← Джавами‘

Джавами‘ · id 7717

دروس للشيخ نبيل العوضي

نبيل العوضي

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ماشطة بنت فرعون ألم تسمعي عن ماشطة بنت فرعون التي نظرت إلى أولادها يحرقون واحداً تلو الآخر، وهي صابرة على دينها، ثابتة على عقيدتها، وقبل أن تحرق طلبت من فرعون طلباً، قالت: أطلب منك إذا أحرقتني أن تجمع عظامي وعظام أولادي في كفن وتدفننا جميعاً. ولما أحرقت هي وأولادها الصغار بعثها الله جل وعلا في السماء، وصار لها ولأولادها رائحة طيبة، شمها النبي ﷺ في المعراج ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. نعم. إن عائشة بكت، وإن ماشطة بنت فرعون أحرق أولادها أمام عينيها، لكن هل تظنين أنهن قد تعذبن في هذه الحياة؟! لا والله، إنهن يعشن أسعد حياة، إنهن خرجن من الدنيا وقد وجدن أسعد وأحلى ما فيها؛ إنها طاعة الله، وذكره سبحانه تعالى.

стр. 807

زوجة فرعون زوجة فرعون التي أظهرت إيمانها بالله وكفرها بزوجها بفرعون الذي قتل الأولاد في أرحام أمهاتهم، الذي قتل الرجال واستحيا النساء، فرعون الذي كان يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] خرجت زوجته من قصره تقول: ربي في السماء، كفرت بك وبما تعبد من دون الله زوجته الصابرة المؤمنة التقية العابدة فربطها فرعون في صحراء قاحلة، وأجاعها، وعذبها، وضربها، وقال لجنوده: ارفعوا صخرة من أعلى مكان، وارموها عليها لتقتلوها بها، ثم قال لها: هل ترجعين عن دينك؟ قالت: والله لا أرجع عن ديني طرفة عين. فربطها، وحملوا صخرة كبيرة ورموها عليها، فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١] فلما دعت بهذا الدعاء، والصخرة لما تنزل عليها، قبض الله روحها قبل أن تصل الصخرة إلى جسدها إنها لحظات، لكنه صدق الدعاء، وصدق الإيمان بالله جل وعلا.

стр. 808

مريم بنت عمران قال الله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم:١٢] مريم يدخل عليها رجل وهي في المحراب تصلي وتركع وتسجد، ما مسها بشر، وما اطلع عليها في الحرام رجل دخل عليها رجل إلى المحراب: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً﴾ [مريم:١٨]. أسألك بالله سؤالاً: ماذا نقول عن نسائنا في هذا الزمن؟ تدخل على البائع فتكلمه وتضاحكه، وهي تريد أن يخفض الأسعار، ويتصل عليها رجل في البيت فتضحك معه الساعات الطويلة، وتلين معه في الحديث تذهب إلى العمل فتكلم فلاناً وتجالس فلاناً، وتضاحك فلاناً، وتتكشف عند فلان تشم رائحتها من مسافة طويلة، ويسمع قرع نعليها من مسافات أطول أين هي من مريم ﵍ التي لما رأت رجلاً ماذا قالت؟ هل سلمت عليه؟ هل صافحته؟ هل ضحكت معه؟ هل استبشرت به في خلوتها؟ ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً﴾ [مريم:١٨] فلما أخبرها أنه ليس برجل وأنه ملك مرسل من الله جل وعلا، ماذا قالت؟ ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ [مريم:٢٠] الله أكبر! تخاف على سمعتها، وتخاف على عرضها، وتخاف على كرامتها وعلى شرفها أين نحن من مريم البتول ﵍؟ ولما جاءها المخاض ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم:٢٣] مع أن الولد نبي من الأنبياء، والذي نفخ فيه الروح هو أفضل ملك من الملائكة، وبأمر الله جل وعلا، ولكنها ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٣] أرأيتِ العفاف؟ أرأيت الطهارة؟ أرأيتِ الكرامة التي أكرمها الله بها؟

стр. 809

نصائح هامة في الحجاب والعفة أختي الفاضلة: إياكِ أن تكوني سلعة رخيصة إن الصراع في هذا الزمن صراع يستخدم فيه الغرب واليهود والنصارى سلاح المرأة المسكينة الضعيفة، ويشهرون هذا السلاح في وجوه الرجال. انظري نظرة واحدة إلى كل المجلات الساقطة الهابطة ماذا يوضع في غلافها؟ امرأة فاتنة متكشفة متبرجة لم؟ هل لكرامتها ولسمعتها؟! لا والله، إنهم يريدون أن يروجوا لهذه المجلة، ويريدون أن يفتنوا الرجال، والنبي ﷺ يقول: (ما تركت فتنة هي أضر على الرجال من النساء). أختي الكريمة: الله الله ألا نؤتى من قبلك! الله الله ألا يهزم الإسلام والمسلمون عن طريقك يا أختي الكريمة! يقول المستشرق النصراني: إن كأساً وغانية يفعلان في المسلمين ما لا تفعله مائة دبابة ومائة صاروخ. امرأة مغنية راقصة فاتنة تفعل في الرجال ما لا تفعله الصواريخ والدبابات. أختي الكريمة: الله الله في الحجاب! الله الله في العفة والحياء! وإياك أن تكشفي شيئاً يسيراً من الجسد لغير المحارم ولغير الزوج، فإن والله جل وعلا يقول: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] الله جل وعلا حرم عليك صوت الكعب أو الخلخال أن يسمعه الرجال، فإذا كنت تمشين وقد وضعت في رجليك شيئاً من الزينة فلا تضربي بالرجل بقوة، حتى لا يسمع صوته الرجال. هذا صوت الخلخال، فكيف بأن تكشف المرأة وجهها، أو ساعديها، أو شيئاً من ساقيها، أو شعرها؟! أي فتنة أعظم من هذه؟! إن الرجال إذا فتنوا بالنساء فأول شيء يفتنون به هو وجهها، بل إن الرجل إذا خطب المرأة فإنه لا يسأل عن ذراعها ولا عن ساقها ولا عن شعرها، إنما يسأل عنه وجهها، ولهذا حرم الله جل وعلا أن تغطي المرأة وجهها في الإحرام في الطواف، ومع هذا تقول عائشة ﵂: [كنا إذا مر بنا الأجانب من الرجال أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها] مع أن تغطية وجه المرأة في الإحرام لا يجوز، لكن عائشة تقول: [إذا مر بنا الرجال الأجانب أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها] تقول الفقيهة العالمة: [فإذا جاوزونا كشفناه]. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]. قال المفسرون: تغطي رأسها إلى صدرها، فإن الجلباب من الرأس إلى الصدر ويغطي ما بينهما. وقال بعضهم: إلا ما ظهر منها عين واحدة أو عينان لتبصر الطريق. أرأيت يا أختي الكريمة كيف حافظ الله على حيائك، وعلى شرفك وعفتك؟ بل لقد حرم الله جل وعلا على المرأة حتى الصوت إن كان فيه فتنة ولين، فانتبهي يا أمة الله.

стр. 810

قصة من الواقع هذه القصة لتعلمي أن كثيراً من الرجال في هذا الزمن على صورة رجل لكنه في الحقيقة ذئب، إنه يضحك عليك بتلك الكلمات المعسولة، ويغدر بك بتلك الكلمات الرنانة، ويضحك عليك بتلك الرسالة، وبهذه المكالمة، وبهذه المواعدة، وتلك الهدية الزائفة، وقلبه أخبث من قلوب الذئاب.

стр. 811

الخطوة الأولى في طريق الشيطان أختي الفاضلة: اسمعي إلى هذه القصة الحقيقية، التي لا أنسجها من الخيال، بل قرأتها لشابة تقصها هي بنفسها عن نفسها، تقول: ما كنت أعرف عن الحرام، ولا أعرف عن الفساد شيئاً، خرجت من مدرستي يوماً -وهي كانت في الثانوية- تقول: خرجت من مدرستي يوماً لأسمع رجلاً يناديني باسمي، فالتفت وظننته أحد أقربائي أو محارمي، وإذا هو رجل لا أعرفه ويناديني باسمي تقول: فأسرعت في المشي، وخفت منه، ولم أجبه، ولم أكلمه، وهربت إلى البيت وأنا خائفة وجلة، من هذا الذي يناديني باسمي؟ وطوال الليل وأنا أفكر: ماذا يريد مني؟ ما قصته؟ كيف عرف اسمي؟ ماذا يطلب مني؟ تقول: وفي اليوم الثاني جاءني نفس الشاب يناديني باسمي مرة ثانية عند باب المدرسة، فهربت منه مرة ثانية، وكل يوم يلاحقني عند أبواب المدرسة، ومرت الأيام وأنا أفكر، ماذا يريد هذا الشاب؟ تقول: وفي يوم من الأيام رن جرس الهاتف، فرفعت السماعة وإذا صوت الشاب نفسه وهو يقول: فلانة لا تغلقي الهاتف، أريد أن أكلمك كلمات، فأغلقت الهاتف في وجهه، وفي اليوم الثاني اتصل بي، فاستمعت إليه وهو يقول: اسمعيني ولا تجيبيني، فقط اسمعيني لحظة من الزمن، تقول: استمعت إليه خطوة خطوة، إنها خطوات الشيطان، شياطين الجن والإنس قد اجتمعوا على المسكينة. تقول: استمعت إليه يقول: يا فلانة والله لا أريد الحرام، ولا أريد الفاحشة، ولو أردتها لعرفت طريقها، لا أريد إلا أمراً واحداً، أريد الزواج منك. قالت له البريئة المسكينة: إذا أردت الزواج فأت إلى أهلي ووالدي وكلمه؟ قال: يا فلانة أريد أن أتعرف عليك أولاً، وبعدها سوف أتقدم إلى أهلك، وأنا من أسرة ثرية، لا ولد لهم إلا أنا، ولا يملكون غيري، وأريد أن أعيش معك حياة سعيدة، زوجين سعيدين، نعيش حياة طيبة، ونشتري بيتاً، وننجب الأولاد أخذها إلى دنياً تحلم بها كل فتاة تقول: ثم جاءني مرة ثانية إلى المدرسة، فأخذت أكلمه عند الباب، ويوماً بعد يوم، حتى بدأت أركب معه في السيارة، وأتجول معه، ويشتري لي بعض الأمور، وأتناول معه بعض الوجبات، ومرت الأيام والليالي والأسرة في غفلة عنها، تقول: وأنا متأكدة أنه سوف يتزوجني يوماً من الأيام، أعرف أنه صادق، ولن يخدعني أبداً.

стр. 812

الوقوع في البركة النتنة تقول: وفي يوم أدخلني معه في شقة له، وكنت ألعب معه وأداعبه وأضاحكه وأسامره، تقول: وكأنني في سكرة وفي غفلة وفي نومة، فلم أستيقظ إلا وقد ذهبت عفتي، وهتك عرضي، فصحت، وبكيت، وصرخت، وقلت له: ويحك، ما الذي فعلت؟ قال: لا تخافي إنما أنت زوجة لي، قالت: كيف أكون زوجتك، ولم تعقد علي، ولم يعلم أهلي تقول: فهربت إلى بيتي خائفة أركض في الطريق، حتى دخلت البيت، ولم أنم تلك الليلة كلها، وعندما ذهبت إلى المدرسة انتظرته عند أسوار المدرسة لعله يأتي ويواعدني على الزواج، فلم يأتِ، ومرت الأيام، وكلما رن جرس الهاتف أرفعه لعله يكون هو، لعله يواعدني على الزواج، لعله يأتي إلى أهلي يخطبني منهم. وفي يوم من الأيام رأيته عند باب المدرسة، ففرحت واستبشرت، وركضت إلى سيارته، وركبت معه وأنا سعيدة، الآن سوف يواعدني على الزواج، الآن سوف يخبرني متى يأتي إلى أهلي تقول: وركبت معه نتجول معاً، وإذا أسلوبه قد تغير وتبدل، فقال لي: يا فلانة أما قضية الزواج فلا تفكري فيها أبداً!! فصفعته على وجهه من غير شعور، وبكيت، وانهرت، وتكلمت عليه بكل كلمة سوء، ثم هربت من السيارة، وركضت، فأخذ يناديني ويناديني، فقلت في نفسي: ربما رجع عن رأيه، ربما فكر في الأمر، فرجعت إليه، وقلت: ماذا تريد؟ قال: انظري إلى هذا، نظرت، فإذا هو فيلم للفيديو، قلت: ما هذا؟ قال: صورت فيه كل تلك الليلة. قالت: أيها الخسيس! أيها الحقير! ماذا تريد بهذا؟ قال: أن تستجيبي لكل طلب وإلا أرسلته إلى والديك. تقول: انهرت بين يديه كالفريسة بين يدي الذئب فكان يأخذني كل يوم أينما شاء متى شاء ويفعل بي ما شاء، لقد وقعت في وحل الدعارة، يرسلني إلى أصحابه، ويأتي بأصحابه إليَّ، فدخلت في نفق لا أدري ما آخره. وذات يوم وقع الفيلم في يد أحد أقاربي، فنظر إليه وإذا هو يرى صورتي في ذلك الفيلم، فأخذه وأرسله إلى والدي ليرى والدي ابنته بين الرجال، فلم يتمالك والدي نفسه حتى خر على الأرض، وحمل إلى المستشفى، وما هي إلا أيام معدودة حتى فارق الحياة لقد مات أبي حسرة وندامة، ثم هربت من البيت، لقد فضحت عائلتي، ومات أبي، وضاع مستقبلي، وتشردت لا أدري إلى أين أذهب. تقول: ثم ذهبت إلى الرجل الذي كان سبباً في ضياع حياتي ومستقبلي ومستقبل عائلتي، فدخلت عليه وقد سكر من شرب الخمر، فأخذت خنجراً فطعنته في ظهره عدت طعنات حتى قتلته بها، وهأنا اليوم أنتظر مصيري ومصير كل فتاة تفعل مثل هذا.

