صلاح الدين؟ أين سعد بن أبي وقاص أول رامٍ في الإسلام؟ أين علي بن أبي طالب أول فدائيٍ في الإسلام؟ أين الشيخان أبو بكر وعمر، أين أولئك الأبطال؟ نسوا إلا ممن رحم الله جل وعلا، صار الشاب الصغير منذ صغره يعلق على فنيلته وعلى ملابسه بعض صور أعداء الله، صور أناس عرفوا بأنهم يتعاطون المخدرات أو ماتوا بتعاطي المخدرات.

стр. 591

العقبة الكئود أمام الغرب النصراني اسمع أيها الأخ العزيز! إلى أحد كبار الوزراء في دولة غريبة نصرانية يقول: إن العقبة الكئود أمام استقرارنا بمستعمراتنا في بلاد الإسلام شيئان. شيئان هما العقبة الكئود، اللذان يمنعاننا عن الاستقرار في هذه المستعمرات، ما هما؟ هل تظن أنها أعدادنا؟ ألف مليون، هل تظن أنها أموالنا التي تغطي العالم كله؟ هل تظن أنها مناصبنا أو وجاهتنا؟ كل هذا لا يسوى عندهم شيء، انظر ما الذي يصعب الأمر عليهم. قال: شيئان لا بد من القضاء عليهما: أولهما هذا الكتاب وأشار إلى القرآن، ثم سكت واتجه نحو القبلة وقال: الكعبة، هذان الأمران هما اللذان يمنعاننا من الاستقرار في بلادنا. بثوا الشبهة، أثاروا الشكوك، صار الشاب المسلم في حيرة من أمره هل صحيح ما يقال: إن الإسلام دين إرهاب، دين تخلف، دين رجعية؟ صار بعض الشباب يتساءل: هل صحيح أنه في يوم من الأيام كان لنا عز؟ هل صحيح أن الإسلام مصدر عزنا؟ بدأ بعض الشباب يتساءلون: هل يصلح القرآن لهذا الزمان؟ إنا لله وإنا إليه راجعون! بدأت فتيات يتكلمن ويقلن: إن القرآن لم ينصفنا، والدين قد بخسنا حقنا، فلابد من التحرر، ولابد من نزع الحجاب، وإلقائه، ولابد من تكسير تلك القيود، وهؤلاء مساكين، خرجوا من الحرية إلى العبودية، خرجوا من عبادة رب الأرباب إلى عبادة البشر والدنيا والشهوات، انظر إلى وسائلهم، اتهموا المصلحين والدعاة إلى الله، والعلماء، والمشايخ، قالوا: متطرفين متنطعين، رجعيين، قالوا وقالوا وقالوا: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات:٥٢ - ٥٣] سبحان الله، كأن واحداً يوصي الآخر، كأن أمة توصي التي بعدها: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾.

