← Джавами‘

Джавами‘ · id 7717

دروس للشيخ نبيل العوضي

نبيل العوضي

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

عبادة أم الدرداء الصغرى أم الدرداء الصغرى؛ هذه امرأة صالحة، كل ليلة تحضر إليها نساء في الليل، نساء متعبدات، تعرفين لمَ؟ بعض نساء هذه الليالي يسهرن لكن على أي شيء؟ ويخرجن في الليل ولكن لمَ؟ أما هذه المرأة فكانت كل ليلة تحضر إليها نساءٌ متعبدات يقمن الليل كله، حتى أن أقدامهن قد انتسخت من طول القيام: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. الإسلام يريد المرأة هكذا عفيفة طاهرة، تخاف من الله، تصلي الصلاة في وقتها، تقرأ كتاب ربها، تحفظ نفسها، أما أهل الغرب، أما دعاة الحرية، فإنهم يريدون المرأة سلعة تباع وتشترى، هكذا يريدون المرأة، هكذا يتمنون أن تكون.

стр. 737

عبادة زينب زوج الرسول ﷺ انظري يا أختي الفاضلة! إلى النبي ﷺ : (يدخل المسجد يوماً فإذا حبلٌ مشدودٌ بين ساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبلٌ لـ زينب ﵂ فإذا فترت -أي من قيام الليل- تعلقت بالحبل لتكمل الصلاة، فقال النبي ﷺ : لا، حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد، فإذا فتر فليرقد) ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥] أرأيت الفرق بين الصورتين؟ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:١٥٤].

стр. 738

عبادة عثيرة عثيرة العابدة؛ هذه تعاتب في قلة نومها، الناس يقولون لها: لمَ لا تنامين كثيراً؟ لم نومك قليل؟ فقالت: ربما اشتهيت أن أنام -بعض المرات أتمنى النوم- فلا أقدر عليه، وكيف ينام من لا ينام عنه حافظاه ليلاً ولا نهاراً؟! ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦].

стр. 739

عبادة عصمة الدين امرأة تسمى عصمة الدين وهي زوجة الملك الصالح نور الدين زنكي، رجلٌ صالح وزوجته صالحة، في ليلة من الليالي قامت غاضبة فزعة من نومها، فسألها زوجها: ما الذي أغضبك؟ ما الذي حدث؟ ما الذي جرى؟ فقالت وهي تبكي: فاتني وردي البارحة فلم أصل من الليل شيئاً. عباد ليلٍ إذا جن الظلام بهم كم عابدٍ دمعه في الخد أجراهُ أما نساء اليوم إلا من رحم ربي فنعم. تفزع بالليل تبكي، تعرفين لمَ؟ تتذكر عشيقها وحبيبها، تفزع من الليل تبكي، تعرفين لمَ؟ لأن فراشها تنام فيها الشياطين قبل أن تنام هي، غرفتها امتلأت بالصور، صور من؟ صور الممثلين والمطربين، المغنين والمغنيات، امتلأت بالأغاني والمعازف فإذا بالشياطين قد عشعشت في غرفتها، تقوم من الليل فزعة تقول: ما أدري ما الذي يخنقني؟ ما أدري ما الذي يفزعني؟ كوابيس من أول الليل إلى آخره، ضيعت الصلاة، هجرت القرآن، أكبت على الأغاني والأفلام والموسيقى والمعازف، شتان بين أولئك وهؤلاء.

стр. 740

نماذج من تضحيات النساء صورٌ مشرقة:

стр. 741

أول شهيدة في الإسلام أم عمار بن ياسر: وأنا أقول هذه القصة يا أختي الفاضلة! حتى تصبري على عفتك، وعلى الحجاب والطهارة، وعلى الدين والحياء، انظري إلى السابقات صبرن على ما هو أكبر وأكثر، الواحدة اليوم لا تصبر عن أغنية نزلت، أو فيلمٍ عرض، تقول: لا أستطيع أن أصبر، انظري إلى سمية أم عمار؛ امرأة عجوزٌ كبيرة، كان بنو مخزوم إذا اشتدت الظهيرة وقت الحر الشديد في الصيف الشديد، والتهبت الرمضاء خرجوا بها، أخرجوها وابنها وزوجها إلى الصحراء، وتصوري الصحراء في وقت الحر الشديد! وألبسوهم دروع الحديد، وأهالوا عليهم الرمال المتقدة، وأخذوا يرضخونهم بالحجارة، وهي تعتصم بالصبر، فذهبوا بروحها، وأفظعوا قتلتها، فقد أنفذ النذل الجبان أبو جهل حربته فيها، فكانت أول شهيدة في الإسلام ضحت بنفسها، ضحت بحياتها لأجل دينها ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١]. ثم انقلوا تلك الصورة إلى مجتمعنا، للأسف! فتاة تتأثر بكل ما هو جديد من الغرب، قصة باسم فلانة، وقصة باسم فلانة، وهذه فرنسية، وتلك إيطالية، وهذه قصة الأميرة الراحلة كما يسمونها، بل تلك قصة لكلبها، وللأسف مسلمات يتأثرن بالغرب حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلنه. نعم. تتأثر بكل ما هو جديد، وبكل ما هو منحطٌ ورذيل، ولكن: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٣٠] ثلاث ساعات تجلس في صالون تنظر إلى الكافرات تريد أن تتشبه بهن (ومن تشبه بقوم فهو منهم). بل أما سمعت بقصة بالعربي تسمى قصة الولد، وحتى اللغة العربية تبرءوا منها، يسمونها قصة الـ"البوي boy" امرأة تقص هذه القصة، تريد أن تتشبه بالرجال، والنبي ﷺ يقول: (لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، ولعن الله المتشبهات من النساء بالرجال).

стр. 742

تضحية أم شريك أم شريك غزية بنت جابر بن حكيم وقع في قلبها الإسلام فأسلمت بـ مكة، وكان ذلك في بداية السابقين في الإسلام، هل كتمت إيمانها وجلست؟! لا والله، كانت تدعو النساء سراً بـ مكة، وتعرفين ما كان يحصل في مكة، يعذبن، يطردن، بل القتل هو المصير، وكانت تدعو إلى الله سراً بـ مكة حتى انكشف سرها، فأخذوها وكادوا يقتلونها لولا قومها، فحملوها على بعير ليس عليه شيء، يقولون: فحملوها ثلاثة أيام على بعير لأجل أن يذهبوا بها إلى قومها، وتركوها ثلاثة أيام بلا طعام ولا شراب. تخيلي! ثلاث أيام في سفر لا تأكل ولا تشرب، ما الذي يحصل لها؟ لمَ كل هذا؟ لأجل دينها، لأجل إسلامها، فنزلوا منزلاً في الطريق بعد ثلاثة أيام، وأوقفوها تحت الشمس واستظلوا، كانوا دائماً يوقفونها تحت شمس وهم يجلسون تحت شجرة يستظلون بها، فبينما هم كذلك وهي على هذه الحال، تقول: إذ بأثر شيءٍ بارد وقع عليَّ منه، تقول: فإذا هو دلو ماء، فشربت منه قليلاً، هي الآن ربما تموت، تقول: لا أدري من أين يأتي الماء، دلو فيه ماء وأنا أشرب وأشرب تقول: ثم نزع مني، ثم عاد فتناولته فشربت منه قليلاً، ثم نزع مني، وهكذا يعود وينزع تقول: حتى رويت، ثم صببت سائره على جسدي وثيابي تقول: فلما جاءوا ورأوها وعلموا بخبرها، تعرفين ماذا صنعوا؟ كلهم كبروا وقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد:٢٢] صبروا، نعم. أنا أعلم أن هناك فتناً وإغراءات في الفضائيات، وفي وسائل الإعلام، وفي المجلات، وفي الملاحق الهابطة. نعم هناك دعاة لتحرير المرأة، يسمونه تحرير المرأة، وهو استعباد للمرأة، تحرير المرأة: بعبادة الله جل وعلا، بالرضوخ لأمره جل وعلا، لا يُعبد إلا الله، ولا يُعمل بأمره إلا الله جل وعلا، أما دعاة التحرير فهم دعاة لاستعباد المرأة، فاصبري رغم الإغراءات ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد:٢٢ - ٢٣] الآباء، والأزواج، والأولاد، يعني كل الأهل والأقرباء يدخلون معاً إلى أبواب الجنان، العفيفات، الطاهرات، القانتات، الصالحات، أليس هذا هو الجزاء الأعظم؟ والفضل الأكبر؟ ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤] صبرت على عفتها، كرامتها، حجابها، طهارتها ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤].