стр. 813

خلاصة الكلام إن المعاكس ذئب يغري الفتاة بحيله يقول هيا تعالي إلى الحياة الجميله قالت: أخاف العار والـ إغراق في درب الرذيله والأهل والإخوان والـ جيران بل كل القبيله هذا في البداية... قال الخبيث بمكره لا تقلقي يا كحيله إنا إذا ما التقينا أمامنا ألف حيله متى يجيء خطيب في ذي الحياة المليله لكل بنت صديق وللخليل خليله يذيقها الكأس حلوا ً ليسعدا كل ليله للسوق والهاتف والـ ملهى حكايات جميله إنما التشديد والتعقيد أغلال ثقيله ألا ترين فلانة ألا ترين الزميله وإن أردت سبيلاً فالعرس خير وسيله كذاب، كذاب، كغيره من الكذابين في هذا الزمان. وانقادت الشاة للذئب على نفس ذليله فيا لفحش أتته ويا فعال وبيله حتى إذا الوغد أروى من الفتاة غليله قال اللئيم وداعاً ففي البنات بديله قالت ألما وقعنا أين الوعود الطويله قال الخبيث وقد كشر عن مكر وحيله كيف الوثوق بغر وكيف أرضى سبيله من خانت العرض يوماً عهودها مستحيله بكت عذاباً وقهراً على المخازي الوبيله عار ونار وخزي كذا حياة ذليله من طاوع الذئب يوماً أورده الموت غيله

стр. 814

بعض مجالات الخير التي يمكن أن ترتادها النساء أختي الكريمة: إنها قصة من قصصٍ كثيرة يعيشها مجتمعنا وكثير من المجتمعات، من فتاة ضُحك عليها، وغُرر بها، وانقادت المسكينة مع الذئاب، حتى كانت نهايتها مأساة، إما في سجن، أو انتحار، أو فضيحة وعار، أو ضاعت بين الجدران، لا تدري من يخلصها من ذلك السجن. أختي الكريمة: عليك بالعبادة والذكر وقراءة القرآن، ارجعي إلى الله جل وعلا هل فكرت يوماً من الأيام أن تختمي القرآن حفظاً، أو تختميه قراءة وتدبراً؟ إياك يا أختي الكريمة عن كل ما يلهيك عن الذكر والطاعة والقرآن والصلاة، الله عندما اصطفى مريم ﵍ قال لها: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٣]. إن بعض النساء في هذه الأزمان من الصباح إلى المساء همهمن المسلسلات والأفلام، والموضات، والأزياء، والتجول في الأسواق، والغناء، والطرب، هذا همهما وتلك حياتها، والله جل وعلا يقول: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨]. أختي الكريمة: هل فكرت يوماً من الأيام أن تكوني طالبة للعلم؟ وأن تحفظي القرآن؟ وأن تحفظي أحاديث الرسول ﷺ ؟ وأن تقرئي من الفقه ومن التوحيد ومن التفسير شيئاً؟ هل فكرت في طلب العلم؟ إنها حياة جديدة أخرى بين الكتب في طلب العلم، والله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]. إن عائشة ﵂ كانت تُضرب إليها أكباد الإبل؛ لأجل أن تسأل في دين الله ، كانت صغيرة في العمر لكنها كبيرة في القلب والعقل، كانت فقيهة، عالمة، عابدة، كان يسألها الرجال ويتفقه عندها المتفقهون لقد ضربت ﵂ أروع الأمثلة في طلبها للعلم، فكم من حديث نقرؤه ونقول: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ كذا ...، وقد وردت أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ ، كيف هذا؟ لأنها كانت طالبة للعلم، حافظة للأحاديث، وكانت في نفس الوقت داعية إلى الله، فهل فكرت في حياة الدعوة إلى الله؟ الله جل وعلا يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] اتركي هذه الحياة؛ حياة الغفلة واللهو والطرب، لتبدئي حياة الجد والالتزام، حياة الجد بطلب العلم والعبادة والدعوة إلى الله . أختي الفاضلة: إن من أنجح الدعوات في هذا الزمن دعوة النساء في صفوف النساء، وإنني أعلم بعض المجتمعات الإسلامية كنَّ النساء المحجبات فيهن قليلات، أما اليوم فإن الحجاب في أوساط النساء -بفضل الله جل وعلا- حجاب صحيح شرعي، فقد غطت المرأة كل جسدها، ونجد أن مصليات النساء تشتكي من الضيق ومن الزحام، بل طلبات تقدم إلى وزارات الأوقاف وإدارات المساجد لتوسعة مصليات النساء، وهناك مراكز للدعوة إلى الله خاصة بالنساء، وهناك حلقات تحفيظ للقرآن للنساء، وهناك مجالس علم للنساء، وهناك طالبات علم من النساء. أختي الكريمة: هل فكرت في حياة الدعوة إلى الله؟ قوليها صريحة صادقة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] وأول من تدعين إلى الله تعالى هم أولادك وبناتك وزوجك وأهل بيتك فيا أمة الله! هل بدأنا بالإصلاح؟ الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق هل سمعت بولد عمره سبع سنوات في هذا الزمن وفي هذا العصر حفظ القرآن كاملا؟! من حفظه؟! من علمه؟! هل سمعت بولد صغير صبي عمره ست سنوات حفظ القرآن كاملاً في هذا العصر وفي هذا الزمن؟ من أمه؟! إن أمه داعية إلى الله ، وأنا أعرف داعية إلى الله ابنها عمره سنتان وقد حفظته بعض قصار السور! عمره سنتان ووالله الذي لا إله غيره أنه يحفظ بعض قصار السور! هل حفظته الأم الأغاني؟ هل أجلسته أمام التلفاز؟ هل ضيعت وقته بالطرب؟ لا والله، لقد علمته الأدب والأخلاق الإسلامية، وحفظته كتاب الله جل وعلا وأعرف بعض الرجال ما عرف الصلاة إلا عن طريق زوجته، وما اهتدى إلى دين الله جل وعلا إلا عن طريق زوجته فكوني داعية إلى الله. أيتها النساء: أكثرن من الصدقة، فإن الرسول ﷺ يقول: (معاشر النساء! تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار. فقالت امرأة: لم ذاك يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير) أي الزوج فأكثري من الصدقة؛ فإن (الصدقة تطفئ غضب الرب كما يطفئ الماء النار) وأخرجي ولو من القليل الذي تملكين.

стр. 815

أهمية تعجيل الزواج والإنجاب أختي الفاضلة: إياك إياك أن تؤخري الزواج! يا من تستمعين إلي في هذا الحديث! إياك إياك أن تؤخري الزواج بحجة الدراسة، أو الوظيفة، أو إكمال الدراسة العليا! تقول: أريد أن أحصل على شهادة جامعية، أو على الماجستير، أو على الدكتوراه، ثم ماذا بعد هذا يا أختي الفاضلة؟! كم من الطبيبات اللواتي فاتهن قطار الزواج من تتمنى أن تسمع من يناديها ويقول لها: يا أمي، أو من تناديها فتقول لها: يا أماه تقول بعض الطبيبات: خذوا شهادتي، خذوا كل مراكزي وأعطوني بنتاً أو ولداً يقول لي: يا أماه. فإن هذا الصوت أغلى عندي من كل الشهادات. والرسول ﷺ يقول: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) بعض النساء -هداهن الله- إذا جاءها زوج فإنها تعجزه بالمهور، وتقول: أريد مائة ألف، أو ستين ألفاً، أو سبعين ألفاً، لم كل هذا التعجيز؟! والنبي ﷺ يقول: (أكثرهن بركة أقلهن مهراً)! أي أنه كلما تزوجت المرأة بمهر قليل، كلما كانت بركتها أكثر من غيرها، وكلما ارتفعت المهور كلما قلت البركة. فيا أمة الله: عليك بتسهيل الشروط، وعليك بالقبول بالصالحين، وعليك بالاستعجال بالزواج؛ فإنه آمن لك وآمن لبناتك أنا أعلم أن بعض الآباء هو السبب، وأن بعض الآباء هو المجرم في منع ابنته من الزواج بالصالحين، فكلما جاءه صالح رده، فهذا يرده لأجل فقره، وهذا يرده لأجل وظيفته، والثالث يرده لأجل فصله وأصله، والرابع يرده لأجل كذا وكذا، حتى أجلس البنت في بيتها مسكينة سجينة الجدران لا تعرف ما مصيرها بدأ الشيب يدب في رأسها، ابتعد عنها الخاطبون، وقلَّ الطارقون لبابها، وانصرف الناس عنها، ودبَّ فيها الوهن، وكبرت سنها، ونظرت إلى أبيها ولسان حالها يقول كما قالت تلك الفتاة وهي تخاطب أباها الذي كان سبباً في عنوستها وبقائها في بيتها وأنا أرجو أن نسمع هذا الشعر -إن كان قد سجل- أرجو أن نسمعه أولئك الآباء، الذين أجرموا في حقوق بناتهم. يقال: إن امرأة بعد أن ضاع عليها عمرها، وشاب شعرها، وبلغ بها الكبر عتياً، واشتعل رأسها شيباً، أصابها المرض، ثم انطرحت على الفراش، فجاء أبوها عند رأسها، فقالت البنت لأبيها الذي كان السبب في حرمانها من الزواج، قالت: يا أبي قل آمين. قال: آمين. قالت: قل آمين. قال: آمين. قالت: أسأل الله أن يحرمك الجنة كما حرمتني من الزواج. اسمعن يا أخواتنا الكريمات إلى هذه التي تعتصر ألماً، تكتب هذه الرسالة إلى أبيها، وأرجو أن نسمع هذه الرسالة كل أب ظالم، وكل أب منع ابنته من الزواج، وحجر عنها الصالحين، تقول البنت المسكينة: لما كتبت رسالتي ببناني والدمع مذراف من العينانِ أرسلتها للوالد الغالي الذي قد ضمني برعاية وحنانِ أرسلتها وودت أني لم أقل لكن تلهب خاطري وكياني أرسلتها والدمع خط مدادها وكتبتها من واقعي الحيرانِ فلقد كتمت من الهموم ولم يزل متفطراً قلبي من الكتمانِ لما رأيت مفارقي قد أضرمت بالشيب إن الشيب كالنيرانِ يا والدي لا تحرمن شبيبتي فلقد مضى عمر من الأحزانِ لما أرى الأطفال تذرف دمعتي ويئن قلبي من لظى الحرمانِ لما أرى غيري تعيش وزوجها وبنيها قد نام في الأحضان لما أراها والحنان مع ابنها ينتابني شيء يدك جناني يا والدي لا تقتلني بالأسى قتلاً بغير مهند وسنانِ يا والدي قد سن ربي هكذا لا بد من زوج ومن ولدانِ هذا قضاء الله حكم عادل قد سنه ربي على الإنسانِ إن كنت تبغي راتبي ووظيفتي فخذ الذي تبغي بلا أثمانِ إن كنت تبغي بيع بنتك للذي دفع الكثير فذاك أمر ثانِ هذا ورب البيت بيع كاسد بيعي كبيع الشاة والخرفانِ أبتاه حسبك لا تضع مستقبلي أو ما كفى ما ضاع من أزمانِ إن لم تزل لم تلتفت لرسالتي فاعلم بأن الله لن ينساني يوم القيامة نلتقي لحسابنا عند الإله الواحد الديانِ وأتت جهنم والملائك حولها وعلاك ألسنة من النيرانِ فهناك تعلم حق كل بنية سجنت بلا حق ورا القضبانِ أختي الكريمة: أسرعي وبادري بالزواج، ولا تقولي: هذا طويل وهذا قصير، وهذا مستواه المادي قليل، وهذا لا يستطيع أن يعطيني المهر الكثير، وهذا وهذا (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض). وختاماً: أدعوك يا أمة الله إلى التوبة إلى الله جل وعلا، والرجوع إليه، والاستغفار من الذنوب والخطايا، والاستعداد ليوم لا مرد له ولا رجوع بعده إلى هذه الدنيا ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠]. أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.

