← Джавами‘

Джавами‘ · id 7717

دروس للشيخ نبيل العوضي

نبيل العوضي

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

خالد بن الوليد ﵁ سيف الله المسلول خالد بن الوليد أظن أن كل المسلمين قد سمعوا به، ما من صغير ولا كبير إلا طرب من سماعه، سيف الله، يقول قبل الموت ﵁: [شهدت مواقع كثيرة، ودخلت مائة حرب ليست حرباً واحدة، وما من موضع في جسدي إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح أو رمية سهم، وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء، ولقد طلبت الموت من مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على الفراش، وما من شيء أرضى عندي بعد لا إله إلا الله -أكثر شيء يرجوه في الدنيا بعد لا إله إلا الله- قال: من ليلة شديدة البرودة في سرية من المهاجرين بتها والسماء تنهل علي بالمطر، وأنا أنتظر حتى أغير على الكفار؛ فعليكم بالجهاد، فعليكم بالجهاد، فعليكم بالجهاد]. لم نخش طاغوتاً يحاربنا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا ندعو جهاراً لا إله سوى الذي خلق الوجود وقدر الأقدارا نفوسنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا

стр. 667

ألب أرسلان وشجاعته وهذا ألب أرسلان -اسمع إلى هذا الرجل ماذا فعل- سمع أن الروم قد حشدوا ستمائة ألف من الجيش، أكثر من نصف مليون جنود وعسكر وجيش، معهم الأسلحة، إذا رأيتهم تخاف من منظرهم، قد غطوا الجبال والسهول والوديان والأراضي، فسمع ألب أرسلان بهؤلاء، فقال لأصحابه وكانوا عشرين ألفاً -عشرون ألفاً ماذا يفعلون أمام ستمائة ألف من الكفار؟! - فقال لهم: ماذا تفعلون؟ الموت محتم لكم، إما أن نموت بكرامتنا وإما أن نموت بذلنا. قالوا: اذهب أينما تذهب، فنحن خلفك، فسار بالجيش وهم عشرون ألفاً، كلهم رجال شجعان يمشون خلفه، فعدهم في الطريق فإذا خمسة آلاف قد رجعوا، فصاروا خمسة عشر ألفاً، فلما اقترب من جيش الكفار عد أصحابه فإذا هم اثنا عشر ألفاً، رجع ثلاثة آلاف ولم يبقَ إلا اثنا عشر ألف فارسٍ شجاعٍ، كلهم قد وضع نفسه على كفيه، يريد الموت قبل أن يطلب الحياة، وقفوا أمام ستمائة ألف من النصارى الروم، وقد صفوا عشرين صفاً لا يُرى أولهم من آخرهم، وملكهم خلف هذه الصفوف، فقال ألب أرسلان لجيشه: إني قد عزمت ألا أقاتلهم إلا بعد الزوال. قالوا: ولم؟ قال: لأن في هذه الساعة يوم الجمعة كل المسلمين يدعون أن يعز الله دينه؛ فأحببت أن تصيبني دعوة المسلمين. قالوا: افعل ما تفعل، فلما زالت الشمس صلى وقام في الناس يدعو والناس يؤمنون خلفه، فاقترب الصفان، فقال لمن خلفه: إذا أنا حملت فاحملوا معي دفعة واحدة ستمائة ألف أمام اثني عشر ألفاً! قال: إذا أنا حملت فاحملوا معي دفعة واحدة، ولا ترموا بسهم حتى أكون أولكم رمياً، قالوا: افعل ما تفعل، فكبر وكبر الناس خلفه، فاخترقوا الصف الأول والثاني والثالث، وعشرين صفاً اخترقوها حتى وصلوا إلى ملكهم، فأسروه وقتلوا من حوله، ورفعوا رأس أحدهم على رمح، فقال قائل منهم: قتل الملك قتل الملك. فاضطربت صفوف المشركين الكفار، وفروا وذلوا وهربوا، فقتلهم المسلمون شر قتلة، فأُسر ذلك الملك النصراني الرومي، فأتي به إلى ألب أرسلان وهو جالس على سريره، فأتي به وهو مربوط بالحبال، فقيل له: ماذا نفعل فيه؟ فقال ألب أرسلان لذلك الرومي: لو كنت في مكاني ماذا كنت تفعل؟ قال: أقتلك. فقال ذلك المسلم الشجاع المقدام: أنت أذل عندي من أن أقتلك، اذهبوا فبيعوه في المسلمين. فذهبوا به بالحبال مربوطاً كي يبيعوه من ضمن الأسرى، كلما مروا على ملأ لم يشترِه أحد بأبخس الأثمان، ولم يشتره أحد، حتى جاءوا في آخر الجيش على رجل عنده كلب -أجلكم الله- فقال ذلك الرجل المسلم: لو بعتموه لي بهذا الكلب اشتريته -ملك النصارى تبيعوه بهذا الكلب! - فأتي به إلى ألب أرسلان فقالوا: يريد أحد المسلمين أن يشتريه بكلب، فقال الملك: لَلْكلب أشرف من هذا الرجل، لَلْكلب أشرف من هذا الرجل، فالكلب ينفع وهذا الرجل لا ينفع، أعطوه لهذا الرجل مع هذا الكلب يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]. لقد انطلق حديث النبي ﷺ إلى أولئك السلف حتى وصل إلى قلوبهم: (إذا رضيتم بالزرع، وتبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم). أحد المهاجرين في إحدى الغزوات حمل على المشركين حتى اخترق الصفوف، فأصيب بالسهام والنبال والسيوف والرماح، فقال بعض الناس: ما بال هذا الرجل يلقي بيديه إلى التهلكة؟ فقال أبو أيوب الأنصاري: [نحن والله أعلم بهذه الآية إذ نزلت، نزلت فينا معشر الأنصار، قاتلنا مع رسول الله وتركنا الأموال والضياع والأولاد، وقاتلنا مع رسوله، فلما أعز الله دينه وفشا الإسلام رجعنا بيننا وبين أنفسنا فقلنا: لو أصلحنا ضياعنا ومزارعنا وأموالنا، فأنزل الله فينا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]]. وقام أبو بكر في الناس خطيباً فقال: [أيها الناس! اطلبوا الموت توهب لكم الحياة]. حتى قال بعضهم: فيا رب إن حانت وفاتي فلا تكن على شرجع يُعلى بخضر المطارف يا رب! إن جاءت ساعة الوفاة فلا تجعلني أموت على فراش أخضر. فيا رب إن حانت وفاتي فلا تكن على شرجع يُعلى بخضر المطارف ولكن أحن يومي سعيداً بعصبة يصابون في فج من الأرض خائف عصائب من شيبان ألَّف بينهم تقى الله نزّالون عند التزاحف إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى وصاروا إلى موعود ما في المصاحف أناس يحبون الموت كما تحبون الحياة! أتعرف لم يا عبد الله؟ لأن الموت لا يصيبهم إلا كقرصة نملة، فإذا مات فإنه يغفر له من أول قطرة دم، يغفر له جميع الذنوب، أما إذا بعث فإنه يؤمن الفزع الأكبر وفتنة القبر، ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين، يرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم. عبد الله: أولئك يتمنون الشهادة كما يتمنى أولئك الحياة!

стр. 668

عبد الله بن المبارك وجهاده في سبيل الله أسمعت بـ ابن المبارك؟ أظنك سمعت به، هذا الرجل كان عالماً فقيهاً، كان يعلم الناس، وكان عابداً، وكان زاهداً، وفي يوم من الأيام ذهب إلى المعركة، ذهب إلى الجهاد، فلما رأى الغزو والقتال والمعارك والشهادة في سبيل الله، ولما رأى الحياة الحقيقية، قال في نشوة: [إنا لله وإنا إليه راجعون على أعمار أفنيناها، وأيام قطَّعناها في علم الخلية والبرية، وتركنا أبواب الجنة خلفنا!] وتركنا أبواب الجنة مفتوحة خلفنا. نعم -يا عبد الله- إن العلم من أفضل أنواع النافلة، إن العلم جهاد، يكفيه شرفاً قول النبي ﷺ : (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) ولكن صاحب الجهاد يصاب بنشوة، يصاب بحياة، يشم رائحة الجنة وهو على الأرض، يمشي ويستنشق عبيرها، فلهذا يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون! ضيعنا العمر وضيعنا الحياة، وهذه هي الحياة الحقيقية؛ فكتب رسالة للفضيل بن عياض الذي جاور الحرم، الذي جلس عند بيت الله ليعبد الله، كتب له رسالة يقول فيها: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب نعم، أنتم لكم الطيب لكم العبير لكم البخور لكم الفرش لكم الدنيا ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب لا يجمعان غبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب

стр. 669

بسر بن أرطأة وقتاله للنصارى وهذا بسر بن أرطأة، يرى أن جيش الإسلام كلما تقدم كُسِر، وكلما تقدم كُسِر، ما الذي يحصل؟ يأتي كمين من النصارى ولا يدرى أين هذا الكمين! فرجع جيش المسلمين وتحصنوا، فخرج هذا الرجل على فرسه، فرأى إحدى الكنائس وبجوارها براذين من براذين النصارى الفرسان، وعلم أن هذا الكمين مختبئ في تلك الكنيسة، فماذا سيفعل هذا الرجل؟ ربط فرسه عند الكنيسة، ودخل داخل الكنيسة لوحده، وأغلق الباب خلفه، ولما رآه النصارى تعجبوا: ماذا يفعل هذا الرجل؟! فرفع السيف وأخذ يقاتلهم لوحده في الكنيسة، فقتل ثلاثة، وأصيب بمقتلة، وبحث عنه المسلمون فلم يجدوه، فوجدوا فرسه عند الكنيسة، وسمعوا جلبة داخل الكنيسة، فعلموا أنه داخل الكنيسة يقاتل لوحده، فكسروا الباب، ودخلوا عليه وهو يقاتل وهو يمسك بأمعائه، قد شج بطنه وسقطت أمعاؤه فأمسكها بيده وهو يقاتل النصارى بسيفه بيده اليمنى، فأخذوا يقاتلون معه حتى قتلوا النصارى وأسروا من أسروا منهم، فلما جيء به وأرجعت أمعاؤه إلى بطنه وعولج، قال النصارى: ننشدكم بربكم إلَّا أخبرتمونا من هذا؟ قالوا: هذا بسر بن أرطأة، قالوا: والله ما ولدت النساء مثله، والله ما ولدت النساء مثله. نعم يا عباد الله! إنه سمع قول الله : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٢] بغير جهاد! بغير صبر! ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]. من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا لم تنسَ أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولنا الأزهارا قام النبي ﷺ يوماً فقال لأصحابه: (وددتُ أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل) ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ [آل عمران:١٤٥]. أيها الأخ الداعية إلى الله: لماذا يمنعك الخوف؟ لماذا تفكر في الموت؟ لماذا دائماً يرهبك هذا العذاب وهذا السجن وهذا الطرد وهذا القتل وهذا الزحف؟ لماذا تخاف من هذا كله؟ ألم تعلم أن الموت مكتوب وأن هذه الجيوش وهذه الأسلحة لن تقدم في موتك ولا ثانية واحدة؟

стр. 670

نماذج من الصحابة للجهاد في سبيل الله البراء بن مالك في يوم اليمامة، أتعرف ماذا فعل؟ قال لأصحابه: احملوني على حصنهم واقذفوني فيه، فيُحمل فيرمى في الحصن لوحده، فيقتُل منهم ويقاتل حتى قتل منهم عشرة لوحده في الحصن، حتى فتح الباب للمسلمين ودخلوا فوجدوا فيه أكثر من ثمانين ضربة وطعنة. أسمعت بـ أنس بن النضر؟ شم رائحة الجنة على الأرض وقال: واهٍ لريح الجنة يا سعد! إني أجدها من دون أحد. أسمعت بـ عمير بن الحمام الذي قاتل فرمى التمرات وقال: إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه التمرات. فقاتل حتى قتل ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣]. إن رأيتَهم في الجهاد فهم الأوائل. وإن رأيتَهم في الدعوة إلى الله فهم الدعاة. وإن رأيتَهم في الصدقة فهم أول الناس يتصدقون. إن رأيتهم في الليل فهم البكاءون المصلون الساجدون الراكعون.

стр. 671

السلف الصالح واجتماعهم وتراحمهم وصفاء قلوبهم الصفحة الثالثة والأخيرة: انظر إلى حالهم مع المؤمنين، بينهم وبين عباد الله: (جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى).

стр. 672

عمر بن الخطاب ﵁ واهتمامه بأمر المسلمين خرج عمر بن الخطاب يوماً من الأيام ومعه غلام يسمى أسلم -وكان أميراً للمؤمنين- فرأى ناراً من بعيد، فقال لـ أسلم: مَن هؤلاء الناس في هذه الليلة المظلمة الباردة وعندهم هذه النار؟ هيا بنا نذهب إليهم، فذهب عمر فوجد امرأة عجوزاً وعندها صبية صغار يبكون ويصيحون، وعندها قدر فيه ماء يغلي فوق النار، فقال لها عمر -وهي لا تدري أنه عمر -: السلام عليكِ، فردت ﵇، قال لها: أأقتربُ؟ قالت له: اقترب، فاقترب منها وقال: ما شأنك يا أمة الله؟ قالت: الجوع يا هذا. قال: وما شأن صبيانك؟ قالت: ألهيهم بهذا القدر حتى يناموا من شدة الجوع. فقال لها: وماذا تريدين؟ قالت: أن أقف وعمر عند الله، فأحاسب عمر عند الله ، فقال عمر: وما يدري عنك عمر، وما الذي يُعْلِم عمر بحالك؟ فقالت تلك المرأة: يتولى أمور المسلمين ثم يغفل عنا، ويله من الله! فبكى عمر حتى اخضلت لحيته، ثم قال لـ أسلم غلامه: اذهب معي، قال: فهرول عمر وهرولت خلفه حتى أتى بيت الدقيق، فأخذ الدقيق وقال لغلامه: احمله على ظهري قال: أنا أحمله عنك يا أمير المؤمنين! قال: وهل تحمل عني وزري يوم القيامة؟ احمله على ظهري. قال: فحمّلته على ظهره، فهرول حتى أتى إلى تلك المرأة، فأخذ يعجن ويطبخ ويقدح لها، حتى أكلت وأطعمت الصبيان، فذهب عمر وجلس من بعيد ينظر إليهم، فقلت له: ما شأنك؟ قال: اصبر، فَسَكَتُّ، قال: فنظر إليهم حتى شبع الصبيان وأكلوا وناموا، قال: والله ما كنت لأدعهم حتى يشبعوا ثم يناموا. فذهب عمر وهو يبكي، أتعرف لماذا؟ لأنه يتمثل قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ما هي أول صفة لهم؟ ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤].

