Полный текст (1 195 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وسيلة النجاة من المخدرات
السؤال
أنا شاب محتار وقعت في المخدرات بسبب أصحاب سيئين، ولا أعرف كيف أنجو من هذه المخدرات التي دمرت حياتي كلها، وأخشى من الفضيحة أمام والدي وأمام الناس، فما الحل؟
الجواب
الحل ذكرته لك في طيات الكلام، ما السبب؟
الصحبة، لا حل إلا بهجرها وبتركها تقول: ليس لي بديل، أقول لك: أخطأت، فالصالحون بفضل الله في كل مكان، تجدهم في المساجد، تجدهم في المدارس، تجدهم في الكليات، تجدهم في لجان خيرية إسلامية، تجدهم بفضل الله في كل طريق، الصالحون موجودون، ولكن أين من يقبل عليهم؟
تقول: يا شيخ! تعودت على هؤلاء، أقول لك: كما تعودت على هؤلاء فتعود على غيرهم، وإلا فالنهاية مؤلمة: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف:٦٧] كل شلة، كل ديوانية، كل مجموعة، كل رفقة، كل صحبة يوم القيامة أعداء، كل الناس عموماً وما استثنى إلا صنفاً واحداً: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] الذين يتقون الله: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨] اهجرهم لله ، رجل قتل مائة نفس، ماذا قال له العالم؟
قال: له إنك بأرض سوء فاتركها، واذهب إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها قوماً يعبدون الله، فاعبد الله معهم.
إنك في ديوانية سوء، فاتركها إلى ديوانية كذا وكذا، فإن فيها قوماً يعبدون الله، إنك مع صحبة سوء، فاتركها واذهب إلى صحبة فلان وفلان، فإنهم يعبدون الله، إذاً ليس هناك حل إلا أن تهجر هذه الصحبة لله جل وعلا (ومن يتصبر يصبره الله جل وعلا).
стр. 702
نصيحة لجار يتعاطي المخدرات
السؤال
لي جار أعرفه أنه يتعاطى المخدرات، فما الحل معه؟
الجواب
إذا كنت تستطيع أن تنصحه وتحذره، فالكلمة الطيبة صدقة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:٣٣] أنقذه يا أخي الكريم! فإنه مسكين يعيش في عذاب، ما يأكل هذه الحبوب إلا لأنه يتعذب يتحسر يتقطع، أنقذه وانتشله من هذا الوحل، ما تعرف أن تحسن الحديث، أعطه بعض الأشرطة الإسلامية، بعض الكتيبات، دله على الصالحين، أخبر بعض الدعاة إلى الله ليأتوا إليه وينصحوه في الله جل وعلا، لتبرأ ذمتك أمام الله ﵎، وإلا فأنت مسئول عنه وعن أمثاله.
стр. 703
أنين الفجر
لقد جاءت الآيات والأحاديث الدالة على أهمية صلاة الفجر، وبيان حقيقة من يتخلف عنها، وقد كان السلف رضوان الله عليهم من أبعد الناس عن التخلف عن صلاة الفجر في جماعة، ولكن خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، فأصبحت المساجد تشتكي إلى الله من بعد المسلمين عنها، وتخلفهم عن الصلاة فيها، وبالأخص صلاة الفجر، وإن من أعظم الأسباب التي تجعل الإنسان ينام عن صلاة الفجر الذنوب والمعاصي التي فشت فينا، والسهر إلى وقت متأخر من الليل.
стр. 704
أهمية صلاة الفجر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
ثم أما بعد:
من الممكن أن نتكلم عن قيام الليل، وعن السحر، ونتكلم عن ناشئة الليل لأنها: ﴿أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل:٦] أما أن نتكلم عن صلاة الفجر فهذا خلل، وضعف، وقصور، لأنه ما كان يعرف في سلف الأمة وفي القرون الأوائل أناس لا يصلون الفجر، وما كان يعرف هذا إلا في صفوف المنافقين، أما في صفوف المؤمنين، فلم يكن يوجد هذا قد يتخلف إنسان مرة لعذر أو مرض أو نوم ومع هذا كان يلام ويعنف على هذا الأمر، أما أن يعرف إنسان لا يصلي الفجر فهذا غير موجود في صفوف المؤمنين.
ولهذا لما جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال له: (يا رسول الله! فلان نام حتى الصبح -أي: صلى الفجر لكنه ما صلى الليل- فقال ﵊: ذاك رجلٌ بال الشيطان في أذنه) هذا ما قام الليل، فكيف بالذين لا يصلون الفجر؟! إنه أمر شديد، ويستحي الإنسان منه، لكن واقعنا المؤلم لا بد أن نتكلم عنه.
أخي الكريم: أنت عندما تنام عن صلاة الفجر هل تعرف ما الذي حصل؟ تصعد الملائكة وترسل الكشوف -كشوف الأسماء- كلها، وفلان غير موجود فلان ما صلى الفجر يا رب!
أين فلان؟ وهو أعلم به، قالوا: تركناه وهو نائم، أو تركناه وهو يلهو، أو تركناه وهو غافل: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:٧٨].
لدلوك الشمس أي: صلاة الظهر، وغسق الليل، أي: صلاة العشاء، فدخلت في هذا أربع صلوات، الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وبقي صلاة وهي ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨] أي: تشهدها الملائكة، ولمَ قيل لها قرآن الفجر، وما قيل لها صلاة الفجر؟ لأن صلاة الفجر معلومٌ عنها أنها طويلة، فإذا أطال الإمام في صلاة الفجر ما الذي يحصل؟ وإذا قرأ السجدة والإنسان في يوم الجمعة ما الذي يحصل؟ هذا يتشكى، وهذا يتأفف، وهذا يتململ، وهذا يبحث له عن مسجدٍ آخر، لمَ؟ لأن المصلي الآن إن صلى فحاله -إلا من ﵀ ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٤٢] أي: قد يقومون بعض الأحيان، لكن كيف يا رب؟ ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢].
كان في عهد محمد ﵊ عبد الله بن أبي ابن سلول يصلي الفجر، وهو رأس المنافقين، لكن كيف يصلي؟ يصلي وهو كسلان متثاقل، لهذا فإن أثقل صلاة على المنافقين صلاة الفجر والعشاء يصلونها لكن بثقل وبكسل، وانظر إلى من يصلي صلاة الفجر، بعضهم يصلي وهو نائم، أو يصلي ولم يعلم ماذا قرأ الإمام؟! ما السبب أيها الإخوة؟
انظر إلى المسلمين بعد ساعة أو ساعتين في الساعة السابعة صباحاً، تزدحم الشوارع، وتضطرب الطرق، ويصدر إزعاج، ما الذي حدث؟ خرج الناس من البيوت إلى أين؟ إلى مكان عملهم، سبحان الله! ألم يكن في هذه البيوت أحياء قبل ساعة أو ساعتين؟ أليس في هذه البيوت مسلمون قبل ساعة أو ساعتين يأتون لصلاة الفجر؟ لا تدري كيف تجيب على هذا السؤال! للدنيا خرج الألوف المؤلفة، أما لصلاة الفجر فما خرج إلى المسجد إلا نصف صف، ما الذي جرى؟
يأتيني أحد المؤذنين يشتكي ويسألني سؤالاً وفيه بعض الحسرات والعبرات، فيقول: المسجد ليس فيه إمام، أنا أؤذن في المسجد، قلت له: خيراً إن شاء الله، قال: بعض الأحيان أؤذن ولا يأتي أحد، قلت له: عجيب! هذا موجود؟ قال: والله إني أنتظر حتى أخشى أن تشرق الشمس ولا يأتي أحد إلى المسجد، ثم قال: هل يجوز أن أغلق المسجد وأذهب إلى مسجدٍ آخر لأدرك صلاة الجماعة.
﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨].
стр. 705
حال السلف مع صلاة الفجر
صرنا الآن نترجى فلاناً، يا أخي! صلِّ الفجر مرة في الأسبوع، وكان أحد السلف واسمه طاوس يطرق الباب على صاحبٍ له، فخرج هذا الرجل متعجباً فقال له: أتزورني في هذه الساعة؟! قال: ولمَ؟ ما ظننت أن أحداً من المسلمين ينام في هذه الساعة آخر الليل: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل:٦]
كان السابقون يجاهدون أنفسهم في قيام الليل، ليس في الفجر؛ فالفجر انتهينا منه، وهو صفحة قد طويت، وهذا كلام قد نسي الآن، وانتهى الأمر.
نتكلم الآن عن قيام الليل، تقول إحدى البنيات: صعدت على سطحٍ لي أنا وأختي، -بنيات صغار- في آخر الليل وما كنا نصعد إلا آخر الليل حياءً انظر للحياء! بنيات صغيرات لا يصعدن إلى سطح المنزل للعب واللهو إلا آخر الليل، حيث لا يراهن أحد.
وفي ليلة من الليالي صعدن فنزلن إلى البيت فقلنَ: يا أماه! قالت الأم: ما شأنكن؟ قالتا: يا أماه! ما حدث لذلك العمود الذي كان في سطح جيراننا؟ -كان هناك عمود خشبي الآن لا نراه- فضحكت الأم، وقالت: ليس ذاك بعمود، قلن: وما هو؟ قالت: ذلك منصور بن المعتمر كان يقوم الليل فمات، ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] لا يوجد نوم في الليل؛ لأنه كلما أراد النوم تذكر جهنم وقام، وكلما نعست عينه تذكر الجنة فطار فرحاً، حتى إنه يبكي على وسادته ولا تشعر به زوجته وهي تنام على نفس الوسادة، حتى تقول فاطمة: ما أظن أن أحداً من الناس أخوف من عمر بن عبد العزيز، تقول: قام من ليله فزعاً، فصلى وبكى حتى سقط على الأرض، تقول: حتى ظننته قد مات من شدة البكاء، (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨].
ولهذا تتعجب أن من السنة -واسمع إلى هذه السنة العجيبة الغريبة عندنا والمهجورة- أنك تنام بعد أذان الفجر إلى الإقامة، لتأخذ قسطاً من النوم، والعلماء قد اختلفوا فيها، تعرف لمَ؟ لأن بعضهم يقول: هذه لمن يقوم الليل، وذلك حتى يرتاح شيئاً قليلاً لصلاة الفجر، ولهذا من السنة إذا أُذن الأذان الأول أنك تقف عن الصلاة، وتستغفر، وترتاح شيئاً قليلاً، أو إذا كنت تريد الصوم فتتسحر، هذا لمن يا عبد الله؟ لمن يقوم آخر الليل ليستعد لصلاة الفجر.
كان بعض السلف يقوم الليل؛ فإذا أذن الفجر كحل عينيه؛ لأنه كان يبكي ولا يريد أن يراه أحد فيعلم أنه كان يبكي، أو إذا أذن الفجر رفع صوته كأنه قام من النوم حتى لا يدري عنه أحدٌ أنه قام الليل، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩].