стр. 816

كيف تقوي إيمانك؟ (٢) الإيمان أساس الدين، فلا تقبل الأعمال إلا به، كما أن مراتب الدين الأخرى مبنية عليه. وإن الذين تتشبع قلوبهم بالإيمان، تتوثق صلتهم بالله سبحانه، فلا يأبهون بما سوى ذلك من إغراءات وقوى في هذه الأرض، ويطمئنون في الدنيا والآخرة، فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون. وهنا بحث في علامات ضعف الإيمان، وكيفية تقويته، وأهمية ذلك، مع بعض الفوائد والقصص المتفرقة في ثنايا هذه المادة.

стр. 817

علامات ضعف الإيمان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه وبعد: نتكلم -أيها الإخوة- عن أعظم أمرٍ يحتاجه الإنسان ويطلبه في الدنيا: إنه موضوع الإيمان، وبعض مظاهر ضعفه في الناس، ثم كيف يرفع الإنسان إيمانه؟ كيف يعالج إيمانه؟ كيف يزيد إيمانه؟ لأن من عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص، وقد ينقص إيمان الإنسان وهو لا يشعر، فمن الأسباب:

стр. 818

النظر إلى من هو ضعيف الإيمان أن ينظر الإنسان إلى من حوله، هل الناس يضعفون مثله، فيظن أنه على خير، أو أن الكل ضعيف في الإيمان، فيظن أنه قوي الإيمان! تجده يُصلي ثلاث أو أربع صلوات في المسجد وبعض الناس لا يصلي في المسجد إلا صلاتين أو ثلاث صلوات، فيظن أنه قوي الإيمان، أو تراه يأتي صلاة الفجر بعد الإقامة، فيظن أن إيمانه قوي؛ لأن بعض الناس لا يصلوا الفجر أصلاً، وهذا أمر عظيم جداً سوف نتكلم عنه، ولعلَّ الكلام لا ينفع إذا لم يتبعه عمل، ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨]. دخل أبو بكر ﵁ مزرعة أحد الأنصار فوجد فيها طيراً يطير، فخرَّ على ركبتيه يبكي، فقيل له: لماذا رحمك الله؟ قال: [نظرت إلى الطير يطير على الشجر، ويأكل الثمر، ثم يموت ولا حساب ولا عقاب، يا ليتني أكون طائراً] هذا هو أبو بكر الذي بشر بالجنة. وهذه قصة رويت عن عمر وأبي بكر، يقول ﵁: كُلَّما صلى الفجر خرج من المسجد، يقول: فتبعته -لأن عمر كان ينافس أبا بكر في الخير- يقول: فتبعته، فوجدته يدخل بيتاً في ناحية المدينة، فلما خرج دخلت البيت فإذا امرأة عجوز كسيرة حسيرة عمياء -من يدخل عليها؟ خليفة المسلمين- فقلت لها: من أنتِ؟ ومن هذا الرجل يدخل عليك كل يوم؟ قالت: أنا امرأة عجوز كسيرة حسيرة عمياء، وهذا الرجل الذي يدخل عليّ كل يوم لا أعرفه، يدخل علينا يصنع طعامنا، وينظف بيتنا، ويحلب شياهنا، ثم يذهب، فأخذ عمر يبكي، وخرَّ على ركبتيه يبكي وهو يقول: أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر! أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر. كان الحسن البصري يبكي كثيراً -قلوب الأوائل ليست كقلوبنا يا إخوة- كان يبكي كثيراً، فلما قيل له: لماذا تبكي كثيراً يا أبا سعيد؟ قال ﵀: [أخاف أن يطرحني الله في النار ولا يبالي]. بعد كل هذا العمل ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٣ - ٤].

стр. 819

عدم التأثر بالقرآن أو المواعظ من علامات ضعف الإيمان في الإنسان: أنه يقرأ القرآن أو يسمع المواعظ ولا يتأثر؛ تقرأ وتتلى عليه الآيات البينات وهو لا يتأثر، لأن المؤمنين كما قال الله عنهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] إذا كان قلبك لا يوجل فاعلم أنه ضعيف الإيمان. كان بعض السلف إذا توضأ الواحد منهم أو أذن المؤذن، كان يصفر وجهه من الخوف، يقول: أتدرون بين يدي من أقف؟ ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [الأنفال:٢] يقول النبي ﷺ لـ ابن مسعود: (اقرأ، قال: أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: اقرأ فإني أحب أن أسمعه من غيري، فأخذ - ابن أم عبد ﵁ يقرأ ويقرأ حتى دخل سورة النساء، فقرأ قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] قال: حسبك! قال: فنظرت إليه فإذا عيناه تذرفان) يبكي ﵊. يمر في الليل على الناس، فيسمع عجوزاً تقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] تردد الآية، وهي لا تستطيع أن تكملها، وهو يقول ﵊ وهو يبكي: نعم! أتاني نعم! أتاني نعم! أتاني. كان النبي ﷺ يقوم ليلة كاملة بآية يُرددها ويبكي: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]. تقول عائشة: (سمعته يبكي في السجود، وهو يقول: أمتي أمتي). هذه من علامة ضعف الإيمان! أنك تسمع القرآن فلا تتأثر، تُصلي خلف الإمام ولا تدري ماذا يقرأ؟ بل لعلك تدعو وتستعيذ من النار في السجود ولكن قلبك يُفكِّر في الدنيا هذا من علامة ضعف الإيمان. أبو بكر ﵁: انظروا أفضل الناس بعده! أبو بكر، يقول ﵊: (مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس، تقول عائشة ﵂: إن أبا بكر -أبوها- رجل أسيف) لا يتحمل الصلاة، إذا صلى وقرأ القرآن بكى، هذا أفضل الناس بعد النبي ﷺ . عمر ﵁، وما أدراك ما عمر؟ صلى في الناس صلاة الفجر، فأخذ يقرأ في سورة يوسف، حتى وصل إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] فتوقف وأخذ يبكي ﵁ حتى بكى الناس من خلفه، هكذا كان أصحاب النبي ﷺ . علي بن الفضيل بن عياض يُقال عنه: إنه كان يُردد الآية عشرين مرة. وهذا عمر بن عبد العزيز، قام ذات ليلة من الليالي، فأخذ يقرأ قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:١] حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾ [الليل:١٤] فلم يستطع أن يكمل السورة، فأعادها مرة أخرى، حتى وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾ [الليل:١٤] فأعاد السورة مرة ثالثة، وأخذ يعيدها ويعيدها، ولم يستطع أن يُكمل السورة، فتركها وقرأ سورة غيرها. وورد أيضاً عن أحد السلف أنه كان يقرأ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ [الأنعام:٢٧] فخرجت روحه، ولم يستطع أن يكمل هذه الآية قتلته آية، ولعلَّ الأمر فيه مبالغة، لكن لا نريد هذه السورة إنما نريد من الإنسان -يا إخواني- أن يتأثر. علامة ضعف الإيمان أن يقرأ الإنسان كلامه تعالى آيات تدك الجبال، قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات:٩ - ١١] أتعرف ما في الصدور؟ ما في الصدور مما كنت تُفكِّر من معاصٍ. أتعرف ما في الصدور؟ ما كنت تخفيه بينك وبين نفسك، تعصي وتظن أن الله لا يراك. أتعرف ما في الصدور؟ يُبدى أمام الله يوم القيامة، ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]. القرآن يا إخوة! تريد أن تعرف علامة أو قوة إيمانك؟ اعرض نفسك على القرآن هل تتأثر عندما تقرأ؟ هل تتأثر عندما تسمع القرآن؟ هل تتأثر عندما تصلي عند الإمام؟ هل تخشع؟ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٣]. كان عمر بن عبد العزيز يقوم الليل، فأخذ يبكي، فبكى أهله كلهم إشفاقاً عليه، وأبكى الجيران، وفي الصباح سُئِلَ ﵁: ما يبكيك رحمك الله؟ فقال: كنت أقرأ قوله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]، وتفكرت! فكنت لا أدري إلى أيهما أصير؟ هل أنا من فريق الجنة، أم من فريق السعير؟ بل تقول زوجته فاطمة: كان ينتفض من فراشه كما ينتفض العصفور، فَيُصلي فيبكي حتى تقول عنه زوجته: كنت أظن أن روحه سوف تخرج منه فيُصرع، ثم يقوم فيصلي، فيبكي حتى تكاد روحه تخرج منه، تقول: وهكذا يبكي حتى يسمع أذان الفجر، ثم يذهب إلى الصلاة انظروا إلى حالهم! ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]. والله لو أنزل القرآن على جبل لتصدع فما بال هذا القلب! إنها الذنوب. أيها الأخوة! أصبح الواحد منا يقرأ القرآن وكأنه يقرأ جريدةً، بل لو سمع قصة لتأثر، أما حين يسمع أحسن القصص فلا يتأثر، لو سمع عن عدو لخاف، أما حين يسمع عن عذاب الله فلا يخاف، يسمع عن النار: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٣] إذا سمع آيات العذاب وآيات الوعيد، ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣] هكذا المؤمن إذا سمع: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾ [النبأ:٢١] اقشعر الجلد! لا يتحمل هذه الآيات يخاف، ثم بعد قليل: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾ [النبأ:٣١] يلين الجلد، ويهدأ القلب ويسكن، ويرجو رحمة الله. كان النبي ﷺ إذا قام الليل قرأ بسورٍ طويلة -بالسبع الطوال- فإذا مر بآية عذاب استعاذ بالله، وإذا مر بآية رحمة سأل الله من فضله هكذا كان يتفاعل مع الآيات، أما بعض الناس من ضعيفي الإيمان -ونحن منهم نسأل الله العافية- لو تسأله: ماذا صلى الإمام في صلاة العشاء؟ ماذا قرأ! فإنه لا يعرف شيئاً منذ متى خلوت بنفسك لتقرأ القرآن وتذكر الله؟ (ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) يبكي من خشية الله هل وصلنا إلى هذه الدرجة؟! اعرف إيمانك يا عبد الله.

стр. 820

كثرة الوقوع في الذنوب والمعاصي من علامات ضعف الإيمان: كثرة الوقوع في الذنوب والمعاصي. كلما وقع في ذنب قال: صغيرة! وكلما وقع في ذنب قال: الحمد لله! صليت في جماعة ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] يدخل البيت ويفتح التلفاز وهو لا يُبالي يستمع إلى الأغاني، يقول: هذه صغيرة ولن تضرني، وإذا مر بالسوق نظر إلى فلانة وعلانة، ويقول: هذه صغيرة، وهذه لا تضر، ثم إذا ذهب إلى بيته جلس يتكلم في فلان، وإذا ذهب إلى المجالس يسمع غيبة في فلان، وينم بفلان، ويتكلم عن فلان، ويستبيح أعراض الناس. خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماشٍ فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى حتى إذا جاء يوم القيامة: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً﴾ [الكهف:٤٩] نظرة نظرتها في السوق لا يغادرها، تلك الليلة عندما فتحت الجريدة لتقرأ الأخبار، فنظرت إلى المرأة، وقلت: صغيرة! تلك الليلة عندما جلست في الغرفة فتحت التلفاز لتستمع إلى الأخبار، وكانت امرأة مُذِيعة، فكنت تنظر إليها، وتقول: أخبار! ذلك المجلس الذي كنت تجلس فيه، وكنت تسمع فيه الغيبة والسخرية والنميمة، وكنت تقول: أنا لم أتكلم، أنا أستمع فقط. ذلك اليوم عندما ذهبت إلى السوق لتشتري حاجات، وقابلتك امرأة تبيع وتشتري منها، وأخذت تكلمها وتنظر إليها، وتحادثها، وتضاحكها، وكنت تقول وأنت تحج نفسك فتقول: حاجة وضرورة، أنت مسكين! ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] هكذا ضعيف الإيمان يتهاون في الصغائر، حتى يبلغ به الأمر إلى أن يقع في الكبائر -نسأل الله العافية- إما في الفواحش، أو في الغيبة، أو في عقوق الوالدين، بل لعله يفعل المنكرات العظام، بل يبدأ يجاهر (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) يجلس أمام الناس ويعصي الله ويفعل المنكرات، بل يفتخر أنه فعل كذا وكذا، ويقول للناس: سافرت إلى المكان الفلاني، وفعلت كذا وكذا، فيفتخر أنه كان يعصي الله .

