← Джавами‘

Джавами‘ · id 7717

دروس للشيخ نبيل العوضي

نبيل العوضي

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

أهمية وجود الجرأة عند الداعية السؤال ما أهمية الجرأة بالنسبة للداعية؟ الجواب أظن ذكرنا أمثلة من الواقع ولعلكم انتبهتم، وهذا ما يحصل يا إخوان هذه الأيام، يستحي الواحد منا أن يقوم في المسجد، ولا يقدر أن يتكلم في السوق، ولو رأى متبرجة وهو يطلب منها حاجة في الوزارة مثلاً كتوقيع أو معاملة -ولنكن صريحين- وهو من أجرأ الناس، لكن أن ينصحها في دينها فهو من أخجل الناس، وهذه مصيبة، وهذا تناقض، يعني: الأمر أنك تستطيع أن تتكلم، وعندك القدرة؛ لكن تحتاج إلى جرأة، لكي تتكلم في مجلس ديوانية، الجماعة مثلاً عندهم ديوانية، فتكلم كل الناس إلا أنت، وحتى أنت تتكلم في أي أمر إلا في الدين، وهذا واقع أكثر الملتزمين هذه الأيام، حتى جلس بعضهم في مجلس فتكلم أحد السفهاء، وكان فيهم رجل علم، فقال له رجل: اسكت، غيرك أولى منك، فسكت، فمضت دقيقة أو دقيقتان ولم يتكلم أحد، فتكلم السفيه مرة أخرى، فقال له رجل: اسكت غيرك أولى منك، فسكت، ثم تكلم الثالثة بعد فترة فقال له: اسكت، قال: لا تسكتني، ليس العيب مني بل منهم، لو كان فيهم رجل لتكلم. نعم. والله مصيبة، انظر في المجالس عماذا يتكلمون؟ يتكلمون عن أتفه الأشياء، عن السيارات، عن الجرائد، عن الديوانيات، عن الأموال، عن كل شيء، أما رجل يتكلم عن الدين، عن الربا، عن الصلاة، عن أمور في الإيمانيات فهذا نادر جداً، واقع لكنه قليل جداً. هذه الجرأة نحتاجها كثيراً، هل جرب أحدنا في المحاضرة في الجامعة -لو كان في الجامعة- أن يقوم ويتكلم، ويدعو النساء، وينصحهن بارتداء الحجاب، ويعطيهن شريطاً؟ وهذا سهل جداً، يحتاج الأمر منك في البداية إلى صعوبة، ثم في المرة الثانية هو حاجز رقيق جداً إن كسرته ستبدأ تنطلق، اسأل الذين يتكلمون في المساجد كالخطباء، اسأل أحدهم عن أول مرة جرب الخطبة، يقول: صعب، المرة الثانية؟ سهلة جداً، بل أخذ ينطلق بعدها بكل يسر وسهولة، هي المرة الأولى فقط، وينتهي الخجل بعدها. فالأمر يحتاج إلى جرأة، ثم بعدها يوفق الله ، هذه هي الجرأة، وإن قلنا الخطب عن هذا الواقع فأظن تعرفون كيف يكون تطبيقه في الواقع، كما قال الله ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥] يعرف الإنسان أعداءه، لأن هذه -والله- فائدة يا إخوان، لو أن الإنسان منا يشعر أن هناك أعداء علمانيين وروافض ويساريين وأعداء من الفجرة الشهوانيين وغير ذلك، لو يحس أن الأمر فيه أعداء -والله- يتشجع الإنسان، لكنه لو يحس أن الأمر يسير، ناس ملتزمون، وناس عوام، وناس فجرة، وناس فسقة؛ لكن لو يحس أن الأمر فيه أعداء فسيجتهد في الدين، لا بد أن نعرف أن هناك أعداء ونعرف الخطط وندرسها ونواجهها، أما أن الإنسان هكذا لا يعرف شيئاًَ فهذه المصيبة. ولعل عندكم من طلبة العلم من هو أعرف مني في هذه الأمور.

стр. 842

معنى قوله تعالى: (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ) السؤال ما معنى قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق:١٧]! الجواب رد الله على أبي جهل عندما أراد أن ينادي أناساً يعينونه على النبي ﷺ ، قال له: ادع أنت الملائكة، وأنا أدعو أناساً يقومون معي: ﴿نَادِيَهُ﴾ [العلق:١٧] أي: الذين يناديهم، ويستنصر بهم، ويعتز بهم.

стр. 843

في رحاب الجنة إن الجنة هي سلعة الله الغالية، وهي التي تسابق لأجلها المتسابقون، وشمر لأجلها المشمرون، وذهب لأجلها الشهداء الصالحون، وزهقت لأجلها أنفس كثيرة فمادام أن الجنة بهذه المثابة؛ فيا ترى ما هي أوصافها؟ هذا هو ما تحدث عنه الشيخ حفظه الله، وفي الأخير تحدث عن العمل للجنة، والتضحية من أجلها، والاستعداد لها، وذكر نماذج لذلك.

стр. 844

الجنة وأوصافها الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة المسلمون: معنا وإياكم في هذا المجلس المبارك -بإذن الله- وهذا المكان الذي تحفه الملائكة إلى السماء الدنيا، ونسأل الله في هذا المكان أن يذكرنا فيمن عنده، وأن يغفر لنا ذنوبنا ويكفر عنا سيئاتنا. إن الموضوع مشوق ومحفز للنفوس، تطرب إليه الأرواح، والمؤمن يتمنى أن لو سمع مثل هذا الحديث صباح مساء، إنه: في رحاب الجنة. أرجو منك -أيها السامع وأيتها السامعة- أن ننسى الدنيا قليلاً، أو أن نخرج منها لحظات، وكل منا ينسى أشغاله، وينسى أهل بيته، ليعش كل منا وهو يسمع هذه الأحاديث في الجنة، حتى إن الصحابة كما يقول حنظلة: [إذا كنا عند رسول الله ﷺ كأنا نرى الجنة والنار رأي العين]. هلا كنا كما كانوا؛ نرى الجنة الآن رأي العين، نعيش وإياكم عند أنهارها، في قصورها، داخل خيامها، ونعيش وإياكم ونحن نتحدث عن صفاتها، وفي رحابها. يسأل النبي ﷺ أحد الأعراب عما يقول في الصلاة فقال: (أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، قال: وحولها ندندن) هذا مطلوبنا، وهذه غايتنا، نسأل الله الجنة ونعوذ به من النار. الجنة التي مات لأجلها الأولون، وذهب لأجلها الشهداء الصالحون، زهقت لأجلها أنفس، وذهبت لأجلها أرواح، إنها الجنة سلعة الله: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).

стр. 845

عرضها السماوات والأرض سوف نبدأ وإياكم بشيء من أوصافها، ثم لا تعجب حين تسمع أن عمير بن الحمام؛ وهو رجل كبير، قبل بدر يسمع صفة من صفاتها، وهي: أن عرضها كعرض السماء والأرض، فقال: (بخ بخ! قال الرسول ﷺ : ما حملك على قولك بخ بخ؟ قال: لا شيء إلا رجاء أن أكون من أهلها فقال له النبي ﷺ يزف إليه بشارة: فإنك من أهلها) الله أكبر! الله أكبر! يبشر إنساناً من أهل الأرض أنه من أهل الجنة، هل يريد حياة في الدنيا بعدها؟! هل يريد أن يعيش في الدنيا؟! إذا كانت الجنة كما قال ﷺ : (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) فلم يعيش الإنسان إذا علم أنه من أهل الجنة؟! فإذا به يقول عندما سمع أنه من أهل الجنة، وأنه ليس بينه وبين دخولها إلا أن يقتل في المعركة، وكانت في يده تمرات فقال لنفسه: والله إنها لحياة طويلة إن عشت حتى آكل التمرات. وهي تمرة أو تمرتان فقط، فألقاها وتقدم إلى المعركة فقاتل حتى قتل ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] ومهما عملت في الدنيا من صلاة، وصيام، وعبادة، وقيام ليل فلا تظن أن هذا هو ثمن الجنة، فالجنة أغلى بكثير (والله لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا). الجنة أغلى من أن يكون عملنا ثمناً لها، فإذا بالنبي ﵊ يقول: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة من عنده) فأعمالنا إنما هي سبب لرحمة الله التي هي السبب الحقيقي لدخول الجنة. اسمع إلى الجنة، وتخيل وتصور أنك قد تجاوزت الحساب، وتصور أن موازينك قد ثقلت بالحسنات، وتصور أنك قد جزت الصراط ولم يبق على دخول الجنان إلا فتح أبوابها، ثم يؤذن لهم بالدخول.

