Полный текст (1 195 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
ضرورة الدعوة إلى الله
في الختام -يا عباد الله- أدعوكم إلى الدعوة إلى الله، وإلى الرجوع إلى طريق الدعاة إلى الله، يقول النبي ﷺ كما عند البخاري: (اللهم إني أعوذ بك من الكسل) ولندع الكسل، ولندع الفراش، وقد قال الله لنبيه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [المزمل:١ - ٢] فيلتفت إلى خديجة ويقول لها: مضى عهد النوم يا خديجة، وبدأ الآن وقت الجهاد، وبدأ الآن وقت الدعوة إلى الله.
ألا تسمع من حولك -يا عبد الله- أن نساءً تهتك أعراضهن؟ ألا تسمع عن الدماء كيف تسفك؟ عشرات الألوف من الرجال يقتلون، لا جريمة لهم إلا أنهم قالوا: لا إله إلا الله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج:٨ - ٩] ما بالك لا تقوم حمية لهم؟!
رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم
لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم
نختم بقول الله : ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٥٠].
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 772
التوبة
التوبة للعبد ميلاد جديد، وهي مهمة لكل مسلم سواء أكان عالماً أم جاهلاً، رجلاً أم امرأة، كبيراً أم صغيراً، وقد فتح الله باب التوبة للعصاة والمذنبين، فحري بكل مذنب أن يتوب، ويستغل هذه الفرصة بتجديد العلاقة مع الله جل وعلا.
وهناك أمور تعين على التوبة منها: الخوف من الله، فالخائف يسارع بالتوبة، وكذلك حب الله، وتذكر سعة رحمة الله جل وعلا وفرحه بتوبة عبده، وتبديله لسيئات التائب حسنات.
كما أن هناك شبهة تدور في خلد المذنبين وهي: أنه لا يدعو إلى الله ولا يجلس مع الصالحين ما دام أنه يعصي الله جل وعلا، وهذا مدخل من مداخل الشيطان، فإن ارتكاب المعصية ذنب وترك الدعوة إلى الله ذنب آخر.
стр. 773
أصناف الناس تجاه المعاصي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد:
فإن موضوع التوبة موضوع عظيم وكبير، لا يكفي فيه كلمات تسمعها، وتظن -أخي العزيز- أنك بعد ذلك سوف يقبل الله توبتك، وتكون من التائبين، إن التوبة أمر كبير وعظيم جداً.
أولاً: لا بد أن تعلم أن الذنب لا بد منه لا محالة، بل على الصحيح أن الأنبياء يذنبون وإن كانت صغائر، قال النبي ﷺ : (لولا أنكم تذنبون، لذهب الله بكم ولأتى بقومٍ يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم) فلا بد من الذنب، وأنا لا أدعوك إلى الذنب ولكن أدعوك إلى ما بعد الذنب، أي الصنفين أنت؟
стр. 774
الصنف الأول: من يبحث عن المعصية
الصنف الأول من الناس من يبحث عن المعصية، ويتظاهر بالصلاح، يخطط في قلبه للمعاصي والذنوب، إن أذنب فرح، وإن عصى ابتهج، إن فاتته معصية حزن وتضايق وندم، يخطط لها، يبحث عنها، يتجول خلفها، يركض وراءها، فإذا ظفر بها كانت سعادته وفرحته الكبرى أنه عصى الله.
стр. 775
الصنف الثاني: من يحاول الابتعاد عن المعاصي
الصنف الآخر من الناس: صنفٌ صالح يبتعد عن الذنوب والمعاصي وأسبابها، لكن شهوته تغلبه فيعصي الله، فيتحسر ويندم ويخاف ويطرح نفسه بين يدي الله، يبكي ويندم، ثم يتوب، وتمر الأيام والليالي فتغلبه الشهوة، وتغلبه نفسه فيعصي الله، وهو خائفٌ وجلٌ نادمٌ، يبكي ويتحسر فيرجع ويتوب، ثم تمر الأيام والليالي فتغلبه شهوته فيعصي الله.
أي الصنفين أنت؟
أما الصنف الآخر: فهو الصنف الذي قال الله فيه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران:١٣٥] فاحشة، أي: كبيرة، يظن المسكين أنه لا توبة له، وأن الله لن يتوب عليه، قال الله عن صفات المتقين أفضل البشر: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].
أخي العزيز: من أي الصنفين أنت؟
إن كنت من الصنف الأول: فالنجاة النجاة، والهروب الهروب، إن كنت من الذين يفرحون إذا عصوا، ويستبشرون إذا ارتكبوا الفواحش، بل يخططون لها، ويزحفون لها، فانقذ جلدك من النار، وفر إلى الله.
وإن كنت من الصنف الآخر الذي يطيع الله ويتقيه، ويخاف من الذنوب، فإذا أذنب وفي قلبه خوف من الله؛ خوفٌ أن يفضحه الله، خوف أن يعاقبه الله، خوف من الجليل أن يطلع عليه في قلبه شيءٌ من الحياة، فإذا ارتكب الذنب والمعصية فر إلى الله وخرَّ بين يديه.
стр. 776
أمور تدعو إلى التوبة
اسأل نفسك وكن صريحاً معها ما الذي يدعوك إلى التوبة؟
стр. 777
من دواعي التوبة: الخوف من الله
أول أمرٍ يدعوك إلى التوبة: الخوف من الله هل حقاً أننا نخاف من الله؟ هل حقاً أن الواحد منا إن أذنب خاف من ذنبه وكأنه يلاحقه، يتفكره طوال حياته، ويبكي بسبب ذنب ارتكبه منذ سنوات؟
الحق أن يُخاف من الله، الحق أن الواحد عندما يفتح المصحف ويقرأ عن عذاب الله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِلطَّاغِينَ مَآباً﴾ [النبأ:٢١ - ٢٢] الحق أن نخافه.
الحق أننا عندما نقرأ عن عذاب أهل النار، قوله تعالى: ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً﴾ [المزمل:١٣] يجب أن نخاف، إذا عرفت عن عذاب أهل النار أنهم يلبسون ثياباً من نار، ويأكلون طعاماً من نار، وينامون على فرش من نار، ويلتحفون بفرشٍ من نار، ويستظلون بظلل من النار: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر:١٦] أتعرف ما العبرة؟ ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦].
إن أول أمر يدعوك إلى التوبة: هو الخوف من الله خوفٌ من عذابه خوفٌ أن يعرض الله عنك، ألا تخاف -أخي العزيز- أن يعرض الحبيب عنك! ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] ألا تخاف أن تلقى في النار! ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] فأكبر عذابٍ لأهل النار أن يحجب العزيز عنهم، كما أن أفضل نعيمٍ لأهل الجنة أن يروا وجه الرحمن.
ألا تخاف -أخي العزيز- مكر الله! كمن يرتكب الذنوب والمعاصي يختلي بنفسه يفتح الجريدة فإذا هو يتلذذ يتمتع بالأغاني والمسلسلات يذهب إلى الأسواق فينظر يمنة ويسرة إلى النساء الكاسيات العاريات، ألا تخاف مكر الله؟ أما سمعت ذلك الذي تعلق قلبه بصبي، فلما اقتربت ساعة وفاته قال:
أَسَلْمُ يا راحة العليل ويا شفاء المدنف النحيل
رضاك أشهى إلى فؤادي من رحمة الخالق الجليل
قيل له: اتق الله! قال:
رضاك أشهى إلى فؤادي من رحمة الخالق الجليل
اتق الله! فخرجوا من عنده، وصاح صيحة خرجت بها روحه، وقد كان يصلي ويصوم.
ألا تخاف مكر الله أأمنت مكره؟! ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩].
стр. 778
من دواعي التوبة: حب الله
أمرٌ ثانٍ يدعوك للتوبة إلى الله هو حب الله، قال : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] تحب الله وتعصيه؟!
إن المحب لمن يحب مطيع
أخي العزيز: ينظر الله إليك يوم تفعل المنكر، ألا ترى أن الله هدد المؤمنين أنهم إذا أفرطوا في المعاصي أن يستبدلهم بقوم آخرين، قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤].
أخي العزيز! يدعوك للتوبة رجاء رحمة الله، فإذا أدركت، أظنك تقول في قلبك: إنني أرتكب ذنوباً كبيرة، ومعاصي عظيمة، لا أظن أن الله يغفرها لي؟!
نقول: لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرت الله لغفر لك (قال الله : لو علم عبدي أني على مقدرة على مغفرة الذنوب غفرت له).
وأيضاً: لو أتيته بملء الأرض خطايا، ثم لقيته لا تشرك به شيئاً، لأتاك بقرابها مغفرة، فالله غفور رحيم، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢].
يقول ابن عباس كما في صحيح مسلم: (إن أناساً من المشركين أتوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! قد قتلنا فأكثرنا، وزنينا فأكثرنا -لم يسألوا إلا عن هذه الذنوب، سفك وقتل وزنا وإكثارٌ منه- وإن الذي تدعو إليه لحسن، فهل لنا من توبة؟ فأنزل الله من فوق سبع سماوات: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ [الفرقان:٦٨]-التوبة تقتضي الإقلاع- ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨]-لعلها عشر دقائق ثم تنتهي اللذة، فماذا بعد هذا؟ - ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً﴾ [الفرقان:٦٨ - ٦٩] فيقول الله بعد ذلك -وانظر هذا الصنف من الناس، ما أرحم الله! وما أكرمه! -: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠]).
الله أكبر! امتلأت الأرض بذنوبهم وخطاياهم ومعاصيهم، وبلغت عنان السماء، فيبدلها الله حسنات.
стр. 779
مواقف تدل على صدق التوبة
.
стр. 780
موقف ماعز الأسلمي
أتى ماعز بن مالك الأسلمي إلى رسول الله ﷺ يبحث عنه، فقال: يا رسول الله! زنيت فطهرني -كان يعلم أنه سوف تحفر له حفرة ويجتمع عليه المسلمون ويأخذون الحجارة يرجمونه بها، وأ، رأسه سوف يتشقق، ويسيل منه الدم، وأنه سوف يموت معذباً بالحجارة- فصد عنه ﵊، فجاءه في اليوم الثاني، فقال: يا رسول الله! زنيت فطهرني، فصد عنه رسول الله ﷺ ، ثم جاءه في اليوم الثالث، فقال: يا رسول الله! زنيت فطهرني -يخاف من الذنب- فذهب رسول الله ﷺ إلى قومه، فقال: هل تعلمون به بأساً؟ قالوا: لا نعلمه إلا وفي العقل من الصالحين، فذهب ﵊ فجاءه في اليوم الرابع، فقال: يا رسول الله! زنيت فطهرني -لا يتحمل الذنب، والمعصية تكاد تقتله، لا يهدأ له بال، ولا يقر له قرار، وتلاحقه المعصية، كما قال ابن مسعود: [كجبل خاف أن يقع عليه]- فأمر الصحابة أن يحفروا له حفرة ثم وضع فيها، فرجمه الصحابة حتى مات.
стр. 781
موقف المرأة الغامدية
وبعد لحظات أتته امرأة غامدية، فتقول له: يا رسول الله! لعلك تردني كما رددت ماعزاً، إني زنيت فطهرني -أي جيلٍ هذا! أي أناس أولئك! أي قلب هذا! - وإني حبلى -عندي دليل، فبطني قد امتلأ- فصد عنها ﵊ فقال لها: اذهبي حتى تضعي -لعلها ترجع إلى رشدها- فذهبت وأتت بعد شهور وفي يديها خرقه عليها جنينٌ صغير، فقالت: هو ذا يا رسول الله، زنيت فطهرني، فقال لها رسول الله ﷺ : اذهبي حتى تفطميه -القلب الرحيم الشفيق على أصحابه لعلها ترجع، ما قال: نرجمها- قال: اذهبي حتى تفطميه، فأتت بعد شهور بيدها كسرة من خبز، فقالت: يا رسول الله! هو ذا يأكل، فأخذ رسول الله ﷺ الطفل فدفعه إلى أحد الصحابة، وأمر لها بحفرة، فحفر لها، ثم وضعت فيها، فرجمت، ورجمها خالد فسقط رأسها وتطاير الدم عليه، فسبها خالد، فقال له ﵊: (مه يا خالد! لقد تابت توبةً لو تابها صاحب مكس لتاب الله عليه، وفي رواية: لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم).
هل رأيت أنها جادت بنفسها لله : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥].
أتدري ما الذي يدعوك إلى التوبة؟
إنه قربك من الله، ورجاؤك رحمة الله، ومحبتك لله .