стр. 706
حرص الناس على الدنيا أكبر من حرصهم على الآخرة
لعلي أسألك: لم لا تصلي الفجر؟ تقول: إني نائم سبحان الله! ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، وما رأيت مثل النار نام هاربها، تقول بنت لأبيها: يا أبت! لا أراك تنام مثل الناس.
نوم قليل سل أهل الملايين لا ينامون إلا بحبوب، وبعضهم لا ينام في الليل إلا ساعة وساعتين ثم يقوم من صباحه مبكراً إلى العمل، لمَ؟ يجمع الملايين، واطلب من بعض الناس أن يقوم لصلاة الفجر وتعطيه عشرة دنانير، أو مائة دينار، قل له: كل مائة يوم تصليها لك عليها ترقية، أو علاوة، ألا يصلون؟
نعم.
لأنها الدنيا التي ملأت القلوب ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء:٧٧].
الطلبة -وهذا شيء طيب أن يقوم الإنسان إلى عمله- ألا ترون ألوفاً مؤلفة منهم تقف في طابور الصباح لا يتخلف أحدهم خمس دقائق؟ انظر قبل الموعد بدقائق ترى الأفواج كلها تأتي حتى لا يتأخرون دقيقة عن طابور الصباح، وهذا لعله شيءٌ طيب لكنه دنيا، أين هم في صلاة الفجر؟
﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء:٧٧].
أتعرف -أخي الكريم- أنك لو صليت الفجر، وخرجت في ظلام الليل لا ترى إلا شخصك يمشي، ولا تسمع إلا قرع نعليك، ولا تنظر يمنة ويسرة إلا ظلك، وأتيت إلى بيت الله لتصلي صلاة الفجر، وقد غلبك النعاس، وقد هجرت الفراش، وقد طويت ذلك الفراش لتأتي لله جل وعلا، لتركع ركعتين، ثم ترجع إلى الفراش أتعرف ما أجرك؟ يقول ﵊: (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله) بل أخبر أنه في ذمة الله.
وانظر إلى هذا الطالب -الذي أخبرني ثقة عنه- في يوم من الأيام وقد حضر مجلساً للذكر -مثل هذا المجلس- فسمع حديثاً للنبي ﷺ يقول فيه: (من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله) فاذهب وافعل ما تفعل فأنت في ذمة الله، فسمع هذا الصبي الصغير هذا فقال لأبيه وقد جاء به إلى هذا المجلس: يا أبي! ما يعني في ذمة الله؟ قال: أي: في حفظ الله، وفي رعاية الله، قال: فقط أصلي الفجر؟ قال: نعم.
فقال الصبي لأبيه: إذاً يا أبي أيقظني معك في صلاة الفجر، قال: خيراً إن شاء الله، قال: يا أبي! إن لم توقظني لا أذهب إلى المدرسة، قال: خيراً إن شاء الله.
وظن الأب أن الابن فيه حماس الصبيان ونشاط الطفولة فلم يوقظه لصلاة الفجر، وأيقظه للدوام، فقال الابن: لم لمْ توقظني لصلاة الفجر؟ قال: أنت صبي صغير لكن عندما تكبر إن شاء الله أوقظك.
قال: والله لا أذهب إلى المدرسة، قال: يا بني! الدراسة، قال: والله لا أذهب، أجبره فامتنع عن الذهاب للدراسة.
تعجب الأب من حماس الصبي، فجاء في اليوم الثاني -ليس خوفاً على صلاته بل خوفاً على دراسته- قال: يا بني! قم لصلاة الفجر فقام لصلاة الفجر، وذهب مع أبيه فصلى في جماعة، فقال لأبيه: أنا اليوم في ذمة الله؟ قال: إن شاء الله أنت في ذمة الله، فذهب إلى المدرسة ودخل الفصل فقال المدرس: من أتى بالواجب؟ وكان الطالب غائباً في اليوم الذي كان فيه الواجب، فقام الطالب وكان معه بعض الطلبة الذين لم يأتوا بالواجب، فأخذ المدرس يضربهم واحداً واحداً حتى جاء دور هذا، فقال الطالب للمدرس: لن تستطيع أن تضربني -قال: أنا أتحداك أن تضربني- قال: ما الذي جرأك عليّ؟ وأخذ يعنف عليه تتجرأ على مدرس وتتحداني أني أضربك؟ حالك حال الصبيان.
قال: أما أنا لن تستطيع، قال: لمَ؟ قال: لأن النبي ﷺ قال: (من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله) وأنا اليوم صليت الصبح في جماعة فأنا في ذمة الله، تريد أن تضربني أنا في ذمة الله وحفظه ورعايته، فضحك المدرس، وقال له: صدقت، أنت في ذمة الله ولن أضربك هذا اليوم.
﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨].
صح في الحديث أن من قام على ذكر الله وعلى صلاة قام طيب النفس نشيطاً، بعض الناس في العمل أو بعض الطلبة في المدارس تجده نشيطاً، وتجده طيب النفس حلو الكلام؛ لأنه صلى الفجر في جماعة، أول ما قام على ذكر الله، وأول ما استيقظ لله، قام للصلاة في المسجد، وتجده بعد الصلاة جلس يقرأ القرآن حتى طلعت الشمس لأنه نشيط، ثم ذهب فأفطر شيئاً قليلاً ثم ذهب إلى عمله.
стр. 707
ظاهرة تأخير الصلاة عن وقتها
سألني بعض الناس، قال: هل يجوز إذا أذن الظهر وأنا لم أصلِّ الفجر أن أصلي الفجر ثم أصلي الظهر؟
قلت: سبحان الله! سبحان ربي! إلى الظهر لم تصلِّ الفجر، وأين أنت؟ قال: أول ما استيقظت كنت متأخراً على الدراسة فذهبت إلى المدرسة، قلت: سبحان الله! تقدم المدرسة على صلاة الفجر؟! لو مت في هذه اللحظات؟! لو قبض الله روحك؟! يقول ﵊: (ولا تترك صلاة واحدة مكتوبة متعمداً) المتعمد: الذي يضع ساعته على الساعة السابعة صباحاً ويعلم أن صلاة الفجر الساعة الثالثة وأربع وعشرين دقيقة، قال ﵊: (فمن تركها متعمداً فقد برئت منه الذمة).
برئت منه ذمة الله، ولهذا وصف الله جل وعلا يصف الناس في آخر الزمن، فيقول: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] أسأل الله ألا نكون منهم أتعرف صفة من هذه؟
إنها صفة الذي يجلس إلى الساعة الثانية عشرة أمام التلفاز، ثم يقول: والله ما قمت لصلاة الفجر، وقد وقَّت الساعة وما قمت، ما الذي جرأك أن تجلس للساعة الثانية عشرة ليلاً، ألا تدري أنك إذا سهرت لا تستيقظ لصلاة الفجر؟ أما تعلم أن ثلاث ساعات لا تكفيك في النوم؟ لماذا لم تنم مبكراً حتى تقوم لصلاة الفجر؟
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] لم يا رب لا يصلون؟ لأنهم في الليل أمام التلفاز لم يا رب لا يصلون؟ لأنهم في الليل في الورق والدواوين وشرب الشاي والقهوة، ثم ينام الساعة الواحدة -نسأل الله العافية- ولا ينام إلا وهو مثل الجيفة، ولا يقوم إلا على مثل ما شبهه به ﵊، جيفة بالليل حمار بالنهار، أما الصلاة: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] أتعرف ما معنى الغي؟ قيل: هو وادٍ في جهنم، لو سارت به الجبال لذابت، نحن لا نتحمل حر الصيف، الواحد منا أول ما يركب السيارة يفتح المكيف، لا يتحمل أن يقف ساعة تحت الشمس إلا ويتظلل بالظل، هل تتحمل ذلك الوادي؟!
أتعرف ما فعلوا بالصلاة؟ ضيعوها وفرطوا فيها.
هذا رجلٌ ماتت أخته فدفنها، وأثناء دفنه لأخته سقطت محفظة النقود، فنسي المحفظة حتى رجع إلى البيت، ثم تذكر المحفظة فرجع إلى قبر أخته بعد أن غابت الشمس في الليل، فنبش القبر ليُخرج المحفظة، فلما حفر القبر ووصل إلى الجثة وجد الجثة تحترق، فمن خوفه وفزعه رد القبر كما هو وهرول فزعاً إلى أمه، فقال: يا أماه! -وهو يبكي- يا أماه! أخبريني عن أختي، ما صنعت في دنياها، قالت: ولم يا بني؟ قال: يا أماه! أخبريني فإني رأيت قبرها يشتعل عليها ناراً، قالت أمه: يا بني! والله لا أنقم على أختك من عمل سوء -ما عندها عمل سوء أبداً- إلا أنها كانت تؤخر الصلاة عن وقتها ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] قال ابن عباس: [يؤخرون الصلاة عن وقتها]، يصلون خمس صلوات في اليوم والليلة، لكن الفجر يصلونها بعد أن تطلع الشمس.
متى يُصلي العصر؟ قبيل الغروب متى يُصلي المغرب؟ بعد دخول وقت العشاء ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤] * ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥] وإذا صلى كان من ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ﴾ [الماعون:٦] لا يصلي لله، إنما يصلي للناس.
стр. 708
فضل المشي إلى الصلاة في الظلام
أخي الكريم: اسمع لهذا الحديث العظيم الذي أسأل الله أن يقذفه في قلبك فتقوم لصلاة الفجر، يقول ﵊: (بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة) نعم! إن الفجر لظلام، وإن الناس في هدوءٍ وسكون، وإن الناس في نومٍ وسباتٍ عميق.
يقوم هذا من نومه، ويفتح باب بيته، تكاد تسمع صوت نعليه من آخر الشارع؛ لأنه لا يمشي غيره، فيمشي حتى يأتي إلى بيت الله، فيدخل وقد مضى على الأذان عشر دقائق، وظن المسكين أن الصف الأول قد امتلأ، وأنه لن يدرك إلا الصف الثاني أو الثالث، فيدخل فيستغرب ولا يرى إلا المؤذن، فيقول له: أصليتم؟ فيقول: لا.
ولكن لم يأتِ أحد، لا حول ولا قوة إلا بالله! مضى على الأذان عشر دقائق ولم يأتِ أحد، بل بعض الأوقات يؤخر المؤذن الإقامة حتى يدخل اثنان أو ثلاثة يتمون بهم الجماعة، لم هذا يا عبد الله؟ بسبب اللآمبالاة وعدم استشعار الأجور، قال: (بالنور التام يوم القيامة) اثبت -يا عبد الله! - ولو كنت لوحدك، لا تقل: أنام مثل الناس، لا تقل: غيري ينام وأنا فقط لوحدي أقوم، اسمع فإن يوم القيامة ظلمة شديدة، هذه الشمس التي تراها تكور، والنجوم تتناثر وتنكدر، ويوم القيامة ظلمة في ظلمة.