стр. 846

أبواب الجنة ومن يفتحها الجنة لها ثمانية أبواب، تصور أنك تنتظر دخولها وهي تتلألأ من بعيد، وريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً، لو ابتعدت عنها أربعين سنة شممت رائحتها. الجنة من الذي يفتح له بابها؟ ثمانية أبواب بين مصراعي الباب مسيرة أربعين عاماً. يخرج أفضل الناس وخير الخلق، سيد ولد آدم يوم القيامة محمد ﵊، فإذا به يأخذ حلقة من حلقات أبواب الجنة، فيقول الملك: من أنت؟ فيقول: أنا محمد، بكل أدب وتواضع ﵊، فيقول الملك: لك أمرت، لا أفتح لأحد قبلك. فتصور أن الباب قد فتح، وتخيل أنك تنظر إلى ذلك الباب، وأنك تنتظر الإذن لتدخل إلى تلك الجنان يقول الإمام أحمد بن حنبل لما سُئل: متى يجد العبد طعم الراحة؟ العبد في الدنيا في أذى وهم وبلاء وفتن، وهو صابر على العبادة متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال الإمام أحمد: عند أول قدم يضعها في الجنة. تخيل وأنت تسمع الملائكة تسلم على المؤمنين وهم يدخلون مع آبائهم، ومع أزواجهم وذرياتهم من صلح منهم، كل عائلة إذا كانت صالحة تدخل، كل واحد يقبض بيد الآخر، مع زوجاته، مع أحبابه، مع ذريته، مع آبائهم، يقبض أحدهم بيد الآخر ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الرعد:٢٣] وتستقبلهم الملائكة عند الأبواب تقول: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد:٢٤] على أي شيء صبروا؟ على صلاة الفجر، وعلى قيام الليل، صبروا على صيام التطوع، صبروا على ذكر الله، صبروا على قراءة القرآن ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤].

стр. 847

أصحاب الجنة لن يدخل الجنة شيخ كبير، ولا امرأة عجوز، فكلهم يرجعون مرة أخرى شباباً، يرجعون بقوة وشباب، جرداً مرداً مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين عاماً، تخيل وهم يدخلون الجنان ماذا يرون؟ وماذا يشاهدون؟ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾ [الإنسان:٢٠] مهما أخبرتك فالأمر أعظم، مهما تصورت فهي أكبر ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [الإنسان:٢٠] تخيل وأنت تدخل، أرضها بيضاء كالمرآة، تربتها الزعفران واللؤلؤ والياقوت. تقول: وهل أعرف مكاني إذا دخلت فيها؟ أقول: إذا دخلت إلى الجنة تعرف مكان قصرك أكثر مما تعرف بيتك في الدنيا. أما من ينتظرك في ذلك القصر؛ وفي تلك الخيام، وما ينتظرك من النعيم مهما تصورت فلن تعلم ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُن﴾ [السجدة:١٧] مفاجآت وجوائز ونعيم عظيم لن تتصوره (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر). أتعلم أن أدنى أهل الجنة منزلة، آخر من يخرج من النار ويدخل إلى الجنة: رجل له مثل ملك الدنيا وعشرة أمثالها! فيا من تقاتلوا لأجل الدنيا، ونسوا الصلاة، وفرطوا في الأذكار، وهجروا القرآن لأجل حفنة من الدنيا، اعلموا أن آخر أهل الدنيا دخولاً الجنة؛ له مثل الدنيا وعشر أمثالها. (يدخل عمر على النبي ﷺ يوماً، فيراه نائماً على حصير قد أثر في جنبه، فبكى عمر، فقال ﷺ : ما يبكيك يا عمر؟ قال: ملوك كسرى والروم ينامون على الديباج والحرير وأنت تنام على حصير! قال: ويحك يا بن الخطاب أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟). مناديل سعد أرأيت المناديل التي ترمى ولا يؤبه لها (مناديل سعد في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس). جاء في حديث: (لو أن ما يحمل ظفر من الجنة بدا -لو واحد يحمل بظفره شيئاً من الجنة، فيخرجه من الجنة، أتعرف ما الذي يحصل؟ - لتزخرفت خوافق السماوات والأرض). وفي حديث آخر: (لو أن امرأة من الحور العين اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بين السماء والأرض، ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها) ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. تصور نفسك أيها العبد المؤمن الصادق! يا من تحافظ على صلاة الفجر! يا من لك ورد من القرآن! يا من تصلي شيئاً من الليل! يا من ترفع يديك تطلب النجاة من الله! تصور نفسك وقد دخلت الجنان، تنعم فيها ولا تبأس، لا تظمأ فيها ولا تضحى، تصور ما الذي تراه؟! لا شمس في الجنة، سبحان ربي! من أين يأتي الضوء؟! وفيها ظلال، سبحان الله! ومن أين يأتي الظلال إذا لم يكن فيها شمس؟! ﴿لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ [الإنسان:١٣] أي: لا شمس، ولا برد، من أين تأتي الأنوار؟! يقول شيخ الإسلام: نور يأتي من قبل عرش الرحمن فيضيء لأهل الجنان. الله أكبر!

стр. 848

أنهار الجنة تصور نفسك وقد دخلت، ما في الجنة شجرة إلا وساقها ذهب، حصباؤها الزعفران واللؤلؤ والياقوت، تمر على أنهار من لبن، أنهار من خمر، كل منكم يرى هذا بعينه، لبن لا كلبن الدنيا، خمر لا كخمر الدنيا، عسل مصفى يجري على الأرض، أتتصور هذا! ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ [محمد:١٥]. تخيل أنك تجلس على ضفاف نهر من هذه الأنهار، نهر من لبن، نهر من عسل، نهر من خمر لا كخمر الدنيا (من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة) قال بعض أهل العلم: لا يدخل الجنة إذا لم يتب، وقال بعضهم: إذا دخل الجنة فإنه لا يشربها داخل الجنة، ومن قال: لا يدخل الجنة، قال: إذا استحل شرب الخمر ونهر من عسل، نهر من لبن أبيض من لبننا، وأحلى من طعمه في الدنيا، تخيل أنك تجلس على هذه الأنهار أنهار الدنيا تجري في أخاديد، أما أنهار الجنة فلا أخاديد لها، تقول: وكيف تجري؟! وكيف تسير على أرض الجنة؟! أقول لك: تسكب على أرض الجنة سكباً. قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة:٢٧ - ٢٨] أتعرف ما هو السدر؟ إنه شجر فيه شوك لكنه في الجنة مخضود، ذهب شوكه وصار مكان كل شوكة ثمرة، تفتق هذه الثمرة من أكثر من سبعين لوناً لم نرَ مثلها في الدنيا: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة:٢٨ - ٣١] مائة عام يسير الراكب الجواد في هذا الظل لا يقطعه، أتتصور هذا! أتتخيل هذا يا عبد الله! أي شجرة هذه؟! يجلسون على الأرائك، إذا اشتهى ثمرة من الشجرة لا يقوم من مجلسه، تدنو له الثمرة إلى مجلسه، فيقطفها فيأكلها إذا شاء، لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٣٢ - ٣٤] فرش ترفع من ديباج (حرير) أسرة يجلس ويتكأ عليها. يجتمع أهل الجنان يتحدثون، فإذا بهم يتذاكرون الدنيا، وأحزانها، ومصائبها وآلامها، يوم صبروا على الجهاد، وصبروا على طاعة الله، يوم جلسوا في المساجد يذكرون الله، يذكر بعضهم بعضاً أتذكرون القيام في رمضان؟ أتذكرون مجالس الذكر في ذلك المسجد؟ أتذكرون حين ذهبنا إلى العمرة وحججنا بيت الله؟ أتذكرون أيام الجهاد؟ ﴿قَالوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦] أي: خائفين من الله ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧].

стр. 849

الشوق إلى الجنة سعد بن خيثمة استهم هو وأبوه في معركة بدر من يذهب للجهاد؟ لم يكن في البيت إلا رجلان؛ الأب والابن، من يجلس مع النساء؟ لا بد أن يذهب واحد ويبقى الآخر، فاستهم سعد مع أبيه خيثمة، فوقع السهم على الابن سعد، فقال له أبوه: يا بني! آثرني اليوم واذهب في المعركة الأخرى. فقال الابن لأبيه: يا أبت! لو كان غير الجنة لفعلت، أما الجنة فلا أؤثر بها أحداً، فدخل سعد المعركة وقاتل حتى استشهد في سبيل الله، أما أبوه فلم يصبر وانتظر أحداً فخرج مع المقاتلين واستشهد في سبيل الله ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣]. يأتي جبريل إلى رسول الله ويخيره؛ وقد جاءت منيته، واقتربت وفاته: أتريد أن تعيش أكثر أم تلتحق بالرفيق الأعلى؟ ماذا سيختار. هل سيختار هذه الدنيا الفانية؟ هل سيختار هذه الدنيا التي فيها الهم والغم والنكد والأحزان والأمراض؟ قال: بل الرفيق الأعلى، وحقاً كما قال، قبض ﵊، واختار الآخرة على هذه الدنيا الفانية ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦].