стр. 673

بكر بن عبد الله المزني وإحسان الظن بالآخرين بكر بن عبد الله المزني يقف على عرفة والناس يبكون ويدعون ويتضرعون، فقال قولته المشهورة: [لولا أني فيهم لظننت أن الله قد غفر لهم] بينهم وبين أنفسهم كانت الصدور سليمة، لا يحملون في قلوبهم الغل ولا البغضاء ولا الحقد ولا الحسد. يقول ﷺ والحديث مقطوع: (من يستطيع منكم أن يكون كـ أبي ضمضم؟ قالوا: مَن أبو ضمضم يا رسول الله؟ قال: هذا رجل كان إذا أصبح في كل يوم يقول: اللهم إني قد وهبت نفسي وعرضي، فلا يظلم من ظلمه، ولا يشتم من شتمه) العفو والصفح شيمتهم.

стр. 674

الإمام أحمد وعفوه عن المعتصم الإمام أحمد في ليلة من الليالي قام الليل وسجد فأخذ يبكي ﵀، وفي الصباح سئل: ما لك يا إمام -رحمك الله- رأيناك تبكي في الليل؟ قال: مر علي في الدرس قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠] فذكرت المعتصم الذي كان السبب في جلدي، فصليت وسجدت فدعوت الله أن يغفر له وأن يحلله. هل وصلنا إلى أولئك السلف؟ لقد كان في قلوبهم إحسان الظن والتماس المعاذير، كانوا لا يتلمسون الأخطاء، ولا يطلبون الهفوات، ولا ينشرون الزلات بين الناس، قلوبهم كالقلب الواحد، أجسادهم كالجسد الواحد، كانوا يتمثلون الإنصاف، ويتعاملون بالعدل، ولا يقومون إلا بالقسط، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة:٨].

стр. 675

موقف عائشة ﵂ ممن كان السبب في قتل أخيها عائشة ﵂ يأتيها رجل، فيسألها أسئلة، ثم قالت له (>من أين أنت؟ قال: من مصر، فقالت له ﵂: أما إنه لا يمنعني ما فعل صاحبكم بأخي محمد -أي: أميرهم وواليهم الذي كان السبب في قتل أخيها- قالت: لا يمنعني ما فعل في أخي محمد أن أقول ما سمعته عن رسول الله ﷺ في داري هذه: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به) تدعو له ﵂ وأرضاها؛ لأنها سمعت أنه كان يرفق بجيشه، ويرفق بعبيده وبأصحابه. عباد الله: هذه لمحات سريعة وصفحات قليلة من تاريخ سلفنا الصالح. إن رأيتَهم في الليل فهم قُوّام الليل ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] يبكون ويصلون ويركعون ويسجدون. إن رأيتَهم في النهار فهم الدعاة إلى الله، المجاهدون في سبيل الله، المتصدقون، الآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر. إن رأيتَهم مع بعضهم فهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى. إن رأيتَهم في علم فهم طلبة العلم. إن رأيتَهم في عبادة فهم السباقون. إن رأيتَهم في النفقة فهم المتصدقون. نعم والله؛ لأن الجنة جعل لها ثمانية أبواب. عبد الله: إن فتح الله لك باب علم فلا تنقم على أهل الجهاد، وإن فتح الله لك باب جهاد فلا تنقم على أهل العلم، وإن فتح الله لك شيئاً من هذا وهذا فلا تنقم على أهل العبادة، وإن فتح الله لك باب عبادة فلا تنقم على أهل الصيام وأهل الصدقة وأهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن في الجنة ثمانية أبواب: فمن كان من أهل الصلاة دخل من باب الصلاة. ومن كان من أهل الجهاد دخل من باب الجهاد. ومن كان من أهل الصيام دخل من باب الريان. ومن كان من أهل الصدقة دخل من باب الصدقة. عبد الله: لنكن كلنا كما كان السلف؛ دعوة، ودين شمولي، يشمل الجهاد والدعوة والعلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعبادة والصيام والصدقة نعم والله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] دين الله يشمل الحياة كلها. إن رأيتَهم في الخُلُق فهم أروع الناس خُلُقاً. وإن رأيتَهم في العبادة فأكثر الناس عبادة، ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩]. وإن رأيتهم في الجهاد فما من موضع في جسد أحدهم إلا وفيه ضربه بسيف، أو رمية بسهم، أو طعنة برمح. عباد الله: هذه بعض النماذج من حياة سلفنا الصالح. أسأل الله أن يحشرني وإياكم معهم في مستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 676

الأسئلة

стр. 677

نصيحة لمن لا يعبد الله إلا في رمضان السؤال أرجو توجيه نصيحة إلى الذين لا يعبدون الله إلا في رمضان المبارك. الجواب هذه عادة -أيها الإخوة- نراها كل سنة، بعض الناس لا يعرف الله إلا في رمضان، ما يدريك -يا عبد الله- لعل ساعتك ومنيتك تأتيك بعد رمضان، في شوال أو في ذي القعدة أو في ذي الحجة أو في محرم، لعلك تأتيك الساعة والمنية! بل من كان لا يعبد الله إلا في رمضان فهذا تكلم عن إخلاصه، وشك في نيته، بل لعله يصاب ببعض الرياء؛ لأنه لا يعبد الله إلا لأجل رمضان، فإذا انتهى رمضان ترك الله . أقول لهؤلاء: اتقوا الله ، واعلموا أن الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم:٢٧] فالذين يضلهم الله هم الظالمون، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. بل قال الله حكاية عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:٨]. والله أعلم.

стр. 678

الندم من شروط التوبة السؤال أنا شاب تائب، وعلمت أن التوبة تكون مقبولة بشروط، ومن هذه الشروط: الندم، ولكني لم أندم على ذنبي، وقد أقلعت عنه، ثم عاودتُ بعد فترة، فهل يغفر الله لي في توبتي هذه؟ الجواب لا تقبل التوبة إلا بالندم، والذي ليس بنادم وغير متضايق من فعله، وغير متحسر من ماضيه الأسود، فإن التوبة لا تقبل منه، كما قال ﵊: (الندم توبة) وقال الله عن أهل مسجد ضرار: ﴿إِلّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:١١٠]. وإذا لم يتقطع القلب ولم يتحسر ولم يندم على تلك المعصية فإن التوبة لا تقبل، فلا بد أن يحصل شيء من الندم في القلب، ثم إقلاعٌ عن المعصية، ثم عزمٌ على ألا ترجع إليها، فإن رجعت فعاود التوبة مرة وأخرى، فإن الله كان للأوابين غفوراً.

стр. 679

حكم شرب الدخان السؤال ما حكم الدخان؟ وأنا مُتَخوف منه كثيراً، مع العلم بأني أريد التوبة ولكن أصدقاء السوء لا ينصحونني. الجواب الدخان حرام بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، قال الله ﵎ عن نبيه ﵊: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] وإذا قسمت الأشياء إلى قسمين: طيبات وخبائث، ففي أيهما تضع الدخان؟ لا أظنك تضعه إلا في الخبائث؛ إذاً فهو محرم. وقول النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) وحرم على الناس وعلى أصحابه وعلى المؤمنين إضاعة المال، ولو سألتك سؤالاً: الدخان هل هو في حفظ المال أو هو في إضاعة المال؟ ناهيك عما يحصل فيه من فساد العقل والصحة والجسد والقلب وفساد الدين، ثم بعد هذا تسأل: هل هو حلال أم هو حرام؟! بل هو حرام في كتاب الله وسنة رسوله ﵊. ثم يا عبد الله! أتعجب منك والأمر عجب! الصحابة كانوا يشربون الخمور، وقد أدمنوا على شرب الخمور، بل كان شربهم للخمور أكثر من شربهم للماء، فلما نزل قول الله : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] وكان أحدهم يريد أن يشرب الخمر، فأهرق الإناء وكسره، حتى سالت شوارع المدينة بالخمور، وأنت تقول: ما أستطيع أن أترك الدخان، سبحان الله! أي ضعف في قلوبنا؟! الواحد منا -أيها الإخوة- يطلب منه أن يجاهد الكفار وأن يقاتل المشركين وأن يجاهد الدنيا بأسرها وما يستطيع أن يجاهد دخاناً؟! والله يا إخوة هذه هي الذلة التي تحصل في قلب الإنسان، ومن الخور ومن ضعف النفس والإيمان حتى لا يستطيع أن يجاهد دخاناً. أولاً: اتركه. ثانياً: اترك هذه المجالس التي تذكرك بهذا الدخان (إنك بأرض سوء فاتركها واذهب لأرض كذا وكذا فإن فيها قوماً يعبدون الله) اترك هذه المجالس، اترك أصحاب السوء الذين يذكرونك بالدخان ويذكرونك بتلك الأيام والليالي، اتركهم واهجرهم في الله ، ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣]. وادخل مع أهل الخير، أهل الصلاح، الذين إن وضعوا في أفواههم شيئاً فهو السواك (مطهرة للفم مرضاة للرب) وإن تكلموا فبذكر الله، وإن نطقوا فبطاعة الله، وإن أمروا فبالمعروف، وإن نهوا فعن المنكر، خالطهم واجلس معهم فإن في صحبتهم خيراً.

стр. 680

حكم لعب الجندفة السؤال ما حكم لعب الجَنْدِفَة؟ الجواب نقول ما قلناه في الدخان. عبد الله! قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ أناس الآن في إسرائيل، الواحد منهم يبلغ الحلم فيعلمونه السلاح، وهذا يحصل في إسرائيل عند اليهود، والواحد منا قد شابت لحيته وهو يلعب الجَنْدِفَة! يا إخوان: هذا -والله- من الضعف الذي وصلنا إليه، الواحد في دول الغرب دول الشيوعية ودول النصرانية منذ صغره يُعَلَّم على كره المصحف وعلى كراهية المسلمين، وعلى حمل السلاح وعلى الجهاد في سبيل باطلهم، ونحن -يا عباد الله- نسأل عن الجَنْدِفَة! وعن الدخان! وعن السيارات! ونسأل عن هذه الملهيات! كيف كنا يا عباد الله! أسمعت بابني عفراء؟ كانا يحاولان لدى النبي ﷺ أن يجيزهم في القتال، فلما أجازهم قتلوا مَن؟ قتلوا فرعون هذه الأمة، قتلوا أبا جهل، والواحد منا يسأل عن الجَنْدِفَة! ويسأل عن الدخان! اقطع هذه الأوراق، اترك هذه المجالس، اهجر هذه المعاصي، واقدم على الله ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] والله أعلم.

стр. 681

هذا الحبيب يا محب ! إن محبة النبي ﷺ شرط في صحة الإيمان، ومن أجل هذه الأهمية الكبرى جاءت هذه المادة مبينة أسباب محبة النبي ﷺ الذي بعث رحمة للعالمين، فصبر من أجل دعوته، وتحمل مشاقها، فكان قدوة في صبره وأخلاقه وصلته بربه. ولذلك علينا أن نلتزم الوسطية في علاقتنا برسول الله ﷺ ، وأن نجتنب منهجي الإفراط والتفريط في محبة النبي ﷺ .

стр. 682

أسباب محبة النبي ﷺ الحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة الكرام: حديثي إليكم في هذه الجلسة هو من صلب الدين والإيمان، ومن صميم العقيدة، بل لا يتم إيمان العبد إلا بهذا الحديث الذي سوف أتكلم عنه، وتطبيق هذه المسألة من أصول الدين، ألا وهي علاقتنا بالنبي محمد ﷺ . يقول الرب جل وعلا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيكُمْ﴾ [التوبة:٢٤]. هل بقي شيء من الدنيا؟ ما بقي شيء؛ الأولاد، والأزواج، والأقرباء، والعشيرة، والأموال، والتجارات، والمساكن، كل شيء من الدنيا، لو كانت هذه الدنيا ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤] (ثلاث مَن كُنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان -بعض الناس يتساءل: أنا لا أشعر بلذة في الدين؟ لا أشعر بلذة في الطاعات؟ لا أشعر بلذة في الإيمان؟ اعلم أنه: -ثلاث مَن كُنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان -أول الثلاث:- أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما).