وفي ذلك الظلام من الناس من يكون نوره كمد البصر، ومنهم من يكون نوره كأصبع في قدميه، نوره لا يكاد يضيء إلا أصبع قدميه، يضيء مرة وينطفئ مرة.
ومنهم من يمشي في ظلام يوم القيامة، لا يرى شيئاً، بل منهم في ذلك الظلام أعمى نسأل الله العافية: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٥ - ١٢٦] يقول تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨]، ويقول: ﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم:٥٩]، ويقول سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤]، ويقول: ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٦].
إن كنت في صف المؤمنين يوم القيامة فإنك ولا بد سوف تمر على الصراط، تعرف ما صفة الصراط؟ الآن تخيل وأنت جالس:
أدق من الشعر سبحان الله! هل هذا ممكن؟!
أحد من السيف، هل تتصور أنه أحد من السيف؟! أتعرف ما تحت هذا الصراط؟ نار جهنم ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج:١٥ - ١٦] أي: من حرها اللحم ينفصل عن العظم، من شدة الحر، والنار تزفر من تحتهم، وتنادي: هل من مزيد؟ ويمر هذا على الصراط، تخيل أنك تمر وأنت في ظلام، هل تستطيع أن تجتاز الصراط؟!
من يمشي في النور؟ (بشر المشائين في الظلم -أي: إلى صلاة الفجر والعشاء- بالنور التام يوم القيامة) نورٌ تام ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] يوم القيامة يأتي المنافقون والمؤمنون في صف واحد؛ لأن من الناس منافقين أمام الصالحين صالح، وأمام الفسقة فاسق، في الملأ رجلٌ طائعٌ وصالح، وإذا اختلى ارتكب جميع المنكرات، هذا فيه نفاق نسأل الله العافية، يأتي يوم القيامة فيضرب الله سوراً فإذا بالمؤمنين في جانب والمنافقون في الجانب الثاني، المنافقون ينادون المؤمنين خلف هذا السور ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣].
في هذا الجانب ظلمة وعذاب، وفي الجانب الآخر نور ورحمة، ينادونهم! انظرونا -أي: انتظرونا- نقتبس من نوركم، فيرد المؤمنون عليهم: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ [الحديد:١٣] ارجعوا للدنيا، ارجعوا لهذه الأيام، ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ [الحديد:١٣] ارجع في الدنيا فالتمس النور، أتعرف ما هو هذا النور؟ إنه في مثل صلاة الفجر، قال ﵊: (بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة).
стр. 709
أثر الذنوب في التخلف عن صلاة الفجر
أختم حديثي بمشكلة تصادف كثيراً من الناس، يقول: يا شيخ! والله أنام مبكراً، وأضع الساعة والساعتين، وأعزم من قلبي، وأرفع يدي لله: يا رب! أعني لصلاة الفجر، يقول: وأقول لأمي التي تقوم كل يوم لصلاة الفجر، أطرقي علي الباب، يقول: ومع هذا أستيقظ وإذا الشمس قد طلعت، أنظر للساعة ما سمعتها، أسأل أمي تقول: طرقت الباب فلم تجب، يقول: ما الحل؟ لم لا أقوم لصلاة الفجر؟
أقول لك: اسمع إلى الحسن البصري كيف يجيبك عندما سئل: قيل له: نريد قيام الليل فلا نستطيع -نحن مشكلتنا الآن صلاة الفجر، هم كانت مشكلتهم قيام الليل- قال بعضهم للحسن البصري: نتمنى قيام الليل فلا نستطيع، أتعرف بم أجاب؟ قال ﵀: "قيدتكم ذنوبكم" وأنا أجيبك بهذه الإجابة، إذا بذلت جميع الأسباب ورفعت يديك إلى الله، وتوكلت على الله، ولم يوفقك لقيام صلاة الفجر، فاعلم أن هناك ذنباً، وأن هناك معصية أنت أدرى بها، وأنت أعلم بها، ما أدري هل هي نظرٌ للنساء؟ أم غيبة ونميمة؟ أم بعض الأفلام والمسلسلات؟ أم اطلاع على العورات؟ أم حبٌ للأغاني والفجور؟ في قلبك معصية منعتك عن القيام لصلاة الفجر، والله يقول: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦].
سل نفسك يا عبد الله: أين هذه المعصية؟ وما هذه المعصية التي منعتك أن تقوم لصلاة الفجر؟ ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] لعلك تقول: لم هذه الوقفة؟ وأكثركم يحفظ هذه الآية، وتعرف أن فيها سكتة ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] وكأن الله توقف، الله جل وعلا توقف هنا لأن الأمر شديد، والعقوبة عظيمة، والجرم يستحق هذه العقوبة: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] أصبح الذنب على الذنب، والمعصية على المعصية، كالران على القلب، لا يسمع صلاة الفجر، ولا تنفع فيه الأسباب، ولا يوفقه الله لقيامها.
سل نفسك يا عبد الله: أي معصية منعتك من قيام صلاة الفجر؟ واعلم أن الأمر خطير، وهو عمود الإسلام، وأن هذه الصلاة لو جئنا يوم القيامة ولم تكن صالحة، فلن تصلح صدقاتنا، ولا صيامنا، ولا حجنا، ولا برنا، ولا صلة أرحامنا، ولا دعوتنا إلى الله، ولا تنفع أعمالنا جميعاً: (الصلاة وما ملكت أيمانكم) ولهذا يقول النبي ﷺ : (أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة) أول ما يحاسب أي: من المصلين، تعالوا أيها المصلون! أما غير المصلين فيحشرون؟ مع فرعون وأبي بن خلف، وأبي جهل مع أهل الشر.
أما المصلون فإن الله ينظر في صلاتهم (إن صلحت صلح سائر العمل) صلح الصيام وصلح الحج، وصلحت الصدقات، وصلح الدعاء، وسائر الأعمال (وإن فسدت) نسأل الله العافية، فسدت حيث لم يأت بها في وقتها، ولا بأركانها، ولا بخشوعها، ولا بواجباتها، ولا بسننها كيف نقدم لله هذه الصلاة؟ (وإن فسدت فسد سائر العمل) فالله الله أيها الإخوة! في الصلاة.
وأرجو -أيها الإخوة- أن نأتي في مجلسٍ آخر، فنبحث في مشكلة أخرى وهي قيام الليل، وقد فرغنا من هذا الأمر، نفرغ من صلاة الفجر، حتى يصبح المتخلف في صلاة الفجر كأن في وجهه علامة وسمة، حتى قال عمر بن الخطاب حين افتقد أحد الصحابة -الآن أيها الإخوة نقول: من يصلي الفجر؟ ولا نقول: من لا يصلي؟ لأنك لو سألت: من لا يصلي الفجر؟ لما استطعت أن تعدهم، أما تسأل من يصلي الفجر فيقال لك: فلان وفلان وفلان يعدون على الأصابع، أما الذين لا يصلون فإنهم لا يعدون- عمر يسأل في يوم من الأيام: أين فلان؟ -هذا السؤال، ما نسأل إذا غاب عن دوام أو عمل، أو عن عشاء ما حضر، نسأل إذا لم يصلِّ الفجر: أين فلان؟ - فرأى أمه في السوق، فقال لها: يا أم فلان! أين فلان ما رأيناه في صلاة الفجر؟ فقالت: قام الليل فغلبته عيناه، فقال عمر: [والله لئن أصلي الفجر في جماعة أحب إلي من أن أقوم الليل كله].
يا عمر! ليتك تأتي إلى مجالسنا، وترى لم لا نصلي الفجر إلا من رحم الله؛ هل هو لأجل تلفاز، أو مجالس لغو، أو غيبة ونميمة أو غيرها نسأل الله أن يعيننا وإياكم على القيام لصلاة الفجر.
هذا وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 710
الأسئلة
стр. 711
نصيحة لمن في بيته ستلايت دون رغبة منه
السؤال
نصيحة للشباب الذين في منازلهم جهاز (الستلايت) دون رغبة منهم، وهذا الجهاز يعرض الأفلام التي تعرفونها؟
الجواب
مصيبة -أيها الإخوة- أن يأتي رب المنزل ورب الأسرة بهذا الجهاز، فإن عليه وزره ووزر من رآه ونظر إليه واستمع إليه, وفسد على يديه إلى قيام الساعة، كيف يتحمل هذا؟ وإذا كان مستعداً أن يتحمل أمام الله، فليعرف أن هذا هو فعله، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦]
السؤال ليس لأولئك، إنما للشباب الذين هم مرغمون، وفي بيوتهم (ستلايت) أقول له: اتق الله حيث ما كنت، حاول أن تخرج هذا (الستلايت) من البيت بالكلمة وبالموعظة، وبالحكمة، وببيان مفاسده وأخطاره على الوالد والوالدة الآن نتكلم عن بعض أخطار التلفاز دعك من (الستلايت) يقولون: إن أحد الرجال دخل إلى البيت -هذا لأهل الغيرة نتكلم بهذا الكلام- دخل إلى البيت ورأى التلفاز، وأمام التلفاز ابنته الصغيرة، فنظر فإذا على الشاشة موضع قبلة -شفاه على التلفاز- فأول من شك فيه البنت الصغيرة قال: يا ابنتي! أما تستحين من هذا الفعل تقبلين الشاشة؟ فقالت البنت وهي تضحك: يا أبتي لست أنا، قال: من؟ قالت: إنها أمي، لما ظهرت صورة المطرب الفلاني لم تتمالك نفسها فقبلته على الشاشة.
بعض الناس يظن أن المرأة ما فيها شهوة! نقول: يا أخي الكريم! إنها ترى في التلفاز أجمل منك، وهي ترى بعض الرجال الذين ما تعدو أن تأتي أنت بعشر جمالهم، وهي ترى رجال -أسأل الله العافية- بصورة نساء، وهي ترى وتسمع كلمات الغزل، والفحش والبذاءة، وبعضٌهم يتبجح ويقول لك: جهاز (ستلايت) يأتي بجميع البرامج حتى إسرائيل أما يستحي؟! أما يدري أننا ما زلنا الآن في عداوة وحرب مع اليهود، ويقول: حتى إسرائيل! ولماذا تظن أن إسرائيل توجه قنواتها إلى الخليج؟ تعرض ماذا؟ تعرض برامج دينية، أو تعرض برامج ثقافية، أو أن الشاب المراهق عندما يأتي بالستلايت ويأتي بجهاز التلفاز في غرفته ويغلق الباب ماذا يفعل؟ أنت في يوم من الأيام كنت مراهقاً، وأنت لم تعرض لك هذه الأمور والحمد لله، خاصة كبار السن إنما تربوا على الصلاة والذكر، الواحد تقول له: لا تصلِّ، فيقول: لا.
هذه من أكبر الأمور، فيقوم للصلاة بدون ساعة؛ لأنه تربى على هذا الأمر.