стр. 743

صورة مشرقة في الحياء والعفة الصديقة بنت الصديق إنها عائشة ﵂ تقول عن نفسها -واسمعي وتعجبي- تقول: كنت أدخل البيت الذي دفن فيه رسول الله ﷺ -لما مات دفن في غرفتها في بيتها- وأبي ﵁ أبو بكر لما مات دفن في غرفتها في بيتها- تقول: أدخل البيت واضعة ثوبي وأقول: إنما هو زوجي وأبي، تقول: فلما دفن عمر ﵁، والله ما دخلته إلا مشدودة عليَّ ثيابي حياءً من عمر ﵁، وهو ميتٌ مدفونٌ تحت التراب. هذا حياءٌ لا يكون إلا لأمثال عائشة، هذا حياءٌ لا ينبغي أن يكون إلا لأمثال الصديقة بنت الصديق. فهذه هند بنت عتبة ﵂ تبايع النبي ﷺ بيعة النساء، فأخذ عليهن في بنود البيعة: ألا يشركن بالله شيئاً، ولا يسرقن، ولا يزنين، لما سمعت كلمة يزنين، تعلمين ماذا صنعت؟ وضعت يدها على رأسها حياءً وهي تقول: وهل تزني الحرة؟ وهل تزني الحرة؟ فتقول لها عائشة: على هذا بايعنا فبايعي، وهي تقول: وهل تزني الحرة، وهل تزني الحرة؟! فبايعت النبي ﷺ وهي تتعجب هل تفعل هذا حرة من الحرائر؟ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] يقول مجاهد: هو الرجل يخلو بمعصية الله، حيث لا أحد فيذهب إلى المعصية، أغلقت الباب، فجاءت إلى ذلك المكان المظلم لتلتقي بصاحبها، لا أحد يراها، يقول: فيذكر مقام الله، يتذكر يوماً يقف فيه بين يدي الله، فيُذكِّرها: فلانة أتذكرين ذلك اليوم؟ تذكرين ذلك الهاتف؟ تذكرين ذلك الموقع في الإنترنت؟ تذكرين ذلك الرجل الذي كنت تصاحبينه وتعاشرينه؟ تذكرين ذلك المجلس أو تلك السهرة قال: فيذكر مقام الله، فيدعها خوفاً من الله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦]. عائشة تستحي من عمر وهو مدفونٌ تحت التراب! ما بال نسائنا لا يستحين من رجال في الحياة، تذهب إلى بعض المحلات فتختلي به في ذلك المحل، فتكلمه ويكلمها، وتضاحكه ويضاحكها، وبعد هذا: يوم القيامة لو علمت بهوله لفررت من أهلٍ ومن أوطانِ يوم تشققت السماء لهوله وتشيب منه مفارق الولدان يوم عبوسٌ قمطرير شره في الخلق منتشر عظيم الشانِ فتاة في سن الزواج تخرج كاسية عارية، لبست وكأنها ما لبست شيئاً، ضاقت ملابسها على جسدها حتى وصف جسدها كله: (صنفان من أهل النار لم أرهما وذكر منهما: نساء كاسيات عاريات) كشفت شيئاً من ساقها، كشفت شعرها، إنا لله وإنا إليه راجعون، وكأنها ما سمعت ربها يقول: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١].

стр. 744

صور مشرقة في الصلاح والتوبة نزل السري بن دينار في دار بـ مصر، كانت فيه امرأة جميلة، تفتن الناس بجمالها، بعض النساء وبعض الفتيات للأسف يتعمدن فتنة الناس، ولا تخف من رب الناس، وكان هذا الرجل صالحاً عابداً، فعلمت المرأة به فقالت: لأفتننه، لأفتنن هذا الشاب، فدخلت من الباب فكشفت وأظهرت نفسها، والسري أمامها، فقال لها: مالك يا فلانة؟ فقالت له: هل لك في فراشٍ طيب وعيش رخي؟ فقال لها: وكم ذي معاصٍ نال منهن لذة فلما تخلاها وذاق الدواهيا تزول ملذات المعاصي وتنقضي وتبقى تباعات المعاصي كما هيا فواسوءتا والله راءٍ وسامعٌ لعبدٍ بعين الله يغشى المعاصيا فصاحت المرأة وبكت، وأعلنت توبتها لله . تذكري يا أختي الفاضلة! تلك الليالي، تلك الأفلام والمسلسلات، هل حقاً ما نسمع أن بعض الفتيات تولع ببعض أشرطة المغنين؟! لا ينزل شريطٌ إلا وتبعته، بل تحفظ بعض الأشرطة، هل هذا صحيح؟ إن من العفيفات الطاهرات من حفظن كتاب الله، ومن الصور المظلمة من حفظت الأغاني والطرب. فكري يا أختي الفاضلة! هل صحيح أن بعض النساء تجلس على الإنترنت بالساعات؛ لتكلم فلاناً وليكلمها فلان، لتدخل إلى بعض المواقع التي تعلم في قرارة نفسها أن الله قد حرمها؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [التحريم:٨].

стр. 745

المرأة التي تابت على يد عبيد بن عمير انظري إلى نساء كنَّ في الرذيلة، كن منغمساتٍ في الشهوات، ولكن انظري كيف تاب الله عليهن: هذا رجل متزوجٌ بامرأة قالت له زوجته يوماً: ألا ترى أني جميلة؟ فقال لها: نعم. قالت: لا يرى أحدٌ هذا الوجه إلا افتتن، فقال زوجها: إلا واحد، قالت له: ومن هو؟ قال: عبيد بن عمير، فقالت له: فأذن لي فيه فلأفتننه، قال: قد أذنت لكِ -هل رأيت ديوثاً مثل هذا؟ يأذن لزوجته أن تفتن رجلاً- قال: فذهبت فأتته كالمستفتية، وكان الرجل صالحاً عابداً، فجاءت كأنها تسأله عن مسألة شرعية، فأخذ يجيبها فإذا بها تسفر عن وجهها كأنه فلقة قمر، فقال لها: يا أمة الله! قالت: إني قد فتنت بك، فانظر في أمري، فقال لها: يا أمة الله! إني سائلك عن شيءٍ، فإن أنت صدقتيني نظرت في أمرك، قالت: لا تسألني عن شيءٍ إلا صدقتك، قال: أخبريني يا أمة الله! لو أن ملك الموت أتاك ليقبض روحك أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا، اللهم لا. قال: صدقتِ، فلو أدخلت في قبرك وأجلست للمساءلة أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا، اللهم لا. قال: صدقتِ، فلو أن الناس أعطوا كتبهم ولا تدرين أتأخذين كتابك بيمينك أم بالشمال؛ أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا، اللهم لا. قال: صدقتِ، ولو جيء بالموازين وجيء بك لا تدرين تخفين أم تثقلين؛ أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا، اللهم لا. قال: صدقتِ، فلو وقفت بين يدي الله للمساءلة أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقتِ، فاتقي الله يا أمة الله! فقد أنعم الله عليك وأحسن إليك، فبكت المرأة ورجعت إلى زوجها عابدة زاهدة متنسكة، يقول زوجها: مالي ولـ عبيد بن عمير، أفسد عليَّ امرأتي ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦]. أختي الفاضلة! وأنا أسألك نفس السؤال، أيسرك وملك الموت عند رأسك أن تفعلي هذا الذي تفعلينه اليوم؛ تخرجين بهذه الملابس، تنظرين إلى من شئتِ ويكلمك من شاء، وتختلين بمن شئت ويختلي بك من شاء؟ أختي الفاضلة! فكري في تلك المواقف التي سوف نقفها غداً لا تقولي: الموت بعيد، ما أدراك لعل الموت أقرب مما تتصورين؟ لعلك لا تنهي سماع حديثي ألم تسمعي بفلانة؟ عمرها ستة عشر عاماً، وأربعة عشر عاماً، وعشرين عاماً، قد قضت نحبها؟ أما سمعت بفلانة عقدت قرانها ولما يدخل عليها زوجها لكن ملك الموت أقرب، كانت تتجهز لعرسها، واشترت أغلى ملابسها، ولكن ملك الموت بالمرصاد! فكري يا أختي الفاضلة! فكري بهذا الذي أقول.