لعلك تتعجب ما بال بعذ أولئك الناس ينام على الفراش فيبكي ولا تشعر به زوجته! تتعجب ما الذي جعلهم يقومون من الليل! ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [السجدة:١٦] الواحد منا لا يستطيع أن يقوم لصلاة الفجر، بينما هم يقومون في منتصف الليل من الفراش، ما الذي أقامهم؟ الجواب في قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [السجدة:١٦].
تقول بنية صغيرة لأبيها: يا أبتاه! ما لي أراك لا تنام مثل الناس؟
قال: يا بنية! إن خوف أبيك من النار قد أذهب عنه النوم.
стр. 782
الذنوب والمعاصي وخطر استصغارها
أخي العزيز! لا بد أن تستعظم الذنب، وإياك أن تحتقره.
يقول بعض السلف: إن الاجتهاد في الذنب أشد من ركوبه.
فرحك وسرورك وقلة خوفك من الله وأنت ترتكب الذنب أشد من الذنب نفسه.
انتبه أخي العزيز! من فعل معصية ولو كانت صغيرة، قال ابن مسعود: [إن المؤمن يرى ذنبه كجبلٍ يخاف أن يقع عليه، وإن المنافق يرى ذنبه كذبابٍ وقع على أنفه، فقال به هكذا].
أرأيت الفرق بين من يعصي وهو يضحك، ومن يعصي وهو يبكي؟ أرأيت الفرق بين من يذنب وقلبه وجل خائف يخاف مكر الله، ويخاف عقوبة الله، يتبعها بالحسنات، يخاف ألا يقبل الله توبته، وبين ذلك الذي يذنب وهو يضحك ويفرح وهو مسرور إن فاته ذنبٌ تحسر وندم؟
أخي العزيز! قف مع نفسك وقفات، واسأل نفسك: هل أنت تسير في طريق صحيح؟
يقول أنس وهو يخاطب التابعين: [إنكم تعملون أعمالاً هي في عيونكم أدق من الشعرة إن كنا نعدها في عهد رسول الله من الموبقات المهلكات].
يقول حذيفة: [إن كان الرجل منا ليتكلم بالكلمة كنا في عهد رسول الله نعده منافقاً] في كلمة نعده منافقاً، وهذا يسمعه في المجلس الواحد أربع مرات في مجلس من؟ مجلس التابعين.
قل لأولئك الذين يسلطون ألسنتهم في أعراض المسلمين؟ يغتاب فلاناً، فإن انتهى فبفلان، فإن انتهى يأكل لحم فلان، يجلس كل مجلسٍ يتكلم في أعراض المسلمين.
عظِّم ذنبك أخي العزيز! يا من يطلق نظره في الأسواق! يا من تفوته الصلاة وهو يضحك! يا من لا يصلي في الجماعة في اليوم والليلة مرات كثيرة!
أخي العزيز: عظِّم ذنبك، واعرف أن أول طريق التوبة أن تعظم الذنب.
يقول أحد السلف: [لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظم من عصيت] يقول ﷺ : (استحي من الله كما تستحي من رجلٍ صالح من قومك) والله لو طرق عليك الباب رجلٌ صالح ودخل عليك وأنت على ذنب، لتغير وجهك وارتبكت إلخ، الآن وأنت بيننا في هذا المجلس هل تتجرأ على معصية؟ مستحيل.
وإذا خلوت بريبة في ظلمةٍ والنفس داعية إلى الطغيانِ
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
يراك الله يراك العليم الخبير: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة:٦] يسجله رقيبٌ وعتيد.
стр. 783
الحذر من المجاهرة بالمعاصي
أخي العزيز: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤] ألا تعلم بأن الله يراك؟
إياك والمجاهرة، فإذا أذنبت فاستر على نفسك، والأفضل أن تكتم ولا تعترف، فإن من المجاهرة أن يعمل الرجل الذنب في الليل فيصبح وقد ستره الله عليه، فيأتي في المجلس فيقول: فعلت البارحة كذا وكذا، يجاهر بالمعصية (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) وإن من المجاهرة: أن ترتكب المعصية أمام الناس وتفرح بها ولا تبالي، وإن من المجاهرة أن تأتي إلى صاحبك فتقول له: يا فلان! فعلت كذا وكذا، دلني على الطريق، إياك إياك أن تستغفل بهذا! فلا تخبر بمعصيتك إلا من اضطررت إليه، ولا تخبر أي أحد إلا عالماً أو ناصحاً.
стр. 784
سعة رحمة الله وفرحه بتوبة عبده
أخي العزيز! يا من أذنبت وعصيت، أتعلم أن الله يفرح بتوبتك، تقول: أنا الذي أقلب المجلات، وأنظر إلى الصور، وطالما إذا صليت التهيت بالدنيا، وطالما أفتح التلفاز للأغاني والمسلسلات، وطالما اغتبت الناس وفعلت وفعلت هل إذا رجعت إلى الله يفرح؟
نقول لك: نعم.
بل يحبك الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢].
стр. 785
الله أفرح بتوبة عبده من فرح الوالدة بولدها
يقول ابن القيم: خرج أحد العارفين إلى سكة من السكك، فإذا به ينظر إلى بابٍ يدفع دفعاً فيفتح، فيرى طفلاً صغيراً يخرج من البيت وأمه خلفه تسبه وتشتمه فهرب الصبي، يقول هذا الرجل: فإذا بالصبي يبحث يمنة ويسرة عن مكان يأوي إليه فلا يجد ماذا يفعل؟ لا يدري، إذا به لا يعرف طريقاً إلا بيته، فيرجع إلى البيت ويفتح الباب فإذا الباب مقفل، فيضع رأسه على عتبة الباب على التراب وينام، وفي منتصف الليل تفتح الأم الباب -الأم التي طردته من البيت- فتنظر إلى ولدها فتبكي وتضمه وتحضنه، وتقول له: يا ولدي! لم حملتني على مخالفة ما جبلت به لك؟ لم حملتني على ضربك وحبسك وقد جبلت على رحمتك؟
يقول ابن القيم: سبحان الله! ما أحسن هذا الفعل بحديث رسول الله (الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها) والله إن الأمر لشديد لمن يعصي الله، فيطرده الله من رحمته، ويغضب ويسخط عليه، فعندما يرجع يفرح الله به ويحبه ويبدل سيئاته حسنات.
стр. 786
تبديل السيئات حسنات
أتى شيخٌ كبير قد أذنب وأسرف على نفسه بالمعاصي، يمشي على عصى وقد سقط حاجباه على عينيه، فأتى إلى رسول الله فقال: (يا محمد! إن لي خطايا لو وزعت على أهل الأرض لأهلكتهم جميعاً، فهل لي من توبة؟ فيقول له ﷺ : أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ فيقول الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال ﵊: تفعل الحسنات وتجتنب السيئات يبدلها الله لك حسنات، فيقول الرجل: وغدراتي؟! وفجراتي؟! قال: يبدلها الله لك حسنات) ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران:١٣٥].
стр. 787
كن من الأوابين
أخي العزيز: لا تكثر على نفسك الذنوب والمعاصي، فإن الله في كل يومٍ وليلة يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وفي النهار ليتوب مسيء الليل، فلماذا تعرض؟
ألا تعلم أن الله في كل ليلة ينزل إلى السماء الدنيا ينادي: (هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ هل من تائبٍ فأتوب عليه؟) (الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها) قد يشغل قلبك أمرٌ طالما أخبر به الكثير من الناس، تقول: أذنب فأتوب ثم أرجع فأذنب ماذا أفعل؟
أتى أ، اس إلى الحسن البصري فقاقوا له: يا أبا سعيد! إننا نرى في أنفسنا أننا نتوب ثم نعاود الذنب، ثم نتوب ثم نعاود الذنب، فقال الحسن ﵀: ود الشيطان لو ظفر منكم بهذه، ثم قال: إذا عاودتم الذنب فعاودوا التوبة، فإن الله لا يمل حتى تملوا: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً﴾ [الإسراء:٢٥] الأوابون: الذين إذا تابوا ثم عادوا وعصوا، ثم يتوبون، ثم يعودون يعصون ثم يتوبون: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً﴾ [الاسراء:٢٥].
ما أرحم الله! وما أجوده وما أكرمه! حقاً إنه رحيمٌ غفور ودود يتقرب إلى عباده، فوالله لو تقربت إليه ذراعاً لتقرب إليك باعاً، وإذا أتيته تمشي لأتاك هرولة.
ما أرحم الله! دمعة واحدة، تتوضأ، فتحسن الوضوء، فتقوم فتصلي ركعتين لا تحدث بهما نفسك، ثم تتوب من ذنبك، يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك.
ما أرحم الله! لا تقل: أسرفت وأذنبت وفعلت، فإن الله أرحم منك؛ بل أرحم من الوالدة بولدها.
стр. 788
فائدة الجلوس مع الصالحين
أخي العزيز! لعلك تقول: أنا مذنب، وعاص، ولا أستحق أن أجلس بين الصالحين إنهم صالحون متقون أهل صلاة وصيام وذكر ودعاء وعبادة، انظر إليهم ما أخشعهم، وما أكثر صلاحهم، وما أكثر عبادتهم، أما أنا فلا أستحق أن أجلس معهم، فأنا أعصي وأذنب كثيراً، ولا زلت مصراً على الذنوب والمعاصي؟ تقول: لا.
إن الشيطان يأتيك فيقول لك: اتركهم، دعهم، لا تكن منافقاً، لا تضحك على نفسك، تأتيهم في الصلاح ثم ترجع إلى بيتك بالذنوب والمعاصي، اتركهم واجلس في بيتك.
أخي العزيز! انتبه أن تقرب من مصيدة إبليس، قال الرجل للنبي ﷺ : (يا رسول الله! الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم -لم يعمل أعمالهم ولم يكن في مطافهم لكنه يحبهم ويحب جلساتهم وكلامهم ويحب أن يصل إلى ما وصلوا إليه ولكنه لم يصل- فنظر ﵊ إليه، فقال: المرء مع من أحب).
نقول: استمر معهم، واجلس معهم: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) إن الندم الذي دخل في قلبك هل يدخل قلبك لو كنت لوحدك؟ لا والله.
لن يدخل قلبك إلا وأنت في هذا المجلس، مع الصالحين.
أخي العزيز: ما يدريك؟! لعل جلوسك معهم يكفر سيئاتك.
أتى رجلٌ المدينة يبحث عن رسول الله، يقول: أين محمد؟ فدل على النبي ﷺ ، فقال: (يا رسول الله! أتيت حائطاً، فلقيت امرأة ففعلت معها كل شيء إلا ما يأتي الرجل من امرأته -كل شيء إلا الزنا- هل من توبة؟ -والرجل خائف من الذنب، يفر من الذنب إلى الطاعة، ندم وعزم على ألا يعود- فسكت ﵊ وذهب الرجل، ثم قال لأصحابه: ردوه عليَّ، فرد ﵊ عليه، فقال له: قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]) لا بد من الذنب؛ لكن: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] كلما أذنبت ذنباً فاعزم على ألا تعود، أقلع عن المعصية، اندم على ما فعلت ثم أتبعها بالحسنة: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
يقول أحد الصحابة: (يا رسول الله! هي له أو للناس جمعياً؟! قال: بل هي للناس جميعاً) الله أكبر الله أكبر! يبسط الله يده، وينزل إلى السماء الدنيا، ويفرح بعودتك، ويحب التوابين والمتطهرين، فما بالك لا زلت مصراً على الذنوب والمعاصي؟ هل تظن أن الله لا يراك؟
стр. 789
وقفة مع محاسبة الله لعباده
ألا تعلم -أخي العزيز- أن الظالمين إذا أتوا يوم القيامة لقوا الله فيذكرهم بذنوبهم، يقول: عبدي! أتذكر ذنب كذا؟ أتذكر تلك الليلة؟ أتذكر ذلك اليوم؟ أتذكر عندما قمت من الفراش وعدت إلى الفراش وسمعت الأذان؟ أتذكر تلك اللحظة عندما كنت في السوق وتظن ألا أحد يراك، وأخذت تتكلم معها وتتكلم معك؟ أتذكر يوم نادتك أمك فرددت عليها؟ يوم دعاك أبوك فعققته؟ أتعرف ماذا يقولون؟ ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧] ينظرون إلى الكتاب! ما بال الكتاب؟ حتى النظرة ما تركها، حتى الكلمة الضحكة التفكير إذا كان هماً وعزيمةً كل هذا مكتوب: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] إصرارك على النظر صارت كبيرة، أتعرف أن إصرارك على استماع الأغاني كبيرة؟ أتعرف أن الغيبة كبيرة؟ أتعرف أن إصرارك على الذنوب الصغيرة كبيرة عند الله؟ أسمعت أن الكلمة يهوي بها صاحبها في النار سبعين سنة؟ ما بالك بالكلمتين؟ ما بالك بالثلاث الكلمات؟ ما أرحم الله وما أجوده! لكن نلوم أنفسنا على تقصيرنا.