أما شباب اليوم -أيها الإخوة- فإنهم يغلقون الأبواب على أنفسهم وعنده الستلايت، كنا في السابق نسمع عن تهريب الأفلام الخليعة، والآن لا نحتاج إلى هذه الأمور، الآن تأتي في بيته الأفلام الخليعة والداعرة وغيرها، إذاً الأمر خطير.
هل تظن أن هذا الجيل -جيل الستلايت والدشوش- بعد ثلاثين سنة أو عشرين سنة سيقود هذه البلاد؟
هناك الساعات المخصصة للتنصير في هذه البرامج، فهل تضمن أن أولادك لا يرون، أو إخوانك، أو أختك، ساعات مخصصة للتنصير، تعرف ما معنى التنصير؟ أي: يشاهد الشاب -على الأقل- فيسمع في يوم من الأيام: ما بالكم على النصارى؟ دعوهم وحالهم، لهم دينهم ولنا ديننا، هم أهل كتاب مثلما نحن أهل كتاب، هذه الكلمات بحد ذاتها خروج عن دين الإسلام، وتكذيبٌ لله، والله يقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٢ - ٧٣] فيخرج لنا جيل في يوم من الأيام يقول لنا: النصارى ليسوا كفاراً، ولا بد أن نفعل مؤتمراً ومجتمعاً يعيش فيه النصراني واليهودي والمسلم إخواناً متحابين متآلفين، ولا يجوز أن تقول للنصراني: كافر.
إن هذا الستلايت يريد أن يغسل الأفهام والعقائد، ويزيل قضية الولاء والبراء، حتى لا يصبح الإنسان يوالي في الله ويعادي في الله، يحب اللاعب البريطاني أكثر من اللاعب المسلم.
اللاعب المسلم فد يكون فيه فسق لكنه يصلي فلا بد أن تحبه، ولكن البعض يحب النصراني أكثر، وهذا نسف لعقيدة الولاء والبراء.
في بعض البلاد -حتى تعلمون أن القضية خطيرة، وهذا تخطيط عالمي، وليست الفضية أن يفتح الواحد محل ستلايت، فهذا مسكين، بل القضية أكبر وأخطر- في بعض البلاد جاءوا بإمام المسجد إلى التحقيق، ما تهمته؟ قالوا له: لماذا تقرأ في الصلاة الآيات التي فيها النصارى واليهود؟ فهناك آيات تكفر اليهود والنصارى مملوءة بالقرآن، مثل الفاتحة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] فالمغضوب عليهم اليهود، والضالين هم النصارى.
فقالوا: لماذا تقرأ هذه الآيات؟ فقال لهم: هذا كتاب الله، قالوا: لا.
ابحث لك عن آية ثانية، لا تقرأ في هذه الآيات وصلوا إلى هذه الدرجة، ونحن الآن شيئاً قليلاً أزاحوها من الكتب، شيئاً فشيئاً حتى في بعض الأحيان تجد بعض الكلمات مثل هذه تزاح، أي: كنا قبل نسأل كبار السن، اسألهم ماذا يكتبون في الجرائد عن إسرائيل؟ فقالوا: العدو الإسرائيلي، وبعد سنوات قالوا: الكيان الإسرائيلي، ثم بعد سنوات قالوا: دولة إسرائيل، ونخشى أنه في يوم من الأيام في الجيل القادم نسمع كلمة إسرائيل الشقيقة! فنخشى من هذه الأمور.
فالستلايت ليست القضية فيه قضية فيلم، أو كما يضحك على بعضهم فيقال له: يا أخي! نأتي به من أجل الأخبار!! لا.
القضية أكبر، فالآن -يا إخوة- الستلايت يعرض فيه أمور لا تتصورها.
جاءني أحد الناس العوام وكان عنده ستلايت، يقول: والله يا شيخ أنتم لا تتخيلون ماذا في الستلايت؟ يعني: الشاب يسمع عشرين درساً، وعشرين موعظة، ويلتزم مع الصالحين عشرين سنة، يمكن أن يرى فيلماً واحداً فينتهي، وقد يرتد، يتدمر يا إخوان، ويأتي هذا الوالد والوالدة فيقولوا: والله ما استطعنا لهم، فلقد بكوا، وقالوا لي، أما في الستلايت فحالهم حال غيرهم!
أنت أولاً حاول أن تخرج هذا الجهاز من بيتك، وأخبر الوالد أن هذا حرام ومنكر، وأن فيه مفاسد، وقد تضيع أولادك يوماً من الأيام.
الأمر الثاني: إذا لم تستطع أن تخرجه فحاول أن تخفف الشر، حاول أن تبعد إخوانك الصغار، حاول -على الأقل- في الساعات المتأخرة أن تغلق الجهاز، على الأقل تتفق بينك وبين الوالد على بعض الأفلام ثم تغلق الجهاز، وبعض القنوات يلغيها، وعلى الأقل تمنع دخول التلفزيون إلى الغرف، حاول أن تضعه في الصالة، لكي تعرف ماذا يرون في البيت.
وبعض الفتيات الهاتف عندها إلى الساعة الواحدة في الليل تتصل، على من تتصل؟!!
إذاً الأمر يا إخوان -على الأقل- هو أن نخفف الشر شيئاً فشيئاً حتى نخرج الجهاز، فالله الله أن يلبس عليك الشيطان، أو أن يسول لك، ولا تقل: انظر فقط بعض البرامج أو بعض الأمور ثم أستغفر الله، أو أنظر ثم أتوب، ثم شيئاً فشيئاً حتى يوقعك الشيطان في شباكه والله أعلم.
стр. 712
شبهة إبليسية في مسألة القدر
السؤال
هناك بعض الناس يقولون: إن الله قد وضع الأقدار فلمَ أعمل عملاً وقد كتبه الله؟
الجواب
هذه شبهة إبليسية يحتج بها بعض العصاة، يقول لك: لماذا أصلي؟ الله قد كتب أني شقي، فلا أحتاج أن أصلي، ولماذا أصلي؟ أسأل هذا الرجل وأقول له: ألا تأكل؟ ألا تشرب؟ فإذا قال: نعم.
قلنا له: لماذا تأكل؟ فقد كتب الله عليك أنك تشبع، فلماذا تأكل إذاً؟ ولم تذهب للدراسة إذا كان الله جل وعلا قد كتب لك الرسوب أو النجاح؟ ولم تعمل إذا كان الله قد كتب لك أنك سوف تحصل على هذا الرزق أو لا تحصل على هذا الزرق؟ للدنيا تسعى وللآخرة لا تسعى! لم هذه الحجة إذا كان الأمر للدين، أما إذا كان للدنيا فلا؟ ولهذا النبي ﷺ لما سئل قيل له: (فلم العمل؟ قال: اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق له) اعمل فإذا كنت من أهل الجنة فسوف يعينك الله جل وعلا وييسر لك، وإذا كنت من أهل النار فإنك لن تذهب للصلاة ولن تصلي، ولهذا أخبر الله أن الذي يبدأ بالعمل فإنه يعينه، يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] والذي يبدأ بالضلال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥].
إذاً: الجزاء من جنس العمل، ولهذا ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ أخبر أن الله جل وعلا يقول: (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به)، وفي حديث آخر قال: (وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة).
إذاً: القضية أنك إذا بدأت في الهداية والالتزام وفقك الله جل وعلا، وإذا بدأت بالضلال فإن الله جل وعلا كما قال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥] إذاً عليك أن تعمل وتجتهد، والأمر مكتوب مكتوب أن فلاناً سوف يختار هذا الطريق، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣].
هذاه الله هداية إرشاد، أي: بين له طريق الخير وطريق الشر، فإذا اختار طريق الخير فإن الله قد كتبه له في الأزل، وإذا اختار طريق الشر فإن الله قد كتبه عليه، واختيارك لطريق الخير أو الشر مكتوب في الأزل، مكتوب أن فلان بن فلان عرض له طريقان فإذا به يختار هذا الطريق فصلى وصام، وحافظ على صلاة الفجر، وحضر مع الصالحين، ودعا إلى الله، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، مكتوبٌ لك في الأزل أنك اخترت هذا فكتب الله عليك هذا.
أما ذاك فمكتوب أنه صد وولى واختار هذا الطريق؛ لأنه هو الذي اختار هذا الأمر، وكتب الله أنه سوف يختار هذا الطريق ويدخل النار والله أعلم.
стр. 713
بر الوالدين
بر الوالدين واجب على الأبناء، فيجب عليهم أن يحرصوا على هذا المقام العظيم، وأن يدركوا أن هذا البر لن يفي للوالدين حقهما، ولن يكون قضاء لدين الولد لهما، بل يظل الفضل والمعروف لكل منهما.
وعلى الأبناء أن يدركوا أن حق الوالدين لا يفضله ولا يفوقه حق أي إنسان آخر كالزوجة والولد وغيرهما.
وفي ثنايا هذه المادة تتناثر الصور والنماذج للطاعة والعقوق، وتغلب عليها شكوى الآباء وغفلة الأبناء، وإن تعجب فعجب أمر من يبحث عن الراحة والسعادة وبينه وبين الجنة خطوات تفصله عن قدم أمه.
стр. 714
صور من بر الوالدين وعقوقهما
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
أيها الإخوة الكرام: أيها الأخ المستمع! أيتها الأخت المستمعة! حديثي إليكم في هذه الليلة عن بر الوالدين، ولا أظن مثلي يستحق أن يتكلم بهذه الكلمات، ولا أظن أني أهل لهذا الموضوع، ولكن من باب: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢].
بر الوالدين مقام عظيم، وأظن أن من سمع هذه القصص والحكايات واعتبر فسوف يتهم نفسه بالعقوق، ولا أظن أحداً -أيها الإخوة- سوف يسمع هذه القصص وتلك العبر، إلا وسوف يتهم نفسه بكبيرة من الكبائر، بل هي بعد الإشراك بالله جلَّ وعلا، ألا وهي عقوق الوالدين، بل لما سئل النبي ﷺ عن أحب الأعمال إلى الله ؟ قال: (الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) فهو خير حتى من الجهاد في سبيل الله، والعقوق شر من الفرار يوم الزحف.
стр. 715
رجل يطوف بأمه على ظهره
وهذا رجل يماني يطوف بالبيت، يحمل أمه العجوز على ظهره، ويطوف بها بالبيت، من منا يفعل هذا؟ ومن منا يتصور هذا قبل أن يفعله؟ يحمل أمه على ظهره ثم يطوف حول البيت، هل وصلنا بالبر إلى هذا المستوى؟ هل وصلنا بطاعة الوالدين وحبهما إلى هذه الدرجة؟ يحملها على ظهره فيطوف بالبيت، فيرى ابن عمر ذلك الرجل الصحابي الفقيه، فقال له: [يا ابن عمر! أتراني جزيتها؟ -تراني بهذا الفعل جزيت حق أمي وأرجعت لها الحقوق- فقال له ذلك الرجل العالم ابن عمر: لا.
ولا بزفرة من زفراتها]، ولا بطلقة من طلقاتها حين وضعتك من بطنها.
