← Джавами‘

Джавами‘ · id 7717

دروس للشيخ نبيل العوضي

نبيل العوضي

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

قصة الغلام مع أبي قدامة آخر قصة: قصة غلام سمع رجلاً يحث على الجهاد في سبيل الله، فلما انتهى من الخطبة قال: يا شيخ! أريد الجهاد، قال: أنت صغير، قال: والله لتحملني معك، أقسم بالله لتأخذني للجهاد معك، فأجابه وأردفه على دابته وسار، وقبل أن يسير جاءته امرأة وقالت: يا شيخ ليس عندي شيء أتبرع فيه إلا هذا الظرف، فلما فتح الظرف وجد فيه ظفيرة المرأة؛ شعرها، لا تملك من الدنيا إلا شعرها، وليس عندها مال، تقول: وكتبت له رسالة، أسألك أن تجعل ظفيرتيَّ رباطاً لفرسك. هل عند المرأة شيء أغلى من شعرها، قطعت الشعر ليجعل رباطاً للفرس، ذهب الشيخ ومعه الغلام الصغير، أثناء المعركة بدأت المعركة وبداءوا يترامون بالسهام والنبال، قال الغلام للشيخ: يا شيخ! أعطني السهام، قال: أنت صغير، قال: أعطني، فأعطاه ثلاثة أسهم، فرمى بالسهم الأول وقال: بسم الله فرمى نصرانياً وقتله، وكذا الثاني والثالث، ولما اشتدت المعركة رمي الغلام بسهم فأصيب، وسقط من أعلى الدابة، ونزل الشيخ ينظر إلى الغلام، وهو الآن يحتضر والدم يسيل منه، فقال له: أتريد شيئاً؟ قال: نعم، أبلغ سلامي على أمي وأخبرها بخبري، قال الشيخ للغلام: يا غلام وما أدراني من هي أمك؟ قال: أمي صاحبة الظفيرتين -أرأيت إلى أمهات ذلك الزمن، ابنها وشعرها- قال الشيخ للغلام: يا غلام أذكرك العهد الذي بيني وبينك، ومات الغلام، فلما رجع الشيخ إلى البلد، طرق الباب، وفتحت أخت الغلام، قالت: أتبشرنا، قال: نعم أبشركم بموت ولدكم، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون! مات أبي فاحتسبناه عند الله، وقتل أخي الكبير فاحتسبناه عند الله، والآن يموت أخي الصغير ونحتسبه عند الله. دين الله جل وعلا يحتاج إلى أولئك الذين يتنبهون لدينهم، ويحفظون دينهم وينشرونه في الآفاق، فماذا صنعنا لهذا الدين؟ أسأل الله ﵎ أن ينفعنا بما تكلمنا وذكرناه في هذا الدرس، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأشكر في النهاية النادي العلمي القطري على هذا المجهود الكبير الذي أرجو من الله أن تحذو جميع النوادي حذوهم وجزاهم الله كل خير.

стр. 597

اليوم الآخر وأقوال الكافرين الموت هو الحد الفاصل بين الدنيا والآخرة، يأتي بغتة فيدرك الإنسان على أحد حالين: إما طائع لربه منهمك في هذه الطاعة، أو على معصية وسهو وغفلة، وحين تبدأ مشاهد الآخرة لا يستوي هذا وذاك، فشتان بين المسلمين والمجرمين. وهنا عرضٌ لمصير الروح الخبيثة، ورحلتها من الدنيا ومعاصيها، مروراً بالقبر والبرزخ، حتى الوقوف بين يدي الله، ولكل مرحلة عذابها الخاص. وتختتم هذه المادة -بعد بيان بعض أوصاف النار- بدعوة إلى التوبة وبيان لشروطها.

стр. 598

اليوم الآخر وكيف يستعد الناس له بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه. أما بعد: اليوم الآخر كلمة طويلة عريضة، من اسمه يتبين أنه لا يوم بعده، وتبدأ أول مشاهد هذا اليوم بحادثة مثل هذه الحوادث، فاستمع إليها يرحمك الله. قد يبدأ هذا الرجل يومه وهو على الفراش طريحاً، وقد أحس بالروح تخرج، ولعله بدأ يحس بالنزع، وهذا هو النزع الأخير، ولربما تكون زوجته بجنبه وأولاده عنده، ولربما بكت البنت وسقطت على حضنه فقالت: أبي! ما لك لا تجيب؟! ولعل زوجته تنوح! وأبوه ينادي بالطبيب! وأخوه يناديه! ولعل الطبيب قد جاء وحاول أن يرجع الروح إلى صاحبها؛ ولكن، ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٨] أي: تيقن أنه الفراق، فراق المنصب، فراق الدنيا، فراق السيارة، فراق الزوجة، فراق الأهل، فراق الأولاد والأحباب، فراق البيت والأثاث، فراق الأصحاب، فراق الدنيا بمن فيها. ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة:٢٨] ثم لما مات وخرجت الروح من صاحبها ومن الجسد حُمِل على الأكتاف ولُفَّ في الكفن: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٩] ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٣٠] هنا تبدأ أول مشاهد اليوم الآخر، ولعل هذه ميتة حسنة.

стр. 599

نموذج للخاتمة السيئة اسمع إلى تلك الميتة التي بدأ فيها ذلك الإنسان يومه الآخر بأسوأ ما يكون، واسمع إليها وما ندري كيف تكون نهايتنا! هذا رجل أجلكم الله كان في هذه البلاد لا يحصل على ما يريد، سافر إلى دولة إباحية تعطيه كل ما يشتهي؛ فذهب إلى أحد الفنادق، فحجز له غرفة، ثم طلب زجاجات الخمر أم الخبائث والفواحش، الخمر الرجس النجس، ذلك المشروب الذي حرمه الله جل وعلا. فطلب تلك الزجاجات فأخذ يشرب ثم يشرب ثم يشرب بعد حرمان طويل، حتى جاء غرفة دورة المياه -أجلكم الله- ليخرج ما شربه بعد أن أحس بالغثيان والإعياء، وبعد يومين أو ثلاثة طرقوا عليه الباب فلم يفتح، كسروا عليه الباب وفتحوا، فإذا رأسه -أجلكم الله- في مصرف المجاري، وقد زهقت نفسه قبل ثلاثة أيام، وأنتن جسده، ورأسه في مصرف المجاري، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْت﴾ [المؤمنون:١٠٠] يا رب، يا رب ساعة فقط، يا رب ساعتين فقط، أصلي جميع الصلوات التي فاتت، أُرْجِع الأموال التي أخذتها من الناس ظلماً إلى أهلها، أتوب من جميع الذنوب والمعاصي، يا رب ساعة واحدة فقط، فيرد الله عليه: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون:١٠٠] يعني: كلمة يقولها دائماً طول عمره؛ لكنه كاذب فيها، يذكر هذا الرجل لما أصيب بمصيبة بكى فقال: يا رب لئن كشفت هذه المصيبة لأتوبن ولأصلين ولألتزمن بدينك، لكن لما انكشفت المصيبة رجع كما كان، أراد أن يُفْضَح، رجع إلى ربه وتوسل إليه: يا رب يا رب! لئن سترت علي لأفعلن وأفعلن، ستر الله عليه فرجع إلى حاله السابق، ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].

стр. 600

نموذج للخاتمة الحسنة رجل أصيب بمرض شديد، فقال لأبنائه: احملوني إلى المسجد، قالوا له: يا أبتاه! أنت رجل مريض وقد عذرك الله، صلِّ في البيت، قال: لا إله إلا الله، أسمع حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح ولا أجيب! احملوني إلى المسجد، فحملوه إلى بيت الله جل وعلا وهو رجل كبير في السن، وأوقف في الصف، فلما كان في السجدة الأخيرة قاموا من الصلاة فِإذا نفسه قد فاضت إلى بارئها، وقد ختم الله له جل وعلا بسجود بين يديه، هل يستوي هذا وذاك ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥] ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:١٥٤] هل يجعل الله ذلك الذي يُبعث وهو ساجد، وذلك الذي يُبعث وهو مُلَبٍّ، وذلك الذي يُبعث وهو صائم، وذلك الذي يُبعث وهو يطيع ربه يقرأ القرآن، هو والذي يُبعث هو بين يديها، أو عند فرجها أجلكم الله، أو يُبعث وهو سكران يشرب الخمر، أو يُبعث وهو تارك للصلاة، هل يستوي هذا وذاك؟! ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] نعم. هم في الدنيا سواء؛ هذا على كرسي بجنب هذا، ويحصل على المال مثل هذا، نعم: ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠] ولكن اليوم الآخر هو الفصل هو الموعد وهو الذي يفرق الله فيه بين الناس.

стр. 601

مصير الروح الخبيثة يبدأ ذلك اليوم كما أخبرناكم بذلك المشهد الكئيب، ولعله يكون ما يتدارك نفسه بحادث سيارة، ولعله يكون وهو نائم مسكين ولا يشعر، ينام فإذا هي النومة الأخيرة لا يستيقظ بعدها، ما أدرك نفسه وما تداركها، وكان دائماً يقال له: تب يا فلان! استقم يا فلان! صل، الصلاة عمود الإسلام، يقول: إن شاء الله من الغد، إن شاء الله من رمضان القادم بعد رمضان، إن شاء الله من الحج، بعد الحج إن شاء الله، بعد الزواج إن شاء الله، لما أفعل وأفعل، فإذا به لا يتدارك نفسه إلا وملك الموت عند رأسه، فيقول لها والناس من حولها يبكون: يا أيتها النفس الخبيثة؛ اخرجي إلى سخط من الله وغضب. كيف تخرج؟! الروح تتفرق في الجسد ولا تستطيع الخروج، لا تتحمل الخروج، كيف تخرج إلى سخط من الله وغضب؟! فيبدأ ملك الموت ينزع: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً﴾ [النازعات:١ - ٢] تنشط الروح وتتوزع في الجسد، وملك الموت ينزع كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، تعرف كيف ينزع الروح؟ ينزعها بقوة حتى تتقطع العروق والمفاصل، ألم ترَ رجلاً يحتضر؟ ألم تر بعضهم كيف يصرخ؟ ألم تسمع بهم كيف ينوحون؟ إن بعضهم يتغير لون وجهه، يزرقُّ وتزرقُّ عينه من شدة الألم والتعب، لا إله إلا الله! إن للموت لسكرات لا يشعر الإنسان عندها بمن حوله. ينزع تلك الروح؛ فإذا نزعت كانت كأنتن ريح وجدت على وجه هذه الأرض، رائحة والله لو شمها من حوله لما استطاع أن يقف بجانبه، كأنتن ريح جيفة على وجه الأرض، أين ذلك الوجه الجميل؟! أين تلك الرائحة العطرة؟! أين ذلك الشكل الحسن؟! كأنتن ريح جيفة على وجه الأرض، يحملها ملك الموت، أتعرف أخي الكريم أن هذا الرجل وهو على الفراش يرى ملائكةً مد البصر؟ يرى وجوه ملائكة العذاب مد بصره قبل أن تخرج الروح، عرف المصير، وعرف أين هو المستقر، يأخذ الملائكة الروح كل ملك يدفعها إلى مَن بعده؛ لا يريد أحدهم أن يوصلها إلى السماء، فلما تأتي إلى السماء الدنيا، تسألهم ملائكة السماء: روحُ مَن هذه الخبيثة فيقولون: روح فلان بن فلان بأقبح اسم له على وجه الأرض، ثم لا تفتح لهم أبواب السماء: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف:٤٠] نعوذ بالله. أخي الكريم! سل الله العافية، إذا لم تفتح لك أبواب السماء فإنه لا جنة بعدها ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف:٤٠] أين يذهب بها؟ تقذف من السماء إلى الأرض، والأمر حقيقة لا جدال فيها ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق:١٣ - ١٤] لا تتحمل أن تسقط من أعلى بناية، فكيف لو تسقط من السماء الدنيا، تطرح روحه إلى الأرض طرحاً تقذف من السماء. عبد الله أتعرف أين تأتي هذه الروح؟ تأتي وقد حملت على الأكتاف وهي تصيح وتقول لمن يحملها على الأكتاف: يا ويلها! أين تذهبون بها؟! ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣٠ - ٣٢] ماذا يتذكر في الدنيا؟! لياليه أين قضاها؟! أيامه هل كان يستيقظ على صلاة الفجر أم على ذكرها وحبها؟! هل كان يذكر بلسانه الله جل وعلا؟! أم كان في الأغاني وكان في الأفلام والمطربين والمطربات؟! ماذا كان يقرأ؟! هل كتاب الله أم المجلات الخليعة الماجنة؟! ماذا كان يسمع؟! هل ذكر الله والكلام العطر والطيب النزيه، أم كان يسمع ويتكلم في أعراض الناس وكان يتكلم بالفحش والبذاءة؟!

