Полный текст (1 195 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
قصص من الواقع
إن أسلوب القصص له أثره العظيم في قلوب الناس، لذلك قد يتأثروا بالقصة ما لا يتأثرون بغيرها، والشيخ في هذا الدرس قد ذكر عدداً من القصص متنوعة المواضيع، فذكر قصصاً تبين عاقبة الشهوة، من الإصابة بالأمراض المستعصية، والانتكاسة بعد التدين، وذكر قصة تدل على أن السعادة ليست في المال، وقصصاً في التوبة إلى الله تعالى، ثم ذكر قصصاً تبين الخاتمة الحسنة من السيئة، وأخرى تبين أثر الدعاء، وختمها بقصة تبين أهمية تربية الأولاد.
стр. 632
عاقبة الشهوة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الإخوة الكرام: حياكم الله في هذا المجلس، وأسأل الله جل وعلا كما جمعنا في هذا المكان الطيب أن يجمعنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأسأل الله جل وعلا أن يجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوماً، ويجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً.
أيها الإخوة الكرام: عنوان هذا الدرس (قصص من الواقع).
ولن تجدوا في كلمتي هذه القصص مرتبة، بل سوف أنوع القصص وأنتقل بكم يمنة ويسرة، من كل بستان نقطف زهرة قصص بعضها مؤلمة، وبعضها مفرحة قصص قد تصعد بنا وتنزل قصص اخترتها من واقع الحياة، بعضها قرأتها، وبعضها سمعتها، وبعضها تلقيتها من أصحابها مباشرة، فإليكم هذه القصص، ولست من القصاصين الذين قد ذمهم بعض السلف؛ لأن أولئك القصاصين كانوا ينسبون القصص لرسول الله ﷺ .
أما حديثنا اليوم فإنه مليء بالآيات، وبأحاديث المصطفى ﵊، فإياك أن تقول: إن المجلس فارغ، ليس فيه إلا القصص، بل قد ملأته بالآيات والأحاديث والعبر، فهل لهذه القصص من معتبر؟!
إلى أصحاب الشهوات إلى الذين لا يفكرون إلا بفروجهم ليلاً ونهاراً، إن جاء الصيف جمعوا المال وسافروا إلى بعض البلاد والديار، ليفعلوا ما يفعلوا، وليصنعوا ما يريدون من الشهوات، إلى أولئك أحدثهم بهذه القصة.
стр. 633
الإصابة بالأمراض المستعصية
هذا شاب يقول عن نفسه في آخر حياته: بعد أن أنهيت الثانوية -ونحن الآن في هذا الجو الذي قد انتهى فيه البعض من الثانوية- جاءني أحد رفقاء السوء فقال لي: يا فلان! أتحب السفر معنا؟ قلت: إلى أين؟ قال: إلى تلك البلاد الآسيوية بلاد آسيوية فيها المنكر والفساد، جهاراً نهاراً بأبخس الأثمان، فقلت: كيف؟ قالوا: اطلب من أبيك المال، وسافر معنا والأمر بسيط، أياماً معدودات ثم نرجع، قال: فجئت إلى أبي وانظروا إلى أبيه الغافل، وكم غفل بعض الآباء عن أبنائهم.
فقال: يا أبي! قد نجحت في الثانوية، وحصلت على التقدير العالي، وأريد مكافأةً؟ قال: ماذا تريد؟ قال: أريد مالاً؛ لأذهب وأسافر مع أصحابي.
فقال الأب: إلى أين؟ قال: إلى تلك البلاد، قال: لا بأس، فأعطاه المال، قال: فسافرت لأول مرة، فذهبنا إلى تلك البلاد، والغريب أنني رأيت شباباً من أبناء بلادنا دخلوا أماكن حمراء أماكن مظلمة أماكن فيها الفساد والشهوات، يفعلون الفواحش والمنكرات، فدخلت معهم، وفعلت ما لم أظن أنني أفعله في حياتي يوماً من الأيام، صنعت المنكرات، وفعلت الفواحش، وأتيت الشهوات، يقول: فتلذذت مرة بعد الأخرى، حتى رجعت إلى بلادي فاشتقت إلى الرجوع، فأخذت من أبي مالاً مرة أخرى وهكذا توالت السفرات بعد السفرات، حتى وقعت في وكر المخدرات.
يقول: فلما نفدت الأموال، بدأت أسرق الأموال؛ لأسافر إلى تلك البلاد، السفر صار في دمي، والمخدرات تجري في عروقي، ومرت الأيام والسنون، حتى جاء ذلك اليوم -اسمع ما الذي حدث؟ - يقول: أحسست بإعياء شديد، فسقطت على الفراش، فذهب بي أصحابي إلى الطبيب، وبعد التحاليل والفحوصات، جاءني الطبيب يفاجئني، وقال: يا فلان! إن الأمر صعب، قال: أخبرني يا طبيب.
قال: بعد التحاليل اكتشفنا في الدم أنك مصاب بفيروس الإيدز.
يقول: فكأن الدنيا قد أظلمت أمامي، أحلامي تبددت، وضاقت علي الأرض بما رحبت.
أيها الطبيب! ربما أخطأتم، قال: سنعيد الكرة، فأعادوا التحليل مرة أخرى، لكن النتيجة هي النتيجة، يقول: ذهبت إلى طبيب آخر وإلى مستشفى آخر، ولكن النتيجة هي النتيجة، ثم رجعت إلى بلادي مسود الوجه، قد أظلمت الدنيا أمامي، يقول: وأنا الآن أكتب إليكم قصتي وأنا على فراش الموت أنتظر الموت!!
أتعرف ما الذي يحصل؟ إن الإيدز أوله فضيحة وعار، وتمر به الأيام وهو على الفراش ملقى ثم يبدأ بعد هذا تنهار قواه، ثم يصاب بشلل في الجسم؛ لأن الفيروس يصيب المخ، وتمر به الأيام حتى يصير على الفراش ملقى لا يستطيع أن يقضي حاجته بنفسه.
أرأيت أين المتعة والشهوة؟ أين السهرات؟ أين الفتيات؟ أين السفرات؟ كلها قد ذهبت، وهو الآن على الفراش لا يقرب منه أحب الناس إليه، كل الناس قد هربوا منه، يخافون أن ينتقل المرض إليهم، فإذا ذكروا فلاناً اسود وجه أبيه، وأظلمت الدنيا في عين أمه، وبكوا ودمعت أعينهم، ابنهم على الفراش ينتظر الموت، ثم تمر به الأيام، فيذهب شيء من عقله، فيصاب بالجنون، ثم يأتيه ألم شديد، يأخذه من رأسه إلى رجله، وربما يظل على هذه الحال سنة أو سنتين، يتمنى الموت ولا يموت يتمنى الموت ولا يدركه، ثم يتعذب سنيناً أو شهوراً على هذه الحال، ثم يقبض الله روحه.
تفنى اللذاذة ممن ذاق صفوتها من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء في مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار
إحدى البلاد العربية لما زرتها سألت أهلها: لماذا يسمح أهل هذا البلد بالفجور وبالمومسات؟ هذا الأمر مفتوح في تلك البلاد بقوانين رسمية، الخمور والممومسات في بعض الفنادق موجودة، فسألتهم: ألا يوجد عندكم الإيدز؟
فقالوا لي: إن الإيدز منتشر، لكن الإحصائيات يُكتم عليها، حتى أخبرني أحد الذين يعملون بالصحة، قال: عندنا أعداد ضخمة ممن يصابون بالإيدز، ولكنها تكتم ولا تصل إلى عامة الناس، قلت لهم: أتعرفون أشخاصاً بأعينهم؟ قالوا: نعرف رجلاً كبيراً في السن متزوجاً وعنده أبناء، رجل مستقيم، لكن لحظة من حياته غلبته شهوته، ففكر في السفر، ولم يسافر في حياته إلا أياماً قليلة ثم رجع وتاب، يقولون: مرت الأيام ولكن تلك السفرة كانت سبباً في إصابته بالإيدز، فعولج ثم هلك في المستشفى، يقولون: الأغرب من هذا أن زوجته كانت من الصالحات، وهي مستقيمة، وبعد أن توفي زوجها بأشهر اكتشفوا في دمها فيروس الإيدز، والزوجة صالحة ومتدينة من الذي قتلها؟ من الذي أجرم بحقها؟ من الذي أوصلها إلى هذا الحال؟
إن هذه المرأة المتدينة لم تكن تعرف للحرام طريقاً من المجرم؟ إنه الزوج.
فقالوا لها: أتحبين العلاج لنذهب بكِ إلى أي بلاد شئت؟
قالت: لا والله، لن أموت إلا على سجادتي وأنا أصلي بين يدي ربي جل وعلا، وفعلاً مرت شهور وماتت الزوجة في بيتها، محتسبة صابرة.
стр. 634
الانتكاسة وترك التدين
اسمع إلى هذا الشاب وأنا أحذركم من مثل هذه القصة، إنها من أخطر القصص وأسوئها، وهذه حدثت قبل سنين عديدة.
كان شاب يسافر في إحدى السفن التي تذهب للتجارة، وكان إماماً يقرأ القرآن، ويؤذن في الناس ويصلي بهم، واسمع ما الذي حدث له من الشهوات وما أدراك ما الشهوات! يقولون: مرت الأيام حتى نزلوا عند إحدى البلاد الغير إسلامية، ليفرغوا حمولتهم ويأتوا بحمولة أخرى، فذهب كل منهم إلى طريقه أسبوعاً كاملاً سوف تبقى السفينة عند هذا المرسى، فجاء رجل من أصحاب السوء، فوجد الشاب الصالح لم يفارق السفينة، فقال له: يا فلان! انزل معنا نتجول في البلاد، فقال: لا.
أنا أريد أن أجلس أقرأ القرآن حتى تنتهي المدة، قالوا له: انزل فربما ترى شيئاً تشتريه لأولادك، فنزل وذهب يتجول معهم في الأسواق والشوارع ينظر إلى الغادين والرائحين إلى النساء السافرات إلى المتبرجات، هذه قد كشفت ساقها، وتلك فخذيها، وهذه شيئاً من صدرها، فأخذ يلتفت يمنة ويسرة!
أين القرآن؟ أين الأذان؟ أين الصلاة؟ أين العبادة؟ كلها قد نسيها، أخذ ينظر إلى الفتيات يوماً بعد آخر، فذهب به صاحب السوء، وقال له: أتريد أن نذهب إلى أماكن تسمى أماكن الخنا.
قال: أعوذ بالله! قال: لن نفعل شيئاً، إنما نرى هل الأمر حقيقة أم خيالاً! وفعلاً ذهب وأخذ ينظر إلى الناس، ومرت الأيام فإذا بالشاب يدخل معهم فيفعل ما يفعل غيره.
أين القرآن؟ أين الصلاة؟ أين الأذان؟ أين قول الله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] أخذ يفعل المنكرات، ولما حان الرحيل قال قائد السفينة: أين فلان؟ قالوا: لن يسافر معنا فلان إمامنا، الصالح فينا أين هو؟ قالوا: سوف يسوؤك الأمر، قال: لا بد أن تخبروني، قالوا: إنه في أماكن الدعارة والخنا، فقال قائد السفينة: لا بد أن نذهب إليه، فذهب إليه ينصحه، فقال: لن أذهب معكم، سوف أعيش في هذه البلاد، فأخذه قائد السفينة رغماً عنه، وحمله بعد أن قيده وألقاه في السفينة.
وعندما مشينا في البحر وحان وقت الصلاة أذن المؤذن فلم يأت للصلاة معنا، إنما جلس في الغرفة وأغلق الباب على نفسه، نناديه فلا يصلي نحثه للصلاة وهو لا يريد أن يصلي يقول: حتى جئته يوماً من الأيام، ونحن في وسط البحر، فقلت له: أما تخاف الله؟ أما تتقي الله ؟ كنت إمامنا كنت تؤذن للصلاة فينا، وأنت الآن لا تصلي! فقال: اذهب، أنا أريد الرجوع إلى تلك البلاد.
قال: ولِمَ؟ قال: حياتي ليست معكم، أنا أتحسر أنني ضيعت حياتي معكم في الصلاة والقرآن انظر ماذا يقول؟ قال: فاستعذت بالله منه، ودعوت الله أن ينجينا من شره، واكتشفنا بعد أيام أنه مصاب بمرض جنسي، فابتعدنا عنه وهجرناه، ومرت الأيام حتى جاءت تلك الليلة، فسمعنا صوتاً في آخر الليل، ما الذي حصل آخر الليل؟
آخر الليل عندما ينزل الرب إلى السماء الدنيا نزولاً يليق به جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] نزولاً حقيقياً لكن ليس كنزول غيره، ينزل الرب فيقول: هل من سائلٍ فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟
يقول قائد السفينة: سمعنا صياحاً شديداً آخر الليل، فقمنا من الفرش، واتجهنا نحو الصوت، أتعرف ماذا رأوا؟ يقول: رأينا الرجل الشاب الذي كان إماماً يصلي بالناس يعض على خشبة في السفينة ويصرخ، فإذا به بعد قليل سكت وهدأ، فجئنا لنوقظه، فإذا هو قد فارق الحياة الدنيا، وقد قطع بأسنانه شيئاً من خشبة السفينة!!
أي ألم أصابه؟ أي عذاب تعذب به؟ أي خاتمة ختم له بها، هذا جزاء الشهوات تلك نهاية الملذات، إن اللذة قصيرة كاذبة وإن الشهوات اليوم سهلة، وإن كل الناس اليوم يستطيعون بأموالهم أن يفعلوا ما يشاءون من الزنا والخنا وشرب الخمور؛ ولكن تخيل: يأتي يوماً من الأيام بعض العصاة إلى الطبيب، بعد أن أصابه المرض، والطبيب يقول له: يا فلان! إن الأمر سيئ، أخبرني يا طبيب! فيقول له: إنك مصاب بمرض الإيدز، إنه الموت البطيء إنه الانتحار البطيء، لا فكاك ولا مفر، فضيحة وعار وشنار، ثم سوء ختام، تخيل أولئك العصاة! أتعرف كم هم؟ إنهم ملايين -الآن- على وجه الأرض ينتظرون الموت يبحثون عن الدواء والشفاء، لا دواء، ولا شفاء، كل منهم يبكي على فراشه ينتظر الموت، وأين الموت منهم؟ يقول أحد الشعراء:
يا عين فلتبكي ولتذرفي الدما ذنباً أحاط القلب أصغ له سمعا
أين الدموع على الخدين قد سالت فالنفس للعصيان يا رب قد مالت
فيا ترى أصحو من سكرة الشهوة أم يا ترى أبقى في هوة الشقوة
كيف القدوم على الجبار بالزلل أم كيف ألقاه من دون ما عمل
قلبي لما يلقاه قد أن بالشكوى دمعي جفا عيني من قلة التقوى
لكن من أرجوه لا يغلق الباب العفو يا رباه فالقلب قد تاب
أي سعادة يطلبون بالشهوات؟ إن كان أولها حسرة وندامة وآخرها مذلة وهوان فماذا يريدون؟
стр. 635
التوبة والرجوع إلى الله تعالى
بعض الدعاة ذهبوا إلى بلد من البلاد اسمعوا إلى هذه العبر واعتبروا من غيركم يحدثني أحد الدعاة عن مجموعة من الدعاة سافروا إلى إحدى الدول الغربية، فلما أتوا إلى مسجد من المساجد، وأخذوا يصلون في المسجد، سألوا الإمام: أتعرف أحد المسلمين حول المسجد وهو لا يصلي؟ فقال لهم: نعم! أعرف جاراً للمسجد وهو من إحدى الدول العربية بل الخليجية، مسلم لكنه لم يأت إلى المسجد يوماً من الأيام.