стр. 821

عدم الشعور بالمسلمين من علامات ضعف الإيمان: أن الإنسان لا يشعر بغيره من المسلمين، فإذا كلمته عن أحوال المسلمين في دول الغرب -في الدول الشرقية أو الغربية في الشمال أو الجنوب- قال: نحن ما الذي علينا! هذه من علامات ضعف الإيمان، أن الإنسان لا يشعر ولا يُبالي بغيره.

стр. 822

التكاسل عن العبادات من علامات ضعف الإيمان -يا عباد الله- التكاسل عن العبادات. في السابق كان أول التزامه أنه كان يصلي في الصف الأول، أما الآن ما باله بدأ يصلي في الصف الثاني أو الثالث أو الصف الأخير. ما باله لا يأتي إلا عند الإقامة. فلان حاسب نفسك! لا تأتي إلا في الركعة الأخيرة وتظن أنك على خير (لا يزال أقوام يتأخرون عن الصفوف الأول حتى يؤخرهم الله) مسكين! لا يعرف أن من علامات النفاق: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢]. كان في بداية التزامه كان يوجد في جيبه كتيب حصن المسلم، يقرأ الأذكار في الصباح والمساء، أما الآن ما بالك يا فلان! نسيت أذكار الصباح والمساء أين ذكر الله يا عبد الله؟! ما بالك تغيرت، كنت في السابق تفتح المصحف في اليوم: الساعة، والساعتين، والثلاث، ما بالك الآن؟ ما الذي حدث؟ ما الذي جرى يا عبد الله؟ إنه ضعف الإيمان! كنت ليلة من الليالي تقوم الليل بركعتين، أو أربع، أو أكثر، أو أقل، ما بالك اليوم لا تتذكر قيام الليل إلا في رمضان. كنت في السابق تصوم الاثنين والخميس، أما الآن فلا تصوم ولا يوماً واحداً في الشهر، ما بالك يا عبد الله! إنها علامة لضعف الإيمان، وأنت لا تشعر.

стр. 823

عدم إنكار المنكر من علامات ضعف الإيمان: أنه يرى المنكر ولا يتحرك، ولا يتغير، ولا يتضجر، ولا يشمئز. يرى المنكرات وكأنها ليست بمنكرات، والله يقول عن أولئك الذين ينكرون المنكر: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] لأن من علامة قوة الإيمان إنكار المنكر، أما ضعيف الإيمان فكان في السابق إذا رأى المنكر أغلق التلفاز، إذا رأى منكراً لعله تكلم ونصح؛ وإن لم يستطع فإنه يخرج من هذا المجلس، أما الآن فقد ضعف إيمانه، فتراه ينظر إلى المنكرات، بل لعله يفعلها وهو لا يشعر، يمر في الأسواق فيرى المنكرات وكأنه لا يراها، ينظر إلى المنكرات وكأنها معروفاً، بل يجلس في مجلس فيه منكر، فلا تراه يتغير ولا يتحرك ولا يخرج من هذا المجلس، لأن الإيمان ضعيف كما قال ﵊: (وذلك أضعف الإيمان) أتعرفون في من هذا؟ هذا في الرجل يجلس في المجلس، فيرى منكراً ما، فلا يستطيع أن يُغيِّره لا بيده ولا بلسانه، فمن الضيق الذي في قلبه تراه يخرج من هذا المجلس، وهذا من أضعف الإيمان؛ فماذا نقول في من يجلس يا عباد الله؟! ماذا نقول في من يذهب برجليه إلى أماكن المنكرات بل هو الذي يفعل المنكرات؟ يا إخوة الإيمان! ضعفُ في الإيمان والإنسان لا يشعر، حتى إذا جاء يوم القيامة: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]. كان بعض السلف يبكي بُكاءً شديداً عندما يقرأ قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧].

стр. 824

كيفية علاج ضعف الإيمان كيف تحيي الإيمان في قلبك؟ كيف تعالج ضعف الإيمان الذي هو الشاهد من الكلام وهو المقصود من هذه الكلمة؟! أولاً يا عبد الله! اعلم أن العمر قصير، ولن يكون لك عمر آخر. مضى الدهر والأيام والذنب حاصل وجاء رسول الموت والقلب غافل نعيمك في الدنيا غرور وحسرة وعيشك في الدنيا محال وباطل أبو الدرداء ﵁ عند ساعة الاحتضار، أخذ يبكي وهو يحتضر ويقول لمن حوله: [ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا؟ ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا؟ ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه؟]. أبو هريرة: وأنتم تعرفون من هو أبو هريرة؟ لسنا نحن -يا عبد الله- الذين أمضوا أيامهم ولياليهم في طاعة الله، إنه طالب العلم، يقول قبل موته وهو يبكي عندما قيل له: ما يبكيك رحمك الله؟ قال: [طول السفر، وقلة الزاد، وضعف اليقين، وخوف الوقوع من الصراط في النار]. يبكي قبل الموت، ويقول هذه الكلمات، أما نحن فماذا نقول -يا عباد الله- الذي لا تمر علينا ليلة إلا وننتهك فيه الذنوب انتهاكاً.

стр. 825

التفكر في الموت يا عباد الله! لو كان الواحد منا يُفكِّر في تلك اللحظة، والله لا تراه يتجرأ على النظر إلى امرأة في جريدة، أو على فتح التلفاز إذا كان فيه منكر، أو يذهب إلى أماكن المنكرات، فلو كان يُفكِّر حقاً في تلك اللحظة، يقول الله ﵎ عنها: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة:٢٦] * ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٧]. تخيل نفسك والله يُخبر عنك في هذه الآية على فراش الموت، ولعل حولك: أبوك، وأمك، وأبناءك، وزوجتك، لعلهم يبكون عليك، لعل ابنك الصغير قد احتضنك وأنت تحتضر، وهو يبكي، ويقول: أبتاه! ما لك لا تجيب؟! وأنت تنظر إلى ساقك ما بالها تيبس؟! ما بال الساق؟ إنها تبرد: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً﴾ [النازعات:١ - ٢]. بدأ ملك الموت ينتزع الروح وأنت إلى الآن لم ترجع الأمانات إلى أهلها إلى الآن لم تتت من تلك المعاصي إلى الآن عليك حقوق للناس لم ترجعها إلى الآن لم أتب من النوم عن صلاة الفجر إلى الآن لم أتب عن المعاصي والذنوب إلى الآن يا رب! ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٧] ينادي الأب: من يداوي ابني؟ وينادي الولد: من يداوي الأب؟ وتنادي الزوجة: من يداوي هذا الزوج؟ ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة:٢٧ - ٢٨] إنه يعلم ومتيقن أنه سوف يُفارق هذه الدنيا البيت إلى الآن لم يكمل أثاثه والسيارة لم يشترها إلى الآن قد حجز التذاكر لكنه لم يسافر إلى الآن هو في السنة الأخيرة من الدراسة ولم يأخذ الشهادة إنه يستعد للزواج إنه ينتظر الولد إلى الآن لم يتم نعيمه في الدنيا ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٨ - ٣٠]. يقول ﵊: (أكثروا من ذكر هادم اللذات) أكثر -يا عبد الله- فإن الدنيا لا تساوى شيئاً، ملايينك لم تستفد منها شيئاً، والله إن هذه الأموال وهذه الدنيا والبنون والأهلون لن ينفعوك بشيء، فكل شيء يذهب ويبقى العمل الصالح، فعليك أن تتفكر في هذه اللحظة وعندها والله لا تتجرأ على الذنوب.

стр. 826

التفكر في وقوفك بين يدي الله أيضاً -يا عبد الله- تفكر في موقفك بين يدي الله ، إذا جئت أمام الله: مثل وقوفك يوم الحشر عريانا مستعطفاً قلق الأحشاء حيرانا النار تزفر من غيض ومن حنق على العصاة وتلق الرب غضبانا اقرأ كتابك يا عبدي على مهل انظر إليه ترى هل كان ما كانا لما قرأت كتاباً لا يغادر لي حرفاً وما كان في سر وإعلانا نادى الجليل! خذوه يا ملائكتي مروا بعبدي على النيران عطشانا هل تفكرت في تلك اللحظة؟! قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ [آل عمران:٣٠] في تلك الليلة التي أغلقت فيها على نفسك الباب، وأطفأت الأضواء، وفعلت فعلتك التي فعلت، ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَه﴾ [آل عمران:٣٠] تلك اللحظة التي قالت لك أمك: يا بني! فقلت لها: لا. ذلك الموقف الذي أمرك فيه أبوك فقلت له: لا. تتذكره يوم القيامة ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٣٠] هل تفكرت في هذا الموقف؟!

стр. 827

محاسبة النفس واستشعار رقابة الله يقول أمير المؤمنين عمر ﵁: [حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزن عليكم] قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨]. يا عبد الله! حاسب نفسك الليلة إذا رجعت إلى البيت، وقبل أن تنام، وبعد أن تصلي الوتر، أو تصلي ركعتين، أو تتطهر، أو بعد أن تأتي بأذكار النوم. تفكر يا عبد الله! ماذا قدمت لله ؟! ضع حسناتك في كفة، وسيئاتك في كفة، ثم حاسب نفسك، وانظر أيهما تُرجِّح. يا عبد الله! حاسب نفسك! لا تأتِ يوم القيامة وأنت من الذين قال الله فيهم: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٣ - ٤] لا تكن كمن قال الله فيهم: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] قال ﵊: (ليأتين أقوام من أمتي يوم القيامة معهم أعمال كجبال تهامة بِيضٌ يجعلها الله هباءً منثوراً، قال ثوبان: من هم يا رسول الله؟) صفهم لنا يا رسول الله؟ جَلِّهم لنا! ألا نكون منهم؟ كان أصحاب النبي ﷺ يخافون أن يكونوا من الذين يأتي الله بأعمالهم يوم القيامة فيجعلها الله هباءً منثوراً، قال علي: [لو علمت أن الله قبل مني حسنة لاتكلت] حسنة واحدة، لو علمت أن الله قبلها مني لاتكلت عليها، لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]. فقال النبي ﷺ لـ ثوبان ومن معه: (ألا إنهم يصلون كما تصلون، ويصومون كما تصومون، ويأخذون من الليل كما تأخذون -حتى قيام الليل يقومون لكن ما بالهم؟ - لكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) أمام الناس رجل صالح! لكنه بينه وبين نفسه في البيت، إذا جلس في الغرفة ولا أحداً يراه ارتكب المعاصي إذا ذهب إلى السوق وليس هناك من يراقبه يفعل ما يريد يسافر إلى بلاد الغرب -بلاد الكفر والإباحية- حيث لا أحداً يراه، غريب يفعل ما يشاء ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤] يأتي الله بأعماله كلها يوم القيامة، بل إذا رأى جهنم يوم القيامة تزفر، يتذكر كل أعماله في الدنيا يتذكر ذنوبه كلماته خطراته قدميه، إلى أين مشت؟ كما قال الله : ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٣ - ٢٤] يقول طالب العلم: يا ليتني تكلمت في الناس! ويقول صاحب العلم: يا ليتني أنكرت المنكرات! يا ليتني تكلمت! ما بالك يا طالب العلم؟! يمنعك الخجل يمنعك الحياء يمنعك الجهل يمنعك الخوف. ما بالك يا عبد الله لم تقم المقام الذي أمرك الله به في مجلس من المجالس ويستهزأ فيه على الله ويُتكلم فيه على الدعاة والمصلحين وأنت ساكت! تتذكر هذا الموقف يوم القيامة، فتقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤] يا ليتني! تكلمت ولم أبال بالناس! يا ليتني أنكرت المنكرات! يا ليتني تكلمت في الناس ونصحت ولم أبال بكلام الناس! يا ليتني ويا ليتني! يقول ذلك الرجل، بعد أن يأتي يوم القيامة، فينظر إلى ذنوبه، فيتذكر من كان السبب! إنه صاحبه في الدنيا: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩] يتذكر صاحبه في الدنيا، كان أصحاب الصلاح وأصحاب الخير يقولون له: ائتِ معنا في مجالس الخير لنذهب إلى العمرة إلى مجالس الخير إلى الدروس إلى بيوت الله، ولكن صاحب السوء كان يأتيه فيقول له: أنت شاب، تمتع بالشباب لا تذهب مع أولئك المعقدين لا تذهب مع أولئك المتزمتين المتطرفين، ليس عندهم ضحك، ولا لعب، ولا دنيا، ولا حياة. ائت معنا نتمتع بالدنيا. يتذكر هذه المواقف يوم القيامة، فيعض لا على إصبعه أو يده فقط، بل يدخل يديه كلتيهما في فمه فيعض عليهما من الندم ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٢٧] هذا الموقف -يا عبد الله- إذا تذكرته ازداد إيمانك، وقوي شيئاً قليلاً.