стр. 602

فتنة القبر والسؤال فيه عبد الله! هو على الأكتاف الآن محمول، فما أن توضع روحه في تلك الحفرة المظلمة الضيقة التي لا يستطيع أحدنا أن يتحمل منظرها إلا وعينه قد فتحت، وزال القطن من على عينيه، وأصبح يسمع الناس فوق القبر، قد دفنوه ولربما يرشون الماء الآن على قبره، ولربما الآن كل واحد منهم يعزي جاره وأخاه، يستمع إليهم والأقدام تمشي على القبر، يستمع إلى قرع نعالهم، فيُجلس في قبره، أتعرف من يجلسه؟ ملكان أسودان أزرقان، ينتهرانه، يدفعانه ويجلسانه في تلك الحفرة الضيقة، كيف؟ إن المؤمن الذي يؤمن بالغيب يؤمن بكل هذا، ولو حفرنا ما وجدنا هذا كله، ولكنه غيب في علم الله جل وعلا يحدث حقيقة، يُجلس فيقال له: مَن ربك؟ من شدة الخوف يقول: هاه هاه لا أدري، كان يعرفه في الدنيا لكن نسي. ما دينك؟ هاه هاه لا أدري. ماذا تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟ هاه هاه لا أدري. ما كان يعرف شيئاً عن الإسلام، ما كان يلتزم بحدوده ولا يأتمر بأوامره، سنته ﵊ كان يستهزئ بها، كيف يجيب؟! أم كيف يقول أنه هو محمد رسول الله وهو كان لا يدري عنه شيئاً؟! يقول: هاه هاه لا أدري. فيقول الملك له: هو محمد رسول الله فأجب بها فيقول: كنت أسمع الناس يقولون كلاماً فأقول مثلهم، كنت أسمع أهل المساجد، كنت أسمع أهل الدين، كنت أسمع الصالحين الذين يلتزمون على الأقل بالصلوات الخمس يقولون: هو محمد رسول الله، كنت أقول مثلهم، أما في قلبي فلا شيء، فإذا به يسمع صوت مناد ينادي: أن كذب عبدي، -نتيجة الاختبار الأول- أن كذب عبدي، فافرشوا له من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيؤتى بمطرقة عبد الله! الأمر حقيقة، وما ندري لعلها لحظات ويبدأ هذا اليوم، وما ندري لعلنا لا نرى الشمس تغرب علينا. عبد الله! فيؤتى بمطرقة يضرب بها رأسه، لو ضرب بهذه المطرقة جبل لصار تراباً، ثم يعاد الجسد مرة أخرى، ثم يضرب بالمطرقة مرة أخرى فيصيح صيحة يسمعه كل من حول القبر إلا الجن والإنس، ولو سمعه الجن والإنس لصعقوا، حتى جاء في الحديث: (أن حماراً أو بغلة مرت على قبر فإذا بها تحيد وتفر من القبر فأخبرهم ﵊ أنها تسمع أهل القبر يعذبون) ولو سمعها الجن والإنس لما دفنوا موتاهم. عبد الله! يصيح صيحة يسمعه كل من حول القبر، ثم بعدها يفتح له باب إلى الجنة فيقال له: انظر إلى قصرك انظر إلى الأنهار انظر إلى الحور العين انظر إلى هذه الأشجار والثمار انظر إلى هذا النعيم هذا لك لو أطعت الله لو قضيت هذه الخمسين سنة أو الستين سنة القليلة التي لا تساوي شيئاً في طاعة الله لكان هذا لك، فيُغلق الباب، ثم يُفتح له باب إلى نار تلظى ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج:١٥ - ١٦] أتعرف ماذا يحدث للإنسان؟! الحر يفصل اللحم عن العظم عن الجلد فكيف بنارها؟! ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المعارج:١٦ - ١٧] تدعو من يذكر بالله فيُدبر، ومن يجمع المال فيتولى، تدعوه وتناديه وتقول: هل من مزيد؟ فإذا بريح النار وإذا بسموم النار وإذا بعذاب النار يأتيه وهو في القبر. ثم بعدها يرى رجلاً قبيح المنظر، منتن الريح، قبيح الثياب فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر فيقول: أنا عملك الخبيث، أنا ترك الصلاة، أنا فلانة التي كنت تتصل بها، أنا ذلك المنكر الذي تشربه، أنا تلك الليالي الحمراء، أنا تلك السفرات الفاضحة، أنا تلك الليالي الفاسدة، أنا هذه المعاصي التي كنت تفعلها، فوالله ما علمتك إلا بطيئاً لطاعة الله فلان عندنا درس بطيء! يا فلان! تعال صلِّ، يصلي لكن ببطء، فلان نقرأ القرآن، يأتي ولكن بثقل. سريعاً في معصية الله. سمع بسفرة، بسهرة، بأغنية، بطرب، بممثلة، بداعرة يأتي بسرعة ولا يتأخر، سريعاً في معصية الله. إذا به ينظر إليه فيقول: رب لا تقم الساعة، رب أكون في هذا المكان في الحفرة الضيقة المظلمة مع هذا الذي هو منتن الريح والوجه، أكون معه ولا تُقِم الساعة، أتعرف لمه؟ لأن الساعة أدهى وأمر.

стр. 603

حال صاحب الروح الخبيثة عند البعث وبعد سنين طويلة يسمع بصيحة ما هذه الصيحة؟ كأنه قد سمع بها من قبل، وكأنه قد وُعِد بها، إذا به يرى القبر يُفتح فوقه، ويرى الناس يخرجون من تحته فيخرج ينفُض الغبار عن جسده، أتعرف إلى أين؟ يرى السماء تنفطر، والأرض تتزلزل، والجبال تدك والبحر يحترق، والوحوش تحشر، و ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢] فيرد عليهم الصالحون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢] يخرج فإذا الناس يخرجون من تحته، من عهد آدم إلى آخر إنسان تخيل كم عددهم، بل ما شكلهم؟ كالجراد المنتشر، أما الجبال ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٨٨] البحار من عظمها تُفجر وتحترق والأرض من تحته تزلزل، إلى أين يذهب؟ ﴿كَلَّا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة:١١ - ١٣] يقفون على أرض بيضاء عفراء -يعني: تميل إلى الحمرة- كقرطاس نقي، مستوية مستقيمة، ليس فيها علم لأحد، لا يوجد أحد مرتفع على الثاني، أتعرف ما أشكالهم؟ حفاة عراة، غرلاً غير مختونين، بل كما خلقهم الله، ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف:٢٩] كلهم على أرض واحدة ينتظرون الحساب، وطالت المدة والشمس على الرءوس قدر ميل، ثلاثة أيام؟ أسبوع؟ مللنا الانتظار شهر؟ شهران؟ سنة؟ سنتان؟ ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] خمسون ألف سنة والناس وقوف، يا مسكين! أراد الله منك خمسين أو ستين سنة، فأبيت إلا أن تقف تحت الشمس خمسين ألف سنة، عبد الله! الأمر ليس بالهزل والله ليمل الناس من أول سنة بل من أول يوم ولكنهم يقفون على الأقدام حفاة، والرءوس تصطلي بحر نار الشمس، ومع هذا يقفون خمسين ألف سنة لا مراء في هذا ولا شك، والعرق يتصبب، منهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق، تعرف ما معنى يلجمه؟ يصل عرقه إلى فمه إلى موضع اللجام من الفرس، ولا مغيث ولا نصير. أما الصالحون فهل تظنهم تحت الشمس؟ لا والله، الصالحون تحت ظل عرش الرحمن يقفون، ولكن كما بين صلاة الظهر والعصر فقط، ويأتيهم من الهواء البارد الكريم، يكفيك أنهم تحت ظل عرش الرحمن جل وعلا؛ في كنفه يقفون، وهؤلاء الضُّلاَّل الفسقة الفجرة الذين ما سجدت وجوههم لله جل وعلا، وما استقاموا على أمره جل وعلا تحت حر الشمس خمسين ألف سنة؟ ثم ماذا؟ أيموتون؟ لو كان الموت لكان خيراً لهم، يأتي الرب جل وعلا لفصل القضاء بعد خمسين ألف سنة، فيسمعون صوتاً، ما هذا الصوت؟ إنه صوت السلاسل وصوت الأحزمة، وصوت الملائكة، بل إنه صوت جهنم تُجَر، لها سبعون ألف زمام، يجر كل زمام سبعون ألف ملك واضرب: (٧٠.٠٠٠ × ٧٠.٠٠٠) لتعرف عدد الملائكة التي تجر جهنم، يرونها من مكان بعيد بعيد جداً يرون جهنماً، إذا رأوها خر الناس كلهم، ومنهم الصالحون والأنبياء يجثون على الركب ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية:٢٨] حتى الأنبياء يجثون على الركب يقولون: اللهم سلِّم سلِّم، اللهم سلِّم سلِّم، يقول الله للناس: انظروا أبصروا هل هذه النار التي كنتم تظنونها هزلاً؟ ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥] هل هذا سحر؟ هل هذا هزل؟ هل هذا ضحك كما كنتم تضحكون في الدنيا وتلعبون؟ انظروا! الناس كلهم يجثون على الركب. في فانتبه -عبد الله- وتذكر هذا الكلام ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر:٤٤] وسوف يأتي الأمر حقاً، وسوف تذكر هذا المجلس في تلك اللحظة حين يمر عليك شريط الحياة؛ تتذكر الدنيا كلها، تتذكر فلانة، وفلاناً، وتلك الليلة وذلك الفيلم، وذلك الشريط، وتتذكر يوم كنت تنام عن الصلاة، وتتذكر يوم كان يأتيك ذلك الرجل الصالح يذكرك وكنت تأبى، وينصحك وكنت تضحك، ويناديك وكنت تدبر، تتذكر هذه الأيام وتلك الليالي لحظة لحظة ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] ماذا تنفعه الذكرى؟ يبكي وينادي: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤] يا ليتني قدمت لهذا اليوم! يا ليتني عملت لهذا اليوم! يا ليتني صليت على الأقل خمس صلوات في بيت الله، أنجو بها من النار! يا ليتني! ويا ليتني! ولكن ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم:٣٩] هذا هو يوم الحسرة يُبكَى فيه، حتى الصالحون يبكون على ساعة ما قضوها في طاعة الله، حتى الأنبياء والرسل يتحسرون على لحظة ما قضوها في طاعة الله.

стр. 604

ساعة الفصل والحساب ثم يبدأ الفصل والحساب: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة:٢٠٢] يحاسب الناس جميعاً في لحظة واحدة من آدم إلى آخر البشر ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢] فينادي باسمك أين فلان بن فلان؟ وارتعدت الفرائص واضطربت الجوارح، وما عادت الرجل تحمل صاحبها، وإذا به يبكي! وإذا به يريد الفرار! وإذا به يريد النجاة! والملائكة تسوقه إلى الرب جل وعلا سوقاً، لا يستطيع أن يمشي على قدميه، فيوقف بين يدي الرب جل وعلا الذي لا تخفى عليه خافية ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩] تخرج وتُفضح ذلك يوم الخزي، فيقول له الرب جل وعلا؛ وتخيل أخي الكريم أنك أنت في هذا الموقف، يقول لك الرب: عبدي عبدي! ألَمْ أصَحِّ لك الجسد، ألم أسقك من الماء البارد، ألم أنعم عليك بكذا وبكذا وبكذا وبكذا يعدِّد لك النعم طوال الحياة، فتقر، ثم يقول لك الرب جل وعلا: عبدي عبدي! ما الذي جرأك علي؟ أتذكر هذا الذنب؟ أتذكر هذه الجريمة؟ عبدي تظن أني لا أرى؟ ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤] ثم يقول له: يا رب ما فعلت؟ يكذب على ربه جل وعلا، مسكين مسكين لا زال في جرأته وعناده وكبره، يقول: يا رب ما فعلت شيئاً، يا رب هذا كله كذب يا رب ما فعلت، فتأتي الشهود، الملائكة تشهد، والصالحون يشهدون، إنه في اليوم الفلاني أعطيته هذا الشريط لكنه رماه، رب في اليوم الفلاني طرقت عليه الباب ونصحته لكنه ضحك عليّ، رب في اليوم الفلاني عملتُ له محاضرة وذكرته ونصحته ولكنه استمر على حاله، كل الناس يشهدون عليه، والملائكة تشهد، فيقول: رب لا أقبل شاهداً إلا من نفسي، يا رب أنت العدل كيف تأتي بشهود وأنا لا أقبل إلا شاهداً من نفسي! فيقول له الرب جل وعلا: لك ذلك، لا يشهد عليك أحد إلا نفسك، فإذا بالفم يُختم عليه وإذا باليد تنطق والجلود تتكلم والفخذ تنطق والخدان ينطقان وإذا به ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ [يس:٦٥] تتكلم: يا رب في اليوم الفلاني لامس فلانة بالحرام، وفتح ذلك الفيلم على الحرام، وكتب تلك الرسالة، وفتح هذه المجلة، وقبض هذه الرشوة، وضرب فلاناً، وبطش، وفعل. نعم. تتكلم اليد، والرِّجل: يا رب ذهب إلى المكان الفلاني والفلاني ينظر إلى الجلود تنطق: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾ [فصلت:٢١]. ثم بعد هذا يعلم أنه لا نجاة ولا محيص ولا فرار من الله جل وعلا فينادي الرب جل وعلا الملائكة ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] أي: اربطوه بالسلاسل ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣١ - ٣٢] يؤتى بسلسلة أتعرف ما حجم هذه السلسلة؟ كل حديدة بقدر حديد الدنيا كله، سبعون ذراعاً، ليس من أذرع الناس، من أذرع الملائكة، يُدخل من منخره، فيخرُج من دبره ثم يلف بالسلاسل ويسحب على وجهه إلى جهنم ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور:١٤] إذا به أول ما يأتيها تفتَّح أبوابُها أتعرف ماذا يرى فيها؟ يرى أصحابه في الدنيا قد سبقوه، يرى فلاناً الذي كان يدعوه إلى تلك الأماكن الفاسدة، يرى صاحبه الذي كان يصده عن الصلاة كلما أراد التوبة ويقول له: أتريد أن تتعقد؟ أتريد أن تتزمت؟ يا فلان عندنا فلانة، عندنا سهرة، عندنا فيلم، عندنا سَفْرة، عندنا كذا وكذا، يا فلان لا يضحكوا عليك، كلما أراد التوبة صده ورده فيراه قد سبقه إلى النار ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨].