قال لهم: إنه من أغنى الأغنياء، عنده ملايين، فاذهبوا إليه ربما يهديه الله، يقول الداعية: فذهبنا إليه وطرقنا الباب، فلم يأت، واستمر أحدنا يدق عليه الجرس لعله يخرج، وانتظرنا مدة من الزمن حتى خرج عابس الوجه مكفهراً، قال: ماذا تريدون؟ قالوا بعد أن سلموا عليه: نحن إخوانك جئنا نزورك في الله، قال: وماذا تريدون؟ قالوا: نريد زيارتك، لا نريد إلا وجه الله، قال: وبعد ذلك ماذا تريدون؟ قالوا: نطلب منك أن تأتينا إلى المسجد، قال: إن شاء الله، اذهبوا إلى المسجد وأنا أدرككم، قالوا: لا.
انظر إلى الداعية المصر الداعية النشيط، صاحب الهمة العالية، قالوا: لن نبرح من هذا المكان حتى تأتي معنا، قال: اذهبوا وسوف أتوضأ وآتيكم، قالوا: نحن منتظرون.
سبحان الله! قال: أقول لكم: سوف آتي، قالوا: لن نبرح من هذا المكان حتى تأتينا، قالوا: فذهب ورجع بعد قليل، وقد بدل ملابسه وجاء متوضئاً، وذهب معهم إلى المسجد، وقال: أصلي وأرجع، فلما صلى قام أحد الدعاة أيها الدعاة! انظروا إلى الصادقين المتقين، ما الذي يمنعكم عن هذا الفعل، يقول: وبعد الصلاة جلس، فسمع بعض الآيات والأحاديث وبعض العبر، كان يريد الذهاب ولكن الحديث الجميل أجلسه، وبعد أن أنهى الشيخ كلامه نظروا إليه فإذا عيناه تذرفان، فجلس معهم وقال: أين تذهبون؟ وإلى أي مكان تغادرون؟ قالوا: نحن نتجول في المساجد، من مسجد إلى آخر ندعو إلى الله ، قال: أنا أريد أن أذهب معكم ما هي الشروط؟ قالوا: لا شروط، تعال واذهب معنا، وفعلاً ذهب معهم، ومرت الأيام حتى أصبح هذا الضال قاسي القلب، من الدعاة إلى الله ، وسخر ملايينه كلها في الدعوة إلى الله، ومرت الأيام فقال هذا الرجل للشيخ ذات يوم: يا شيخ! أتذكر ذلك اليوم الذي أتيتم فيه إلى منزلي؟ قال: نعم.
قال: أتدري ماذا كنت أفعل؟ قال: لا.
وما يدريني! قال: كنت في ذلك اليوم قد ضاقت عليّ الدنيا جميعها، ملايين لكن الدنيا أظلمت، تعاسة وهم وغم، كنت واضعاً كرسياً في إحدى الغرف، ووقفت على الكرسي وعلقت الحبل في السقف وربطت الحبل في عنقي، وهممت بدفع الكرسي لأسقط، وفعلاً دفعت الكرسي لكنه لم يسقط، فسمعت الجرس، فقلت في نفسي: هل أرد على الباب أو أنتهي من الدنيا؟ فقالت لي نفسي: انتهِ من الدنيا، وجاءني مناد في قلبي يقول لي: لا.
رد على صاحب الباب فربما تجد شيئاً من الأمل، فدفعت الكرسي لكنه لم يسقط، فقلت: أنزل فأرد على الباب ثم أرجع فأنتحر فيقول: أرأيت إنها ثوان معدودة أرسلكم الله إليَّ، ولو لم تأتوا إليّ في ذلك اليوم، لانتحرت وساءت خاتمتي.
أتعرف لماذا أراد الانتحار؟ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢].
هذه القصة تذكرني بحديث النبي ﷺ لما زار جاره اليهودي الذي كان من أشد الناس عداوة له، زاره قبل الموت ودعاه إلى الله فأسلم أين الدعاة؟ أين المصلحون؟ لِمَ تسوف؟ لِمَ تقول: غداً أدعوهم غداً أذكرهم؟ وهل تضمنهم أن يعيشوا إلى الغد؟ لماذا الكسل والفتور؟ لِمَ لا نقبل على الناس فندعوهم إلى الله ؟
أحد الدعاة يحدث بنفسه يقول: كنت في أمريكا في إحدى المحاضرات، وفي منتصف المحاضرة قام أحد الناس فقطع عليّ حديثي -اثنان من المسلمين معهم أمريكي ثالث- فقالوا لي: يا شيخ! انتظر لقن فلاناً الشهادتين، فقلت: الله أكبر! يريد أن يسلم، فقالوا: نعم.
يقول: فاقترب مني، فقال الشيخ للأمريكي: ما الذي حببك إلى الإسلام فأردت أن تدخله؟ لِمَ تريد الدخول في الإسلام وأنت ترى المسلمين؟ فقال له: يا شيخ! أنا أملك ثروة هائلة، وعندي شركات وأموال، أنا مليونير ولكن لم أشعر بالسعادة يوماً من الأيام.
يقول: وكان عندي موظف في شركتي هندي مسلم، هذا الموظف متواضع بسيط، معاشه قليل، والغريب أنني كلما دخلت على هذا الموظف رأيته مبتسماً، وأنا صاحب الملايين لم أبتسم يوماً من الأيام، فقلت في نفسي: كيف هذا؟ أنا عندي الأموال، وأنا صاحب الشركة، والموظف الفقير يبتسم وأنا لا أبتسم، يقول: فجئته يوماً من الأيام، فقلت له: أريد الجلوس معك.
قال: تفضل! الرئيس يجلس مع الموظف، فقلت له: أسألك سؤالاً: لماذا أراك دائماً في ابتسام؟ لم أرك يوماً مهموماً! فقال له: لأنني مسلم (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله).
فقال له: وهل يعني ذلك أن المسلم طوال أيامه سعيد؟
قال: نعم.
قال: وكيف ذلك؟ قال: لأننا سمعنا حديثاً عن النبي ﷺ ، قال: أي حديث! أخبرني به؟ قال: حديث يقول فيه النبي ﵊: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له، وإن أصابه سراء شكر، فكان خيراً له) قال: فأمورنا كلها سراء وضراء، أما الضراء فهي صبر لله، وأما السراء فهي شكر لله، حياتنا كلها سعادة في سعادة.
قال: أريد أن أدخل في هذا الدين.
قال: اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال الشيخ أمام الملأ وهو يتكلم بنفسه: فقلت له بعد هذا: اشهد الشهادتين، ولقنته، فقال أمام الملأ: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم انفجر يبكي أمام الناس، فجاء الذين عنده يريدون التخفيف عنه، فقلت لهم: دعوه يبكي، فلما انتهى من البكاء، قلت له: يا فلان! ما الذي أبكاك؟ قال لي: يا شيخ! والله لقد دخل في صدري فرح لم أشعر به منذ سنوات.
قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ [الزمر:٢٢] إن انشراح الصدر لا يكون بالمسلسلات ولا بالأفلام ولا بالشهوات ولا بالأغاني، كل هذه تأتي بالضيق، إن انشراح الصدر بتلاوة القرآن آخر الليل إن انشراح الصدر بصيام الإثنين والخميس إن انشراح الصدر بالصدقات والنفقات: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢].
стр. 636
السعادة الحقيقية ليست في المال
إنها قصص بعضها عبر وبعضها قد ننقلها لغيرنا، احفظ ما شئت، واسمع ما شئت، وانقل بعض هذه القصص لغيرك، فإن الناس قد يتأثرون (ولئن يهدي الله بك رجلاً خير لك من حمر النعم).
فتاة توفي أبوها فورثت مليارات، قد تقول: يا شيخ! ماذا تقصد؟ أقول لك: آلاف الملايين، مليارات، وكانت من أغنى الفتيات في عصرها، وقبل سنوات تزوجت رجلاً أمريكياً عاشت معه فترة ثم طلقها، ثم تزوجت شاباً يونانياً، فمكثت معه فترة، فأتت المشاكل ثم طلقها، ثم مرت الأيام فتزوجت شاباً شيوعياً روسياً أبوها مليونير، قمة الرأسمالية، وتتزوج رجلاً شيوعياً كيف يجتمعان؟ فسألها أحد الصحفيين في أحد اللقاءات، فقال لها: كيف تلتقي الرأسمالية بـ الشيوعية؟ كيف تتزوجين رجلاً شيوعياً؟ فقالت: وما يدريك! أنا أبحث عن السعادة، ولم أجدها إلى هذه اللحظة.
ومرت الأيام فطلقها فتزوجت شاباً فرنسياً، وفي إحدى اللقاءات سألتها إحدى الصحفيات، وقالت لها: هل صحيح أنكِ أغنى فتاة على وجه الأرض؟ قالت: نعم.
آخر الإحصائيات أنني أغنى فتاة على وجه الأرض، لكن أضيف أنني أشقى وأتعس فتاة على وجه الأرض أتعرف لماذا؟ ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] إن السعادة ليست في المال، بعض الناس اليوم أغلى ما يتمنى في الدنيا أن يحصل على الملايين، اسمع أسئلة بعض برامج التلفاز: ماذا تصنع لو ربحت مليوناً؟ ثم هل تظن أن السعادة في المال؟ هل تظن أن السعادة تحصل على مليارات وملايين؟ أتعرف ماذا حصل للفتاة؟ بعد أيام وجدوها جثة هامدة مقتولة في أحد الشوارع!! هذه هي السعادة التي كانت تريد.
أو تظن أن أصحاب القصور سعداء؟
يا من تسكن الغرف، وتنام على الحصير، وتأكل الكسرة اليابسة! لا تتوقع ولا تظن أن السعادة بالملايين! لا وربِّ، إن أسعد الناس هو النبي ﵊، وقد كان ينام على الحصير، ويجوع، ويخرج بعض الأحيان من بيته يبحث عن لقمة يسد بها جوعه، أكل ورق الشجر، يخفي بلال الطعام في إبطه ليعطيه النبي ﵊؛ ليأكل من الجوع وهو أسعد الناس ﵊، ولما خيره الله بين زهرة الدنيا وبين لقاء ربه، قال: (بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى) ولهذا قال الله له: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١].
يقول النبي ﷺ : (يقول ابن آدم: مالي! مالي! وليس لك يا بن آدم إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت).
стр. 637
الانترنت وخطورته
أخي الكريم! هل التفت إلى زوجتك؟ هل نظرت إلى أولادك وأبنائك؟ هل فكرت في إخوانك وأخواتك؟ هل فكرت فيمن خلفت في البيت الآن وأنت تسمعني؟ كيف يقضون الأوقات؟ هل تعرف إلى أين يخرج الأبناء والبنات؟ وعلى ماذا يسهرون؟
إنني أتعجب عندما أعلم أن بعض الآباء لا يعلم عن أبنائه وبناته شيئاً، بل لا يعلم عن زوجته إلى أين تخرج؟!!
اسمع ما الذي حدث لهذه الفتاة!! تقول عن نفسها: كنت من عائلة معروفة ومحترمة، تزوجت من أحسن الشباب، وحسدني الناس على زواجي.
تقول: دللني زوجي، وعشت معه أسعد حياة، حسدني الناس على هذه الحياة اسمع ما الذي حدث؟ وانظر إلى تلك المأساة، تقول: ومرت الأيام حياة سعيدة، سرور وفرح، نخرج ونتمتع في هذه الدنيا، لم يمنعني يوماً من الأيام من شيء طلبته، حتى جاء اليوم الذي تعلمت فيه شيئاً يسمى (الإنترنت) أسمعتم به؟ أظن أن بعض البيوت قد امتلأت بهذا الجهاز، تقول: فجاءني زوجي بالكمبيوتر بعد إلحاح شديد، وعلمني على الإنترنت، وكانت لي صاحبة تعلمني على كيفية استخدامه، ومرت الأيام حتى تعلمت ما يسمى (غرف المحادثة) دردشات وغيرها، فبدأت أتحدث مع الناس وزوجي يذهب إلى العمل وأجلس ساعات الصباح طولها وعرضها أمام الكمبيوتر عند (الإنترنت)، وكنت امرأة صالحة، لم أكن أفعل شيئاً من الحرام تقول: وكان أكثر حديث الناس في الإنترنت حديثاً ساقطاً ولا آبه به، حتى التقيت بشاب في (الإنترنت) كان من أفضل الشباب خلقاً، فكان يحدثني وأحدثه، وتقول: كيف أن بعض الآباء لا يدري أن بعض الغرف في (الإنترنت) صوت وصورة، تراه ويراها، حتى لا تحتاج البنت إلى أن تخرج من البيت، وبعض الغرف في (الإنترنت) فيها فساد الله أعلم به، وأنا لا أريد أن أفصل، حتى لا يستدل البعض على الحرام.
تقول: وبعدها أخذت أتحدث مع الشاب كل يوم، ولم أفكر بالحرام يوماً، حتى تعلق قلبي به، فبدأت المشاكل تظهر مع زوجي، ساعات طويلة على الإنترنت، وكنت أحب زوجي، كان شاباً من أجمل الشباب وأحسنهم، ولكن أحببت ذلك الشاب أيضاً، ومرت الأيام حتى بدأ يواعدني إن طلقني زوجي أن يتزوجني، فظهرت المشاكل بيني وبين زوجي، فأخذ الكمبيوتر وحرمني منه، وشك فيّ بعد زمن، وأخذت أكلم صاحبي بالهاتف، فشك زوجي فيَّ ووضع جهاز تصنت على الهاتف، وبعد أيام اكتشف الفضيحة، وعلم بالأمر، تقول: وكان من أطيب الناس، لم يفضحني ولم يفعل فيّ شيئاً، فجاء إليَّ ووضع المسجل وسمعت منه المحادثة، فقلت له بعد أن بكيت: ماذا تريد؟ قال: اذهبي إلى بيت أهلك واطلبي الطلاق، وسوف آتي وأطلقك، وكأن الأمر لم يحدث.