مهما فعلت -يا عبد الله- ومهما أحسنت إليها، فإنك -يا أخي الكريم- لن تصل إلى حقها ولو فعلت ما فعلت.
واسمع إلى القصة الأولى، وسوف نسرد هذه القصص ونتلوها ببعض العبر، وأرجو منك أخي الكريم أن ترعي لي سمعك وتنتبه، فهذه القصص ليست من نسج الخيال بل هي من واقعنا وواقع من قبلنا، ثم اعلم -يا عبد الله- بأن القصص غير هذه كثيرة وكثيرة، وغير هذه الحكايات أكثر، بل إنني استحيت من ذكر بعض القصص، وخجلت من ذكرها، لما فيها من وقاحة وعقوق وأنزه هذا المسجد وأنزه سمعك الطيب عن سماع مثل هذه القصص.
стр. 716
قصة عاق يفضل زوجته على أمه
فهذه قصة يرويها أحد بائعي المجوهرات، يقول: دخل عليَّ في المحل رجل ومعه زوجته، وخلفه أمه العجوز تحمل ولده الصغير، أربعة دخلوا في المحل، يقول: وأخذت زوجته تشتري من المحل، وتشتري من الذهب، وتأخذ من المجوهرات، ثم قال له هذا الرجل للبائع: كم حسابك؟ فقال له -وأنا أخبركم بالعملة التي ذكر بها الشيخ-: عشرون ألف ريال ومائة، فقال هذا الرجل: ومن أين جاءت هذه المائة؟ نحن حسبناها عشرين ألف، من أين هذه المائة ريال؟ من أين جاءت؟ قال: أمك العجوز اشترت خاتماً بمائة ريال، قال: أين هذا الخاتم؟ قال: هو ذا، فأخذ ابنها الخاتم ثم رماه إلى البائع، وقال: العجائز ليس لهن الذهب، ثم لما سمعت العجوز تلك الكلمات، بكت وذهبت إلى السيارة، فقالت زوجته: يا فلان! ماذا فعلت؟ لعلها لا تحمل ابنك بعد هذا.
لعلها لا تحمل لنا الابن، كأنها أصبحت خادمة، فعاتبه بائع المجوهرات، ثم ذهب إلى السيارة، وقال لأمه: خذي الخاتم إن كنت تريدين، خذي هذا الذهب إن أردتيه، فقالت أمه: لا والله لا أريد الذهب، ولا أريد الخاتم، ولكني أردت أن أفرح بالعيد كما يفرح الناس، فقتلت سعادتي فسامحك الله، فسامحك الله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] فبعد التوحيد والعبادة، ماذا يا رب: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ [الإسراء:٢٣] لأن وقت الكبر أحوج ما يكونان إلى الأبناء، إلى الولد.
يا عبد الله! هذا وقت الحاجة، وهنا ترد الجميل، وهنا تحسن إليهما كما أحسنا إليك: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:٢٣] هل سمعت بكلمة أصغر من أف؟ إنك تستجيب ولكن بتأفف، تقول لك أمك: افعل، تفعل ولكنك متأفف، فهذا عقوق، وهذه كبيرة من الكبائر: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] أي: أنك تشير بيديك إشارة، كأنك متضايق منهما، فتستجيب ولكن لا ترد عليهما بالكلام، ولكنها إشارة تدل على أنك تنهرهما: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤].
وكم وكم يا عبد الله من الرجال في هذه الأيام يقدمون الزوجة على الأم! يأتي إلى البيت بهدية، وتنظر الأم وترى بعينيها، لمن هذه الهدية؟ إنها للزوجة، يدخل الغرفة ويغلق الباب فيعطيها لزوجته، أين حق الأم؟ نسي الأم، فما تذكرها، يشتري لزوجته الملابس، ويسكنها أفخم الأثاث، ويلبسها أغلى الذهب والمجوهرات، ولكن أين أمه؟ لقد نسيها، منذ متى عرفت زوجتك يا عبد الله؟! كم أحسنت إليك الزوجة؟!
إن أمك قبل أن توجد على وجه الأرض كانت تحسن إليك، وكانت ترأف بك وكانت ترحمك وتشقى لأجلك قبل أن تنزل على وجه الأرض، أنسيتها -يا عبد الله- حينما تزوجت ولم تذكر حقها؟!
يا عبد الله! كم وكم من الرجال من يأخذ زوجته في سفر، وفي رحلة، وفي نزهة، ولا يكلف نفسه أن يقول لأمه: أتريدين الذهاب معنا؟ هلا سافرت معنا! فتجده لا يريدها.
يقول: الأم تضايقني، ولا تجعلني أرتاح مع زوجتي.
يقول ابن عباس ﵁: [إني لا أعلم عملاً أقرب إلى الله من بر الوالدة] يقول: ما في الدنيا عمل أكثر قربة إلى الله من بر الوالدة: (الزم قدميها فثم الجنة).
стр. 717
شاعر يصف عقوق ابنه
واسمع إلى القصة الثانية: واسمع -يا عبد الله- إلى هذا العقوق، لتعلم أن ما خفي أعظم.
في السير أن أحد الأعراب وفد على الخليفة يبكي، فقال له: ما بك؟ قال: أصبت في ولدي بأعظم من كل مصيبة.
قال: وما هي؟ -تخيل شيخاً كبيراً يبكي، وتخيل رجلاً كبيراً في السن يبكي بين يدي الخليفة- قال: ربيت ولدي، سهرت ونام، وأشبعته وجعت، وتعبت وارتاح، فلما كبر وأصابني الدهر واحدودب الظهر، تغمط حقي، ثم بكى بكاءً مراً، وقال:
تغمط حقي ظالماً ولوى يدي لوى يده الله الذي هو غالبه
فبكى وأبكى كل من في المجلس.
أيعقل أن يكون في الأولاد من يأخذ المال من أبيه ظلماً؟!
أيعقل أن تصل الوقاحة في الشخص أن يظلم والده؟!
أيعقل أن يكون هناك في الناس عقوق مثل هذه العقوق؟!
اسمع ماذا يقول الشاعر على لسان الأب كأنه يخاطب ابنه، وكن أنت كأن أباك يخاطبك بهذه الكلمات، فاسمعها وعها يا عبد الله:
غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً تُعلُّ بما أجري عليك وتنهل
إذا ليلة نابتك بالسقم لم أبت لشكواك إلا ساهراً أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني فعيني تهمل
تخاف الردى نفسي عليك وإنني لأعلم أن الموت حتم مؤجل
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذلم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل
يا ليتك عاملت أباك كما يفعل الجار! يا ليتك جعلته كالصاحب! كم وكم من الناس من يزعمون الصلاح ومن يتظاهرون بالإسلام، ومن يتمسكون ببعض السنة؛ يحسن إلى صاحبه، ويعامل أصدقاءه بأحسن معاملة، فإذا جاء لأبيه وإذا جاء لأمه، اسمع لكلمات العقوق، واسمع للرفض، إذا قالت له أمه: أريد زيارة فلانة؟ قال: ألا يوجد غيري في البيت؟! اذهبي إلى فلان، ليذهب بك فلان، سبحان الله! أما إذا قال له صاحبه، وصديقه وجاره وخليله، فإنه لا يتأفف ولا يتردد، بل يستجيب أيما استجابة.
عبد الله: أسمعت بعقوق كهذا؟! أسمعت في الناس من يفعل مثل هذه الأفعال؟!
стр. 718
حلم والدة ولؤم ولد
واسمع إلى هذه القصة، التي لولا أنها ذكرت في جريدة وتواترت على ألْسنة بعض الناس -والله- ما ذكرتها ولا قصصتها ولا كنت أظن أن من الناس من يفعل هذا، وسوف أتصرف في ذكرها فاسمعها -يا عبد الله- وعها لتعلم أن هذا الشر مستطير، وأن هذا الفعل يوشك أن يؤذن لهذه المجتمعات بالعقوبة، وأن ينزل الله عليها عذابه، بسبب ما يفعله كثير من الناس.
يقول الراوي: إنه خرج مع أسرته إلى شاطئ البحر، فلما وصل -هو وعائلته- يقول: رأينا عجوزاً على بساط على الشاطئ لوحدها، يقول: فجلسنا على الشاطئ، فتعشينا في الليل، يقول: ثم بعد العشاء تسامرنا، وأخذنا نلهو ونتحدث حتى حلَّ منتصف الليل، يقول: وأردنا الرجوع، فلما أردنا الرجوع قلت في نفسي: سبحان الله! ما بال هذه العجوز جالسة لوحدها؟! لم يأتها أحد، ولم يقربها أحد، يقول: فلما قفلنا جئتها، فقلت لها -اسمع إلى هذا الخبر، واسمع إلى هذا العقوق- فقلت لها: يا أماه! خيراً إن شاء الله، أنت لوحدك وليس معك أنيس ولا جليس، فقالت هذه العجوز: إن ابني أتى بي إلى هنا، وقال لي: أن عنده عملاً سوف يذهب إليه ثم يرجع.
فقال لها: يا أماه! الوقت متأخر فهلا رجعت معنا؟ قالت: لا.
سوف أنتظر ابني ولو تأخر، فقد أخبرني أنه: سوف يتأخر وسوف يرجع.
قال: يا أماه! لكن الوقت متأخر جداً ولا أحد في هذا المكان.
قالت: لن أرجع حتى يرجع ابني، وعدني أنه سوف يرجع، وأعطاني هذه الورقة.
قال: وما هذه الورقة؟ فقالت: اقرأها تعرف ما فيها.
فقرأتها فإذا في هذه الورقة: يرجى ممن يقرأ هذه الورقة أن يأخذ العجوز إلى دار الرعاية.
لعن الله من لعن والديه، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من لعن والديه، فهذه في الكلمات فكيف إذا كانت في الأفعال؟! يرميها على شاطئ البحر ويقول: يرجى ممن عثر على هذه العجوز أن يأخذها إلى دار الرعاية.
اسمع هذه الأم، والشاعر يتكلم بلسانها، وكأنها تقول:
لا تسبوا ولدي ما كنت رغم الغدر خصمه
لا تسبوه مهما فعل.
إن لي في قلبه حباً وليس الحب تهمه
هو طفلي وأنا أضمنه مذ كان لحمه
هو في الليل سميري وأنيسي في الملمه
فإذا خاف سكبت الأمن كي أذهب همه
وإذا عاد تداعيت له صوتاً ونغمه
فأناغيه بلحن وأناجيه بكلمه
ولدي ما عقني بل فعله بر ورحمه
جاء بي للبحر كي أنعم في رمل ونسمه
فدعوه ولا تسيئوا الظن فيه بالمذمه
واذهبوا للدار بي ما الدار للأبناء وصمه
غاب عني لم يغب إلا لأمر قد أهمه
هو مشغول وللمشغول أعذار وحرمه
وسيأتي ولدي للدار إن أنهى المهمه
ولدي أعرفه من ذا الذي ينكر أمه
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤].