стр. 605

بعض أوصاف النار عبد الله! لا أريد في هذه الدقائق أن أبخس وصف النار، النار وصفها لا نتحمله، بل كان بعض السلف إذا سمع وصفاً واحداً من النار بكى وخر على الأرض صريعاً. عبد الله! يكفي أن تعلم أن النار قبل أن يدخلها أهل النار أعاذنا الله وإياكم منها الشرارة الواحدة التي تتطاير منها بحجم القصر، شرارة نار الدنيا لو تقع عليك فلن تؤثر فيك إحراقاً، أما شرارة نار جهنم فبحجم القصر الكبير: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:٣٢ - ٣٣]. عبد الله! نار جهنم إذا علمت عن بعض أوصافها لا تنام الليل: [عجبتُ للنار كيف نام هاربها! وعجبت للجنة كيف نام طالبها!]. عبد الله! أهل النار يجوعون حتى أنهم من شدة الجوع الذي يعادل عذاب النار في جهنم، يأكلون الضريع؛ أتعرف ما هو الضريع؟ شوك ينبت في جهنم يأكله أهلها، فإذا أكلوا هذا الشوك وقف في حلوقهم، لا يبتلعونه ولا يخرجونه، فتغص الحلوق، يريدون أن يشربوا الماء فيستغيثون ربهم جل وعلا: يا رب الماء! يا رب الماء، يا رب الماء، ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ﴾ [الكهف:٢٩] انظر رحمة الله! يعطون الماء يقترب من الماء ليشرب من شدة العطش وتلك الغصة، فتسقط فروة الرأس من شدة حر الماء، ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف:٢٩] يشوي وجهه قبل أن يشربه، أتعرف إذا شربه ماذا يحصل له؟ تتقطع الأمعاء وتخرج من الدبر من شدة حره: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن:٤٤] لا يطاق من شدة حره، بل لا يستطيع أحدهم أن يشربه؛ لكن يشربه من شدة الجوع والعطش. يرون الزواني في النار يخرج من فروجهن صديد وقيح ونتن -أجلكم الله- فإذا خرج من فروجهن تسابق أهل النار إليه ليأكلوه من شدة الجوع: ﴿كَلا إنَّها لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج:١٥ - ١٦] تتشقق الجلود فيخرج منها الصديد ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَان وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧] نار من فوقهم ونار من تحتهم، يلتحفون النار ويفترشون النار، بل يأكلون في بطونهم النار: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة:١٧٤]. عبد الله! في ذلك العذاب والحميم ينادون فيقال لهم: يا أهل النار! يرفعون الرءوس ويفرحون، ويظنون أنهم سوف يخرجون منها، أتعرفون من هذا؟ فإذا بكبش أملح يقولون: نعم، إنه الموت نعرفه، مررنا عليه ورأيناه فيذبح بين الجنة والنار، فيقال لأهل النار: خلود فلا موت، ويقال لأهل الجنة: خلود فلا موت، عبد الله! أتعرف ما معنى خلود فلا موت؟ مليون سنة؟ مليونان؟ عشرة ملايين؟ مائة مليون سنة في هذه النار؟ خلود فلا موت: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]. عبد الله! والله لو كان مصيرهم الموت لكان أعظم نعيم، لكن ينادُون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] يجيبهم بعد آلاف السنين: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٧ - ٧٨] قرئ عليكم القرآن وذُكِّرتم ووُعِظتم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨]. عبد الله! أتعرف مصير مَن هذا الخلود في جهنم؟ مصير الكفرة الملاحدة، ومِن بينهم تاركو الصلاة (إن بين الرجل والكفر والشرك ترك الصلاة)، ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣] أول جريمة أوردتهم سقر ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣]. عبد الله! هذا مصير صنف من الناس، ولعله إن شاء الله سوف يكون بيننا وبينكم في يوم من الأيام القادمة بإذنه جل وعلا حديث عن مصير الصالحين، وأهل الذكر والطهر والعفاف، الذين هم في الدنيا من أهل السعادة وفي الآخرة من أهل النعيم، سوف يكون إن شاء الله بيننا وبينكم لقاء، حتى يتشوق الإنسان إلى مصيرهم وإلى حياتهم الكريمة السرمدية الأبدية.

стр. 606

دعوة إلى التوبة عبد الله! في الختام أدعوك لأمر واحد: أن تبكي هذه العين على تلك الذنوب والمعاصي، أن تفكر ماذا أسلفت وماذا قدمت ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨]. واعلم يا عبد الله أن الموت يأتي بغتة، وأن شروط التوبة ثلاثة:- أولا: ً الندم على ما مضى. ثانيها: العزم على ألا تعود إلى تلك الذنوب والمعاصي. ثالثها: أن تقطع الصور، وأن تحرق تلك الأفلام الخليعة، وتفارق تلك المجالس النتنة، وتبتعد عن أهل السوء، وأهل الفسق والفجور، وتلتحق بركب الصالحين. واعلم يا عبد الله أن الله جل وعلا يعينك: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] ومن تاب تاب الله عليه، لعلها دمعة يمسح الله بها جميع الذنوب والمعاصي، وتبدأ بينك وبين الله صفحة جديدة. أسال الله أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ويثبت أقدامنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 607

الأسئلة

стр. 608

سجن بولس السؤال يسأل سائل ويقول: السلام عليكم ورحمه الله وبركاته، يا شيخ هناك في جهنم سجن -وقد أوردت اسم هذا السجن ولكن للأسف ليست الكلمة واضحةٌ- وقد رواه الإمام أحمد في كتاب الفتن والملاحم لـ ابن كثير؟ الجواب هذا السجن يسمى سجن بولس، وهو حديث صحيح، رواه الإمام أحمد، وذكره الألباني في الصحيحة، وهو أحد السجون في جهنم، ولجهنم أوصاف لم تذكر، وأمور فوق الخيال وفوق التصور، ومهما وصفنا وتخيلنا فهو أعظم بكثير جداً، بل لا تستطيع أن تتخيل: نار أشد من نار الدنيا بسبعين مرة، بل لا تستطيع أن تتخيل هذه النار التي يجرها سبعون ألف ملك مع كل زمام، ولها سبعون ألف زمام.

стр. 609

مراتب الذكر وكيفياته السؤال وصف الله تعالى المؤمنين بالذاكرين، فكيف يكون الذكر؟ الجواب ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] فالذكر أيها الإخوة ثلاثة أصناف أو ثلاثة أنواع: ذكر باللسان: بعض الناس يذكر بلسانه لكنه لا يستشعر، مثل بعض الناس يذكر الله هو يمشي: إنا لله وإنا إليه راجعون، لا إله إلا الله، لكن لا يستشعرها بقلبه؛ هذه أقل درجات الذكر، يؤجر لكنها أقل درجات الذكر. الذكر الثاني: ذكر القلب: لا يذكر بلسانه؛ لكن يتذكر ربه دائماً، قلبه حينئذٍ يخاف من الله، يرجو الله، يستعين بالله، لكن لسانه لا يذكر ربه. الثالث وهو أعلى الدرجات: ما واطأ اللسان القلب: يذكر ربه بلسانه وبقلبه، إذا قال: استغفر الله، فهي من اللسان ومن القلب. والذكر يا عبد الله ليس باللسان فقط بل حتى بالجوارح؛ الصلاة ذكر، والصيام ذكر، والزكاة ذكر، والأمر بالمعروف وطلب العلم ذكر، كل هذا ذكر يا عبد الله، كل ما فعلت من طاعة فهو ذكر لله جل وعلا. أما الذكر فهناك أذكار مقيدة وأذكار مطلقة: من الأذكار المقيدة: أذكار مثلاً تكون عند مناسبات مثل: عند دخول البيت، والخروج من البيت، قبل أيام سمعت عن شاب، جاءني والده، يقول: دخل أجلكم الله الحمام يقول: سقط انزلق في الحمام ووقع، يقول: من ذلك اليوم من وقوعه يبكي ويفزع، أخذ يبكي ويصيح من ذلك اليوم الذي دخل أجلكم الله فيه الحمام وسقط؛ فلعله يكون التفسير فيه شيء من الوضوح، سألت هذا الشاب قلت: لما دخلت أجلك الله إلى الحمام ذكرت الله أم لا؟ يقول: نسيت، رجل صالح لكن نسي، تلك اللحظة نسي أن يذكر الله: (باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث). الحشوس -الحمامات- ممتلئة بالشياطين وبعض الشياطين خبيث يترصد لبعض الناس الذين يريد أن يصدهم عن الذكر وعن الصلاة وعن الطاعة، فإذا غفل مرة عن ذكر الله أصابه، وهذا يحدث كما قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٥] يعني: بعض الناس يتخبطه الشيطان من المس وهذا لعله يراه بعض الناس، الحصن من ذلك ذكر الله، إذا دخلت البيت وقلت: باسم الله، انحبس خارج البيت ولا يدخل، فإذا قلت عند العشاء: باسم الله منع من العشاء والطعام، وهذا الأمر حقيقة، بل بعض الناس كما قال الله جل وعلا: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾ [الإسراء:٦٤] يجامع زوجته معه نعوذ بالله! ألا تغار على زوجتك؟ بعض الناس الشيطان يجامع زوجته معه وهذا في القرآن موجود، إذاً ما الحصن؟ تذكر الله جل وعلا، تقول: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، هذا عند الجماع. إذاً ذكر الله عند مناسبات يحصنك من الشيطان. وهناك ذكر مطلق: في جميع الأحيان (سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله) (كلمتان خفيفتان على اللسان) يا أخي تنتظر الدوام وأنت في السيارة ذاهب إلى العمل وأنت راجع إلى البيت تنتظر دورك عند مستوصف عند جمعية في أي مكان تنتظر حرك لسانك بالذكر (خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن؛ سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) إذا قلتها مرة غرست لك نخلة في الجنة، وما من شجرة في الجنة إلا ساقها ذهب، أتريد كنزاً من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة. (من قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر). فضل عظيم وأجر كبير لكن من منا يحسن هذا الأجر؟! (من كان خالياً بالله وذكره) أي: من يذكر الله؛ سواء بشريط قرآن، أو درس، أو محاضرة، أو هو يذكر الله في السيارة قال النبي ﷺ : (إلا كان رَدِفُه ملَك، ومن اختلى بالشيطان وذكره) وذلك مثل الغناء، والموسيقى، والفجور، والمعازف في السيارة- قال: (إلا كان رَدِفُه شيطان) أعاذنا الله وإياكم منه، هذا لو أصيب بحادث هل يذكره الشيطان بـ (لا إله إلا الله)؟ وصاحب الذكر إذا أصيب بحادث ذكره الملك بالشهادتين، أما ذاك فيذكره بالفساد والمنكر. إذاً يا إخوة على الواحد منا أن يكون لسانه رطباً بذكر الله حتى إذا جاءته منيته يكون أول ما يتذكر (لا إله إلا الله) (ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة).

стр. 610

عذاب آل فرعون في البرزخ السائل: يقول السائل: ما معنى قوله تعالى في سورة غافر: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]؟ الجواب هذه الآية استدل بها أهل السنة والجماعة على ثبوت عذاب القبر، قبل اليوم الآخر، وذكرنا القبر في هذا الدرس من باب أنه بدايات لليوم الآخر، وهو أول منازل اليوم الآخر، والله ذكر عن آل فرعون، أنه جاء رجل مؤمن من آل فرعون يدعوهم إلى الله، هذا الرجل علم أن فرعون وحاشيته ووزراءه سوف يقتلون موسى، وموسى رجل ضعيف ليس له جيش ولا عنده شيء، جاء يدعو فرعون إلى الله، ذكره بالله، فأبى فرعون، وتجبر وطغى، وجمع الحاشية واستشارهم قالوا: اقتله، وهذا الرجل من الحاشية؛ لكن فيه خير، آمن وكتم إيمانه، ولكن لما سمع أنهم سوف يقتلون موسى ما رضي، إنكار المنكر يصل إلى حد معين، فذهب بسرعة إلى موسى يخبره وينذره، وجاء إلى فرعون ومن معه، جاء يخبرهم ويذكرهم ويدعوهم إلى الله قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهٌ﴾ [غافر:٢٨] أي أنه ما ضركم بشيء، إنما يدعو إلى الله، قال: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر:٢٨] يعني: إذا كان كاذباً فما ضر إلا نفسه ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُم﴾ [غافر:٢٨] يصبكم بهذا العذاب الذي يتوعدكم به، اتركوه، ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْض﴾ [غافر:٢٩] اليوم لكم القصور والنعيم، وهذه القوة والعسكر والجيش؛ لكن من ينصركم من بأس الله إن جاءكم؟ ﴿مَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩] دعاهم إلى الله فأبوا، ذكرهم بالله فقتلوه أو طردوه، فنجاه الله جل وعلا، أتعرف ما الذي حصل لآل فرعون؟ أغرقهم الله في اليم، كان فرعون يوماً من الأيام يقول: هذه الأنهار تجري من تحتي، فأجرى الله الأنهار من فوقه! تجري من تحتك يا فرعون؟ اليوم تجني هذه الثمرة وتجري الأنهار من فوقك، أغرقه الله في اليم، نبذه في اليم وهو مليم. فرعون كان يوماً من الأيام يقول لشعبه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩] ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤]. جاء إلى موسى؛ أتعرف ماذا قال في موسى؟ قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر:٢٦] يا ناس، يا شعب، أخاف أن يضيع دينكم ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] أخاف أن يفسد في الأرض، يثير الفتن في الأرض، سبحان الله! يقول ابن كثير: سبحان الله! صار فرعون خطيباً، صار فرعون يخاف على دين الناس، ويخاف على الصلاح، ويخاف الفساد في الأرض قال: ﴿أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦]. قال الله عن فرعون وحاشيته: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً﴾ [غافر:٤٦] يعني: في بداية النهار ونهايته في قبورهم إلى إن تقوم الساعة، يحترقون بالنار إلى أن تقوم الساعة، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] فرعون والحاشية والجنود والعسكر والزمرة الطاغية كلها، التي كفرت بالله وعاندت شرع الله، وحاربت الأنبياء والرسل كلها معه في نار جهنم ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] هذا هو تفسير الآية والله أعلم.