стр. 790
ادع إلى الله وإن كنت مذنباً
وهناك شبهة أظنها قد وردت على بعضنا: كيف أدعو إلى الله، وكيف أصلح الناس ولا زلت مقصراً، ولا زلت أعاود الذنب وأصر عليه؟ إن بيني وبين الله ذنوباً ومعاصي، كيف أدعو غيري؟
أخبرك أخي العزيز: إن فعل المعصية ذنب، وترك الدعوة إلى الله ذنب آخر، فلا تجني على نفسك ذنبين، اكتفِ بذنبٍ واحد وحاول وجاهد نفسك أن تتركه، ولا تجمع على نفسك ذنبين:
ولو لم يعظ في الناس من هو مذنبٌ فمن يعظ العاصين بعد محمدِ
كلنا مذنب لو قال المذنبون: لا ندعوا إلى الله، فمن يدعو إلى الله؟ فجاهد نفسك على ترك الذنب والمعصية.
إن أول طريقٍ لترك الذنب والمعصية: أن تبتعد عن أسبابها، لا تقل: أستغفر الله وأنت لا زلت تحمل الدخان في جيبك.
لا تقل: أستغفر الله، ولا زلت تذهب إلى أماكن الزنا والخنا.
لا تقل: أستغفر الله، ولا زلت تحتفظ بالصور وبالأرقام وبالأسماء والمواعيد.
لا تقل: أستغفر الله، ولا زلت مصراً على الذنوب والمعاصي: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].
اعزم على ترك الذنب والمعصية، فإن عدت إليها فاندم وأقلع عنها، واعزم على عدم العودة لها، فإن غلبتك شهوتك ورجعت إليها فاندم وليتكسر القلب، وانطرح بين يدي الله، وابكِ من خشية الله، واعزم على عدم العودة إلى الذنب وإن غلبتك شهوتك، يقول الله جل وعلا في الحديث القدسي: (أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قال: أي رب! اغفر لي، قال الله : علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت له، ثم عاد فأذنب -لا إله إلا الله! قبل أسبوع تبت إلى الله وعاهدت الله، لكني عدت الآن إلى الذنب، أنا لا أدري- ثم قال: يا رب! اغفرلي، فقال الله : علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، -أي: يرحم ويأخذ بالذنب- قد غفرت له، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب! اغفر لي، فقال الله : علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، عبدي! اعمل ما شئت قد غفرت لك) أي: لو كنت كلما أذنبت ندمت، وتكسر قلبك، وخشعت ولجأت بين يدي الله، وعزمت على ألا تعود، ثم أتبعتها بالحسنات وبالصالحات، ثم غلبتك شهوتك وعدت وكنت على هذا الحال، اعمل ما شئت فإن الله قد غفر لك.
أقول هذا القول، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 791
الأسئلة
.
стр. 792
قبول التوبة ولو تكرر الذنب
السؤال
إذا تاب العبد ثم أذنب، ثم تاب ثم أذنب، فهل التوبة الأولى مقبولة أم لا؟
الجواب
إذا حقق شروط التوبة ندم، وعزم على ألا يعود، وأقلع، ثم بعد فترة غلبته شهوته ورجع فإن التوبة الأولى مقبولة، وذنبك الآخر يحتاج إلى توبة أخرى، فإذا حققت الشروط قَبِل الله التوبة، ولا عليك، واعزم على ألا تعود، وكن صادقاً، لا تعزم على أن تعود وأنت تقترب من المعاصي، واعزم على ألا تعود بأن تقطع جميع الأسباب، فإن رجعت فاعلم أن الله كان بالأوابين -أي: الرجاعين- غفوراً، والله أعلم.
стр. 793
أهمية حضور القلب عند سماع القرآن
السؤال
نحن نسمع القرآن من بعض القراء فنخشع، ونسمع من البعض الآخر فلا نخشع، فما هو السبب؟
الجواب
أولاً يا إخواني: المصيبة ليست في قراءة القرآن، القرآن قراؤه كثير ألم تصل العشاء؟ لقد قرأ الإمام فهل تذكر ماذا قرأ؟ كم صلاة صليتها وأنت لا تعرف ماذا قرأ الإمام؟ إنه يقرأ كلام الله، سواء سُمِعَ مني أو من غيري، لكن يحتاج الكلام إلى قلبٍ يستمع قلبٍ حاضر ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق:٣٧] القضية هي القلب ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].
أما الواحد منا -والله- لو يسمع رسول الله يقرأ عليه القرآن والقلب غافل ما استفاد منه، وإذا استمع من طفل صغير والقلب حاضر -والله- لخشع القلب، ألم يسمع ﵊ من جبريل؟ ومع هذا طلب من ابن مسعود قال: (اقرأ علي، قال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: اقرأ علي فإني أحب أن أسمعه من غيري، فأخذ يقرأ من سورة النساء فوصل إلى قول الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١]-أي: يوم القيامة- يقول ابن مسعود: نظرت وإذا عيناه تذرفان) يبكي.
ما الفرق بين قلوبنا وقلوبهم؟
يقول ﵊ عن أبي بكر: (مروه فليصل بالناس، فتقول ابنته عائشة: إنه رجل أسيف لا يتحمل، إذا قرأ بكى).
هل كل الناس هكذا؟ متى آخر مرة بكيت وأنت تقرأ القرآن؟ متى آخر مرة خلوت بنفسك وذكرت الله وبكيت؟
صلى عمر ذات يوم بالناس، ولما وصل إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] فإذا به يبكي حتى سمع نشيجه من وراء الصفوف، وكان قبل سنوات يدفن ابنته حية في الرمال، أما الآن فها هو يبكي فانظر إلى القلب الحي!
انظر إلى غيره! بعض السلف قرأ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ [الأنعام:٢٧] فتوقف، فنظروا إليه فإذا هو قد مات، لم يتحمل هذه الآية.
قام عمر بن عبد العزيز يصلي وحده في الليل -إن العبد أمام الناس قد يبكي، أما إن كان وحده، فهنا تكون العبرة، وهنا يكون الإخلاص (ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) - قام يصلي وإذا به يقرأ، سورة القارعة -كم مرة قرأناها؟ كم مرة تلوناها؟ - ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة:١ - ٥] فإذا به يبكي ويبكي حتى خرَّ على الأرض صريعاً، ثم قام من بكائه يتجول في الغرفة، وهو يقول: [ويل لي من يوم يكون الناس فيه كالفراش المبثوث] أتعرف من هو؟ لقد أمضى ليله صلاة، ونهاره صياماً وعبادة وذكراً وجهاداً في سبيل الله، وهو يبكي ويخاف على نفسه، فماذا نكون نحن أيها الإخوة؟! (مر ﵊ في الليل على الناس، فإذا به يسمع امرأة تقرأ وتردد: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] وهي تبكي، فيقول ﵊: نعم أتاني، نعم أتاني، ويبكي معها ﵊ هل كنا مثلهم أيها الإخوة؟!
يقول أحدهم لصاحبه: اقرأ، فيقرأ له قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح:١ - ٣] ينظر إليه فإذا به يبكي كما يبكي الصبي، يقول: هذا فعل برسول الله ذنبه أنقض ظهره فكيف بذنوبنا نحن؟
وأي ذنبٍ فعله رسول الله؟ إذا كان رسول الله ﷺ يقول الله فيه: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح:٣] وزره وذنبه، فكيف نكون نحن أيها الإخوة الأعزاء؟!
يعرف الواحد منا عندما يقرأ القرآن كيف يقرأ؟ ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] آية واحدة تفتح أن تفك قلبك، وترجعك إلى الله، آية لو تنزلت على الجبال الصم لتصدعت، فما بال قلبك؟
القضية أنه لا يوجد تدبر، ولا خشوع ولا تفكر، القلب منشغلٌ بالدنيا، فلا يأبه بكلام الله ولا يستفيد ولا يخشع ولا يلين، هذه القضية ليست قضية فلان يقرأ أو فلان لا يقرأ، وإن كان سبباً ضعيفاً، لكن السبب الأقوى والأعظم هو قلبك أخي العزيز: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 794
فراغك قبل شغلك
إن الواجب على المسلم أن يستغل وقته فيما يرضي الله ، فلا يمضي عليه يوم إلا وقد قدم فيه عملاً صالحاً ينفعه في قبره، ومن أعظم الأمور التي يستغل بها المسلم وقته العبادات، وطلب العلم، والدعوة إلى الله .
стр. 795
قيمة الوقت وأهميته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
عنوان هذه المحاضرة: فراغك قبل شغلك وهو عنوان واضح لا يحتاج إلى بيان، وهذه المحاضرة انطلاقاً من قوله ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس) هذا الفراغ الذي تمر به -أيها الأخ الكريم- لعلك تستغل فيه ساعة في طاعة الله جل وعلا، وما تدري؟ لعله يقال لك بعد سماعك لهذا الحديث، أو حضورك لهذا المجلس: (قوموا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات).
يروى أن أبا جعفر محمد بن جرير الطبري قال لتلاميذه: هل تنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم سيكون ورقة؟ -لأنهم يعلمون حماسه في العلم- قال: سيكون نحواً من ثلاثين ألف ورقة.
فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه.
سيذهب العمر ونموت وما انتهينا من هذا الدرس، فاختصره في ثلاثة آلاف ورقة، ثم بعد أن انتهى قال لهم: أتنشطون في كتابة التاريخ من عصر آدم إلى يومنا هذا؟ قالوا: في كم؟ قال: في ثلاثين ألف ورقة قالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه فاختصره في نحو من ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال: إنا لله ماتت الهمم! يكتبون التفسير في ثلاثة آلاف ورقة وكذلك تاريخ العالم! ومع هذا يقول: إنا لله ماتت الهمم! كيف لو عاش أبو جعفر في هذا الزمن ماذا سيقول؟ يحضر الدرس الأول مائة، ثم الدرس الثاني تسعون، ثم ثمانون، ولا يزالون يتناقصون حتى لا يبقى إلا عشرة طلاب بين شيخهم، ويقولون: هلا عجلت في هذا الدرس؟ وهلا انتهيت منه؟
يقول الله جل وعلا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ [المؤمنون:١١٥] أحسب أن الله خلقنا عبثاً؟! لأجل أن نبدأ اليوم في عمل، ثم نمسي آخر النهار أو منتصف النهار ثم ننام، ثم نستيقظ لنشرب الشاي والقهوة إلى غروب الشمس، ثم لما تغرب الشمس الصفق بالأسواق، ثم نرجع بعد العشاء لنلهو مع الأهل والأولاد، ثم ننام على تلفاز، ثم نستيقظ على عمل! أتظن أن الله خلقنا لهذا؟! تعالى الله عما يظن كثير من الناس، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ [المؤمنون:١١٥] بل إنما خلقنا لغاية أعظم وأكبر من هذا، ولو أنه خلقنا من أجل أن نأكل ونشرب ونلهو ونلعب وننكح ونلد فقط، لخلقنا جنساً من الحيوانات، فهي تأكل وتشرب، وتبني البيوت وتؤسسها، وتنكح وتنجب، وتعيش كما يعيش أكثر البشر، إن هذا عبث يتنزه الله عنه ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].
أخي العزيز: إن الوقت هو الحياة، فحياتك وقتك، وكلما مر عليك يوم ذهب جزء من حياتك.
الوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع
قال بعضهم في تعريف العمر: يا ابن آدم! إنما أنت أيام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك.
وكل يوم يمر يأخذ بعضي يورث القلب حسرة ثم يمضي
وقال ﵊: (اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك) أخي العزيز: أنت اليوم تشعر بفراغ، وعندك بعض الفراغ، وسوف يأتي عليك يوم: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧] سوف يأتي يوم لك فيه شأن وشغل يغنيك عن الآخرين.
قيل لـ سفيان: إنما أنت أيام معدودة، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل، وأنت تعلم فاعمل لهذا اليوم.