تقول: أحببته ولكن أحببت عشيقي أيضاً، وفعلاً ذهبت وطلبت من أهلي أن يطلقني زوجي، وفعلاً دمرت بيتي بنفسي.
تقول: وبدأت أخرج مع العشيق، وكانت البداية من الإنترنت وألتقي معه، حتى بدأ يعاشرني، حتى بدأ يواقعني، واستمرت الفاحشة أياماً وشهوراً، وكلما كنت أقول له: متى الزواج؟ يقول لي: حتى أكون نفسي، آتي إليك غداً أو بعد غد حتى انقطع عني في يوم من الأيام، فاتصلت عليه فقلت له: يا فلان! متى تأتي للزواج مني؟ قال: أيتها الساقطة، قلت: ماذا؟ قال: أيتها الساقطة، أتظنين أحداً يفكر بالزواج منك؟ قالت لِمَ؟ قال: من خانت مرة ربما تخون مرة أخرى، وقال: أنا شاب أستمتع بك أياماً، لكن إذا فكرت في الزواج لن أبحث عنه في الإنترنت، الزواج أعرف طريقه، الصالحات أعرف طريقهن، أما أنتِ فساقطة أقضي معها بعض الوقت فقط.
تقول الشابة: وأنا الآن قد تجاوزت الثلاثين من العمر، ولم يأت أحد لخطبتي ولا للزواج مني، ضاعت حياتي وأنا الآن أفكر بالانتحار!! تقول: وأنا أكتب الرسالة، وربما تصلكم وأنا منتحرة، وربما تسمعون حكايتي وأنا تحت التراب، فإن كنت قد مت فادعو لي بالمغفرة، وإن كنت لا زلت حية فادعو الله لي بالهداية، لعل الله يهديني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١].
بدايتها الإنترنت، وليس كل ما في الإنترنت حرام، هناك أمور صالحة، هناك دعوة إلى الله في الإنترنت، وطلب علم، ولكن انتبه! واحرص على أولادك، وانظر ماذا يشاهدون؟ وماذا ينظرون؟ حتى الهاتف، إنه سلاح ذو حدين، عندما تجلس الفتاة في غرفتها وتقفل على نفسها الباب، وتجلس في الغرفة إلى منتصف الليل تتكلم بالهاتف، ألا يدعو هذا إلى الشك والريبة؟ أين الأب والأم؟ أين الأولاد؟ وعندي قصص -والله- لو تكلمت إلى الفجر فلن أنتهي، كلها حقيقية، وفتيات بعضهن تكلمني بنفسها في الهاتف، والله يبكون الدم وليس الدمع، من المآسي التي وصلت إليها، وأولها اتصال، وربما نظرة، تقول بعضهن: أول ما خرجت من المدرسة إلى البيت، نهاية الدوام، نظر إليّ فكلمني، تقول: أول مرة ارتعدت فرائصي وارتجفت وخفت، ولكنها النهاية، تقول: وأنا الآن في وكر الرذيلة، أتعرف ما هو السبب؟ إنها خطوة بعد أخرى ﴿لا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ [النور:٢١].
стр. 638
أي الخاتمتين تريد ؟
أخي الكريم! أختي الفاضلة! أي الخاتمتين تريد؟ أليس لهذه الحياة نهاية، أليس كل منا سوف يموت هل فكرت على أي حال سيقبض الله أرواحنا؟ هل فكرت على أي حال تريد أن تلقى الله؟ ألا تعلم أنه ما من ميت يموت إلا بعثه الله على ما مات عليه؟
стр. 639
الخاتمة السيئة
اسمع إلى هذا الطبيب والقصة غريبة، يقول هذا الطبيب: كنت في إحدى المستشفيات في كندا -وهو مسلم- وفي يوم من الأيام لفت انتباهي في أسماء المرضى في العناية المركزة شاب اسمه فلان بن فلان، اسم من أسماء المسلمين، يقول: ففرحت، فذهبت إليه ونظرت إلى حالته، وللأسف! إنه مصاب بالإيدز وهو ينتظر الموت.
يقول: فجلست عنده، واتصلت على أمه بالهاتف، فقلت لها: أنتِ أم فلان؟ قالت: نعم.
قلت لها: ائت إلينا الآن أريد أن أتكلم معك، قالت: أنا مشغولة، عندي تجارة وأعمال، يقول: وأنا أتكلم معها سمعت جرس الإنذار على سرير المريض، فقلت لها: الآن تأتينا فالأمر ضروري جداً.
يقول: وبعد ثلاثين دقيقة أتت، والأطباء عند رأس المريض، وبعد أن أخبرتها بالأمر، بكت وانهارت لما علمت أن ولدها سوف يموت، فقلت لها: اذهبي إليه، واقرئي عليه شيئاً من القرآن، فتعجبت وقالت: أو أنت مسلم؟ قلت: نعم.
قال: اقرئي عليه شيئاً من القرآن، قالت: والله لا أحفظ آية من القرآن، قلت لها: فكيف تصلين؟ قالت: نحن أسرة متدينة، لكن لا نصلي إلا العيد.
فقلت لها: أي دين هذا؟ قالت: نحن محافظون ومن أسرة متدينة، ابني كان عفيفاً وكان مستقيماً، ومرت الأيام ولم ينحرف إلا بعد أن تعرف على تلك الفتاة، وربما يسمع حديثي هذا من يعيش في بلاد الغرب، ربما أجبرته ظروفه على أن يعيش هناك، ولكن ينتبه على نفسه، فقلت لها: ائت معي نجلس عند رأسه، ربما نقرأ عليه شيئاً من القرآن، يقول: وذهبت عند رأسه وكانت حالته سيئة، يفيق ساعة ويغيب ساعة أخرى، ويتألم ألماً شديداً، والأطباء عند رأسه يقول: فلما أفاق رأيت وجهه قد اسود وأظلم، وعيناه تدمعان، فأخذت أكلمه وأقول له: قل: لا إله إلا الله أتعرف ماذا كان يقول؟ كان يقول: أين صديقتي؟ كنت أقول له: قل: لا إله إلا الله، فيقول لي: أين صديقتي؟ ولا زال على هذه الحال، وكان يقول: أريد مسكناً والألم شديد، فقلنا: لا ينفع معك مسكن ولا غيره، هذه اللحظات الأخيرة، وأنا أقول له: قل: لا إله إلا الله، وهو يقول: أين صديقتي؟ ائتوني بصديقتي، وهو يبكي على صديقته، حتى خرجت روحه وهو يقول: أين صديقتي؟ فلما مات انفجرت بالبكاء، ثم التفت إلى أمه فقلت لها وأنا أبكي: أنتم السبب، ضيعتم الأمانة، أعطاكم الله ولداً على الفطرة فانظروا إلى أي حال أوصلتم ابنكم (فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه) ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].
стр. 640
الخاتمة الحسنة
على النقيض من ذلك! يتحدث طبيب آخر ويقول: في لحظة من اللحظات جاءتنا في الطوارئ امرأة عمرها خمس وخمسون سنة والأطباء عندهم قصص غريبة؛ لأنهم يرون الأموات يرون الرجل في أول خطوة في العالم الآخر، يقول: فإذا امرأة عجوز عمرها خمس وخمسون سنة، فيها ذبحة صدرية، فوضعناها على الفراش، قلبها متوقف لا ينبض، فجئنا بالأجهزة الكهربائية، فوضعناها على صدرها مرة ومرتين وثلاث وأربع ربما يرجع نبض القلب، يقول: وفعلاً بعد أكثر من صدمة رجع نبض القلب مرة أخرى، أتعرف ما الذي حصل؟ يقول: فتحت عينيها ثم قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله يقول: ففرحت، ثم أغمضت عينيها وماتت يقول: وكأن الله رد روحها لتنطق الشهادتين، وهذه أغرب قصة وجدتها في المستشفى في حياتي ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] يقول الطبيب: بعد أن فرغنا من الجنازة، ذهبت إلى زوجها بعد أيام، فقلت له: أخبرني ما شأن هذه المرأة؟ قال الرجل: هذه زوجتي منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً لم تترك قيام الليل أبداً، إلا أن تكون معذورة العذر الشرعي.
قال بعضهم:
إذا ما الليل أقبل كابدوه فيسفر عنهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الأمن في الدنيا هجوع
لهم تحت الظلام وهم ركوع أنين منه تنفرج الضلوع
стр. 641
صور للخاتمة الحسنة والسيئة
أربعة شباب ما صلوا ولا صاموا ولا ذكروا ربهم، بعد إجازة ماجنة، كانوا في سيارة في إحدى الطرق السريعة، فانقلبت بهم السيارة، فمات ثلاثة من ساعتهم، أما الرابع فأدركه رجل المرور، فجاء إليه وقد تمزق جسمه والدم يسيل، وهو يحتضر ويلفظ أنفاسه الأخيرة، قال الشرطي النبيه العاقل: يا فلان! قل: لا إله إلا الله، قل: لا إله إلا الله! أتعرف بم رد عليه؟ قال وهو ينظر: هو في سقر، هو في سقر، هو في سقر.
ثم مات وهلك: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣].
بل اسمع إلى هذا المرابي، كان يأكل الربا في حياته ولا يبالي به، وقبل الموت قيل له: يا فلان! قل: لا إله إلا الله، فقال: عشرة بخمسة عشر، قال: يا فلان! قل الشهادتين، قال: عشرة بخمسة عشر، قال: قل: لا إله إلا الله، قال: عشرة بخمسة عشر، ثم مات وهو يلفظ الربا ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ﴾ [البقرة:٢٧] أي: يوم القيامة ﴿لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧].
اسمع إلى هذا الرجل في إحدى المؤتمرات في دولة خليجية، كان هناك شابٌ صالح عسكري واقف مع الجنود، يقول صاحبه: كان أمامي وكان دائماً يذكرنا بالصلاة، وكان في الصف العسكري جالساً، والرجل الذي بخلفه يعبث بالسلاح، وذلك قبل أن يدخل الرؤساء، وكنت بجانبه، يقول: وأثناء عبثه بالسلاح أخطأ فانطلقت رصاصة من سلاحه، فوقعت على رأس صاحبي من الخلف، فسقط على الأرض، فوالله لقد رأيت مخه قد خرج من رأسه، وكان السلاح قوياً؛ لأنه كان قريباً من الرأس، يقول: خرج المخ من رأسه قطعة واحدة، فلم أتدارك نفسي إلا وأنا عنده، فنظرت إليه وهو في أنفاسه الأخيرة، فقلت له: يا فلان! قل: لا إله إلا الله، كيف يقولها والمخ قد خرج من الرأس؟ أي ذاكرة؟ أي عقل؟ أي مخ؟ يقول علماء الطب: انتهت الذاكرة كيف يتكلم؟ يقول: والله لقد رأيت مخه خارج رأسه وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
يقول: ثم خرجت نفسه من جسده إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، إن شاء ثبتها، وإن شاء أزاغها، ذلك بأنهم زاغوا: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥].
стр. 642
أثر الدعاء
اسمع يا أخي الكريم أيها الأخ العزيز! يا من أصيب بالمرض! اسمع إلى هذا الرجل الذي أصيب بمرض رجل دكتور في إحدى الجامعات في مصر، وهذا الرجل كان يعرف ربه جل وعلا، ذهب إلى إحدى البلاد الغربية بريطانيا، ففحصوا جسمه وقالوا: إن مرضك شديد، والقلب ضعيف، ولا بد من عملية جراحية خطرة، ربما تعيش أو لا تعيش، قال: أذهب إلى أولادي وأرجع الأمانات إلى أصحابها وأستعد ثم آتيكم.
قال الأطباء: لا تتأخر؛ لأن حالتك شديدة، فرجع إلى بلده وجلس عند أولاده وأخذ يصبرهم، فربما لا يرجع إليهم مرة أخرى، وسلم على من يشاء، واستعد للقاء الله يقول: فذهبت يوماً من الأيام عند أحد أصحابي لأسلم عليه في أحد المكاتب، وكان عند المكتب جزار، فنظرت وأنا جالس في المكتب عند الجزار إلى امرأة عجوز، بيدها كيس تجمع العظام والشحم واللحم الساقط على الأرض من القمامة، فقلت لصحابي: انتظر! وذهبت إلى العجوز، واستغربت من حالها! فقلت لها: ماذا تصنعين؟ فقالت: يا أخي! أنا لي خمس بنيات صغيرات لا أحد يعولهن، سنة كاملة لم تذق بنياتي قطعة من اللحم، فأحببت إن لم يأكلن لحماً أن يشممن رائحته!
يقول: فبكيت من حالها، وأدخلتها إلى الجزار، وقلت للجزار: يا فلان! كل أسبوع تأتيك هذه المرأة فتعطيها لحماً على حسابي، فقالت المرأة: لا، لا نريد شيئاً فقال: والله لتأتين كل أسبوع، فتأخذي ما شئت من اللحم، قالت المرأة: لا أحتاج أكثر من كيلو واحد، قال: بل اجعلها اثنين كيلو، ودفع مقدماً لسنة كاملة، تأتي المرأة كل أسبوع تأخذ اثنين كيلو من اللحم، يقول: ورجعت إلى البيت فأحسست بالسعادة؛ لأنني عملت عملاً فرحت به، فلما دخلت إلى البيت جاءت ابنتي، وقالت لي: يا أبي وجهك متغير، كأنك فرح، فلما أخبرتها بالقصة أخذت تبكي، وكانت ابنتي عاقلة، فقالت: يا أبي! أسأل الله أن يشفيك من مرضك كما أعنت تلك المرأة.
يقول الرجل: ولما أعطيت المرأة ثمن ذلك اللحم أخذت تدعو لي وهي تبكي، يقول: فأحسست بنشاط كبير، وهمة عالية، فلما ذهبت إلى الأطباء لأجري العملية، قال الطبيب مغضباً: أين تعالجت؟ فقلت: ماذا تقصد؟ قال: أسألك أين ذهبت؟ إلى أي مستشفى؟ قال: والله ما ذهبت إلى مستشفى، وإنما سلمت على أولادي ورجعت، قال: هذا غير صحيح، قلبك ليس به مرض أبداً، قال: ماذا تقول يا طبيب؟ قال: أنا أخبرك أن القلب سليم، إما أن يكون الرجل لست أنت، أو أنك ذهبت إلى مستشفى آخر، ثم قال: أرجوك أن تعطيني دواءً من الذي أخذت.