أهذا هو جناح الذل أن ترميها في دار الرعاية؟!
أهذا هو جناح الذل أن ترميها على البحر؟!
أهذا جناح الذل أن تطردها لأجل الزوجة؟!
أهذا جناح الذل أن تتركها في البيت لوحدها، وتذهب مع زوجتك لبيت فاخر، وتسكن مع الزوجة، وتلهو مع الأولاد، وقد تركتها بين أربعة جدران؟!
أهذا هو البر أم هذا هو العقوق بعينه يا عبد الله؟! (رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما فدخل النار).
стр. 719
أمية الكناني يعاتب الفاروق
واسمع إلى أمية الكناني؛ فهذا الرجل كان شيخاً كبيراً، وكان رئيساً لقومه، وكان له ابن اسمه كلاب، هذا الابن كان باراً بوالديه -بأبيه وأمه- وكان صالحاً، فذهب إلى المدينة، وجاء إلى أصحاب النبي ﷺ فسألهم عن أفضل ما يقرب إلى الجنة؟ فأخبروه بالجهاد -الجهاد في سبيل الله- فذهب إلى والده، وكان باراً به ومحسناً إليه، وكان يخدم والديه من الصباح إلى المساء، ويقدمهما على زوجته وأولاده، فرفض أبوه في البداية، فلم يزلْ به حتى رضي أبوه، ثم ذهب إلى الجهاد، وكان أبوه في كل يوم يتذكر ابنه، ويتذكر حاله مع ابنه، وفي يوم من الأيام رأى أبوه حمامة على الشجرة، فنظر إليها، وبجنبها فرخها، فنظر إليها كيف تحنو على فرخها، فتذكر ابنه، وأخذ يقول ذلك الشعر، اسمع إلى الأب الذي يتذكر ابنه البار، فقال:
لمن شيخان قد نشدا كلاباً كتاب الله لو قبل الكتابا
إذا هتفت حمامة بطن وجٍّ على بيضاتها ذكرا كلاباً
إلى أين تركه يا عبد الله؟ تركه للجهاد، ونحن نخاطب من ترك أباه وترك أمه لأجل عمل دنيوي، أو لأجل زوجة وأولاد، أو لأجل معصية يسافر إليها.
تركت أباك مرعشة يداه وأمك ما تسيغ لها شرابا
تلفظ مهده شفقاً عليه وتجنبه أباعرها الصعابا
فإنك والتماس الأجر بعدي كباغ الماء يتبع السرابا
ثم جاء إلى الخليفة، من هو الخليفة؟ إنه عمر بن الخطاب، جاء إليه هذا الأب وهذا الشيخ الكبير فدخل على عمر فهل تعرف ماذا قال لـ عمر؛ لأنه الذي أرسله للجهاد؟ قال:
فلو فلق الفؤاد شديد وجد لهم سواد قلبي بانفلاق
سأستعدي على الفاروق رباً له دفع الحجيج إلى بساق
وأدعو الله مجتهداً عليه ببطن الأخشبين إلى دقاق
إذا الفاروق لم يردد كلاباً على شيخين هامهما زواقِ
ولما سمع عمر هذه الأبيات بكى، وأرجع الولد من الجهاد، فسأله؟ وقال له: ما شأنك وأبوك؟ فأخبره ببره بأبيه، وكيف كان يحلب لهما، ويطعمهما، ويسقيهما، ويخدمهما من الصباح إلى المساء، فلما سمع بحاله، أمره بالرجوع إلى والده، فنادى عمر والده الشيخ الكبير، وكان قد عمي من شدة البكاء، فأدخله في مجلسه، فأمر ابنه كلاباً أن يحلب له، فحلب له.
فقال عمر لهذا الشيخ الكبير: ماذا يسرك من الدنيا؟
قال: لا شيء، وأي خير أرجوه من الدنيا، قال: بل ترجو شيئاً؟
قال: أرجو أن أضم ولدي ضمة وأشمه وأقبله قبل الموت.
فقال له عمر: اشرب من هذا اللبن، فشرب من اللبن، ثم قال لـ عمر: يا أمير المؤمنين! إني أجد في اللبن رائحة ولدي كلاب.
فقال له عمر: هو ذا ابنك يا فلان! فضمه وقبله، وأخذا يبكيان، فبكى عمر، وأبكى من حوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف:١٦] يعني البارين بآبائهم، يعني من كان باراً بوالدته وباراً بأبيه اسمع إلى جزائه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦].
هل فكرت أخي الكريم أن تدخل على أمك فتقبل رأسها وتطلب العفو منها؟ أو أن تدخل على أبيك فتقبل رأسه ويده وتطلب الصفح منه؛ وتطلب منهما أن يغفرا لك؟
هل فكرت -يا عبد الله- وحاسبت نفسك لو لقيت الله بهذا الجرم العظيم؛ جرم العقوق، وهو كبيرة من الكبائر؟ هل فكرت كيف تلقى الله به؟
عبد الله: هلا ذهبت هذه الليلة إلى أمك قبل أن تنام، وإلى أبيك قبل أن ينام، فقبلت رأسيهما، ثم طلبت الصفح والعفو منهما؟
стр. 720
رجل يرفض زيارة أمه حين وفاتها
اسمع إلى هذا العاق وكم هم العاقون! وكم هم المجرمون بحق والديهم! هذا العاق رمى أمه في دار العجزة، ويكفيك أخي الكريم أن تزور دور العجزة ولو مرة واحدة؛ لتسمع أخبار العاقين وأحوالهم، هذا الرجل رمى أمه العجوز في دار العجزة، وظل سنوات لم يزرها، وزمناً طويلاً لم يعرفها، حتى الاتصال لم يتصل بها، وحانت ساعة وفاتها، وأخذت في الاحتضار، فبكت ونادت المسئولين، وقالت لهم: اتصلوا بولدي، اتصلوا بولدي، اتصلوا بولدي، أريد أن أضمه قبل أن أموت، أريد أن أقبله، أريد أن أعانقه قبل الموت.
ولدها مهما فعل تحبه، ولدها -والله- مهما عقها ومهما فعل بها فإن في قلب الأم حباً لولدها مهما فعل.
قالت: أريد أن أضمه وأقبله قبل الموت، فاتصلوا بولدها، فقالوا له: إن أمك تحتضر، وتريد أن تراك وتقبلك، فقال هذا المجرم: ليس عندي وقت، وقتي ضيق، وعندي أعمال وتجارات وعقارات، ما عندي وقت، ثم أغلق الهاتف، ثم ماتت هذه الأم ولم تر ولدها، ماتت ساخطة عليه، فاتصل المسئولون بالولد فقالوا له: يا فلان! لقد ماتت أمك، لقد ماتت أمك العجوز، فماذا تظنونه يقول؟ قال: أكملوا الإجراءات وادفنوها.
لأمك حق لو علمت كثير كثيرك يا هذا لديه يسير
فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي لها من جواها أنة وزفير
وفي الوضع لو تدري عليها مشقة فمن غصص منها الفؤاد يطير
وكم غسّلت عنك الأذى بيمينها وما حجرها إلا لديك سرير
نسيت فهل -يا عبد الله- وهي تغسل النجاسات من عليك؟! وهل نسيت -يا عبد الله- سهرها وأنت نائم؟!
وهل نسيت -يا عبد الله- مشقتها في المشي لأنك في بطنها؟! وهل نسيت -يا عبد الله- صراخها، وبكاءها وسهرها عليك؟! فهل نسيت هذا لأجل زوجة أو تجارة أو أصحاب؟! تباً لهؤلاء كلهم إذا كانوا سبباً للعقوق!
وكم غسّلت عنك الأذى بيمينها وما حجرها إلا لديك سرير
وتفديك مما تشتكيه بنفسها ومن ثديها شرب لديك نمير
وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها حناناً وإشفاقاً وأنت صغير
فضيعتها لما أسنت جهالة فطال عليك الأمر وهو قصير
فآهٍ لذي عقل ويتبع الهوى وآهٍ لأعمى القلب وهو بصير
لعن الله من لعن والديه، لعن الله من لعن والديه.
стр. 721
بعض الآداب في التعامل مع الوالدين
هذا أبو هريرة يبصر رجلين، فقال لأحدهما: من هذا منك؟ فقال: إنه فلان أبي، فقال: لا تسمه باسمه، ولا تناد أباك باسمه، فلا تقل: يا فلان! بل تسميه بصفته فتقول: يا أبي أو يا أبتاه.
فيعتبر أبو هريرة هذا عقوقاً، وهذا من تمام البر أنك لا تسميه باسمه.
قال: ولا تمش أمامه.
فانظر كيف وصلوا إلى البر، يقول: إذا مشيت فامش خلفه، تواضعاً واحترماً ومن خفض الجناح بالذل له.
قال: ولا تجلس قبله.
إذا دخلت في مجلس وهو قائم فقم معه، ولا تجلس في مجلس قبله، انظروا كيف وصلوا إلى البر.
وهذا رجل -يا عبد الله- لا يصعد إلى الطابق الأعلى إذا كانت أمه في الطابق الأسفل، يقول: كيف أصعد على طابق وأمي تحتي، فهو يعتبر هذا من العقوق.
وذاك رجل لا يأكل مع أمه في صحن واحد، فيُسأل: لم يا فلان لا تأكل مع أمك في صحن واحد؟ فيقول: أخاف أن تمتد يدي إلى لقمة وأمي تنظر إليها، أخاف أن آكل لقمة وأمي قد اشتهتها.
انظر كيف وصلوا إلى البر، وانظر كيف أصبح الناس هذه الأيام في العقوق.
ويأتي رجل فيبايع النبي ﷺ على الهجرة، فيقول له: (كيف تركت أبويك؟ فيقول: تركتهما يبكيان، فيقول له: ارجع إليهما وأضحكهما كما أبكيتهما).
ويأتي رجل يريد الجهاد فيقول له الرسول ﷺ : (ألك أم؟ فيقول: نعم.
قال: أتريد الأجر والمثوبة من الله؟ قال: نعم.
قال: الزم قدمها فثم الجنة).