стр. 611

الأدلة على وجود عذاب القبر السؤال يسأل سؤالاً ويقول: رجل يقول: أريد دليلاً على عذاب القبر من الكتاب وإذا قيل له: ذكر في السنة المطهرة لا يقبل إلا بالدليل من الكتاب فكيف يرد عليه؟ الجواب هذه الآية التي ذكرناها قبل قليل. وقوله جل وعلا ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ [المؤمنون:١٠٠] البرزخ هو: عذاب القبر أو نعيمه، الحاجز الذي بين الحياة الدنيا واليوم الآخر؛ قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠] أي: قبل البعث هناك برزخ؛ ما هو البرزخ؟ هي حياة بين الدنيا وبين الآخرة، فمن أهل الإيمان من يعذب في قبره؛ حتى يتصفى من الذنوب؛ لأنه ما تاب منها، فهو مصلٍّ وراكع وساجد لكن عنده ذنوب ومعاصٍ يتعذب في قبره حتى يصفيه الله وينقيه قبل اليوم الآخر. إذاً هو موجود في هاتين الآيتين في كتاب الله. وهناك آيات أخرى كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال:٥٠] هذا أيضاً من أدلة عذاب القبر. وهناك من السنة الأدلة الكثيرة المتواترة الصحيحة، كلها عن النبي ﷺ في إثبات عذاب القبر. وهذا لعله يكون فيه من الأدلة واليقين ما تطمئن به قلوب المؤمنين وتتيقن بصحته والله أعلم.

стр. 612

حقيقة المغفرة وضرورة التوبة والندم السؤال يقول السائل: كيف يتوب الإنسان من المعاصي؟ وإذا كان لا يصلي أو يتهاون بالصلاة، وإذا سئل عن ذلك قال: إن الله غفور رحيم؟ الجواب لا حول ولا قوة إلا بالله! إن الله غفور رحيم، لعباده الصالحين. أخي الكريم! لعلك تقول: الصالحون لا يحتاجون مغفرة، فأقول: أفضل الخلق غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو يحتاج إلى المغفرة ﵊، الله غفور رحيم لأهل صلاة الفجر، لأهل الذكر، لأهل الدعوة إلى الله، لأهل الصلاح، هؤلاء يحتاجون مغفرة الله، أما للفجار الفساق فهو شديد العقاب، وهو عزيز ذو انتقام، ولا تخفى عليه خافية، فهو يستدرج عباده، فاعقل وتدبر قال الله : ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٢ - ١٨٣]. عبد الله! إن الصالحين قال الله عنهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠] قالت عائشة: (يا رسول الله! ألزناة، شاربو الخمور، السراق، هم الذين يخافون، قلوبهم وجلة؟ قال: لا يا ابنة الصديق هم المصلون، هم الصائمون، هم الصالحون الذين يعملون ويخافون أن لا يُتَقَبل منهم) أرأيت الصالح! يخاف أن الله لا يقبل عمله، والعجيب من الفاجر الذي يأمن مكر الله، قال عبد الله بن مسعود: [المؤمن يرى ذنبه كأصل جبل يوشك أن يقع على رأسه، والفاجر يرى ذنبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا] ربما يشرب خمراً، ربما يترك صلاة، ربما يفعل معاصي كبيرة، وكأنها ذبابة وقعت على أنفه فقال بها هكذا، وكأنه لا يبالي، وهذه علامة المنافق وتلك علامة المؤمن. عبد الله! هذه نتكلم فيها عن الفسقة، أما عن الذين لا يصلون فحدث ولا حرج، حديثهم حديث الكفار نسأل الله العافية، كيف تكون التوبة؟ بالندم والعزم والإقلاع عن هذه الذنوب والمعاصي.

стр. 613

الرد على شبهة من يقول: إذا هداني الله فسأصلي السؤال يقول السائل: ما رأيك فيمن نقول له: صلِّ أو تُب إلى الله، ويقول: إذا الله هداني صليت؟ الجواب كما قال المشركون في عهد النبي ﷺ : ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] إذا أراد الله أن يهدينا فليهدنا، أراد الله أن نسجد للصنم فنسجد للصنم، وهذه عقيدة تسمى عقيدة الجبرية، وهي عقيدة ضالة ليست من عقائد أهل السنة. أهل السنة كما قال الله جل وعلا فيهم: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً﴾ [محمد:١٧] ابدأ يا عبد الله، لا تقل: إذا أراد الله أن يهديني اهتديت، أسألك بالله الآن سؤالاً: أنت لِمَ تأتي إلى هذا المكان وتلبس هذا الزي وتحضر الدوام لِمَه؟ لأجل المعاش والراتب، لِمَ لا تجلس في البيت وتقول: إذا أراد الله أن يرزقني يرزقني؟ ما تفعلها، تأتي وتتعب وتقوم من نومك مبكراً وتحضر الدوام، لأن هذا العاقل يسعى حتى يحصل على الرزق، هل إذا جعت أخي الكريم تجلس تنتظر وتقول: إذا أراد الله أن يشبعني أتاني بالطعام؟ لا تفعلها، بل تذهب إلى المطبخ، وإلى الثلاجة، وإلى المطعم، وتطلب الطعام وتأكل حتى تشبع، لِمَ تبذل السبب؟ لأجل الدنيا؛ لكن لما نقول لك: تعال صلِّ؛ تقول: إذا أراد الله أن أصلي صليت، سبحان الله! هنا تسعى لأجل الدنيا ولكن لأجل الآخرة ما تبذل ولا تسعى؟! قال الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] أنت الذي جنيت على نفسك ولا تقل: لو أراد الله أن يهديني اهتديت، هذه كلمة كاذبة من ناصية خاطئة. عبد الله! إذا سعيتَ إلى الهداية وفقك الله، وإذا بذلت أعانك الله، وإذا سعيت فتح الله لك أبواب الخير، أما أن تجلس في البيت وتقول: لو أراد الله أن يهديني اهتديت، هذا كله ضحك، وما تخدع إلا نفسك يا عبد الله.

стр. 614

ثلاثة مواقف إيمانية الاستسلام لأمر الله لا يكون بمجرد الكلام، بل لابد من الفعل والتضحية، وهنا ثلاثة مواقف تدل على كمال الاستسلام لأمر الله أياً كان هذا الأمر. الموقف الأول: موقف إبراهيم ﵇ عندما أمر بذبح فلذة كبده إسماعيل، فقام منفذاً لأمر الله، ولما علم الله صدقه فدى ابنه بكبش عظيم. الموقف الثاني: موقف موسى ﵇ عندما أمره الله بالذهاب إلى أكبر طاغية على وجه الأرض في تلك الأيام، فلبى أمر الله وذهب، فأنقذه الله وأهلك فرعون. الموقف الثالث: غلام مازال في ريعان الشباب، يموت لتحيا أمة، ويضحي بجسده لينقذ أجساداً كثيرة من النار؛ استسلم لأمر الله وهو التضحية في سبيل الله.

стр. 615

موقف إبراهيم ﵇ إمام الموحدين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: أيها الإخوة الكرام: العنوان كما سمعتم: (مواقف إيمانية)، وسوف أقتصر في هذا المجلس على ثلاثة مواقف إيمانية، وقد ذكرها الله كلها في القرآن، ولعلك قد قرأتها من قبل أو استمعت إليها، ولكن أرجو منك أن تعيش معي هذه المواقف الثلاثة، فإنها مواقف عظيمة رهيبة، إذا وقرت في القلب أثمرت الإيمان واليقين بالله تعالى، وإن تدبرت هذه الآيات التي تتلى، وتلك المواقف التي تذكر، سوف تصبر على كل طاعة، وتترك كل معصية بإذنه جل وعلا؛ ذلك لأنه كلام الله الذي إذا ذكر على المؤمنين وجلت القلوب، وذرفت العيون، وازداد الإيمان كيف لا وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لصار هذا الجبل من تأثره بالقرآن خاشعاً متصدعاً من خشية الله. ولكن بعض القلوب لا تتأثر بكلام الله جل وعلا، ولهذا يقول الله ﵎: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ما بال هذه القلوب أقفلت وكأن عليها أقفال لا تتأثر ولا تتدبر ولا تتعظ، ولا يوجل القلب، ولا ترجف الأعضاء، ولا يقشعر الجلد، ولا تدمع العين؟! وكأنه يسمع كلام بشر لا كلام رب البشر جل وعلا، يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦]، قال ابن مسعود: [أربع سنوات أسلمنا فعاتبنا الله]. إلى متى؟ ألم يحن الوقت الذي تخشع القلوب فيه لذكر الله؟! إلى متى الواحد منا عُمِّر في الإسلام بل وَشَابَ فيه؟! وبعضنا -للأسف إلا من رحم الله- لا يخشع من كلام الله جل وعلا. الموقف الأول: موقف أبينا إبراهيم ﵇، أبو الأنبياء، وإمام الموحدين ﵊، وخليل الرحمن إبراهيم ﵇ الذي امتلأ قلبه بالإيمان منذ الصغر، فكان رجلاً شجاعاً في ذات الله، كسر الأصنام وفتتها حتى جعلها جذاذاً فتاتاً. ولما كبر وهجر قومه ولم يبق له بعد الله إلا زوجته، أراد أن تكون له ذرية، فما قضى الله له بالذرية، حتى كبر في السن وشاب شعر رأسه، فإذا به يدعو الله ﵎ فيقول: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩] ترك قومه وترك أباه، ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠]. يا رب! هب لي ذرية، قد كبر في السن وطعن حتى أوشك على الوفاة، ولم يعطه الله الذرية، وكم من الرجال اليوم الذين كبرت بهم الأعمار وهو عقيم يتمنى لو أنفق كل أمواله، بل يتمنى لو أنه قطع من جسمه عضواً ويعطيه الله الولد، فإن أحلى كلمة عنده في الوجود أن ينادى: يا أبتِ أو يا أبتاه.

стр. 616

إبراهيم ﵇ يرزق ولداً يرفع إبراهيم ﵇ يديه إلى الله ويقول: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠] وإذا به يبشَّر ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١] فأنعم الله جلَّ وعلا عليه بالولد، من هو هذا الولد؟ إنه إسماعيل نبي ابن نبي إسماعيل ﵇، ويا لله كم فرح واستبشر إبراهيم بهذا الولد! وهل تظن أن إبراهيم ﵇ يحب في الدنيا شيئاً أكثر منه؟ لا أظن هذا لقد جاءه بعد كبر، وجاءه بعد شيخوخه، فرباه على عينيه، وتعب عليه، حتى بلغ معه السعي، وبدأ إسماعيل يعمل مع أبيه إنها أحلى لحظات الحياة، أن ترى ابنك الذي ربيته على يديك، وخرج من ظهرك وتعبت عليه، تراه وأنت قد كبرت في السن يتعب ويسهر على راحتك، ويساعدك في العمل، ويقوم بأعباء الوظيفة، وأعباء البيت والمنزل، وأنت جالس مرتاح، والابن بار يقوم على راحتك.

стр. 617

أمر الله لإبراهيم بذبح ابنه إسماعيل نام إبراهيم ﵇ ليلة من الليالي فإذا به يرى في المنام أمراً مفزعاً ما الأمر الذي رآه إبراهيم؟! وتخيل ذلك الموقف! يرى إبراهيم في المنام أنه يحمل سكيناً، ويأتي إلى ابنه إسماعيل فيذبحه بهذا السكين إنا لله وإنا إليه راجعون! ورؤيا الأنبياء وحي من الرحمن جلَّ وعلا فإذا بإبراهيم يقوم فزعاً، ولكنه كان مستسلماً لأمر الله جلَّ وعلا، فإنه وحي من الله: يا إبراهيم! اذبح ابنك الذي ظالما انتظرته، ولطالما اشتقت إليه وتعلق قلبك به! لم يقل الله: أرسله للجهاد ليموت، ولم يخبره الله أنه سوف يموت بمرض أو بقتل قاتل، لا. بل قال: يا إبراهيم! احمل سكيناً واذبح ابنك بيديك! ماذا تظنه سيفعل؟ هل سيسلِّم أمره لله جل وعلا؟ إنه أمر من الله . قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ﴾ [الصافات:١٠٢] انظر إلى الأسلوب! الأب يكلم ابنه ويقول: يا بني! وقد كان صغيراً في السن ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ﴾ [الصافات:١٠٢] ورؤيا الأنبياء حق ووحي من الرحمن جل وعلا. ماذا ترى يا أبي؟ ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] يا أبي! ماذا تقول؟ فيقول: أمرني الله في المنام أن أضجعك على الأرض وأحمل سكيناً فأنحرك بيدي. الأمر صعب -يا أخي- وقد تقول: إنه لابد من الاستسلام لله جل وعلا، ولكن لو وقع عليك الأمر فهل تستسلم؟ قال سبحانه: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] فكر وابحث في الأمر شاور نفسك اجلس بينك وبين نفسك لكن إسماعيل ﵇ كان باراً بأبيه، ومسلماً لله جل وعلا، فقد سلَّم أمره لله ﵎، وانظر إلى الأدب وإلى الاستسلام لله جل وعلا! ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢] انظر إلى الأسلوب! قال: يا أبت! يذكره بالأبوة، أنت أبي وأنا ابنك، ومهما فعلت فأنت أبي، ثم يقول له: افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ، إنني ابنك وأنت أبي، لكنها طاعة الرب جلَّ وعلا، والاستسلام له . ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الصافات:١٠٢] يأمر الله تعالى بذبحه وعلى يد أبيه، وهو يقول: إن شاء الله انظر إلى الأدب مع الله ، وانظر إلى الاستسلام الكامل لله ﵎، يقول: سوف أصبر، لكن ليس بحولي ولا بقوتي ولا بشجاعتي، فالقضية ليست شجاعة، ولا قوة، وليست جرأة؛ إن القضية إيمان بالله جلَّ وعلا، وتوكل على الرحمن ﵎ ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] وبعض الناس -للأسف- لا يصبر على أموال يتركها، أو على وظيفة يدعها لله جل وعلا، ولا يتحمل ألماً لأولاده أو بكاءً لصبيانه عندما يخرج التلفاز من البيت، أو يمنع ذلك الدش أو البث المباشر عنهم، يقول: لا أصبر على بكائهم وحنينهم، ولا أصبر على طلباتهم؛ فيأتي بالتلفاز بيده إلى البيت، أو يأتي بذلك الستلايت (البث المباشر) ليضعه في البيت فيدمر أخلاق أهله وأولاده يقول: لا أصبر، وهذا إسماعيل الصغير يقول: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]. وهل كان هذا ادعاء؟ وهل كانت فقط كلمات وألفاظ يتلفظ بها إسماعيل وأبوه؟ لا. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات:١٠٣] لا تقل: إنني مسلِّم، ثم لا تستسلم لله جل وعلا، فلما أسلما، أي: سلَّما أمرهما لله جل وعلا جاء إبراهيم بابنه إسماعيل وكان شاباً صغيراً يعمل مع والده، فحمله ووضعه على جنبه على الأرض وأكبه على وجهه، وجاء بالسكين لينفذ أمر الله جل وعلا، وهو مستسلم لله ﵎ انظروا الإسلام! انظروا الصبر على طاعة الله! وجعل وجهه في مقابله حتى لا يراه؛ لأنه لا يتحمل هذا المنظر، ولكن حباً لله جل وعلا، ورضىً بأوامر الله ﵎ فجاء بالسكين ووضعها على نحر إسماعيل ﵇: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] تله أي: وضعه وأكبه على وجهه، ووضع السكين على رقبته وكاد أن ينحره.