قال: والله لم آخذ شيئاً، إلا دعاء امرأة عجوز وبنتي الصالحة.
أتعرف لِمَ؟ لأن الله يقول: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾ [المزمل:٢٠].
стр. 643
قصة من الشيشان
وهذه قصة حدثت في الشيشان، وسوف أنقلكم إلى بلد آخر، وإلى مجتمع آخر، إلى أناس عانوا الويلات ثم الويلات، تخيلوا ذلك البيت في إحدى الليالي، طرق الباب بقوة رجل وامرأة وعنده بنت فتاة شابة، وولد صغير، فطرق الباب بقوة، من؟ إنهم الروس (الشيوعيون) في آخر الليل، ما فتحوا الباب إنما كسروه ودخلوا البيت في آخر الليل، فهب الأولاد من نومهم، الشابة والصبي، ما الذي حدث؟ أخذ الأب بقوة، وضرب أمامه الأولاد، ثم قيد واغتصبت الأم والشابة أمام مرأى الأب والصبي الصغير صبي صغير يبكي ويصيح لكن ماذا يصنع وماذا يفعل؟! ولما اغتصبت الأم والفتاة والأب ينظر وضعوا السلاح في رأس الأب ثم قتلوه، ثم خرجوا يمشون يقول الشاعر عن هذا الطفل بلسان حاله، وكأنه يكلم جثة أبيه:
نسبى ونطرد يا أبي ونباد فإلى متى يتطاول الأوغاد
وإلى متى تدمي الجراح قلوبنا وإلى متى تتقرح الأكباد
نصحو على عزف الرصاص كأننا زرع وغارات العدو حصاد
أو ما لنا في المسلمين أحبة فيهم من العازي الميت سداد
يا ويحنا ماذا أصاب رجالنا أو ما لنا سعد ولا مقداد
أواه يا أبتي على أمجادنا يختال فوق رفاتها الجلاد
لا تخش يا أبتي عليّ فربما قامت على عزم الصغير بلاد
ميعادنا النصر المبين فإن يكـ ـن موت فعند إلهنا الميعاد
دعنا نمت حتى ننال شهادة فالموت في درب الهدى ميلاد
أسمعت بقصص مثل هذه في البوسنة والشيشان، وفي غيرها من بلاد المسلمين؟ أين المعتصم؟ أين شباب المسلمين؟ أين الذين انغمسوا في الشهوات؟ لا هم لهم إلا الشهوة، والكأس والخمر، إلى متى يعيشون في هذه الحياة؟
стр. 644
هذا زرعك وهذا حصادك
ونختم بقصة محفظ، يقول المحفظ: كانت عندي حلقة في أحد المساجد، ودخل علينا شاب وكان يجلس وفي بيده مصحف كأنه يريد الحضور معنا، ولكنه مستحياً، فجئته يوماً فقلت له: أتحب أن تشاركنا، قال: أنا أحب القرآن، وأتمنى أن أشارككم، وفعلاً دخل الشاب وكان عمره خمسة عشر عاماً، فصار من أنشط الشباب في حفظ القرآن، حتى جاء اليوم الذي بدأ يغيب فيه، فجئته يوماً وتمشيت معه عند البحر، وقلت له: ما الذي جرى لك؟ ما الذي حدث؟ قال الشاب: إن أبي لا يحب الملتزمين، ولا يحب أهل القرآن، وفي يوم من الأيام اكتشف أني معكم في حلقات القرآن، وكنت على العشاء، ودخل في ليلة من الليالي عبوساً مغضباً، فدخل وجلس ولم يتجرأ أحد منا على الكلام، كعادته، فقال لي: يا فلان! سمعت أنك تمشي مع المطاوعة! فقلت له: نعم يا أبي! فإذا به يأخذ إبريق الشاي، فرماه في وجهي -وعمره خمسة عشر عاماً- يقول: ولم أجد إلا حضن أمي يحتضنني، ومرت الأيام وأنا صابر، حتى جاءني اليوم الذي كنت فيه على العشاء، وأردت الأكل، فقال لي: يا فلان! قم ولن تأكل معي يوماً من الأيام على سفرة واحدة.
يقول: فقمت ومشيت، ولما مشيت دفعني فسقطت على الأرض، وعمري خمسة عشر عاماً، فقلت: سوف أكبر يا أبي وسوف أرد لك الضربة ضربتين، وسوف أفعل فيك كما تفعل فيّ الآن، فقلت له: يا فلان! هذا أبوك والبر مطلوب، مهما فعل الأب، فإن فضله كبير، يقول: فصبرته وقلت: سوف أزور أباك غداً، وجئت في اليوم الثاني وطرقت الباب، ففتح الباب بقوة، فلم أبدأ بالكلام، حتى قال لي: ربما أنت الذي تحفظ ولدي، قلت له: نعم.
قال: إن رأيت ابني معكم يوماً من الأيام كسرت رجلك التي تمشي عليها، فلما أردت الذهاب بصق في وجهي ثم دخل، فقلت في نفسي: لقد فعل برسولنا ﵊ أكثر من هذا فصبر، ولست أفضل منه.
يقول: وفعلاً انقطع خالد عن الحلقة، ومرت السنون والأعوام، وفي ليلة من الليالي صليت العشاء، وبعد الصلاة جاءني رجل كبير، فسلم عليّ فنظرت إليه فإذا هو أبو الشاب، فوجدت وجهه قد تغير، فقال لي: أريد أن جلس معك، فقلت له: كيف خالد؟ فبكى وقال: تعرف خالد لقد تغير، تعرف على رفقة من الرفق السيئة، وأصبح لا يأتي إلينا إلا منتصف الليل، عيناه أصبحت حمراوتان، وجهه تغير، وجسمه أصبح نحيفاً هزيلاً مضطرباً، وبدأ يرفع صوته عليّ، وفي يوم من الأيام لما بدأت أهدده حتى لا يذهب مع أصحاب السوء، فلقد وقع في المخدرات والرذيلة، ولما هددته ضربني بيده، قال: هل تصدق ابني يضربني! يقول: فلما انتهى من حديثه قلت له: ماذا تريد؟ قال: أريد أن يرجع معكم إلى الحلقة، أن يرجع معكم إلى تحفيظ القرآن، قلت له: يا فلان! هذا زرعك وهذا حصادك، اجني حصادك اليوم على ما زرعت يداك، ثم قلت له: لا بأس سوف نحاول في ولدك، ولكن هذا ما جنته يداك.
مشى الطاوس يوماً في اختيال فقلد شكل مشيته بنوه
قال علام تختالون قالوا سبقت به ونحن مقلدوه
وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه
قال الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣].
أخي العزيز! عندي قصص كثيرة ربما لم أذكر إلا نصفها، لكن أدعها لجلسة أخرى، ولكن اجعل هذه القصص عبرة لنفسك، ثم انقلها لغيرك، فربما يتعظ بعض الناس بقصة، وربما يعتبر بعض الناس بهذه الأحاديث ويجعل منها عبرة، انقلها إلى غيرك، ربما يهدي الله على يديك بعض الناس.
أسال الله أن تكون هذه القصص لنا ولغيرنا عبرة.
أقول هذا القول، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 645
كفى بالموت واعظاً
كفى بالموت واعظاً حول هذا الموضوع تكلم الشيخ حفظه الله؛ مبيناً أن الموت حقيقة لابد منها، ثم تكلم عن مواقف من وفاة النبي ﷺ لنأخذ العبرة والعظة منها، موضحاً الفرق بين الحسنة والسيئة وذاكراً بعض الصور لهما، وفي الأخير ذكر أنه لابد من الاستعداد للموت بالأعمال الصالحات.
стр. 646
حقيقة الموت
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد:
أيها الإخوة المسلمون! إن الموت حق، وإن الدنيا إلى زوال، وإن اللحظات التي تمر الآن، والدقائق التي تمضي تقربنا إلى آجالنا، والله قبل أن ينادي الناس لصلاة الجمعة، وقبل أن يأمرهم أن يذهبوا إلى خطبة الجمعة وإلى صلاتها واستماع الذكر فيها، أمرهم أن يتذكروا قضية الموت، فقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة:٨] مهما فررت ومهما هربت سل الأموات: هل كلكم مات مريضاً؟ هل كلكم مات كبيراً؟ هل كلهم مات بسبب أم أن كثيراً من الأموات مات هكذا؟ إنه لم يكن مريضاً، لم يكن كبيراً، لم يكن شيخاً، لم يمت بسبب إنما مات فجأة، كما قال الله جل وعلا: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] ولو كنت في المستشفى، أو بين الأطباء، أو بين الأحباب، ولو كانت عندك الأماني والأحلام ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء:٧٨].
стр. 647
مرض النبي ﷺ ووفاته
في شهر صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة مرض أفضل الخلق ﵊، فسقط على الفراش، فجاء أهله وأحبابه يمرضونه ويجلسون عند رأسه؛ فاستأذن زوجاته أن يبيت عند أحب الناس إليه الصديقة بنت الصديق ﵂، فجلس عندها تمرضه، وربما سُكِبَ الماء عليه لتخفض درجة الحرارة عنده ﷺ ، فأصيب بالحمى الشديدة، حتى قيل له: إنك تمرض لا كالناس.
قال: نعم.
أمرض لا كمرضكم، ثم أمر الصحابة أن يجعلوا أبا بكر يصلي بهم، فقال: (مروا أبا بكر فليصلّ بالناس) فلما صلى أبو بكر بالناس فتح النبي ﷺ الستار، ولم يكن بينه وبين المسجد إلا ستار، ففتحه ونظر إلى أصحابه وهم يصلون خلف الصديق ﵁؛ فابتسم وفرح وقال: (يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) لا يرضون إلا بـ أبي بكر ﵁، هي إمامة في الصلاة لكنها الإمامة والخلافة، وقيادة الأمة.
ويرجع النبي ﵊ إلى فراشة، وتمر الأيام، ويخيم على المدينة حزن شديد أين رسولهم؟ أين نبيهم؟ أين حبيبهم؟ أين قائدهم؟ ما باله لا يصلي بنا؟ ما الذي ألم به؟ ما الذي جرى له؟ وتمر الأيام فيزداد كربه، فتدخل عليه فاطمة ﵂ فتبكي وتقول: (واكرب أبتاه! واكرب أبتاه! فيقول لها: يا فاطمة! لا كرب على أبيك بعد اليوم).
وفي أيامه الأخيرة يذهب إلى البقيع قبل أن يشتد به المرض، ويستغفر لأموات المسلمين لم يبقَ إلا هذه الأيام وهذه السويعات، يذهب إلى المقبرة فينظر إليه أحد الصحابة في الليل فيقول له النبي ﵊: (إن الله خيرني بين البقاء في الدنيا والملك وبين لقاء ربي والجنة.
فقال الصحابي: يا رسول الله! اختر البقاء في الدنيا والملك، قال: لا.
بل اخترت لقاء ربي والجنة).
وقبل أن يشتد به المرض قال في آخر خطبة له بين الصحابة: (إن عبداً خيره الله بين زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله) فسكت الصحابة، وإذا بأحدهم يبكي وينفجر بالبكاء؛ فينظر الصحابة فإذا هو أبو بكر، علم أن المخير هو رسول الله، خيره الله بين الدنيا وبين لقائه، فاختار النبي ﵊ لقاء الله .
اشتد المرض، وظل أبو بكر يصلي بالناس ثلاثة أيام، ثم جاءت الساعات الأخيرة، فاختار النبي ﷺ وأبى إلا أن يموت ورأسه في حضن عائشة الصديقة بنت الصديق ﵂، فوضع رأسه في حجرها لما ألم به المرض، واشتد به الكرب، وضاقت به الدنيا لم تضق به إلا ورأسه عند عائشة ﵂، ودخل أخوها عبد الرحمن فرآه النبي ﷺ يتسوك، قالت عائشة: (فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم.
فأخذت السواك فقضمته وطيبته ثم دفعته إلى النبي ﵊، فاستاك به، ثم نظر إلى السماء، ثم قال: بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، ثم لفظ الشهادة، ثم فاضت روحه الطيبة إلى بارئها).
стр. 648
موقف الصحابة من نبأ وفاة النبي ﷺ
مات النبي مات الرسول ذهب الحبيب إنها أعظم مصيبة على وجه الأرض، كيف لا وهو أحب إلينا من آبائنا وأمهاتنا وأبنائنا؟ مات ﵊ ووضعته عائشة على الفراش وغطته، وانتشر الخبر بين الصحابة، فإذا بالصحابة بين مصدق ومكذب، أما عمر فلحبه للنبي ﷺ قال: [من زعم أن محمداً قد مات فلأضربنه بهذا السيف، إن محمداً ما مات، بل ذهب يناجي ربه كما وعد الله موسى وسيرجع] والصحابة لا يدرون ولا يعرفون هل مات حقاً أم لم يمت؟ فسمع أبو بكر بالخبر، فأسرع إلى بيت ابنته عائشة فاستأذن ودخل؛ فلما رآه قد غطي بالفراش أزال الغطاء عن وجهه ثم قبله بين عينيه، ثم قال: [طبت حياً وميتاً -يا رسول الله- والله لا يذيقنك الله الموت مرة أخرى] يقبله أبو بكر، ويتذكر أياماً قام فيها على الصفا يقول: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، يتذكر أياماً وهو يطوف حول الكعبة وحولها ثلاثمائة وستون صنماً يتذكر أياماً كان يقودهم في المعارك وفي الجهاد في سبيل الله، ويقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) يتذكر أياماً يبكي النبي ﷺ بين أيديهم وهو يعظهم، فتذرف العيون، وتدمع القلوب يتذكر أياماً يجلس النبي ﷺ بينهم فيضحك الصحابة ويبتسم ﵊ يتذكر أياماً يسلم النبي ﷺ على الصبيان، ويمسح على رأس الأيتام، ويجلس مع الوفود يعلمهم دين الله أين هذا الرسول الذي كلما ألمت بنا المصائب ذهبنا إليه وجلسنا عنده يعلمنا ويفهمنا ويجيبنا إذا سألناه أو استفتيناه أين هذا النبي؟
لقد غادر الحياة الدنيا، فدمعت عينا أبي بكر، وخرج إلى الناس وهم بين مصدق ومكذب ومذهول ومتعجب! هل هذا الخبر صحيح أم لا؟ نظر إلى عمر وهو يهدد الناس، فقال: يا عمر! اجلس، وعمر لا يسمع الكلام ولا يعلم ما الخبر، كان يقول: [من زعم أن محمداً قد مات ضربته بهذا السيف] فقال: يا عمر! اجلس، فلم يجلس، فقام أبو بكر في الناس خطيباً، فاجتمع الناس عنده لا يجتمعون عند غيره ﵁، فجلس الناس فقال: [أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم قرأ قول الله : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] يقول الصحابة: كأننا أول مرة في حياتنا سمعنا هذه الآية، وكأننا ما سمعناها من قبل، فردد الصحابة بين الناس: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران:١٤٤]].