стр. 683

اتباع النبي ﷺ شرط في قبول العمل يأتي رجل من الأنصار فيقول: (يا رسول الله! إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر-فتخيل: الرجل يتذكر النبي في البيت فما يتحمل وما يصبر!! أيُّ حب وأيُّ تعلق بالنبي هذا! - يقول: لا أتحمل حتى آتي فأنظر إليك، وأجلس عندك، يقول: فإذا ذكرت الموت الذي سوف يفرق بيني وبينك فإني لا أطيق ولا أتحمل -أبكي ولا أصبر على فراقك- فيقول له النبي: قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [النساء:٦٩] هذا هو الشرط؛ اتباع النبي- ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء:٦٩]). يا من تسمعني: ألا تتمنى لقاء النبي ﵊؟! ألا تتمنى الجلوس بقربه؟! ألا تتمنى معانقته ومصافحته؟! ألا تتمنى أن تجلس فتستمع إليه؟! الشرط: اتباع هديه ﵊، وقبله الإخلاص لله، قال ﷺ : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى). يأتي رجل فيقول: (يا رسول الله! متى الساعة؟ فيقول له النبي: وما أعددت لها؟ قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله -أعمالي قليلة، لكني أحب الله ورسوله- قال: إنك مع من أحببت) والمرء يحشر يوم القيامة مع من أحب.

стр. 684

النبي رحمة للعالمين نحبه؟ إي والله نحبه!! لِمَ نحبه؟ لأن الله بعثه ليخرج الناس من عبادة العباد ومن عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة رب الأرض والسماء. تَعِب ﵊، وتحمل في سبيل الدعوة إلى الله ليخرج الناس من الضلال إلى الهدى، ومن الظلام إلى النور، حتى بدأ المشركون يعادونه:

стр. 685

صبره على تحمل الأذى من أجل الدعوة هاهو يأتي يوماً من الأيام فيسجد عند الكعبة، فيأتي أشقى القوم ويلقي على ظهره سلى الجزور، ولا تأتي إلا ابنته فاطمة ﵂ فتزيل عن ظهر أبيها سلى الجزور وهي تبكي، فيتم صلاته ﵊، ثم يستقبل القوم فيدعو عليهم واحداً واحداً. يأتي يوماً من الأيام يطوف بالبيت وحول البيت الأصنام والأوثان، فيغمزه المشركون ويستهزئون به. يأتي أشقى القوم يوماً من الأيام فيخنقه حتى كاد يقتله ﵊، ولا يدفعه عنه إلا أبو بكر أشجع الناس ﵁ يدفع الفاسق المشرك وهو يقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨] فاستقبل المشركون أبا بكر فضربوه حتى أدموه، حتى لم يعرف رأسه من قفاه من شدة الدم، وظن الناس أن أبا بكر قد مات، فحمل إلى بيته فطببته أمه ولم تكن أسلمت في ذلك الحين. فلما استفاق فرحت أمه، قالت: يا بني! اشرب شيئاً، يا بني! ذق شراباً، وكل شيئاً من الطعام، قال: لا والله! حتى تأتيني بخبر رسول الله، وأرسلها إلى إحدى النساء فذهبت، قالت: لا أعرف رسول الله ولا أعرف ابنك. فجاءت بها إلى أبي بكر، فقال لها أبو بكر: ماذا صنع رسول الله؟ قالت: أمك موجودة -وقد كتمت إيمانها تلك المرأة- فقال: لا عليك إنما هي أمي، أخبريني عن رسول الله، قالت: هو بخير، قال لها أبو بكر: احمليني إليه، فلما هدأ الناس، وسكنت الأصوات، حُمِل أبو بكر بين أمه وتلك المرأة إلى رسول الله. وكان رسول الله مستلق وحوله أصحابه الذين كتموا إيمانهم، فلما فتح الباب دخل أبو بكر على رسول الله يقبله وهو يبكي، والصحابة ينظرون، وبكوا من هذا المنظر، فقال أبو بكر: كيف أنت يا رسول الله؟ قال: ليس بي بأس يا أبا بكر! كيف أنت يا أبا بكر! قال: لا بأس بي إلا ما صنع الفاسق من وجهي، يا رسول الله! هذه أمي جاءت مشركة، فادعُ الله لها، فدعا الرسول لها، فلفظت أم أبي بكر الشهادتين، فقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. غمزوه ولمزوه وسخروا به، بل وضربوه، وخنقوه، وكادوا يقتلونه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١]. أوذي، وخُنِق، ومُنع من الدعوة إلى الله، حتى قال فيه أبو لهب لما دعاهم على الصفا: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ يستقبل الناس في الحج فيغلقون آذانهم، ويغطون رءوسهم، يدخل عليهم خيامهم خيمة خيمة ﵊، يقول: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) فيدخل بعده رجلٌ أحول، وضيع الوجه، إنه عمه أبو لهب، يدخل خلفه فيقول: لا عليكم منه، إنه ابن أخي، إنه مجنون، إنه كذاب، إنه ساحر: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً﴾ [الفرقان:٣١]. هاجر إلى الطائف يدعوهم إلى الله، فردوه، وتبعه العبيد والسفهاء بالحجارة، هل دعا عليهم؟ هل طلب من ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين؟ أو دعا على قريش؟ لا وربي. رفع يديه إلى الله، وقال: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني! أم إلى قريب ملكته أمري! إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، لكن عافيتك أوسع لي). يخرج وهو مهموم، لم يفق إلا بـ قرن الثعالب، (يجلس عند إحدى المزارع، ويرسل إليه أحد المشركين خادماً له اسمه، عدَّاس يأتيه بشيء من العنب، وكان شاباً نصرانياً، فجلس عند رسول الله وقد أدميت قدماه الشريفتان، وسال الدم منهما، فجاء عدَّاس بالعنب إليه، فسمى الله رسول اللهَ فأخذ عدَّاس يسأله، فإذا بالنبي يجيب، فقال له النبي: من أين أنت؟ قال له عدَّاس النصراني: أنا من نينوى، قال: سبحان الله! من بلد النبي الصالح يونس بن مَتَّى، قال: ومن أخبرك بيونس بن مَتَّى؟! قال: إنه أخي، إنه نبي وأنا نبي مثله، فانكب عدَّاس على رسول الله يقبله وهو يبكي) علم أنه لا يعلم عن نبي الله يونس إلا نبي مثله، ورجع النبي إلى بلده.

стр. 686

صبره في المصائب والإحن خرج إلى الدنيا يتيماً لم يرَ أباه، ماتت أمه وهو صغير لم يبلغ الحلم، تربى عند جده، فلما مات جده ثم تربى عند عمه، فلما شب واستقام، دعا إلى الله ونصره أبو طالب الذي مات ولم يُسلم، احترق قلب النبي ﷺ عليه، استغفر له اللهَ، فمنعه اللهُ جل وعلا. تزوج من خديجة فإذا به يحبها كأشد ما يحب إنسان امرأته على وجه الأرض، ولكنها غادرت الدنيا وفارقته، وتُرك في هذه الدنيا بين مستهزئ وساخر، وشاتم وضارب، انظر ماذا يقول الشاعر فيه: ولَّى أبوك عن الدنيا ولم تره وأنت مرتهن لا زلت في الرحمِ وماتت الأم لما أن أنست بها ولم تكن حين ولَّت بالغ الحلمِ ومات جدك من بعد الولوع به فكنت من بعدهم في ذروة اليتمِ فجاء عمك حصناً تستكن به فاختاره الموت والأعداء في الأجمِ ترمى وتؤذى بأصناف العذاب فما رُئيت في ثوب جبار ومنتقمِ حتى على كتفيك الطاهرَينِ رموا سلى الجزور بكف المشرك القزمِ أما خديجة من أعطتك بهجتها وألبستك رداء العطف والكرمِ ولت إلى جنة الباري ورحمته فأسلمتك لجرح غير ملتئمِ وشج وجهك ثم الجيش في أحد يعود ما بين مقتول ومنهزمِ لما رزقت بإبراهيم وامتلأت به حياتك بات الأمر كالعدمِ ورغم تلك الرزايا والخطوب وما رأيت من لوعة كبرى ومن ألمِ ما كنت تحمل إلا قلب محتسب في عزم مفتقد في وجه مبتسمِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، انظروا كيف صبر، فكيف لا نحبه؟ أوذي وصبر لأجل من؟ لولا صبره، لولا تحمله، لولا جهاده ﵊ لكان الواحد منا الآن يعبد ماذا؟ يتأسى بمن؟ ينتهج أي دين؟ ماذا يكون مصيرنا؟

стр. 687

صبره في تحمل التكاليف (لما أرد الهجرة جاء لـ أبي بكر -صاحبه وأي صاحب! - في وقت لم يكن يأتيه فيه متقنعاً -الأمر غريب، الوقت ظهيرة- فدخل على أبي بكر، وعنده ابنته الصغيرة عائشة، فقال له أبو بكر: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي ما الذي جاء بك في هذه الساعة؟ قال: يا أبا بكر! اخرج مَن عندك وكانت عائشة جالسة، قال: يا رسول الله! إنما هم أهلك، فقال النبي لـ أبي بكر: يا أبا بكر! إن الله قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر: يا رسول الله! إذاً: الصحبة -ماذا يختار؟ ماذا يريد أبو بكر؟ يريد أن يخرج في أخطر هجرة على وجه التاريخ، في أخطر رحلة يعرض فيها نفسه للقتل- فقال النبي: يا أبا بكر! الصحبة، الصحبة يا أبا بكر! فانفجر أبو بكر يبكي، تقول عائشة: والله ما كنت أحسب أن أحداً يبكي من الفرح إلا بعدما رأيت أبي يبكي في ذلك اليوم، يقول: الصحبة يا رسول الله! الصحبة يا رسول الله!). يخرج معه في الهجرة فرحاً، فلما دخلا في الغار، ماذا صنع أبو بكر؟ لقد رأى جحراً في الغار فإذا به يضع رجله فيه ورجله الأخرى في جحرٍ آخر، ويده في جحرٍ ثالث، يخاف على رسول الله! لسعته حية -حي من هوام الأرض- فما أخرج يده، والرسول نائم ورأسه على فخذ أبي بكر، ولم يرفع أبو بكر يده ولا رجله من ذلك الجحر، فدمعت عينا أبي بكر، فسقطت دمعته على وجه رسول الله، فاستيقظ النبي، فقال: ما الذي أصابك يا أبا بكر! قال: لا شيء يا رسول الله! إلا أنه أصابني من هوام الأرض -لسعني شيء من هوام الأرض- فما أردت أن أوقظك، فأخذ النبي رجله فدعا له وبصق عليها، وكأن لم يكن به شيء. والنبي يقول لـ أبي بكر بعد أن قال لما رأى المشركين عند المغارة يقفون: (لو نظر أحدهم إلى رجله لرآنا قال: أو تخاف يا أبا بكر؟ قال: لا أخاف على نفسي إنما أخاف عليك يا رسول الله! فقال النبي له: لا تخف يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما): ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤]. (يخرجان من الغار، يمضيان إلى المدينة، فيلحقهما سراقة، ولم يكن أسلم في ذلك الوقت، وكان بطلاً شجاعاً -فكاد أن يصل إليهما، فبكى أبو بكر، فقال له النبي: لم تبكِ يا أبا بكر؟ فيقول: يا رسول الله! والله ما أبكي على نفسي، ولكن أبكي عليك، فابتسم النبي، وقال: اللهم اكفناه بما شئت، فغاصت قوائم فرسه في الأرض، فسقط منها، فعلم سراقة أن الأمر فيه شيء، وأن هذا الرجل ليس رجلاً كغيره من الرجال، لا بد أن عنده شيء من السماء -فقال له النبي: هل لك أن ترجع، ولا تخبر بأمرنا؟ قال: وماذا لي يا محمد؟ قال: لك يا سراقة! سوارا كسرى). سوارا أعتى رجل على وجه الأرض، وصاحب أكبر دولة على وجه الأرض في ذلك الزمان، إنها فارس، وعليها كسرى. سبحان الله! انظروا إلى يقينه بنصر الله، يقينه بموعود الله ، ثم يموت رسول الله، وتمضي السنون ويموت أبو بكر، فيأتي عهد عمر فتُفتح فارس، ويؤتى بسواري كسرى إلى عمر بن الخطاب، فيقول عمر: [أين سراقة بن مالك؟ أين سراقة بن مالك؟ فيؤتى بـ سراقة وكان قد أسلم وجاهد في سبيل الله، فقال له عمر: يا سراقة! إليك سواري كسرى، هذا وعد رسول الله]: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]. يأتي النبي إلى المدينة والصحابة والأنصار ينتظرونه في كل يوم، فإذا اشتد حر الظهيرة رجعوا إلى منازلهم، وفي ذلك اليوم رجعوا لما اشتدت الشمس بحرها، فلما رجعوا فإذا بيهودي يصعد على أطم من الآطام، فيرى ظلين من بعيد، فيعرف أنه الرسول وصاحبه، فيرجع إلى الأنصار، فيقول: يا معشر الأنصار! يا معاشر العرب! هذا جَدُّكم الذي تنتظرون، هذا نبيكم الذي تنتظرون، فثار الأنصار إلى سلاحهم واستقبلوه عند أبوابهم وهم يكبرون، ويقولون: الله أكبر! الله أكبر! جاء نبي الله، جاء نبي الله، استقبلوه في الشوارع، وعلى سطوح المنازل، بالرجال والنساء والأطفال وهم يكبرون. ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢]. فإذا بالنبي يدخل المدينة، يقول أنس: أضاء في المدينة كل شيء، بنى المسجد، وأسس الدين، ونشر الهداية في قلوب المؤمنين، أسرهم بحبه، وبأخلاقه ﵊.