هذا أبو الوفاء بن عقيل؛ عالم من علماء الحنابلة، يقول: والله لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري! ولو عاش بيننا ماذا سيقول؟ المسألة ليست مسألة ساعة ولا ساعتين، بل عشرات الساعات تضيع بين الفينة والأخرى، وبين مجلس وآخر، وبين حادثة عن فلان وحادثة عن علان، وأحاديث في الدنيا.
ماذا سيقول ابن عقيل لو عاش بيننا؟ وهو الذي يقول: والله لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري.
وقد ألف كتاباً اسمه الفنون، وهو يقع في ثمانمائة مجلد، لو وضعتها في بيتك لامتلأت مكتبتك، وابن القيم ألف كتاباً سماه زاد المعاد، هذا الكتاب الآن عمدة لكثير من الناس في السيرة والتاريخ والفقه يرجع إليه كثير من أهل العلم وطلبة العلم، سماه زاد المعاد وهو مكون من خمس مجلدات، يزيد أو ينقص بحسب الطبعات، لقد ألفه وهو في السفر على الراحلة!! هؤلاء كان لهم هم، وعندهم هدف من حياتهم، يعيشون لغاية، أما أكثر الناس في هذا الزمن، تسأله: لم تعيش؟ فيقول لك: لا أدري
يا أخي! لماذا أنت حي؟ لماذا تأكل وتشرب وتبقي على صحتك وجسمك؟ يقول: لا أدري، أعيش من أجل أن أعيش، وآكل وأشرب من أجل أن أعيش.
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري!
ولماذا لست أدري؟ لست أدري!
ما يدري لماذا يعيش؟ وأين المصير؟ ولمَ خلقه الله جل وعلا؟ شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي ما ولدت النساء مثله، هذا الرجل ألف كتاباً بطلب من قضاة واسط، سماه العقيدة الواسطية، وهو الآن عمدة لطلبة العلم في العقيدة، ويدرس في الدورات العلمية ولطلبة الجامعات الإٍسلامية، ولا يتخرجون إلا بعد أن يتموا هذا الكتاب، ويختبرون فيه، أتعرف كم جلس يؤلف هذا الكتاب؟ لقد ألفه في جلسة بين صلاة العصر والمغرب! أرأيت إلى بركة الوقت عندهم وحرصهم على العلم؟! ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].
شيخ الإسلام ابن تيمية كان طالباً صغيراً، وسمع به العلماء فجاءه عالم إلى دمشق، يسأل عن هذا الطفل الصغير النابغة الذي تميز في صغره، فقال لأهل بلده: أين هذا الشباب الذي يسمى أحمد؟ قالوا: تقصد ابن تيمية قال: نعم.
قالوا: ماذا تريد منه؟ قال: سمعت أن له شأناً في العلم، فأريد أن أختبره -شيخ يريد أن يختبر هذا الصبي- فقال له البائع الذي سئل: اجلس وسوف يمر إلى الكتاب من هذا الطريق.
وبعد قليل مر صبي صغير بيده لوح يحمله، فقال البائع للشيخ: هذا صاحبك، هذا الذي تبحث عنه.
فناداه الشيخ فلما جاءه قال له: أنت أحمد بن تيمية؟ قال: نعم.
قال أعطني لوحك، فأخذ الشيخ اللوح، فكتب فيه بضعة عشر حديثاً، ثم قال: اقرأ.
فقرأ بأحسن ما يكون، ثم قال: هات اللوح، فأخذ اللوح ومسحها وقال: أعد ما قرأته، فقرأها شيخ الإسلام مرتبة كما قرأها من قبل، لم ينقص حرفاً واحداً، فعجب الشيخ منه، وعلم أن له شأناً ليس كالصبيان، وعقلاً ليس كالعقول، وكأن الله أراد أن يجدد للأمة دينها بهذا الصبي ثم أخذ اللوح مرة أخرى وكتب أسانيد: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان، عن فلان، إلى النبي ﷺ ، بضعة عشر سنداً، وقال: اقرأ، فقرأه كأحسن ما يكون، ثم مسحها وقال: أعدها عليّ.
فأعادها ولم ينقص منها حرفاً أعرفت كيف كانوا يحفظون أوقاتهم؟!
أخي العزيز!
إذا كنت أعلم علماً يقيناً بأن جميع حياتي كساعة
فلم لا أكون ضنينا بها وأجعلها في صلاح وطاعة
стр. 796
وسائل استغلال الوقت
بعد هذا كله لك أن تسأل وتقول: يا شيخ! عرفنا أهمية الوقت، وانتبهنا لعظم هذه الحياة، وأن كل دقيقة وكل لحظة، وكل ساعة سوف يسألنا الله عنها حين نقف بين يديه (لن تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع منها: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه) بعد هذا سوف تسألني وتقول: كيف أستغل وقتي؟ وبماذا أحفظ وقتي؟
اسمع إلى هذا الحديث، فربما تسمع نصيحة، وتكتشف أنك تستطيع أن تمضي بها وقتك، وربما تتحمس بعد هذا الدرس وتنظم وقتك وتستغله في طاعة الله جل وعلا.
إن الطلاب في هذه الأيام في اختبارات ولا يضيعون ساعة بل لا يضيعون دقيقة واحدة، وأعرف أن بعض الطلاب لا ينام إلا أربع ساعات فقط، وبعضهم حتى على وجبة الطعام وهو واضع الكتاب عنده؛ لأنه يعرف قيمة الوقت الآن، لماذا؟ لأن عنده هدفأً، وهدفه أن ينجح ويتفوق ويحصل على أعلى الدرجات، ويتخرج من الدراسة.
والبعض إذا كان عنده هدف، مثل أن يشتري بيتاً أو يؤثثه، يعمل الليل والنهار حتى يجمع الريال بعد الريال والدرهم والدينار، من أجل أن يبني هذا البيت؛ لأن عنده هدفاً إذاً: اجعل لك هدفاً يا عبد الله! فسوف تستطيع بعدها أن تستغل وقتك.
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان
كلما دق قلبك علمت أن كل دقة تقربك إلى القبر، وكل دقة تنقص من عمرك، حتى هذه اللحظات سوف يسألك الله عنها.
стр. 797
العبادات
من الأمور التي تستغل بها وقتك: العبادات.
أن تعبد الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨].
السلف كان الواحد منهم يقضي الليل في القيام والنهار في الصيام، فهذا عثمان بن عفان ﵁ الخليفة الراشد، الذي اشترى الجنة ثلاث مرات يروى أنه كان يختم القرآن كل ليلة قد تقول لي: خالف السنة.
أقول لك: أين نحن من السنة؟ تسأل بعضهم: من رمضان إلى اليوم كم مرة ختمت القرآن؟ يقول: ولا مرة، إنا لله وإنا إليه راجعون! متى قمت الليل؟ يقول: من الشهر الماضي أو من الشهر الذي قبله، قمت الليل مرة، وقبل النوم أما الأولون: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] كان نومهم قليلاً، أتعرف ماذا يفعلون في الليل؟ ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨] عبادة وصلاة، كان ابن عمر يصلي في الليل وعنده نافع مولاه، فإذا سلم من صلاته يسأل مولاه: أسحرنا؟ أي: أجاء السحر؟ فيقول: لا.
فيكبر ويصلي، ثم يسأله، فإذا قال له نعم.
جلس يستغفر الله حتى طلوع الفجر.
وكان بعضهم إذا صلى العشاء وضع له حصير في المسجد ينام عليه بعد صلاة العشاء، ثم يقوم يتوضأ ويصلي، فإذا صلى وغلبته عيناه أخذ غفوة مرة أخرى -ينام كنومة الطير- ثم يقوم ويتوضأ ويصلي، فإذا نعس نام مرة ثالثة، وهكذا يقوم وينام، ويقوم وينام حتى طلوع الفجر ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [لسجدة:١٦].
وكان عمر بن عبد العزيز كل ليلة يجتمع حوله أهل العلم أمير المؤمنين! يحكم الدنيا بأجمعها، دولة الإسلام تحكم المشرق والمغرب، تحته الجيوش ويملك الأموال، وكل ليلة يجتمع عنده العلماء والفقهاء والوعاظ والزهاد، فيذكرونه بالآخرة، فيبكي ويبكون معه كأن جنازة بين أيديهم.
عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه بالخد أجراه
وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه
يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه
أين أنت من العبادات؟ كم ضيعنا من ليالي؟
إن بعض الناس يقول: يا شيخ! أحس بوحشة، أحس بضيق، أحس بظلام في قلبي، أقول له: هل تصلي في الليل؟ هل تقوم ركعات ينور الله لك قلبك، ويشفي لك صدرك؟ قم الليل يا أخي العزيز! ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل:١ - ٥].
يدخل بلال على النبي ﷺ فيرى اجتهاده في قيام الليل وتفطر قدميه، فيقول: (يا رسول الله! تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر! فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ قد أنزلت عليّ الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]) إن كان قائماً فهو يذكر الله، وإن كان قاعداً فهو يذكر الله، وإن كان على جنبه فهو يذكر الله، لسانه رطب من ذكر الله، ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فاللسان منشغل بالذكر، والقلب والعقل منشغلان بالفكر، يتفكران في خلق السموات والأرض: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١].
بكى من أجلها ﷺ ، وكان عنده عائشة سيدة النساء ﵂، فقالت: (تفعل هذا وقد غفر الله ذنبك؟ فيقول: يا عائشة! دعيني أتعبد لربي، يا عائشة! أفلا أكون عبداً شكوراً) يربيها ﵊، حتى كانت يوماً من الأيام تردد آية من الصباح إلى منتصف النهار، آية واحدة ترددها عائشة وتبكي وتصلي: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧].
هل فكرت أن تشغل وقتك بطاعة الله؟ بالعبادة وفي الذكر وقراءة القرآن؟
إن العبادة أوسع من هذا، فهل فكرت في عيادة المرضى؟ هل فكرت في اتباع الجنائز؟ هل فكرت في زيارة المقابر؟ هل فكرت في صلة الأرحام؟ هل فكرت في بر الوالدين.
كان النبي ﵊ ذات يوم بين أصحابه، وفيهم رجل كبير قد جاوز الستين من العمر، وقد اشتغل رأسه شيباً، إنه الصديق، فقال الرسول ﷺ لأصحابه: (من أصبح منكم اليوم صائماً؟ -وأنا أسأل هذا السؤال وأجبني بنفسك: من أصبح اليوم منكم صائماً؟ - قال أبو بكر: أنا يا رسول الله! -ليس مجال إخلاص ورياء، الآن لا بد أن يجيب، متى صمت لله تطوعاً؟ متى يا أخي الكريم؟ - من أطعم اليوم منكم مسكيناً؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله! فقال: من عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا يا رسول الله! ثم قال: من اتبع اليوم منكم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا يا رسول الله! فقال ﷺ : والذي نفس محمد بيده ما اجتمعن في مؤمن إلا وجبت له الجنة) ولو زاد رسول الله ﷺ لزاد أبو بكر.
إنه أبو بكر الذي عندما سمع أن للجنة ثمانية أبواب، ما رضي أن يدعى من باب أو بابين، ما رضي إلا أن يدعى من ثمانية أبواب، فقال: (يا رسول الله! ما على من يدعى من تلك الأبواب من ضرورة؟ قال: نعم يا أبا بكر! وإني لأرجو الله أن تكون منهم) هل فكرت أن تكون مثل أبي بكر؟ متى عدت المرضى؟ ليسوا بأقرباء لك ولا أرحاماً، مسلمون لا تعرفهم ولا يعرفونك، تأتي وتزورهم في أول اليوم أو في آخره، هل فكرت في هذا؟ فإنه يستغفر لك سبعون ألف ملك حتى تمسي، وإذا زرت مريضاً في المساء يستغفر لك سبعون ألف ملك حتى تصبح.
أخي العزيز: هل فكرت أن تزور المقابر؟ هل فكرت أن تتبع الجنائز؟ وأن تصل الأرحام؟ يقول عمر: صليت الفجر فإذا بـ أبي بكر يخرج من المسجد، وكل يوم أصلي وإذا به يخرج من المسجد، ولا أدري إلى أين يذهب هذا الرجل -وكانا يتنافسان، وهذا في خلافة أبي بكر - يقول: فتبعته يوماً -انظر إلى الذين يعرفون كيف يحفظون أعمارهم- قال: تبعته فرأيته يدخل كوخاً في ناحية المدينة، -بيت قديم- فلما خرج، جئت إلى هذا البيت وطرقت الباب، واستأذنت ودخلت، فإذا في البيت امرأة عجوز كبيرة حسيرة كسيرة، لا تستطيع المشي، فسلمت عليها، وقلت لها: يرحمك الله! من هذا الرجل الذي يدخل عليك كل يوم؟ -خليفة رسول الله، أمير المؤمنين- قالت المرأة العجوز: والله لا أعرفه.