стр. 746

المرأة التي حاولت فتنة الربيع بن خثيم الربيع بن خثيم، يروى أن قوماً أمروا امرأة ذات جمال أن تتعرض له. رجلٌ صالح يخاف ربه، فقالوا لها: نعطيك ألف درهم إن فتنتيه، فلبست أحسن الملابس، وتطيبت، وتعطرت، فتعرضت له في طريقه، فقال لها الربيع: يا فلانة -وأنا أحدثك بهذه الكلمات، اسمعي وتدبري، أرجو رجاءً حاراً أن تنتبهي إلى هذه الكلمات- كيف بك لو قد نزلت الحمى بجسمك فغيرت ما أرى من لونك وبهجتك؟ أم كيف بك لو قد نزل بك ملك الموت فقطع منك حبل الوريد؟ أم كيف بك لو سألك منكرٌ ونكير؟ فصاحت المرأة، وبكت، وسقطت وقد أغشي عليها، فحملت فلما أفاقت قالت: رب إني تبت إليك، رب إني تبت إليك، رب إني تبت إليك. يا نفس توبي فإن الموت قد حانا واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا أما ترين المنايا كيف تلقطنا لقطاً فتلحق أخرانا بأولانا في كل يومٍ لنا ميتٌ نشيعه نرى بمصرعه آثار موتانا هذه امرأة صالحة عابدة تحيي الليل بالصلاة تقوم من الليل إلى السحر، كل ليلة تقوم الليل، فإذا كان السحر آخر الليل نادت -انظري ماذا تقول آخر الليل؛ بعد أن صلت الليل كله واقترب الفجر؛ تنادي بصوتٍ محزون وهي العابدة الصالحة- تقول: رب إليك قطع العابدون دجى الليل بتكبير الدلج إلى ظلم الأسحار يستبقون إلى رحمتك، وفضل مغفرتك، فبك إلهي لا بغيرك أسألك أن تجعلني في أول زمرة السابقين إليك، وأن ترفعني إليك في درجة المقربين، وأن تلحقني بعبادك الصالحين، فأنت أكرم الكرماء، وأرحم الرحماء، وأعظم العظماء، ثم تخر ساجدة فلا تزال تبكي وتدعو في سجودها حتى يطلع الفجر، تعرفين كم مرة تفعل هذا الفعل؟ ثلاثين سنة وهي على هذا الحال، نعم الناس درجات، والناس أقسام: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢]. هل سمعت بفتاة تحفظ أسماء اللاعبين؟! بل تتابعهم في المباريات، لا إله إلا الله! أين الحياء؟ أين العفة؟ أين الكرامة؟ أين الطهر؟ هل وصل بنا الحال إلى هذه الدرجة؟! هل سمعت بفتيات يحفظن جميع أنواع الماركات؟! كل ساعة تنزل، كل موضة تنزل، تجدينها في الأسواق كل ليلة تجوبها. أختي الفاضلة! لو سألتيها كم تحفظين من كتاب الله؟ متى ختمت القرآن آخر مرة؟ هل صليت الفجر اليوم هل أمرت بالمعروف أو نهيت عن منكر؟ هل ذكرت الله صباح مساء؟ لقالت لك: هاه هاه لا أدري! من الذي فعل بنا كل هذا؟ إنهم دعاة تحرير المرأة، يريدونها كل يومٍ في يد رجل، كل يومٍ على عتبة باب.

стр. 747

توبة فتاة اسمعي إلى هذا الشاب العابد، كان حسن السمت، كثير العبادة، شاباً عابداً، نظرت إليه فتاة فشغفت به، وتعلقت به، فقالت له يوماً من الأيام وقد تعرضت له: يا فتى! اسمع مني كلمات أكلمك بها، وهو لا يكلمها، كل يومٍ تعترض طريقه، تقول: يا شاب أريد أن أكلمك كلمات وهو لا يكلمها، حتى وقف يوماً من الأيام فقالت له: يا فلان! إن جوارحي كلها مشغولة بك، فالله ألله في أمري وأمرك، ذهب الشاب إلى منزله أراد أن يصلي فلم يعرف كيف يصلي، تعرفين ماذا صنع؟ أخذ قرطاساً وكتب فيها كلاماً، فلما رآها في الطريق، ألقى إليها الكتاب، ففتحت الشابة الكتاب، ماذا في هذا الكتاب؟ اسمعي/ وأرجو منك يا أختي الفاضلة أن تتدبري هذه الكلمات! قال لها في الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اعلمي أيتها المرأة أن الله إذا عصاه العبد حلم أول مرة، فإذا عاد إلى المعصية مرة أخرى ستر، فإذا لبس لها ملابسها غضب الله تعالى لنفسه غضبة تضيق منها السماوات والأرض والجبال والشجر والدواب، فمن ذا يطيق غضبه! يا فلانة! إن كان ما ذكرت باطلاً فإني أذكرك يوماً تكون السماء فيه كالمهل، وتصير الجبال كالعهن، وتجثو الأمم لصولة الجبار العظيم، وإني والله قد ضعفت عن إصلاح نفسي فكيف بإصلاح غيري. يا فلانة! وإن كان ما ذكرت حقاً، فإني أدلك على طبيبٍ يداوي الكلوم والأوجاع المريضة، ذلك هو الله رب العالمين، فاقصديه بصدق المسألة فإني مشغول عنك بقول الله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٨ - ١٩] فأين المهرب من هذه الآية؟ انتهت الرسالة. وتعرضت له بعد أيام فتركها فقالت له: يا فلان لا ترجع! فلا كان الملتقى بعد هذا اليوم أبداً إلا بين يدي الله، ثم بكت وقالت له: عظني بموعظة أحملها عنك، أوصني بوصية أعمل بها، قال: أوصيك بحفظ نفسك من نفسك، وأذكرك قول الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام:٦٠] فبكت بكاءً شديداً، ثم لزمت بيتها، وأخذت بالعبادة فلا تزال تتعبد ربها حتى ماتت. لمَ لا تكونين أنتِ؟ لم لا يا أختي الفاضلة؟! إلى متى يسترنا الله؟ إلى متى تكلمين وتنظرين وتخرجين بهذه الملابس والله يحلم علينا؟ ضحكوا عليكِ وقالوا لك: فتى الأحلام يحمل في فمه سيجارة، فتى الأحلام الذي يعيش في جو الموسيقى الهادئة، فتى الأحلام الذي يدعك تفعلين ما تشائين، فتى الأحلام يركب سيارة فارهة. ضحكوا عليك وهزئوا بك كأنك لا تعلمين أن كثيراً من تلك الزيجات قد باءت بالفشل والطلاق، وعاشت بعضهن عيشة ألمٍ وحسرة وندم؛ تقول إحداهن: ظننته فارس أحلامي الذي كنت أحلم به طوال حياتي، فلما تزوجته فإذا هو الشقاء بعينه، وهو العذاب بأسره، يقول لي في يوم من الأيام: لم تتحجبين أمام أصحابي وأصدقائي؟ قلت له: اتقِ الله، يقول: لا، أما أمام أصحابي فلا أرضى بالحجاب، البسي الملابس الضيقة والشفافة، ماذا تريدين أن يقول عني الناس؟ ماذا تظنينهم يقولون عني؟ اكشفي الحجاب، وانزعي الحجاب، أتريدين هذا الفتى أم تريدين غيره؟