стр. 828

التفكر في الخسارة الكبرى أو الفوز العظيم يا عبد الله! إذا أردت أن يقوى الإيمان عليك أن تتذكر الموقف الثالث، الذي فيه يأمر الله بالناس إما إلى الجنة وإما إلى النار، فيأتي الرجل، وتخيل نفسك حين يناديك الله يوم القيامة باسمك، وكنت بين الناس في المحشر، بعد خمسين ألف سنة، والشمس تدنو على الرءوس مقدار ميل، والناس قد أنهكهم التعب والحر، فيفصل الله بينهم، فينادى بك: أين فلان بن فلان؟ ينادى باسمك فترتعد الفرائص، وتضطرب الجوارح، وتكاد تسقط على ركبتيك فتجرك الملائكة جراً إلى الله إلى الجبار إلى الملك إلى العزيز إلى القهار، وأنت تتذكر الذنوب كلها، تتذكر يوم أن نمت عن صلاة الفجر، وتتذكر يوم أخرت صلاة العصر. تتذكر يا عبد الله! يوم كان الصالحون يأمرونك بالمعروف وكنت تصد، كنت تقرأ الآيات ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨] ولكنك كنت تصر على الربا، كنت تعرف أن عليك مسئولية أن تأمر بناتك وزوجاتك بالحجاب، ولم تكن تفعل، يُؤتى بك أمام الله يوم القيامة فيذكرك الله بالذنوب، فإن كنت ممن تاب وأصلح حاله في الدنيا، يقول الله له يوم القيامة، بعد أن يقرره بالذنوب، وبعد أن يقول: (أي ربِّ! هلكت، فيقول الله له: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتابه بيمينه، فيذهب إلى الناس، فيقول لهم: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠]) يذهب ليبشر الناس، يقول: انظروا إلى كتابي! انظروا إلى صحيفتي! انظروا إلى مجالس الخير! انظروا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! انظروا إلى قيام الليل إلى صيام النهار إلى الصدقة إلى البذل إلى المعروف إلى الإحسان إلى الناس إلى العمرة تلو العمرة إلى الجهاد في سبيل الله انظروا! أمَّا إن كنت من الصنف الآخر -فنسأل الله العافية والثبات- فيقال له بعد أن يقرره بذنوبه: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] إنها علامة الرسوب لا عمر آخر، ولا حياة أُخرى، ولا رجوع إلى الدنيا، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة:١٢] بعد أن يُقِر بالذنوب، يقول: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة:١٢] ماذا يريد الآن؟ ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢]. يا رب! أرجعنا إلى الدنيا نعمل الصالحات! يا رب! أرجعنا فوالله إنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فلا يفارق بيت الله! ليظل ساجداً إلى أن يموت، والله لا يبقي فلساً واحداً في جيبه إلا ويتصدق به! يتمنى كل هذا، ولكن: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢] كما قال الله : ﴿يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر:٤٨] فعندما يقترب من النار، فإذا بالنار قد فتحت أبوابها، فيدخل إلى جهنم فإذا هي سوداء تزفر وتنادي فتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيد﴾ [ق:٣٠] ماذا ينظر؟ إنه ينظر إلى أصحابه في النار، إلى رفقائه في الدنيا ينظر إليهم وهم في النار، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨] ينظر إلى رفقائه فيقول: يا رب! هو الذي أضلني. يا رب! كان يأخذ بيدي إلى الأسواق. يا رب! كان يقول لي: اذهب معنا لنسافر إلى بلاد الغرب لنفعل ونفعل، كان يقول لي: إياك أن تذهب مع الصالحين، أو أن تذهب إلى المساجد، كان ينهاني عن الطاعة ويأمرني بالمعصية، [عجبت للنار كيف نام هاربها، وعجبت للجنة كيف نام طالبها]. كان أصحاب النبي ﷺ إذا تذكروا تلك المواقف، كما قال الله عنهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] لا ينام أحدهم الليل عندما يتذكر النار، أو يتذكر الوقوف أمام الله ، أو يتذكر موقفه عند الاحتضار، أو يتذكر ذلك الموقف إذا خرج من قبره والناس يخرجون من أسفل منه، يخرجون من القبور للعرض أمام الله ، فيتذكر هذه المواقف. كان أحدهم لا ينام الليل، ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [السجدة:١٦] يقوم أحدهم الليل! لماذا يا إخوان؟ ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩].

стр. 829

التزود من التقوى وعدم الإسراف في اللهو والضحك دخل ﵊ على أصحابه وقد أسرفوا في الضحك، فقال لهم: (لو تعلمون ما أعلم! لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون، فغطى أصحاب رسول الله ﷺ رءوسهم ولهم خنين) أخذوا يبكون. أما نحن فيُقرأ علينا القرآن في رمضان كله من أوله إلى آخره والقلب لا يخشع دمعة واحدة لا تنزل لا نتأثر لا نتغير لا نتدبر!! على قلوب أقفال، نسأل الله العافية ما الذي أقفلها؟ ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] النظرات الكلمات الخطرات الأفعال!! الذنوب والمعاصي أماتت القلوب حتى أصبحت لا تتأثر بكلام الله ولا بآيات الله، الواحد منا يذهب إلى جنازة، ويحملها على كتفه، بل يمر في جنازة، ويمر بين القبور وكأنه يمر بين الصخور، يذهب إلى الجنازة فيخرج وهو يضحك. قال الحسن البصري لأحدهم بعد أن مر في جنازة: [لو أن هذا رجع إلى الدنيا ماذا كان يتمنى؟ قال: أن يُصلي ركعتين، قال: فإن لم يكن هو فكن أنت يا عبد الله]. يا عبد الله! كل يوم يقبض الله روحك وأنت نائم ثم يرجعها إليك، ومع هذا تقوم من نومك، فتقول: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور، ثم لا تتوب، ولا تتفكر! آيات وعبر كم من صاحب لك قد فارق الدنيا؟! كم من قريب لك قد فارق الدنيا؟! اقرءوا الجرائد تجدون صغار السن والشباب -الآن- يموتون أكثر من الكبار. يا عبد الله! والله لا تأمن على نفسك أن تخرج من البيت فتركب السيارة أن تنزل منها، بل لا تأمن على نفسك أنك إذا نمت أن تستيقظ، بل لا تأمن على نفسك الآن أن ترجع إلى البيت، بل لا تأمن على نفسك الآن أن تخرج من هذا المجلس، بل لا تأمن على نفسك أنه إذا خرج نفسك أن يرجع إليك. تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جنَّ ليلٌ هل تعيشَ إلى الفجر فكم من فتى أمسى وأصبح لاهياً وقد نُسجتَ أكفانه وهو لا يدري وكم من صغار يرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر وكم من عروسٍ زينوها لزوجها وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر

стр. 830

بعض قصص التائبين ختاماً يا عبد الله! اسمع إلى هذه القصة: (جاء رجل كبير في السن إلى النبي ﷺ وقد سقط حاجبه على عينيه من كبر سنه، وهو متكئ على عصا، فقال: يا محمد! إن لي ذنوباً لو وُزِّعت على أهل الأرض لأهلكتهم فهل لي من توبة؟ فقال ﵊: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال ﵊: إذاً يبدلك الله بها حسنات -الله أكبر! السيئات كلها تنقلب إلى حسنات- فقال الرجل: وغدراتي وفجراتي؟ قال: يُبدلك الله بها حسنات، فولَّى الرجل وهو يقول: الله أكبر الله أكبر) ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران:١٣٥] فاحشة: أي كبيرة من الكبائر ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران:١٣٥] أي: صغيرة من الصغائر، ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران:١٣٥] تَذَكَّر الذنوب وتَذكَّر رحمة الله، فتاب ورجع إلى الله ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥] بشرط: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] بشرط -يا عبد الله- أنك بعد هذا المجلس لا تصر على الذنوب والمعاصي لا تصر على نظرك إلى النساء، أو استماعك للأغاني، أو النوم عن صلاة الفجر، أو الغيبة والنميمة، أو بعض المعاصي التي تعرفها ولا يعرفها غيرك من الناس، لا تصر على الذنوب والمعاصي فهو شرط من شروط التوبة، يقول ﵊ في الحديث الصحيح من طريق أبي بكر ﵁: (ما من رجل يذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر، فيصلي ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، إلا غَفَرَ الله له ذنبه)، ويقول النبي ﷺ في حديث آخر: (لا يحدث بهما نفسه) أي: يصلي ركعتين فيخشع فيهما ويتدبر، ويتوب إلى الله من هذا الذنب (إلا غفر الله له ذنبه) ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠]. يُروى أن رجلاً كان يفعل المنكرات والمعاصي، وكان يشرب الخمور، وكانت عنده جارية تعني وغلام يعزف، وكان عند هذا الرجل قارب، وفي يوم من الأيام أرد أن يركب القارب ليتعدى النهر إلى الضفة الأخرى، فرأى شاباً عند ضفة النهر، أراد أن يعبر النهر، فقال: اركب معي، وكان هذا الشاب صالحاً فركب معه، وفي الطريق، بعد أن أكل الرجل الطعام وكان غنياً ثرياً، وأكل معه ذلك الغلام، أمر العبد والأمة أن يعزفا ويغنيا له، فبعد أن انتهيا من الغناء والعزف وشرب الخمر، قال لذلك الشاب: هل عندك مثل هذا؟ أي: مثل هذه الأغاني والعزف والطرب، قال: نعم، عندي أحسن من هذا، فظن الرجل أنه سوف يغني له، فأخذ يقرأ كلاماً من آيات الله حتى إذا انتهى من قراءته، قال: حسبك! فشهق ذلك الرجل شهقة خرجت بها نفسه -الرجل الغني، صاحب الأغاني، صاحب الطرب- تاب إلى الله توبة خرجت بها نفسه، ويقال: إن المرأة -الجارية- تابت توبة نصوحاً، فأخذت تقوم الليل في كل ليلة، حتى وصلت إلى سورة الملك ففاضت روحها إلى الله . توبة يا عبد الله صادقة! إذا أردت أن تتوب فاعزم من الآن أنك إذا رجعت إلى البيت أن تترك جميع المعاصي والذنوب، كف عن الذنوب صغيرها وكبيرها، لا تقل: عندما يأتي رمضان، أو عندما أحج إن شاء الله، أو عندما أتزوج، أو عندما أترك هذا العمل أو أترك هذه الوظيفة بعد ذلك أتوب! لا يا عبد الله، لا تأمن على نفسك الموت، لا تأمن على نفسك أن تخرج روحك وأنت على هذه الذنوب والمعاصي. بادر بالتوبة بادر بالرجوع إلى الله ، واعلم أنك سوف ترجع إلى ربك الذي يفرح بعبده العاصي إذا رجع إليه، طالما أذنبت وعصيت والآن يفرح بك. الله أكبر! ما أرحمه، وما أوسع مغفرته ﵎، وما أرأفه بعباده، إذا عصيته ثم رجعت فرح بك بل أشد مما يفرح ذلك الرجل الذي أضاع ناقته ودابته وعليها طعامه وزاده، وأيقن بالموت ثم رجعت إليه، ففرح فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! أخطأ من شدة الفرح، الله أفرح بعبده إذا رجع إليه من هذا الرجل بدابته. أسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 831

مميزات الدعوة المكية على الرغم من أن مرحلة الدعوة المكية تميزت بخصائص لا تصلح لأي مرحلة زمنية بعدها، كالتدرج في تشريع بعض الأحكام، إلا أن كثيراً من سماتها تقدم دروساً في هذا الفن، تصلح لكل زمان ومكان. وفي هذه المادة بيان لستٍ من مميزات الدعوة المكية، موضحة بالأمثلة، القاسم المشترك بينها هو الجهد الجبار الذي بذله القائد الأول ﷺ وأصحابه الكرام. وقد بينت فقرة الأسئلة بعض ما لم يتضح في ثنايا المحاضرة.