стр. 850

الحور العين تخيلوا أيها الرجال! أيها المؤمنون! ما للرجل في الجنة من الحور العين، الحورية الواحدة على رأسها تاج فيه لؤلؤ وياقوت، الياقوتة الواحدة خير من الدنيا وما فيها، تلبس سبعين حلة، هذه الحورية يرى مخ ساقها من وراء الحلل واللحم. أرأيت إلى نعومتها وجمالها؟ يغنين لأزواجهن، بل أخبر الله أنهن: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦] ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ [الواقعة:٣٥ - ٣٦] مهما وطأها الرجل ترجع بكراً ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ [الواقعة:٣٧] نفس السن: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٣٨] أي: لأهل الصلاة، لأهل الذكر، الذين صبروا عن الحرام، وغضوا أبصارهم عن الحرام. وإذا سأل النساء: هذا للرجال فمالنا؟ أما المرأة الصالحة إذا دخلت الجنة فإنها تكون سيدة على الحور العين، وجمالها لا يقارن بجمال الحور العين، وحسنها وكرامتها أعظم بكثير من الحور العين، لمن هذا؟ ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٣٨ - ٤٠] قال بعضهم يصف تلك الحور: فلو أن حوراً في الدياجي تبسمت لجلَّى دجى الظلماء في الأرض نورها ولو مُزِجَ الماء الأجاج بريقها لأصبح عذباً سلسبيلاً بحورها ونصيفها -أي: خمارها- خير من الدنيا وما فيها. يا من فرط في الصلاة لأجل شيء من الدنيا! يا من ضيع القرآن من أجل حطام الدنيا! ألا تعقل ألا تفكر ألا تنتبه لنفسك؟! مالك بن دينار قال له رجل: رأيت فيما يرى النائم رأى رؤيا يُكلم عابداً زاهداً، تقياً لله، رجلاً ورعاً يسمى مالك بن دينار، يقول له رجل: يا إمام! رأيت فيما يرى النائم أن منادياً ينادي: الرحيل الرحيل، فما رأيت رجلاً يرتحل إلا محمد بن واسع؛ أحد الصالحين، أحد العباد، أحد الزهاد، يقول: ما رأيت أحداً يرتحل إلا محمد بن واسع. فصاح مالك وبكى، ومن شدة البكاء سقط على الأرض مغشياً عليه ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠] هناك من سبق، هناك من وصل، هناك من بشر بالجنة وهو على الأرض يمشي ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة:١١ - ١٢] ألسابقون بجمع المال، أم السابقون بالشهوات، أم السابقون بالطعام والشراب؟ لا وربي، بل السابقون بقيام الليل، بالصلوات الخمس، بصلاة الفجر في الجماعات، السابقون بذكر الله. يمشي النبي ﷺ يوماً من الأيام فإذا به يقول للصحابة: (سبق المفردون، قالوا: من المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات) وقال ﷺ : (من قال: سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة) فأين الذاكرون؟ النخلة في الدنيا يزرعها الإنسان شهوراً، ويتعب عليها شهوراً؛ لأجل أن يحصل على شيء من ثمارها وربما لا يحصل، أما في الجنة فما من شجرة إلا وساقها ذهب، ونخلة بالجنة لا تريد منك إلا ثواني معدودة (من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة) الله أكبر! كم تنتظر في الدنيا لأجل بيت من البيوت، أو شقة تسكنها؟ كم تجمع، وكم تتعب، وكم تنصب، ولا بد منها، هذه متطلبات الدنيا والحياة، أما بيوت الجنة؛ فلبنة من ذهب ولبنة من فضة لا كذهب الدنيا وفضتها، وملاطها ممسوحة بالمسك، الله أكبر! ما راحتها، ما جمالها، ما منظرها؟ إنه ذهب وفضة ومسك كيف تحصل على بيت في الجنة؟ (من قرأ (قل هو الله أحد) عشر مرات بني له بيت في الجنة) كم مرة فعلتها اليوم؟ كم مرة صنعتها اليوم؟ أرأيت كم نحن مفرطون في الأجور والحسنات، وكم ضيعنا من الأوقات، وكم ضيعنا من الأعمار؟ إن بعض الناس لا يحلو له في سيارته من بيته إلى العمل، أو في أي مشوار إلا أن يضع أشرطة الأغاني والطرب والموسيقى، ولو استغل هذه الأوقات بذكر الله، وبقراءة القرآن، وباستماع الدروس والمواعظ، لكم قد بنيت له بيوت وبيوت في الجنة، وغرست له أشجار وأشجار في الجنة، ولكن: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦].

стр. 851

طعام أهل الجنة وشرابهم أخي الكريم: في الجنة طعام وشراب، ما تشتهية؛ لكن لا من جوع ولا من عطش، لا من ظمأ ولا من نصب، ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، يقول الله جل وعلا: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة:٢٠] * ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢١] غلمان يمشون في الجنة؛ خدم لأهل الجنة، الذين يدخلون الجنة لهم غلمان إذا رأيتهم في الجنة حسبتهم لؤلؤاً منثوراً، يمرون على أهل الجنان بأكواب وأباريق؛ وقوارير من فضة، وكيف تكون القوارير من فضة؟ القوارير من زجاج، نعم هي قوارير لكنها من فضة، إن لم تتصور هذا فصدق، فسوف تراه -بإذن الله- في الجنة، يمرون عليهم بالكئوس، بالقوراير، بالطعام والشراب، وهم على الأرائك يتحدثون ويتسامرون ويتكلمون.

стр. 852

حديث أهل الجنة فإذا بقائل يخرج بينهم فيسألهم سؤالاً غريباً، إنه حديث أهل الجنة بعضهم لبعض، وانظر إلى هذا الحديث العجيب الذي أخبرنا الله عنه، يقول: أيها الإخوة: يا أصحابي! يا إخواني! يا رفقائي! من منكم رأى فلان بن فلان؟ هذا كان صاحباً لي في الدنيا، فهل رآه أحد؟ هل اطلع على مكانه أحد؟ فلا أحد يجيب، لم يره أحد! يقول هذا الرجل، وهذا الصاحب: كنت أصاحبه في الدنيا، ولما أقبلت على الهداية، وتبت إلى الله، وأقبلت على حلق العلم والذكر والصلاة كان يصدني، وكان يمنعني، وكان يحرضني على المعاصي. ولما أرادت تلك الفتاة أن تتحجب، وأن تلتزم بدين الله وبشرع الله، وأن تقبل على الصلاة وتلتزم مع الصالحات؛ جاءتها فلانة فقالت لها: يا فلانة! ضحكوا عليك، يا فلانة! استهزءوا بك، يا فلانة! غرروا بك، لنتمتع بشبابنا، لنتمتع مع الرجال الشباب، ثم بعدها نتوب. وجاء ذلك الشاب وأراد أن يضيع هذا الصالح فقال له: يا فلان اصبر! لنلهو بهذه الدنيا؛ لنتمتع بها، ثم بعدها نتوب، لكنه بفضل الله ما سمع كلامه، وأصر على التوبة، وتمسك بالهداية، واختلط بالصالحين، والتزمت هي مع الصالحات، وتحجبت وتسترت، وما سمع أحد منهما كلام ذلك الرجل الضال، أو تلك الفتاة الضالة، فإذا به يسأل: هل رآه منكم أحد؟ ما رآه أحد. وفجأة تُكشف لهم النار وهم في الجنة، إنا لله وإنا إليه راجعون! إنها النار بلظاها وسمومها وحرها، لا يصلهم منها شيء ولكنهم يرونها، فإذا به يرى صاحبه في النار يحترق، أو هي ترى صاحبتها في النار تحترق، فإذا بالحديث بين هذا وهذا، كلاهما يرى الآخر، هذا يحدث هذا، وهذا يرد على هذا، الله أكبر! يقول له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦] ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧] أي: لولا أن الله ثبتني وعصمني وصبرت مع الصالحين لكنت معك الآن في النار ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ [الصافات:٥٠ - ٥١] في الجنة ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥١] صاحب ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥٢ - ٥٣] متى سيأتينا الموت؟ إلى الآن في الحياة متسع، أنت شباب تمتع بهذه الدنيا، يغرر به ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥٣] هل تصدق بالحساب؟ ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥٤] انكشفت النار ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٥ - ٥٧] نعمة الله، هو الذي يثبت، وهو الذي يهدي، وهو الذي يعصم. وجعل الله لك أسباباً: صحبة صالحة، مساجد، حلق علم، ذكر الله، قراءة قرآن ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧] ثم يلتفت إلى أهل الجنة وهو سعيد متمتع فيقول: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات:٥٨] هل حقاً ليس في الجنة موت: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٥٨ - ٦١] لمثل هذا الموقف، لمثل هذا النعيم، لمثل تلك الجنان فليعمل العاملون، لا مرض، لا سقم، لا هم، لا غم، لا مصائب. تخيل وأنت في الجنة متنعم، تلهو وتمرح، وتأكل وتشرب، وتجامع ما شئت من النساء، حتى النوم ليس هناك نوم في الجنة، حتى النوم منعوا من النوم لأنه موتة صغرى، وليس في الجنة موت حتى يتنعموا بما يشاءون في تلك الجنان.

стр. 853

الزيادة لأهل الجنة وفي تلك اللحظات، يناديهم الرب جل وعلا فيقول لهم: (عبادي! تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقول المؤمنون أهل الجنة: يا رب! وأي شيء؟ ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجيّنا من النار، ماذا نريد أكثر من هذا؟ فإذا بربنا جل وعلا يكشف الحجاب، فيرون ربهم، فما أعطوا في الجنة شيئاً أحب إليهم من النظر إلى الله) ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] ينسون نعيم الجنة كله، ينسون القصور والخيام والحور والأنهار، ينسون نعيم الجنة كله إذا نظروا إلى الله، إنه المزيد: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥].