стр. 748

صور مشرقة أخرى في العفاف صور مشرقة من العفيفات: يقول خارجة بن زيد: هويت امرأة من الحي، فكنت أتبعها إذا خرجت من المسجد، يقول: فعرفت ذلك مني، عرفت هذه المرأة أن فلاناً يلحقها، فقالت لي ذات ليلة: ألك حاجة؟ قلت: نعم. قالت: ما هي؟ قلت: مودتك -انظري إلى هذه الكلمات التي تخدع بها بعض النساء، وبعضها تخدع باتصال، تخدع برسالة، تخدع بكلمة؛ مسكينة خدعت وطالما خدعت النساء- ماذا ردت المرأة على هذا الرجل؟ قال: أريد مودتك، فقالت له: دع ذلك ليوم التغابن، قال خارجة: فبكيت، والله أبكتني فما عدت إلى ذلك أبداً: تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الوزر والعارُ تبقى عواقب سوءٍ في مغبتها لا خير في لذةٍ من بعدها النارُ نعم، إنها لذة دقائق ولكن يبقى العار، وتبقى الحسرات، ويبقى الألم، ويبقى عذاب القبر وعذاب الحشر، وتبقى النار: تبقى عواقب سوءٍ في مغبتها لا خير في لذةٍ من بعدها النارُ يقول أبو محمد الشيباني: كان بـ البصرة رجل له أكار -يعني عامل حراث- وهذا الحراث كانت له امرأة جميلة، فوقعت امرأة الحراث في نفس الرجل، نظر إليها فأعجب بها، فركب إلى القصر وقال للحراث: الْقط لنا من الرطب، وافعل كذا، واذهب به إلى آل فلان، وإلى بيت فلان، حتى يخلو له الجو، يقول: فلما مضى الزوج، جاء إليها في البيت فقال للزوجة: أغلقي باب القصر، فأغلقته، فقال لها: أغلقي كل باب، ففعلت، فقال لها: هل أغلقتِ جميع الأبواب، قالت: نعم إلا باباً واحد لم أغلقه قال: لِمَ لم تغليقه؟ قالت: لا أستطيع، قال لها: أي بابٍ؟ فقالت له: الباب الذي بيننا وبين الله ، فبكى ثم قام يتصبب عرقاً وانصرف ولم يواقع الخطيئة. ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ثم قال الله: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]. وبعض النساء تجد الواحدة منهن لا مانع عندها أن تجلس مع أي رجل، وتغلق الباب فتضاحكه ويضاحكها، للأسف ليس عندها مانع أن تسافر لوحدها بغير محرم، تقول: أنا حرة! حرة مم يا أختي الفاضلة؟! تقول: لا أحد يتحكم بي! حتى الله لا يتحكم بك! حتى الله جل وعلا لا تريدين أن يتحكم بك! يا أختي الفاضلة! فكري فإن الله هو أحكم الحاكمين، والله جل وعلا لا تخفى عليه خافية.

стр. 749

عفاف مريم سمعت بمريم ابنة عمران: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم:١٢] جاءها الملك فبشرها بالولد، تعرفين ماذا قالت؟ ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ [مريم:٢٠] حتى جاءها المخاض وهي الشريفة العفيفة الطاهرة، تعرفين ماذا تمنت؟ ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٣] تتمنى الموت حتى لا تتهم بعفتها وطهارتها.

стр. 750

رفقة العمل الصالح أختي الفاضلة! هذه الكلمات أرجو أن يرن صداها في عقلك وفي قلبك، فكري فيها مراراً وتكراراً/: الدنيا زائلة، والموت قريب، وسوف نخرج من هذه الدنيا عما قريب، انظري إلى من سبقك، إلى من غادرت هذه الحياة، إلى من فارقت الدنيا، ماذا أدخلت معها في قبرها، من سوف ينجيها عند الله؟ هل صاحبتها صاحبات السوء؛ أو عشيقها وحبيبها، أو غريمها؟ من الذي سوف ينجيها إلا عملها الصالح ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. أتعصي الله وهو يراك جهراً وتنسى في غدٍ حقاً لقاه وتخلو بالمعاصي وهو دانٍ إليك ولست تخشى من سطاه وتنكر فعلها وله شهودٌ على الإنسان تكتب ما حواه فويل العبد من صحفٍ وفيها مساويه إذا وافى مساه ويا حزن المسيء لشؤم ذمٍ وبعد الحزن يكفيه جواه ويندم حسرة من بعد فوتٍ ويبكي حيث لا ينجي بكاه يعض يديه من أسفٍ وحزنٍ ويندم حسرة مما دهاه فبادر بالمتاب وأنت حي لعلك أن تنال به رضاه اللهم يا عظيم العفو، يا واسع المغفرة، يا قريب الرحمة، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أذقنا عفوك وغفرانك، واسلك بنا سبيل مرضاتك، وعاملنا بلطفك وإحسانك، واقطع عنا ما يبعد عن طاعتك، اللهم وثبت محبتك في قلوبنا، وقوها ويسر لنا ما يسرته لأوليائك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 751

فتور داعية أهل الحق وحملة دعوة الأنبياء بشر يخطئون ويصيبون، ويصابون بالأمراض والأعراض في القلوب والأجسام. وهنا عرض لآفة تصيب الدعاة، وهي فتورهم عن دعوتهم، وعرض لصفات الداعية المصاب بها، ثم بحث عن أسباب نشوء هذا الفتور. والجزء الأخير من هذه المادة يتضمن بعض النصائح التي تعد علاجاً ووقاية من هذا المرض.

стр. 752

بداية الفتور ونماذج من أهل الهمم الحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه. وبعد: أيها الإخوة: الموضوع كما سمعتم هو: فتور داعية، قصة رجل كان يوماً من الأيام يدعو في الناس، ويتكلم ويخطب، وكان يذكر في المجالس، ما كان يوماً من الأيام يدعو أهله وزوجته وأمه وأبناءه، بل كان في بداية التزامه لا يمر في الشارع أو في السوق ويرى منكراً إلا وتكلم وينصح ويذكر. كان لا يرضى أن يجلس مجلساً وفيه منكر، بل يتمعر وجهه إلا إذا تكلم. كان يوماً من الأيام يوزع الأشرطة على الناس التي فيها الخير والذكر، ويوزع الأوراق، وينصح، ويطرق الأبواب، ويدعو الناس إلى الصلاة، لسان حاله كان يقول: ﴿يا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١]. قصة هذا الرجل الذي بدأ يفتر ويضعف، بدأ لا يشعر بالمسئولية، بدأ لا يهتم، تذكره الساعة والساعتين، وكأن هموم الأمة وهموم الدعوة لا تعنيه، بل كأنك لا تكلم إنساناً يشعر أو فيه قلب، يقول الله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢]. إن سألته عن هدفه في هذه الحياة تجده لا يدري لماذا يعيش ولا يعرف. يجلس المجالس بالساعات الطوال، لا هم له إلا أن يشرب الشاي والقهوة، ويأكل الطعام، ويتحدث عن فلان وفلان، لا يبالي بأحوال الأمة، ولا بهموم الدعوة.

стр. 753

عباد بن بشر نموذج من أهل الهمم بعث النبي ﷺ عباد بن بشر وعمار بن ياسر، حارسين للمسلمين، فجاء الليل فقال عباد لـ عمار: تنام أول الليل أو آخره؟ قال عمار: بل أنام أول الليل، فنام عمار بن ياسر، وقام عباد بن بشر يحرس ثغراً من ثغور المسلمين، فقام يصلي، لم يقرأ الجريدة، أو يتحدث ويتسامر مع نفسه، أو ينظم الأشعار وغيرها، بل لا أحلى ولا أجمل عنده من أن يقوم الليل، فقام يصلي، فنظر إليه أحد المشركين في الليل فرماه بسهم فوقع فيه، فنزع السهم وأكمل صلاته، والدم ينزف منه، ثم رماه الثانية، فوقع فيه ونزعه وأكمل صلاته، ثم رماه الثالثة فانتبه عمار فقال: لِمَ لم توقظني من أول رمية؟! فقال له عباد بن بشر: كنت في سورة أقرأها فلم أحب أن أقطعها حتى أفرغ منها، وايم الله لولا خوفي أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لما قطعت السورة حتى تنقطع روحي. انظر كيف يشعرون بالمسئولية، بعض الناس إذا حدثته بهم الدعوة، قال: وما شأني؟ تخبره بأمور المسلمين، فيقول: ماذا أفعل؟ تقول له: تضيع أوقاتك الثمينة، يا من كنت تحفظ بعض آيات في القرآن، يا من كنت تقرأ السنة، يا من كنت تحضر الدروس، ما فعلك اليوم في أمة الإسلام؟ ما دورك؟ ما نصيبك في نصر المسلمين؟ هل أنت من الذين يتفرجون، وينتظرون الساعة تلو الأخرى، لا هم له إلا أن يقرأ الأخبار، انتصر المسلمون، أو لم ينتصروا؟ إن حدثته بمصيبة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، أما أن يقوم ويتحرك فهذا لا هم له، ولا يبالي بهذا، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة:٣٨]. نعم. إنه يفتح محلاً تجارياً بعد أن كان داعية إلى الله، أصبح الآن مشغولاً بالتجارة، نهاره تجارة، ليله تجارة، كلامه تجارة، همه الدنيا، قال ﵊: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس وانتكس) إذا سألته أن يضحي بشيء في سبيل الله قال: أبنائي وزوجتي، البيت يحتاج، أريد أن أشتري سيارة فلان، أريد أن ألبس كفلان، أريد أن أسكن كفلان. صهيب يخرج من مكة وكان غنياً ثرياً، فلا يسمح له كفار قريش أن يهاجر إلى المدينة، فيقول لهم: ماذا تريدون؟ يقولون: لا نسمح لك أن تجمع المال منا ثم تهاجر بمالك إلى المدينة وتأخذ أموالنا، قال: ماذا تريدون؟ إذا كنتم تريدون أموالي فهي مدفونة في مكان كذا وكذا، خذوها واتركوني أهاجر إلى رسول الله، باع دنياه، وضحى واشترى نفسه في سبيل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١].