قال عمر: ما يصنع عندك كل يوم؟ قالت: يأتيني كل يوم يصنع طعامنا، ويكنس بيتنا، ويغسل ثيابنا، ويحلب شياهنا، ثم يتركنا.
فلما سمع عمر هذه الكلمات، بكى وخر على ركبتيه وهو يبكي ويقول: لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر، لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر.
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١].
هل سمعنا أن أبا بكر أسس قصراً؟ أو أثث أثاثاً فخماً وثرياً؟ أو جمع ثروة؟ لا والله.
إن أبا بكر أول هذه الأمة دخولاً الجنة، وينادى من ثمانية أبواب، أتعرف لماذا؟ لأن أبا بكر عرف كيف يحفظ وقته من الصباح إلى المساء، لا ينسى امرأة عجوزاً ولا طفلاً صغيراً ولا يتيماً ولا مسكيناً، لقد عرف كيف يعود المرضى، وكيف يصوم لله تطوعاً، وكيف يتصدق من ماله، وكيف يقوم الليل، حتى قالت عائشة لما أمرها النبي ﵊ وقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس.
قالت: إن أبا بكر رجل أسيف) أي: إذا كبر واستفتح الفاتحة بكى، نعم.
إنه رجل في الليل قوَّام، وفي النهار صوَّام، وفي الجهاد قاتل المرتدين لوحده، وهو يقول للصحابة: [والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه] ولعله جاوز الستين من العمر، وما بقي من حياته إلا سنة أو سنتين.
هكذا عرفوا كيف يحفظون أوقاتهم.
تقول لي بعد هذا: يا شيخ! عندي أوقات كثيرة فارغة لا أعرف ماذا أعمل فيها!! أقول لك: يا أخي العزيز! لم تعرف حقيقة العبادة، فليست العبادة صلوات فقط، وليست قيام ليل فقط، العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، ولو كانت زيارة مقابر، أو عيادة مرضى، أو إطعام مسكين، أو كفالة يتيم، أو دعوة إلى الله جل وعلا، فكل شيء يحبه الله جل وعلا فهو عبادة، فحاول أن تكتشف أين الخلل في حياتك فتسده في طاعة الله.
стр. 798
طلب العلم وفضله
ثانياً: استغل وقتك وعمرك في طلب العلم.
يروى عن أحد السلف: أنه ذكر الله وهو ابن ثلاث سنين، وأنا لم أستغرب هذا؛ لأنني أعلم أنه في هذا العصر صغار سن، عمرهم سنتان، يحفظون بعض قصار السور، وسمعنا في هذا العصر من ختم القرآن وعمره سبع سنين، أرأيت كيف حفظوا أعمارهم في طلب العلم؟ تقول لي: لماذا يحفظ القرآن هذا؟ هذا يحفظ القرآن حتى ينادى بين الملأ يوم القيامة فيقال له: يا فلان، أتحفظ شيئاً من القرآن؟ فيقول: نعم يا رب! فيقال له يوم القيامة: (اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها) يقرأ القرآن بين الملأ، ويرتل بين الناس، ويرفعه الله درجات في الجنة.
أخي العزيز: هنالك يندم النادمون المفرطون: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] يا حسرتى على ما ضيعت من عمري في الأسبوع الماضي جلست مع شباب صغار في السن، أحثهم على حفظ القرآن الكريم، وأخبرتهم بفضل الاجتهاد في حفظ القرآن الكريم وفضله، فما مرت خمسة أيام إلا وأحدهم حفظ جزءاً كاملاً من القرآن، الجزء الأول من سورة البقرة ختمه حفظاً مجوداً في خمسة أيام! بل أعرف رجلاً عنده أولاد، وعنده أعمال، ومتزوج في نصف عمره، حفظ خمسة أجزاء في شهر واحد! قد تقول لي: ذاكرتي ضعيفة، لا يا أخي العزيز! ليست القضية قضية الذاكرة، القضية ضياع للأوقات، وضياع للأعمار صغار في السن حفظوا القرآن كاملاً! وأعرف أحدهم لم يدخل الثانوية إلا بعد أن ختم القرآن حفظاً، وكلما آتيه وأقول له: ماذا حفظت بعد القرآن؟ يقول: مائة من الأحاديث النبوية وهكذا ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩].
أتظن أن صاحب العلم والجاهل يوم القيامة سواء؟ كلا وربي! لا يستوي هذا مع هذا، يقول ﵊: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) كفضل الرسول ﵊ على أدنى الصحابة، فكيف لو جمع بين الأمرين العلم والعبادة؟ فإن العلم يراد به العبادة، وقد قيل للإمام أحمد: إن فلاناً علمه قليل، جُل وقته قيام ليل وقراءة قرآن وذكر.
فقال: وهل يراد العلم إلا من أجل هذا، نحن لماذا نتعلم؟ حتى نخاف من الله، فإن العلم الخشية: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] وكلما ارتقيت في العلم كلما خشيت الله جل وعلا.
أعرف شاباً -ولعلك لا تصدق هذه الأخبار- حفظ جزءاً كاملاً في يوم واحد قد تقول: ليست هذه ذاكرة بشر؟ أقول لك: هذه ذاكرة بشر، ولكن القلب مفرغ من الدنيا، والوقت مفرغ لله جل وعلا كان في الحرم عند الكعبة، فجلس من الفجر إلى الليل حتى حفظ جزءاً كاملاً من القرآن الكريم بإتقان.
أخي العزيز: هلا عاهدت ربك في هذه العطلة، وفي هذه الشهور والأيام أن تحفظ نصف القرآن، قد تقول: حفظ عشرة أجزاء صعب ومستحيل أقول لك: اقسمها على هذه العطلة، فاحفظ خمسة أجزاء في سنة كاملة، فستختم القرآن خلال ست سنوات، هل فكرت في هذا؟ هل عاهدت ربك؟ يقال: أن امرأة جاوزت الستين من عمرها -وكلما كبر عمر الإنسان قل حفظه- أُخبرت عن فضل حفظ القرآن فحفظته عن ظهر قلب!! ويقول ﵊: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يصنع).
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] أول الدين العلم، قال البخاري: باب: العلم قبل القول والعمل.
والنصارى لم يضلوا إلا لجهلهم، فقد عبدوا الله على جهل وبدع وضلال، قال الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧].
يا أخي العزيز! هل فكرت في هذه العطلة الصيفية أن تقرأ رياض الصالحين وتحفظ أحاديثه وتقرأ معناه وشرحه؟ هل فكرت أن تقرأ تفسيراً واحداً لكتاب الله جل وعلا؟ هل فكرت في العطلة الصيفية أن تقرأ كتاباً ولو كان مختصراً؟ هل تصدقون أن بعض المسلمين لو سألته: ما أقصر سورة في القرآن؟ لقال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] تقول له: أحسنت، فما تفسيرها؟ لقال: الله أعلم.
ما سبب نزولها؟ لا أدري، لا أدري، لكنك لو سألته عن بعض أنواع السيارات، وعن موديلاتها، وعن أحجامها، لجاءك بتقرير كامل، ولملأ عليك المجلس، ولو سألته عن بعض علوم الدنيا التي لا تنفع لجاءك بالتقارير والأخبار، والله المستعان!
وبعض المسلمين لو أخطأ في الصلاة لما عرف كيف يتم صلاته، يأتيني بعض الناس ويقول: فعلت كذا وكذا في الصلاة، ثم سجدت للسهو.
فأقول: إنا الله وإنا إليه راجعون، يا فلان أعد صلاتك فالصلاة باطلة، وليس كل خطأ ينفع فيه سجود السهو، وليس كل خطأ يحتاج معه إلى سجود السهو.
وبعض الناس يقول: أخطأت في الصلاة، فقطعتها وأعدتها مرة ثانية.
لم يا أخي؟ لمَ تبطل عملك؟ كان يكفيك لو سجدت سجدتين قبل السلام أو بعدها، لكنه لا يدري ماذا يفعل.
كثير من المسلمين حتى الطهارة يسأل عنها، يأتيني سؤال من رجل من المسلمين متزوج وله أولاد، يقول: يا شيخ، هل صحيح أن الرجل إذا جامع زوجته ولم ينزل الماء عليه غسل؟ أقول له: نعم.
يقول: والله يا شيخ أنا منذ عشرين سنة أجامع الزوجة وإذا ما أنزلت لا أغتسل.
إنا لله وإنا إليه راجعون! أنت على جنابة إلى اليوم، ما تعرف الغسل! ما تعرف أحكام الطهارة! ما سبب هذا الجهل؟ إنه ضياع الأوقات، فقد ضاعت في القيل والقال، وضاعت في الدينار والدرهم، وفي أسعار العملات، وفي أخبار فلان وأخبار علان، وضاعت في نوم زائد عن الحاجة، وفي التجول في الأسواق، وفي أخبار الدنيا.
اسمع -يا أخي العزيز- إلى العلم كيف يرفع أهله، وجاهد نفسك لا تقل: كبرت في السن، بعض العلماء بدأ في طلب العلم بعد أربعين سنة، وصار عالماً من العلماء، فلا تقل: فاتني القطار، ولا تقل: ليس عندي وقت، ولا تقل: لا أصلح للعلم، إياك وشبهات الشيطان وحبائله!
يقول الأعمش -وهو أحد العلماء- لولا العلم والقرآن وتفسيره، لكنت بقالاً يقذرني الناس أن يشتروا مني.
لكن ماذا صار؟ صار الناس يجلسون عند رجليه، ويطلبون كلمة تخرج من لسانه لكي يكتبوها عنه.
وهذا عطاء بن أبي رباح، كان عبداً لامرأة من أهل مكة، يباع ويشترى، وكان قبيح الوجه كأن أنفه باقلاً، وهو فقير مملوك، لكنه لما طلب العلم صار المرجع الأول في مكة للفتوى، حتى الملوك والأمراء إذا جاءوا إلى مكة في الحج يستفتونه، وكان بعض الأمراء يجلس عنده، وما يتجرأ أن يسأله سؤالاً حتى يأذن له، فإذا تنحنح علموا أنه الآن يسمح بالسؤال، فيسأله الأمير ويقول: فعلت كذا وكذا ما حكم حجي؟ أو ماذا أصنع؟ فيجيبه ذلك الرجل الذي كان مملوكاً، فصار يرجع إليه في الفتوى في مكة كلها إنه العلم!
وهذا أبو معاوية الضرير، أحد العلماء الذين ذهبت أبصارهم، ولم تذهب بصيرتهم، في يوم من الأيام دعاه هارون الرشيد للغداء وبعد أن دعاه للغداء -ومن المعلوم أن الأعمى بعد أن يأكل يصب على يديه الماء، لأنه لا يستطيع أن يغسل يديه، فصب على يديه الماء في مجلس الخليفة هارون الرشيد - فقال له هارون: يا أبا معاوية أتعرف من الذي يصب عليك الماء؟ قال: لا يا أمير المؤمنين! قال الخليفة: أنا الذي أصب على يديك الماء، قال: لِمَ؟ قال: إجلالاً للعلم الذي في صدرك.
كيف رفعه الله جل وعلا إلى هذه المكانة؟ إنه بالعلم ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩].
يقول ﵊: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً -خرج من بيته إلى هذا المسجد من أجل أن يستمع علماً أو يستفيد حديثاً أو حدثين- سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) يا إخواننا ماذا تريدون بعد الجنة؟ أتريدون شيئاً بعد الجنة؟ والله ما نريد شيئاً غيرها، قال ﷺ للأعرابي: (ماذا تسأل في صلاتك؟ قال: أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار، قال ﵊: حولها ندندن) هذا هو ما يطلبه، ولا نريد شيئاً غير الجنة.
إن من أسهل الطرق إلى الجنة طلب العلم، فاطلب العلم، ابدأ بقراءة الكتب، اقرأ القرآن واحفظ بعض الآيات مع تفسيرها، واقرأ الأحاديث مع شرحها، واقرأ بعض الكتب في الفقه، وبعض الكتيبات الصغيرة، واحضر بعض المجالس، وهناك بعض الدورات الشرعية التي تقام فبادر، ولا تقل: أنا كبير في السن، أنا عندي أعمال وأشغال، لا يا أخي وبعض الناس لو طلب منه أن يذهب إلى الخارج للدعوة إلى الله، لقال: عندي الأولاد وعندي الزوجة، لكن لو يدعى إلى دورة لأجل معاشه لذهب ولو لمدة شهرين أو ثلاثة.