стр. 832

الفرق بين الدعوة المكية والدعوة في وقتنا الحاضر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: لعل هذا الموضوع واضح من عنوانه أن أغلبه سيرة؛ ولكن سيرة بشكل آخر، كيف نستفيد من هذه السيرة؟ ولعل الفاهم والفقيه في هذا الدرس من يعرف كيف يربط تلك السيرة بهذا الواقع المعاصر، وبالدعوة في هذه الأيام، لأن الوقت لن يسع، بل لن يسمح علم المتكلم أن يربط هذه السيرة بهذا الواقع، ولكن يكفينا إن شاء الله إشارات. قبل البداية: هناك فرق بين العصر أو العهد المكي وهذا الوقت، ولا بد أن نعرف أمراًَ، وهو أنه ليس كل ما يقال في العهد المكي يطبق الآن، بل الأمر يختلف، ففي العهد المكي أولاً الإسلام لم يكتمل، فلربما يأتينا آتٍ فيقول: نفعل ما فعله النبي ﷺ : لا نحرم الخمر على الناس نتدرج فيه نقول للناس: الخمر مباح، لكنه فيه إثم عظيم وفيه كذا، ثم بعد أيام نقول: اتركوا الخمر فقط في الصلاة واشربوا في غيرها، ثم بعد أيام نتدرج حتى نحرم الخمر على الناس، وهذا خطأ لأن الله قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] وقال: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] فلا يجوز أن نقيس العهد المكي بعصرنا بأن نقول: والله نتدرج مع الناس في التشريع، فهذه مصيبة، أو نقول: ندعو كما دعا النبي ﷺ -حرفياً- بـ مكة، فالأمر يختلف، ففي مكة لم يكن هناك منافقون كما في عصرنا، في مكة كان الناس إما مسلم أو كافر، لا يوجد غيرهما، أما في هذا العصر فالأمر مختلف جداً، ففي المسلمين -كما يقال- اختلط الحابل بالنابل المنافق والمسلم ضعيف الإيمان وقوي الإيمان، ومنهم العلماني الذي يدعي الإسلام، وغيرهم كثير، حتى بعض الكفار والزنادقة قد يدعي الإسلام في هذه الأيام. هذه مقدمة قبل البداية. سأل سعيد ابن عباس: [أكان الناس في مكة يعذرون في ترك دينهم؟ -واسمع إلى هذه الآثار العجيبة جداً ثم قارنها بهذا العصر- قال ابن عباس: إن كانوا ليجيعونهم ويضربونهم ويؤذونهم حتى إنهم ما كانوا يستطيعون الجلوس من شدة الأذى -الواحد منهم لا يستطيع أن يجلس من الإيذاء- حتى إن الجعل ليمر عليه -الجعل: حشرة صغيرة حقيرة- فيقال له: أهذا إلهك من دون الله؟ فيقول: إي والله، هذا إلهي من دون الله] مسلم صحابي من خيرة الصحابة لكنه ما استطاع أن يصبر، حتى أنه يقول للجعل: هذا إلهي من دون الله، ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦].

стр. 833

مميزات الدعوة المكية مميزات الدعوة المكية: سوف نذكر منها ستة إن شاء الله ونقتصر عليها ثم إن وسعنا المقام تكلمنا عن عوامل الصبر في تلك الدعوة.

стр. 834

الانتشار أول ميزة من مميزات الدعوة المكية: الانتشار: واسمع إلى تلك القصة، كان النبي ﷺ في دعوته منتشراً، لا يجلس في بيته ولا ينتظر الناس يأتونه، كان ينتشر، في كل قبيلة وفي كل بطن تجد له أحد الناس قد أسلم. فهذا أبو ذر من غفار. وهذا الطفيل بن عمرو من دوس. وهذا عمرو بن عبسة السلمي. وهذا بلال الحبشي. وهذا سلمان الفارسي. وهذا صهيب الرومي. حتى من اليمن من أزد شنوءة، جاءه رجل يسمى ضماد الأزدي، جاء إلى النبي ﷺ -وهذا ضماد كان يقرأ على الناس، ليعالج المريض، فسمع أن رجلاً يقال له: محمد، مجنون، فأتى إلى مكة يبحث عن هذا الرجل- كل الناس تتكلم عنه، رجل مجنون يقال له: محمد، وهو أعقل الناس ﵊، فأتى إليه ضماد فجلس عنده، فقال يخاطب النبي ﷺ : (هات ما عندك، فقال له أحكم الناس وأعقلهم: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال: حسبك! والله لقد سمعت قول السحرة والكهنة والشعراء، والله ما سمعت مثل كلماتك هذه، لقد بلغت والله قاموس البحر، هات أبايعك) فمد النبي ﷺ يده فبايعه ضماد الأزدي ﵁، وهو من أزد شنوءة. كان النبي ﷺ لا يجلس، كان يستقبل الوفود، يأتيه وفود في الحج فيأتيهم إلى خيامهم، فيفتح الخيمة ويقول: (من يؤويني حتى أبلغ دعوة ربي، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) انظر الانتشار، يضرب على البيوت ويأتيهم في الأسواق وفي النوادي والمجالس، يقول: (من يؤويني حتى أبلغ دعوة ربي، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا). ومن يقرأ السيرة يجد أمراً عجيباً. هذا من بني جُمَح. هذا من بني زهرة. هذا من بني عبد مناف. هذا من بني عامر. وهذا من بني فلان وفلان وفلان. كأن النبي ﷺ كان دوامة في الناس يجول ويصول في كل المجالس وفي كل المنتديات، لا كحالنا وللأسف، ينتظر أحدنا من يأتيه فيطرق عليه الباب، فيقول له: دلني على المسجد، والله حال يُرْأف لها، ويحزن الإنسان لحالنا، بل إن بعضنا تمر عليه السنون تلو السنين وجاره لا يصلي ولم يبال، إن صلى فهذا المسجد! وإن لم يصل فعلى كيفه! أمر عجيب وحال غريب! ففي الميزة الأولى تبين لنا أن النبي ﷺ كان ينتظر أمراً، لماذا كان يدعو في كل قبيلة؟ كان ينتظر ساعة الصفر التي أخبر عنها ورقة بن نوفل، قال: [يا ليتني كنت فيها جذعاً إذ يخرجك قومك، قال: أوَمُخْرِجِيَّ هم؟ قال: ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي] هل تريد أن تدعو إلى الله وتجلس في بيتك منعماً؟ لا، من كان مرتاحاً في دعوته ولا يصاب بأذى أو بلاء فليَتَّهِم نفسه، لعل فيه خللاً، ولعل إيمانه فيه خدش، يقول: (ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي) ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١] ينتظر ﵊ ساعة الصفر، لهذا كان يعد العدة، ويعد الرجال.

стр. 835

الجرأة في عرض الحق والمواجهة الميزة الثانية: وهي من المميزات العظيمة جداً: الجرأة في عرض الحق والمواجهة: كان النبي ﷺ يواجه الناس فما كان يخجل، ولا كان والله يطأطئ رأسه ويخفي بعض المبادئ، فالإسلام كله كان يعرضه على المشركين، قبلوا أو لم يقبلوا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:١ - ٢] جرأة ومواجهة، بل وقف على الصفا ﵊ قال: (إني نذير لكم بين يدي عذاب أليم، قال أبو لهب: تباً لك ألهذا جمعتنا سائر اليوم؟! فأنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]) فالأمر فيه جرأة. قام النبي ﷺ يدعو الناس فأسلم بعض الصحابة، وكان بعضهم يريد أن يكون جريئاً في الدعوة، كـ أبي ذر، فقام، قال له النبي ﷺ : (لا تخرج) فخرج، ونطق بها صريحة أمام الناس: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فضرب حتى كان كأنه تمثال أحمر من الدم، ﵁ جرأة إعلان مواجهة، لا نقول: مواجهة بالسلاح، ما كان يفعل النبي ﷺ هذا؛ أما الكلام فهو المواجهة وهو الصدع: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] قال ابن الزبير (كان أشراف قريش يقولون في النبي ﷺ كلاماً، يقولون: والله ما رأينا مثل محمد، سفه أحلامنا، وعاب ديننا، وسب آلهتنا -نعم ما كان يجامل، وما كان يماري، وما كان يداهن، هذه الأصنام في النار أنتم وهي، إن متم على هذا الشرك أنتم وهذه الأصنام كلكم في النار، ما كان يداهن- يقول ابن الزبير -واسمع لتلك القصة-: فخرج عليهم ﵊ يوماً وكانوا جالسين في المجلس -أشراف قريش عند الكعبة- يقول: فذهب إلى الركن فاستلم الركن فطاف حول البيت -لعل سائلاً يسأل: كيف يطوف والأصنام حول البيت؟ ما كان يبالي ﵊، فهو يعبد الله، فأخذ يطوف- فلما طاف الشوط الأول ومر عليهم غمزوه -تكلموا عليه، فلم يبال- فطاف الشوط الثاني، فغمزوه، ثم طاف الشوط الثالث فغمزوه، فأقبل عليهم ﵊ -ترك الطواف- فقال: تسمعون يا معشر قريش! أما والذي نفس محمد بيده! لقد جئتكم بالذبح -انظر المواجهة- يقول الصحابي: والله حتى ما كان أحد منهم إلا كأن طائراً واقع على رأسه -كل واحد من المشركين تجمد- يقول: أما والذي نفس محمد بيده! لقد جئتكم بالذبح -يعني: إما الدين وإما الذبح والقتل- فيقول الصحابي: حتى كان أشدهم فيه وطأة -يعني: أشدهم أذى للنبي ﷺ يقول: انصرف يا أبا القاسم راشداً -انصرف- فوالله ما كنت جهولاً) انظروا! جرأة! لأنه يا إخوان إذا كان المسلم جريئاً يعرض الحق بجرأة ويواجه الناس: هذا منكر وهذا معروف، لا يخجل ولا يجامل ولا يداهن، لو كان صاحب الدين وصاحب العلم في كل مجلس إن رأى منكراً قال: اتق الله هذا منكر -طبعاً بالحكمة ما نقول: بسفاهة لكنه جريء- لو كان في كل مجلس، في السوق مثلاً، في الديوانية، في الجامعة، في الدوام، كل من رأى منكراً، حاول تغييره، وعلم الناس أن هذا منكر، لما كان هذا الوضع الذي نحن فيه، حتى يستحي بعض الملتزمين أن يظهر الإسلام في بعض الأماكن، انظروا ماذا حدث في الأندلس كيف اندثر شيء اسمه إسلام! الآن تذهب إلى أسبانيا ما تتوقع أن هذه بلد خرَّجت علماء، وحكمها الإسلام لقرون طويلة، بل كان خليفة المسلمين فيها. ما أحد كان يظن هذا الأمر، من يذهب إلى أسبانيا ما يظن بأن الأمر نقصته الجرأة والمواجهة. كان عمر ﵁ فتىً جريئاً، عندما أسلم ذهب أمام المشركين فأعلن إسلامه، وعندما هاجر كان الصحابة يهاجرون مستخفين، أما عمر ﵁ فلا، فقد أخبر كل المشركين أنه سوف يهاجر، أي: الذي عنده شيء يفعله، انظر المواجهة. وأبو بكر كان جريئاً يا إخوان، ما كانت القضية في الدعوة المكية كما يقول بعض الناس: السرية والخوف والخجل وإخفاء ما عندك من المبادئ والدين، وكتِّم، لا يا إخوان، بل الأمر يحتاج إلى جرأة، تكتب في الصحافة، تتكلم في التلفاز، تكون جريئاً، تتكلم في المسجد، والسوق، تكلم حتى صاحب المنكر، تأتيه وتكلمه بينك وبينه، تقول: هذا منكر، هذا لا يجوز، حتى في السيارة، توقفها وتقول: يا أخي اتق الله. أين الجرأة؟ افتقدها أكثر الدعاة. أبو بكر ﵁ من جرأته ما كان يصلي في بيته، خرج خارج البيت وجعل له مصلى، فأخذ يصلي في المصلى خارج البيت والناس يمرون حوله، وأخذ يبكي ﵁، تخيل أبا بكر يبكي، الناس ماذا يفعلون؟ يأتون يستمعون إليه، ماذا يفعل هذا الرجل؟ الأطفال والنساء والشيوخ والرجال، والأغراب يأتون فينظرون من هذا الرجل؟ ماذا يفعل؟ إنه يصلي يسجد ويركع ويتلو القرآن وهو يبكي في الصلاة، إنها جرأة -والله- نحتاج إليها. عمر وحمزة عندما أسلما أخذ كل واحد منهم عشرين رجلاً وعملوا مظاهرة، شبه مظاهرة، خرجوا أمام المشركين بأربعين رجلاً، وأخذوا يمرون على المشركين، كل منهم عنده عشرون رجلاً فقط، يمرون أمام المشركين، ليعلم كل الناس أن هذا الدين باقٍ، لأن بعض الناس -يا أخي- ضعيف الإيمان، يخاف إن أسلم أنه سوف يفقد منصبه، سوف يضيع هذا الحزب الذي يتبعه، سوف تضعف مكانته، يستهزئ الناس به ويسخرون منه، سوف يكون -كما نقول- ذليلاً بين الناس، يخاف، لكنه لو يرى المسلمين جريئين أقوياء، والله يسلم كل الناس، ويتبع الناس هذا الدين. عمر ﵁ كان جالساً بعد الفجر بعدما أسلم -انظروا القوة في الدين- فأتاه المشركون فأخذوا يتعرضون إليه ويرد عليهم، ويسبونه، وهو يدفعهم، فاجتمع المشركون على عمر، وعمر كلنا يعلم من هو عمر، كان إذا ضرب أوجع، وإذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، كان رجلاً، فأخذ يدفع الناس ولم يسكت، بعض الناس يظن أن من الحكمة أنه إذا يُضرب يسكت، وأن الدين يُسب ويُشتم العلماء ويُستهزأ بسنة سيد المرسلين، ويظن أن من الدين أن يقول: جزاك الله خيراً، لا هذا ليس من الدين، هذا من الذلة، الدين أن تقول له: اتق الله هذا لا ينفع، هذا دين، تكلم فِيَّ وفي أي واحد، أما في الدين فانتبه. عمر أخذ يُضرب ويُشتم ويُدفع، فأخذ عمر ﵁ يضربهم، يقول الراوي والأثر صحيح ثابت، يقول: [حتى ارتفعت الشمس وهو يدفعهم -من الفجر، وهو يدفعهم ﵁ حتى جلس من شدة التعب -انظر الآن يدفعهم، ربما ساعات طويلة وهو يدفعهم عنه، حتى جلس من شدة التعب، فأجاره رجل من المشركين، وعندما ابتعدوا عنه أخذ يناديهم -الآن تعب الجسد لكن بقي اللسان، وفيه القوة والعزة، قال: يا أعداء الله -هو الآن يكاد يقتل، ثم يخاطبهم بهذه اللهجة- يقول: يا أعداء الله! والله لو بلغنا فيها ثلاثمائة لأخرجناكم منها] لو كنا في مكة ثلاثمائة لطردناكم من مكة كلكم، انظروا الجرأة، انظروا المواجهة، والله نحتاجها في هذه الأيام. هذه الميزة الثانية، ولعلنا أطلنا فيها.