стр. 754

صفات الداعية الفاتر صفته: إن جلست معه يحسن الكلام، يحسن الجدل، ويحسن الحديث، أما العمل فلا، أما التضحية فلا، إن جلس في مجلس فإنه يتكلم عن هموم المسلمين، ويتكلم عن أعمال الدعوة إلى الله، يحسن الحديث، أما أن يقوم هو ويعمل فلا، فهو في آخر الركب، ينتظر غيره، ويأمر سواه، أما أن يتحرك هو فلا؛ بل يجلس مجالس لا هم له إلا الجدل والكلام، قال ﵊ كما في جامع الترمذي: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]. انطفأت الغيرة من قلبه، كان يوماً من الأيام إذا رأى منكراً تغير وجهه وتمعر وتضايق، أما الآن فتمر المنكرات وهو يبتسم، يجلس في البيت ويفتح التلفاز، يستمع إلى الأغاني والمنكرات ولا يبالي، يزور أهله وأقرباءه، النساء مع الرجال، الحديث بينهم، لا يبالي ولا يهتم، بل لا يتأثر ولا يتمعر وجهه، تغير الوقت، تغيرت النفس، وتغيرت روحه، بدأ لا يتمعر من المنكرات، يقول الله عن هذا الصنف يعنف عليه: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود:١١٦]. نعم. الأمر شاق وصعب، لم يعد يتحمل إنكار المنكر ولا الأمر بالمعروف، ولم يعد يتحمل استهزاء الناس به، ولم يعد يتحمل تكاليف الدعوة إلى الله، لو سألته عن وقته فستجده مضيعاً لوقته، وقد كان يوماً من الأيام لا يجد دقيقة يضيعها في مباح، أو في دنيا، أما الآن فإن نهاره وليله قد ضاع، ضاع وقته في الأحاديث والمجالس، بل لعلها وصلت إلى الغيبة والنميمة، أما عن نومه فلا تسل، فلعله ينام أكثر من عشر ساعات في اليوم والليلة، نوم وسهر ومضيعة وقت، يا فلان! ألم تكن تأمرنا بالمعروف؟ ألم تكن تنهانا عن المنكر؟ ما بالك تغيرت؟! ما بالك -يا عبد الله- تجلس مجالس لا هم لك فيها إلا القيل والقال؟! وإن سألته حاجة قال: أنا مشغول، ليس عندي وقت، ليس عندي فراغ، يا من تخدع نفسك! إنك لا تخدع إلا هذه النفس التي بين جنبيك. لو طلبت منه شيئاً فإنه غير مستعد: يا فلان! عندنا لجنة أو عمل خيري، عندنا سفر في سبيل الله، في الجهاد في سبيل الله، عندنا مشروع يخدم دين الله، فيقول: أنا غير مستعد لأن ألتزم بشيء، لا أستطيع أن أرجع إلى حياتي الأولى، لا أستطيع أن أرجع إلى التكاليف التي قد فككت نفسي منها، لا أستطيع هذا ولا ذاك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف:١٤] كن نصيراً لله، هل الذي ينصر الله ينظر إلى المنكرات في الشوارع؟ المتبرجات في كل شارع، بل في كل سوق، بل في كل محل، بل في كل مكان. الأغاني لا تستطيع أن تهرب منها؛ في المدارس والمستشفيات والمقاهي والمطاعم، بل حتى دخلت في بيتك يا من فترت عن الدعوة إلى الله، أين ستذهب بأبنائك يوماً من الأيام؟ مع من سوف يلعبون؟ أم في أي مكان سوف يدرسون؟ أم من سوف يخالطون؟ أنت المقصر، وأنت المذنب، وسوف تجني على نفسك.

стр. 755

أسباب الفتور يا من قصرت في الدعوة إلى الله، إن وكل إليه أمر في العمل للدعوة إلى الله ضيعه وما أتقنه، لا يؤديه على أكمل وجه، ولا يستطيع أن يستمر فيه، يبدأ في عمل ثم يتركه، يبدأ في أمر في الدعوة إلى الله، ثم لا يلبث أن يتركه ولا يستطيع أن يتحمله، لو سألتني عن الأسباب، قلت لك: لا أدري، لو سألتني عن الداء أقول لك: لا أعلم، لعلها بعض هذه الأسباب التي سوف أذكرها لك، لعلك بدأت الدعوة إلى الله، ودخل في قلبك شيء من الرياء: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠].

стр. 756

الدنيا وفتنتها لعلها الدنيا وفتنتها، لعل الدنيا قد دخلت قلبك: (اتقوا الدنيا واتقوا النساء) لعلك قد التهيت بزوجك وأبنائك وولدك: (الولد مجبنة مبخلة، مجهلة محزنة) ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤]. يقول أبو أيوب الأنصاري ﵁: [كنا يوماً من الأيام نحن معشر الأنصار، قلنا بيننا وبين أنفسنا: إن أموالنا قد ضاعت -جاهدوا في سبيل الله، تركوا المزارع، تركوا الضياع، تركوا التجارة، ذهبوا يجاهدون في سبيل الله- قال: فقلنا بيننا وبين أنفسنا إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنَّا أقمنا فيها، فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله : ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]] جاهدوا في سبيل الله، فلما التفتوا إلى الدنيا، قال الله لهم: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]. أيها الأخ العزيز: لا إفراط ولا تفريط، لا أطلب منك أن تهمل أهلك وأبناءك وبيتك، وتهمل نفسك، إن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولبدنك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً، لكن إياك أن تمضي صباحك ومساءك للدنيا، ولا تفرغ ساعة واحدة لله، ما ضرك لو خرجت ساعة في اليوم والليلة، تخرج إلى الشارع، وتدعو الناس إلى الله، وتذكرهم بالله، وتقول لهم: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩] تذهب وتقول: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٣٨]؟! ما ضرك -يا عبد الله- لو أنفقت ألفاً للدنيا، وعشرة دنانير في طاعة الله وفي الدعوة إلى الله؟! ما ضرك -يا عبد الله- لو مشيت في اليوم والليلة بالسيارة لقضاء حاجات أهلك، وتمشي عشر دقائق بسيارتك في سبيل الله؟! ألم تسمع المنافقين ماذا كانوا يتعذرون عند رسول الله؟ يدعون إلى الجهاد وهم يقولون: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [الفتح:١١] كانوا يتعذرون بالمال والأهل والولد والبيوت، ويقولون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب:١٣]. لا أدري ما السبب الذي أوصلك إلى هذه الحال! أتظن أن غاية الدين والدعوة أن تحضر مجلس ذكر ثم تذهب إلى بيتك فتنام؟! أسألك عن جدولك في اليوم والليلة، فتقول: أحضر مجلساً واحداً في الذكر، أما أن أدعو إلى الله، أما أن يدعوني هذا العلم إلى العمل، أما أن يهتف هذا العلم بالعمل، فلا إلا من رحم الله.

стр. 757

مصاحبة ذوي الهمم الضعيفة لا أدري ما السبب! لعلك تصحب أناساً ذوي إرادات وهمم ضعيفة، لا هم لهم إلا التجارة، إن جلست معهم سألوا عن أسعار العملة والمناخ والتجارة، وسألوا عن العمارات والتجارات والعقارات، وسألوا عن البيوت، لعلك تجلس معهم، لعلك إن جلست معهم لا يتكلمون إلا عن السفر إلى بلاد الغرب، ولا يتكلمون إلا عن الدنيا وملذاتها، لعله هذا السبب.

стр. 758

الذنوب والمعاصي لا أدري ما السبب! لعل السبب هي الذنوب والمعاصي، كنت تدعو إلى الله ونسيت نفسك، أحرقت نفسك للناس، ثم ما إن لبثت إلا ووقعت في المعاصي، جلست بينك وبين نفسك في الغرف، فأغلقت الأضواء وأطفأتها، ثم جلست تنتهك المعاصي: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أنما تخفي عليه يغيب ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]. يقول ابن القيم ﵀: ومن عقوباتها -يعني: المعاصي، واسمع إلى هذه الكلمات العظيمة، يا من كنت داعية إلى الله! - يقول: ومن عقوباتها: أنها تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة، أو تعوقه، أو توقفه، وتعطفه عن السير فلا تدعه يخطو خطوة إن لم ترده عن وجهته إلى الوراء. نسأل الله العافية.