ومن هول الصدمة ظل النبي ﷺ ثلاثة أيام وليلتين لم يدفن، والناس يصلون عليه ويستغفرون له ويتشاورون: ماذا نصنع؟ غاب القائد غاب القدوة غاب الحبيب، ثم دفن، فقال أنس: [لما قدم النبي ﷺ المدينة أنار في المدينة كل شيء، ولما مات أظلم في المدينة كل شيء] تقول ابنته فاطمة وهي تبكي: كيف استطعتم أن تحثوا التراب على وجه رسول الله؟ كيف فعلتموها؟ كيف دفنتموه؟ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
من كان يظن أنه سيخلد في هذه الدنيا فليعلم أن أحب الناس إلى الله قد مات، وأن أفضل خلق الله قد مات، فلن يبقى في الدنيا أحد: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] أيظن أولئك الذين يجمعون الأموال، ويكدسون الأرصدة، ولا يبالون بالأموال أهي من حلال أم من حرام ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة:٢ - ٣] لا تظن -يا عبد الله- أن الأموال تبعدك من الموت، وأن الرياضة تبعدك من الموت! نعم.
نحن نبذل الأسباب، ولكن الموت حق ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد:٣٨] ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ [ل عمران:١٤٥].
стр. 649
الخاتمة الحسنة والخاتمة السيئة
اعلم -يا عبد الله- أن من الناس -والعياذ بالله- من يموت ولكنه على سوء ختام، فهذا رجل مات وهو يشتم ربه جل وعلا، أصيب بمرض فاشتد به المرض فقيل له: قل: لا إله إلا الله، فقال: ربي هو ذا يظلمني! أرأيت؟! يسب ربه قبل أن يموت، وصاح وهو يقولها: ربي هو ذا يظلمني!
ومنهم من تأتيه البشارة في الدنيا قبل الآخرة، يموت وهو يسبح الله، ومنهم من يموت وهو يصلي، ومنهم من يموت وهو ساجد، ومنهم من يموت وهو يقرأ القرآن كـ عمر بن عبد العزيز ﵀ الذي مات وهو يقرأ قول الله : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣] ثم خرجت روحه.
أسمعت بـ هارون الرشيد؟ هارون الرشيد كان يحج عاماً ويجاهد عاماً، وعمل من الصالحات الكثير والكثير، ومات وهو يبكي ويقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨] ماذا استفدت من أموالي؟ ماذا استفدت من هذه الثروات؟
﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩].
بل اسمع -يا عبد الله- إلى بشر قد ماتوا وهم يتعاطون المخدرات، يقول لي أحد رجال الداخلية: لما اقتحمنا الشقة وكسرنا الباب وجدت رجلاً قد مات قبل أيام وقد تعفنت رائحته، وامتلأت الحشرات والدود في جسمه، مات قبل أيام ولم يصلِ عليه أحد، مات قبل أيام ولم يستغفر له أحد، مات قبل أيام ولم يشعر به أحد، يقول: الغريب أنني وجدته على هيئة سجود وأمامه إبر المخدرات ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٥] هل أنت منهم أم لست منهم؟ كأنني أراك تظن أنك لست منهم، كأنني أراك تعمل عملاً وتظن أنك لست بميت، ونحن في الحقيقة أموات ولسنا بأحياء، ألم يقل الله لنبيه ولصحابته وهم أحياء: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] فمالي أراك لا تستعد لقبرك لا بشيء من قيام الليل، ولا بصيام النهار، ولا بقراءة القرآن، ولا بالباقيات الصالحات أين الباقيات الصالحات؟ أين قولك: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وذكرك لله جل وعلا؟ مالي أراك كأنك مخلد في الدنيا وكأنك تعيش حياة من لا يموت؟! اسمع إلى نبي الله سليمان كان جالساً بجانبه رجل، فدخل عليهم رجل ثالث، فلما دخل الرجل الثالث أخذ ينظر إلى صاحب سليمان نظراً محدقاً مفزعاً، فخاف صاحب سليمان، فلما خرج الرجل الثالث قال صاحب سليمان: يا نبي الله! من هذا الذي دخل؟ قال: لم تسأل؟ قال: رأيته ينظر إلي نظراً مخيفاً.
قال: هذا ملك الموت.
قال: يا نبي الله! احملني إلى أي بلد بعيدة فإني أخاف منه -وقد سخر الله له الريح والجن- فحمله إلى بلاد بعيدة في أقصى الدنيا، فلما نزل في تلك البلاد قبض ملك الموت روحه، فرجع ملك الموت إلى سليمان، فقال سليمان ﵇: يا ملك الموت! أخبرني عن قصة هذا الرجل.
قال ملك الموت: هذا قصته عجيبة! قال: وما عجبها؟ قال: هذا رجل أمرني ربي أن أقبض روحه بعد لحظات في بلاد بعيدة، فوجدته عندك فتعجبت، وقلت: كيف يأمرني ربي أن أقبض روحه في تلك البلاد البعيدة وهو جالس عندك؟! فعجبت من أمره وقلت: أمر الله لا يتخلف، فذهبت إلى تلك البلاد البعيدة فوجدته ينتظرني!! ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨].
أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 650
الاستعداد للموت
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد:
أيها الإخوة الكرام: الموت حق، وقل للأموات جميعاً إن كانوا يجيبون: هل منهم من قضى حاجته؟ هل منهم من أدرك آماله وأحلامه؟ هل منهم من حقق أمنياته؟ لا أظن هذا، بل أكثر الناس لو خرجوا من قبورهم لندموا على حياتهم على جلسة لم يذكروا الله فيها، فكيف بجلسة فيها حرام؟ كيف بسهرة فيها حرام؟ كيف بليلة حمراء يعاقرون الحرام، ويشربون الحرام، ويأكلون الحرام؟
تواعد ثلاثة نفر في ليلة حمراء يفعلون الفواحش -أجاركم الله- ويشربون الخمور، وفي الثلث الأخير من الليل قال أحد السكارى: سوف آتيكم بعشاء، وخرج بسيارته ولم يرجع، تأخر، فذهبوا في الثلث الأخير من الليل يبحثون عنه في الطرقات، يقول صاحبه: فوجدنا في ظلام الليل ناراً من بعيد فأسرعت باتجاه النار، فوجدت سيارة صاحبي تحترق قد أظلمت فيها النار، فجذبت صاحبي من بين النار، فأخذته وقد تفحم واحترق في الدنيا قبل أن يموت، فوضعته في سيارتي ولا يزال فيه نفس، ولا زالت به الروح، فأسرعت به إلى المستشفى ماذا صنع آخر حياته؟ لا تقل: آخر مرة أفعلها ثم أتوب، وهل تضمن أن الله يمهلك؟ لا تقل: هذا الربا آكله ثم أتوب، لا تقل: ألقاها وأواعدها وأنام معها ثم أتوب، هل تأمن مكر الله؟ ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩].
يقول: وضعته في السيارة وأسرعت به إلى المستشفى، وفي الطريق سمعت صوتاً غريباً يخرج منه ويقول: كيف أجيبه؟ كيف ألقاه؟ بِمَ أرد عليه؟ إذا سألني ماذا أقول له؟ فقلت له: من تقصد؟ من تريد؟ قال لي: الله بماذا أجيبه؟ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] كذاب، نعم.
يكذب كلما قرر التوبة، وقديماً كان يتراجع عنها ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
أتعرفون كم مليون إنسان في الأرض يموت؟ أتعرفون ما السبب؟ يموت وهو مريض بمرض الإيدز، ملايين يموتون، وملايين مهددون بالموت، والمرض ينتشر أكثر وأكثر، بل سمعت رجلاً ما زنا في حياته إلا مرة واحدة، سولت له نفسه فسافر إلى بلد فارتكب الفاحشة، ثم رجع إلى بلده وربما استقام وبعد أيام اكتشفوا أنه يحمل مرض الإيدز ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٤ - ٤٥] والمصيبة أن زوجته ملتزمة وصالحة، فحملت منه مرض الإيدز إنا لله وإنا إليه راجعون! إذا ما خاف الناس من عذاب الله ومن عذاب الآخرة ألا يخافون من عذاب الدنيا؟ ألا يخافون من ابتلاءات الدنيا من الفضيحة والعار والأمراض والفتن والبلاء؟ ألا يخاف آكل الربا؟ إن لم يخف أنه يدخل في نهر من دم في قبره ويخرج يوم القيامة مصروعاً كالذي يتخبطه الشيطان من المس، ويعطى يوم القيامة رمحاً يُقال له: بارز ربك الآن ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] يبارز من؟ بارز ربك الآن، إن لم يخف آكل الربا من هذا كله، ألا يخاف في دنياه أن يحاربه الله في أولاده في أطفاله في جسده في صحته ألا يخاف؟ ما بال الناس لا يخافون؟
نعم! إن رحمة الله واسعة، وباب التوبة مفتوح، والله يغفر كل ذنب إذا تاب الإنسان قبل أن تبلغ الروح الحلقوم، وقبل أن يصل الإنسان إلى الغرغرة؛ فإن الله يقبل التوبة ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه).
فلنسرع ولنقدم نجوانا بين يدي الله، ولنسرع إلى طاعة الله، ولنتب من ذنوبنا ومعاصينا؛ لعل الله أن يكفر عنا سيئاتنا.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اللهم أعداءك أعداء الدين، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.
اللهم انصر عبادك المجاهدين في كل مكان، اللهم سدد رميهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم اجمع كلمتهم، اللهم رص صفوفهم يا رب العالمين، اللهم عليك بأعدائنا وأعدائهم يا رب العالمين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك.
اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم يا رب العالمين.
اللهم فرق جمعهم، اللهم شتت شملهم، اللهم اجعل الدائرة عليهم، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
стр. 651
نصيحة للشباب
الأموات صنفان: صنف يموت على طاعة الله ويختم له بخاتمة حسنة، وصنف آخر يموت على معصية لله ويختم له بخاتمة سيئة.
وفي هذا الدرس نقرأ تصوراً للرحلة التي سيرحلها كل إنسان وجد على هذه الأرض (رحلة الدار الآخرة).
وهناك نصيحة موجهة لكل مسلم رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً.
стр. 652
الفرق بين الخاتمة الحسنة والخاتمة السيئة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
ثم أما بعد:
حقٌ على النصيحة ألا تكون طويلة، فإن شاء الله لن نطيل في الكلام إلا إن احتجت إلى بعض القصص والمواقف، فنستسمح منكم -أيها الإخوة- أن نستقطع من وقتكم الثمين هذه الدقائق.
стр. 653
قصتان ختم لصاحبيهما بسوء
ثلاثة شباب لا يعرفون من الدنيا إلا اللعب، واللهو، والطرب، والأغاني، والنساء، ذهبوا إلى مكانٍ يستمتعون مع النساء تخيل ماذا يفعلون؟! فلما جاء الليل قال أحد الثلاثة: سوف أذهب لآتي بالعشاء فذهب، فبقي اثنان، فتأخر الرجل، فانتظرا فلم يأتِ، فقال أحدهما: سوف أذهب لأنظر ما الذي أخره، فخرج بسيارته وفي أثناء الطريق رأى سيارة تحترق، فتوقف، ثم نزل يبحث داخل السيارة فإذا صاحبه يحترق، أخرجه بسرعة ونظر إليه وهو يصرخ ويقول: النار، النار، النار، يقول: أخذته في السيارة ولا زال يلفظ أنفاسه الأخيرة، يقول: فأسرعت بالسيارة إلى المستشفى وأنا أنظر إليه، فتخنقني العبرة، فتوقفت ليلفظ أنفاسه الأخيرة، نظرت إليه فإذا به يريد أن يتكلم، فكان يردد ويقول: ماذا أقول له؟ ماذا أقول له؟ فقلت له: من هو؟ يقول: فخرج بصوتٍ كأنه من بئر فقال: الله، الله، ثم خرجت روحه، فبكى صاحبه يقول: وكانت بدايتي للهداية إلى هذا الطريق طريق الاستقامة.
استمع إلى موقفٍ آخر:
رجلٌ من أهل الخليج، كبيرٌ في السن، لا يعرف من الدنيا إلا الخمور، سافر إلى دولة غربية، دخل في غرفة الفندق، وأغلق على نفسه الباب بعد أن جمعت الغرفة زجاجات الخمور، فأخذ يشرب ويشرب حتى أحس بالغثيان، دخل -أجلكم الله- في دورة المياه ليرجع ما شربه، انتظره أهل الفندق يوماً أو يومين أو ثلاثة فلم يخرج من غرفته، طرقوا عليه الباب فلم يجب، ثم كسروا عليه الباب وفتحوا فإذا برأسه في مكان المجاري، وقد زهقت روحه قبل ثلاثة أيام.
قصة ثالثة:
стр. 654
قصة صحابيين ختم لهما بخير
استمع -عبد الله- قبل أن أبدأ بالنصيحة، إلى بلال بن رباح مؤذن رسول الله، تحضره الوفاة أتدري ماذا قال قبلها؟
غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه
ثم نطق بالشهادة وخرجت روحه.
حرام بن ملحان، يضرب بخنجرٍ في صدره قبل الموت، فأخذ الدم ومسح به وجهه، ثم قال:: [الله أكبر! فزت ورب الكعبة الله أكبر! فزت ورب الكعبة].
стр. 655
السبب في خاتمة السوء
عبد الله: انظر إلى هؤلاء وأولئك أتعرف الفرق بينهما؟ الفرق أن الأول كان يريد الدنيا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥].
إذا قلت له: ما أمنيتك في الحياة؟
قال: أصير لاعباً.
وإذا قلت للآخر: ما هدفك في الدنيا؟
قال: أصير مطرباً.
وإذا قلت لآخر: ماذا تريد من الدنيا؟
قال: الشهادة الدنيوية، والمال، وذاك البيت، وهذه السيارات وهذا ماذا يريد؟ ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥] حتى يصير مطرباً وصورته في الجرائد، أو لاعب كرة ويعطى أعلى الجوائز، أو يصبح له أعلى الشهادات وأكثر الأموال، ويركب أفخم السيارات، ثم ماذا؟ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٦].