стр. 836

الابتلاء والصبر الميزة الثالثة: والثالثة انتبه إليها: كان النبي ﷺ يدرس الخطط، وكان الله يعلمه خطط المشركين، خطط كثيرة: استهزاء سخرية اتهام ضرب عنف مداهنة إغراء هذه وسائلهم وخططهم، وكان الله يعلِّم النبي ﷺ ، بل كان يدرس النبي ﷺ أصحابه هذه الخطط، وكانوا يتخذون لكل خطة مسلكاً. فبعض المرات كان يقول للصحابة: اسكتوا الآن، لا أحد يظهر دينه، وبعض المرات كان يأمرهم بالإظهار، وبعض المرات هو الذي يظهر ويصدع، وبعض المرات لا، يسكت النبي ﷺ ، وكان يتخذ لكل مشكلة حلاً. وقد قالوا عن أفضل الخلق أنه كذاب والأمر صعب جداً يا إخوان! بعد أن توصف بأنك الصادق الأمين طوال هذه السنوات، ويضع الناس أماناتهم عندك يأتون ويقولون لك: أنت كذاب، وأنت كاهن، وأنت ساحر، بل جاءهم بأعظم البينات: القمر، قال: (اخرجوا معي -فخرجوا إلى البر، فشق الله لهم القمر فلقتين، فلقة أعلى الجبل وفلقة دون الجبل- فقال لهم: انظروا، اشهدوا، ترون القمر ينشق أمام أعينكم. فأدبروا عن النبي ﷺ وقالوا: سحرنا محمد، سحرنا محمد) ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر:٢ - ٥]. كان يأتيهم النبي ﷺ فيدعوهم في المجالس فيقولون: أنت ساحر، أرسلوا إليه الوليد بن المغيرة، وهذا أحد فصحاء قريش وشعرائها، قالوا له: اذهب إلى محمد، فقل فيه قولاً، فأتى إلى النبي ﷺ فسمعه يقرأ القرآن، فرجع إلى المشركين قال: -عن هذا القرآن- والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه -هذا القرآن، والحق ما شهدت به الأعداء- فقالوا له: قل فيه قولاً، فكر، وحسب الأمر وقدره، وعبس، وتضايق -ماذا يقول؟ - فأدبر عن المشركين ثم التفت إليهم فقال: قولوا ساحر، فرق بين الولد وأبيه، وبين المرأة وزوجها، قال الله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً﴾ [المدثر:١١ - ١٢] الوليد: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ [المدثر:١٣] كان يمشي وأبناؤه عن يمينه وشماله، يفتخر بهم، ومع هذا ما اتعظ: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ [المدثر:١٥ - ١٧] مكان في جهنم، انظر الوعيد، لمه؟ ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر:١٨ - ٢٠] لعن لأنه قدَّر هذا التقدير ﴿ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر:٢١ - ٢٤] ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥] سحر؟! تعرفُ يا وليد أنه كلام الله حق، وأنه لا يُعلى عليه! ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٤ - ٢٥] ثم توعده الله بعدها: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ [المدثر:٢٦ - ٢٨] خطط عظيمة جداً. يقول ابن مسعود: [أول من أظهر الإسلام سبعة، كل منهم كان عنده من يحميه إلا بلالاً -يقول: بلال لم يكن عنده أحد يحميه- كان يجر في الرمضاء على ظهره والحجر على صدره وهو يقول: أحد أحد]. يقول: بعض الصحابة أعطاهم ما أرادوا -كان ينطق بكلمة الكفر وهو مطمئن بالإيمان- إلا بلالاً، فـ بلال لم يقلها، كان يقول: أحد أحد. بعض الصحابة كان يُلَف بالحديد ويُسحب في الشمس الحارة. بعضهم يا إخوة كان يوضع على الجمر. وانظر حالنا، لعله لو يوقَف المعاش يبيع الدين! لو الزوجة تحزن والله أول ما يضع اللوم على اللحية! لو ينقص شيء من ماله يقول: خَلِّ دعوتك لك! لو يُهان إهانه قليلة جداً يترك الدعوة شهراً كاملاً، سبحان الله! حال غريب عجيب! كان يوضع على الجمر حتى يطبخ الجلد. كانوا يأتون بأسياخ الحديد تحمى في النار ثم تكوى بها الظهور، أتعلم ما هو الكوي؟ بعض الصحابة كان يفتخر أن ظهره قد كُوِي في سبيل الله. بعضهم كـ عمار يرى أمه أمام عينيه يطعنها أبو جهل برمح في فرجها حتى تموت. الأمر صعب جداً يا إخوان! الخيال سهل أن تتخيل، لكن الحقيقة مرة وصعبة جداً، صعب جداً أن تربط في رقبتك بحبل وتمر بالشوارع ويتبعك الأطفال والعبيد يرمونك بالحجارة فتصبغ الأرجل بالدماء ولا أحد يسأل عنك، يأتي النبي ﷺ إلى عمار وأهله فيقول: (صبراً آل ياسر -ما عندي شيء- فإن موعدكم الجنة) تريدون الجنة؟ اصبروا، فما عندي شيء، انظروا هذا الذي أراده الله منهم: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣]. حصار الشِّعب، أتدري ما هو حصار الشِّعب؟ وما أدراك ما حصار الشِّعب؟ (مرت علي ثلاثون ليلة ما عندي أنا وبلال إلا طعام يواريه إبط بلال) يخفي بلال الطعام تحت إبطه حتى يأكلونه، أتدري ما هو حصار الشعب؟! والله لو تتخيله لن تتصوره حقيقة، حصار فيه الأطفال والنساء والشيوخ والرجال، يبكي الأطفال من الجوع وينظرون إلى المشركين يتلذذون باللحوم والأطعمة، ولا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً، أحد الصحابة كان يبول في الليل من شدة الجوع، فارتد بولُه -عندما بال كأنه أحس أنه يبول على شيء- فتلمسه فأخذه فإذا هو جلد يابس، فأخذه فحرقه ثم فتته، ثم خلطه بالماء ثم شربه، من شدة الجوع، أتعرف أن أوراق الشجر تؤكل في حصار الشِّعب؟ إنه حصار عظيم ابتلي فيه المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً. ما نفع هذا الأمر: التعذيب السخرية الاستهزاء الضرب حتى إن أحدهم يأتي النبي ﷺ كـ أمية عليه لعائن الله، فيخنق النبي ﷺ برداء فما يأتي إلا أبو بكر ﵁ وأرضاه فيدفعه عنه ويقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨] فيأتون إلى أبي بكر فيضربونه بنعلين عليه رضوان الله. حتى قيل: (في أحد الأيام كان النبي ﷺ يسجد عند الكعبة -انظروا التعذيب يا إخوان، لا يضرك نقص المعاش، لا تضرك الإهانة، لا تحزنك تلك الكلمة التي صدرت من الأهل أو من الجيران أو من الصحف، لا، لا تضرك، اسمع إلى الأوائل وإلى قصصهم وسيرهم- النبي ﷺ يسجد عند الكعبة والأشراف جالسون -أشراف قريش، وما هم بأشراف- فبعضهم يقول: من يذهب إلى سلى جزور بني فلان فيطرحه على رقبة محمد وهو ساجد، فيذهب أشقى القوم عقبة بن أبي معيط، فيأتي بسلى جزور -قذارة من البعير- ويرميها على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد، فما يستطيع ﵊ أن يرفع رأسه، حتى الصحابة ينظرون، لا أحد يستطيع أن يتحرك فقد كتموا إسلامهم، فما تتحرك إلا فاطمة وهي تبكي ﵂، فتركض إلى أبيها ﵊ فتدفع عنه ذلك الأذى، فأكمل النبي ﷺ صلاته وهي تبكي ﵂ وأرضاها، وهو يقول لها: لا عليك يا بنية، ثم قام يدعو فقال: اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بـ عمرو بن هشام، اللهم عليك بـ شيبة بن ربيعة، اللهم عليك بـ عتبة بن ربيعة، اللهم عليك بـ عقبة بن أبي معيط، وأخذ يسميهم، يقول الراوي: ولقد رأيتهم صرعى في يوم بدر) ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥]. نعم، إنه الصبر والابتلاء. أتوا إلى النبي ﷺ بالإغراء: (إن أردت ملكاً ملكناك -ما نفع التعذيب- إن أردت امرأة زوجناك أجمل النساء، إن أردت مالاً أعطيناك من أفضل أموالنا -ماذا تريد؟ ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩]-حتى يرسلون أبا طالب إلى النبي ﷺ ، يريد أن يغري النبي ﷺ -ما ينفع- أتاه عتبة بن ربيعة يقول: ماذا تريد؟ تريد أي شيء نعطيك إياه، لكن كف عنا ما أنت فيه، اعبد الله وحدك، فيقول له النبي ﷺ عندما انتهى: أوَانتهيت؟ قال: نعم. قال: اسمع الآن. قال: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:١ - ٤] وأخذ يقرأ، قال: حسبك، فخرج عتبة مولياً إلى بيته، فأغلق عليه بيته، يقول المشركون: والله إن به بأساً -يعني: أثر محمد في عتبة - فذهبوا إليه، فقال: والله خشيت أن تنزل عليكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، كفوا عنه). أتوا يغرونه لكن ما نفع هذا الأمر، وهذا يحصل في هذه الأيام، قد يكون بعض الأيام التعذيب والسجن والضرب ما ينفع عند بعض الدعاة، فيأتون إليهم بالإغراءات كما قال ابن القيم: كان يفعل النصارى بالمسلمين هذا الأمر، يأتون إليه في السجن بأجمل الطبيبات، لتداويه وهو في السجن وهي تفتنه، فتداويه وتطببه وتسهر على راحته، فبعضهم يفتن. ما نفع معه السجن ولا التعذيب ولا الضرب، ما زاده إلا صلابة، لكن الفتنة قد أردته. رجل يسمى سعيد الحلبي، وهو أحدالعلماء، كان جالساً في المسجد ماداً رجليه، وكان به وجع في رجليه، وكان يدرس التلاميذ، فدخل الباشا في ذلك اليوم، فقام إليه الناس، هذا يقبل يده وهذا يوسع له الطريق، وهذا يحيه وهذا كذا، والناس هذه عادتهم، إلا هذا الشيخ فاستمر جالساً مكانه مستنداً إلى اسطوانة المسجد وماداً رجليه باتجاه الباب، فنظر إليه الباشا فغضب، فلما ذهب إلى قصره، قال للحارس: اذهب بهذا المال -صرة بها مال- إلى ذلك الشيخ، وإن سألك فقل له: إن الباشا يريد أن يكرمك للعلم الذي عندك، فأتى ذلك الرجل بصرة المال، فدخل على سعيد الحلبي وهو شيخ كبير فأعطاه المال، فقال له: ما هذا؟ قال: الباشا يسلم عيك، ويقول لك: هذه هدية لك، فقال له: خذ المال وارجع به إليه، وقل له: إن الذي يمد رجليه لا يمد يديه. كلمات عظيمة جداً! إغراء! ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩] تريد منصباً نعطيك منصباً، تصير وزيراً لكن تَنازَل، بعض الناس يفتن والله، وليس هو وزيراً، بل لعله منصب تافه جداً، وكل الناس يحصلون عليه، ولكنها الفتنة، وضعف الإيمان. تريد أن تصبح دكتوراً، نعطيك إياها؛ لكن الأمر يحتاج إلى بعض التنازلات، وهذه المصيبة قد يقع فيها كثير من الناس في هذه الأيام.