стр. 759

الجهل بالهدف من الحياة لعلك -يا عبد الله- لا تعرف ما هدفك من الحياة. لعلي لو سألتك: ماذا تريد من الدنيا؟ تقول: أن أتزوج، ثم أنجب الأبناء، ثم أبني لي بيتاً، وأسكنه مع زوجتي وأبنائي، ثم ماذا؟ تقول: لا أدري. ما هدفك من الحياة؟ تقول: أن أحصل على شهادة، ثم يرتفع ذكري بين الناس. يقول رجل -وهو ابن عم لـ عمرو بن عتبة، واسمع إلى هذه القصة العظيمة- يقول: نزلنا في مرج حسن، في أرض خضراء، وإن سألتك لو نزلت في هذه الأرض، ما هدفك؟ وما همك؟ وما أمنيتك؟ يقول: فقال عمرو بن عتبة: ما أحسن هذا المرج الحسن! وما أجمله! لو نادى منادٍ: يا خيل الله! اركبي. ما أحسن أن ينادي منادي الجهاد في هذه اللحظات، فيكون رجل في أول الصف، فيكون أول من يصاب، ثم يدفن في هذه الأرض! ما أحسن هذا! يقول صاحبه: ما هي إلا لحظات، حتى ينادي منادي الجهاد: يا خيل الله! اركبي. يقول: فيكون في الصف، فينادي أبوه - أبو عمرو بن عتبة - عليَّ بـ عمرو هاتوه، فهو يعرف ابنه، ويعرف أنه إذا تمنى أمنية يحققها الله له، يقول: فما هي إلا لحظات، فيؤتى به مصاباً، يقول: فتزهق روحه وتفيض إلى باريها، فيدفن في مركز رمحه، في تلك الأرض، هذا هو الهدف، وهذه هي الأمنية.

стр. 760

العقبات وعدم معرفة مصاعب الدعوة لعلها العقبات يا عبد الله، لا أدري لعلها عقبات كانت في طريقك، خسرت بعض المال، أصبت بمصائب، استهزأ بك بعض الناس. لعلك -يا عبد الله- ظننت يوماً من الأيام أن طريق الدعوة إلى الله مفروشة بالورود، وأن طريق الله والجهاد في سبيله سوف يأتيك بالمال، ولن تخسر فيه درهماً واحداً، فإذا بك تخسر الأموال، وتخسر السمعة، ويتكلم الناس عنك، ويستهزئون بك، فما تلبث إلا قليلاً فتترك الدعوة إلى الله وتركن إلى الدنيا. أصحاب النبي ﵊ يسحبون في الرمضاء، وعليهم الأحجار، ويجرون على الأشواك، ويلف على ظهورهم الحديد، بل تكوى ظهورهم وتشوى، والواحد منهم يقول: أحد أحد، أحد أحد. يؤتى إلى أم أحدهم فتطعن في فرجها بالرمح، وينظر إلى أمه تزهق روحها، ويقول له ﵊: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة) يقول ابن عباس: [ما يستطيع أحدهم أن يستوي جالساً من التعذيب والضرب في سبيل الله] لا يستطيع أن يجلس، حتى يمر الجُعْلُ عليه فيقال له: هذا إلهك من دون الله، فيقول مكرهاً: هذا إلهي من دون الله، وقد اطمأن قلبه بالإيمان. يؤتى بأحدهم يراد به أن يقتل، فيقال له: أترضى أن يكون مكانك رسول الله وأنت آمن في أهلك وولدك؟ يقول: لا أرضى أن أكون في أهلي وولدي ومحمد رسول الله ﷺ يشاك بشوكة. أبو ذر يقوم في الناس ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فيضرب حتى يكون كتمثال من الدم، حتى يفكه بعضهم، فيقوم في اليوم الثاني، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فيضرب حتى يكون كتمثال الدم، فيقوم في اليوم الثالث، ويقول هكذا، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله فيضرب حتى يكون كتمثال الدم، هكذا كان أصحاب رسول الله. هل سمعت بماشطة بنت فرعون؟! هذه امرأة كانت خادمة لابنة فرعون، تمشط شعرها، وفي يوم من الأيام سقطت المشط من يدها، فأرادت أن تحمل المشط، فقالت: باسم الله، قالت ابنة فرعون: تقصدين أبي؟ قالت: بل ربي ورب أبيك الله رب العالمين. الله أكبر! خادمةتنطق بهذه الكلمات، ماذا ينتظرها؟ قالت: سوف أخبر عنك أبي، قالت: أخبريه، فأخبرت أباها، فناداها فرعون؛ الذي كان يقتل الرجال ويستحيي النساء، وكان من المفسدين، نادى تلك المرأة الضعيفة، فقال لها: ماذا تقولين؟ ألك رب غيري؟ قالت: نعم. ربي وربك الله رب العالمين، فأتى بأولادها، فأحرق أولادها واحداً تلو الآخر، فقالت وهي تنظر إلى أولادها، تغلي دماؤهم في الزيت الساخن، وتقطع اللحم عن العظم، فنظرت إليهم وقالت لفرعون: لي إليك حاجة، فظن أنها تقاعست، قال: وما هي تلك الحاجة؟ قالت: أسألك أن تجمع عظامي مع عظام أبنائي في ثوب وتدفنني معهم جميعاً، فقال فرعون: ذلك لك من الحق علينا، فسحبت حتى أراد فرعون أن يرميها في الزيت، وكانت تحمل رضيعها فكأنها تقاعست، فأنطق الله ذلك الغلام، وقال: يا أماه! يا أماه! اصبري فإنك على الحق! فرمت بنفسها ورضيعها في الزيت! فزهقت روحها، فشم رسول الله رائحتها ورائحة أبنائها في الإسراء والمعراج.

стр. 761

العوائق والمصائب وعدم الشعور بالتحدي أيها الإخوة: لا أدري ما السبب الذي أوصلنا إلى هذه الحال! أصبح الواحد منا لا هم له في الدنيا إلا أن يجلس مجالس، وينام ثم يستيقظ إلى الدوام، ثم يرجع من دوامه، فيزور فلاناً، ويجلس مع فلان، ثم تمر أيامه هكذا، لا أدري هل هي العوائق؟ هل هي المصائب؟ هل هي الفتن؟ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]. لا أدري ما السبب! لعلك لا تشعر بالتحدي، لعلك لا تدري -يا عبد الله- أن اليهود والنصارى يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم. لعلك نسيت أن اليهود والنصارى لن يرضوا حتى تتبع ملتهم. لعلك لا تدري أو كأنك تناسيت أن أهل الكفر كلهم قد تجمعوا لحربنا، وتداعت الأمم علينا. لعلك لا تدري -يا عبد الله- أو كأنك تتناسى أن أهل الباطل قد اجتمعوا على إخوانك، ويريدون سفك دمائهم، ويريدون قتلهم وإيقاف دعوتهم، وكأنك لا تشعر بهذا ولا ذاك. كأنك لم تسمع بالدعاة يسجنون، ولا كيف يقتلون! ولا أن نساءهم تهتك أعراضهن وأنت جالس في البيت آمن؛ لا تريد أن تخرج من جيبك ديناراً، ولا تريد أن تقضي من وقتك ساعة في سبيل الله، ولا تريد أن تعرض وجهك للدعوة إلى الله، ولا تريد أن تقوم المقام الذي أمرك الله به فتأمر بالمعروف أو تنهى عن المنكر.