والشاب الذي تمتع في الدنيا ما بين لعبٍ ولهو، وأغانٍ وسفر، وسيارات وعاهرات وغيرها من الملهيات، فأتته ساعة الوفاة وهو يلعب، أو وهو نائم، أو وهو يضحك أو يلهو، أو في السيارة، وتذكر صاحباً لك، جيء بخبره أتذكر فلاناً؟ نعم.
كان معنا في المدرسة، أو كان يلعب معنا الكرة، أو كان يقود السيارة.
شاب صغير توفي بحادث انقلبت به السيارة وزهقت نفسه، تخيل أنك هو! أتته ساعة الوفاة، فإذا به ينظر من هذا؟ إنه ملك الموت، ما الذي أمامه؟ إنهم ملائكة، مد البصر، لقد خاف وارتعد، واضطرب وصرخ، وبدأ ملك الموت يجر الروح، من شدة الخوف لا تخرج الروح، إنما تتوزع في الجسد، وملك الموت ينزع الروح وهي تثبت، حتى تتقطع العروق والمفاصل، فلو رأيت حاله في تلك اللحظة لرأيته يصيح ويبكي، بل لعله كان رجلاً شجاعاً، فتراه ينتفض ما باله؟ إن ملك الموت ينتزع روحه ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً﴾ [النازعات:١] يبكي وينظر من حوله، إما أن يكونوا أصحابه حملوه إلى المستشفى، أو لعل أمه تبكي، أو لعل أباه قد أتى بالطبيب، أو لعل الإخوة ينظرون إلى حاله، وهذا تدمع حاله، وهذا يبكي، وذلك ينوح، ومن حوله في وادٍ وهو في وادٍ آخر.
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة:٢٦] * ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٧] ينظر إليهم فأتوا بالراقين وبالطبيب ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة:٢٨] أتعرف من يفارق؟
إنه يفارق المدرسة والصحبة والكرة مسكين! يفارق السيارة والفتاة التي كان يعشقها إنه فارق الدنيا ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة:٢٨] غسل وإذا به في الكفن ووضعت رجله مع الرجل الأخرى ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٩] ويلها أين تذهبون بها؟ ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٣٠] إلى الآن لقد ضيع حياته ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣١ - ٣٢] كان في الدنيا إن صلى فلأجل إخوانه وأصحابه، فإذا اختلى بنفسه لا صدق ولا صلى؛ بل لعله يرائي الناس، إن رأوه صلى، وإن لم يره أحد لم يصلِّ، لا يعرف من الدنيا إلا المرأة والضحك واللعب والكرة والسيارة.
стр. 656
حال العاصي بعد الموت
стр. 657
القبر عذابه وظلمته
هنا قصة ذاك الرجل وتخيل -عبد الله- نفسك وأنت تمر في تلك القصة!
إذا به يفتح عينيه في حفرة ضيقة، لا يسمع فيها صوتاً، ولا يرى فيها أحداً، بل لا يستطيع أن يلتفت يمنة أو يسرة.
فإذا به يرى ملكين أسودين أزرقين يجلسان عليه تسألني كيف يجلس والحفرة ضيقة؟! نقول: هذا من علم الغيب، يجلس عليه ثم يسأله وهو يسمع فوقه أناسٌ يمشون، يسمع قرع نعالهم من هم؟ أبوه أخوه أولاد عمومته أصحابه أحب الناس إليه من رمى على وجهه التراب، فارقوه وبعضهم يعزي بعضاً.
من ربك؟
فيقول: هاه هاه لا أدري، كان يدري لكنه نسي.
ما دينك؟
هاه هاه لا أدري، نسي في تلك اللحظة الجو مخيف، والملكان ينتهرانه، والسؤال فجأة.
ماذا تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟
هاه هاه لا أدري، كنت أسمع الناس يقولون كلاماً فأقول مثلهم، لم أعرف عن سنته شيئاً، ولم يتعلق قلبي بحبه، ولم أدافع عنه في الناس، ولم أرفع ذكره، ولم أنشر هديه وسنته، هو محمدٌ رسول الله فقط مثل الناس، ثم يُقال: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب برأسه بمطرقة يصير فيها تراباً، لو ضرب بها جبلٌ لهده -أتتحمل؟! سل نفسك- ثم يعاد مرة أخرى فيضرب ضربة أخرى فيصيح، فيسمعه كل من حول قبره إلا الجن والإنس، ولو سمعه الجن والإنس لصعقوا وماتوا؛ لأنهم لا يتحملون ذلك الصياح.
ثم تبدأ رحلة العذاب ينظر حوله؛ من أنت؟ وجهك الوجه يجيء بالشر، منتن الريح، قبيح الوجه والثياب، قال: أنا عملك الخبيث، فوالله ما علمتك إلا سريعاً في معصية الله أتذكر؟ يا فلان! عندنا سهرة، يذهب سريعاً عندنا سفرة يذهب ولا يتردد يا فلان! سوف نذهب إلى السوق نتجول ونتمتع، فلا يتردد، سريع في معصية الله، بطئ في طاعة الله.
فلان! هناك درس، يأتي لكنه متثاقل فلان! الصلاة، يتردد عشرين مرة حتى يأتي إلى الصلاة وهو كسلان، سريع في معصية الله بطئ في طاعته، فيفتح له بابٌ إلى النار، ويفرش له من النار، ويأتيه من ريحها وسمومها، ثم يقول: رب لا تقم الساعة، رب لا تقم الساعة.
стр. 658
وقوف العاصي يوم المحشر
بعد سنوات طوال يسمع صيحة فوقه ما الخبر؟ ماذا يحدث؟
إذا القبر ينشق، فيخرج من القبر، فيتذكر الحفرة المظلمة، ظل فيها مؤدباً إلى قيام الساعة يخرج ماذا يرى؟ السماء تنشق، والأرض تتفجر، والجبال تنسف، والبحر يحترق، والشمس ذهب ضوؤها، فيخرج ويقول: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢] يرد عليه الصالحون فيقولون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢] يخرج من قبره، فالأرض لا تحمله ماذا يرى؟ قد عري جسده، ينظر إلى الصغير، فيشيب شعره من شدة الخوف، تأتيه أمه ينظر إليها وقد شاب شعرها، ورق جلدها وعظمها، تأتيه فتقول: يا بني! لقد كان بطني لك وعاءً، وثديي لك سقاءً، وسهرت على راحتك، يا بني -تخيل أمك- يا بني! حسنة أتقرب بها إلى الله، فيرد عليها: يا أماه! إليك عني، إليك عني، أنا أحوج عنك بتلك الحسنة ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] أتعرف لمَ يا أخي العزيز؟ لمَ أيها الشاب؟ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧] يخرجون من قبورهم يموج بعضهم في بعض كأنهم جرادٌ منتشر، الطفل الصغير يشيب شعره، والسماء تتفطر.
عبد الله! تخيل في ذلك الموقف كيف يكون حالك، وماذا تتذكر؟ هذا المجلس تتذكره في تلك اللحظة تتذكر عبداً صالحاً كان يأتيك ويطرق عليك الباب ويقول لك: يا عبد الله يا فلان! تعال معنا المسجد، فتقول: إن شاء الله، إن شاء الله، وترجع إلى البيت وتنام.
وتتذكر أنه كان يأتيك عبدٌ صالح فيقول لك في الفصل: فلان! استمع إلى هذا الشريط لعل الله أن ينفعك به، فتأخذه ثم ترمي به.
وتتذكر أنه كان يأتيك فلان فيقول لك: اتق الله يا فلان! لا يجوز لك هذا الفعل، فتولي وأنت تضحك عليه، تتذكر تلك اللحظات، ثم بعد ذلك يقفون خمسين ألف سنة، والشمس على رءوسهم قدر ميل ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢].
стр. 659
مجيء جهنم وبدء الحساب
في أرض المحشر إذا بك ترى وتسمع صوتاً من مكان بعيد إنه صوت جهنم ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان:١٢] تخيل الناس على المحشر كلهم يخرون على الركب إذا رأوا جهنم، حتى الأنبياء والصالحون يخرون على الركب ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية:٢٨] أتعرف ماذا يفعلون؟ يقولون: اللهم سلم سلم اللهم سلم سلم حتى الطفل الصغير يشيب شعره بلا ذنب.
عبد الله! أتعرف ماذا يحصل لك في تلك اللحظة؟ ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر:٢٣] وأنت لوحدك ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] تتذكر كل سهرة كل فتاة نظرت إليها كل أغنية استمعت إليها كل صلاة فوتها كل كذبة كذبتها كل كلمة عققت بها الوالد أو الوالدة، تتذكر كل لحظة من لحظات حياتك، مثل الشريط يمر: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] * ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤].
أين فلان بن فلان؟ بدأ الحساب، وبدأت الحياة الأخيرة، وبدأ الجزاء والمصير أين فلان بن فلان؟ يرتعد الجسم، وتضطرب الجوارح، وتبلغ القلوب الحناجر من شدة الخوف.
إذاً: الملائكة تجره إلى الرحمن إلى العزيز الجبار ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] يقفون بين يدي العزيز الجبار، يقول له: عبدي -والله سريع الحساب- تخيل نفسك بين يديه، تذكر فلان الذي ذهب من الدنيا لعله بدأ ذلك المصير وأنت لا تشعر.
عبدي! أتذكر ذنب كذا؟
عبدي! أتذكر تلك اللحظة؟ أتذكر عبادي الصالحين؟
عبدي! أتذكر تلك الليلة عندما ذهبت إلى فلان وفلان؟ ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦].
عبدي! ألم أصح لك الجسد؟ ألم أعطك من المال والصحة والوقت؟
عبدي! ألم تعرف أني قد افترضت خمس صلوات؟ أين أنت عنها؟
عبدي! أما حرمت عليك النظر إلى النساء الأجنبيات؟
عبدي! ألم تعلم أني حرمت عليك الأغاني؟
عبدي! ألم تعلم أني حرمت عليك كذا وكذا؟
عبدي! أتذكر تلك السفرة؟ أتذكر تلك الرحلة؟ تذكر ذلك اللعب والمؤذن يؤذن.
عبدي! أتذكر أتذكر؟ لحظة لحظة، من أول الحياة إلى آخرها.
يقول: يا رب! ما فعلت شيئاً، فتأتي الملائكة الشهود، ويأتي الصالحون يشهدون، ويأتي الدعاة إلى الله يقولون: يا رب! دعيناه فما استجاب! فيأتي ذلك الذي نصحهم في مجلس يقول: يا رب! جلست أمامه أذكره بالموت وبيوم القيامة فما انتصح! يا رب! طرقت عليه الباب ليصلي فما صلى فيقول: يا رب! لا أقبل شاهداً إلا من نفسي، هؤلاء لا أقبلهم شهوداً، فيقول الله: لك ذلك، لا يشهد عليك إلا نفسك، فإذا بالفم يختم عليه اليد تتكلم، والرجل تنطق، كلٌ منها يقول: يا رب! فتح التلفاز في تلك الليلة، اليد تتكلم: يا رب! بطش، يا رب! لمس، يا رب! كتب الرسالة تلك، يا رب! رفع الهاتف في ذلك اليوم وقال كذا وكذا.
الرجل تتكلم: يا رب ذهب إلى ذلك المكان، ذهب مع فلان وفلانة: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥] بعدها تنطق الجلود، فيصيح صيحة ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١] بعداً لكنَّ وسحقاً، عنكنَّ كنت أناضل حتى لا تحترق الجلود، ثم ينظر الله إليه، فيقول له: عبدي! ما غرك بي؟ عبدي من الذي جرأك علي؟ فينكس رأسه، ثم يقول: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ [السجدة:١٢].
يا رب! عقلنا، يا رب! عرفنا الحق، يا رب! الآن أبصرنا ﴿أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة:١٢] ماذا تريد؟ ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢] يا رب! أرجعني إلى الدنيا أصلي أصوم أسجد أركع أذكر الله أقرأ القرآن الآن لا تنفعك تلك الكلمات.
стр. 660
ما يرى في النار من أهوال
اسمع النتيجة النهائية، التي ليست بعدها نتيجة ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] تأتي الملائكة وتربطه بسلسلة، كل حلقة مثل حديد الدنيا كلها، حجم هذه السلسلة سبعون ذراعاً من أذرعة الملائكة، تدخل في منخره، فتخرج من دبره ويربط بها، ثم يجر على وجهه إلى النار، فتستقبله الملائكة عند النار، والنار يتطاير منها الشرر، والشرارة الواحدة بحجم القصر تستقبله الملائكة ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨] هل جاءكم فلان ونصحكم؟ هل استمعت إلى شريط يذكرك؟ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك:٨ - ٩] ثم يدخلون إلى جهنم يدفعون فيها دفعاً.
ينظرون فيها، وأول ما يدخل يرى النار سوداء مظلمة، حرارتها أشد من سبعين ضعفاً من حرارة نار الدنيا، وأول ما يدخل يرى أصحابه الذين كانوا في الدنيا قد سبقوه إليها من أنتم؟ أنت فلان؟ نعم، لا مرحباً بك، فيرد عليه فيقول: وأنت لا مرحباً بك أتعرف من هم؟ الصاحبان في الدنيا، اللذان كانا يسافران إلى دول الزنا والخنا اللذان كانا يكلمان تلك الفتاة، ويلعبان الكرة وقت الأذان والصلاة.
يقول: يا رب! هذا الذي قدم لي هذا يا رب! هذا الذي أضلني ودعاني إلى هذه النار، قال الله عنهم: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً﴾ [الأعراف:٣٨] الأصحاب والأخلاء والزملاء في الدنيا اجتمعوا في النار ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف:٣٨] يا رب! هذا الذي ضحك علي يا رب! كنت أريد أن أهتدي وأكون مع الصالحين مع الملتزمين، وكان يقول لي: لا يا فلان! تعال نلعب، ضحكوا عليك؟ خدعوك؟ غشوك؟ تعال نلعب الكرة، تعال نتمتع، الحمد لله أنت مسلم، تعال يا فلان تمتع قليلاً ثم تب إلى الله، يا فلان! عندنا سهرة، وعندنا اللعب والأغاني والطرب، يا فلان! لا يضحكون عليك: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨] يرد الله عليهم: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨].
لن أسرف في ذكر صفات النار، لكن يكفيك -أيها الأخ- ما تسمع من تلك الكلمات.
أتعرف على ماذا ينامون في النار؟ على النار.
أتعرف بم يلتحفون؟ بلحاف من نار.
أتعرف ماذا يأكلون؟ طعاماً من نار.
أتعرف بم يستظلون؟ بظلل من نار.