стр. 618

فداء إسماعيل بالكبش قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الصافات:١٠٤] التفت إبراهيم فإذا به يسمع المنادي يناديه: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٥ - ١٠٧].

стр. 619

العظة والعبرة من قصة إبراهيم مع انبه هل ستصبر يا عبد الله؟! وهل ستصبري يا أمة الله؟! وهل سنصبر -أيها الإخوة- على ذبح أولادنا؟ مع أن الله لم يأمرنا بهذا، فإن بعض الناس أمره الله أن يخرج من كل ألف خمسة وعشرين ديناراً، فلا يمتثل، ويقول: أموالي جمعتها بيدي فكيف أخرجها لمن لم يتعب عليها؟ ويأمره الله جلَّ وعلا أن يخرج من هذه الوظيفة؛ لأنها حرام، وموردها وأموالها حرام، فلا يصبر على هذا ولا يتحمل، ويقول: كيف أعيش؟ كيف أنفق على أولادي؟ كيف أرزق نفسي وأهل بيتي؟ انظر إلى الإسلام عند إبراهيم وانظر إلى الإسلام عندنا! قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] وقد أخبر ﵊ أن هذا القرض من الربا آخذه مرابٍ، ومعطيه مرابٍ، وكاتبه مرابٍ، والشاهد عليه كلهم سواء في لعنة الله جلَّ وعلا، فهل أنت مستسلم لأمر الله ﵎؟! أم أنك تقول: أنا محتاج للقرض، أريد أن أثث بيتي، وأريد أتزوج، وأريد أشتري سيارة، فتأخذ القرض من الربا فهل أنت مستسلم لله جلَّ وعلا، أم أن هذه القصة وهذا الموقف يمر علينا وكأننا لا شأن لنا به؟! يخبرنا الله جلَّ وعلا بهذه القصص في القرآن لنعتبر ولنتأثر بذلك النبي الذي وصل به الحال إلى أن يذبح ابنه لله جل وعلا! فهل نحن فاعلون ومستجيبون لله ﵎؟!

стр. 620

موقف موسى ﵇ والسحرة مع فرعون وهذا موقف آخر، وهو موقف عظيم، وسوف أخبرك به بالتفصيل؛ لتعيشه وتعيش تلك الأجواء، فإنه مشهد عظيم، أخبر الله به أكثر من مرة في القرآن، بصور عديدة، وألفاظ متعددة؛ وذلك لنستشعر تلك المواقف ولنعيشها. إنه موقف وقع لموسى ﵇، ولأولئك السحرة، واسمع إلى ذلك الموقف واعتبر وتدبر؛ لأن أولئك السحرة شأنهم عظيم، وأمرهم عجيب! حتى قال ابن عباس ﵄: [أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء بررة] فاسمع إلى موقفهم ومشهدهم:

стр. 621

موسى في قصر فرعون جاء موسى ﵇ بعصا ومعه أخوه هارون إلى ذلك القصر العظيم؛ قصر فرعون، الذي كان يقول للناس: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ليس أي رب! بل الأعلى، واستأذن موسى من البوابين، وقال: أريد أن أدخل على فرعون. قالوا: أنت تدخل على فرعون!! أنت صاحب العصا، والملابس الرثة وتدخل على فرعون! قال: استأذنوه، فأذن له فرعون متعجباً من أمره، فدخل موسى الذي ربي في قصر فرعون، فقال له: ما الذي جاء بك يا موسى؟ قال: جئت أدعوك إلى الله جل وعلا وإلى أن تزكى! فإذا بفرعون يتجبر ويطغى ويرعد ويزبد، فقال له موسى: إن جئتك بآية أتؤمن بها؟ قال: ائت بها، فإذا بموسى ﵇ يخرج يده فإذا هي بيضاء، ويلقي عصاه فإذا هي ثعبان فخاف فرعون، وقال للملأ يستشيرهم: ماذا أفعل؟ قالوا: أَرْجِهْ وَأَخَاهُ. أي: أخره وأخاه، لا تقتله، افضحه عند الناس، اكشف لعبته وسحره أمام الملأ. قال بعضهم: أخره أربعين يوماً. فقال: يا موسى! نؤخرك إلى يوم بيننا وبينك ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه:٥٩]-وهو يوم العيد- أريد أن يكون الموعد في يوم العيد؛ اليوم الذي يجتمع فيه الناس كلهم ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً﴾ [طه:٥٩] ليس في الليل ولا في الفجر، بل في الضحى وكل الناس فيه منتبهون، ليس هناك رجل نائم ولا غائب، بل كلهم مجتمعون -انظر الواثق بدينه وبربه والمستيقن به- قال فرعون: لك ذلك.

стр. 622

حشد فرعون للسحرة ذهب موسى مع هارون، وذهب فرعون يحشر السحرة من قومه، وكان قوم فرعون مشتهرين بالسحر، فأتى فرعون بكل ساحر عليم، وهم أعظم السحرة قال ابن عباس: بلغوا سبعين ساحراً. وقال بعض المفسرين: بلغوا اثني عشر ألف ساحر. وقال بعضهم: بلغوا ثلاثين ألفاً، وقال بعضهم: بلغوا تسعين ألف ساحر، اجتمعوا عند فرعون يوم الزينة، وكان في الصف المقابل لهم موسى الضعيف الذي لا يملك إلا عصا، ولا يكاد يبين بقوله؛ ولذلك طلب أخاه هارون، وقال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾ [القصص:٣٤] إن الموقف رهيب، والحشد عظيم؛ والجمهور كبير! كل القوم قد تجمعوا وتجمهروا لذلك الموعد، وجاء فرعون واجتمع مع حاشيته ينظرون إلى هذه المباراة، وذلك المشهد العظيم. وعندما أتى السحرة قالوا لفرعون: ﴿أَإِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء:٤١] أي: يا فرعون! إذا غلبنا موسى وهارون هل لنا جزاء من أموال ومناصب؟ ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف:١١٤] الأمر عجيب! فرعون يجابه موسى ما الذي منع فرعون عن قتل موسى؟ لِمَ لمْ يقتله كحال غيره من البشر؟ لِمَ لمْ يقتله كما قتل الماشطة؟ إنها الهيبة من موسى قذفها الله في قلب فرعون، فإذا به يصاب بالرعب، وإذا به يجمع السحرة كلهم -بل أعظمهم- ويعدهم بالأموال والمناصب، ويقول لهم: ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف:١١٤]. إنهم الطواغيت؛ طواغيت البشر، الذين يدعون الربوبية، فقد كان فرعون يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] هذه هي ربوبية فرعون، وربوبية غيره الذين يقولون: لا حكم إلا لنا، فهي ربوبية واحدة، هذه ربوبية وهذه ادعاء الربوبية، فعندما قال فرعون: أيها الناس: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي، ويأتي غيره ويقول: أيها الناس: لا حكم لكم غير حكمي؛ فهما سواء، قال الله جل وعلا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] فتوحيد الحكم من توحيد العبادة، بل هو أصل من أصول توحيد العبادة، ولهذا كان فرعون يستعبد الناس، فالحلال ما أحله فرعون، والحرام ما حرمه فرعون، قال عدي بن حاتم لمَّا سمع قول الله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] قال: (يا رسول الله! والله ما عبدناهم -ما جعلناهم أرباباً- قال: ألم يحلوا لكم الحرام فتحلونه، ويحرموا عليكم الحلال فتحرمونه؟ قال: نعم. -وهذا شيء منتشر عندنا- قال: فتلك عبادتهم) فلا يشترط السجود، ولا يشترط الذبح، ولا يشترط الطواف بقصره وبكرسيه، وذلك الملك لا يريد هذا، إنما يريد أن يكون الحلال ما أحله، والحرام ما حرمه، وكل حكم فوق حكمه لا قيمة له، كما قال ذلك الطاغية الفاجر: ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار

стр. 623

المواجهة بين موسى وفرعون اسمع -يا عبد الله- إلى موسى كيف قذف الله الرعب والهيبة في قلب فرعون! فِإذا بموسى الضعيف يقف في صف مع هارون، وألوف السحرة -إن صحت الرواية- في الصف الآخر، فإذا بموسى يكلمهم وينصحهم إعذاراً إلى الله جل وعلا: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه:٦١] يستأصلكم ويقتلكم ويعذبكم، ويلكم! أتفترون على الله؟! قد خاب من افترى فإذا بصف السحرة يموج، وإذا بالضوضاء تنتشر، وإذا كثير من السحرة يتزعزع صفه وموقفه، خافوا من كلمتين ألقاهما موسى، وعلم بعض السحرة أن هذه الكلمات ليست بكلمات بشر، وأن فيها هيبة رب البشر؛ فإذا بالسحرة يتنازعون فيما بينهم، قال الله: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه:٦٢] بدأ الهمس بين السحرة وموسى ينظر، وحشود الناس ينتظرون، وفرعون ينظر مع حاشيته إلى ذلك الموقف، ما الذي حصل؟ همس بين السحرة، فكانوا يقولون: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى * فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ [طه:٦٣ - ٦٤] فإذا بالصف يرجع مرة أخرى، ويقفون كلهم صفاً واحداً جبارون متكبرون طغاة أمام موسى وهارون وليس معهم إلا عصا. ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه:٦٥] انظر إلى التحدي! فهم لجرأتهم ووثوقهم بأنفسهم يقولون: يا موسى! أتريد أن نلقي نحن أولاً أم أنت الذي تلقي عصاك؟ اختر ما تشاء يا موسى -يثقون بأنفسهم وثوقاً عجيباً- وإذا بموسى ﵇ يرد عليهم بكلمة كالمستهزئ بهم: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ [طه:٦٦] ابدءوا بالإلقاء والناس ينظرون، فإذا بألوف السحرة كل واحد يرمي عصاه والوادي أمامهم، فإذا بالوادي يموج بالثعابين والحيات ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٥ - ٦٦] انظر إلى المنظر العجيب! الناس خافوا، وبعض الجمهور تراجع من شدة الخوف، فإن الوادي كله قد امتلأ بالأفاعي وامتلأ بالحيات، هذا المشهد الذي يخبر الله عنه بقوله: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف:١١٦] قذف الرعب والرهبة في قلوب الناس، بل حتى موسى ﵇، قال الله: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:٦٧] ولم يخف من الحيات والثعابين، إنما خاف على الناس، خاف أن يظل الناس وأن يكفروا، وخاف عليهم الناس أن يزدادوا كفراً وطغياناً ولكن انظر إلى ذلك الموقف، فرح فرعون واستبشر، نظر إلى ذلك السحر فازداد طغياناً وعتواً، فإذا بالوحي ينزل من السماء: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف:١١٧] وماذا عساها تفعل مع هذه الثعابين؟ فقد ملأت الوادي ألوف الحيات والثعابين قال الله له: ﴿قٌلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ [طه:٦٨ - ٦٩] ألق ما عندك، عندك العصا ابذل السبب، إن المعركة بينهم وبين الله جلَّ وعلا ليست بينهم وبينك يا موسى، أنت ليس عندك شيء، أنت لا تملك إلا عصاً إن المعركة ليست بين الداعية الضعيف الذي لعله سجين، ولعله مكمم فاه، ومغلوب على أمره، ليست بينه وبين تلك الحشود وتلك الأمم، وليست بينه وبين تلك الضلالات إن المعركة بين الله جل وعلا وبينهم: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]. قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ [طه:٦٩] فيلقي موسى ما في يمينه ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف:١١٧] انقلبت عصاة موسى ﵇ ثعباناً حقيقياً، فابتلعت كل الثعابين التي في الوادي ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف:١١٧]. انظر إلى المشهد الرباني: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ [الأعراف:١١٨] يقول الله جلَّ وعلا: فوقع، وكأن الحق أمر ثقيل مستقر في الأرض يحطم ما تحته: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١١٨] وإذا بالسحرة يندهشون من الأمر: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١١٩] تعجب فرعون من هذا المنظر ما الذي حدث؟! ما الذي جرى؟! والجمهور ينظر، والناس تستغرب من الأمر.