стр. 762

التقصير في العبادة وقراءة القرآن لعل السبب أنك كنت تدعو إلى الله، وقصرت في عبادة الله، لعلك يوماً من الأيام، كنت تدعو إلى الله، ونسيت نفسك، فلم تكن تقرأ القرآن، ولا تذكر الله، ولا تقوم الليل، ولا تصوم النهار، ولا تخشع في الصلاة، نسيت نفسك يا عبد الله. عبد الله: يقول ﵊: (الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب) رواه الترمذي، كالبيت الخرب، يدعو إلى الله ولا يقرأ القرآن، قال بعضهم عن سفيان الثوري: كان إذا أصبح يرفع رجله على الحائط -تخيل هذا الرجل، يرفع رجله على الحائط، أتعرف لماذا؟ - حتى يرجع الدم إلى رأسه من قيام الليل، كان إذا قام الليل ينزل الدم إلى قدميه حتى إذا أصبح رفع رجليه على الحائط حتى يعود الدم إلى رأسه من شدة قيام الليل، يقول عنه شجاع بن الوليد: كنت أخرج مع سفيان الثوري، فما كان لسانه يفتر عن ذكر الله، أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، ذاهباً وراجعاً. خلا في الليل، فقال لصاحبه: ائتنا بماء الوضوء، يقول: فصببت له ماء الوضوء، يقول: فقربته إليه ونمت، يقول: ففي الصباح نظرت إليه واضعاً يده اليمنى على خده الأيمن، فسألته ما بالك رحمك الله؟ قال: منذ أن قربت إليَّ الماء، وأنا على حالي هذه، من أول الليل إلى الفجر. قال: ما شأنك؟ قال: أتفكر في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. من أول الليل، إلى طلوع الفجر! وكان ﵀ يصارع الطغاة، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، يخبئ كراريسه في الأرض ويدفنها خشية أن تسرق، ويدرس تلاميذه في الخفاء، ويجاهد في سبيل الله، ويدعو إلى الله، لكنه إذا خلا في الليل قام لله مصلياً.

стр. 763

اليأس من نصر الله لعلك -يا عبد الله- قد أيست من نصر الله، ولعل النصر قد تأخر عنك، ولعلك قد استبطأت النصر: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥] قال بعضهم: أي يربط حبلاً في السقف، ثم ليعلق رقبته فيه، ثم ليشنق نفسه، فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ، فلينظر هل يذهب هذا الغيظ الذي في قلبه: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]. ألم تسمع بالحديث الذي رواه مسلم، وفيه: (أنه يأتي النبي يوم القيامة وليس معه أحد) يدعو إلى الله، ويُذكِّر بالله، وينصح الناس، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر إلى أن يموت، ويأتي يوم القيامة ولم يستجب له أحد: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣].

стр. 764

الخلاف مع الدعاة في بعض المسائل لا أدري ما السبب! لعله الخلاف الذي حصل بينك وبين إخوانك، اختلفت معهم في وجهة نظر، اختلفت معهم في أمر ما، ثم تركتهم وشأنهم، قلت: هؤلاء لا يصلحون في الدعوة إلى الله، إذاً ما بالك أنت لا تدعو إلى الله لوحدك؟ لماذا لا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ يقول يونس الثقفي ﵀: ما أعقل الشافعي! ناظرته يوماً من الأيام، فلم نتفق يقول: فافترقنا، فلقيني يوماً من الأيام، فأمسك بيدي، فقال لي: يا أبا موسى! ألا يستقيم أن نكون إخواناً ولو لم نتفق في مسألة، لماذا لا نكون إخواناً ولو اختلفنا في كل مسألة، ولو اختلفنا في وجهات النظر، بما أن الأمر لم يرد فيه نص، ولم يحكم فيه شرع، ما بالنا لا نختلف؟! ألم يختلف أصحاب رسول الله ﷺ ؟! هل وجدت اثنين يتفقان في كل مسألة من مسائل الدين؟! لعلك لا تجدهما، لنختلف لكن ليعذر بعضنا بعضاً إن لم يرد هناك نص، ولم يحكم بهذا شرع، ينصح بعضنا بعضاً، وينكر بعضنا على بعض، لكن نجلس مع بعضنا، وتصفى القلوب، وتصفى الأفئدة، ويستقيم بعضنا مع بعض، ويذكر بعضنا بعضاً، لكن إن اختلفنا في كل مسألة، وكل منا ترك أخاه، وكل منا افترق مع أخيه، لن تجد أخوين يجلسان مع بعضهما البعض.

стр. 765

النظر إلى الأقل بذلاً لعلك -يا عبد الله- تنظر إلى من هو دونك، ولعلك تنظر إلى فلان لا هم له في الدعوة إلى الله؛ إلا أن يجلس في مكتب من المكاتب، فيوقع ورقة، ثم يذهب إلى البيت، ويظن أن هذه هي غاية الدعوة إلى الله، لا بأس، لقد عملت شيئاً لله، ولقد فعلت في سبيل الله، لكنها ليست غاية الدعوة إلى الله، غاية الدعوة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]. اسمع إلى قصة حبيب ﵁، أرسله رسول الله ﷺ برسالة إلى مسيلمة، فذهب إلى مسيلمة وأعطاه الرسالة، فغضب مسيلمة، وزمجر وأرعد، فقال له: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أتشهد أني رسول الله؟ -وخسئ- فقال مستهزئاً به: إن في أذني صمماً، فربطه وأتى بالجلاد، فقال: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: إن في أذني صمماً، فقال للجلاد: اقطع منه طرفاً، فقطع جزءاً من جسده، فتدحرج، والدم يسيل منه. قال: تشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: أشهد أن محمداً رسول الله ﷺ ، قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إن في أذني صمماً، فقطع منه قطعة أخرى، فلا زال يكرر إن في أذني صمماً، أشهد أن محمداً رسول الله، حتى أصبح قطعاً متناثرة على الأرض، وزهقت روحه وهو يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله هكذا تكون غاية الدعوة إلى الله، أن تضحي بنفسك وبمالك في سبيل الله، وأن تضحي بوقتك في سبيل الله. ثم إن أمه تسمع بالخبر، فما تظنونها تقول؟ وما تظنونها تفعل؟ قالت: لهذا أعددته وعند الله احتسبته، بايع رسول الله صغيراً ووفى له كبيراً. وأمه لم تكتفِ بهذا، بل تكون مع المسلمين في تلك المعركة التي يقتل فيها مسيلمة، فبعد أن تنقضي المعركة، ويهزم أعداء الله، تأتي أم حبيب وتبحث في القتلى، فإذا بها تنظر إلى مسيلمة، مثخناً بالجراح، قد أزهقه المسلمون بالضرب، وزهقت روحه إلى الله. حبيب في جنة الله، أما مسيلمة فهو في لعنة الله، أم حبيب تنظر إليه، فماذا تفعل؛ تفرح وتستبشر، هذا هو المصير: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢].

стр. 766

علاج الفتور ما العلاج يا عبد الله؟ لعلي قد أصبت الداء، ولعلي قد عرفت السبب، ولعل السبب غير هذا، لعلها الدنيا، لعلها الذنوب، لعلها المعاصي، لعلها الشهوات، لا أدري ما السبب! لكن يا عبد الله أنصحك في الخاتمة نصيحة:

стр. 767

تعهد الإيمان وتفقد الدين عليك بتعهد إيمانك، وسل عن إيمانك يا عبد الله! إذا رجعت إلى البيت وخلوت بنفسك، ماذا تفعل؟ هل أنت أمام الناس كما تكون لوحدك؟ هل أنت لو خلوت بنفسك تقع في المعاصي؟ إذا فتحت الجريدة أو المجلة ونظرت إليها، ماذا تفعل؟ هل تمعن النظر، أم أنك تصد وتقول: أستغفر الله؟ أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. ماذا تفعل -يا عبد الله- إذا كنت في السوق لوحدك ولا أحد يراك؟ ماذا تفعل إذا كنت في الدوام واختليت بتلك المرأة، هل تجلس، هل تمكث؟ سل عن إيمانك وتفقد دينك، افتح كتاب الله وجدد إيمانك يا عبد الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] هل تذكرت الآن يا عبد الله؟ هل انتبهت من غفلتك؟ هل علمت أنك مقصر؟ هل تأكدت الآن أن أوقاتك تضيع سدى، وأن حياتك بدأت تذهب ولا تشعر بها؟ هل علمت الآن أنه سبق المفردون؟ أنه ذهب الناس بالأجر؟ أنه ذهب الدعاة بالغنيمة؟ وأنت جالس في البيت، قد حصلوا أجر الدنيا والآخرة، وأنت جالس و: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨١].