يا أخي العزيز! هذا ليس فيه زيادة معاش، هذا فيه زيادة إيمان وتقوى وعلم وبصيرة في الدين، وطاعة لله جل وعلا، وقربى إليه ﵎، جند نفسك لمدة شهر أو شهرين في دورة علمية ينفعك الله بها.
خرج هارون الرشيد في يوم من الأيام فتجمع الشرط والأعوان والخدم والحشم والناس حوله، وكان عنده في حائط أو غرفة أو هودج زوجته، وبعد قليل تفرق الناس عنه، تقطعت النعال، وثارت الغبرة، إلى أين؟ إلى رجل آخر، فسألت الزوجة من هذا الذي ذهب الناس وراءه؟ قالوا: هذا عالم خراسان المجاهد عبد الله بن المبارك، المجاهد قدم الرقة.
فقالت زوجة هارون هذا والله هو الملك، لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بالشرط والأعوان هذا هو الملك الحقيقي، والشرف الحقيقي وهذه هي الرفعة الحقيقية يا أخي الكريم.
فأنت إنما تقاس بعلمك، وإذا قيل: فلان جاهل ما عنده علم، فهذه مسبة وشتيمة، ويرتفع الإنسان بالعلم الذي شرفه الله به.
إن العلم لا يريد راحة ونوم وأكل وشرب، العلم يريد جهاداً، وصراعاً، العلم يريد منك أن تسهر في الليل، فهذا الإمام البخاري عليه رحمة الله أمير المؤمنين في الحديث -مَن مِن المسلمين ما سمع بـ البخاري؟ إذا ذكر قلنا: ﵀، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين كل خير- كان ينام في الليل، ثم يستيقظ عشرين مرة، ينام ويستيقظ عشرين مرة، أتعرف لماذا؟ كل مرة يستيقظ ليكتب خاطرة خطرت على باله، فائدة علمية وكان عندما يقوم يبدأ فيشعل السراج، والسراج يحتاج إلى زمن حتى يشعله، ثم يضع القلم في المحبرة، ثم يكتب الجملة والجملتين والثلاث، ثم يغلقها ويطفئ السراج، ثم يرجع وينام، وبعد قليل تأتيه خاطرة فيقوم، وربما قام في الليلة الواحدة عشرين مرة إذاً: العلم يحتاج إلى جهاد، ويحتاج إلى أن تضيق على نفسك في النوم
أأبيت سهران الدجى وتبيته نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي
كان هناك سبعة من طلاب العلم في مصر! وكانوا يطلبون العلم من شيخ إلى آخر، ومن عالم إلى آخر، ومن درس إلى آخر، وفي يوم من الأيام اشتهوا سمكة -أرادوا أن يأكلوا السمك، طبيعة الناس يشتهون هذا الطعام- لكن ليس عندهم وقت، وفي يوم من الأيام غاب أحد الشيوخ عن الدرس، لأنه كان مريضاً، فقالوا: هذه فرصتنا نشتري سمكاً فنأكله، فذهبوا واشتروا سمكة نيئة، ثم رجعوا إلى البيت، وقد حضر الدرس الثاني فتركوا السمكة وذهبوا إلى الدرس، وجاء الليل فقاموا ينسخون، كل واحد يطابق نسخته مع أخيه ويقرءون النسخ كلها فيكتبون ما فاتهم، وفي اليوم الثاني خافوا على السمكة أن تنتن وتفسد عليهم، فماذا فعلوا؟ هل فرطوا في درس، أو في مجلس ذكر؟ هل قالوا: نجعل لأنفسنا راحة وإجازة؟ لا.
بل أكلوا السمكة نيئة، نعم.
لأنه ليس عندهم وقت ليشوونها، ونحن لقد ضيعنا الأوقات وضعينا الأعمار ولا حول ولا قوة إلا بالله!
قيل للشعبي: من أين لك كل هذا العلم؟ من أين أتيت بهذا العلم كله؟ فقال: بصدق الاعتماد ما اعتمدت على غيري، والسير في البلاد، أي: سافرت لطلب العلم، ونحن لا نقول لك: سافر، إنما حرك سيارتك لتذهب إلى المنطقة الفلانية، فيها درس من الدروس، احضره في الأسبوع مرة واحدة، أما هذا فإنه كان يسافر على الناقة والدابة، وعلى الأقدام قال: وصبر كصبر الجماد.
هل يشتكي الجماد؟ يقف آلاف السنين ولا يتكلم قال: وبكور كبكور الغراب، يقوم من قبل الفجر يطلب العلم وهكذا كانوا يطلبون العلم.
وهذا ابن الجوزي، كان كل يوم يخرج في الصباح، ويأخذ كسرة خبز يابسة، وبيده الكتب والكراريس، ويذهب عند النهر، يحفظ العلم، ويحفظ الأحاديث، فإذا جاع وضع كسرة الخبز اليابسة في النهر تلين قليلاً فيأكلها ويشرب معها شربة ماء، ويكمل طلبه للعلم يفعل هذا كل يوم، وألف كتباً فيها طب للقلوب، وعلاج لأمراض النفوس.
كيف وصلوا إلى هذا المرتبة من العلم؟ وصلوا بجهاد النفس، مع البذل والاجتهاد.
وعندي خطة لثلاثة أشهر: احفظ خمسة أجزاء من القرآن، واقرأ تفسيراً كاملاً لكتاب الله، واقرأ بعض الأحاديث، واحفظ الأربعين النووية، واقرأ شيئاً في النحو وفي المصطلح والأصول اجعل لك جدولاً, وابدأ بعزيمة واجتهاد أن تختم هذه العلوم وتدرسها إن شاء الله جل وعلا.
أيها الإخوة الكرام: لعلي أطلت في هذا الجانب، جانب طلب العلم والاجتهاد فيه، ولو أكثرت لطال الوقت بنا، ولم نكمل هذا الباب، ولكن حسبك ما سمعت.
стр. 799
الدعوة إلى الله تعالى
ثالثاً: الدعوة إلى الله:-
أرعني سمعك، وأعد اجتهادك مرة أخرى لقد قمتَ الليل، وعدتَ مريضاً، وتبعتَ جنازة، وحضرت درساً أو درسين، ولكن لا زال في الوقت متسع؛ فإن الأوقات كثيرة، ومن أعظم ما تشغل به وقتك: الدعوة إلى الله جل وعلا أن تبلغ هذا العلم الذي حصلت عليه، وأن يكون منهج حياتك: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
قد تقول: يا شيخ ليس عندي علم كثير؟ أقول لك: يقول الرسول ﷺ : (بلغوا عني ولو آية) تحفظ آية: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] إذاً: بلغها للناس، فكم من الناس من لا يصلي تحفظ قول الله: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] إذاً: بلغها، فإن كثيراً من النساء لا يتحجبن تحفظ قول الله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨] بلغها للناس، فكم من الناس من يرابي ويتعاطى بالربا!
أخي العزيز: اسمع إلى هذا الرجل: لما سمع أن في أقصى مدينته -في ناحية المدينة- رسل جاءوا يدعون إلى دين الله جل وعلا ويدعون الناس إلى الحق، وكذبهم قومهم، فهل جلس في بيته؟ هل قال: أنا ما عليّ من الناس؟ هل قال: عليكم أنفسكم؟ هل قال: أهم شيء أحفظ ديني وما عليّ من الناس؟ لا.
بل ركض مسرعاً من بيته إلى مكان الكفر بالأنبياء والضلال والإلحاد والجحود، ركض سعياً على قدمه، من أقصى المدينة إلى أقصاها، قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢١] جاء يقول: يا قوم! توبوا إلى الله جل وعلا، ارجعوا إليه، أنيبوا إليه، فماذا فعلوا به؟ لقد قتلوه بغير ذنب، لأنه دعاهم إلى الله جل وعلا، فلما بعثه الله جل وعلا وأدخله الجنة قال: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس:٢٦] لا زال حريصاً على قومه، لا زال مشفقاً عليهم بعد أن قتلوه: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧].
أيها الإخوة: نحن نحتاج إلى دعاة لا قضاة، نحتاج أناساً مشفقين على الناس، رحماء بهم، ينشرون دين الله جل وعلا كما كان ينشره ﵊ الذي قال الله عنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] فبلغ دين الله جل وعلا في الطائف، وسافر مشياً على الأقدام حتى أتى إليها، فقال له أحدهم: أما وجد الله غيرك ليبعثك؟! انظروا إلى السخرية، والاستهزاء والتكذيب! وقال الثاني: لو كنت صادقاً فلا أجرؤ على مخاطبتك، وإن كنت كاذباً فأنا أرفع من أن أتكلم وأجيبك.
فخرج وهو يُتبع بالحجارة، وهو أفضل الخلق ﵊، ويضرب ويهان من العبيد والسفهاء والأطفال، فجاءه ملك الجبال وقال: (دعني أطبق عليهم الأخشبين؟ قال: لا.
إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً) ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣].
إن الدعوة إلى الله لا تريد شيوخاً فقط أو علماء أو دكاترة، لكنها تحتاج إلى صادقين ناطقين، يخرج عشرة ريالات يشتري بها شريطين أو ثلاثة، ويأتي الشارع ويسلم على فلان، ويتعرف عليه، ويهدي إليه هدية لله جل وعلا، ويقول: يا فلان أرجو أن تستمع إلى هذا الشريط هذه الليلة، فربما فتح الله قلبه.
كان هناك بنت لاهية غافلة، ما من أغنية إلا وتستمع إليها، فرجعت إلى بيتها بعد يوم دراسي مسعد، تقول وهي تحدث عن نفسها: اقتربت من البيت، فوقعت قدمي على شريط لا أدري ما هو، فأخذته وكانت تقول في نفسها: ربما يكون الشريط لأحد المطربين الذين سمعتهم أو لم أسمع بهم، تقول: فجئت إلى البيت ووضعت الشريط في المسجل، فإذا رجل يتحدث عن الجنة والنار، والقبر والموت، والدار الآخرة، فسمعت حديثه حتى انتهى، وما انتهى الشريط إلا وفتح الله قلبي وصلح حالي، واهتديت إلى الله، وأنا اليوم أدعو إلى الله جل وعلا من رمى هذا الشريط؟ وهل كان يقصد أن يدعوا إلى الله به؟ أرأيت؟! ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
وكم من الناس هداهم الله بورقة، أو بشريط، أبو برسالة، أو بدمعة، فهذا شاب داعية إلى الله جل وعلا، شاب صغير هداه الله، ركب في سيارة أخيه الفاسق يوماً من الأيام، وأخوه لاهٍ غافل عن الدين والدار الآخرة، وفي الطريق وضع أخوه شريطاً للغناء، فقال الشاب الصغير: يا أخي أغلق الشريط، إذا لم ترد أن تسمع فاسمع لوحدك، أنا لا أريد أن أسمع.
فقال بغلظة: إذا ما أردت أن تسمع أنزلك من السيارة الآن، فسكت الصبي، لقد أرغمه على سماع الأغاني، وبعد قليل نظر الأخ الكبير إلى أخيه الصغير فإذا هو يبكي، فقال: ما الذي يبكيك؟ قال: أرغمتني على معصية الله جل وعلا.
فأوقف الأخ الكبير السيارة، وأخرج الشريط ورماه من النافذة، ثم أعلن توبته من تلك الدمعة، فرب دمعة تاب على يديها كثير من الناس.
أين الصادقون؟ وأين الناصحون؟ وأين الدعاة إلى الله جل وعلا؟!
والله تعالى يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] وحديثي للرجال والنساء فهل فكرنا أن ننشئ مجتمعات إسلامية، ومجالس إسلامية، وحلقات ذكر في بعض البيوت؟ هل فكرنا في شارعنا وفي حينا وفي حارتنا؟ هناك رجل لا يصلي، هل فكرنا أن نجعل له زيارة، ونطرق عليه الباب وندعوه إلى الله جل وعلا؟! هل فكرنا أن نأتي محلاً تباع فيه بعض المحرمات، نأتي إلى صاحبه بأسلوب حسن، وبأخلاق كريمة، ونعطيه هدية، وننصحه في الله جل وعلا؟ هل فكرنا في هذا؟
أحد الناس فكر أن يدعو إلى الله جل وعلا، لكن ليس عنده أموال ولا أسلوب، فقال لإخوانه: من منكم عنده مجلات إسلامية قديمة؟ هو لا يريد أن يقرأها، فجمع من فلان وفلان، حتى جمع كراتين من المجلات الإسلامية، فقالوا: يا فلان! ما تريد أن تفعل بها؟ أتعرف ماذا فعل؟ ذهب إلى محلات الحلاقة والمطاعم والصالونات وغيرها، التي فيها مجالس انتظار، وعلى الطاولة مجلات خليعة فاسقة فاجرة، فأخذ هذه المجلات الإسلامية ووزعها على تلك الطاولات ومحلات الانتظار، يقول: ربما يجلس بعض الناس فيتصفحون هذه المجلات، فرب نصيحة تفتح قلوبهم، تأمرهم بمعروف أو تنهاهم عن منكر.