ولنرجع إلى البيوت -يا عباد الله- فلنلزم أقدامهن، فهناك الجنة، وهناك الروح والريحان، وهناك الجنان، وهنالك الأنهار، وتلك هي القصور، فباب الجنة -يا عبد الله- عند قدم أمك؛ فكيف ضيعت ذلك الباب؟ وكيف فرطت في الجنة وأبوابها؟
واسمع إلى هذا العاق، هذا الرجل العاق كيف وصل به العقوق إلى هذه الدرجة، فهو يضرب به المثل، واسمه منازل، وهذا الرجل كان فاجراً عاصياً عاقاً لأبيه، أتاه أبوه يوماً من الأيام، فأمره بالطاعة، وأمره بالإحسان، وأمره بالاستجابة لله جلَّ وعلا، فهل تعرف ماذا فعل؟ لطم أباه على وجهه، فذهب أبوه يبكي، وقال: والله! لأحجن إلى بيت الله الحرام وأدعو عليه هناك، فحج الأب إلى بيت الله الحرام، وتعلق بأستار الكعبة، ثم رفع يديه، فقال:
يا من إليه أتى الحجاج قد قطعوا أرض المهامه من قرب ومن بعد
إني أتيتك يا من لا يخيب من يدعوه مبتهلاً بالواحد الصمد
هذا منازل لا يرتد عن عققي فخذ بحقي يا رحمان من ولدي
وشل منه بحول منك جانبه يا من تقدس لم يولد ولم يلد
فما أنزل الأب يديه إلا وقد شل الله نصف جسده، وأصبح مشلولاً إلى أن مات: (ثلاث دعوات مستجابات -لا شك فيهن- منها: دعوة الوالد على ولده).
إذا أردت الدعوة يا عبد الله، فاذهب إلى أمك، واذهب إلى أبيك، وسلهما دعوة صالحة، وسلهما دعوة خالصة.
واسمع إلى العاق، كيف يصفه الله جلا وعلا: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الأحقاف:١٧] يا بني صلِّ يا بني اذهب إلى المسجد يا بني اترك الفساد يا بني اترك المعاصي يا بني اترك هؤلاء الصحبة يا بني لا تنفعك هذه الأغاني فيرد عليهما: ﴿أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف:١٧] أتعرف ما عقوبته؟ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [الأحقاف:١٨].
اسمع إلى هذا الرجل الذي ملَّ والده، وقد أحسن إليه وبره لكن طال عليه الأمر وشق عليه العمل، وكبر أبوه فتأفف من أبيه، وكم نسمع هذه الأيام -والعياذ بالله- من رجل يُسأل: من هذا؟ فيستحي أن يقول: هذا أبي، فيقول: هذا السائق، وكم سمعنا من فتاة يُقال لها: من هذه؟ فتستحي فتقول: هذه الخادمة.
أو هذه المربية.
أو هذه الغسالة.
أف لهذه الكلمات، وتعس أولئك الذين يستحون أن يقول أحدهم: هذا أبي.
وتستحي أن تقول: هذه أمي.
ولا يدعوه إلى وليمة، ولا يدعوه إلى وجبة، يستحي أن يراه أصحابه، كم وكم من العاقين من أمثال هؤلاء.
стр. 722
تعجيل عقوبة العاق وفضل دعاء الوالدين
اسمع إلى هذا الرجل الذي كبر أبوه فتأفف منه، فهل تعرف ماذا فعل؟ أخذ أباه على دابة -على جمل- وذهب به إلى الصحراء، فلما جاء في وسط الصحراء، قال الأب لهذا الولد، قال: يا بني! أين تريد الذهاب بي؟
قال: يا أبي! لقد مللتك، ولقد سئمتك.
قال: وماذا تريد؟
قال: أريد أن أذبحك.
فقال: يا بني! ماذا تقول؟
قال: أريد أن أذبحك لقد مللتك يا أبي!
فقال له: إن كنت ولا بد فاعلاً فاذبحني عند تلك الصخرة.
قال: ولم يا أبي؟ قال: فإني قد قتلت أبي عند هذه الصخرة، فاقتلني عندها وسوف ترى من يقتلك من أبنائك عند هذه الصخرة: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] الجزاء من جنس العمل.
بر والديك، وأباك، وأمك، فسوف يأتي من أبنائك من يبرك، أو عقهما فوالله الذي لا إله غيره، يقول ﵊ وهو حديث صحيح، يقول: (كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإنه يعجل لصاحبه).
стр. 723
نموذج لعاق عجلت له العقوبة
هذا رجل تقول له أمه: يا بني! اذهب بي إلى فلانة أريد أن أزورها، فيقول هذا الرجل: لا أستطيع! فترجته أمه، قالت: يا بني أريد أن أزورها دقائق معدودة، قال: فنعم إذاً، ولكني سوف آتيك بعد ثلاثين دقيقة بالضبط، وأضرب زمور السيارة، قال: فإن لم تخرجي ذهبت وتركتك.
اسمع كيف يعامل أمه، واسمع كيف يهددها، واسمع كيف ينذرها، تباً له وتعس، فذهب هذا الرجل، وأوصل أمه، وبعد ثلاثين دقيقة بالضبط، أتاها فضرب الزمور، مرة أو مرتين فما خرجت، فذهب وولى وتركها، تركها لوحدها، فإذا به في أثناء الطريق يصاب بحادث فيجلس في المستشفى ستة أشهر لا يستطيع أن يتحرك.
هل جزاء الإحسان إلا الإحسان يا عبد الله؟! هل هذا هو الإحسان إلى والديك؟! هل هكذا تبرهما؟!
يقول لك الأب: أريد حاجة، وتقول لك الأم: أريد حاجة من السوق، أو تذهب بي إلى فلانة، فتقول: لا أستطيع، عندي عمل! سبحان الله أين بر الوالدين؟! أنسيتهما وضيعت حقهما؟!
стр. 724
نموذج للطاعة في أروع صورها
هذا أحد العلماء المحدثين يجلس في مجلس العلم، وعنده عشرات بل لعله المئات من التلاميذ يحدثهم، ويكتبون خلفه، تأتيه أمه في أثناء الدرس، فتقول له: يا فلان! فيقول: لبيك يا أماه! فتقول له: أطعم الدجاج، فانظر هذا العمل التافه، وانظر إلى هذا العمل الحقير، لكن صدر ممن؟ من أم عظيمة، من أم لها حق عليك كبير، أتعرف ماذا يفعل هذا الرجل؟ لم يقل لأمه: بعد الدرس أو بعد قليل.
لا والله! بل يغلق الكتاب، ثم يقوم من مجلسه، ثم يطعم الدجاج، ثم يرجع إلى درسه، ويكمل حديثه.
فهلا فعلنا هذا يا عباد الله! أم أن الواحد يقدم زوجته، ويقدم أصحابه، ويقدم عمله الدنيوي، ويقدم تجارته، ويقدم لهوه وراحته على أمه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف:١٥].
فالمدة ليست يوماً ولا يومين، بل تسعة أشهر، لا تستطيع فيها تنام مثل الناس، ولا تأكل مثل الناس، ثم بعدها عامين -يا عبد الله- تقوم في الليل ست أو سبع مرات لأجلك، تبكي إذا بكيت، وتسهر إذا تعبت، والأب لا يرتاح حتى يعطيك لقمة العيش لتسد بها جوعك، والله! لا يلبس وأنت تلبس، ولا ينام وأنت تنام، ولا يرتاح وأنت ترتاح، ثم بعد هذا نسيت حقهما يا عبد الله! أي فجور بعد هذا الفجور؟!
стр. 725
قصة تبين فضل دعوة الوالدة
اسمع إلى هذه القصة الأخيرة: قصة أبان بن عياش يقول: كنت عند أنس في البصرة، يقول: فخرجت من عنده، يقول: فإذا بجنازة يحملها أربعة من المسلمين -الله أكبر! جنازة لا يحملها إلا أربعة- يقول: فتبعتها وقلت: والله لأتبعن هذه الجنازة، جنازة ما يحملها إلا أربعة ولا يتبعها أحد، يقول: فدفناها، وبعد الدفن قلت لهم: سبحان الله! ما شأن هذه الجنازة؟ فقال الرجال، سل هذه المرأة التي استأجرتنا، أربعة كلهم مستأجرين، تبعوا الجنازة وصلوا عليها ودفنوها، يقول: فتبعت المرأة، يقول: ولما جاءت إلى البيت، طرقت عليها الباب، فقلت: يا أمة الله! أخبريني عن شأن هذه الجنازة، فقالت: هذه جنازة ابني، قلت: وما شأنها؟ قالت: لما حانت ساعة الوفاة، قال لي: يا أماه تريدين لي السعاة؟ فقلت: نعم يا بني -وكان رجلاً فاسقاً عاصياً عاقاً- فقال لها: يا أماه! إذا حانت ساعة الوفاة، فلقنيني الشهادة، ثم إذا مت لا تخبري أحداً بجنازتي، فإنهم يعرفون معصيتي، فإنهم إن عرفوا فلن يصلوا عليّ، ولكن ارفعي يديك إلى الله وقولي: اللهم إني قد أمسيت راضية عنه فارض عنه، اللهم إني قد أمسيت راضية عنه فارض عنه، ثم ضحكت المرأة، فقال لها أبان بن عياش: ما يضحكك يا أمة الله؟ قالت: والله! فعلت ما قال، فرفعت يدي، وقلت: اللهم إني قد أمسيت راضية عنه فارض عنه، فإذا بي أسمع منادياً يناديني، ويقول لي: يا أماه! يا أماه! قدمت على رب رحيم كريم غير ساخط عليَّ ولا غضبان بدعوتك لي: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن، منها: دعوة الوالد على ولده).
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣].
والله لو تغسل الأذى منهما، ولو تحمله بيدك عنهما، ولقد فعلا هذا -يا عبد الله- وأنت صغير أفلا تفعله وهما في الكبر؟!
يا عبد الله! لو لم تنم الليل وتضيع تجارتك كلها وعملك الدنيوي كله لأجل الإحسان إليهما، لكان قليلاً عليهما.
عبد الله: كيف تنام وقد سهرا عليك.
عبد الله: كيف يهنأ لك بال وقد كانا يتعبان عليك، ألذ ما عندهما وأفرح ما عندهما سعادتك، أما الآن رميتهما، ولم تدر عنهما، حتى إنك تسمع بعض الناس يقول: هل يكفي أن أزوره في الأسبوع مرة؟ سبحان الله! في الأسبوع مرة، هل تأتي لزوجتك في الأسبوع مرة؟! هل تجلس مع أولادك في الأسبوع مرة؟! هل تجلس مع الأصحاب والأحباب في الأسبوع مرة؟! حتى تسألني!! (من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك، قال: ثم من؟ قال: الأقرب فالأقرب) قبل الزوجة قبل الأولاد قبل الأصحاب قبل الأقرباء، أمك لها ثلاثة أرباع الحقوق، ثم الأب له ربع الحق.
стр. 726
الدعاء للوالدين المتوفيين
عبد الله: إن قلت لي: إن لي والدين قد توفيا، فاسمع لهذا الأثر، يقول أبو هريرة ﵁: [ترفع للميت بعد موته درجته، فيقول: -أي بعد الموت لما يلقى الله، ويرى درجته عالية في الجنة وله منازل رفيعة في الجنة، وهو لم يفعل شيئاً في الدنيا- فيقول: أي ربي! أي شيء هذا؟ -هذه الدرجات والأعمال أي شيء هذا يا رب؟ - فيقول: ولدك استغفر لك] ادع لهما اللهم اغفر لي ولوالدي، ادع لهما في السجود وفي السحر وبين الأذان والإقامة وفي أي وقت يستجاب فيه الدعاء، ادع لهما بالمغفرة: (وولد صالح يدعو له) وعليك بكثرة الصدقة عنهما، فإن الصدقة مقبولة، عن الأحياء والأموات، وإن اعتمرت أو حججت عن نفسك، فإنه يشرع لك -يا عبد الله- ويجوز لك أن تعتمر عنهما وتحج عنهما.