стр. 688

أخلاقه ﷺ ومحبة أصحابه له كان يجلس مع الشيوخ ويجالس الصبيان والأطفال، فإذا به يسلم عليهم واحداً واحداً. تأتي إليه الجارية وهو نبي الله وخير من وَطأ قدمُه الثرى ﵊ فتمسك يديه الشريفتين فتذهب به حيث شاءت، تسأله عن حاجتها، فيقضي لها حاجتها ﵊. دعا إلى الله فما جزع ولا كلَّ ولا ملَّ. يأتيه الأعرابي يوماً من الأيام وهو يخطب الجمعة، فيقول: (يا رسول الله! علمني ديني، فينزل من خطبته، ويجلس إليه يعلمه أمر دينه) الله أكبر! لما أتى رجل من الأعراب فبال في المسجد فكاد الصحابة يقتلونه، أو يهموا به، فيقول للصحابة: (دعوه، دعوه، لا تزرموه -رحمة وأي رحمة! - فيأتيه النبي بعد أن يقضي بوله، يقول له: يا فلان! إن هذه المساجد لم توضع لكذا وكذا، إنما وضعت للصلاة والذكر، وقراءة القرآن والعبادة، فيقول الرجل -بعد أن يرى خلقه-: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فيبتسم النبي، ويقول له: لقد حجرت واسعاً يا هذا) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]. كانوا يحبونه حباً جماً، وفي الجهاد تظهر صور من المحبة: ١ - هذا طلحة ﵁، في غزوة أحد يقاتل دون النبي ﵊، وكلما أراد أن يتقدم يؤخره النبي ﷺ ويقدم غيره. قال: (أنا يا رسول الله! فيقول له النبي: اجلس، فيقاتل أحد الصحابة فيقتل، حتى جاء دور طلحة ﵁، فيقاتل حتى قُطِعَت أصابعه، فإذا به يقول: حسبي، قال ﷺ : إذا قلت: باسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون). ٢ - أبو طلحة الأنصاري في أحد، يقول: (يا نبي الله! بأبي أنت وأمي لا تُشْرِف لا يصيبنك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك يا رسول الله). ٣ - أبو دجانة في معركة أحد، يترِّس نفسه على النبي، والسهام والنبال تقع على ظهره ﵁ وهو لا يبالي، ولا يهتم ﵁، لأن السهام تقع على ظهره ولا تصيب رسول الله. مَن هذا النبي الذي أحبه الناس هذا الحب؟ قال الشاعر فيه: أصفى من الشمس في نطقٍ وموعظةٍ أمضى من السيف في حُكْم وفي حِكَمِ أغَرُّ تشرق من عينيه ملحمةٌ من الضياء لتجلو الظُّلْم والظُّلَمِ في همة عصفت كالدهر واتقدتْ كم مزقت من أبي جهل ومن صنمِ! محرر العقل باني المجد باعثنا من رقدة في دثار الشرك واللممِ بنور هديك كحلنا محاجرنا لما كتبنا حروفاً صغتَها بدمِ ٤ - هذا أحد الأنصار: يقول النبي: (مَن يشتري لنا نفسه؟ فيقول الرجل: أنا يا رسول الله! فيدخل الرجل في صفوف المشركين -انظر للتضحية لرسول الله- فيقاتل الرجل حتى تثخنه الجراح، فيحمل وقد سالت الدماء من على جسده، فيوضع والنبي جالس ﵊، فيوضع خده على قدم النبي ﵊، ويقول النبي: أدنوه مني، فإذا بالرجل خده على قدم النبي تفيض روحه إلى بارئها). ٥ - سعد بن الربيع: يقول النبي: (أين سعد؟ أين سعد؟ ابحثوا عن سعد، وائتوني بخبره، فيذهب الصحابة يبحثون عنه، فيأتيه رجل وإذا بـ سعد يحتضر، في الرمق الأخير، فيقول له: يا سعد! إن رسول الله يقرؤك السلام، ويقول: كيف تجدك؟ فيقول سعد: أبلغه مني السلام، وأخبره أني أجد ريح الجنة -الله أكبر! وهو في الدنيا يشم رائحة الجنة- ثم أخبر قومي الأنصار، وقل لهم: لا عذر لكم! أن يُخْلَص إلى رسول الله وفيكم عين تطرف). ٦ - هذا أنس بن النضر لما رأى بعض الصحابة جالسين، قال لهم: [ما الذي أجلسكم؟ قالوا: مات رسول الله، قال لهم: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله] فأخذ أنس يخترق صفوف المشركين، فيقاتل في سبيل الله، فيصاب بأكثر من ثمانين ضربة وطعنة، فيخر على الأرض صريعاً: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣]. ٧ - أما في حنين وما أدراك ما الذي حصل في حنين؟! لما تراجع الناس تقدم أشجع الناس، إنه رسول الله ﵊، يتقدم وهو على بغلة، والصحابة يمسكون زمامها، يريد النبي أن يتقدم في صفوف المشركين رافعاً عصاه وسلاحه وهو يقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، يا عباس! نادِ أصحاب السمرة، نادِ أصحاب البيعة، فيناديهم العباس، فإذا بالصحابة يتذكرون تلك البيعة التي بايعوا فيها النبي على الجهاد، فيرجعون بدوابهم، ومن لم يستطع الرجوع بدابته يرمي نفسه من عليها، وهو يقولون: لبيك رسول الله! لبيك رسول الله! فديناك بآبائنا وأمهاتنا). لما انتهت المعركة قسم النبي الغنائم على الذين أسلموا حديثاً، ولم يعطِ الأنصار شيئاً، خاف الأنصار أن النبي قد هجرهم، وأنه سوف يرجع إلى وطنه، وبلاده، فإذا بالنبي يجمعهم في حائط، فيقول لهم: (يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟! وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟! وعالة فأغناكم الله بي؟! فبكى الأنصار، وقالوا: الله ورسوله أَمَنُّ، الله ورسوله أَمَنُّ. ثم قال لهم النبي -اسمع ما الذي قال! -: ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟! فبكى الأنصار، وقالوا: الله ورسوله أَمَنُّ، ثم قال لهم: لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، لو سلك الناس وادياً وشعباً وسلك الأنصار آخر؛ لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار أخذ يدعو لهم، فبكى القوم حتى ارتفع صوتهم بالبكاء، واخضلَّت لحاهم وهم يقولون: رضينا برسول الله قَسَماً وحَظَّاً) ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].

стр. 689

حرصه على دعوة الآخرين سَمِع النبي ﷺ أن يهودياً من جيرانه مريض، ماذا يصنع وهم أشد الناس عداوة له؟! ماذا يفعل نبي الرحمة ﵊؟! هل فرح؟! هل استبشر بأن يهودياً مرض؟! هل دعا عليه بالموت؟! بل زاره، عاده وجلس عند رأسه، شاب مريض وعنده أبوه، يهودي كبير، أتعرف ماذا قال له؟ قال له النبي: (يا فلان! قل: لا إله إلا الله، واشهد أني رسول الله، فإذا بالشاب لا يرد على النبي ﵊، وينظر الشاب إلى أبيه -واليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم- ماذا يقول له أبوه؟ أتعرف ماذا قال أبوه؟ قال اليهودي الكبير: يا بني! أطع أبا القاسم، فقال الشاب: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فمات الشاب من ساعته، وخرج النبي متهللاً مبتسماً ضاحكاً، وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار بي)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]. كان المنافقون يسبونه ويشتمونه، وكان يدعو لهم ويستغفر لهم، بل صلى عليهم حتى قال الله : ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠] قال: لأزيدن عن السبعين مرة، فنهاه الله ، انظر إلى رحمته! كان ينادي حليمة السعدية -مُرْضِعَتَه- وهو قد تجاوز الأربعين من العمر: يا أماه. استأذن ربه أن يزور قبر أمه وقد ماتت مشركة، فأذن الله له، فاستأذنه أن يستغفر لها، فلم يأذن الله له، فكان إذا مر على المقبرة زار قبرها، وأخذ يبكي ﵊، رحمة وأي رحمة! زيد بن حارثة، مولىً من الموالي، خدم عند النبي سنين، فلما جاءه أبوه وأراد أن يرجعه إليه، فطلب زيد من أبيه أن يبقى عند النبي ﷺ ، يقدمونه على آبائهم وأمهاتهم وأبنائهم، حب وأي حب هذا!

стр. 690

حِلمه ﷺ يأتيه رجل من الأعراب فيجذبه من ردائه، حتى أثَّر الرداء على صفحة عنقه ﵊، فإذا بالأعرابي يقول: (يا محمد! أعطني من المال -أعطني شيئاً من المال- فإذا بالنبي يبتسم، ويقول لأصحابه: أعطوه من بيت المال). يسوِّي الصفوف يوماً من الأيام، فإذا برجل من الصحابة متقدم فيدفعه النبي فكأن وجهه قد تغير، فقال له النبي: (أوجعتك؟ قال له: نعم، قال: أتريد أن تقتص؟ قال الصحابي: نعم -الله أكبر! قائد الجيش مع فرد من الأفراد- قال: خذ حقك، والصحابة ينظرون، فقال له الرجل: يا رسول الله! إن بطني مكشوف، فاكشف لي عن بطنك، فكشف النبي عن بطنه -يريد الصحابي الآن أن يأخذ حقه، أتعرف ماذا صنع؟ - انكب الصحابي على بطن النبي وأخذ يقبله وهو يبكي، قال النبي: لم فعلت هذا يا فلان؟ قال: أردتُ -قبل الجهاد ربما أموت- أردت أن تمس بشرتي بشرتك قبل أن ألقى الله . ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم:١] انظر للقسم! ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:١ - ٤] مَن الذي يصفه بهذا؟ رب العالمين جل وعلا، يصفه بأنه على خلق عظيم. في معركة بدر يقول عبد الرحمن بن عوف: [غمزني شاب عن يميني، قال: يا عم! أين أبو جهل؟ قلت: ما شأنك وشأنه يا غلام؟ قال: لقد سمعت أنه سب رسول الله، فوالله إن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعدل منا! سبحان الله! قال: فغمزني شاب عن يساري، فقال لي نفس الكلام، قال: سمعت أنه سب رسول الله]. أين شباب الأمة اليوم؟! أين هم مِن الذين يسبون رسول الله؟! أين هم من الذين يطعنون في رسول الله؟! أين هم من الذين يستهينون بسنة رسول الله؟! أنا لا أقول: نغتالهم، بل ندافع عن سنة النبي ﵊، إن كان الأمر جهاداً فالقتل هو نهاية من يطعن في رسول الله، الحرب والقتل والجهاد. قال: [فلما رأيت أبا جهل قلت لهما: هذا صاحبكما، فانقضا عليه كما ينقض الصقر على الفريسة، فأردياه قتيلاً] لمه؟ إنه الحب لرسول الله، الحب الذي لا يعدله حب ألبتة. يقول أحد الكفار المستشرقين: لو كان محمدٌ حياً لحل مشاكل الشرق والغرب -كل المشاكل؛ الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية- وهو يشرب فنجان قهوة. أتعرف لمه يا عبد الله؟ لأنهم يعرفون قدره.

стр. 691

صلته بالله ﵎ وخشيته له كان يحب الله ، كثير العبادة، وكان إذا جاء عليه الليل ﷺ وأرخى ستوره، يقوم بين يدي الله يصلي ويبكي، يقول لـ عائشة يوماً من الأيام: (ذريني يا عائشة! أتعبد ربي، قالت: والله يا رسول الله! إني أحبك وأحب قربك وأحب ما تحبه، فَتَرَكَتْه، تقول: فتوضأ فكبر يصلي، فبكى حتى اخضلَّت لحيته، وبلَّ حجره، وبلَّ الأرض، وكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ويخشى الله أشد الخشية). لما كسفت الشمس في حياته فزع فقام من مكانه وذهب إلى الصلاة، يقولون: (حتى نسي رداءه، فجاءه الصحابة بردائه ووضعوه على كتفيه وهو يصلي، فأخذ يصلي ويقرأ قراءة طويلة، يقول الراوي: فأخذ يبكي في الصلاة وهو يقول ويدعو الله : ربِّ لم تعذبنا ونحن نستغفرك) ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ هذه كرامته على الله، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]. بل كان إذا جاءت الريح يخاف ﵊، ويقول: (عُذِّب قومٌ بالريح وظنوا أنه عارض ممطرهم، ولكنها كانت ريحاً فيها عذاب شديد).

стр. 692

عظم منزلته عند الله يوم القيامة انظروا كيف يرفعه الله على العالمين (كل الأنبياء يقولون: نفسي نفسي إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، إلا النبي ﵊ صاحب الشفاعة الكبرى، الذي يقول للناس: أنا لها أنا لها فيذهب فيسجد بين يدي الله ولا يحق لأحد السجود إلا رسول الله، حبيبنا ﵊، يسجد بين يدي الله ، فيقول له الرب بعد أن يلهمه تسابيح لم يكن يعلمها في الدنيا: يا محمد! ارفع رأسك، وسَلْ تُعْطَ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فيقول: اللهم أمتى أمتى). قال فيه الشاعر: لما أتتك (قُمِ اللَّيْلَ) استجبت لها العين تغفو وأما القلب لم ينمِ تمسي تناجي الذي أولاك نعمته حتى تغلغلت الأورام في القدمِ أزيز صدرك في جوف الظلام سرى ودمع عينيك مثل الهاطل العمِمِ الليل تسهره بالوحي تعمره وشيبتك بهود آيةُ السَّقِمِ صبر ودعا إلى الله فلم يجزع يوماً من الأيام، كان يحلم على كل من جهل عليه، كان يدعو إلى الله راجياً رجا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً.