стр. 592

خطورة العلمانية جاء فرعون إلى موسى ﵇ قال له: ترجع؟ قال: لا أرجع، قال: أنت مجنون، قال: إن كنتم تعقلون، قال: ماذا تقول؟ قال: قال: أسجنك، قال: اسجني، أتى بالسحرة فإذا بموسى ﵇ يواجه السحرة، فنصره الله تعالى عليهم. تشكيك في الدين، بدءوا يزرعون أناس في بلاد المسلمين يكتبون كل شيء باسم الإسلام، أسماءهم: عبد الله وأحمد ومحمد وأسماء الأنبياء والصالحين، كأن الحديث الصحيح بدأ يتمثل الآن: (هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، دعاة على أبواب جهنم، من أطاعهم قذفوه فيها) يقولون: نحن نصلي لكن ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] يستهزئ، فإذا جلس قال: أنا أخاف الله، نحن مسلمون ومؤمنون: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٥] بل عقدوا مؤتمرات يناقشون فيها هل يصح أن تكون العصمة بيد الرجل؟ لماذا لا تطلق المرأة الرجل؟ هل هذا عدل أن الذكر يأخذ حظ الأنثيين؟ لابد أن نعيد النظر في هذا، قالوا: لا بد أن نعيد النظر في الأسرة، هل يجب أن تكون من رجل وامرأة؟ لمَ لا تكون الأسرة من رجلين؟ أو من امرأتين؟ مؤتمرات تعقد وتنشر في بلاد المسلمين، حتى يشككوا المسلمين في دينهم. يوم من الأيام كنت أصلي وبعد الصلاة ذهبت فاستقبلني شاب صغير، قال: أين كنت؟ قلت: في الصلاة، وكان يتكلم صادقاً، قال: إلى متى تصلون؟ قلت: له ماذا تقصد؟ قال: يا أخي الناس تطورت، والناس وصلوا الآن القمر، وأنتم إلى الآن تصلون، وكان صريحاً، أراد الخير، أراد أن يخبرني عما وصل إليه في قلبه، قلت: تتكلم بحق؟ قال: نعم، الناس تطورت، وصلت القمر، اكتشفت الذرة، وأنتم لا زلتم تصلون، قلت له: إنا لله وإنا إليه راجعون! كيف أجيبه؟ إذا وصلوا إلى القمر نحن نريد أن نصل إلى الفردوس الأعلى، إذا كانوا فعلوا ما فعلوا فإنهم لم يعلموا حقيقة خلقهم وحياتهم. وإيليا أبو ماضي، اسمعوا ماذا يقول؟ جئت من أين لا أدري ولكني أتيت ثم أبصرت قدامي طريقاً فمشيت وسأبقى سائراً شئت هذا أم أبيت لست أدري لست أدري لست أدري لا يدري لماذا يعيش، ولا يدري لما يحيا. يُسب الرسول ويشتم الدين ويطعن في القرآن، يطعن في أصحاب محمد ﷺ ، يشكك في الدين، ووصل الأمر إلى بعض جرائد المسلمين، حتى يسهلوا على المسلمين الطعن في دينهم. هنا رجل يعاقب ويلاحق، ثم الآخر، ثم الثالث، ثم الرابع، حتى يقول المسلمون: تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراشٍ ما يصيد

стр. 593

حال صغار الصحابة عبد الرحمن بن عوف في غزوة بدر يقول: وأنا واقف قبل المعركة غمزني شاب فالتفت عن يميني فإذا شاب صغير، قلت له: ماذا تريد؟ قال: يا عم! أين أبو جهل؟ -يريد من؟ يريد أبو جهل، يريد قائد المعركة، يريد سيد القوم، لا يريد أي أحد- قال: وما شأنك وشأنه يا بني؟ قال: يا عم سمعت أنه سب رسول الله، قال: والله لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، يعني: يا إما أن أموت أنا أو هو يموت، يقول: فعجبت من أمره، فغمزني شاب عن شمالي، فنظرت فإذا هو شاب آخر يقول لي نفس الكلام -اثنين يبحثون عن أبي جهل - يقول: بعد قليل حمي الوطيس واشتدت المعركة، وقلت لهما، وكانا بجانبي، هذا صاحبكما، يقول: والله انقضا عليه كالصقر يضربانه من كل جهة. أبو جهل الذي عادى الدعوة، فرعون هذه الأمة شابان صغيران ينقضا عليه كل واحد يضربه من جهة، يقول: وما هي إلا لحظات وسقط على الأرض وقتلاه وهرعا إلى النبي ﵊، هو في الحقيقة لم يمت، وأجهز عليه شاب ثالث هو ابن مسعود كان ينتظر تلك اللحظة المثيرة حتى ارتقى على صدره ابن مسعود فقال له أبو جهل وهو في الرمق الأخير: لقد ارتقيت مرتقىً صعباً يا رويعي الغنم، انظر العزة بالإثم، انظر الكبر حتى عند الموت، قال لمن الدائرة اليوم، انظر حرصهم على نصر باطلهم حتى في الرمق الأخير، من الذي ينتصر الآن؟ قال: لله ورسوله يا عدو الله، فحز رأسه، وجاء الشابان إلى محمد ﵊ كل واحد يقول: يا رسول الله! أنا قتلته، أنا قتلته، فقال ﵊: هل مسحتما سيفكما؟ قالا: لا، فنظر إلى السيف ثم قال ﵊: (أبشرا أبشرا كلاكما قتله). الآن لا نريد هذا، نريد أقل من هذا، نريد من يكتب في نصرة دين الله مقالة في جريدة، نريد من يقوم في مسجد يتكلم، نريد أدنى من هذا، نريد من يشتري عشرة أشرطة إيمانية تتحدث عن الصلاة يوزعها في عمله، أو في مدرسته، أو عند جيرانه، نريد شاباً يتبرع بطباعة مصاحف تنشر في أفريقيا، نريد شاباً شجاعاً إذا قام لصلاة الفجر أيقظ إخوانه وأخواته وأمه وأباه، بل طرق الباب على الجيران. أذكر شاباً صغيراً كان يستيقظ كل يوم قبل أذان الفجر يتجول على البيوت يطرق الأبواب يوقظهم لصلاة الفجر، وربما إلى الآن يفعل هذا الفعل: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ [الكهف:١٣].