يا عبد الله: إياك إياك أن تنساهما ولو ماتا ولو توفيا! هذا نوح ﵇ يقول: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً﴾ [نوح:٢٨].
أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
وصلَّ اللهم وسلم على نبينا محمد.
стр. 727
الأسئلة
.
стр. 728
طاعة الوالدين في كل الأحوال
السؤال
أنا لا أستطيع أن أبر والدي لأنهما دائماً يسباني، فما أعمل؟
الجواب
بالنسبة لهذا السؤال أنهما دائماً يسبانه -أخي الكريم- بل حتى لو ضرباك، بل حتى لو عذباك فإن البر يبقى ويبقى، بل أخي الكريم وإن جاهداك على أن تشرك بالله ما ليس لك به علم فلا تطعهما في هذه المعصية، ولكن صاحبهما في الدنيا معروفاً، بل البر بالوالدين يجوز حتى للمشركين، حتى لو كانا مشركين فبرهما وأحسن إليهما يا عبد الله، فكيف إذا كانا مؤمنين، إن سباك فادع لهما بالمغفرة، وإن شتماك فأحسن إليهما، وهذا رجل يأتي إلى النبي ﷺ فيقول: (إن لي رحماً أصلهم ويقطعونني، وأحلم عليهم ويجهلون عليَّ، قال: إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل).
إذاً: -يا عبد الله- استمر على هذا واصبر عليه وادعهما إلى الله جلَّ وعلا، وادع لهما بالمغفرة لعل الله أن يجعل لك من أمرك فرجاً.
стр. 729
الدعاء للميت الذي لم يكن يصلي
السؤال
رجل مات ولم يركع لله ركعة، ولم يسجد لله سجدة، فهل يجوز لأبنائه الدعاء له؟
الجواب
إن كان -يا عبد الله- يعلم بهذا الدين وبأن الصلاة عمود الإسلام وبأن تاركها يكفر فإن هذا لا يستحق الدعاء؛ لأن النبي ﷺ يقول: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) وقال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وهذه أم النبي ﷺ ، طلب النبي ﷺ من ربه أن يزور قبرها، فأذن الله له، فاستأذنه أن يدعو لها فلم يأذن الله له، فما أذن الله لنبيه أن يدعو لها برحمة ولا بمغفرة، وكان يأتي النبي ﷺ ويجلس عند قبرها ويتذكر شأن أمه وحال الآخرة وكان يبكي ﵊.
أما الدعاء فإنه لهذا ولغيره ممن لم يسجد لله سجدة ولم يركع لله ركعة فإنه لا يجوز، والله أعلم.
стр. 730
صور مشرقة للعفيفات
تتضمن هذه الصور المشرقة قصصاً من حياة نساء تميزن بالصلاح والعفة والتقوى والالتزام بالإسلام الذي كرم المرأة.
وفي ثنايا هذه الصور المشرقة ترد بعض الصور المظلمة لنساء شقيات، ليتضح الضدان، وبضدها تتميز الأشياء.
كما سلطت هذه المادة أضواءها على صور من تضحيات المرأة وخدمتها للدين، وعلى مواقف حاسمة في حياة بعض النساء، نقلتهن من الظلمات إلى النور.
стр. 731
نساء في الجنة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
حديثنا في هذه الجلسة إلى النساء خاصة، وهي صورٌ مشرقة من حياة الفاضلات الأوليات، بل وسوف نذكر في طيات هذه الصور بعضاً من الصور المظلمة؛ ليتميز الضدان، وليتبين الفرق بين الصور المظلمة وبين الصور المشرقة.
المرأة لها حقوق في الشرع والدين، وفي العقل والفطرة، إن الإسلام لما جاء أكمل المرأة وأعظم شأنها، وجعل لها حقوقاً وعليها واجبات، بل من النساء من بشرها النبي ﷺ بالجنة وهي تمشي على الأرض.
стр. 732
المرأة السوداء التي صبرت على الصرع
هذه امرأة سوداء كانت تصرع، فجاءت رسول الله، وانظرن إلى النبي ﷺ كيف يحرص على امرأة سوداء تأتي إليه فتقول له: (يا رسول الله! إني أصرع فادع الله لي، قال: إن شئت صبرتِ ولك الجنة، وإن شئتِ دعوت الله لك، قالت: -وانظرن إلى صبرها وحبها للقاء الله وتعلقها بالجنة- بل أصبر؛ لكن ادع الله ألا أتكشف) نعم، إنها الجنة لكنه الحياء، إنها الجنة لكنها العفة.
стр. 733
الرميصاء في الجنة
امرأة من أهل الجنة وهي تمشي على الأرض.
يقول النبي ﷺ : (رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بـ الرميصاء) زوج أبي طلحة رآها النبي ﷺ في الجنة، تعرفين لمَ دخلت هذه المرأة الجنة؟
انظري إلى بعض مواقفها.
يقول أنس: خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: إنه لا ينبغي أن أتزوج مشركاً، أما تعلم يا أبا طلحة! -انظري للداعية، انظري للمسلمة المتمسكة بدينها التي لا تضرها زينة الحياة الدنيا- قالت لهذا الرجل الذي أراد الزواج منها: أما تعلم يا أبا طلحة أن آلهتكم ينفثها عبد آل فلان، وأنكم لو أشعلتم فيها ناراً لاحترقت، قال: فانصرف وفي قلبه ذلك، ثم أتاها وقال: يا أم سليم إن الذي عرضت عليَّ قد قبلت، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يقولون: فما كان لها مهرٌ إلا الإسلام: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٦٨ - ٧٠] بشرن بالجنة وهن على الأرض يمشين ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١].
стр. 734
نساء عابدات
تشتكي المرأة فتقول: همٌ وغم، أحس بوحشة في الصدر، لا أدري، فعلت كل شيء، الأغاني سمعتها، الأفلام تابعتها، كل موضة لبستها، خرجت إلى المطاعم، سافرت إلى كل مكان، فعلت كل شيء، لكن الهم لا زال يلاحقني ولا زال يراودني ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] إلى هؤلاء نوجه حديثنا.
стр. 735
عبادة أم الهذيل
يقول إياس بن معاوية عن أم الهذيل؛ وهي فقيهة أنصارية حفصة بنت سيرين، يقول: قرأت القرآن ولها من العمر ثنتا عشرة سنة، اشترت لها جارية، فسألت الجارية: كيف رأيت مولاتك؟ -كيف ترينها في البيت ماذا تصنع؟ - فذكرت كلاماً بالفارسية -كانت فارسية- ومعنى كلامها: أنها امرأة صالحة، وأظنها أذنبت ذنباً عظيماً؛ لأنها تبكي الليل كله وتصلي.
بكى الباكون للرحمن ليلاً وباتوا دمعهم لا يسأمونا
لقاء الأرض من شوقٍ إليهم تحن متى عليها يسجدونا
ماذا نقول لامرأة تبكي الليل؛ لكن لمَ؟ على عشيقٍ لها، وأخرى تسهر الليل، هل على القرآن؟ لا والله، على مسلسلٍ أو فيلم في الثلث الأخير تشاهده، وأخرى تنتظر رنة الهاتف لترفعه وقلبها يرتجف، هل شابٌ يكلمها، أو آخر يتعرف عليها ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٦ - ٥٧].
стр. 736
عبادة أم الدرداء الصغرى
أم الدرداء الصغرى؛ هذه امرأة صالحة، كل ليلة تحضر إليها نساء في الليل، نساء متعبدات، تعرفين لمَ؟ بعض نساء هذه الليالي يسهرن لكن على أي شيء؟ ويخرجن في الليل ولكن لمَ؟
أما هذه المرأة فكانت كل ليلة تحضر إليها نساءٌ متعبدات يقمن الليل كله، حتى أن أقدامهن قد انتسخت من طول القيام: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].
الإسلام يريد المرأة هكذا عفيفة طاهرة، تخاف من الله، تصلي الصلاة في وقتها، تقرأ كتاب ربها، تحفظ نفسها، أما أهل الغرب، أما دعاة الحرية، فإنهم يريدون المرأة سلعة تباع وتشترى، هكذا يريدون المرأة، هكذا يتمنون أن تكون.
стр. 737
عبادة زينب زوج الرسول ﷺ
انظري يا أختي الفاضلة! إلى النبي ﷺ : (يدخل المسجد يوماً فإذا حبلٌ مشدودٌ بين ساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبلٌ لـ زينب ﵂ فإذا فترت -أي من قيام الليل- تعلقت بالحبل لتكمل الصلاة، فقال النبي ﷺ : لا، حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد، فإذا فتر فليرقد) ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥] أرأيت الفرق بين الصورتين؟ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:١٥٤].
стр. 738
عبادة عثيرة
عثيرة العابدة؛ هذه تعاتب في قلة نومها، الناس يقولون لها: لمَ لا تنامين كثيراً؟ لم نومك قليل؟ فقالت: ربما اشتهيت أن أنام -بعض المرات أتمنى النوم- فلا أقدر عليه، وكيف ينام من لا ينام عنه حافظاه ليلاً ولا نهاراً؟! ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦].
стр. 739
عبادة عصمة الدين
امرأة تسمى عصمة الدين وهي زوجة الملك الصالح نور الدين زنكي، رجلٌ صالح وزوجته صالحة، في ليلة من الليالي قامت غاضبة فزعة من نومها، فسألها زوجها: ما الذي أغضبك؟ ما الذي حدث؟ ما الذي جرى؟ فقالت وهي تبكي: فاتني وردي البارحة فلم أصل من الليل شيئاً.
عباد ليلٍ إذا جن الظلام بهم كم عابدٍ دمعه في الخد أجراهُ
أما نساء اليوم إلا من رحم ربي فنعم.
تفزع بالليل تبكي، تعرفين لمَ؟ تتذكر عشيقها وحبيبها، تفزع من الليل تبكي، تعرفين لمَ؟ لأن فراشها تنام فيها الشياطين قبل أن تنام هي، غرفتها امتلأت بالصور، صور من؟ صور الممثلين والمطربين، المغنين والمغنيات، امتلأت بالأغاني والمعازف فإذا بالشياطين قد عشعشت في غرفتها، تقوم من الليل فزعة تقول: ما أدري ما الذي يخنقني؟ ما أدري ما الذي يفزعني؟ كوابيس من أول الليل إلى آخره، ضيعت الصلاة، هجرت القرآن، أكبت على الأغاني والأفلام والموسيقى والمعازف، شتان بين أولئك وهؤلاء.
стр. 740
نماذج من تضحيات النساء
صورٌ مشرقة:
следующие страницы →