стр. 693

زهده في الدنيا ورغبته فيما عند الله في حجة الوداع أوحى الله إليه: إنك يا محمد! سوف تغادر هذه الدنيا، لقد قاربت المهمة على النهاية، فإذا به يهيء قومه ويهيء المسلمين لهذا: (أيها الناس خذوا عني مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، ونعاه الله بقوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣]. فرجع من حجه (وفي شهر صفر أصيب بوعك شديد، فدخل على عائشة، قالت عائشة: يا رسول الله! وارأساه، قال: بل أنا وارأساه يا عائشة!) فجلس مريضاً. واشتد به المرض ﵊ حتى عصب رأسه يوماً من الأيام فخرج على المنبر في الناس، فجمع الصحابة فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: (إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عند الله فاختار العبد ما عند الله فبكى من الصحابة رجل واحد -من هو؟ إنه صاحبه أبو بكر ﵁ قال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله! ثم قال: إن مِن أمَنِّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، لكن صاحبكم خليل الرحمن) وأبو بكر يبكي ولا يعلم الناس لِمَ يبكي، علم أبو بكر بالخبر، علم أبو بكر بأن النبي يخبر الناس بأنه هو العبد الذي اختار ما عند الله. خرج ﵊ ليلةً من الليالي مع أبو مويهبة إلى البقيع يستغفر للمؤمنين، قال: (يا أبا مويهبة! إني قد خيرت بين مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، وبين لقاء ربي والجنة، قال أبو مويهبة: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! اختر الخلد في الدنيا والجنة، قال: لا يا أبا مويهبة! اخترت لقاء ربي والجنة). مرت الأيام، اشتد المرض على النبي ﷺ حتى ارتفعت به الحمى، واشتدت به الحرارة، حتى جاء ذلك اليوم الذي استأذنه بلال بالصلاة، فقال النبي لـ عائشة: (مري بلالاً يقرئ أبا بكر السلام، ويقول له أن يصلي بالناس، قالت عائشة: إن أبا بكر رجل أسيف يا رسول الله! مُرْ غيره، قال: مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس) خليفته من بعده، إنها الخلافة الشرعية التي سوف تكون هي الخلافة السياسية. فإذا بـ بلال يؤذن أبا بكر أن يصلي بالناس، فأقام بلال الصلاة، فكبر أبو بكر بالصلاة وأخذ الصحابة يبكون؛ لأن الإمام وإن كان أبو بكر، لكنه ليس حبيبهم رسول الله ﷺ ! يوم ويومان ويشتد بالنبي المرض، كان يسكب عليه الماء الكثير بالقرب، حتى يقوم في الناس ليصلي، ولكنه لم يستطع ﵊. دخلت عليه فاطمة فبكت لما رأت حاله، وقالت: (واكرب أبتاه! واكرب أبتاه! قال: يا فاطمة! لا كرب على أبيك بعد اليوم، لا كرب على أبيك بعد اليوم، جاءت إليه فأسرَّها بِسِرٍّ؛ فبكت فاطمة، ثم بِسِرٍّ آخر؛ فضحكت فاطمة ﵂. فقالت عائشة بعد زمن: [ماذا كان ذلك الذي أخبرك به؟ قالت: أخبرني بأنه سوف يفارق الدنيا فبكيت، ثم أخبرني بأنني أول الناس لحوقاً به فضحكت واستبشرت بهذا]. مر اليومان ثم في اليوم الثالث اشتد بالنبي ﵊ المرض، وكان عند عائشة فدخل عبد الرحمن أخوها، وكان بيده سواك، فنظر النبي إلى السواك، فرطَّبته عائشة بريقها، وسوَّكت به النبي ﵊، ورأسه بين حجر عائشة ونحرها، وبل ريقه ريقها، ثم بعد قليل قال النبي -بعد أن وصَّى الأمة بما وصَّاها بها-: (لا إله إلا الله لا إله إلا الله إن للموت لسكرات، إن للموت لسكرات، ثم قال: بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى) ثم غُمِّضت عيناه، وفارقت تلك الروح الطاهرة ذلك الجسد الطيب، فأظلم في المدينة كل شيء!! دمعت أعين الصحابة، وبكى مَن بكى. أما علي فلم يقدر على الكلام. وأما عثمان فلم يقوَ على القيام. وأما عمر ﵁، فقال: [من زعم أن رسول الله قد مات لأضربنه بالسيف، إنه لم يمت، بل ذهب إلى ربه وسيعود كما ذهب موسى]. حتى جاء أبو بكر إلى بيت ابنته عائشة فدخل على النبي وقد سُجِّي بالغطاء، فأزال الغطاء عن وجهه، فدمعت عيناه ثم قبله بين عينيه، وقال: [[طبت حياً وميتاً يا رسول الله! والله لا يذيقنك الله الموت مرة أخر]. ثم خرج إلى الناس فنظر إلى عمر قال: يا عمر! اجلس. فما جلس يا عمر! اجلس فما جلس. فقام أبو بكر خطيباً في الناس، فقال: [أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم قرأ قول الله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]] يقول عمر: [كأنني أسمع الآية لأول مرة] فرددها الصحابة في الطرق والشوارع، والكل يردد هذه الآية. ثم غسل النبي ﵊، ثم أدخل جسده الطاهر ذلك القبر الشريف، في المكان الذي توفي فيه. تقول فاطمة وقد بكت بعد أن دفن: [كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله؟!]. أما علي ﵁ وهو يغسله يقول وهو يبكي: [ما أطيبك حياً وميتاً يا رسول الله!]. أما أنس، يقول: [لما دفناه أنكرنا قلوبنا، وأظلم في المدينة كل شيء]. حتى بعد أن مضى شيء من الزمان، قال أبو بكر وقد قام في الناس خطيباً: [أما بعد: فقد قال النبي وهو على هذا المنبر، ثم توقف وأخذ يبكي لما ذكر رسول الله ﷺ ]. أما عمر بعد أن فتح بيت المقدس وأذن بلال بالناس، وقف عمر بن الخطاب عند أحد الجدر وأخذ يبكي، وبكى الصحابة معه لما تذكروا إمامهم وقدوتهم محمداً ﵊: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].

стр. 694

علاقة الناس بالنبي ﷺ إن الناس في علاقتهم بالنبي ثلاثة أصناف: الصنف الأول: من يحبه ويرفعه أكثر من قدره ﵊، حتى إن بعضهم أوصله لمراتب الألوهية والربوبية، فأصبح يدعوه، ويذبح له، ويستغيث به من دون الله. وهؤلاء قد جاوزا الحد، والنبي ﵊ قد قال: (لا تُطْرُوني كما أَطْرَت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) فهو عبد الله، وهذا أشرف وصف له ﵊، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]. الصنف الثاني: أناس جفوه ﵊، وهجروا سنته -بأبي هو وأمي- لا يتبعون سنته ولا يقتفون أثره ﵊، لا يعرفون شيئاً عن حياته ولا شيئاً عن سيرته، لو سألتهم عن اللاعبين والمغنين لجاءوك بحياتهم وسيرتهم، أما عن حياة نبيهم؛ أزواجه، أبنائه، أصحابه؛ سيرته؛ جهاده؛ معاركه؛ عبادته، فلا يعرفون شيئاً عنها، تركوه! حتى إنك لو أتيتهم بحديث لقالوا: لا نأبه بالحديث، نأخذ القرآن وندع السنة، وقد قال ﵊: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، وقال: (من رغب عن سنتي فليس مني). أما الصنف الثالث: فهم المتبعون له ﵊، الذين يحشرون معه ويدخلون الجنة معه: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا مَن أبى، قيل: ومَن يأبى يا رسول الله؟! قال: مَن أطاعني دخل الجنة ومَن عصاني فقد أبى). يوم من الأيام يخلع نعاله في الصلاة ﵊، فإذا بالصحابة كلهم يخلعون نعالهم، فينظر إليهم وقال: (ما الذي حملكم على هذا؟! قالوا: رأيناك خلعت نعالك فخلعنا نعالنا، فقال لهم ﵊: إن جبريل قد أخبرني أن فيها أذى فخلعتها) أرأيتم اتباعاً كهذا؟! أما الناس اليوم إلا من رحم الله، بعضهم قد هجر سنته، واتبع هدياً غير هديه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. يتشرف الواحد منا لَمَّا يتأسى بهديه ﵊، لََمَّا يتأسى بمظهره، بعبادته، بأخلاقه، بدعوته، بجهاده، بسيرته؛ لأنه صاحب الخلق العظيم الذي لَمَّا سئلت عائشة عن خُلُقِه قالت: (كان خلقه القرآن). قال بعضهم: يا أمة غفلتْ عن نهجه ومضتْ تهيم مِن غير لا هديٍ ولا علَمِ تعيش في ظلمات التيه دمرها ضعف الأخوة والإيمان والهممِ يوماً مُشَرِّقَةً يوماً مُغَرِّبَةً تسعى لنيل دواءٍ من ذوي سقمِ لن تهتدي أمة في غير منهجه مهما ارتضتْ من بديع الرأي والنُّظُمِ بأبي هو وأمي! كم علتْ همته في البذل الذي بَذَل، والهول الذي احتَمَل لتحرير البشرية من وثنية الشرك والضمير، وضياع المصير. فجزاه الله خير ما جزى نبياً عن أمته، وجعله أعلى النبيين درجةً، وأقربهم منه وسيلةً، وأعظمهم عنده جاهاً، وتوفنا اللهم على ملته، وعرفنا وجهه في الجنة، واحشرنا معه غير خزايا ولا نادمين، ولا شاكِّين ولا مبدلين ولا مرتابين. وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 695

حرب الإدمان إن الله جل وعلا أحل لعباده الطيبات من المآكل والمشارب، وحرم عليهم الخبائث التي تعود عليهم بالضرر في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وقد وصف الله النبي ﷺ بوصف جميل فقال: (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) وقد حذرنا المصطفى ﷺ من كل الخبائث والمحرمات، ومنها: إدمان المخدرات والأمور المذهبة للعقل والمال والعرض.

стр. 696

سبب الوقوع في المخدرات وعاقبة مدمنيها الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين، وعلى آله وصبحه. أما بعد: أيها الإخوة الكرام: هذه رسالة موجهة إلى مدمن، ولعلكم تجدون أسلوبي في الحديث أسلوباً غير مباشر للحاضرين، ولكن لعل السامع منكم أن يستفيد من كلماتي. أيها الأخ الكريم! أيها الأخ العزيز! أوجه إليك هذه الكلمات، يا من وقعت في حبائل المخدرات! يا من بدأت تتعاطى بل أصبحت مدمناً! أوجه إليك هذا الحديث، فأرع لي سمعك، وتوقف معي دقائق، واستمع لي، ولن تخسر شيئاً إذا لم تستفد من كلامي. لو سألت أكثر المدمنين في هذا الزمن، وأكثر المتعاطين: لم تتعاطون المخدرات؟ ولمَ أدمنتم عليها؟ ولمَ وقعتم في حبالها؟ لأجابك أكثرهم أبحث عن السعادة، أبحث عن الراحة، أريد الطمأنينة. اسأله السؤال الثاني: هل وجدتها؟ وأنا أظن بل أجزم بأن أكثر من تعمق في المخدرات، وأدمن عليها، سوف يجيبك بهذه الإجابة، ويقول: كلا. والله، لا زلت أبحث عنها. أتبحث عن هذه السعادة الموهومة؟! جلست يوماً من الأيام أنصح شاباً، سلم نفسه بجريمة قتل عمد -قتل رجلاً ثم سلم نفسه- جلست معه أحدثه عن التوبة، وأخوفه من الله جل وعلا، وأنصحه فيما فعل، فقال لي: يا شيخ! ما تقول؟ أنا سبع سنوات مدمن للمخدرات. قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، سبع سنوات وانظر إلى النهاية. قال: نعم. يا شيخ، سبع سنوات أنا مدمن لهذه المخدرات. قلت له: بماذا كنت تشعر؟ قال: كنت أشعر كأنني أطير في الهواء. قلت له: ثم ماذا؟ قال: ثم عذاب وألم وحسرة. يقول: وهكذا سبع سنوات لم تنته إلا بالقتل، وسَلَمَ نفسه ينتظر القصاص، تعرف لم؟ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً﴾ [طه:١٢٤] نعم يعيش يأكل يشرب، يلبس، ينام، يستيقظ، يمشي، يتحرك، لكن انظر إلى عيشته: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٥]. السماء تفطرت، والأرض تزلزلت، والجبال نسفت، والبحار احترقت وسجرت، والقبور قد بعثرت، والوحوش حشرت، والولدان قد صارت رءوسهم شيباً، ويمشي هذه الرجل المسكين على صراط أدق من الشعر وهو أعمى، وأحدَّ من السيف، وجهنم تلهب من تحته، ويقول: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾ [طه:١٢٥] أي: في الدنيا. انظر إلى السبب: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ [طه:١٢٦] تذكر ذلك المجلس الذي سمعت فيه بعض الآيات، تذكر ذلك الشريط الذي أهدي إليك فاستمعت إليه، لكنك نسيت: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٦]. أخي الكريم! أخي العزيز! تذكر وأنت تقدم على تعاطي تلك المخدرات، وأنت تقدم على استقائها، وأنت تُقدم على تجرعها، تذكر يا أخي العزيز! أنك تتعرض لغضب الرب جل علا، واعلم أنك لو مت وأنت على هذه الحال، ما دخلت الجنة (ثلاثة حرم الله عليهم الجنة: وذكر منهم: ومدمن خمر) الخمر الذي يذهب العقل، ويتفرع منه المخدر هذا الزمن. تذكر يا أخي العزيز! وأنت تتجرع هذه المخدرات وتتعاطاها، أن المصير في النهاية وفي الخاتمة أنك تتجرع من ماء صديد: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم:١٥ - ١٦] نهاية المخدرات والإدمان، عذاب في الدنيا، ثم حسرة، ثم موت، ثم جهنم: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٦] قيح وصديد. تتشقق الجلود، فتخرج قيحاً يتسابق أهل النار إليه ليأكلوه وليشربوا منه: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٧] بل جاء في الحديث الصحيح: أن شارب الخمر يسقى من ردغة الخبال، وهي عصارة أهل النار، وتخيل مم تخرج؟ تخرج بعضها من قيح الجلود، ويخرج بعضها الآخر من الفروج، ويخرج بعضها من الأفواه والفم. عصارة أهل النار، يتسابق إليها شارب الخمر والمسكر والمخدر ليشربوها، تذكر إن كنت من المتعاطين هذا المصير: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤] ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان:٤٥]. عندما يأكلون منه البطون تغلي، أرأيت القدر كيف يغلي بالماء؟ هكذا البطن يغلي ويفور من ذلك الطعام، وكما في الحديث: (لو أن قطرة من الزقوم سقطت على الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم) فكيف بمن تكون طعامه؟! تذكر وأنت تقدم على هذه المعصية وذلك الإثم، تذكر هذا المصير: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٧] الملائكة تدفعه دفعاً، لكن إلى أين؟ إلى قعر جهنم: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٤٧]. ثم ماذا يا رب؟ ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٨] فإذا صب على الرأس يدخل الحميم إلى المعدة والأمعاء، فيقطعها، إنا لله وإنا إليه راجعون! هل تعدل تلك الجلسات، وهذه الهلوسة، وتلك السهرات، وهذه الحبوب، ذلك العذاب؟