стр. 854

العمل للجنة ألا تستحق هذه الجنة -أيها الأخ الكريم- ركعات آخر الليل؟ ألا تستحق هذه الجنة أن نقوم لصلاة الفجر؟ ألا تستحق منا هذه الجنة -أيتها النساء- أن نستتر لله ونعف أنفسنا لله؟ ألا تستحق هذه الجنة أن نتقي الله في السر والعلن؟ فحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم وحي على روضاتها وخيامها وحي على عيش بها ليس يسئم فيا ساهياً في غمرة الجهل والهوى صريع الأماني عن قليل ستندم أفق قد دنى الوقت الذي ليس بعده سوى جنة أو حر نار تضرم أخي الكريم: عمرو بن الجموح لما سمع بالجنة وأوصافها وكان أعرج، نودي للجهاد وقد عذره الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] فقال لأبنائه: جهزوني للجهاد، الأمر فيه جنة عرضها السموات والأرض، قال: جهزوني، قالوا: يا أبانا قد عذرك الله، قال: جهزوني، قالوا: يا أبانا قد عذرك الله، قال: والله لأطأن بعرجتي هذه الجنة، تمنعوني عن الجهاد! فقال لهم النبي ﵊: دعوه! فدخل، فإذا به يقتل في سبيل الله، فرآه النبي ﷺ فقال: (لكأني أنظر إليه يمشي برجلين سليمتين في الجنة). وهذا عبد الله بن غالب رآه مالك بن دينار في معركة من المعارك، وهو يقول: إني أرى ما ليس لي عليه صبر، يرى شيئاً ما رآه الناس، قال: إني أرى ما ليس لي عليه صبر، ثم قال لمن حوله: روحوا بنا إلى الجنة، روحوا بنا إلى الجنة، فكسر غمد سيفه، فلا زال يقاتل حتى قتل. أسمعت بـ جعفر الطيار؟ جعفر بن أبي طالب، الذي هاجر بدينه، ثم جاء إلى المدينة فأمَّره النبي ﷺ في مؤتة، فأخذ الراية بيده اليمنى فقطعت، ثم أخذ الراية بيده اليسرى فقطعت، ما ولى، وما أدبر، ولا هرب، ثم أخذ راية الإسلام بعضديه وضمها وثبتت الراية، فتكسرت الرماح على ظهره وصدره وهو يقول: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها ثم لفظ الشهادتين واستشهد، فقال النبي ﷺ : (رأيته يطير بجناحين في الجنة). لِمَ يفعلون كل هذا؟ لأنهم سمعوا قول الله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل. أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 855

الأسئلة

стр. 856

الأقصى الجريح السؤال هل من كلمة حول الأقصى؟ الجواب أنا سوف أتكلم، وإن كنت أول المقصرين، الأقصى يئن تحت وطأة اليهود عشرات السنين وعقود من الزمن، المشكلة ليست فقط في الأقصى حرمات كثيرة للمسلمين تنتهك اليوم، والمسلمون أكثر الأمم اليوم ولا شأن لهم، ولا دور لهم في الأمم، كما قال النبي ﷺ : (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم كثير، لكنكم غثاء كغثاء السيل، قد أوهن قلوبكم حبكم الدنيا، وكراهيتكم الموت) نعم. نحن اليوم نفرح بأن هذا الجمع أتى للمحاضرة، وقد لا تكرر هذه الجموع كثيراً، وكم يبلغ هذا الجمع؟ مائتان، ثلاث مائة، خمس مائة، ألف، نحن نعلم أن بعض جموع المسلمين تبلغ عشرين وثلاثين ألفاً، يجتمعون لأجل لعب كرة القدم، ويجتمع ألوف من البشر من أول الليل إلى آخره لأجل مطربة ومغنية، ويجتمع كثير من المسلمين بالألوف لأجل تفاهات الدنيا، ولكن من منهم يجتمع لأجل ذكر الله؟! القليل القليل (قد أوهن قلوبكم حب الدنيا وكراهية الموت). يجب علينا أن نجاهد في سبيل الله لنحرر الأقصى، ولكن أين الجهاد؟ وأين عدته؟ من يفتح لهم الباب؟ ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]. ومجالس الذكر اليوم والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة من أعظم الإعداد نشر الدين، ونشر الصلاح بين الناس، والصحوة الإسلامية اليوم هي التي تقض مضاجعهم، لِمَ يحاربوننا بالإعلام، وبالجنس، وبالفساد، والمخدرات والمسكرات؟ لأنهم يخافون من الصحوة الإسلامية، يخافون من امتلاء المساجد، يخافون من أهل الدين والصلاح وحفظة القرآن، يخافون من الذين يجتمعون على مثل هذه المجالس، لكن نقول: هذه هي البداية، البداية الآن بملء هذه المساجد، حلق العلم، نشر الدين، الشريط الإسلامي، نشر الحجاب بين النساء، هذه هي البداية، وهو الإعداد الحقيقي اليوم حتى نؤسس في قلوبنا الإيمان، وحب الجهاد، والاستعداد له، وبإذن الله جل وعلا لن يقف أمام المسلمين يهود ولا غيرهم، فهم أذل وأخس وأقل من أن يقفوا أمام جموع المسلمين، لكن إذا صدق المسلمون ورجعوا إلى دينهم وتوكلوا على ربهم ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] بإذن من؟ بإذن الله، إذا كانت هذه الفئة القليلة متقية لله .

стр. 857

كيف يكون الإعداد ؟ السؤال نرجو منكم الدعاء للمجاهدين، وكيف يكون الإعداد السري؟ الجواب اللهم ثبت قلوبهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم ألف بين قلوبهم، اللهم اجمع كلمتهم، اللهم انصرهم على عدوهم يا رب العالمين. اللهم من أراد بنا وبالإسلام والمسلمين سوءاً فأشغله في نفسه، واجعل تدبيره تدميره، ورد كيده في نحره. أما بالنسبة للإعداد السري فأولاً: لا بد أن يعد كل إنسان منا نفسه، نحن الآن نقول: نريد الجهاد، وإخراج اليهود، والأعداء في الشيشان وفي كشمير وفي غيرها من البلاد، نعم. ولكن أول الجهاد جهاد النفس في صلاة الفجر، أين نحن اليوم في صفوف صلاة الفجر؟! أمة لا يصلى الفجر منها في المساجد إلا ربع المصلين أو عشر المصلين أمة لا ينصرها الله، أمة ظهرت فيها الأغاني والملاهي، وانتشر فيها الفساد لا ينصرها الله، كيف ينصرنا الله وإلى الآن ما انتصرنا على شهواتنا، ولا على أنفسنا؟! فأول الجهاد: هو إعداد النفس للجهاد، أعد نفسك إيمانياً، عقائدياً، تربوياً، علم هذه النفس أن تتربى متى بدأ الجهاد في العصر النبوي؟ ثلاث عشرة سنة في مكة إعداد، ثم سنتان في المدينة ثم بعدها إذن لهم في القتال، حتى قال الصحابة في مكة: ائذن لنا يا رسول الله نقاتل. قال: لا. لم يؤذن لي. وأنا لا أقول: ليس هناك جهاد، الجهاد باقٍ إلى قيام الساعة، والإعداد يجب أن يمضى إلى قيام الساعة، الإعداد بالنفس والبدن والمال، لكن ابدأ بأول قضية: فأعد نفسك بالإيمان، جاهد نفسك في قيام الليل، في صلاة الفجر، جاهد نفسك عن المعاصي والذنوب، ثم بعدها كما قال الشيخ ابن عثيمين ﵀، قال: أعظم غزو اليوم الغزو الثقافي، كل بلاد الإسلام الآن مغزوة، نعم. إن كانت فلسطين، وإن كانت كشمير والشيشان قد سلبت وطرد أهلها، وحرموا من ديارهم وعذبوا وقوتلوا، فليست هذه البلاد هي المغزوة فقط، بل كل البلاد اليوم مستباحة، إن لم تستبح بالقوة العسكرية استبيحت بالشهوات، بالجنس، بالخمور، بالمخدرات، الغزو الثقافي اليوم يطرق كل بيت عن طريق الفضائيات أين المجاهدون بالكلمة؟ أين الدعاة الناصحون؟ أين المخلصون الذين ينشرون دين الله؟ ولهذا قال النبي ﷺ : (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) كلمة قد تكون بالجهاد، وقد تكون بالمال، وقد تكون بالنفس. المهم أن الإعداد يكون بكل طريق، ويكون بكل وسيلة، وأول الجهاد جهاد النفس، نعد أنفسنا ونربيها أولاً على طاعة الله، وننشر الدين والخير بين الناس؛ لعل الله أن يأتينا بجيل يحبون الموت كما يحب هذا الجيل الحياة، والله أعلم. السؤال: ما المقصود بكلمة الإعداد السري؟ الجواب: لعل كلمة (السري) مخيفة، في الدين -ولله الحمد- كل شيء علن، حتى قال أبو بكر: (يا رسول الله ائذن لي بالمجاهرة، قال: لا بعد) هذا فقط في بداية الدعوة، ثم لما أذن لـ أبي بكر أن يقوم كان أول خطيب في الإسلام، جهر أبو بكر بالدعوة وإلى اليوم الدعوة في جهر بفضل الله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣] نحن اتفاقياتنا ومعاهداتنا منشورة في كل المساجد (القرآن) ليس عندنا إلا قال الله وقال رسوله، نبايع على هذا ونعيش على هذا ونموت على هذا، القرآن والسنة، ليس لدينا شيء نخفيه، ندعو الناس إلى عبادة الله وترك عبادة غيره، التزام سنة رسول الله وترك الأهواء والبدع، لا ندعو إلى غير هذا، ديننا واضح ومنهجنا صريح وندعو إلى الله في رابعة النهار، ولا نخشى في الله لومة لائم.