стр. 594

الشهوات عقبة أمام الشباب تحديات العصر أكبر وأكبر من هذه الشبهات فقط، تحديات العصر في الشهوات: الشهوات التي دخلت في كل بيت، النساء، الأغاني، الطرب، الحفلات، الفضائيات وصلت إلى بيوتنا، بالله عليكم هل خلا بيت منها؟ هل خلا بيت من هذه الشهوات، وهذه الملهيات؟ هل خلا شاب من التعرض لها؟ اسمع أيها الأخ الكريم إلى الرب جل في علاه كيف يربينا ويوجهنا! يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] في البيت لوحدك لا يوجد أحد وعندك الجهاز، إنترنت يفتح لك العالم كله، صفحة واحدة بين يديك تتجول على العالم كله في بضع ثوانٍ، ثم بعد هذا ما الذي يمنعك أن تضع تلك الكلمة فتدخل على هذا الباب؟ إنه الخوف من الله، إنها مراقبة الله لا غير، مهما منعت، مهما روقبت، فإنه ليس أعظم من مراقبتك لله جل وعلا، ما الفاصل الذي يجعلك تدخل على برامج القرآن والإسلام، والمقالات الإسلامية وأخبار الإسلام، والأخبار المفيدة والمعلومات النافعة، وبين أن تدخل على الجانب الآخر، ما الذي يمنعك؟ إن لم يكن الخوف من الله جل وعلا. يقول الله جل وعلا عن يوم القيامة: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ [الكهف:٤٩] يوم القيامة تتطاير الصحف، ووقت تتطاير الصحف تسود وجوه وتبيض وجوه، تخيل الصحيفة تأتيك فيُسهل الله لك مسك الصحيفة باليمين، ومن الناس من يريد أن يأخذها باليمين فتلتف يده وراء ظهره، فإذا التفت وراء ظهره قبض صحيفته بشماله، لا إله إلا الله، يسود الوجه بعد هذا، ويبدأ بالصياح فيفتح صحيفته: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٤] ترى ذاك اليوم لا يوجد أحد، فتح ذلك الإنترنت ودخل على كل حرام وكل صورة خليعة، مسكين، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤] لا يدري أن الله يراه، يفتح صحيفته يوم القيامة: ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً﴾ [الكهف:٤٩] كل نظرة، وكل كلمة، وكل لحظة مكتوبة: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩]. شباب المسلمين الآن مستهدفين بهذه الأجهزة وتلك الفضائيات، ولا يدرون أن الله مطلع عليهم، يفتح قنوات فضائية على صور خليعة، أفلام ماجنة، رقص، طرب، وإذا قلَّب القناة وجد إذاعة قرآن، أو درس ديني، أو برنامج مفيد، تركه ولم يأبه به، سبحان الله! ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]. بل أكثر من هذا، الآن المسلمون مستقصدون حتى بالمخدرات، انظر إلى مناطقنا التي بفضل الله تتمسك لا زالت بالدين وبالعادات الحسنة، تغرق الآن بالمخدرات، ترسل إليها المخدرات من جميع الدنيا، حتى صار بعض شباب المسلمين أسارى وأي أسارى لتلك الحبوب وهذه الإبر، كم واحد منهم يموت بسوء الخاتمة؟ سلوا المسئولين، سلوا المتخصصين، هل حقاً هناك من يموت بالمخدرات؟ إحصائيات عجيبة في بلاد المسلمين. رأيت بعيني صوراً لشباب ماتوا بالمخدرات وقد تجمع النمل على أجسادهم؛ وتخيل منظره، وسوء الخاتمة. بل رأيت أخطر وأكبر من هذا، شاب عندما مات في المخدرات على هيئة سجود، لا ندري سجد لمن؟ الله المستعان، لا ندري هل سجد لشيطانه؟ أو لشهوته أو لغير هذا؟ ثلاثة شباب يسافرون إلى بلاد الكفر، يذهبون إلى المراقص، يشربون الخمر، يعاشرون النساء، لحظة من اللحظات وهم في مرقصهم في لهوهم في الثلث الأخير من الليل سقط أحد الثلاثة على الأرض وهو سكران، جاءه أصحابه يهزونه فإذا هو يحتضر، يا فلان ما الذي يحدث؟ وأحدهم كان في وعيه، قال له: قل لا إله إلا الله، قل لا إله إلا الله، قال: زدني كأس الخمرة، زدني كأس الخمرة، يا فلان يا فلان، ثم مات، رجع اثنان إلى بلدهم ومعهم الثالث في تابوت، إنا لله وإنا إليه راجعون، شهوات يغرق بها المسلمون. أما تخاف يا أخي الكريم، أما تخاف أن تقول في اللحظة الأخيرة، مرة أفعلها وأتوب إلى الله، ما يدريك لعل خاتمتك تكون في هذه اللحظة. الله جل وعلا يأتي بالناس في يوم القيامة فيأتي بالعبد فيقول له: عبدي ماذا فعلت؟ يقول: يا رب لم أفعل شيئاً في الدنيا؛ أصلي وأصوم وأذكرك، ولا يذكر السيئات ويذكر الحسنات، فتأتي الملائكة تشهد عليه؛ لأن معك ملائكة لا يفارقونك، تأتي الملائكة تشهد، ويأتي الصالحون يشهدون: يا رب نصحناه لكنه لم ينصح، يا رب علمناه فلم يتعلم. فيقول بعد هذا: ربي لا أقبل شاهداً إلا من نفسي، فيقول الرب جل وعلا: لك ذاك، فيختم الله على فمه ويبدأ الجلد فيتكلم، واليدان فيتكلمان والرجلان يتكلمان: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ [يس:٦٥]. في أمريكا طائفة يسمونها المورمن يخبرني أحد الدكاترة، يقول: إن هذه الطائفة إذا بلغ الشاب سن الرشد، لزم إلزاماً دينياً أن يؤخذ من أهله سنتين، يذهب فيها إلى معسكرات للتربية، يربونه، يترك كل شهوات الدنيا وملذات الدنيا، سنتين كاملتين، لا يحق له أن يتصل بأهله إلا في كل بضعة أيام مرة وزمن محدد، لا وأكبر من هذا أن هذين السنتين كلها على حساب أهله، سفر، وإقامة، وأكل وشرب كله على حساب الأهل، هذا واجب ديني عندهم، سنتين لأجل دينهم فأين شباب المسلمين؟ أين رجال المسلمين؟ الواحد بعض المرات ولده يقول: أريد أن أذهب إلى العمرة؟ أما الفضائيات وما أدراك ما الذي تحدثه في هذا الزمن؟ إنها تنخر الدين نخراً، حتى يصبح الرجل ليس له من الدين إلا الظاهر، بل أعلم عن أناس بسببها انتكسوا وتركوا حتى الصلاة، الفضائيات فيها خير وشر كثير، ولكن من الذي ينتقي الخير ويترك الشر؟! كن صادقاً مع نفسك، وكن مراقباً لله جل وعلا.