стр. 697

صور لمن لاقوا عقوبة المخدرات الدنيوية أخي الكريم! أما في الدنيا فعذاب وألم، وأظن أنك تستمع إليّ الآن وتقول لي: يا شيخ! من قال لك؟ نحن نفرح ونتمتع، نحن نسعد ونلهو، نحن نطير في الهواء، أقول لك: كذبت، ولم تصدق نفسك، فإن هذه السعادة سعادة موهومة. أذكرك بتلك اللحظات التي تتقلب فيها على الفراش، أذكرك بوقت تكون فيه أنت لوحدك في غرفة مظلمة، تحس أن الدنيا قد ضاقت عليك بما رحبت، أذكرك لما نقصت عليك المادة ولم تحصل على بعض الحبوب، كيف تألمت؟! وكيف تعذبت؟! أذكرك يا أخي! وأنت تحاسب نفسك وتعاتبها، ماذا تفعلين إذا قدمت على الجبار؟ صليت المغرب يوماً، فجاءني شاب قال لي: يا شيخ! أريد الحديث معك، قلت له: تفضل، قال: لا. عندي شخص آخر يريد أن يجلس معك، قلت: الآن؟ قال: لا. بعد أن يخرج الناس. فلما خرج الناس بعد صلاة المغرب جلست معه في زاوية المسجد، فإذا بالثاني يخرج لي هوية من جيبه، فنظرت إليها. قال لي: يا شيخ! انظر إلى الصورة! نظرت إلى الصورة -وأنا في المسجد- فإذا فيها وجه حسن جميل مضيء، والذي أمامي وجه مخيف مفزع قبيح مظلم. قال لي: يا شيخ! أرأيت الصورة؟ قلت: نعم. قال: هذا أنا. قلت: مستحيل! قال: والله وأنا في بيت الله هذه الصورة صورتي. قلت: يا أخي! ليس في وجهك شبه أبداً، وما أحببت أخبره أن الصورة أجمل وأحسن بكثير من الوجه الذي أمامي نور في الصورة وظلام أمامي. قلت له: حدثني عن خبرك؟ قال لي: يا شيخ! كان لي رفقة عند بيتي، فجئتهم يوماً من الأيام، أشرب معهم الشاي كالعادة، يقول: لكن الشاي لم يكن كالعادة، وأحسست فيه بلذة. يقول: فجئت في اليوم الثاني أرجو أن أشرب من نفس الشاي، فشربت منه وأحسست بلذة أكبر، وكأن نفسي أصبحت خفيفة، وهكذا في اليوم الثالث والرابع، حتى أدمنت على شرب هذا الشاي، ولكن لا أدري ما الذي به؟! يقول: وفي يوم من الأيام قدمت إليهم أسألهم عن هذا الشاي. قالوا لي: يا فلان! أتعرف ماذا بهذا الشاي؟ قلت: لا. قالوا: به حبوب، قلت: ماذا يعني حبوب؟ قالوا: حبوب مخدرات. فقلت: الآن أنا لا أستطيع أن أتخلص منه فما الحل؟ قالوا: نعطيك منها لا تخاف، الحبوب متوفرة. قلت: إذاً أعطوني. قالوا: ادفع الثمن! أوقعوه الآن في حبالهم. قال لهم: ليس عندي أموال. فقلت له: ومن أين كنت تأتي بالمال؟ قال لي: يا شيخ! كنت أطلب من الوالدة، من الوالد، وكانوا يعطوني في بادئ الأمر. قلت: ثم ماذا؟ قال: بدأت أسرق منهما. ثم من غيرهما، ثم أستدين وأسرق!! قلت: إلى أي درجة؟ قال: ثم قالوا: لي يوماً من الأيام؟ إن أثقلتك الأموال فهناك طريقة أخرى. قلت: ما هي هذه الطريقة؟ قالوا لي: تروج لنا المخدرات ونحن نعطيك. قال: كيف؟ علموني الطريقة. يقول: ثم بدأت أروج المخدرات وأنا لا أشعر. قلت له: لِمَ لا تتوب؟ قال: يا شيخ! جربت التوبة، ولكن! قلت: ما الذي منعك؟ قال: السلاح. قلت: ماذا تقصد؟ قال: يهددوني بالقتل إن لم أستمر في هذا الترويج. وهذا الرجل إن استمر على حاله يبعث عند الله جل وعلا، أتعرف كيف؟ ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨]. يا ليتني ما عرفتهم! يا ليتني ما جلست معهم! يا ليتني ما صاحبتهم! يا ليتني ما سلمت على فلان يوماً من الأيام! لكن ولات ساعة مندم: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً﴾ [الفرقان:٢٨] يسميه عند الرب جل وعلا: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٨ - ٢٩]. إذا دخل هذا الشاب وأمثاله إلى جهنم يقول: يا رب! لي طلب، فما هو طلبه؟ ﴿رَبَّنَا أَرِنَا﴾ [فصلت:٢٩] يرى من؟ ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ﴾ [فصلت:٢٩]. يا رب! أريد أن أرى ذلك الرجل الذي أعطاني الحبة أول مرة؟ وسقاني ذلك الكأس؟ وعلمني طريق المخدر؟ يا رب! أريد أن أراه إما في المحشر وإما في جهنم، يتمنى أن يراه تظن لمَ؟ أليصافحه، أليصادقه، أليعانقه بعد فراق طويل؟ لا. اسمع لماذا يطلب رؤيته يوم القيامة: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ [فصلت:٢٩] أطأ عليهما برجلي، ولِمَ؟ ﴿لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩]. لكن الآن لا ينفعه كل هذا، لطالما جاءك الصالحون، وأعطوك الشريط، وأهدوك تلك الكلمات، ونصحوك تلك النصائح، ولكن أبيت وعصيت واستكبرت إلا أن تستمر مع هؤلاء: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨] إلى أين؟ إلى جهنم. كلما دخل رجل لعن صاحبه: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً﴾ [الأعراف:٣٨] إذا تجمعوا كلهم في جنهم؛ ماذا يطلبون؟ ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف:٣٨]. يقول في جهنم: يا رب! يا رب! هؤلاء الذين دلوني على تلك المجالس وتلك المستنقعات. يا رب! هؤلاء الذين أعطوني هذه الحبوب، وعرفوني ذلك الطريق. يا رب! ﴿فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨] يا رب! ضاعف لهم العذاب في النار. ماذا يقول الرب؟ ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨]. أتظن يا أخي الحبيب! أن القضية تنتهي عند حبة وتقف؟ لا. القضية أكبر وأدهى وأمر، فالحبة هي الخطوة الأولى للإدمان، وهذه هي بداية الطريق، وإلا فالطريق مظلم وموحش، رأيت صورةً من الصور، عرضها أحد المشايخ الفضلاء لشاب مدمن، مات أثناء إدمانه لأن الإدمان -ولعلك وأنت تسمعني تعرف هذه الحقيقة- يحتاج إليه الإنسان كل يوم أكثر من الذي قبله، يحتاج أن يزيد ويزيد، حتى يصل إلى حد يقتل الإنسان نفسه. وكم نسمع في الأخبار: أن شاباً وجدت جثته في مزبلة، وآخر في محرقة، وثالث رُمي في المسجد، ورابع عند المستشفى، وخامس قبل شهر قتل ورمي في الصحراء، وسادس وسابع وإحصائيات القتلى تزداد يوماً بعد يوم، لا تقل: لا. أنا أضمن نفسي. لا تقل: لا. أنا سوف أتوب قبل الموت، وما يدريك فقد يذهب عقلك ثم تسقط على الأرض وتفارق الدنيا، أحدثك عن الصورة التي رأيت، أتعرف كيف مات هذا الشاب؟ أيها الأخ العزيز! هذا شاب وهو يتعاطى المخدرات، وزاد في جرعة الإدمان والتعاطي فسقط على الأرض وأحس بألم وتعصر حتى انفجر مخه، وبدأ يسيل ما في مخه من أنفه، ورأيته بالصورة، انظر كيف تعذب في الدنيا قبل الآخرة. إن رأيت المنظر لا تتحمله ولعلك ما تطيق طعاماً بعده، أتعرف لِمَ؟ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤]. وآخر رأيت صورته جالس في شقته داخل غرفته، كان يتعاطى، حاله حال المتعاطين المدمنين، ولكنه زاد في الجرعة شيئاً ما، يريد أن يتلذذ، يريد أن يشعر بتلك السعادة، وإذا به يتعاطى جرعة زائدة، فإذا به يموت في غرفته، ما شعر به أحد، ما صلى عليه أحد، ما دفنه أحد، ظل أياماً في غرفته ميتاً، أنتنت الجيفة. أتعرف كيف عرفوا قصته؟ وجدوا رائحة منتنة تخرج من الغرفة، والذباب قد تجمع على الباب، كسروا الباب، فإذا بهذه الجثة التي ظلت أياماً والنمل يأكلها من كل جانب، ورأيت هذا المنظر بعيني أيها الإخوة. منظر ما أقبحه! في هيئة الساجد، على أدوات المخدرات، والنمل يأكله من كل جانب! أعوذ بالله من تلك الميتة، أرأيت إلى خاتمتهم! هل هذا عاش بسعادة كان يرجوها، أين السعادة؟! أين النعيم؟! يا مسكين! يا من تبكي الليالي والأيام! اجلس مع بعض الصالحين، حدث بعض الأخيار، قل للذين يبكون في الصلاة، ويقرءون القرآن، ويسافرون إلى العمرة: هل وجدتم تلك السعادة التي أبحث عنها؟ أتعرف ماذا سيقولون لك؟ يقولون: لو كان أهل الجنة في مثل ما نحن فيه إنهم والله لفي عيش طيب. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] تقول: أنا ضامن نفسي إن شاء الله ألا أموت وأنا أتعاطى المخدر، اسمع الإحصائيات لوزارة الداخلية: أكثر من ألف وتسعين شخصاً ماتوا بسبب المخدرات في الكويت، من الذي يضمن لك أنك لا تكون أحد هذه الأرقام القادمة؟ أخي الكريم: إن كثيراً من المتعاطين يفقد عقله فيفعل ما لا يفعله أي عاقل، بل لو كان يدري عن نفسه لقتل نفسه قبل أن يفعل هذه الفعلة، وكم سمعنا من أخبار متعاطيي المخدرات من أتى على محارمه، واسمع يا رعاك الله! اسمع فتح الله قلبك للإيمان، اسمع إلى قصة هذا المدمن، الذي كان شاباً صغيراً لم يعرف شيئاً عن الإدمان يوماً من الأيام. تُوفي أبوه فرعته أمه، كانت تعطيه بعض المال، ليبحث عن حرفة له ليعمل بها، وكانت أمه المسكينة تبحث له عن السعادة. هذا الشاب تعرف على رفقة سيئة؛ بدأ بالتدخين، ثم بدأ يدمن معهم المخدرات، ووقع في ذلك الوحل وأمه لا تدري، دخلت عليه يوماً من الأيام في الغرفة، فإذا بها تجده في وضع غريب، يشرب دخاناً ليس كالدخان الذي تعرفه -الحشيش- عرفت الخبر، نصحته، ذكرته بالله، خوفته بيوم القيامة والنار والقبر، لكنه ما خاف من عذاب الله جل وعلا. جاءها يوماً من الأيام وطلب منها المال، فقالت له: يا بني! لن أعطيك المال، وأنت على هذه الحالة؟ تب إلى الله ثم أعطيك المال. قال: أعطيني رغماً عنك. وأنتم تعرفون أن المدمن على المخدرات إذا انقطع عن الإدمان لا يشعر بنفسه، ويصبح كالوحش المفترس. جاءها يوماً من الأيام، قال: تعطيني؟ قالت: لن أعطيك، ضربها وأخذ ذهبها، وباعه واشترى به المخدر، بكت أمه عذاباً وحسرة وألماً. أيها المدمن! تذكر هذه الأم المسكينة، التي خلفتها في البيت وهي تبكي عليك، تذكر كم كانت ترعاك، وكم كانت تسهر على من أجلك. كم كانت تفرح وتتمنى أن تكون مثل فلان الطبيب، وفلان المهندس، وفلان الداعية، وفلان المصلي الراكع الساجد، كانت تسمع أخبار جاراتها: هذه ولد لها حفظ القرآن، وآخر ذهب إلى العمرة، وثالث يدعو إلى الله، ورابع صار طبيباً، والآخر صار مهندساً، وهذا يدرس الناس في المدارس. أما أنت تذكر يا أخي الكريم! واعلم أن أمك تبكي عليك دماً وأنت لا تدري. جاء يوماً من الأيام وقد فقد عقله، فدخل على أمه في الغرفة، قال لها: أريد مالاً، قالت له: لن أعطيك؟ أخذ يضربها، قالت له: ماذا تريد؟ أتعرف ماذا كان يريد في تلك الحالة؟ وأُجِلُّ المسجد عن هذه الحكايات، ولكن لا بد من إخبارك بها. هذا الشاب فقد صوابه وأراد أن يهتك عرض أمه! واسمحوا لي رواية القصة أيها الإخوة! فإن المجتمعات مليئة بهذه القصص! حاول أن يعتدي على أمه مزق ثيابها هربت أمه من البيت، إلى أين وهي تبكي لا تدري أين تسير؟ توجهت إلى بيت ابنتها المتزوجة، دخلت بثيابها ممزقة، وهي تحدث نفسها: ماذا أقول لابنتي؟ ماذا أقول لزوجها؟ دخلت وهي تقول لهم: دخل علينا لص البيت وأراد أن يسرق الأموال، فهربت ولجأت إليكما، كذبت عليهما -قلب الأم- وفي الصباح أخبرت ابنتها بالخبر الصحيح. ظلت أياماً في بيت ابنتها وما رجعت إلى البيت، وبعد أيام قالت لابنتها: نرجع إلى البيت، رحمت ابنها وتذكرته، عطفت الأم على الولد، فهي لا تنسى ولدها مهما كان. رجعت إلى البيت هي وابنتها، فإذا بالبيت قد بيع أثاثه وأجهزته كلها، باع الولد كل ما في البيت ليشتري بعض الحبوب. أرأيت نهاية التعاطي والإدمان، واسمع فلم تنته القصة هذه الأم دخلت البيت وجلست تبكي على حال ابنها، وفي لحظة من اللحظات دخل الابن إلى الشقة، فإذا به يجد أمه وأخته، وابنة أخته الصغيرة، دخل على أمه وحاول أن يضربها على ما فعلت فيه، قال: أعطوني المال. قالت الأم: لن نعطيك شيئاً؟ قال: أنا محتاج إلى المال، أريد أن أشتري قالت: والله ما نعطيك، فإذا به يحاول الاعتداء على أخته، ويهدد أمه، إما أن تعطيني شيئاً من المال وإلا اعتديت عليها، بكت أمه صاحت استغاثت استنجدت وأخذ هو يضرب أخته حتى يواقعها مزق ثيابها والأم المسكينة لا تدري ماذا تفعل؟ ابنها أو ابنتها، أو العار، أو الفضيحة، أخذت تتصارع الأم في قلبها ماذا تفعل؟ والبنت الصغيرة تنظر إلى أمها وتبكي، ماذا يفعل خالها؟! ماذا يفعل بأمها؟! ما كان من الأم إلا أن ذهبت إلى المطبخ وأخذت سكيناً وهي تصارع نفسها، والولد قد فقد وعيه، ولا يدري ماذا يفعل؟ فجاءت إلى ابنها وفلذة كبدها، وطعنته عدة طعنات، وأخته تنظر، والبنت الصغيرة تنظر ما الذي جرى، بعد ثوان معدودة الغرفة تسيل بالدماء، الرجل مات، أخته ممزقة الثياب، البنت الصغيرة تبكي، الأم منطرحة على الفراش تبكي مآساة وأي مأساة. أيها المدمن! انتبه، فإنك تضيع نفسك وأهلك، وكثير منهم من باع عرضه، وكثير منهم من أرغم زوجته على وحل الدعارة، لتقبض بعض الأموال ليشتري المخدرات.