стр. 624

سجود السحرة لله تعالى وإذا بالسحرة كلهم عن بكرة أبيهم آمنوا بالله جلَّ وعلا، وخروا على الأرض سجداً: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الأعراف:١٢٠] إنها اللمسة الربانية، إنه الإيمان الذي إذا وقر في القلوب بدد الظلام كله، إنه الحق إذا وقع ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الأعراف:١١٨ - ١٢٠] وماذا يفعل فرعون الآن؟ هل سجدوا فقط لله؟ لا. بل ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢١ - ١٢٢] ما تحمل فرعون هذا المنظر، فماذا سيفعل؟ وماذا سيصنع أمام الناس وأمام السحرة، بل أعظم السحرة؟ سجد السحرة كلهم لله ﵎ إنه الحق إذا وقع، وإنه الحق إذا جاء: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١]. قال فرعون: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه:٧١] أراد أن ينقذ نفسه من الموقف، انظروا إلى السخافة ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف:١٢٣] أيها السحرة: لِمَ لم تأخذوا الإذن مني حتى تؤمنوا؟ انظروا إلى السخافة والجنون إذا بلغ بالإنسان مبلغه إن الإيمان قد انفجر في قلوبهم ولم يتمالكوا أنفسهم إلا أن وقعوا لله سجداً، وتلفظوا بقولهم: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢١ - ١٢٢] كانوا قبل قليل يحاربون الله ويكرهون الناس على الكفر، ويقولون لفرعون: ﴿أإِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الأعراف:١١٣] يريدون الدنيا، وبعد لحظات وإذا بالأجساد تخر لله سجداً.

стр. 625

ثبات السحرة أمام تهديد فرعون وغضبه قال الله عن فرعون: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٢٣] بدأ الآن يهدد، ماذا تريد يا فرعون؟ قال: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:١٢٤] لا ينفع فيكم إلا التعذيب، سوف أصلبكم في جذوع النخل، وأقطع يد أحدكم ورجله حتى تموتوا ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١] يظن أن عذابه أشد من عذاب الله، ويظن أن ألمه أشد من ألم حر جهنم! فماذا قال السحرة؟ لقد كانوا قبل قليل يريدون أموالاً ومناصب، ويريدون التقرب والتزلف للحاكم، أما الآن فأجابوا ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ [طه:٧٢] لن نحكمك، ولن نختارك يا فرعون: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [طه:٧٢] لقد رأينا البينات، قال بعض المفسرين: إنهم لما سجدوا كل واحد رأى منزله في الجنة، لأنهم سجدوا يقيناً بالله ﵎، وأي إيمان هذا الإيمان أيها الإخوة! قبل قليل كانوا سحرة كفاراً طواغيت، وبعد قليل يؤمنون ويسجدون لله؛ فقد أروا مساكنهم في الجنة، فلما رفعوا رءوسهم قال: لأصلبنكم لأعذبنكم سأقطع الأيادي والأرجل، قالوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [طه:٧٢] وأقسموا على هذا: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ [طه:٧٢] أي: نقسم بالذي فطرنا على هذا ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] افعل يا فرعون ما تشاء عذب قطع الأيادي والأرجل اصلبنا على جذوع النخل، افعل ما تشاء: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢] مهما فعلت فإنها دنيا الله أكبر! أرأيت الإيمان إذا دخل في القلب كيف يستهين بالدنيا ويحتقرها! كيف تكون الدنيا لا تساوي عنده جناح بعوضة، قبل قليل يريدون المناصب والأموال والقربى، أما الآن فيقولون: هذه دنيا فانية ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه:٧٣] يقال: إنه جمعهم منذ الطفولة وهم أيتام، وجاء بهم وعلمهم السحر منذ الصغر، حتى كبروا وترعرعوا على السحر، إكراه من فرعون، والويل لمن يخالف: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٣] ثم إذا بهم يتكلمون عن الجنة والنار. وهل تظن -يا عبد الله- أن فرعون تركهم؟! لا. بل نفذ ما وعدهم به، صلبهم على جذوع النخل، وقطع الأيادي والأرجل، وبعد قليل كما قال ابن عباس: [أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء بررة]. عباد الله: أرأيتم إلى ذلك الموقف؛ موقف الداعية الثابت الصامد أنت لا تملك شيئاً، لا تملك إلا اللسان، والقلم، وهذا القلم وذلك اللسان يواجه تلك الجيوش الجرارة ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] لا تقل: أنا ضعيف، وما عندي شيء، لا تقل: الدعاة إلى الله عزل، أقول لك: الدعاة إلى الله جلَّ وعلا معهم الرب ﵎: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال:١٢] يلقي الله في قلوب أعدائهم الرعب ولا تقل: ما عندي جنود، ولا أسلحة، والمسلمون مستضعفون، واليهود والنصارى يقطعون في الأمة قطعاً ويمزقونهم تمزيقاً أقول لك: يا عبد الله! معك الرب جلَّ وعلا، إن موسى ما كان يملك إلا العصا وأمامه ألوف السحرة، وفرعون وما أدراك ما فرعون، ولكن نصره الله جل وعلا بم ذلك؟ بيقينه بالله ﵎، وثقته بنصر الله جل وعلا.

стр. 626

موقف الغلام المؤمن مع الملك الكافر الموقف الثالث والأخير: إنه موقف ذكره الله في القرآن، وأخبرنا به ﵊، وسوف أسرد عليك هذا الموقف سرداً لأنك سمعت به، ولكن أرجو منك أن تعتبر به، ونحن نحتاج إليه خاصة في هذا الزمن.

стр. 627

تعلم الغلام عند الساحر والراهب إنها قصة ذلك الغلام الذي تعلم السحر منذ الصغر عندما أجبره الملك على أن يتعلم السحر، وكان عندما يذهب إلى الساحر يمر بالطريق على راهب، وذلك الراهب كان يعبد الله جلَّ وعلا، وقيل: كان من قوم نصارى، وكان يأتي إلى هذا الراهب يسمع حديثه، ثم يذهب إلى الساحر، ثم يرجع إلى ذلك الراهب قبل أن يذهب لأهله، فكان أهله يضربونه على تأخيره، وكذلك الساحر لم تتأخر؟ وكان لا يخبر أحداً بمكثه عند الراهب، فقال له الراهب يوماً: إن سألك أهلك فقل لهم: أخرني الساحر، وإن سألك الساحر يوماً لِمَ تأخرت؟ فقل: أخرني أهلي، وإذا بالأيام والليالي تمر، فيزداد هذا الغلام علماً وفقهاً في الدين، وتعلقاً بالله رب العالمين، وإذا به يمر يوماً من الأيام على الطريق، فإذا بدابة قد أغلقت على الناس طريقهم، وحاولوا دفعها فلم يستطيعوا، وحاولوا قتلها فلم يقدروا عليها، فقال الغلام في نفسه: اليوم سأعرف أأمر الراهب على حق، أم أمر الساحر؟ فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحق من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، أو اصرف عن الناس ما هم فيه، فأخذ حجرة صغيرة في يده، وجاء إلى تلك الدابة فرماها بتلك الحجر الصغير، فإذا بها تموت وتنزاح عن طريق الناس. إنها الكرامة الأولى على يد ذلك الصبي، ولما رجع إلى الراهب أخبره الخبر، فقال له: يا بني! إنك اليوم أعظم شأناً مني، وقد بلغت منزلة أعظم مني، وسوف تبتلى الله أكبر! هل سمعت بحديث ورقة، عندما قال: ذلك الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني أكون فيها جذعاً إذ يخرجك قومك. فقال محمد ﷺ : (أومخرجي هم؟) قومي، أبناء عمي، جيراني، أهلي، الذين يسلمون علي، ويسمونني الصادق الأمين، سوف يطردوني من بلدي؟! قال: ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٨٦] وعد من الله ، تبتلى بالمال والنفس. قال: يا بني! أنت اليوم أعظم شأناً مني وسوف تبتلى، فإن ابتليت فلا تخبر عني. أي: اكتم خبري.

стр. 628

إبراء الغلام للأكمه والأبرص بإذن الله مضى الغلام وانتشر بين الناس خبره، فصار يبرئ الأكمه والأبرص، ويقرأ على المريض ويدعو الله فيشفى بإذنه ، فانتشر خبره بين الناس، حتى سمع وزير الملك بخبر ذلك الصبي وكان أعمى، فاستدعاه وقال: يا غلام! سمعت أنك تبرئ الأكمه والأبرص فرد علي بصري ولك ما شئت من الدراهم والدنانير. فقال: أيها الوزير! أنا لا أشفي، قال: ومن يشفي؟ قال: الله رب العالمين هو الذي يشفي، قال: الملك؟ قال: لا. بل ربي وربك ورب الملك الله رب العالمين. قال الوزير: وكيف يشفيني الله جلَّ وعلا؟ قال الغلام الصغير: تؤمن بالله رب العالمين، فأدعوه أن يشفيك؟ قال: آمنت بالله رب العالمين، فدعا الله له فشفي الوزير وردَّ الله عليه بصره.

стр. 629

الغلام والابتلاء دخل الوزير يوماً على ذلك الملك، فقال له الملك: يا وزير! من رد عليك بصرك؟ قال: الله رب العالمين، قال: أنا؟ قال: لا. بل ربي وربك. قال: من؟ قال: الله رب العالمين. قال: ألك ربٌّ غيري؟ قال: نعم! الله رب العالمين. قال: من أخبرك بهذا؟ قال: لا أخبرك، فضربه ضرباً مبرحاً حتى دل على الغلام، وقتل الوزير فجيء بالغلام الصغير، وقال له: يا غلام! أولك رب غيري؟ قال: نعم، قال: من هو؟ قال: ربي وربك الله رب العالمين. غلام صغير، في قصر ملك طاغية هل خاف؟ هل ارتجف؟ هل قلب إيمانه؟ مع أنه في شرعنا يجوز هذا، ولكنها الجرأة، والإيمان إذا ملأ القلب قال: نعم، ربي وربك الله، قال: ماذا تقول؟ فعذبه وجلده حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب، فقال له الملك: ترجع عن دينك؟ قال: لا. قال: من ربك؟ قال: الله رب العالمين. قال: ارجع عن دينك؟ قال: والله لا أرجع. فلا زال به يعذبه حتى جاء بالمنشار، فإذا به يضع المنشار على رأسه ويقسمه نصفين ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢] تحسب أنك آمنت ولن تفتن ولن تبتلى، تحسب -أيها الأخ الكريم- أنها صلاة وصيام والحمد لله ثم جنة لا يا عبد الله (حفت الجنة بالمكاره) وهذه من المكاره.