стр. 858

تتبع عورات العلماء السؤال هل من كلمة تطرق بها أسماع الذين يتتبعون عورات العلماء؟ الجواب يقول أحد السلف: إذا رأيتم الرجل منشغلاً بعيوب غيره عن عيب نفسه، فاعلموا أنه قد مُكر به. إذا بدأ الرجل ينشغل بعيوب العلماء وطلبة العلم، ويتتبع عثرات الدعاة فقد هلك. وأخص هؤلاء؛ لأنهم أفضل الناس، ومن أفضل من العلماء وطلبة العلم والدعاة إلى الله، الذين يبلغون دين الله، ويرتبطون مباشرة مع الله، من أفضل منهم؟ إنهم صفوة الله في خلقه، حتى قال النبي ﵊: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه! لا تتتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في بيته) الله يتكفل بتتبع عورته، وأي تتبع للعورات من رجل يبحث في عالم من علماء أهل السنة، متمسك بأصول أهل السنة والجماعة يبحث في كتبه ويتصفح أشرطته، لا لطلب العلم، ولا للاستفادة، ولا للهدى ولكن يبحث عن السقطات والزلات، أعوذ بالله! من الذي لا يخطئ؟ لا معصوم بعد رسول الله إلا كتاب الله جل وعلا، هل هناك معصوم؟ هل هناك رجل لا يخطئ أو لا يزل؟ للأسف، لقد انشغل ومكر به ولم يوفق للخير، نسأل الله أن يهدينا وإياه.

стр. 859

حكم الدخول على النساء السؤال ما حكم الدخول على النساء؟ الجواب يقول النبي ﷺ ، والحديث يكفيه: (إياكم والدخول على النساء) يخاطب الرجال الشرفاء، الأنقياء الأتقياء الصالحين، يقول: (إياكم والدخول على النساء! قالوا: يا رسول الله أرأيت الحمو؟ -وهو قريب الزوج، كأخيه أو ابن عمه- قال: الحمو الموت) أي: هذا أخطر؛ لأن المرأة إذا أحبت رجلاً لصفات، فقد تحب أخاه؛ لأن الصفات تتشابه، والعادات تتشابه بين الإخوان، ولهذا قد تحبه.

стр. 860

أقسام العلماء السؤال كم أقسام العلماء؟ الجواب العلماء ثلاثة أقسام: عالم أمة وعالم دولة، وعالم ملة، أما عالم الأمة فهو الذي يرى إلى الناس ماذا يريدون ويفتي بهواه، إن أرادوا الأمر مباحاً أباح لهم، وإن أرادوه حراماً حرمه، وإن أرادوا الجواز أجاز لهم، وهذا موجود، بعض الناس يسأل عن مبتغى السائل فيجيبهم، وعالم آخر عالم دولة، ما تملي له السلطات الرسمية بالفتوى فيفتي، يشتري به ثمناً قليلاً، نسأل الله أن يعافينا، والعالم الثالث هو المطلوب، وهو نور لهذه الأمة، وهم ورثة الأنبياء، عالم ملة لا يفتي إلا بما رآه هو الحق في دين الله ، لا يشتري به ثمناً قليلاً، ولو كان الأمر على قطع رقبته، لا يخافون في الله لومة لائم، هذا هو العالم الذي يريده الله ، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠] فإن كان من الناس من أفتى بهواه أو بخلاف شرع الله؛ لأجل غرض من الدنيا، أو هوى يصيبه، فليتق الله، وليتب، وليبين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة:١٦٠] يبين الخطأ الذي وقع فيه، ويفتي بالحق مرة أخرى ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٠] والله قد فتح باب التوبة للناس حتى تطلع الشمس من مغربها. وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 861

أشد ما تجدون من الحر إن من علامات الإيمان أن الإنسان إذا حصل له شيء أو رأى شيئاً أنه يتذكر به يوم القيامة أو الشيء المماثل له في يوم القيامة، فمثلاً إذا جاء الصيف -ومعلوم أن الجو حارٌ فيه- تذكر حر ذلك اليوم وحر جهنم، وحر الشمس عندما تدنو من العباد حتى ما يكون بينها وبينهم إلا قدر الميل. ومثل ذلك إذا رأى المؤمن الأشجار الخضراء والأنهار الجارية، فإنه يتذكر بها الجنة والنعيم الذي فيها، مما أعد الله فيها لأهلها، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

стр. 862

حال أهل النار في النار إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المسلمون: إن الناس في هذه الأيام لعلهم يشتكون من شدة الحر، ولعل هذه الأيام هي أيام فيها عبرة وعظة للعبد المؤمن الصالح، ففي صحيح البخاري (أن النار اشتكت إلى ربها فقالت: يا رب! أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الصيف ونفس في الشتاء، فأشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير) أي: ذلك من نفس جهنم ومن فيحها. وقال ﵊ كما في صحيح البخاري: (أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم). إن ما نجده من شدة الحر، ومن السموم هذه الأيام، إنما هو من نفس جهنم ومن فيحها، وصدق ﵊ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، إن للناس أسباباً مادية يرونها، ولكن فوق هذه الأسباب، أسباب وخلف هذه الأسباب تقدير من الله جل وعلا. ثم -يا عبد الله- اعلم أن هذا الحر الذي لا يطيقه كثيرٌ من الناس إنما يدفعونه عن أنفسهم بثلاثة أمور: إما بماء بارد يشربونه، أو ظل يستظلون به، أو هواء بارد يتكيفون به فيجلسون تحته، واعلم أن النار ليس فيها أي شيء من هذه الثلاث: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة:٤١]. أما الهواء: فهو السموم الحار الذي لا يطيقه أحدهم، والذي يلفح الوجوه ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ [الواقعة:٤٢] الحميم: هو ماؤهم، إذا اقترب أحدهم منه شوى وجهه، وانسلخت فروة رأسه، وهم لا يتحملون شربه؛ بل يصهر ما في بطونهم والجلود، هذا هواؤهم وهذا ماؤهم يفرون إلى أين؟ إلى ظل جهنم يستظلون به: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ [الواقعة:٤١ - ٤٢] ثم الظل ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة:٤٣ - ٤٤] يجلسون تحت ظلها، هل سمعت بظل النار؟ إنه ظل منقطع ذو ثلاث شعب وثلاثة أقسام، يقال: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات:٣٠ - ٣١] لا ظليل: أي لا ينفعهم ذلك الظل، إذا رأيت إلى ظله ليس بكريم، بل لا يغني من لهب جهنم ولا من حرها؛ لأنها تزفر وتشهق وتتطاير منها الشرارة الواحدة كالحصن وكالقصر، منظرها كالجمالة السود التي سماها الله جمالة صفر. عبد الله: هكذا ينجو أهل النار من حرها، إن فيها لحراً يزيد على نار الدنيا بأصناف كثيرة هل لك أن تتصور ذلك الحر؟ عبد الله: في النار يغلون بالأغلال، ويربطون بالسلاسل، ولا أظنك تستطيع أن تتخيل هذا المنظر: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر:٧١] أين يا رب؟ ﴿فِي الْحَمِيمَِ﴾ [غافر:٧٢] الأغلال في الأعناق والسلاسل لُفت عليهم، ثم يسحبون في النار في الحميم، أتعرف ما هو الحميم؟ إنه الذي إذا اقترب من الوجوه شواها حميم الماء الذي قد بلغ من الحر منتهاه لن تستطيع أن تتصوره أو تتخيله، يسحبون وهم مغلولون بالأغلال في الحميم ثم ماذا يا رب؟ ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧٢] ثم بعد أن يمرون على الحميم يحرقون في النار، بم يلتحفون وماذا يفترشون؟ ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌَ﴾ [الأعراف:٤١] ينامون على جهنم، وماذا فوقهم يا رب؟ ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١] أي: يلتحفون بالنار، لم يا رب؟ ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤١] يجوعون فيأكلون النار، وهل رأيت رجلاً يأكل ناراً؟! ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء:١٠] بل يأكلون الغساق والحميم والغسلين والماء الصديد، وهو القيح الذي يخرج من الجروح والنتن الذي يسيل من الفروج ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة:٤١] أي: أي شأن شأنهم؟ وأي أمر أمرهم؟ يا عبد الله: إذا كان الواحد منا لا يتحمل حرارة الشمس وهذه الحرارة هي: نفس من نفس جهنم، كيف -أعاذنا الله وإياكم- بمن يدخلها؟ هل هو يوم أو يومين أو ثلاثة أو أربعة أو سنة أو سنتين؟ إلى ما شاء الله. عبد الله: أتدري ما هو لباسهم أسمعت به؟ إنه من نحاس منصهر يلبسونه ولا يستطيعون الفكاك منه ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم:٥٠] من نحاس مذاب، بل تقطع لهم ثياب إذا رأيتها فهي نار ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج:١٩] ما صفتها يا رب؟ ﴿ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج:١٩]-نعوذ بالله- الثياب من نار، ويأكلون النار، ويستظلون بالنار، وينامون على النار، ويلتحفون بالنار ثم ماذا؟ ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] يا رب! اقض علينا، بل قالوا لله جل علا: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١] هل إلى خروج من سبيل؟ أتعرف من هو أهون أهل النار عذاباً؟ أهونهم وأقلهم وأيسرهم ذلك الذي يقول: صغيرة، وذلك المسكين الذي يقول: أمر هين أيام قليلة ثم نخرج من النار، ذلك الرجل يوضع في قدميه جمرة -وفي رواية: جمرتان- تعرف ماذا يحصل؟ أبعد مكان من الرجل هو الدماغ، يغلي منها دماغه، فإذا كان الدماغ يغلي فتصور ماذا يحصل للبطن، أم ماذا يحدث للفرج؟ أم ما الذي يصيب الرجل إذا كان أبعد شيء في جسده وهو الدماغ يغلي؟ يظن أنه أشد أهل النار عذاباً، تخيلوا يكلمه الله، فيقول له: (يافلان! لو كان عندك ما في الأرض جميعاً أكنت تفتدي به؟ -يخاطب أهون أهل النار عذاباً- فيقول: نعم. يا رب! لافتديت به كله يا رب! فيقول الله جل وعلا له: لقد طلبت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم، طلبت منك ألا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك بي) يخاطب أهون أهل النار عذاباً، حر وجحيم وغساق وغسلين وصديد وحميم ونار، ثم يخاطبون الله جل وعلا ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧] فيرد الله جل وعلا عليهم: ﴿قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] يظن أنه يموت فيؤتى بكبش وهم ينظرون إليه، فيقال لهم: تعرفون هذا؟ يقولون: نعم. هو الموت الحر لا صبر عليه، والجحيم لا صبر عليه، والطعام من ضريع وغساق وغسلين، والنار لا يتحملها أحد، فينظرون إلى الموت ويظنون أنهم ميتون، فإذا بالموت يذبح، ويقال لهم: يا أهل النار! خلود فلا موت، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦] لم يا رب؟ ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] هل ألف سنة، أو ألفي سنة، أو مليون سنة، أو ملايين السنين؟ خلود فلا موت: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [طه:٧٤] أتعرف لم يا عبد الله؟ لأنه أبى إلا الكفر بالله، أمر بالصلاة فما صلى ولا تصدق ولا صام ولا ذكر ربه ، أراد أن يتمتع بالدنيا قليلاً، ثم سمعها: خلود فلا موت. أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 863