стр. 768

إزالة الغل من القلب أنصحك يا عبد الله أن تصفي قلبك من الغل، وأن ترفع يديك وتقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] ارجع إلى إخوانك، وضع يدك في أيديهم، وابدأ معهم مرة أخرى، طريقك في الدعوة إلى الله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]. أزل ما في قلبك من الغل، من الحقد، من الحسد على إخوانك، والخلاف شر، قيل للبخاري: إن أقواماً يقولون فيك كذا وكذا، فقال ﵀: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٧٦] ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣] فقالوا له: ألا تدعو عليهم؟ فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اصبروا حتى تلقوني على الحوض). الإمام أحمد يبكي طوال ليله، فيقال له في الصباح: مالك رحمك الله تبكي طوال الليل؟ قال: مر علي في الدرس، قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠] فتذكرت المعتصم، من هو المعتصم؟ الذي كان يأمر بجلد الإمام أحمد وضربه، قال: فتذكرته، قال: فسجدت في الليل أبكي أطلب الله أن يحله مني، يبكي طوال ليله أن يحله الله ممن أمر بضربه، ومن أعان على جلده. هكذا كان الأوائل، وهكذا نحن يا عباد الله.

стр. 769

تنظيم الوقت وهكذا أنصحك بأن تنظم وقتك وتحاسب نفسك، أن تجعل جزءاً من وقتك في طاعة الله، وفي الدعوة إلى الله، فتجعل جزءاً من وقتك تدعو إلى الله، وتذكر الناس، إن مجالات الدعوة كثيرة؛ سواء بالمال، أو بالوقت، أو باللسان، أو بالكتابة، أو باليد، أو بما تستطيع، فرِّغ لنفسك جزءاً من وقتك تدعو إلى الله، وتنصر دين الله.

стр. 770

دراسة سير الصالحين والأنبياء وأنصحك أن تدرس سير الأولين، وتقرأ قصص الأنبياء والصالحين، قصة قوم نوح مع نوح ﵇، فقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، أتعرف ماذا كان يفعل؟ كان يدعو إلى الله، وكان يذكر بالله، وكان ينصح في الله، حتى استغشوا ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكباراً، ماذا فعل؟ قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ [نوح:٨ - ١٠]. أما يوسف ﵇، فيؤخذ صغيراً من أبيه وأمه، ويكاد يقتل، ثم يباع بثمن زهيد في الناس، عبد يباع ويشترى، ثم يتعرض للفتن، ثم يتلوث عرضه وسمعته في الناس، ثم يرمى في السجن وحيداً، فيجلس مع صاحبي السجن فماذا يقول: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩] يدعو إلى الله في السجن. ما بالنا لا ندعو إلى الله في الدوام والوظيفة والسيارة والعمل، في البيت والشارع والمجالس، ما بالنا لا نقول: يا قوم! اتقوا الله، يا قوم! اعبدوا الله، يا قوم! صلوا، يا قوم! استغفروا الله، يا قوم! كفوا عن المعاصي، ما بالنا لا نتكلم لله. عقبة بن نافع -لعلك إذا سمعت سيرهم وقرأت أخبارهم؛ ينجلي عنك بعض الهم، ولعل همتك ترتفع- عقبة بن نافع، يقف على المحيط الأطلسي وعمره خمس وعشرون سنة، رافعاً سيفه، وقد تبللت أقدام فرسه في البحر، فيقول: [والله! لو أعلم أن خلف هذا البحر أرضاً وقوماً لخضته بفرسي هذا] يدعو إلى الله، وينشر كلمة الله. أما جعفر الطيار، وما أدراك ما جعفر الطيار؟! يرفع لواء الدعوة والجهاد في سبيل الله، فتقطع يمينه، فيمسكها بشماله، فتقطع، فيمسكها بعضديه، ثم تكسر الرماح في ظهره وتفيض روحه وهو يقول: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شاربها والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها فيموت ويطير في الجنة.

стр. 771

ضرورة الدعوة إلى الله في الختام -يا عباد الله- أدعوكم إلى الدعوة إلى الله، وإلى الرجوع إلى طريق الدعاة إلى الله، يقول النبي ﷺ كما عند البخاري: (اللهم إني أعوذ بك من الكسل) ولندع الكسل، ولندع الفراش، وقد قال الله لنبيه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [المزمل:١ - ٢] فيلتفت إلى خديجة ويقول لها: مضى عهد النوم يا خديجة، وبدأ الآن وقت الجهاد، وبدأ الآن وقت الدعوة إلى الله. ألا تسمع من حولك -يا عبد الله- أن نساءً تهتك أعراضهن؟ ألا تسمع عن الدماء كيف تسفك؟ عشرات الألوف من الرجال يقتلون، لا جريمة لهم إلا أنهم قالوا: لا إله إلا الله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج:٨ - ٩] ما بالك لا تقوم حمية لهم؟! رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم نختم بقول الله : ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٥٠]. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 772

التوبة التوبة للعبد ميلاد جديد، وهي مهمة لكل مسلم سواء أكان عالماً أم جاهلاً، رجلاً أم امرأة، كبيراً أم صغيراً، وقد فتح الله باب التوبة للعصاة والمذنبين، فحري بكل مذنب أن يتوب، ويستغل هذه الفرصة بتجديد العلاقة مع الله جل وعلا. وهناك أمور تعين على التوبة منها: الخوف من الله، فالخائف يسارع بالتوبة، وكذلك حب الله، وتذكر سعة رحمة الله جل وعلا وفرحه بتوبة عبده، وتبديله لسيئات التائب حسنات. كما أن هناك شبهة تدور في خلد المذنبين وهي: أنه لا يدعو إلى الله ولا يجلس مع الصالحين ما دام أنه يعصي الله جل وعلا، وهذا مدخل من مداخل الشيطان، فإن ارتكاب المعصية ذنب وترك الدعوة إلى الله ذنب آخر.

стр. 773

أصناف الناس تجاه المعاصي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد: فإن موضوع التوبة موضوع عظيم وكبير، لا يكفي فيه كلمات تسمعها، وتظن -أخي العزيز- أنك بعد ذلك سوف يقبل الله توبتك، وتكون من التائبين، إن التوبة أمر كبير وعظيم جداً. أولاً: لا بد أن تعلم أن الذنب لا بد منه لا محالة، بل على الصحيح أن الأنبياء يذنبون وإن كانت صغائر، قال النبي ﷺ : (لولا أنكم تذنبون، لذهب الله بكم ولأتى بقومٍ يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم) فلا بد من الذنب، وأنا لا أدعوك إلى الذنب ولكن أدعوك إلى ما بعد الذنب، أي الصنفين أنت؟

стр. 774

الصنف الأول: من يبحث عن المعصية الصنف الأول من الناس من يبحث عن المعصية، ويتظاهر بالصلاح، يخطط في قلبه للمعاصي والذنوب، إن أذنب فرح، وإن عصى ابتهج، إن فاتته معصية حزن وتضايق وندم، يخطط لها، يبحث عنها، يتجول خلفها، يركض وراءها، فإذا ظفر بها كانت سعادته وفرحته الكبرى أنه عصى الله.

стр. 775

الصنف الثاني: من يحاول الابتعاد عن المعاصي الصنف الآخر من الناس: صنفٌ صالح يبتعد عن الذنوب والمعاصي وأسبابها، لكن شهوته تغلبه فيعصي الله، فيتحسر ويندم ويخاف ويطرح نفسه بين يدي الله، يبكي ويندم، ثم يتوب، وتمر الأيام والليالي فتغلبه الشهوة، وتغلبه نفسه فيعصي الله، وهو خائفٌ وجلٌ نادمٌ، يبكي ويتحسر فيرجع ويتوب، ثم تمر الأيام والليالي فتغلبه شهوته فيعصي الله. أي الصنفين أنت؟ أما الصنف الآخر: فهو الصنف الذي قال الله فيه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران:١٣٥] فاحشة، أي: كبيرة، يظن المسكين أنه لا توبة له، وأن الله لن يتوب عليه، قال الله عن صفات المتقين أفضل البشر: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]. أخي العزيز: من أي الصنفين أنت؟ إن كنت من الصنف الأول: فالنجاة النجاة، والهروب الهروب، إن كنت من الذين يفرحون إذا عصوا، ويستبشرون إذا ارتكبوا الفواحش، بل يخططون لها، ويزحفون لها، فانقذ جلدك من النار، وفر إلى الله. وإن كنت من الصنف الآخر الذي يطيع الله ويتقيه، ويخاف من الذنوب، فإذا أذنب وفي قلبه خوف من الله؛ خوفٌ أن يفضحه الله، خوف أن يعاقبه الله، خوف من الجليل أن يطلع عليه في قلبه شيءٌ من الحياة، فإذا ارتكب الذنب والمعصية فر إلى الله وخرَّ بين يديه.
следующие страницы →