عبد الله: يجوع أهل النار فيأكلون طعاماً ذا غصة -طعاماً شوك من شدة الجوع- فإذا أكلوه غص في الحلوق، لا يستطيع أن يخرجه ولا يبتلعه، فيستغيث بالماء يا رب! ماء ماء ماء، فيعطون ماء؛ لكنه ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف:٢٩] يقترب من الماء ليشرب من شدة العطش والجوع، فعندما يقترب من الماء تسقط فروة رأسه ويحترق وجهه، قبل أن يشرب ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:٢٩].
عبد الله! وهو يشرب الماء، هل نفعته تلك المرأة؟ أم شريط الأغاني؟ أم المطرب الذي كان قدوته؟ أم الفيلم والمسلسل الذي كان يراه كل ليلة؟ هل نفعه الآن؟! أم نفعه فلان الذي كان يلعب معه الكرة، وكان يضحك عليه في الدنيا هل نفعه فلان؟! لا والله.
عبد الله! إن النار تحرق جلودهم حتى تُصلي الأفئدة ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى﴾ [المعارج:١٥] * ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج:١٦] أي: تنفصل الجلود عن اللحم عن العظم، فيخرج منها الصديد والقيح.
أتعرف حين يرى أهل النار القيح ماذا يفعلون؟
يركضون إلى ذلك القيح يجمعونه فيأكلونه ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٧] هل تتحمل عبد الله؟ هل ينفع فلاناً سبعين أو ثمانين سنة من اللعب واللهو والطرب؟
стр. 661
مصير الصالحين في الآخرة
عبد الله! أتعرف الصالحون أين هم في تلك اللحظات؟
إنهم على أنهارٍ من لبن، وخمر، وأنهارٍ من ماءٍ وعسل أتعرف ماذا يظللهم؟ إنه سقف عرش الرحمن، يمشون على الزبرجد والياقوت واللؤلؤ والزعفران والمسك، ويسكنون في خيام من لؤلؤ طولها ستون ميلاً، قصورهم ذهبٌ وفضة، ومع الحور العين (لو اطلعت واحدة إلى الدنيا لأضاءت ما بين السماء والأرض، ولملأته ريحاً، ولنصيفها -خمار على رأسها- خير من الدنيا وما فيها) يتكئون على سرر مرفوعة على الأرائك ينظرون.
يجتمعون في الجنة، فيقول أحدهم للآخر: كان لي صاحبٌ في الدنيا قرين زميل لا أراه في الجنة معنا، كان دائماً إذا أردت التوبة قال: يا فلان! ما زلت صغيراً.
إذا أردت الصلاة، قال لي: يا فلان! تعال هنا فيلم كان إذا أردت الهداية مع الصالحين ردني وصدني لكني لم أستجب له، فما أراه في الجنة الآن، وهم يجلسون في الجنة يتسامرون، لحظة فإذا بهم تنكشف لهم النار، فإذا به يرى صاحبه يحترق في قعر جهنم ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥١] زميل، صاحب تعرف ماذا كان يقول؟ ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات:٥٢] أنت صادق في كلامك هذا، تصلي وتصوم وتزكي وتتصدق وتقرأ القرآن وتحضر الدروس يا مسكين! تعال العب معنا ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥٣] حتى نموت سنوات طويلة، دعنا نفرح الآن، فإذا به ينظر إلى صاحبه وهو يحترق في النار، كل يرى صاحبه من في قعر جهنم ينظر إلى صاحبه وهو في الجنة، ومن في الجنة ينظر إلى صاحبه وهو في قعر جهنم ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٤ - ٥٥] فيكلم صاحبه نعم صاحبك! الذي كان يردك عن الهداية وعن الصلاة نعم! تكلمه إذا أدخلك الله الجنة وأدخله النار- يقول له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦] كدت ترديني معك في نار جهنم: ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧] لولا نعمة الله لكنت معك في النار الآن، ثم يلتفت إلى أصحابه في الجنة، فيقول لهم: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٥٨ - ٦١].
стр. 662
الاستعداد ليوم المعاد
أيها الشباب: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ لمثل تلك اللحظات لمثل ذلك الموقف وأنت على فراش الموت لمثل ذلك السؤال للملكين في القبر لمثل وقوفك بين يدي الله لمثل المكوث في النار أو في الجنة.
عبد الله! ليعمل العاملون، حاسب نفسك من الآن ماذا قدمت وماذا أخرت؟ ماذا لو وقفت الآن بين يدي الله وقد ختم عليك الله في تلك اللحظة؟
تخيل! هل أنت مستعد للإجابة على كل سؤال؟ هل تبت من كل الذنوب والمعاصي؟ هل أرجعت كل الحقوق إلى أهلها؟ هل أنت ملتزم بالواجبات والفرائض، أم أنك ضيعتها؟
تعرف لمَ؟ لأنك تقول: فلان وفلان، كل الناس مثلي ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣].
عبد الله! حاسب نفسك حساباً جاداً وصادقاً وصريحاً، أتعرف ما المخلَص؟ أتعرف ما الحل؟ ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر:٥٣] بالكذب بالسخرية بالفحش مع النساء في الطرب في الملاعب ترك للصلوات أتعرف ما الحل؟ ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
أولاً: اندم على فعلك السابق كله، إذا لم تنفعك هذه المواعظ فماذا ينفعك؟
إذا كانت هذه الآيات التي قرأناها ما أثرت في قلبك فما الذي سوف يؤثر فيك؟
عبد الله! ادع الله أن يحيي قلبك إن لم يتأثر، واندم.
ثانياً: اترك جميع الذنوب والمعاصي، لا تقل: أستغفر وأنت لا زلت محتفظاً بالأرقام، أو بالصور، أو بالرسائل، أو بالمجلات، أو بالأفلام، احرقها كلها، وأقلع، فإن الله -الآن- يطلع عليك، هل أنت صادق عازم أو لست بعازم؟
ثالثاً: اعزم من قلبك ألا ترجع إليها، فكلما رجعت فتب.
رابعاً: اترك أصحابك الذين يثبطونك، إذا أردت التوبة فاترك جميع أصحاب السوء، وتعال إلى أصحاب الخير والصلاح، وسلم عليهم، وصافحهم، وأخبرهم بصدق، وقل لهم: لقد أسرفت في الذنوب والمعاصي، فهل لي من توبة؟ هل لي أن أحضر مجالسكم، ودروسكم؟ لا يصدنك فلان فيضحك عليك فترجع، لا يضحك عليك فلان فيقول: يا فلان! لا تتعقد فترجع، لا يستهزئ عليك فلان فترجع.
عبد الله: كن صابراً صادقاً، بعد هذا المجلس ائت إلى إخوانك الصالحين فسلِّم عليهم، وقل: أنا جليسكم حتى الموت، أين تذهبون؟ أين تجلسون؟ ماذا تعملون؟ اعطوني من الأشرطة فسوف أسمع، ومن الكتب فسوف أقرأ.
كيف أتوب إلى الله؟ كيف أترك أصحابي السابقين؟ اجلس معهم وكن صادقاً مع الله، وكن عازماً على التوبة، فإن رجعت مرة أخرى فاعلم أن الله غفور رحيم، وارجع مرة أخرى إلى التوبة.
عبد الله: هذه نصيحة، أسأل الله أن يجمعنا في مستقر رحمته إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 663
نماذج من أحوال السلف
إن السلف الصالح هم خير القرون بشهادة محمد ﷺ ، وهم من اصطفاهم الله واختارهم لحمل هذا الدين؛ لذلك كان لابد من معرفة أحوالهم، وكيف كانوا حتى نقتدي بهم في حياتنا، لعلنا نلحق بهم.
وقد ذكر الشيخ في هذه المادة ثلاثة جوانب من حياة السلف، فبين كيف كانت خشيتهم لله وكيف كان جهادهم في سبيل الله، ثم ختم بتوضيح صور اجتماعهم وتراحمهم وتآخيهم فيما بينهم، وصفاء قلوبهم لبعضهم البعض.
стр. 664
السلف الصالح وخشية الله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
درسنا في هذه الليلة: "نماذج من أحوال السلف".
جلس ابن مسعود ﵁ عند أصحابه فقال أحدهم: [ما أحب أن أكون من أصحاب اليمين، ولكني أحب أن أكون من المقربين.
فقال ابن مسعود ﵁: أما إن هاهنا رجلاً -يعني نفسه- يود أنه إذا مات لم يبعث] يتمنى أنه يموت ولا يبعث، وأنت تقول: تريد أن تكون من المقربين ولا تريد أن تكون من أصحاب اليمين!
يقول إدريس بن حوشب: [ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز! كأن النار لم تخلق إلا لهما] يقول: أراهما من خوفهما كأن النار خلقت لهما فقط ولم تخلق لغيرهما.
وقال عبد الرحمن بن الحارث: [كنت عند عبد الله بن حنظلة يوماً وهو على فراشه وقد عدته من علته -كان مريضاً- فتلا رجلٌ عنده هذه الآية: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١] فبكى حتى ظننتُ أن نفسه ستخرج، قال: صاروا بين أطباق من النار، ثم قام على رجليه، فقيل: اجلس رحمك الله.
قال: إن ذكر النار منعني الجلوس والقعود، لا أدري لعلي أكون أحدهم].
ويقول عبد الرحمن بن مهدي: [بات سفيان عندي، فكلما اشتد به الأمر جعل يبكي - سفيان الثوري ﵀ فقال له رجل: يا أبا عبد الله! أراك كثير الذنوب، فرفع شيئاً من الأرض وقال: والله لذنوبي أهون عندي من هذا التراب، لكني أخاف أن أسلب الإيمان قبل الموت].
انظر كيف يصف الله حالهم! ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧].
جاء سائل إلى ابن عمر فقال ابن عمر لابنه: [أعطه ديناراً -فقير أعطه ديناراً- فلما انصرف قال ابنه: تقبل الله منك يا أبتاه.
فقال ابن عمر: لو علمت أن الله تقبل مني سجدة أو صدقة درهم واحد؛ لم يكن غائب أحب إلي من الموت] أتدري ممن يتَقَبَّل الله؟ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] الواحد منا إذا صلى العصر ضمن، وإذا صلى التراويح كأنه وصل، وإذا تصدق بمائة دينار يذكرها طوال عمره، وهذا يقول: لو علمت أن الله تقبل مني درهماً لتمنيت الموت.
ويقول الحسن البصري: يخرج من النار رجل بعد ألف عام، يا ليتني كنت ذلك الرجل، يا ليتني كنت ذلك الرجل.
أي: أمكث في النار فقط ألف عام، والواحد منا كأنه أصاب الفردوس.
وسفيان الثوري كان إذا أخذ في ذكر الآخرة يبول الدم ﵀، لشدة بكائه وخوفه ووجله من ذلك اليوم.
وعن عروة بن الزبير قال: [كنت إذا غدوت أبدأ ببيت عائشة -يقول: أول بيت أزوره بيت عائشة ﵂ قال: أسلم عليها، فغدوت يوماً فإذا هي قائمة تقرأ قول الله وتردد وتبكي: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] وتعيدها وتبكي: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] يقول: فانتظرتُها، فأطالت وهي تبكي، قال: قلتُ: أذهبت إلى السوق فأقضي حاجتي ثم أرجع، قال: فذهبت فقضيت حاجتي فرجعت وهي تردد الآية وتبكي، ﵂].
ويقول يونس بن عبيد: [دخلنا على محمد بن واسع نعوده وما يدري عني، فأخذ الناس يمدحونه ويثنون عليه، فقال محمد بن واسع: وما يغني عني ما يقول الناس إذا أُخِذ بيدي ورجلي فألقيت في النار؟!] يقول: ماذا ينفعني كلام الناس؟ هذا يمدح، وهذا يثني، وهذا يطري، وهذا يقول فيَّ ما يقول، يقول: ماذا ينفعني هذا الكلام إذا أخذ بيدي ورجلي ثم ألقيت في النار؟!
ومالك بن دينار يظل طوال الليل يقبض على لحيته ويبكي ويقول: [يا رب! قد علمتَ ساكن الجنة من ساكن النار ففي أي الدارين منزل مالك؟] يقول ذلك وهو يبكي ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] كلما وضع خده على الفراش بكى وقام، وكلما أراد النوم أطار ذكر النار النوم من عينيه.
دخل العلاء على عطاء السلمي وقد غُشي عليه، فقال لامرأته أم جعفر: ما باله؟ ما الذي جرى له؟ فقالت: سجرت جارتنا تنوراً فنظر إليه فخر مغشياً عليه نظر إلى التنور فتذكر نار الآخرة فأغمي عليه ولم يستطع أن يقوم من مكانه.
يروى عن الحسن بن صالح أنه قام ليلة كاملة بقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ:١ - ٢] فغُشي عليه، فلم يختمها حتى الفجر.
إذا ما الليل أظلم كابدوه فيُسْفِرُ عنهمُ وهمُ ركوعُ
أطار الخوفُ نومَهم فقاموا وأهل الأمن في الدنيا هجوعُ
وهذا محمد بن المنكدر بكى في الليل فجاء أهله يرحمونه، فأرسلوا إليه أبا حازم، فجاء أبو حازم إليه يقول له: ما الذي جرى؟ أبكيت أهلك؟ أبكيت الجيران يا أبا عبد الله؟ قال: قرأت قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] يقول: وما أدري لعلي أكون منهم، فبكى محمد مرة أخرى، وبكى معه أبو حازم، فجاء أهله وقالوا: جئنا بك لترحمه فأثقلت عليه وشققت عليه ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] يحسب أنه قرأ القرآن، وأنه تصدق، وأنه ﷺ ، ثم وصل إلى الجنة، فإذا أتى يوم القيامة ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣].
شرب عبد الله بن عمر ماءًَ بارداً، فأخذ يبكي واشتد بكاؤه، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: ذكرت قول الله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤] قال: فعلمتُ أن أهل النار يشتهون في النار الماء -وهو يشرب الماء- فينادون في النار: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠] ثم اشتد بكاؤه مرة أخرى من هو؟ إنه ابن عمر بن الخطاب ﵄.
يقول مالك بن دينار: [البكاء على الخطيئة يحط الخطايا كما يحط الريح الورق اليابس].
لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها لنفسي من نفسي عن الناس شاغلُ
في ليلة من الليالي فزع الحسن البصري من النوم، فأخذ يبكي، فبكت زوجته وبكى أهل البيت كلهم، حتى سئل فقال: ذكرت ذنباً لي فبكيت.
في النوم تذكر أنه أذنب ذنباً واحداً، ونحن إذا نمنا على الفراش ماذا نتذكر؟! كم هي الذنوب! وكم هي المعاصي! وكم هي الخطايا! والمصيبة أن العين لا تدمع، وأن القلب لا يخشع، وأن النفس لا تمتثل لأمر الله.