стр. 698

طريق الخلاص من الإدمان أيها الأخ الكريم! أيها الأخ العزيز! ما الحل وما النجاة؟ أتعرف ما النجاة؟ إنها في قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. أيها الأخ العزيز! أقبل على الله جل وعلا، لا تقل: لا أستطيع لا أتحمل. ألقيت محاضرة يوماً من الأيام وجاءني شاب بعد المحاضرة، حسن الوجه، مطلق اللحية، مقصر الإزار، فيه سيماء الصلاح، فقال لي: يا شيخ! أريد أن تذهب معي إلى مكان. قلت له: وأي مكان؟ قال: مكان فيه أهل مخدرات. قلت: ولِمَ أنت الذي ترسلني إلى هذا المكان؟ قال لي: يا شيخ! أنا الذي أمامك كنت يوماً من الأيام مدمناً للمخدرات، يقول: كنت يومياً أتعاطى المخدرات ولا أستطيع الخلاص منها. قلت له: والآن؟ قال: الآن الحمد لله، أدعو إلى الله جل وعلا، أقرأ القرآن، أحضر حلق العلم، أحضر مع الصالحين، أجلس معهم، أبر والدي. قلت له: والآن هل أنت سعيد أم كنت أسعد في الماضي؟ قال: يا شيخ! ما أحسست بالسعادة إلا هذه الأيام التي توجهت فيها إلى الله جل وعلا. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]. أتريد الهداية؟ تريد التوبة؟ تريد صفحة جديدة بينك وبين الله؟ ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران:١٣٥] قاطع تلك المجالس، فارق تلك الصحبة، أقبل على الصالحين، اجلس معهم، قل لهم: إني أقبلت على الله جل وعلا، فدلوني خذوا بيدي، قم آخر الليل، صلِّ ركعتين في السحر، فإن الرب ينزل، يقول: (هل من داع فاستجيب له، هل من مستغفر فاغفر له؟) صلِّ ركعتين في السحر، وأقبل على الله، واسجد بين يديه، ثم لتدمع تلك العينان، لعل الله أن يغسل ذنوبك. يا نفس توبي فإن الموت قد حانا واعصي الهوى فالهوى مازال فتانا أما ترين المنايا كيف تلقطنا لقطاً فتلحق أخرانا بأولانا أما تذكر يوم رفعت سماعة الهاتف، فقيل لك: أتعرف فلاناً؟ الذي كان معنا، في الدواوين في الشوارع، في الدراسة، تذكره جيداً اذكره جيداً قبل أيام كنت معه، في حادث سيارة انقلب بها، وفارق الدنيا، إنا لله وإنا إليه راجعون! أما ترين المنايا كيف تلقطنا لقطاً فتلحق أخرانا بأولانا وفي كل يوم لنا ميت نشيعه نرى بمصرعه آثار موتانا أقبل على الله جل وعلا، تعرف على الصالحين، افتح كتاب الله ﵎، لتكن همتك عالية، هذه الهمة -همة الحبوب والتعاطي والإدمان- همة أنت تعرفها، همة خسيسة، ما أخسها وما أقذرها وما أنجسها! لتكن همتك أن تضحي بهذا الجسد -الذي طالما تعاطى ذلك المخدر- لله جل وعلا. همتك يا أخي العزيز! ألا تموت إلا شهيداً في سبيل الله. اسمع إلى هذا الشاب الذي ابتلي في دينه، وانظر إلى همته، يسمى عبد الله بن حذافة، كان أميراً لسرية، وأنا أقص عليك هذه القصة لترفع همتك أيها الشاب، ولتترك هذا الماضي المظلم، ولتقبل على الله جل علا بهمة تناطح الجبال. هذا الشاب كان يقود سرية من سرايا المسلمين، قبض عليهم النصارى، وكان فيهم عبد الله قائدهم. فجاء ملك الروم إلى عبد الله بن حذافة، قال له: أتريد أن ترجع إلى أهلك؟ قال: نعم، قال: أشاطرك نصف ملكي، من أموال، ونساء، وقصور؛ بشرط واحد. قال: ما هو؟ قال: أن تتنصر، تغير دينك من الإسلام إلى النصرانية. فضحك عبد الله بن حذافة، وقال: والله لو أعطيتني الدنيا بما فيها على أن أترك هذا الدين طرفة عين ما تركته. قال الملك: أدخلوه الحبس -السجن- فإذا بهم يدخلون عليه امرأة من أجمل النساء، وأغروها بالمال، فتعرت وتجملت أمامه، وحاولت أن تفتنه، فإذا بها تخرج بعد زمن، تقول للملك: لا أدري أأدخلتموني على بشر أم حجر، لا يدري أنا أثنى أم ذكر؟ فغضب الملك. انظر إلى الهمة، انظر إلى الصبر على الدين، انظر إلى لذة الطاعة! جيء بالقدور فأحميت ووضع فيها الزيت، قدر كبير وتحته النار تشتعل، والزيت يغلي، فجيء بـ عبد الله بن حذافة، وجيء بصاحب له من أصحابه، فإذا به ينزل حياً في قدر الزيت الذي يغلي، فاحترق حتى طفحت عظامه، وشوي جلده. قال الملك: الآن دورك، بكى عبد الله. قال له الملك: خفت الآن من الموت؟ قال: لا. والله ما خفت، ولكن صاحبي هذا كان ينافسني دوماً في طاعة الله، أما الآن فقد سبقني إلى الجنة، يا ليتني كنت مكانه، والله الذي لا إله غيره لو كان عندي أرواح بعدد شعرات جسمي، لتمنيت أن تخرج كلها في سبيل الله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣]. أرأيت الهمة العالية؟! يتقلب على الفراش يحلم أن هذه الرقبة تطير في سبيل الله، ربما تقول لي: ياشيخ! هذا في الأزمان الماضية، وهذا في الزمن القديم، أما اليوم فمستحيل، فأقول لك: أحدثك بقصة في هذا الزمن. شاب مولع بالأغاني والطرب والنساء والمخدرات والخمور، كل معصية في الدنيا ارتكبها، لا تخطر على بالك معصية إلا وقد فعلها. يقول الشاب عن نفسه: ضاقت عليّ الأرض بما رحبت، مللت الحياة، مللت الدنيا، وتتعجب عندما تسمع: أن أعلى نسب الانتحار هي في الدول المتحضرة، لِمَ؟ يشنق نفسه، يقطع شرايينه بالموس؛ لينزف الدم ثم يموت، يرمي نفسه من أعلى عمارة، يضع مسدساً على رأسه، فيطلق طلقة يموت منها، ما السبب؟ يقول: الشاب، ضاقت عليّ الأرض بما رحبت: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] يقول: خرجت من البيت سافرت لا أدري إلى أين؟ يقول: خطرت على بالي فكرة أن أذهب إلى أخي في بلد آخر. يقول: طرقت الباب على أخي، وكان أخوه صالحاً. قال أخوه: ما الذي جاء بك؟ قال: يا أخي! مللت الدنيا، مللت الحياة، جئتك أمتع نفسي. قال أخوه: تفضل عندي يقول: أخوه نام تلك الليلة، وفي الفجر جاء رجل يوقظه للصلاة، كل يوم كان يوقظ أهل البيت، يا أهل البيت صلاة الفجر، صلاة الفجر، قام الرجل فزعاً فأيقظ الشاب. قال: ماذا تريد؟ قال: صلاة الفجر! قال: دعني. قال: لِمَ؟ قال: دعني فأنا لا أصلي أصلاً! قال: أعوذ بالله. قال: اتركني أنا لا أصلي؟! قال: لِمَ لا تصلي ألست بمسلم؟ قال: اتركني أنام أنا لا أصلي. قال: جرِّبِ الصلاة مرة! يقول: فذهب الرجل وجلس يفكر على الفراش، ويتردد في أذنه جرب الصلاة مرة! يقول: قام الشاب، واغتسل من الجنابة، ثم ذهب إلى المسجد، فإذا به يصلي، ثم يرجع إلى البيت يقول لأخيه: يا أخي! وجدتها. قال: ماذا وجدت؟ قال: وجدت السعادة. قال: أين؟ قال: وجدتها في الصلاة، وجدتها في السجود، وجدتها في الركوع!! ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢] قال الشاب بعد أيام جلس فيها عند أخيه: سوف أرجع إلى أمي. قال له: ارجع. يقول: ذهب إلى أمه وطرق الباب، قالت أمه: ما الذي جاء بك مسرعاً هذه المرة؟ قال: يا أماه! وجدت السعادة في الصلاة وفي القرآن وفي العبادة، فرحت أمه، ظل أياماً مع أمه، ثم قال: يا أماه! أريد السفر. قالت: إلى أين يا بني؟ قال لها: يا أماه! أريد أن أذهب إلى الجهاد في سبيل الله. قالت أمه: لِمَ؟ قال: يا أماه! جسدي طالما عصى الله جل وعلا، وأريد أن أضحي بهذا الجسد لله ، قالت أمه: ما منعتك وأنت تسافر للمعصية، أفأمنعك وأنت تسافر للطاعة اذهب يا بني! ذهب إلى الجهاد، وتدرب ثم دخل في المعركة، وفي ذلك اليوم، كان يحمل السلاح وبجنبه صاحب له، حميت المعركة واشتدت، فأصيب صاحبه بشظية، حمل صاحبه ليسعفه، أسرع به، لكن صاحبه استشهد في ذلك الموقع. حفر القبر لصاحبه، أنزل صاحبه في القبر، ما غسله، ما كفنه، وهكذا الشهيد، يبعث عند الله وجرحه يثعب دماً في المحشر، اللون لون الدم، والريح ريح مسك، دمه يشهد له في المحشر، أنزل صاحبه في القبر ما دفنه، قال: اللهم إني أسألك أن لا تغرب شمس هذا اليوم إلا وقد قبلتني شهيداً في سبيلك. لما أنزل صاحبه اشتدت المعركة مرة ثانية، أسرع إلى سلاحه، تقدم في المعركة خاضها أقبل بصدره في القتال وبعد لحظات فإذا به يفارق الحياة الدنيا، ويدفن في القبر الذي حفره مع صاحبه: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].