стр. 595

هذا حال السلف مع ذكر الله الإمام أحمد جالس في درس، دخل عليه أحد الشعراء فأخبره بشعر، ثم ذهب، فقام الإمام أحمد من المجلس وأغلق على نفسه الباب، والطلبة ينتظرون فلم يخرج الإمام أحمد، فذهبوا إلى الغرفة فإذا الإمام أحمد يبكي لما ورد في الشعر، وأخذ يردده ويبكي، ما هو هذا الشعر؟ إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب لهونا لعمر الله حتى تتابعت ذنوب على آثارهن ذنوب فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ويأذن في توباتنا فنتوب هذا حال الإمام أحمد، فكيف بالذي يجلس أمام النساء ويكلمهن، ووقته مع الفضائيات، والأفلام الخليعة، ويفعل ويفعل، وسيارته امتلأت بأشرطة الأغاني والطرب، وإن سألته من أحب الناس إليك؟ قال: الممثلة الفلانية، والمطربة الفلانية، ولا يدري المسكين أن المرء يحشر مع من أحب، تريد أن تحشر مع من؟ مع محمد ﵊، مع إبراهيم وموسى وعيسى، مع أبي بكر وعمر، وعثمان وعلي، وطلحة بن عبيد الله وبلال، أم مع تلك المغنية الساقطة، أو الراقصة الفاجرة، أو الممثلة الخليعة، تريد أن تحشر مع من؟ أجب على نفسك بهذا السؤال، أجب وكن صادقاً مع نفسك: (يحشر المرء مع من أحب). والرسول ﷺ يقول: (من يضمن لي ما بين لحييه وفخذيه أضمن له الجنة) حديث صحيح، وأكثر ما يدخل الناس النار هو الفم والفرج، إذاً اتق الله وانتبه. يقول أحد اليهود، وكان صادقاً في هذه الكلمات: نحن اليهود لسنا إلا سادت العالم ومفسديه ومحركي الفتن فيه وجلّابيه. هل كذب في هذا العصر؟ والله صدق، هم يسوسون العالم طبعاً بأمر الله، نعم كتبت عليهم الذلة إلا بحبل من الله وحبل من الناس، هم الذين تركوهم يفعلون هذا الأمر، قال: ومحركي الفتن. تظنون هذه أكثر الفضائيات الخليعة، ووسائل الدمار في الإنترنت، وبعض المخدرات التي تبث في العالم، تظنون من وراء هذا كله؟ لو رجعت لوجدت الأمر أو المصدر الأساسي اليهود في العالم كله، يغرقون المسلمين بهذا. وأسامة بن زيد هذا الشاب عمره سبعة عشر عاماً يقود جيشاً فيه أبو بكر وعمر، أين شباب المسلمين في هذا الزمن؟ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣]. رأيت في أفلام عن البوسنة شباباً أعمارهم أقل من العشرين سنة والله رأيت أحدهم في الفيلم المصور مقتول يدفن وهو مبتسم، ووالله أنت لمّا ترى هذا المشهد تدمع عينك وتأسف على حالك، وتقول: والله فازوا. هذا عبد الله بن حرام يطعن، ثم أخذ الدم ومسح به على وجهه، وقال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة ثم يموت. انظروا إلى الأوائل وانظروا إلينا، أولئك يموتون لنصر دين الله، وهؤلاء يموتون في إبرة مخدر، قال الله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]. من وسائل الحرب على الشباب والشابات في هذا الزمن: أن يؤثر الناس على المسلمين في الحضارات الغربية، حتى صوروا الحضارة الغربية ألا عيب فيها، ولا شيء سيئ في هذه الحضارات، حتى صار الشباب اليوم يتأثرون بالملابس وباللغة، يتكلمون كلمات ليست إسلامية، سلامهم وتحيتهم ليست إسلامية، ملابسهم تغيرت، شعورهم تغيرت، أحاديثهم تغيرت، مجالسهم تغيرت، ما الذي حدث؟ ما الذي جرى؟ تأثروا بالحضارات الغربية: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١]. بعضهم يفتخر: أنا ولدي يدرس في مدرسة إنجليزية، يفتخر ويعرف أنه اختلاط، وتضييع هوية الولد، ويحتفلون بأعياد النصارى وبرأس السنة، بل يضعون الصليب على بعض احتفالاتهم، يفتخر: أنا ولدي يدرس في مدرسة إنجليزية، أو يفتخر لأنه يقيم في بلاد الكفر، يفتخر لأن لهجته الآن ليست عربية، يفتخر أنه يتعلم لغات ليست لغات عربية وإسلامية.