كان عمر بن عبد العزيز يصلي ذات ليلة، فوصل إلى قوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧١ - ٧٢] فجعل يبكي حتى الصباح.
وقبل أن يموت عمر بن عبد العزيز قيل له: إنك مسموم يا عمر! فقال: أيقول الناس فيَّ هذا؟ قالوا: نعم.
فنادى غلاماً له -وهذا الغلام هو الذي سقاه السم قبل أن يموت- فقال لذلك الغلام: ما الذي حملك على أن تسقيني السم.
قال: أعطيت ألف دينار على أن أقتلك.
فقال له عمر -بينه وبينه-: ائت بهذه الألف وضعها في بيت المال ثم اذهب ولا يراك أحد.
قتله فرحمه فعفا عنه قبل الموت.
وروي عن تميم الداري أنه قرأ ليلة من الليالي: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية:٢١] فتوقف وأخذ يبكي حتى الصباح.
وقيل أن عطاء السلمي سئل: ما هذا الحزن؟ لم كل هذا الحزن والبكاء والخشوع؟ فقال للسائل: ويحك! الموت في عنقي، والقبر بيتي، وفي القيامة موقفي، وعلى جسر جهنم طريقي، ولا أدري ما يُصنع بي، ثم تسأل لماذا أحزن؟! إذا كان هذا القبر بيتي، ويوماً من الأيام سوف أرد على الصراط، أُخبرت أني سوف أرده ولم أُخبر أنني سوف أجوز عليه، وفي القيامة موقفي ثم تقول لم تحزن!!
стр. 665
السلف الصالح والجهاد في سبيل الله
فإذا بزغ الصبح وأذن الفجر وطلع الصباح، وأشرقت الشمس؛ رأيتَ هؤلاء الذين بكوا في الليل وظلوا قياماً لله يصيح بهم صائح الجهاد: حيَّ على الجهاد! يا خيل الله اركبي! إلى الجهاد والمعارك! رأيت الذي يبكي في الليل ويقوم ويصلي ويسجد يركب الفرس ويذهب ويسرع إلى الجهاد في سبيل الله.
فاسمع -يا عبد الله- إلى صفحة أخرى من صفحات سلفنا الصالح في الجهاد في سبيل الله وفي قتالهم الأعداء والكفار.
стр. 666
خالد بن الوليد ﵁ سيف الله المسلول
خالد بن الوليد أظن أن كل المسلمين قد سمعوا به، ما من صغير ولا كبير إلا طرب من سماعه، سيف الله، يقول قبل الموت ﵁: [شهدت مواقع كثيرة، ودخلت مائة حرب ليست حرباً واحدة، وما من موضع في جسدي إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح أو رمية سهم، وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء، ولقد طلبت الموت من مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على الفراش، وما من شيء أرضى عندي بعد لا إله إلا الله -أكثر شيء يرجوه في الدنيا بعد لا إله إلا الله- قال: من ليلة شديدة البرودة في سرية من المهاجرين بتها والسماء تنهل علي بالمطر، وأنا أنتظر حتى أغير على الكفار؛ فعليكم بالجهاد، فعليكم بالجهاد، فعليكم بالجهاد].
لم نخش طاغوتاً يحاربنا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا
ندعو جهاراً لا إله سوى الذي خلق الوجود وقدر الأقدارا
نفوسنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
стр. 667
ألب أرسلان وشجاعته
وهذا ألب أرسلان -اسمع إلى هذا الرجل ماذا فعل- سمع أن الروم قد حشدوا ستمائة ألف من الجيش، أكثر من نصف مليون جنود وعسكر وجيش، معهم الأسلحة، إذا رأيتهم تخاف من منظرهم، قد غطوا الجبال والسهول والوديان والأراضي، فسمع ألب أرسلان بهؤلاء، فقال لأصحابه وكانوا عشرين ألفاً -عشرون ألفاً ماذا يفعلون أمام ستمائة ألف من الكفار؟! - فقال لهم: ماذا تفعلون؟ الموت محتم لكم، إما أن نموت بكرامتنا وإما أن نموت بذلنا.
قالوا: اذهب أينما تذهب، فنحن خلفك، فسار بالجيش وهم عشرون ألفاً، كلهم رجال شجعان يمشون خلفه، فعدهم في الطريق فإذا خمسة آلاف قد رجعوا، فصاروا خمسة عشر ألفاً، فلما اقترب من جيش الكفار عد أصحابه فإذا هم اثنا عشر ألفاً، رجع ثلاثة آلاف ولم يبقَ إلا اثنا عشر ألف فارسٍ شجاعٍ، كلهم قد وضع نفسه على كفيه، يريد الموت قبل أن يطلب الحياة، وقفوا أمام ستمائة ألف من النصارى الروم، وقد صفوا عشرين صفاً لا يُرى أولهم من آخرهم، وملكهم خلف هذه الصفوف، فقال ألب أرسلان لجيشه: إني قد عزمت ألا أقاتلهم إلا بعد الزوال.
قالوا: ولم؟ قال: لأن في هذه الساعة يوم الجمعة كل المسلمين يدعون أن يعز الله دينه؛ فأحببت أن تصيبني دعوة المسلمين.
قالوا: افعل ما تفعل، فلما زالت الشمس صلى وقام في الناس يدعو والناس يؤمنون خلفه، فاقترب الصفان، فقال لمن خلفه: إذا أنا حملت فاحملوا معي دفعة واحدة ستمائة ألف أمام اثني عشر ألفاً! قال: إذا أنا حملت فاحملوا معي دفعة واحدة، ولا ترموا بسهم حتى أكون أولكم رمياً، قالوا: افعل ما تفعل، فكبر وكبر الناس خلفه، فاخترقوا الصف الأول والثاني والثالث، وعشرين صفاً اخترقوها حتى وصلوا إلى ملكهم، فأسروه وقتلوا من حوله، ورفعوا رأس أحدهم على رمح، فقال قائل منهم: قتل الملك قتل الملك.
فاضطربت صفوف المشركين الكفار، وفروا وذلوا وهربوا، فقتلهم المسلمون شر قتلة، فأُسر ذلك الملك النصراني الرومي، فأتي به إلى ألب أرسلان وهو جالس على سريره، فأتي به وهو مربوط بالحبال، فقيل له: ماذا نفعل فيه؟ فقال ألب أرسلان لذلك الرومي: لو كنت في مكاني ماذا كنت تفعل؟ قال: أقتلك.
فقال ذلك المسلم الشجاع المقدام: أنت أذل عندي من أن أقتلك، اذهبوا فبيعوه في المسلمين.
فذهبوا به بالحبال مربوطاً كي يبيعوه من ضمن الأسرى، كلما مروا على ملأ لم يشترِه أحد بأبخس الأثمان، ولم يشتره أحد، حتى جاءوا في آخر الجيش على رجل عنده كلب -أجلكم الله- فقال ذلك الرجل المسلم: لو بعتموه لي بهذا الكلب اشتريته -ملك النصارى تبيعوه بهذا الكلب! - فأتي به إلى ألب أرسلان فقالوا: يريد أحد المسلمين أن يشتريه بكلب، فقال الملك: لَلْكلب أشرف من هذا الرجل، لَلْكلب أشرف من هذا الرجل، فالكلب ينفع وهذا الرجل لا ينفع، أعطوه لهذا الرجل مع هذا الكلب يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩].
لقد انطلق حديث النبي ﷺ إلى أولئك السلف حتى وصل إلى قلوبهم: (إذا رضيتم بالزرع، وتبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم).
أحد المهاجرين في إحدى الغزوات حمل على المشركين حتى اخترق الصفوف، فأصيب بالسهام والنبال والسيوف والرماح، فقال بعض الناس: ما بال هذا الرجل يلقي بيديه إلى التهلكة؟ فقال أبو أيوب الأنصاري: [نحن والله أعلم بهذه الآية إذ نزلت، نزلت فينا معشر الأنصار، قاتلنا مع رسول الله وتركنا الأموال والضياع والأولاد، وقاتلنا مع رسوله، فلما أعز الله دينه وفشا الإسلام رجعنا بيننا وبين أنفسنا فقلنا: لو أصلحنا ضياعنا ومزارعنا وأموالنا، فأنزل الله فينا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]].
وقام أبو بكر في الناس خطيباً فقال: [أيها الناس! اطلبوا الموت توهب لكم الحياة].
حتى قال بعضهم:
فيا رب إن حانت وفاتي فلا تكن على شرجع يُعلى بخضر المطارف
يا رب! إن جاءت ساعة الوفاة فلا تجعلني أموت على فراش أخضر.
فيا رب إن حانت وفاتي فلا تكن على شرجع يُعلى بخضر المطارف
ولكن أحن يومي سعيداً بعصبة يصابون في فج من الأرض خائف
عصائب من شيبان ألَّف بينهم تقى الله نزّالون عند التزاحف
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى وصاروا إلى موعود ما في المصاحف
أناس يحبون الموت كما تحبون الحياة! أتعرف لم يا عبد الله؟ لأن الموت لا يصيبهم إلا كقرصة نملة، فإذا مات فإنه يغفر له من أول قطرة دم، يغفر له جميع الذنوب، أما إذا بعث فإنه يؤمن الفزع الأكبر وفتنة القبر، ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين، يرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم.
عبد الله: أولئك يتمنون الشهادة كما يتمنى أولئك الحياة!
стр. 668
عبد الله بن المبارك وجهاده في سبيل الله
أسمعت بـ ابن المبارك؟ أظنك سمعت به، هذا الرجل كان عالماً فقيهاً، كان يعلم الناس، وكان عابداً، وكان زاهداً، وفي يوم من الأيام ذهب إلى المعركة، ذهب إلى الجهاد، فلما رأى الغزو والقتال والمعارك والشهادة في سبيل الله، ولما رأى الحياة الحقيقية، قال في نشوة: [إنا لله وإنا إليه راجعون على أعمار أفنيناها، وأيام قطَّعناها في علم الخلية والبرية، وتركنا أبواب الجنة خلفنا!] وتركنا أبواب الجنة مفتوحة خلفنا.
نعم -يا عبد الله- إن العلم من أفضل أنواع النافلة، إن العلم جهاد، يكفيه شرفاً قول النبي ﷺ : (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) ولكن صاحب الجهاد يصاب بنشوة، يصاب بحياة، يشم رائحة الجنة وهو على الأرض، يمشي ويستنشق عبيرها، فلهذا يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون! ضيعنا العمر وضيعنا الحياة، وهذه هي الحياة الحقيقية؛ فكتب رسالة للفضيل بن عياض الذي جاور الحرم، الذي جلس عند بيت الله ليعبد الله، كتب له رسالة يقول فيها:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب
نعم، أنتم لكم الطيب لكم العبير لكم البخور لكم الفرش لكم الدنيا
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب
لا يجمعان غبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب
стр. 669
بسر بن أرطأة وقتاله للنصارى
وهذا بسر بن أرطأة، يرى أن جيش الإسلام كلما تقدم كُسِر، وكلما تقدم كُسِر، ما الذي يحصل؟ يأتي كمين من النصارى ولا يدرى أين هذا الكمين! فرجع جيش المسلمين وتحصنوا، فخرج هذا الرجل على فرسه، فرأى إحدى الكنائس وبجوارها براذين من براذين النصارى الفرسان، وعلم أن هذا الكمين مختبئ في تلك الكنيسة، فماذا سيفعل هذا الرجل؟ ربط فرسه عند الكنيسة، ودخل داخل الكنيسة لوحده، وأغلق الباب خلفه، ولما رآه النصارى تعجبوا: ماذا يفعل هذا الرجل؟! فرفع السيف وأخذ يقاتلهم لوحده في الكنيسة، فقتل ثلاثة، وأصيب بمقتلة، وبحث عنه المسلمون فلم يجدوه، فوجدوا فرسه عند الكنيسة، وسمعوا جلبة داخل الكنيسة، فعلموا أنه داخل الكنيسة يقاتل لوحده، فكسروا الباب، ودخلوا عليه وهو يقاتل وهو يمسك بأمعائه، قد شج بطنه وسقطت أمعاؤه فأمسكها بيده وهو يقاتل النصارى بسيفه بيده اليمنى، فأخذوا يقاتلون معه حتى قتلوا النصارى وأسروا من أسروا منهم، فلما جيء به وأرجعت أمعاؤه إلى بطنه وعولج، قال النصارى: ننشدكم بربكم إلَّا أخبرتمونا من هذا؟ قالوا: هذا بسر بن أرطأة، قالوا: والله ما ولدت النساء مثله، والله ما ولدت النساء مثله.
نعم يا عباد الله! إنه سمع قول الله : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٢] بغير جهاد! بغير صبر! ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢].
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا
كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا
بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا
لم تنسَ أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا
وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولنا الأزهارا
قام النبي ﷺ يوماً فقال لأصحابه: (وددتُ أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل) ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ [آل عمران:١٤٥].
أيها الأخ الداعية إلى الله: لماذا يمنعك الخوف؟ لماذا تفكر في الموت؟ لماذا دائماً يرهبك هذا العذاب وهذا السجن وهذا الطرد وهذا القتل وهذا الزحف؟ لماذا تخاف من هذا كله؟ ألم تعلم أن الموت مكتوب وأن هذه الجيوش وهذه الأسلحة لن تقدم في موتك ولا ثانية واحدة؟
стр. 670
نماذج من الصحابة للجهاد في سبيل الله
البراء بن مالك في يوم اليمامة، أتعرف ماذا فعل؟ قال لأصحابه: احملوني على حصنهم واقذفوني فيه، فيُحمل فيرمى في الحصن لوحده، فيقتُل منهم ويقاتل حتى قتل منهم عشرة لوحده في الحصن، حتى فتح الباب للمسلمين ودخلوا فوجدوا فيه أكثر من ثمانين ضربة وطعنة.
أسمعت بـ أنس بن النضر؟ شم رائحة الجنة على الأرض وقال: واهٍ لريح الجنة يا سعد! إني أجدها من دون أحد.
أسمعت بـ عمير بن الحمام الذي قاتل فرمى التمرات وقال: إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه التمرات.
فقاتل حتى قتل ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣].
إن رأيتَهم في الجهاد فهم الأوائل.
وإن رأيتَهم في الدعوة إلى الله فهم الدعاة.
وإن رأيتَهم في الصدقة فهم أول الناس يتصدقون.
إن رأيتهم في الليل فهم البكاءون المصلون الساجدون الراكعون.
следующие страницы →