стр. 630

محاولات فاشلة لقتل الغلام أتى الملك بالصبي وأراد أن يقنعه أن يترك دينه، فقال: يا غلام! ترجع عن دينك؟ قال: لا. قال: سوف أقتلك. قال: افعل ما تشاء. قال: سوف أذبحك. قال: افعل ما تشاء. فجاء الملك بالجنود، وقال: اذهبوا به إلى رأس الجبل، فإذا عليتم به أعلى الجبل فاقذفوه من أعلى الجبل على رأسه ليس أي قتل، ولكن قتل بتعذيب لعله أن يصاب بالرعب فيرجع، فإذا بالغلام يُربط ويساق إلى أعلى الجبل، ومعه الجنود والعسكر، فلما علوا به إلى الجبل رفع الغلام يديه إلى الله جل وعلا، وقال: اللهم اكفنيهم بما شئت ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] إلى من لجأ الغلام؟ هل لجأ إلى أبيه؟ أو إلى أبناء عمه؟ أو إلى قوته؟! لا. الآن انتفت القوة كلها، ما بقيت إلا قوة الرب جلَّ وعلا، الذي لا حول ولا قوة إلا به، فتوكل على الله جل وعلا، وقال: اللهم اكفنيهم بما شئت. فإذا بالجبل يهتز ويرجف بهم، فيسقطون كلهم من أعلى الجبل على رءوسهم، فماتوا ورجع الغلام يمشي على قدميه هل هرب؟ إنه كان يستطيع الهرب، ويستطيع أن ينجو، ولكن ليست قضيته أن ينجو بنفسه وبجسده، إن القضية أعلى من هذا، إنها قضية الإيمان والدعوة إلى الله، ونشر التوحيد بين الناس، حتى ولو مات أو قتل في سبيلها. وجاء يمشي على قدميه إلى موطن الموت مرة أخرى، فدخل القصر، ففزع الملك، وخاف: من هذا؟! أهو الغلام؟! نعم. ماذا صنع الجنود؟ قال: كفانيهم الله جل وعلا كيف؟ لقد ماتوا كلهم وسقطوا من أعلى الجبل ماذا تقول؟! هذا الذي حصل، فخاف الطاغية، وجاء بجنود آخرين، وقال لهم: اذهبوا به إلى وسط البحر، ثم ارموه في البحر، وإذا علمتم أنه قد مات وغرق فارجعوا. -انظروا إلى التعذيب- فأخذوه إلى وسط البحر، ولما أرادوا أن ينزلوه في قاع البحر رفع الغلام يديه إلى الله جل وعلا، وقال: اللهم اكفنيهم بما شئت ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]. في بدر يقول أبو بكر: (كان النبي ﷺ بعد أن جهز الجيش وجعل لكل إنسان مقعداً، جلس خارج الجيش ورفع يديه إلى الله جل وعلا، وهو يقول: اللهم إني أنشدك نصرك يا رب، اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض. يقول أبو بكر: فسقط الرداء من فوق النبي ﷺ ، وأنا أرجع الرداء عليه، وأقول له: يكفيك مناشدتك ربك يا رسول الله، إن الله منجز للك ما وعدك) قال بعض الصحابة: كنا في تلك الليلة نائمون إلا رسول الله، كان عند شجرة قائماً طوال الليل يصلي ويدعو الله جل وعلا ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]. فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت. فإذا بموج هائل يأتي ويسقط الجنود كلهم في البحر، فماتوا كلهم غرقى وما بقي إلا الغلام ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤]. رجع الغلام مرة أخرى إلى القصر، ففزع الملك وخاف، وعلم أنه لن يقدر عليه، فقال الغلام: أيها الملك! إنك لست بقاتلي، ولن تستطيع على قتلي، ولكن إن أردت أن تقتلني فافعل ما آمرك به. قال الملك: وماذا تأمرني؟ الآن الغلام يأمر الملك الطاغية، وانظر كيف انقلب الحال!! فإن النصر الآن لهذا الغلام. فقال: اجمع الناس في صعيد واحد واصلبني، وخذ سهماً من كنانتي، وقل: باسم الله رب الغلام، ولن تقتلني إلا بهذه الطريقة، ثم ارمني بالسهم فإن فعلت ذلك فإنك قاتلي الملك الآن أهم قضية عنده هو أن يموت الغلام، فقد صار عنده كالكابوس، رعب وفزع وبدأ الخوف في قلب ذلك الملك، فالمهم أن يموت هذا الغلام. فجمع الناس في صعيد واحد والناس في تلك اللحظات يترقبون. أمر من الحق؟ أمر الغلام أم أمر الملك؟ والناس في ريب من أمرهم، والغلام الصغير يعلم أنه سوف يقتل لكنه ضحى بحياته وبروحه من أجل هذه الدعوة، هذا الذي هو الآن يقبل على الحياة، شاب صغير، والغلام في ريعان شبابه يتمنى أن يعيش في الدنيا، لكنه ضحى بجسد وبدمه الطاهر لله جل وعلا فإذا بالملك يقف أمام الناس، فيأخذ سهماً من كنانته -والناس ينظرون- ويرفع صوته، ويقول: باسم الله رب الغلام، والناس يسمعون، ويرمي الغلام بذلك السهم، فيقع السهم في صدغه على وجهه فيضع الغلام يده على وجهه، ثم تفيض روحه إلى الله جلَّ وعلا. ومات الغلام لكنه انتصر، مات لكنه فاز، وعندما مات الغلام إذا بالجموع تهلل وتكبر، وتقول: آمنا بالله رب الغلام، آمنا بالله رب الغلام. فالتفت الملك مذهولاً!! إن الغلام ملطخ بدمائه لكنه منتصر انتصر بدعوته، وضحى بجسمه وجسده وروحه لله جل وعلا، لكنه انتصر، فقد آمن الناس كلهم فقال الجنود: أيها الملك! قد وقع الذي كنت تحذر منه، قال: احفروا لهم الأخاديد، وأشعلوا فيها النيران، وأحرقوا كل من لم يرجع عن دينه، فجاءت الجموع ترمي بنفسها في النار، وهي تقول: الله أكبر! آمنا بالله رب الغلام، حتى جاءت امرأة بيدها رضيع وهي تؤمن بالله، فقيل لها: ارجعي عن دينك وإلا رميناك في النار. قالت: بل أرمي بنفسي في النار، وكأنها تقاعست وترددت ما ذنب هذا الرضيع؟ ما ذنب هذا الغلام؟ فأنطق الله الغلام في المهد، وقال: يا أماه! اصبري فإنك على الحق. فرمت بنفسها ورضيعها في النار. قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج:٤ - ٧] لِمَ كل هذا يا رب: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج:٨ - ٩] شهد الله موت الغلام، وشهد الله حال الناس، وشهد الله فعلتهم، والله على كل شيء شهيد. لقد مات الغلام وضحى بجسمه، وبروحه في سبيل الله، لكنه انتصر فما زال ذكره إلى أن تقوم الساعة، قتل أصحاب الأخدود، وهم في جنة خالدين فيها. أيها الإخوة الكرام: هذه ثلاثة مواقف مرت علينا كثيراً في كتاب الله، لكن هلا توقفنا عندها وقفات نتدبرها! هلا استشعرناها يا عباد الله! إن هذه القصص لا يخبرنا الله بها للتسلية، أو لقضاء الأوقات، أو لأجل أن نقصها فقط على الصغار أو الكبار، لا يا عباد الله! إنما هي للاعتبار: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦] إن القرآن الذي بين أيدينا عظيم، قد ملأه الله بالقصص والعبر والآيات والأوامر والنواهي، فهل نحن معتبرون -يا عباد الله- أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا؟ أقول هذا القول، وأستغفر الله من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 631

قصص من الواقع إن أسلوب القصص له أثره العظيم في قلوب الناس، لذلك قد يتأثروا بالقصة ما لا يتأثرون بغيرها، والشيخ في هذا الدرس قد ذكر عدداً من القصص متنوعة المواضيع، فذكر قصصاً تبين عاقبة الشهوة، من الإصابة بالأمراض المستعصية، والانتكاسة بعد التدين، وذكر قصة تدل على أن السعادة ليست في المال، وقصصاً في التوبة إلى الله تعالى، ثم ذكر قصصاً تبين الخاتمة الحسنة من السيئة، وأخرى تبين أثر الدعاء، وختمها بقصة تبين أهمية تربية الأولاد.

стр. 632

عاقبة الشهوة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة الكرام: حياكم الله في هذا المجلس، وأسأل الله جل وعلا كما جمعنا في هذا المكان الطيب أن يجمعنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأسأل الله جل وعلا أن يجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوماً، ويجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً. أيها الإخوة الكرام: عنوان هذا الدرس (قصص من الواقع). ولن تجدوا في كلمتي هذه القصص مرتبة، بل سوف أنوع القصص وأنتقل بكم يمنة ويسرة، من كل بستان نقطف زهرة قصص بعضها مؤلمة، وبعضها مفرحة قصص قد تصعد بنا وتنزل قصص اخترتها من واقع الحياة، بعضها قرأتها، وبعضها سمعتها، وبعضها تلقيتها من أصحابها مباشرة، فإليكم هذه القصص، ولست من القصاصين الذين قد ذمهم بعض السلف؛ لأن أولئك القصاصين كانوا ينسبون القصص لرسول الله ﷺ . أما حديثنا اليوم فإنه مليء بالآيات، وبأحاديث المصطفى ﵊، فإياك أن تقول: إن المجلس فارغ، ليس فيه إلا القصص، بل قد ملأته بالآيات والأحاديث والعبر، فهل لهذه القصص من معتبر؟! إلى أصحاب الشهوات إلى الذين لا يفكرون إلا بفروجهم ليلاً ونهاراً، إن جاء الصيف جمعوا المال وسافروا إلى بعض البلاد والديار، ليفعلوا ما يفعلوا، وليصنعوا ما يريدون من الشهوات، إلى أولئك أحدثهم بهذه القصة.

стр. 633

الإصابة بالأمراض المستعصية هذا شاب يقول عن نفسه في آخر حياته: بعد أن أنهيت الثانوية -ونحن الآن في هذا الجو الذي قد انتهى فيه البعض من الثانوية- جاءني أحد رفقاء السوء فقال لي: يا فلان! أتحب السفر معنا؟ قلت: إلى أين؟ قال: إلى تلك البلاد الآسيوية بلاد آسيوية فيها المنكر والفساد، جهاراً نهاراً بأبخس الأثمان، فقلت: كيف؟ قالوا: اطلب من أبيك المال، وسافر معنا والأمر بسيط، أياماً معدودات ثم نرجع، قال: فجئت إلى أبي وانظروا إلى أبيه الغافل، وكم غفل بعض الآباء عن أبنائهم. فقال: يا أبي! قد نجحت في الثانوية، وحصلت على التقدير العالي، وأريد مكافأةً؟ قال: ماذا تريد؟ قال: أريد مالاً؛ لأذهب وأسافر مع أصحابي. فقال الأب: إلى أين؟ قال: إلى تلك البلاد، قال: لا بأس، فأعطاه المال، قال: فسافرت لأول مرة، فذهبنا إلى تلك البلاد، والغريب أنني رأيت شباباً من أبناء بلادنا دخلوا أماكن حمراء أماكن مظلمة أماكن فيها الفساد والشهوات، يفعلون الفواحش والمنكرات، فدخلت معهم، وفعلت ما لم أظن أنني أفعله في حياتي يوماً من الأيام، صنعت المنكرات، وفعلت الفواحش، وأتيت الشهوات، يقول: فتلذذت مرة بعد الأخرى، حتى رجعت إلى بلادي فاشتقت إلى الرجوع، فأخذت من أبي مالاً مرة أخرى وهكذا توالت السفرات بعد السفرات، حتى وقعت في وكر المخدرات. يقول: فلما نفدت الأموال، بدأت أسرق الأموال؛ لأسافر إلى تلك البلاد، السفر صار في دمي، والمخدرات تجري في عروقي، ومرت الأيام والسنون، حتى جاء ذلك اليوم -اسمع ما الذي حدث؟ - يقول: أحسست بإعياء شديد، فسقطت على الفراش، فذهب بي أصحابي إلى الطبيب، وبعد التحاليل والفحوصات، جاءني الطبيب يفاجئني، وقال: يا فلان! إن الأمر صعب، قال: أخبرني يا طبيب. قال: بعد التحاليل اكتشفنا في الدم أنك مصاب بفيروس الإيدز. يقول: فكأن الدنيا قد أظلمت أمامي، أحلامي تبددت، وضاقت علي الأرض بما رحبت. أيها الطبيب! ربما أخطأتم، قال: سنعيد الكرة، فأعادوا التحليل مرة أخرى، لكن النتيجة هي النتيجة، يقول: ذهبت إلى طبيب آخر وإلى مستشفى آخر، ولكن النتيجة هي النتيجة، ثم رجعت إلى بلادي مسود الوجه، قد أظلمت الدنيا أمامي، يقول: وأنا الآن أكتب إليكم قصتي وأنا على فراش الموت أنتظر الموت!! أتعرف ما الذي يحصل؟ إن الإيدز أوله فضيحة وعار، وتمر به الأيام وهو على الفراش ملقى ثم يبدأ بعد هذا تنهار قواه، ثم يصاب بشلل في الجسم؛ لأن الفيروس يصيب المخ، وتمر به الأيام حتى يصير على الفراش ملقى لا يستطيع أن يقضي حاجته بنفسه. أرأيت أين المتعة والشهوة؟ أين السهرات؟ أين الفتيات؟ أين السفرات؟ كلها قد ذهبت، وهو الآن على الفراش لا يقرب منه أحب الناس إليه، كل الناس قد هربوا منه، يخافون أن ينتقل المرض إليهم، فإذا ذكروا فلاناً اسود وجه أبيه، وأظلمت الدنيا في عين أمه، وبكوا ودمعت أعينهم، ابنهم على الفراش ينتظر الموت، ثم تمر به الأيام، فيذهب شيء من عقله، فيصاب بالجنون، ثم يأتيه ألم شديد، يأخذه من رأسه إلى رجله، وربما يظل على هذه الحال سنة أو سنتين، يتمنى الموت ولا يموت يتمنى الموت ولا يدركه، ثم يتعذب سنيناً أو شهوراً على هذه الحال، ثم يقبض الله روحه. تفنى اللذاذة ممن ذاق صفوتها من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار إحدى البلاد العربية لما زرتها سألت أهلها: لماذا يسمح أهل هذا البلد بالفجور وبالمومسات؟ هذا الأمر مفتوح في تلك البلاد بقوانين رسمية، الخمور والممومسات في بعض الفنادق موجودة، فسألتهم: ألا يوجد عندكم الإيدز؟ فقالوا لي: إن الإيدز منتشر، لكن الإحصائيات يُكتم عليها، حتى أخبرني أحد الذين يعملون بالصحة، قال: عندنا أعداد ضخمة ممن يصابون بالإيدز، ولكنها تكتم ولا تصل إلى عامة الناس، قلت لهم: أتعرفون أشخاصاً بأعينهم؟ قالوا: نعرف رجلاً كبيراً في السن متزوجاً وعنده أبناء، رجل مستقيم، لكن لحظة من حياته غلبته شهوته، ففكر في السفر، ولم يسافر في حياته إلا أياماً قليلة ثم رجع وتاب، يقولون: مرت الأيام ولكن تلك السفرة كانت سبباً في إصابته بالإيدز، فعولج ثم هلك في المستشفى، يقولون: الأغرب من هذا أن زوجته كانت من الصالحات، وهي مستقيمة، وبعد أن توفي زوجها بأشهر اكتشفوا في دمها فيروس الإيدز، والزوجة صالحة ومتدينة من الذي قتلها؟ من الذي أجرم بحقها؟ من الذي أوصلها إلى هذا الحال؟ إن هذه المرأة المتدينة لم تكن تعرف للحرام طريقاً من المجرم؟ إنه الزوج. فقالوا لها: أتحبين العلاج لنذهب بكِ إلى أي بلاد شئت؟ قالت: لا والله، لن أموت إلا على سجادتي وأنا أصلي بين يدي ربي جل وعلا، وفعلاً مرت شهور وماتت الزوجة في بيتها، محتسبة صابرة.