стр. 596

قصة الغلام مع أبي قدامة آخر قصة: قصة غلام سمع رجلاً يحث على الجهاد في سبيل الله، فلما انتهى من الخطبة قال: يا شيخ! أريد الجهاد، قال: أنت صغير، قال: والله لتحملني معك، أقسم بالله لتأخذني للجهاد معك، فأجابه وأردفه على دابته وسار، وقبل أن يسير جاءته امرأة وقالت: يا شيخ ليس عندي شيء أتبرع فيه إلا هذا الظرف، فلما فتح الظرف وجد فيه ظفيرة المرأة؛ شعرها، لا تملك من الدنيا إلا شعرها، وليس عندها مال، تقول: وكتبت له رسالة، أسألك أن تجعل ظفيرتيَّ رباطاً لفرسك. هل عند المرأة شيء أغلى من شعرها، قطعت الشعر ليجعل رباطاً للفرس، ذهب الشيخ ومعه الغلام الصغير، أثناء المعركة بدأت المعركة وبداءوا يترامون بالسهام والنبال، قال الغلام للشيخ: يا شيخ! أعطني السهام، قال: أنت صغير، قال: أعطني، فأعطاه ثلاثة أسهم، فرمى بالسهم الأول وقال: بسم الله فرمى نصرانياً وقتله، وكذا الثاني والثالث، ولما اشتدت المعركة رمي الغلام بسهم فأصيب، وسقط من أعلى الدابة، ونزل الشيخ ينظر إلى الغلام، وهو الآن يحتضر والدم يسيل منه، فقال له: أتريد شيئاً؟ قال: نعم، أبلغ سلامي على أمي وأخبرها بخبري، قال الشيخ للغلام: يا غلام وما أدراني من هي أمك؟ قال: أمي صاحبة الظفيرتين -أرأيت إلى أمهات ذلك الزمن، ابنها وشعرها- قال الشيخ للغلام: يا غلام أذكرك العهد الذي بيني وبينك، ومات الغلام، فلما رجع الشيخ إلى البلد، طرق الباب، وفتحت أخت الغلام، قالت: أتبشرنا، قال: نعم أبشركم بموت ولدكم، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون! مات أبي فاحتسبناه عند الله، وقتل أخي الكبير فاحتسبناه عند الله، والآن يموت أخي الصغير ونحتسبه عند الله. دين الله جل وعلا يحتاج إلى أولئك الذين يتنبهون لدينهم، ويحفظون دينهم وينشرونه في الآفاق، فماذا صنعنا لهذا الدين؟ أسأل الله ﵎ أن ينفعنا بما تكلمنا وذكرناه في هذا الدرس، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأشكر في النهاية النادي العلمي القطري على هذا المجهود الكبير الذي أرجو من الله أن تحذو جميع النوادي حذوهم وجزاهم الله كل خير.

стр. 597

اليوم الآخر وأقوال الكافرين الموت هو الحد الفاصل بين الدنيا والآخرة، يأتي بغتة فيدرك الإنسان على أحد حالين: إما طائع لربه منهمك في هذه الطاعة، أو على معصية وسهو وغفلة، وحين تبدأ مشاهد الآخرة لا يستوي هذا وذاك، فشتان بين المسلمين والمجرمين. وهنا عرضٌ لمصير الروح الخبيثة، ورحلتها من الدنيا ومعاصيها، مروراً بالقبر والبرزخ، حتى الوقوف بين يدي الله، ولكل مرحلة عذابها الخاص. وتختتم هذه المادة -بعد بيان بعض أوصاف النار- بدعوة إلى التوبة وبيان لشروطها.

стр. 598

اليوم الآخر وكيف يستعد الناس له بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه. أما بعد: اليوم الآخر كلمة طويلة عريضة، من اسمه يتبين أنه لا يوم بعده، وتبدأ أول مشاهد هذا اليوم بحادثة مثل هذه الحوادث، فاستمع إليها يرحمك الله. قد يبدأ هذا الرجل يومه وهو على الفراش طريحاً، وقد أحس بالروح تخرج، ولعله بدأ يحس بالنزع، وهذا هو النزع الأخير، ولربما تكون زوجته بجنبه وأولاده عنده، ولربما بكت البنت وسقطت على حضنه فقالت: أبي! ما لك لا تجيب؟! ولعل زوجته تنوح! وأبوه ينادي بالطبيب! وأخوه يناديه! ولعل الطبيب قد جاء وحاول أن يرجع الروح إلى صاحبها؛ ولكن، ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٨] أي: تيقن أنه الفراق، فراق المنصب، فراق الدنيا، فراق السيارة، فراق الزوجة، فراق الأهل، فراق الأولاد والأحباب، فراق البيت والأثاث، فراق الأصحاب، فراق الدنيا بمن فيها. ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة:٢٨] ثم لما مات وخرجت الروح من صاحبها ومن الجسد حُمِل على الأكتاف ولُفَّ في الكفن: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٩] ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٣٠] هنا تبدأ أول مشاهد اليوم الآخر، ولعل هذه ميتة حسنة.