حال أهل الجنة في الجنة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. في تلك الساعات أهل النار يعذبون ويحترقون، هناك أناس في نفس هذا الوقت يمرحون في الجنة ويتقلبون أتعرف ما صفاتها؟ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً، يتقلبون في الجنة في أنهار من عسل، وأنهار من لبن، وأنهار من خمر، وأنهار من ماء، بل الأبرار في نعيم في الجنة يفجرون العيون -تتفجر- فيشربون منها ما يشاءون. أما الظلال فبعضها الجواد لا يقطعه في مائة عام ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة:٢٧ - ٢٨] سدر لكنه كثيف ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة:٢٩ - ٣٠] اجلس تحت الظل اجلس على الأنهار، ماذا تريد يا عبد الله؟ ملابسهم من الحرير، ويجلسون على الحرير، ولا يرون إلا أناساً من جمالهم كل يوم يزدادون حسناً وجمالاً، ثم يرسل الله ريحاً تحثو في وجوههم فيزدادون بها حسناً وجمالاً عرقهم المسك يطئونه بأرجلهم، وهناك الكوثر إذا شربوا منه شربة لا يظمئون بعدها أبداً، يرد على هذا النهر طيور أعناقها كالبخت يأكلون منها كما يشاءون، وينظرون إليها كما يشاءون ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢٠ - ٢١] ثم ماذا بعد هذا؟ يدخلون القصور والخيام، هل لك أن تتخيلها وتتصور خيمة طولها ستون ميلاً! لا أظنك تستطيع أن تتخيلها.

стр. 864

الفرق بين أهل الجحيم وأهل النعيم أولئك -أهل النار- يقيدون بالسلاسل، وهؤلاء -أهل الجنة- يجلسون على الفرش. أولئك يأكلون الغساق والغسلين ويشربون الحميم، وهؤلاء يطاف عليهم بآنية من فضة ومن ذهب قد امتلأت بالخمور، وامتلأت بالعسل، وامتلأت بما يشتهون. أولئك يأكلون الضريع الذي قد امتلأ شوكاً تغص به الحلوق، وهؤلاء يقربون ما يشاءون من لحم طير مما يشتهون، وفاكهة مما يتخيرون. أولئك قرناؤهم وأصحابهم الكفار والفجار والضلال والمشركون والمجرمون، وهؤلاء يجلسون مع رسول الله ﷺ ومع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ويوسف وإدريس والأنبياء والمرسلين، ويجلسون مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ويجلسون مع الصالحين. أولئك -أصحاب النار- يفترشون من النار، ويلتحفون من النار، أما هؤلاء فهم على سرر مرفوعة، بطائنها من إستبرق -من حرير- كيف بظاهرها يا عبد الله؟! أولئك يعذبون بحر جهنم وسمومها، وهؤلاء يستظلون بسقف هو عرش الرحمن جل وعلا. أولئك أصحاب النار لا ينظرون إلا إلى خزنة جهنم الذين يستقبلونهم بالمطارق وبالمقامع، أما أولئك فيطوف عليهم غلمان مخلدون: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة:١٨] ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً﴾ [الإنسان:١٩]. وفي كل جمعة ينظرون إلى الرب جل وعلا فينسون به نعيم الجنة كله. عباد الله: إن الفرق بين أولئك وهؤلاء أن أولئك إذا أكلوا فمن الربا، أما هؤلاء فيقصرون طعامهم وأموالهم على الحلال. أولئك إذا استيقظوا فإنما يستيقظون لدنياهم ولمعاشهم أما أولئك فإذا استيقظوا فلصلاة الفجر، وإذا ذكروا فأكثر ما يذكرون الله، وإذا تعلقت قلوبهم فبالله، وإذا سألوا فيسألون عن الحلال والحرام. أولئك -أهل النار- يعاشرون وهؤلاء أهل الجنة يعاشرون. أما أهل النار فيعاشرون بالحرام زناً ولواطاً، أما أهل الجنة فيعاشرون بالحلال مما أباح الله لهم من الأزواج وملك اليمين. أولئك أهل النار -يا عباد الله- أبوا إلا شراب الدنيا أبوا أن يتعاطوا إلا المخدرات، أما أولئك فيشربون من اللبن والعسل، ومن جميع أنواع المشروبات في الدنيا مما أباح الله، لهم صبروا على الحلال وعلى طاعة الله. أولئك -أصحاب النار- يسجدون لشهواتهم، ويركعون للذاتهم، ويتبعون شهواتهم، أما أهل الجنة فإنهم يسجدون لله، ويركعون لله، ويستجيبون لله فهل بين الفريقين مقارنة يا عباد الله؟ ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠] نعم والله! ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] فالتلفاز والأغاني والربا والنساء والمعاش هذا مما يصد عن طريق الله وعن عبادة الله. عبد الله: اصبر على طاعة الله، وتحمل فإنما هي أيام قلائل، وإنما هي سنوات تمضي كلمح البصر، وإنما هو عمر واحد والنفس تخرج فلتة. اصبر -يا عبد الله- واسمع خاتمة صبرك ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤]. أعود فأقول: إن هذا الحر لن يمر على عباد الله الصالحين هكذا، ولن يمشوا في حر الشمس هذه الأيام إلا ويتذكرون حر جهنم ويتذكرون زمهريرها يتذكرون يوماً تتقطع فيه القلوب، بل تبلغ إلى الحناجر من شدة الخوف، إن جهنم تزفر زفرة واحدة لا تبقي أحداً إلا وقد خاف منها تتقطع قلوبهم يبكون الدماء من شدة الندم والحسرة. إن عباد الله يمرون في الشمس هذه الأيام إن تذكروا فإنما يتذكرون حر جهنم فيبتعدون عن المعاصي ويقبلون على الطاعات. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اللهم أعداء الدين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات. اللهم إنا نسألك الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول وعمل.

стр. 865

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن المؤمن الصادق هو الذي يهتم بأمور المسلمين؛ فيفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، ويعمل جاهداً على إصلاح أحوالهم ومن الأمور التي ينبغي الاهتمام بها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا ما تحدث عنه الشيخ؛ موضحاً أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات المؤمنين، ومذكراً بحال السلف الصالح مع هذا الأمر. وقد أعقب ذلك ببيان عاقبة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم ذكر أموراً يحتاج إليها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

стр. 866

الاهتمام بأمور المسلمين إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله ﵎، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة المسلمون: إن الله جل وعلا جعل هذه الأمة وأخرجها لا لتعيش بنفسها ولنفسها؛ بل لتعيش للناس، وجعل الفرد المسلم الصادق المؤمن المخلص هو الذي يعيش لأمته، لا ليعيش لنفسه فقط ليأكل ويشرب، وينكح وينام، ويلبس ويلهو، ثم يموت فينقل إلى القبر فيدفن. إن العبد الصادق هو الذي إن قام فإنه يقوم لأمته، وإن فكر فإنما يفكر لهمها، ويغتم لغمها، ويفرح لفرحها، ويحزن لحزنها، فإن مات مسلم بالشرق أو بالغرب فكأن قطعة من جسده قد بترت، وإن نكب أحد من المسلمين بنكبة فكأنما أصابته، وهو في نفسه يشعر بها: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد) بل وصف الله المؤمنين فقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] ما فعلهم؟ وما دورهم في الدنيا؟ قال: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] لا يرضون بالمنكر أياً كان، وممن كان، وكيف كان سواء أنكر بقلبه وذلك أضعف الإيمان، فيكفهر الوجه، ويغضب ويتلون إذا مر بالمنكر وذلك أضعف الناس إيماناً، أو ينكر بلسانه أو بيده إن لم تكن هناك مفسدة أكبر.