стр. 634

الانتكاسة وترك التدين اسمع إلى هذا الشاب وأنا أحذركم من مثل هذه القصة، إنها من أخطر القصص وأسوئها، وهذه حدثت قبل سنين عديدة. كان شاب يسافر في إحدى السفن التي تذهب للتجارة، وكان إماماً يقرأ القرآن، ويؤذن في الناس ويصلي بهم، واسمع ما الذي حدث له من الشهوات وما أدراك ما الشهوات! يقولون: مرت الأيام حتى نزلوا عند إحدى البلاد الغير إسلامية، ليفرغوا حمولتهم ويأتوا بحمولة أخرى، فذهب كل منهم إلى طريقه أسبوعاً كاملاً سوف تبقى السفينة عند هذا المرسى، فجاء رجل من أصحاب السوء، فوجد الشاب الصالح لم يفارق السفينة، فقال له: يا فلان! انزل معنا نتجول في البلاد، فقال: لا. أنا أريد أن أجلس أقرأ القرآن حتى تنتهي المدة، قالوا له: انزل فربما ترى شيئاً تشتريه لأولادك، فنزل وذهب يتجول معهم في الأسواق والشوارع ينظر إلى الغادين والرائحين إلى النساء السافرات إلى المتبرجات، هذه قد كشفت ساقها، وتلك فخذيها، وهذه شيئاً من صدرها، فأخذ يلتفت يمنة ويسرة! أين القرآن؟ أين الأذان؟ أين الصلاة؟ أين العبادة؟ كلها قد نسيها، أخذ ينظر إلى الفتيات يوماً بعد آخر، فذهب به صاحب السوء، وقال له: أتريد أن نذهب إلى أماكن تسمى أماكن الخنا. قال: أعوذ بالله! قال: لن نفعل شيئاً، إنما نرى هل الأمر حقيقة أم خيالاً! وفعلاً ذهب وأخذ ينظر إلى الناس، ومرت الأيام فإذا بالشاب يدخل معهم فيفعل ما يفعل غيره. أين القرآن؟ أين الصلاة؟ أين الأذان؟ أين قول الله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] أخذ يفعل المنكرات، ولما حان الرحيل قال قائد السفينة: أين فلان؟ قالوا: لن يسافر معنا فلان إمامنا، الصالح فينا أين هو؟ قالوا: سوف يسوؤك الأمر، قال: لا بد أن تخبروني، قالوا: إنه في أماكن الدعارة والخنا، فقال قائد السفينة: لا بد أن نذهب إليه، فذهب إليه ينصحه، فقال: لن أذهب معكم، سوف أعيش في هذه البلاد، فأخذه قائد السفينة رغماً عنه، وحمله بعد أن قيده وألقاه في السفينة. وعندما مشينا في البحر وحان وقت الصلاة أذن المؤذن فلم يأت للصلاة معنا، إنما جلس في الغرفة وأغلق الباب على نفسه، نناديه فلا يصلي نحثه للصلاة وهو لا يريد أن يصلي يقول: حتى جئته يوماً من الأيام، ونحن في وسط البحر، فقلت له: أما تخاف الله؟ أما تتقي الله ؟ كنت إمامنا كنت تؤذن للصلاة فينا، وأنت الآن لا تصلي! فقال: اذهب، أنا أريد الرجوع إلى تلك البلاد. قال: ولِمَ؟ قال: حياتي ليست معكم، أنا أتحسر أنني ضيعت حياتي معكم في الصلاة والقرآن انظر ماذا يقول؟ قال: فاستعذت بالله منه، ودعوت الله أن ينجينا من شره، واكتشفنا بعد أيام أنه مصاب بمرض جنسي، فابتعدنا عنه وهجرناه، ومرت الأيام حتى جاءت تلك الليلة، فسمعنا صوتاً في آخر الليل، ما الذي حصل آخر الليل؟ آخر الليل عندما ينزل الرب إلى السماء الدنيا نزولاً يليق به جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] نزولاً حقيقياً لكن ليس كنزول غيره، ينزل الرب فيقول: هل من سائلٍ فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ يقول قائد السفينة: سمعنا صياحاً شديداً آخر الليل، فقمنا من الفرش، واتجهنا نحو الصوت، أتعرف ماذا رأوا؟ يقول: رأينا الرجل الشاب الذي كان إماماً يصلي بالناس يعض على خشبة في السفينة ويصرخ، فإذا به بعد قليل سكت وهدأ، فجئنا لنوقظه، فإذا هو قد فارق الحياة الدنيا، وقد قطع بأسنانه شيئاً من خشبة السفينة!! أي ألم أصابه؟ أي عذاب تعذب به؟ أي خاتمة ختم له بها، هذا جزاء الشهوات تلك نهاية الملذات، إن اللذة قصيرة كاذبة وإن الشهوات اليوم سهلة، وإن كل الناس اليوم يستطيعون بأموالهم أن يفعلوا ما يشاءون من الزنا والخنا وشرب الخمور؛ ولكن تخيل: يأتي يوماً من الأيام بعض العصاة إلى الطبيب، بعد أن أصابه المرض، والطبيب يقول له: يا فلان! إن الأمر سيئ، أخبرني يا طبيب! فيقول له: إنك مصاب بمرض الإيدز، إنه الموت البطيء إنه الانتحار البطيء، لا فكاك ولا مفر، فضيحة وعار وشنار، ثم سوء ختام، تخيل أولئك العصاة! أتعرف كم هم؟ إنهم ملايين -الآن- على وجه الأرض ينتظرون الموت يبحثون عن الدواء والشفاء، لا دواء، ولا شفاء، كل منهم يبكي على فراشه ينتظر الموت، وأين الموت منهم؟ يقول أحد الشعراء: يا عين فلتبكي ولتذرفي الدما ذنباً أحاط القلب أصغ له سمعا أين الدموع على الخدين قد سالت فالنفس للعصيان يا رب قد مالت فيا ترى أصحو من سكرة الشهوة أم يا ترى أبقى في هوة الشقوة كيف القدوم على الجبار بالزلل أم كيف ألقاه من دون ما عمل قلبي لما يلقاه قد أن بالشكوى دمعي جفا عيني من قلة التقوى لكن من أرجوه لا يغلق الباب العفو يا رباه فالقلب قد تاب أي سعادة يطلبون بالشهوات؟ إن كان أولها حسرة وندامة وآخرها مذلة وهوان فماذا يريدون؟

стр. 635

التوبة والرجوع إلى الله تعالى بعض الدعاة ذهبوا إلى بلد من البلاد اسمعوا إلى هذه العبر واعتبروا من غيركم يحدثني أحد الدعاة عن مجموعة من الدعاة سافروا إلى إحدى الدول الغربية، فلما أتوا إلى مسجد من المساجد، وأخذوا يصلون في المسجد، سألوا الإمام: أتعرف أحد المسلمين حول المسجد وهو لا يصلي؟ فقال لهم: نعم! أعرف جاراً للمسجد وهو من إحدى الدول العربية بل الخليجية، مسلم لكنه لم يأت إلى المسجد يوماً من الأيام. قال لهم: إنه من أغنى الأغنياء، عنده ملايين، فاذهبوا إليه ربما يهديه الله، يقول الداعية: فذهبنا إليه وطرقنا الباب، فلم يأت، واستمر أحدنا يدق عليه الجرس لعله يخرج، وانتظرنا مدة من الزمن حتى خرج عابس الوجه مكفهراً، قال: ماذا تريدون؟ قالوا بعد أن سلموا عليه: نحن إخوانك جئنا نزورك في الله، قال: وماذا تريدون؟ قالوا: نريد زيارتك، لا نريد إلا وجه الله، قال: وبعد ذلك ماذا تريدون؟ قالوا: نطلب منك أن تأتينا إلى المسجد، قال: إن شاء الله، اذهبوا إلى المسجد وأنا أدرككم، قالوا: لا. انظر إلى الداعية المصر الداعية النشيط، صاحب الهمة العالية، قالوا: لن نبرح من هذا المكان حتى تأتي معنا، قال: اذهبوا وسوف أتوضأ وآتيكم، قالوا: نحن منتظرون. سبحان الله! قال: أقول لكم: سوف آتي، قالوا: لن نبرح من هذا المكان حتى تأتينا، قالوا: فذهب ورجع بعد قليل، وقد بدل ملابسه وجاء متوضئاً، وذهب معهم إلى المسجد، وقال: أصلي وأرجع، فلما صلى قام أحد الدعاة أيها الدعاة! انظروا إلى الصادقين المتقين، ما الذي يمنعكم عن هذا الفعل، يقول: وبعد الصلاة جلس، فسمع بعض الآيات والأحاديث وبعض العبر، كان يريد الذهاب ولكن الحديث الجميل أجلسه، وبعد أن أنهى الشيخ كلامه نظروا إليه فإذا عيناه تذرفان، فجلس معهم وقال: أين تذهبون؟ وإلى أي مكان تغادرون؟ قالوا: نحن نتجول في المساجد، من مسجد إلى آخر ندعو إلى الله ، قال: أنا أريد أن أذهب معكم ما هي الشروط؟ قالوا: لا شروط، تعال واذهب معنا، وفعلاً ذهب معهم، ومرت الأيام حتى أصبح هذا الضال قاسي القلب، من الدعاة إلى الله ، وسخر ملايينه كلها في الدعوة إلى الله، ومرت الأيام فقال هذا الرجل للشيخ ذات يوم: يا شيخ! أتذكر ذلك اليوم الذي أتيتم فيه إلى منزلي؟ قال: نعم. قال: أتدري ماذا كنت أفعل؟ قال: لا. وما يدريني! قال: كنت في ذلك اليوم قد ضاقت عليّ الدنيا جميعها، ملايين لكن الدنيا أظلمت، تعاسة وهم وغم، كنت واضعاً كرسياً في إحدى الغرف، ووقفت على الكرسي وعلقت الحبل في السقف وربطت الحبل في عنقي، وهممت بدفع الكرسي لأسقط، وفعلاً دفعت الكرسي لكنه لم يسقط، فسمعت الجرس، فقلت في نفسي: هل أرد على الباب أو أنتهي من الدنيا؟ فقالت لي نفسي: انتهِ من الدنيا، وجاءني مناد في قلبي يقول لي: لا. رد على صاحب الباب فربما تجد شيئاً من الأمل، فدفعت الكرسي لكنه لم يسقط، فقلت: أنزل فأرد على الباب ثم أرجع فأنتحر فيقول: أرأيت إنها ثوان معدودة أرسلكم الله إليَّ، ولو لم تأتوا إليّ في ذلك اليوم، لانتحرت وساءت خاتمتي. أتعرف لماذا أراد الانتحار؟ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢]. هذه القصة تذكرني بحديث النبي ﷺ لما زار جاره اليهودي الذي كان من أشد الناس عداوة له، زاره قبل الموت ودعاه إلى الله فأسلم أين الدعاة؟ أين المصلحون؟ لِمَ تسوف؟ لِمَ تقول: غداً أدعوهم غداً أذكرهم؟ وهل تضمنهم أن يعيشوا إلى الغد؟ لماذا الكسل والفتور؟ لِمَ لا نقبل على الناس فندعوهم إلى الله ؟ أحد الدعاة يحدث بنفسه يقول: كنت في أمريكا في إحدى المحاضرات، وفي منتصف المحاضرة قام أحد الناس فقطع عليّ حديثي -اثنان من المسلمين معهم أمريكي ثالث- فقالوا لي: يا شيخ! انتظر لقن فلاناً الشهادتين، فقلت: الله أكبر! يريد أن يسلم، فقالوا: نعم. يقول: فاقترب مني، فقال الشيخ للأمريكي: ما الذي حببك إلى الإسلام فأردت أن تدخله؟ لِمَ تريد الدخول في الإسلام وأنت ترى المسلمين؟ فقال له: يا شيخ! أنا أملك ثروة هائلة، وعندي شركات وأموال، أنا مليونير ولكن لم أشعر بالسعادة يوماً من الأيام. يقول: وكان عندي موظف في شركتي هندي مسلم، هذا الموظف متواضع بسيط، معاشه قليل، والغريب أنني كلما دخلت على هذا الموظف رأيته مبتسماً، وأنا صاحب الملايين لم أبتسم يوماً من الأيام، فقلت في نفسي: كيف هذا؟ أنا عندي الأموال، وأنا صاحب الشركة، والموظف الفقير يبتسم وأنا لا أبتسم، يقول: فجئته يوماً من الأيام، فقلت له: أريد الجلوس معك. قال: تفضل! الرئيس يجلس مع الموظف، فقلت له: أسألك سؤالاً: لماذا أراك دائماً في ابتسام؟ لم أرك يوماً مهموماً! فقال له: لأنني مسلم (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله). فقال له: وهل يعني ذلك أن المسلم طوال أيامه سعيد؟ قال: نعم. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأننا سمعنا حديثاً عن النبي ﷺ ، قال: أي حديث! أخبرني به؟ قال: حديث يقول فيه النبي ﵊: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له، وإن أصابه سراء شكر، فكان خيراً له) قال: فأمورنا كلها سراء وضراء، أما الضراء فهي صبر لله، وأما السراء فهي شكر لله، حياتنا كلها سعادة في سعادة. قال: أريد أن أدخل في هذا الدين. قال: اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال الشيخ أمام الملأ وهو يتكلم بنفسه: فقلت له بعد هذا: اشهد الشهادتين، ولقنته، فقال أمام الملأ: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم انفجر يبكي أمام الناس، فجاء الذين عنده يريدون التخفيف عنه، فقلت لهم: دعوه يبكي، فلما انتهى من البكاء، قلت له: يا فلان! ما الذي أبكاك؟ قال لي: يا شيخ! والله لقد دخل في صدري فرح لم أشعر به منذ سنوات. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ [الزمر:٢٢] إن انشراح الصدر لا يكون بالمسلسلات ولا بالأفلام ولا بالشهوات ولا بالأغاني، كل هذه تأتي بالضيق، إن انشراح الصدر بتلاوة القرآن آخر الليل إن انشراح الصدر بصيام الإثنين والخميس إن انشراح الصدر بالصدقات والنفقات: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢].
следующие страницы →