وشاب آخر قال لإخوانه في الله: من منكم عنده أشرطة يتبرع بها لا يريد أن يستمع إليها الآن؟ فأعطاه بعضهم ثلاثة وبعضهم أربعة حتى جمع مجموعة من الأشرطة، ثم جاء إلى بعض الباصات وبعض سيارات النقل والأجرة، فقال: هذه بعض الأشرطة الإسلامية، في حلة طيبة هدية لله جل وعلا، وقال: ربما يركب معكم رجال أو أناس أو بعض من تريدون أن توصلوهم، فربما يفتح الله قلوبهم.
أرأيت إلى الإخلاص ماذا يفعل؟! ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:٣٣].
هم في القلب يؤثر على الجوارح فيجعلك تطرق الأبواب، وتتصل، وترسل رسائل، وتشتري أشرطة توزعها، وكتيبات تنشرها، وتقوم في المساجد تذكرهم بالله جل وعلا، وتأتي إلى المجالس والنوادي، وتنصح الناس لله تعالى، فإن البداية هم في القلب يظهر على اللسان وعلى الجوارح.
أيها الأخ الكريم! أيها الأخ العزيز! أيتها الأخت الفاضلة! إن أوقاتنا محسوبة علينا.
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان
وفي الختام: اعلم أنك عندما تعمل لدين الله جل وعلا وتدعو الناس وتصلح المجتمع، أن الغرب واليهود والنصارى، يعملون ليل نهار، فهم أنشط منا وأحرص منا على إضلال المسلمين وعلى غواية المسلمين، والأمر صراع فمن يسبق؟ ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [هود:١٢١] هل قال الله: إنا نائمون، إنا منتظرون، إنا جالسون لا.
قال ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾ [هود:١٢١].
إذا عملتم فنحن نعمل، فإذا عملتم الليل والنهار فنحن كذلك نعمل الليل والنهار، نعمل لنشر دين الله جل وعلا ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [هود:١٢٢].
أسأل الله ﵎ أن ينفعني وإياكم بما ذكرت إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 800
قضايا تهم المرأة
هذا حديث خاص بالمرأة، يتناول بعض النصائح والإرشادات التي تحتاجها المرأة في حياتها.
فالإسلام الذي كرم المرأة يريد منها أن تدرك الغاية من خلقها، وأن تلتزم بشريعة ربها، وهنا نماذج وقصص لنساء صالحات، تحتاج المرأة أن تطلع على سيرهن وأخبارهن لتقتفي آثارهن.
وهذه المادة تحتوي أيضاً على قصص نساء ضللن وابتعدن عن طريق الله تعالى.
стр. 801
المرأة بين الجاهلية والإسلام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
أيتها الأخت الفاضلة، أيتها الأخت الكريمة، عنوان المحاضرة كما سمعتن: قضايا تهم المرأة.
وحديثي إلى المرأة خاصة؛ كيف لا وقد خصص الله جلَّ وعلا سورة كاملة باسم النساء، وجعل لمريم سورة باسمها، كيف لا أخصص حديثاً للمرأة وقد خصص الله جل وعلا لها أحكاماً وأموراً تختص بها عن الرجال كيف لا أخص المرأة بحديث وقد خصها النبي ﵊ في يوم العيد بخطبة كاملة، فبعد أن حدث الناس جميعاً رجالاً ونساءً جاء إلى النساء وخصص لهن خطبة كيف لا وقد خصص النبي ﷺ للنساء في بيت أم عطية مجلساً يأتي إليهن ويحدثهن ويعلمهن، وهكذا كنَّ الصحابيات سباقات إلى مثل هذه المجالس وهذه الأحاديث.
اسمعي أختي الكريمة، ولا تقطعي الحديث، وانتظري حتى أتم حديثي، فهي ساعة تمضي من العمر سوف ترينها في صحيفتك إن شاء الله يوم القيامة.
أختي الكريمة: كيف كنت قبل الإسلام؟ وكيف كانت المرأة قبل الإسلام؟
كانت لا تساوي المتاع والأثاث الذي يرمى بعد أن يبلى كانت المرأة منذ أن تخلق على وجه الأرض شؤماً على والديها، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩].
كان الرجل إذا ولدت زوجته بنتاً يتهرب من الناس، يخاف من العار، ويخاف من الفضيحة كانوا يتشاءمون بالنساء، يضربونها، يهينونها، بل كانت المرأة إذا مات زوجها، أو مات أبوها، أو مات أخوها، فإنها لا ترث شيئاً مما تركوا، بل كانت تُورث مثل المتاع ومثل الدراهم.
كان الأب يأخذ ابنته الصغيرة ما أجملها، وما أحسنا! ويطلب من زوجته أن تزينها وتلبسها أحسن الملابس، وأن ترجلها وتغسلها وتطيبها.
ثم يأخذها ويداعبها ويلاعبها، ثم يذهب بها إلى صحراء قاحلة، لا أحد يراه ولا أحد يعلم به إلا الله جلَّ وعلا، فيحفر حفرة، وتحفر البنت معه وتساعد أباها وترق له، كيف يحفر في ذلك الحر الشديد، فتساعد أباها في الحفر وهي تضحك وتلعب معه وتمازحه، وتظن أن أباها سوف يلعب معها.
وبعد أن يكملوا الحفرة، يأتي إلى تلك البنت البريئة، فينزلها في تلك الحفرة المظلمة الموحشة، فتنزل وهي تضحك وتلعب وتداعب أباها، وبعد أن تنزل تقول لأبيها: يا أبي لماذا لا تخرجني الآن؟ يا أبي لماذا لا تعيديني إلى البيت الآن؟ وبعدها ترى أباها يرمي على وجهها التراب، فتضحك أولاً، ثم تمزح ثانياً، ثم تعلم أن الأمر جد، وأن الأمر على عكس ما كانت تتصور، فتنادي أباها، وتستغيث به وتستنجده، تصيح تبكي تولول، ولكن بعد قليل ذهب صوتها، وهدأت روحها، وخرجت نفسها ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩] بأي ذنب قتلت؟ ألأنها بنت؟! بأي ذنب عذبت؟ ألأنها بنت؟! بأي ذنب صارت كالأثاث والمتاع؟ ألأنها بنت ولأنها أنثى؟!
فلما جاء الإسلام ساوى الله جل وعلا بين الرجل والمرأة، وعدل بينهما، وجعل للرجل أحكاماً خاصة، وللمرأة أحكاماً خاصة، بل جعل لها حقاً حتى في الميراث، فلها حقوق وعليها واجبات الإسلام أكرم المرأة، بل جعل بعض النساء خير من كثير من الرجال، قال الله جلَّ وعلا عن مريم: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٢ - ٤٣].
стр. 802
الغاية من الخلق
أختي الفاضلة: أوجه إليك هذا الحديث؛ لأنك أنت الأم، وأنت الأخت، وأنت الزوجة، وأنت البنت، ولا نجاة للرجل دون المرأة، ولا يستطيع الرجل أن يتخلص من المرأة فأوجه إليك هذا الحديث:
أول قضية مهمة يجب أن تنتبهي لها وتستمعي لها هو السؤال الأول، وهي القضية الأولى، سلي نفسك هذا السؤال ثم أجيبي بنفسك على نفسك: لماذا خلقنا الله جل وعلا؟
لماذا أنزلنا الله على هذه الأرض؟
لم خلق لنا الأرض والسماء؟
لم سخر لنا الشمس والقمر؟
لم خلق الوحش والطير والنبات والزروع لنا؟
لمَ جعل لنا العينين، واللسان، والشفتين، واليدين، والرجلين؟
لم كل هذا؟
ولم كرمنا الله بالعقل؟
أتعرفين لم؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] أتحسبين وتظنين -يا أختي الكريمة- أن الله جل وعلا خلقنا وأوجدنا وسخر لنا كل هذا عبثاً؟ لا والله، ليس الأمر عبثاً، وليس الأمر هزلاً، إن القضية محسومة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
ثم لك أن تجيبي على هذا
السؤال
هل عرفت هذه الغاية مَنْ جَعَلتِ الغاية مِن حياتها أن تكون نجمة، وأن تصير بطلة، وأن تصبح ممثلة صورها في الجرائد؟!
هل فهمت هذه الغاية مَنْ جَعَلت حياتها تلك الأغنية، تنام عليها، وتسهر عليها، وتعيش عليها تحفظ كلماتها، وترددها صباح مساء؟!
هل عرفت هذه الغاية مَنْ كان قدوتها وعشيقها ذلك الفاسق المغني، تحلم أن تكون زوجة له، وتحلم أن تنام معه، وتسافر معه، وتعيش معه، وترقص معه هل عرفت هذه غاية خلقتها؟!
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠ - ٦١].
هل علمت حقاً أن الله جل وعلا خلقها لعبادته مَنْ جعلت صورتها الفاتنة شبه العارية على غلاف مجلة من أجل أن تروج هذه المجلة؟ أو داخل الصفحات لأجل أن تروج هذه الجريدة وتلك المجلة على حساب عرضها وكرامتها وعفتها وحيائها؟!
هل عرفت الغاية مِن خلقها تلك التي كانت نهايتها فضيحة في دعارة، أو سجن؛ لأنها تتعاطى مخدرات، أو انتحرت من أعلى عمارة أو شاهق؛ لأنها ملت من هذه الحياة وتعبت، وأصابها الضيق والضنك؟! أتعرفين لم؟ لأنها ابتعدت عن الغاية التي خلقها الله جل وعلا.
стр. 803
نساء جهلن الغاية من خلقهن
اسمعي إلى هذه القصص، لتعلمي أن من النساء من تعيش في هذه الدنيا ولا تدري لم تعيش، ولا تدري لم خلقها الله جل وعلا، وصباحها مساؤها لأجل الدنيا، ولأجل الشهوة، والملذات، فوالله ما عرفت لم خلقها الله جل وعلا!
امرأة كان لها ولدان صغيران، ما أجملهما! الأول عمره سنة ونصف والآخر عمره ثلاث سنوات، كالقمر ليلة البدر، فتعرفت على عشيق لها، وبدأت تكلمه ويكلمها، وتصاحبه ويصاحبها، ولكن في يوم من الأيام طلب العشيق منها أن يرتبط بها بشرط واحد، قالت: وما هو هذا الشرط؟ قال: أن تتخلصي من ولديك.
قالت: إنهما ولداي.
قال: تتخلصي منهما وإلا تنفصل العلاقة.
فما كان من تلك المرأة إلا أن ذهبت إلى ضفاف نهر، وكان الولدان يلعبان معها، ويداعبان الأم، وألبستهما أحلى الملابس، فكانا كالقمر ليلة البدر أركبتهما السيارة، ونزلت منها ولم تطفئها وجعلت السيارة تنزل شيئاً فشيئاً إلى قاع ذلك النهر، والولدان يبكيان ويصيحان من وراء زجاج السيارة، ويناديان أمهما، ولكن ما هي إلا لحظات ودقائق حتى كانا في قاع البحر قد غرقا لتتمتع بعشيقها ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] أي حياة هذه؟! وأي عيشة تلك؟!
فلانة من النساء معها مقابلة على الهواء مباشرة في التلفاز: ماذا تتمنين؟ قالت: أتمنى أن أصبح مثل هذه الممثلة، أو تلك المطربة.
امرأة أخرى في الجريدة تعمل معها مقابلة، وهي لم تتجاوز السادسة عشرة من العمر: ما هوايتك؟ قالت: الغناء والطرب.
ماذا تتمنين؟ قالت: أتمنى أن أصبح مثل النجمة الفلانية، أو الراقصة الفلانية.
من علمك هذا؟ قالت: التلفاز، والمجلات، والجرائد.