стр. 867

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات المؤمنين إن المؤمن حقاً هو الذي يركض إلى المنكرات ويسعى إليها ليغيرها، قال الله جل وعلا: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس:٢٠] من أبعد مكان في المدينة هل يركب حماراً أو دابة أو سيارة أو طائرة؟ لا والله، بل يركض على رجليه، هل تعرفون لماذا؟ لأن هناك منكراً قد أصاب الناس ووقعوا فيه ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٢٠] يا قوم! ما لي أراكم لا تصلون يا قوم! ما لي أراكم تأكلون الربا، وتنتهكون الحرمات يا قوم! ما لي أراكم تعرضون عن الذكر وعن الأذان والصلاة! ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢١] ثم بعد هذه النصائح قتلوه؛ لأنه أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وبعض الأحيان يضرب ويقتل الدعاة، ويسفهون، ويسجنون، والداعية لا يبالي بالعواقب، إنما يبالي إن أمر بمعروف أو نهى عن منكر. فلما قتل انظر ماذا حصل له؟ بعثه الله، فماذا قال؟ ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس:٢٦] لا يزال يفكر في قومه، ويهتم بهم ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧]. يا ليتهم يعلمون بالمغفرة وبالإكرام فيؤمنون مثلما آمنت، ويسلمون مثلما أسلمت، ويستجيبون لله كما استجبت لا يزال يفكر في قومه وإن قتلوه. إن كثيراً من الناس في هذا الزمان إن قلت له: يا فلان! أراك رجلاً صالحاً لكنك لا تأمر بالمعروف ولا تنهى عن المنكر! يقول: السلامة السلامة السلامة السلامة، ولا خير من العافية، أجلس في البيت وآكل وأشرب، وأصلي وأسجد وأركع، والحمد لله على العافية.

стр. 868

السلف الصالح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر انظروا -يا عباد الله- إلى منهج سلفنا الصالح كيف كانوا يعيشون؟ ولمن كانوا يعيشون؟ إن قدوتهم هو حديث النبي ﷺ : (نضر الله امرءاً سمع مني مقالة -حديثاً واحداً- فبلغه، وفي رواية: سمع مقالتي فبلغها، فربَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع) لعل الذي تخبره وتعلمه وتدعوه إلى الله يكون أوعى وأفهم منك، ويستجيب أكثر منك. هذا الخرقي ﵀؛ صاحب متن المغني، الذي يقرؤه كثيرٌ من طلبة العلم، وأين هم عنه؟! هذا الرجل أتعرف كيف مات؟ لقد مات بمنكر أنكره في دمشق، فضربه الناس فقتلوه، هكذا كانت موتته. وهذا أبو بكر النابلسي ﵀ أحد العلماء الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، كان لا يخاف في الله لومة لائم، كان يصدع بالحق وبما يؤمر ويعرض عن المشركين، فاستدعاه الحاكم الفاطمي فقال له: سمعنا أنك تقول: من كان له عشرة أسهم فليرمِ النصارى بتسعة ويرمينا بواحد، أصحيح ما يقال عنك؟ قال: لا والله، هذا غير صحيح، لم أقل هذا. قالوا: فماذا قلت؟ قال: قلت: من كان عنده عشرة أسهم فليرم النصارى بسهم، وليرميكم بتسعة أسهم -ولم يخف في الله لومة لآئم- فجيء بيهودي أشد الناس عداوة للمؤمنين، فصلب هذا الرجل، وعلقه على خشبة أمام الناس، وأمر اليهودي بسلخه وهو حي، فبدأ يسلخ الجلد من رأسه وهو حي، ثم من وجهه وهو حي، حتى وصل إلى صدره، وكان هذا الإمام يقرأ وهو يسلخ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾ [الأحزاب:٦] فرأف اليهودي لحاله فطعنه بخنجرٍ في قلبه فمات، أتعرف لماذا؟ لكلمة حق قالها، لأمر بالمعروف ولنهي عن المنكر. ألا يا من ينشدون السلامة! ويريدون العافية! أتعرف ما مصير أولئك؟ ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس:٢٦] * ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٧]. ألا يا من يخاف أنه إذا أمر بالمعروف على وظيفته! ألا تعلم أن رب الأرض والسماء قد قدر لكل نفسٍ رزقها، ما من نفسٍ منفوسةٍ تموت حتى تبلغ أجلها ورزقها، لا ينقص من أحدٍ حبة ولا درهم ولا دينار. اسمع إلى الإمام القاضي محمد الحبلي عليه رحمة الله جاءه الأمير، فقال له: إن الناس غداً سيفطرون في ليلة الثلاثين من رمضان، فقال رحمة الله عليه: لم نر الهلال، قال: ولكن المنصور كتب إلينا أن نفطر غداً، وتقوم وتصلي بالناس. قال: لم نر الهلال، وديني ومبدئي وعقيدتي هو حديث رسول الله ﷺ : (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) وكان يشير إلى أهل الحساب، فلما كان الصباح أمره فلم يخرج، ودعوه فما استجاب، فأخذ الأمير أحد الناس فصلى بهم، وكتب إلى المنصور أن فلاناً فعل كذا وكذا وحرض الناس، فجاء المنصور بهذا الرجل وأوقفه أمامه، وقال له: تنصل وأعفو عنك -أي: اعتذر- قال: لا والله لا أعتذر. فصلبه المنصور، فأخذه العطش والناس ينظرون إليه ولا يستطيع أحد منهم أن يقترب منه، فأحرقته الشمس وهو يتعذب، ويستغيث بالماء ولم يغاث، حتى مات هلكاً من الجوع والعطش أمام الناس مصلوباً معلقاً. قال أبو بكر ﵁: (يأ يها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه -والظلم درجات، أعلاه الشرك بالله، فتارك الصلاة ظالم، ومن يأتي العرافين والكهنة ظالم، وآكل الربا ومن يعمل المعاصي ظالم، والزاني ظالم، وآخذ الرشوة ظالم، والمجاهر بالفسق والمعاصي ظالم- أوشك الله أن يعمهم بعقابٍ من عنده) والحديث صحيح موقوف وله حكم الرفع. عباد الله: نعم والله، إن حكم الله في هذه الأمة هو في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] ليس لنفسها إنما هي للناس لماذا؟ ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] فخيرية هذه الأمة وأفضليتها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أقول هذا القول، وأستغفر الله.

стр. 869

ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تشبهٌ بالمنافقين الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: يشبه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أولئك الذين يتخلفون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إيثاراً للسلامة، يشبههم بالمنافقين، يقول: فهو كما قال الله في المنافقين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ [التوبة:٤٩] أتعرف لم؟ ﴿يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة:٤٩] أخاف الفتنة أخاف الضرب والشتم، لا تتمنوا لقاء العدو، ويعتذر بتلك الأعذار، يشبهه شيخ الإسلام بالمنافقين، قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة:٤٩]. أي فتنة أكبر من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! أي فتنة أعظم من ترك الجهاد باللسان والسنان؟! أي فتنة أعظم من ترك جزءاً من الدين وشعيرة من أعظم شعائره؟!

стр. 870

ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة طلب العلم عباد الله: من الناس من يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة طلب العلم، حتى يصبح عالماً حتى يصبح شيخاً، وكأنه غفل أو تغافل عن حديث رسول الله ﷺ : (بلغوا عني ولو آية) ولو ذكرته بها لصد عنها صدوداً، ولتأول لها تأويلاً، ولاعتذر لها واختلق لها الأعذار، ولو قلت له: إن أقل العلم الواجب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي آية تعلمها فتبلغها، أو حديثاً (نضر الله امرءاً سمع مني مقالة فوعاها، فبلغها كما سمعها، فرب مبلَّغٍ أوعى من سامع) فأقل العلم حديثٌ أو آية تبلغها في الناس؛ لا اعتذار بأعذار، وتوهم توهمات، وتأول تأولات، فجلس ونكص وتخلف مع الخالفين، وقعد مع القاعدين: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧] ولا يرضى بهذا، بل يثبط الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فإن قام قائلٌ منهم قال: هذا جاهل، وإن تكلم أحدهم قال: اطلب العلم ثم ادع إلى الله، وإن تصدى أحدهم قال: أنت فيك كذا وكذا فلا هو الذي أمر بالمعروف، ولا هو الذي نهى عن المنكر، ولا هو الذي ترك غيره يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قال ﵊: (لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن ينزل عليكم عقاباً من عنده ثم تدعونه فلا يستجاب لكم). ولابد للداعية من ثلاثة أمور: أولاها: العلم. فلا تدعو إلى الله بمسألة إلا وأنت تعلمها، ولا يشترط أن تكون عالماً، بل كل مسألة تأمر فيها وتنهى عنها لا بد أن يكون لك فيها علم. ثانياً: الرفق والتدرج والبدء بالأهم فالأهم. ثالثا: الحلم، قال : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك﴾ [آل عمران:١٥٩] ولو كنت فظاً -يا رسول الله- غليظ القلب لانفضوا من حولك، فعليك بالشفقة على الناس، واللين معهم، وإياك والقعود والنكوص عن هذه الشعيرة، ولنحييها فينا جميعاً، ليقم كلٌ منا مع أخيه، اثنان أو ثلاثة يتجولون في الأسواق، أو المنتديات، أو الدواوين، أو المجالس، أو النوادي، يهدونهم الأشرطة والكتيبات، ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، وينصحونهم ويعظونهم. نعم يا عباد الله! هكذا لنحيي هذه الشعيرة ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيب الدعوات. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اللهم أعداءك أعداء الدين. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. أقول هذا القول، وأقم الصلاة.