стр. 837

عدم الاغترار بالكثرة الرابعة: عدم الاغترار بالكثرة: إياك إياك أن تغتر بالكثرة هذه الأيام، فقليل قد تربى على الإسلام وقد صلب عوده، خير من كثير غثاء كغثاء السيل، لأن الكثير -أيها الإخوة- وقت الفتن يتزلزلون، ووقت المحن يضعفون، ووقت الشدة يقول بعضهم: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [لأحزاب:١٢] ويتكلم البعض، ويثبط البعض، فما يبقى إلا الذين تربوا على الدين الصحيح. لا تغرك الكثرة، ولا تطلبها ولكن اطلب الأقوى، حتى قال ﷺ لـ حذيفة في المدينة: (أحص لي كم يلفظ الإسلام، قال: أوتخاف ونحن أكثر من كذا وكذا -نحن كثيرون- قال له النبي ﷺ : إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا) ما تدرون ماذا يحدث بعد هذا.

стр. 838

مجيء الرد من السماء مباشرة الخامسة: الرد من السماء: من مميزات الدعوة المكية: كان يأتي الرد مباشرة من السماء؛ قال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]. أمية بن خلف كان يهمز النبي ﷺ ويغمزه فأنزل الله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة:١ - ٣] رد من السماء. أبو جهل يمنع النبي ﷺ من الصلاة: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى﴾ [العلق:٩ - ١٠] يقول للنبي ﷺ : ادعُ الملائكة وأنا أدعو الذين معي، فقال الله : ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق:١٧ - ١٨] حتى ذهب أبو جهل فقال: والله لأعفرن وجهه في التراب، وأطأ على رقبته وجسده في الأرض، وهو عند المشركين، فعندما سجد ﵊ ذهب أبو جهل وقال: والله ما يسجد إلا وأضع رجلي على رقبته، وأعفر وجهه في التراب، فرجع إليهم أبو جهل وهو يضع يديه أمام وجهه، فيقولون له: ما بك؟ ما الذي حدث لك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة، ولو اقتربت منه لتخطفتني، يقول: والله ما أعرف ما الذي بيني وبينه خندق حفرة عظيمة هول وأجنحة وأمور عظيمة، ويقول: والله لو اقتربتُ لتُخُطِّفْتُ، ولتقطعت. رد من السماء، ليس الأمر هزلاً ولا لعباً! أنت معك دين تجابه به الناس لا تخف لا تذل لا تكتم لا تداهن أنت معك رب السماء، والعدو من معه؟ معه الشيطان يغرر به، ومعه جنود إبليس، وحثالة من البشر! وأنت معك الله.

стр. 839

التركيز في الدعوة على الأكثر خدمة للدين وآخر ميزة: تركيز النبي ﷺ على أكثرهم خدمة للدين:- كان يركز على عمر وحمزة، وهذه ميزة عظيمة أيها الإخوة، يستحب لك أيها الداعية عندما تدعو أي إنسان -ادعُ الناس كلهم ولكن في التركيز- أن تركز على من تظن أنه سوف يخدم الدين، النبي ﷺ كان يركز على عمر، من عمر؟ يقول ابن مسعود ﵁: [ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر] عندما أسلم عمر كل واحد أظهر إسلامه، وقد كان يخافون فيصلون في البيوت، لكن عندما أسلم عمر أعز الله به الإسلام، أعز الله به المسلمين. وعندما أسلم حمزة لم يستطع أحد أن يتكلم على النبي ﷺ ، أتى إلى المشركين في نواديهم فضرب أبا جهل ضربة، قال: [أتقول فيه ما تقول وأنا على دينه] وأسلم حَمِيَّةً. وبعد أن أسلم حمزة وعمر عزَّ الإسلام. حاول في الدعوة، ادعُ الناس كلهم، وانتشر في الدعوة ولكن في التركيز حاول أن تنتقي الناس، تدعو الناس الذين تظن فيهم النفع، لهذا كان ﷺ يدعو -إن صحت الرواية-: (اللهم أعز الإسلام بأحد العُمَرين). وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. وجزاكم الله تعالى خيراً.

стр. 840

الأسئلة

стр. 841

أهمية وجود الجرأة عند الداعية السؤال ما أهمية الجرأة بالنسبة للداعية؟ الجواب أظن ذكرنا أمثلة من الواقع ولعلكم انتبهتم، وهذا ما يحصل يا إخوان هذه الأيام، يستحي الواحد منا أن يقوم في المسجد، ولا يقدر أن يتكلم في السوق، ولو رأى متبرجة وهو يطلب منها حاجة في الوزارة مثلاً كتوقيع أو معاملة -ولنكن صريحين- وهو من أجرأ الناس، لكن أن ينصحها في دينها فهو من أخجل الناس، وهذه مصيبة، وهذا تناقض، يعني: الأمر أنك تستطيع أن تتكلم، وعندك القدرة؛ لكن تحتاج إلى جرأة، لكي تتكلم في مجلس ديوانية، الجماعة مثلاً عندهم ديوانية، فتكلم كل الناس إلا أنت، وحتى أنت تتكلم في أي أمر إلا في الدين، وهذا واقع أكثر الملتزمين هذه الأيام، حتى جلس بعضهم في مجلس فتكلم أحد السفهاء، وكان فيهم رجل علم، فقال له رجل: اسكت، غيرك أولى منك، فسكت، فمضت دقيقة أو دقيقتان ولم يتكلم أحد، فتكلم السفيه مرة أخرى، فقال له رجل: اسكت غيرك أولى منك، فسكت، ثم تكلم الثالثة بعد فترة فقال له: اسكت، قال: لا تسكتني، ليس العيب مني بل منهم، لو كان فيهم رجل لتكلم. نعم. والله مصيبة، انظر في المجالس عماذا يتكلمون؟ يتكلمون عن أتفه الأشياء، عن السيارات، عن الجرائد، عن الديوانيات، عن الأموال، عن كل شيء، أما رجل يتكلم عن الدين، عن الربا، عن الصلاة، عن أمور في الإيمانيات فهذا نادر جداً، واقع لكنه قليل جداً. هذه الجرأة نحتاجها كثيراً، هل جرب أحدنا في المحاضرة في الجامعة -لو كان في الجامعة- أن يقوم ويتكلم، ويدعو النساء، وينصحهن بارتداء الحجاب، ويعطيهن شريطاً؟ وهذا سهل جداً، يحتاج الأمر منك في البداية إلى صعوبة، ثم في المرة الثانية هو حاجز رقيق جداً إن كسرته ستبدأ تنطلق، اسأل الذين يتكلمون في المساجد كالخطباء، اسأل أحدهم عن أول مرة جرب الخطبة، يقول: صعب، المرة الثانية؟ سهلة جداً، بل أخذ ينطلق بعدها بكل يسر وسهولة، هي المرة الأولى فقط، وينتهي الخجل بعدها. فالأمر يحتاج إلى جرأة، ثم بعدها يوفق الله ، هذه هي الجرأة، وإن قلنا الخطب عن هذا الواقع فأظن تعرفون كيف يكون تطبيقه في الواقع، كما قال الله ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥] يعرف الإنسان أعداءه، لأن هذه -والله- فائدة يا إخوان، لو أن الإنسان منا يشعر أن هناك أعداء علمانيين وروافض ويساريين وأعداء من الفجرة الشهوانيين وغير ذلك، لو يحس أن الأمر فيه أعداء -والله- يتشجع الإنسان، لكنه لو يحس أن الأمر يسير، ناس ملتزمون، وناس عوام، وناس فجرة، وناس فسقة؛ لكن لو يحس أن الأمر فيه أعداء فسيجتهد في الدين، لا بد أن نعرف أن هناك أعداء ونعرف الخطط وندرسها ونواجهها، أما أن الإنسان هكذا لا يعرف شيئاًَ فهذه المصيبة. ولعل عندكم من طلبة العلم من هو أعرف مني في هذه الأمور.

стр. 842

معنى قوله تعالى: (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ) السؤال ما معنى قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق:١٧]! الجواب رد الله على أبي جهل عندما أراد أن ينادي أناساً يعينونه على النبي ﷺ ، قال له: ادع أنت الملائكة، وأنا أدعو أناساً يقومون معي: ﴿نَادِيَهُ﴾ [العلق:١٧] أي: الذين يناديهم، ويستنصر بهم، ويعتز بهم.

стр. 843

في رحاب الجنة إن الجنة هي سلعة الله الغالية، وهي التي تسابق لأجلها المتسابقون، وشمر لأجلها المشمرون، وذهب لأجلها الشهداء الصالحون، وزهقت لأجلها أنفس كثيرة فمادام أن الجنة بهذه المثابة؛ فيا ترى ما هي أوصافها؟ هذا هو ما تحدث عنه الشيخ حفظه الله، وفي الأخير تحدث عن العمل للجنة، والتضحية من أجلها، والاستعداد لها، وذكر نماذج لذلك.

стр. 844

الجنة وأوصافها الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة المسلمون: معنا وإياكم في هذا المجلس المبارك -بإذن الله- وهذا المكان الذي تحفه الملائكة إلى السماء الدنيا، ونسأل الله في هذا المكان أن يذكرنا فيمن عنده، وأن يغفر لنا ذنوبنا ويكفر عنا سيئاتنا. إن الموضوع مشوق ومحفز للنفوس، تطرب إليه الأرواح، والمؤمن يتمنى أن لو سمع مثل هذا الحديث صباح مساء، إنه: في رحاب الجنة. أرجو منك -أيها السامع وأيتها السامعة- أن ننسى الدنيا قليلاً، أو أن نخرج منها لحظات، وكل منا ينسى أشغاله، وينسى أهل بيته، ليعش كل منا وهو يسمع هذه الأحاديث في الجنة، حتى إن الصحابة كما يقول حنظلة: [إذا كنا عند رسول الله ﷺ كأنا نرى الجنة والنار رأي العين]. هلا كنا كما كانوا؛ نرى الجنة الآن رأي العين، نعيش وإياكم عند أنهارها، في قصورها، داخل خيامها، ونعيش وإياكم ونحن نتحدث عن صفاتها، وفي رحابها. يسأل النبي ﷺ أحد الأعراب عما يقول في الصلاة فقال: (أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، قال: وحولها ندندن) هذا مطلوبنا، وهذه غايتنا، نسأل الله الجنة ونعوذ به من النار. الجنة التي مات لأجلها الأولون، وذهب لأجلها الشهداء الصالحون، زهقت لأجلها أنفس، وذهبت لأجلها أرواح، إنها الجنة سلعة الله: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).

стр. 845

عرضها السماوات والأرض سوف نبدأ وإياكم بشيء من أوصافها، ثم لا تعجب حين تسمع أن عمير بن الحمام؛ وهو رجل كبير، قبل بدر يسمع صفة من صفاتها، وهي: أن عرضها كعرض السماء والأرض، فقال: (بخ بخ! قال الرسول ﷺ : ما حملك على قولك بخ بخ؟ قال: لا شيء إلا رجاء أن أكون من أهلها فقال له النبي ﷺ يزف إليه بشارة: فإنك من أهلها) الله أكبر! الله أكبر! يبشر إنساناً من أهل الأرض أنه من أهل الجنة، هل يريد حياة في الدنيا بعدها؟! هل يريد أن يعيش في الدنيا؟! إذا كانت الجنة كما قال ﷺ : (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) فلم يعيش الإنسان إذا علم أنه من أهل الجنة؟! فإذا به يقول عندما سمع أنه من أهل الجنة، وأنه ليس بينه وبين دخولها إلا أن يقتل في المعركة، وكانت في يده تمرات فقال لنفسه: والله إنها لحياة طويلة إن عشت حتى آكل التمرات. وهي تمرة أو تمرتان فقط، فألقاها وتقدم إلى المعركة فقاتل حتى قتل ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] ومهما عملت في الدنيا من صلاة، وصيام، وعبادة، وقيام ليل فلا تظن أن هذا هو ثمن الجنة، فالجنة أغلى بكثير (والله لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا). الجنة أغلى من أن يكون عملنا ثمناً لها، فإذا بالنبي ﵊ يقول: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة من عنده) فأعمالنا إنما هي سبب لرحمة الله التي هي السبب الحقيقي لدخول الجنة. اسمع إلى الجنة، وتخيل وتصور أنك قد تجاوزت الحساب، وتصور أن موازينك قد ثقلت بالحسنات، وتصور أنك قد جزت الصراط ولم يبق على دخول الجنان إلا فتح أبوابها، ثم يؤذن لهم بالدخول.
следующие страницы →