стр. 599

نموذج للخاتمة السيئة اسمع إلى تلك الميتة التي بدأ فيها ذلك الإنسان يومه الآخر بأسوأ ما يكون، واسمع إليها وما ندري كيف تكون نهايتنا! هذا رجل أجلكم الله كان في هذه البلاد لا يحصل على ما يريد، سافر إلى دولة إباحية تعطيه كل ما يشتهي؛ فذهب إلى أحد الفنادق، فحجز له غرفة، ثم طلب زجاجات الخمر أم الخبائث والفواحش، الخمر الرجس النجس، ذلك المشروب الذي حرمه الله جل وعلا. فطلب تلك الزجاجات فأخذ يشرب ثم يشرب ثم يشرب بعد حرمان طويل، حتى جاء غرفة دورة المياه -أجلكم الله- ليخرج ما شربه بعد أن أحس بالغثيان والإعياء، وبعد يومين أو ثلاثة طرقوا عليه الباب فلم يفتح، كسروا عليه الباب وفتحوا، فإذا رأسه -أجلكم الله- في مصرف المجاري، وقد زهقت نفسه قبل ثلاثة أيام، وأنتن جسده، ورأسه في مصرف المجاري، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْت﴾ [المؤمنون:١٠٠] يا رب، يا رب ساعة فقط، يا رب ساعتين فقط، أصلي جميع الصلوات التي فاتت، أُرْجِع الأموال التي أخذتها من الناس ظلماً إلى أهلها، أتوب من جميع الذنوب والمعاصي، يا رب ساعة واحدة فقط، فيرد الله عليه: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون:١٠٠] يعني: كلمة يقولها دائماً طول عمره؛ لكنه كاذب فيها، يذكر هذا الرجل لما أصيب بمصيبة بكى فقال: يا رب لئن كشفت هذه المصيبة لأتوبن ولأصلين ولألتزمن بدينك، لكن لما انكشفت المصيبة رجع كما كان، أراد أن يُفْضَح، رجع إلى ربه وتوسل إليه: يا رب يا رب! لئن سترت علي لأفعلن وأفعلن، ستر الله عليه فرجع إلى حاله السابق، ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].

стр. 600

نموذج للخاتمة الحسنة رجل أصيب بمرض شديد، فقال لأبنائه: احملوني إلى المسجد، قالوا له: يا أبتاه! أنت رجل مريض وقد عذرك الله، صلِّ في البيت، قال: لا إله إلا الله، أسمع حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح ولا أجيب! احملوني إلى المسجد، فحملوه إلى بيت الله جل وعلا وهو رجل كبير في السن، وأوقف في الصف، فلما كان في السجدة الأخيرة قاموا من الصلاة فِإذا نفسه قد فاضت إلى بارئها، وقد ختم الله له جل وعلا بسجود بين يديه، هل يستوي هذا وذاك ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥] ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:١٥٤] هل يجعل الله ذلك الذي يُبعث وهو ساجد، وذلك الذي يُبعث وهو مُلَبٍّ، وذلك الذي يُبعث وهو صائم، وذلك الذي يُبعث وهو يطيع ربه يقرأ القرآن، هو والذي يُبعث هو بين يديها، أو عند فرجها أجلكم الله، أو يُبعث وهو سكران يشرب الخمر، أو يُبعث وهو تارك للصلاة، هل يستوي هذا وذاك؟! ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] نعم. هم في الدنيا سواء؛ هذا على كرسي بجنب هذا، ويحصل على المال مثل هذا، نعم: ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠] ولكن اليوم الآخر هو الفصل هو الموعد وهو الذي يفرق الله فيه بين الناس.
следующие страницы →