وأخرى يقبض عليها في قضية تعاطي المخدرات، أو في دعارة، أو في غيرها، بعد أن فضحت، وعمل معها التحقيق: من أين تعرفت على هذا؟ قالت: في البداية كان شريط غناء، أو كان فيلماً غنائياً، أو مسلسلاً خلاعياً، أو كان في البداية أن تعرفت على فلانة، والآن وصلت إلى ما وصلت إليه.
стр. 804
فتاة تعيش في مستنقع الجاهلية المعاصرة
يقول شيخ من الشيوخ -واسمعي إلى هذه القصة العجيبة-: دعيت إلى فتاة لأقرأ عليها القرآن -كان يقرأ على الناس، والله جل وعلا يقول: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ [الإسراء:٨٢]- فقلت: أين المكان قالوا: في المستشفى الفلاني، يقول: في مستشفى خاص من أفخم المستشفيات، يقول: فذهبت إلى هذا المستشفى، وكان قد حجز جناحاً كاملاً لهذه الشابة يقول: ولم أدخل عليها إلا بعد أن تجاوزت أشخاصاً كثر يسألونني: من تريد؟ وماذا تريد؟ حتى وصلت إلى هذه الفتاة بعد حواجز، وبعد حرس، وبعد خدم، وبعد حشم وعلمت أن هذه الفتاة ليست كغيرها من الفتيات، إنها من علية القوم.
فدخلت عليها في غرفة كبيرة، والخدم عن يمينها وشمالها، وقد جلس عندها بعض أقربائها وهي منطرحة على الفراش، فسلمت، ثم سألتهم: ما خبرها؟ قالوا: لا ندري، ذهبنا بها إلى كل المستشفيات ولكن لا فائدة! لا ندري ما قصتها، ولا نعلم ما خبرها.
فقال لهم الشيخ: أريد أن أتحدث معها هل يمكن هذا؟ قالوا: تحدث معها، ثم طلب منهم أن يحجبوها، فحجبوها.
قال: فجلست وأخذت أسألها: يا فلانة تسمعيني؟ قالت: نعم، قال: أسألك أسئلة فأجيبيني بصراحة، قالت: تفضل.
قال: هل تصلين؟ قالت: بصراحة والله لا أصلي.
قال لها: هل تقرئين القرآن؟ قالت: منذ زمن بعيد ما قرأت القرآن.
قال: هل تتعاطين المخدرات، وتشربين المسكرات؟ قالت: نعم أحياناً.
قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون! يقول: الشابة صغيرة، لعلها لم تتجاوز العشرين من العمر، وتعمل هذه الأعمال! فقالت الفتاة لما رأت الشيخ تعجب: يا شيخ لم تعجبت؟ لو أخبرتك عن حياتي وعن معيشتي لما تعجبت مني، اسمع يا شيخ كيف أعيش.
اسمعي يا أختي الكريمة! يا من غرتك زهرة الحياة الدنيا! اسمعي إلى هذه الغنية الثرية كيف تعيش في هذه الدنيا.
تقول الفتاة: يا شيخ! أنا في كل يوم أنام في أول النهار ولا أستيقظ إلا بعد غروب الشمس أو في آخر النهار، أقضي النهار كله نوماً، وبعد أن أستيقظ من نومي وأنا في غرفتي، أرفع سماعة الهاتف، فيأتيني ما أطلبه من طعام وشراب الخدم حولي، كل ما أشتهيه يأتيني إلى غرفتي، فإذا جاء الليل حضر أصدقائي، تقول: كل ليلة يجتمعون عندي، على الغناء، والطعام والشراب، واللهو والطرب، وفي بعض الأحيان نطلب من نشاء من المطربين أن يأتينا في أي لحظة نريدها أي مطرب وأي مغني، بسماعة الهاتف يأتينا إلى غرفتي؛ فيحيي ليلتنا بالغناء والطرب والرقص.
تقول: فنمضي هكذا، وبعض الأحيان يحيي ليالينا أناس ليسوا بإناث ولا ذكور، بين هذا وهذا، فنقضي أغلب الليل هكذا، فإذا اقتربت ساعة الفجر، ذهب كل منا إلى بيته، وبقيت لوحدي، أتقلب على الفراش، أنتظر النوم، وما أن يطلع الصبح وترتفع الشمس حتى أخلد إلى نوم عميق.
تقول: فلا أصحو إلا بعد أن يعلو النهار، ويقترب من نهايته، وتقترب الشمس من الغروب، لأمضي ليلة أخرى في لهو، وطرب، وغناء، وفجور، ورقص، وسكر، وعربدة.
تقول: هذه حياتي، وتلك أيامي، وهذه ليالي هل علمت يا شيخ كيف نعيش وكيف نحيا؟!
قال الشيخ: صدق الله ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
стр. 805
صفحات مشرقة للمرأة المؤمنة
لننظر إلى الوجه الآخر والصفحة الأخرى: إنهن نساء وفتيات عرفن لم خلقهن الله جل وعلا.
اسمعي لـ عائشة بنت الصديق ﵂ وعن أبيها: يدخل عليها ابن أختها ليسلم عليها، فينظر إليها وهي تصلي وتقرأ آية وتبكي، يقول: فتركتها ثم جئتها في منتصف النهار، وهي تقرأ الآية نفسها وتبكي من هي؟ إنها عائشة، إنها أم المؤمنين التي بشرت بالجنة، تبكي وهي تقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧].
стр. 806
ماشطة بنت فرعون
ألم تسمعي عن ماشطة بنت فرعون التي نظرت إلى أولادها يحرقون واحداً تلو الآخر، وهي صابرة على دينها، ثابتة على عقيدتها، وقبل أن تحرق طلبت من فرعون طلباً، قالت: أطلب منك إذا أحرقتني أن تجمع عظامي وعظام أولادي في كفن وتدفننا جميعاً.
ولما أحرقت هي وأولادها الصغار بعثها الله جل وعلا في السماء، وصار لها ولأولادها رائحة طيبة، شمها النبي ﷺ في المعراج ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
نعم.
إن عائشة بكت، وإن ماشطة بنت فرعون أحرق أولادها أمام عينيها، لكن هل تظنين أنهن قد تعذبن في هذه الحياة؟! لا والله، إنهن يعشن أسعد حياة، إنهن خرجن من الدنيا وقد وجدن أسعد وأحلى ما فيها؛ إنها طاعة الله، وذكره سبحانه تعالى.
стр. 807
زوجة فرعون
زوجة فرعون التي أظهرت إيمانها بالله وكفرها بزوجها بفرعون الذي قتل الأولاد في أرحام أمهاتهم، الذي قتل الرجال واستحيا النساء، فرعون الذي كان يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] خرجت زوجته من قصره تقول: ربي في السماء، كفرت بك وبما تعبد من دون الله زوجته الصابرة المؤمنة التقية العابدة فربطها فرعون في صحراء قاحلة، وأجاعها، وعذبها، وضربها، وقال لجنوده: ارفعوا صخرة من أعلى مكان، وارموها عليها لتقتلوها بها، ثم قال لها: هل ترجعين عن دينك؟ قالت: والله لا أرجع عن ديني طرفة عين.
فربطها، وحملوا صخرة كبيرة ورموها عليها، فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١] فلما دعت بهذا الدعاء، والصخرة لما تنزل عليها، قبض الله روحها قبل أن تصل الصخرة إلى جسدها إنها لحظات، لكنه صدق الدعاء، وصدق الإيمان بالله جل وعلا.
стр. 808
مريم بنت عمران
قال الله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم:١٢] مريم يدخل عليها رجل وهي في المحراب تصلي وتركع وتسجد، ما مسها بشر، وما اطلع عليها في الحرام رجل دخل عليها رجل إلى المحراب: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً﴾ [مريم:١٨].
أسألك بالله سؤالاً: ماذا نقول عن نسائنا في هذا الزمن؟ تدخل على البائع فتكلمه وتضاحكه، وهي تريد أن يخفض الأسعار، ويتصل عليها رجل في البيت فتضحك معه الساعات الطويلة، وتلين معه في الحديث تذهب إلى العمل فتكلم فلاناً وتجالس فلاناً، وتضاحك فلاناً، وتتكشف عند فلان تشم رائحتها من مسافة طويلة، ويسمع قرع نعليها من مسافات أطول أين هي من مريم ﵍ التي لما رأت رجلاً ماذا قالت؟ هل سلمت عليه؟ هل صافحته؟ هل ضحكت معه؟ هل استبشرت به في خلوتها؟ ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً﴾ [مريم:١٨] فلما أخبرها أنه ليس برجل وأنه ملك مرسل من الله جل وعلا، ماذا قالت؟ ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ [مريم:٢٠] الله أكبر! تخاف على سمعتها، وتخاف على عرضها، وتخاف على كرامتها وعلى شرفها أين نحن من مريم البتول ﵍؟
ولما جاءها المخاض ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم:٢٣] مع أن الولد نبي من الأنبياء، والذي نفخ فيه الروح هو أفضل ملك من الملائكة، وبأمر الله جل وعلا، ولكنها ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٣] أرأيتِ العفاف؟ أرأيت الطهارة؟ أرأيتِ الكرامة التي أكرمها الله بها؟
стр. 809
نصائح هامة في الحجاب والعفة
أختي الفاضلة: إياكِ أن تكوني سلعة رخيصة إن الصراع في هذا الزمن صراع يستخدم فيه الغرب واليهود والنصارى سلاح المرأة المسكينة الضعيفة، ويشهرون هذا السلاح في وجوه الرجال.
انظري نظرة واحدة إلى كل المجلات الساقطة الهابطة ماذا يوضع في غلافها؟ امرأة فاتنة متكشفة متبرجة لم؟ هل لكرامتها ولسمعتها؟! لا والله، إنهم يريدون أن يروجوا لهذه المجلة، ويريدون أن يفتنوا الرجال، والنبي ﷺ يقول: (ما تركت فتنة هي أضر على الرجال من النساء).
أختي الكريمة: الله الله ألا نؤتى من قبلك! الله الله ألا يهزم الإسلام والمسلمون عن طريقك يا أختي الكريمة!
يقول المستشرق النصراني: إن كأساً وغانية يفعلان في المسلمين ما لا تفعله مائة دبابة ومائة صاروخ.
امرأة مغنية راقصة فاتنة تفعل في الرجال ما لا تفعله الصواريخ والدبابات.
أختي الكريمة: الله الله في الحجاب! الله الله في العفة والحياء! وإياك أن تكشفي شيئاً يسيراً من الجسد لغير المحارم ولغير الزوج، فإن والله جل وعلا يقول: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] الله جل وعلا حرم عليك صوت الكعب أو الخلخال أن يسمعه الرجال، فإذا كنت تمشين وقد وضعت في رجليك شيئاً من الزينة فلا تضربي بالرجل بقوة، حتى لا يسمع صوته الرجال.
هذا صوت الخلخال، فكيف بأن تكشف المرأة وجهها، أو ساعديها، أو شيئاً من ساقيها، أو شعرها؟! أي فتنة أعظم من هذه؟! إن الرجال إذا فتنوا بالنساء فأول شيء يفتنون به هو وجهها، بل إن الرجل إذا خطب المرأة فإنه لا يسأل عن ذراعها ولا عن ساقها ولا عن شعرها، إنما يسأل عنه وجهها، ولهذا حرم الله جل وعلا أن تغطي المرأة وجهها في الإحرام في الطواف، ومع هذا تقول عائشة ﵂: [كنا إذا مر بنا الأجانب من الرجال أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها] مع أن تغطية وجه المرأة في الإحرام لا يجوز، لكن عائشة تقول: [إذا مر بنا الرجال الأجانب أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها] تقول الفقيهة العالمة: [فإذا جاوزونا كشفناه].
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩].
قال المفسرون: تغطي رأسها إلى صدرها، فإن الجلباب من الرأس إلى الصدر ويغطي ما بينهما.
وقال بعضهم: إلا ما ظهر منها عين واحدة أو عينان لتبصر الطريق.
أرأيت يا أختي الكريمة كيف حافظ الله على حيائك، وعلى شرفك وعفتك؟ بل لقد حرم الله جل وعلا على المرأة حتى الصوت إن كان فيه فتنة ولين، فانتبهي يا أمة الله.
стр. 810
قصة من الواقع
هذه القصة لتعلمي أن كثيراً من الرجال في هذا الزمن على صورة رجل لكنه في الحقيقة ذئب، إنه يضحك عليك بتلك الكلمات المعسولة، ويغدر بك بتلك الكلمات الرنانة، ويضحك عليك بتلك الرسالة، وبهذه المكالمة، وبهذه المواعدة، وتلك الهدية الزائفة، وقلبه أخبث من قلوب الذئاب.
следующие страницы →