стр. 699

رسالة إلى مدمن إنني سائلك أن تفكر في هذه الكلمات، وأن تكثر التفكر فيها، لا تنم هذه الليلة إلا وأنت تفكر في كل كلمة قلتها، إن نهايتها عذاب في الدنيا، وخاتمة سوء، ثم عذاب قبر، ثم وقوف بين يدي الجبار، ثم الزقوم والحميم، تذكر إن تبت إلى الله جل وعلا، فسعادة في الدنيا، ثم قصور في الجنة، نهر من لبن، ونهر من عسل، ونهر من خمر تقول: ما أتحمل أقول لك: اصبر في الله جل وعلا حتى تسمع تلك الكلمات، عند أبواب الجنان، تقول لك الملائكة: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤] الصبر. اصبر يا أخي الكريم! فارق تلك الصحبة، أقبل على الله جل وعلا، اشغل فراغك بقراءة القرآن، بالدعوة إلى الله، بالعلم النافع، بصلة الأرحام، ببر الوالدين، اشغل وقتك بما ينفعك عند الله جل وعلا، واعلم أنك إذا تبت فإن النهاية: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ [الإنسان:١٢ - ١٣]. وقبل أن أختم حديثي: لي وإياك لقاء، لقاء ليس على هذه الأرض، قد تكون على هذه الأرض ولكن أنا على يقين، بأننا سوف نلتقي يوم القيامة، إما أن نتخاصم عند الله جل وعلا، وإما أن نكون تحت ظل عرش الرحمن ﵎، فاختر لنفسك أي الطريقين: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣]. سوف نلتقي يوم القيامة فإن تخاصمنا فعلّك تقول: يا رب ما جاءني من نذير فأقبل على الله جل وعلا، فأقول: بلى يا رب! سمع حديثي من ذلك الجهاز، وبهذا الشريط، سمع إلى كلامي، وتلوت عليه آياتك يا رب،! وأحاديث رسولك، وحذرته من ذلك المصير لكنه أبى، أو تأتيني يوم القيامة تحت ظل عرش الرحمن. فتقول لي: يا شيخ! أتذكر تلك المحاضرة؟ أقول لك: وأي محاضرة؟ تقول لي: يا شيخ! أتذكر محاضرة: رسالة إلى مدمن؟ أقول لك: لعلي أذكرها. تقول لي: يا شيخ! والله ما إن سمعتها إلا وبدأت صفحة جديدة بيني وبين الله. أقول لك: صحيح؟! تقول لي: نعم. يا شيخ! كانت البداية صعبة، ولكن الله أعانني: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] يا شيخ أقبلت على الله، فإذا بالرب جل وعلا يقبل عليّ؛ أصبحت أقرأ القرآن، وحفظته في عدة شهور، صرت داعياً إلى الله ﵎، تعرفت على الصالحين، غيرت هذه الحياة كلها، شعرت بالسعادة التي كنت أبحث عنها، ثم ختم الله لي خاتمة حسنة، وهأنذا اليوم يغفر الله لي ما مضى، لعلنا نتعانق تحت ظل عرشه جل وعلا. أسأل الله ﵎ أن يجمعني وإياك تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، إنه ولي ذلك والقادر عليه. هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 700

الأسئلة

стр. 701

وسيلة النجاة من المخدرات السؤال أنا شاب محتار وقعت في المخدرات بسبب أصحاب سيئين، ولا أعرف كيف أنجو من هذه المخدرات التي دمرت حياتي كلها، وأخشى من الفضيحة أمام والدي وأمام الناس، فما الحل؟ الجواب الحل ذكرته لك في طيات الكلام، ما السبب؟ الصحبة، لا حل إلا بهجرها وبتركها تقول: ليس لي بديل، أقول لك: أخطأت، فالصالحون بفضل الله في كل مكان، تجدهم في المساجد، تجدهم في المدارس، تجدهم في الكليات، تجدهم في لجان خيرية إسلامية، تجدهم بفضل الله في كل طريق، الصالحون موجودون، ولكن أين من يقبل عليهم؟ تقول: يا شيخ! تعودت على هؤلاء، أقول لك: كما تعودت على هؤلاء فتعود على غيرهم، وإلا فالنهاية مؤلمة: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف:٦٧] كل شلة، كل ديوانية، كل مجموعة، كل رفقة، كل صحبة يوم القيامة أعداء، كل الناس عموماً وما استثنى إلا صنفاً واحداً: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] الذين يتقون الله: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨] اهجرهم لله ، رجل قتل مائة نفس، ماذا قال له العالم؟ قال: له إنك بأرض سوء فاتركها، واذهب إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها قوماً يعبدون الله، فاعبد الله معهم. إنك في ديوانية سوء، فاتركها إلى ديوانية كذا وكذا، فإن فيها قوماً يعبدون الله، إنك مع صحبة سوء، فاتركها واذهب إلى صحبة فلان وفلان، فإنهم يعبدون الله، إذاً ليس هناك حل إلا أن تهجر هذه الصحبة لله جل وعلا (ومن يتصبر يصبره الله جل وعلا).

стр. 702

نصيحة لجار يتعاطي المخدرات السؤال لي جار أعرفه أنه يتعاطى المخدرات، فما الحل معه؟ الجواب إذا كنت تستطيع أن تنصحه وتحذره، فالكلمة الطيبة صدقة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:٣٣] أنقذه يا أخي الكريم! فإنه مسكين يعيش في عذاب، ما يأكل هذه الحبوب إلا لأنه يتعذب يتحسر يتقطع، أنقذه وانتشله من هذا الوحل، ما تعرف أن تحسن الحديث، أعطه بعض الأشرطة الإسلامية، بعض الكتيبات، دله على الصالحين، أخبر بعض الدعاة إلى الله ليأتوا إليه وينصحوه في الله جل وعلا، لتبرأ ذمتك أمام الله ﵎، وإلا فأنت مسئول عنه وعن أمثاله.

стр. 703

أنين الفجر لقد جاءت الآيات والأحاديث الدالة على أهمية صلاة الفجر، وبيان حقيقة من يتخلف عنها، وقد كان السلف رضوان الله عليهم من أبعد الناس عن التخلف عن صلاة الفجر في جماعة، ولكن خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، فأصبحت المساجد تشتكي إلى الله من بعد المسلمين عنها، وتخلفهم عن الصلاة فيها، وبالأخص صلاة الفجر، وإن من أعظم الأسباب التي تجعل الإنسان ينام عن صلاة الفجر الذنوب والمعاصي التي فشت فينا، والسهر إلى وقت متأخر من الليل.

стр. 704

أهمية صلاة الفجر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. ثم أما بعد: من الممكن أن نتكلم عن قيام الليل، وعن السحر، ونتكلم عن ناشئة الليل لأنها: ﴿أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل:٦] أما أن نتكلم عن صلاة الفجر فهذا خلل، وضعف، وقصور، لأنه ما كان يعرف في سلف الأمة وفي القرون الأوائل أناس لا يصلون الفجر، وما كان يعرف هذا إلا في صفوف المنافقين، أما في صفوف المؤمنين، فلم يكن يوجد هذا قد يتخلف إنسان مرة لعذر أو مرض أو نوم ومع هذا كان يلام ويعنف على هذا الأمر، أما أن يعرف إنسان لا يصلي الفجر فهذا غير موجود في صفوف المؤمنين. ولهذا لما جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال له: (يا رسول الله! فلان نام حتى الصبح -أي: صلى الفجر لكنه ما صلى الليل- فقال ﵊: ذاك رجلٌ بال الشيطان في أذنه) هذا ما قام الليل، فكيف بالذين لا يصلون الفجر؟! إنه أمر شديد، ويستحي الإنسان منه، لكن واقعنا المؤلم لا بد أن نتكلم عنه. أخي الكريم: أنت عندما تنام عن صلاة الفجر هل تعرف ما الذي حصل؟ تصعد الملائكة وترسل الكشوف -كشوف الأسماء- كلها، وفلان غير موجود فلان ما صلى الفجر يا رب! أين فلان؟ وهو أعلم به، قالوا: تركناه وهو نائم، أو تركناه وهو يلهو، أو تركناه وهو غافل: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:٧٨]. لدلوك الشمس أي: صلاة الظهر، وغسق الليل، أي: صلاة العشاء، فدخلت في هذا أربع صلوات، الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وبقي صلاة وهي ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨] أي: تشهدها الملائكة، ولمَ قيل لها قرآن الفجر، وما قيل لها صلاة الفجر؟ لأن صلاة الفجر معلومٌ عنها أنها طويلة، فإذا أطال الإمام في صلاة الفجر ما الذي يحصل؟ وإذا قرأ السجدة والإنسان في يوم الجمعة ما الذي يحصل؟ هذا يتشكى، وهذا يتأفف، وهذا يتململ، وهذا يبحث له عن مسجدٍ آخر، لمَ؟ لأن المصلي الآن إن صلى فحاله -إلا من ﵀ ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٤٢] أي: قد يقومون بعض الأحيان، لكن كيف يا رب؟ ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢]. كان في عهد محمد ﵊ عبد الله بن أبي ابن سلول يصلي الفجر، وهو رأس المنافقين، لكن كيف يصلي؟ يصلي وهو كسلان متثاقل، لهذا فإن أثقل صلاة على المنافقين صلاة الفجر والعشاء يصلونها لكن بثقل وبكسل، وانظر إلى من يصلي صلاة الفجر، بعضهم يصلي وهو نائم، أو يصلي ولم يعلم ماذا قرأ الإمام؟! ما السبب أيها الإخوة؟ انظر إلى المسلمين بعد ساعة أو ساعتين في الساعة السابعة صباحاً، تزدحم الشوارع، وتضطرب الطرق، ويصدر إزعاج، ما الذي حدث؟ خرج الناس من البيوت إلى أين؟ إلى مكان عملهم، سبحان الله! ألم يكن في هذه البيوت أحياء قبل ساعة أو ساعتين؟ أليس في هذه البيوت مسلمون قبل ساعة أو ساعتين يأتون لصلاة الفجر؟ لا تدري كيف تجيب على هذا السؤال! للدنيا خرج الألوف المؤلفة، أما لصلاة الفجر فما خرج إلى المسجد إلا نصف صف، ما الذي جرى؟ يأتيني أحد المؤذنين يشتكي ويسألني سؤالاً وفيه بعض الحسرات والعبرات، فيقول: المسجد ليس فيه إمام، أنا أؤذن في المسجد، قلت له: خيراً إن شاء الله، قال: بعض الأحيان أؤذن ولا يأتي أحد، قلت له: عجيب! هذا موجود؟ قال: والله إني أنتظر حتى أخشى أن تشرق الشمس ولا يأتي أحد إلى المسجد، ثم قال: هل يجوز أن أغلق المسجد وأذهب إلى مسجدٍ آخر لأدرك صلاة الجماعة. ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨].

стр. 705

حال السلف مع صلاة الفجر صرنا الآن نترجى فلاناً، يا أخي! صلِّ الفجر مرة في الأسبوع، وكان أحد السلف واسمه طاوس يطرق الباب على صاحبٍ له، فخرج هذا الرجل متعجباً فقال له: أتزورني في هذه الساعة؟! قال: ولمَ؟ ما ظننت أن أحداً من المسلمين ينام في هذه الساعة آخر الليل: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل:٦] كان السابقون يجاهدون أنفسهم في قيام الليل، ليس في الفجر؛ فالفجر انتهينا منه، وهو صفحة قد طويت، وهذا كلام قد نسي الآن، وانتهى الأمر. نتكلم الآن عن قيام الليل، تقول إحدى البنيات: صعدت على سطحٍ لي أنا وأختي، -بنيات صغار- في آخر الليل وما كنا نصعد إلا آخر الليل حياءً انظر للحياء! بنيات صغيرات لا يصعدن إلى سطح المنزل للعب واللهو إلا آخر الليل، حيث لا يراهن أحد. وفي ليلة من الليالي صعدن فنزلن إلى البيت فقلنَ: يا أماه! قالت الأم: ما شأنكن؟ قالتا: يا أماه! ما حدث لذلك العمود الذي كان في سطح جيراننا؟ -كان هناك عمود خشبي الآن لا نراه- فضحكت الأم، وقالت: ليس ذاك بعمود، قلن: وما هو؟ قالت: ذلك منصور بن المعتمر كان يقوم الليل فمات، ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] لا يوجد نوم في الليل؛ لأنه كلما أراد النوم تذكر جهنم وقام، وكلما نعست عينه تذكر الجنة فطار فرحاً، حتى إنه يبكي على وسادته ولا تشعر به زوجته وهي تنام على نفس الوسادة، حتى تقول فاطمة: ما أظن أن أحداً من الناس أخوف من عمر بن عبد العزيز، تقول: قام من ليله فزعاً، فصلى وبكى حتى سقط على الأرض، تقول: حتى ظننته قد مات من شدة البكاء، (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨]. ولهذا تتعجب أن من السنة -واسمع إلى هذه السنة العجيبة الغريبة عندنا والمهجورة- أنك تنام بعد أذان الفجر إلى الإقامة، لتأخذ قسطاً من النوم، والعلماء قد اختلفوا فيها، تعرف لمَ؟ لأن بعضهم يقول: هذه لمن يقوم الليل، وذلك حتى يرتاح شيئاً قليلاً لصلاة الفجر، ولهذا من السنة إذا أُذن الأذان الأول أنك تقف عن الصلاة، وتستغفر، وترتاح شيئاً قليلاً، أو إذا كنت تريد الصوم فتتسحر، هذا لمن يا عبد الله؟ لمن يقوم آخر الليل ليستعد لصلاة الفجر. كان بعض السلف يقوم الليل؛ فإذا أذن الفجر كحل عينيه؛ لأنه كان يبكي ولا يريد أن يراه أحد فيعلم أنه كان يبكي، أو إذا أذن الفجر رفع صوته كأنه قام من النوم حتى لا يدري عنه أحدٌ أنه قام الليل، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩].
следующие страницы →