стр. 871

الخوف من الله إن من أعظم الأسباب التي جعلت المسلمين يتهاونون في ارتكاب المعاصي ويكثرون منها هو قلة الخوف من الله ، ونسيان عظمته ، ونسيان ما أعده الله لمن عصاه ولم يقم بما أمر به، والناظر في حال السلف وما كانوا فيه من شدة الخوف من الله يرى الفرق كبيراً بيننا وبينهم، فقد كانوا كثيري العبادة ومع ذلك يخافون من الله أشد الخوف ألا يقبل أعمالهم، ونحن بالعكس منهم فقد كثرت ذنوبنا وقل خوفنا من الله واستشعار مراقبته.

стр. 872

سبب ارتكاب المعاصي والتهاون بها إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله ﵎، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد: أيها الإخوة الكرام: إن كثيراً من الناس يجترئ على الذنوب والمعاصي، ويتهاون في الواجبات ويتساهل بها، وإذا فعل أكبر الكبائر كأنما ذباب وقع على أنفه، فقال به: هكذا وطار، وكأن الأمر هين وسهل إذا ترك الصلاة ضحك، وإذا ارتكب الحرام فرح، وإذا تهاون بالواجبات كأنه لم يفعل شيئاً، أما إن خالف غيره من البشر فالأمر شديد، والهول كبير، ويخاف أن تصدر عليه عقوبة؛ فلا ينام الليل، وأما أن يتذكر عذاب الله فلا. أيها الإخوة: إن المقام الذي ينقص هذا هو مقام الخوف من الله جل وعلا فقد قلَّ في كثيرٍ من المسلمين -إلا من رحم الله- الخوف من الله؛ فتجده يرتكب المحرمات، ثم يقولها وبكل سهولة: أستغفر الله وهو يضحك، القلب لا يندم، والعين لا تدمع، والخوف لا يوجل في قلبه ولا يدخل قلبه، ما السبب؟ إنه لا يخاف من ربه جل وعلا.

стр. 873

شدة خوف السلف من الله قال الله جل وعلا واصفاً عباده المؤمنين: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٦ - ٣٧] تعرفون لماذا؟ لأنهم كانوا يجلسون في بيوت الله، ويحافظون على الصلوات الخمس، ويؤدون الفرائض، قال: ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧]. كان ابن مسعود ﵁ جالساً، فسمع أحد أصحابه يقول: ما أود أن أكون من أصحاب اليمين، إنما أود أن أكون من المقربين -لأنهم أعلى درجة من أصحاب اليمين- فقال ابن مسعود أحد أصحاب النبي ﷺ : [أما أن هاهنا رجلاً يود أنه إذا مات لم يبعث -يعني: نفسه- أود أنني إذا مت لا أبعث، وددت أنني شجرة تعضد] شجرة ثم تزول وتهلك كما تهلك الأشجار، ولا أبعث عند الله يوم القيامة، ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧]. هذا اليوم الذي كان يبكي منه أسلافنا، حتى كان أحدهم إذا أراد أن ينام لا يستطيع النوم ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً﴾ [السجدة:١٦] خوفاً من ذلك اليوم ﴿خَوْفا ًوَطَمَعاً﴾ [السجدة:١٦]. يقول بعضهم: "ما رأيت مثل الحسن -أي: البصري - وعمر بن عبد العزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما". وبكى بعضهم قبل الوفاة بكاء شديداً فبكت أمه، قال: ولم تبكين؟ قالت: لبكائك يا بني! قال: أما إني أبكي لخوف المطلع عند الله جل وعلا في ذلك اليوم. بل إن بعضهم كـ سفيان الثوري وغيره كان إذا ذكر عنده الموت كان من شدة خوفه يبول دماًَ، أجلكم الله. ما بالنا -يا عباد الله- الواحد منا يرتكب المحرمات إلا من رحم الله، وبعضنا يرتكب المنكرات العظام بل أكبر الكبائر والأمر عنده هين، والخطب سهل لماذا؟ لأن الخوف من الله جل وعلا لم يخالط قلبه. عبد الله! أراك لا تصلي الفجر في الأسبوع إلا مرة، ولا تتذكر العصر إلا بعض الأحيان، وأراك تستمع بعض الأغاني، وتقع في غيبة بعض الناس، ثم لو سئلت قلت: إن ربي غفور رحيم. اسمع إلى سلفنا كيف كانوا يخافون من الله جل وعلا: قال الحسن البصري: " سمعت أن هناك رجلاً يخرج من النار بعد ألف سنة " يقول الحسن: (قيل لي، وروي، وسمعت): أن رجلاً يخرج من النار بعد ألف سنة أي: بعد أن يمكث في النار، قال: " وددت أنني ذلك الرجل" أي: أود وأتمنى أني أمكث في النار فقط ألف سنة. عباد الله! هل وصلنا إلى هذه الدرجة؟ أم أن الواحد منا قد ضمن نفسه مع أنه لا يصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة في بيوت الله؟ والصلاة ما كان يتركها إلا المنافقون في عهد النبوة، وكان الذي يصلي الجماعة يخاف على نفسه من النفاق. عباد الله! هل وصلنا إلى هذه الدرجة من الخوف؟ الواحد منا يعطي من نفسه ويقوم الليل ثم يخاف من عذاب الله جل وعلا. يقول عروة بن الزبير: كنت أبيت، ثم إذا غدوت أبدأ ببيت عائشة فأسلم عليها -أول بيت في الصباح أسلم عليه بيت عائشة - يقول: فقدمت عليها يوماً فإذا هي قائمة تصلي وتبكي -لعله قبل الفجر، ولعله في الضحى، ولعله في وقتٍ من الأوقات- قال: قائمة تبكي وتقرأ قول الله جل وعلا: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] فنظرت إليها تبكي، فأعادت الآية مرة أخرى ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] فانتظرت فأعادت الآية مرة ثالثة ورابعة وخامسة وأخذت تعيدها وتبكي، فقلت: أذهب لأقضي حاجة لي فأرجع، قال: فذهبت، ثم رجعت بعد زمن، فنظرت إليها قائمة تردد نفس الآية وتبكي ﵂ وأرضاها. بعضهم يا عباد الله! كان يقوم الليل فيبكي بعد القيام حتى الصباح يستغفر الله تعالى على تقصيره، ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨]. كانوا يستغفرون من تقصيرهم في قيام الليل، لا من عدم قيامهم لصلاة الفجر، ولا من ارتكابهم للمحرمات، ولا من سهرهم على الأغاني والمسلسلات، لا والله، يقومون الليل ثم يستغفرون الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] بعضكم يقول: هؤلاء الزناة، وهؤلاء شاربو الخمور، يجب أن يخافوا من الله، وقد قالت عائشة: هم الزناة؟ هم شاربو الخمور؟ وهم الذين يفعلون ويفعلون؟ فقال النبي ﷺ : (لا يا بنة الصديق! هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون ألا يتقبل منهم) يخافون من الله جل وعلا أن يأتي يوم القيامة فيجعل أعمالهم هباء منثوراً، صلاتي يا رب صيامي صدقتي حجي وعمرتي جعلها الله هباء منثوراً؛ لأن للأعمال محبطات، لا تظن أنك إذا عملت العمل انتهى كل شيء! لا والله، المشقة كل المشقة في المحافظة على هذا العمل، كيف تحافظ عليه حتى تلقى الله؟

стр. 874

محبطات الأعمال ألا تعلم -يا عبد الله- أن هناك أعمالاً تحبط هذا العمل، منها: أن تختلي بمحارم الله؛ تجلس في البيت، أو في المجلس، أو الغرفة، أو السيارة، أو تسافر إلى بلاد الغرب فتنتهك محارم الله، قال ﵊: (فيجعلها الله هباء منثوراً) أي: الصيام والصلاة والصدقة والحج والبر كله، يجعلها الله هباء منثوراً. رأى عمر رجلاً من الرهبان عليه أثر العبادة، انقطع عن الدنيا لا يعرف غير الله -الرهبان من النصارى وغيرهم يعبدون الله جل وعلا طوال حياتهم لكن على ضلال- فبكى عمر، فقيل له: وما يبكيك يا أمير المؤمنين! قال: [تذكرت قوله جل وعلا: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٣ - ٤]] عاملة في الدنيا وتنصب، وتشقى في العبادة، ثم تلقى يوم القيامة عذاباً أليماً ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١]. قال ابن عمر لأبيه بعد أن تصدق بدرهم: [تقبل الله منك يا أبي! قال: يا بني! لو علمت أن الله تقبل مني سجدة واحدة أو صدقة بدرهم، لم يكن غائبٌ أحب إلي من الموت] لو أن الله تقبل مني درهماً، أو سجدة كان أحب شيء إلي الموت. عباد الله: لنكن صادقين مع أنفسنا، لنضع أعمالنا في الموازين طاعاتنا وطاعاتهم؛ نضع طاعاتنا وطاعاتهم في الميزان، ثم نقيسها، ثم لنضع خوفنا من الله وخوفهم من الله جل وعلا في الميزان، من منا يخاف من الله أكثر؟ ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]. كان مالك بن دينار عليه رحمة الله يقوم الليل قابضاً على لحيته وهو يبكي ويقول: "يا رب! يا رب! قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار، ففي أي الدارين مالك؟ " يصلي ويبكي ويقبض على لحيته وهو يقول: " ففي أي الدارين مالك يا رب " وكأنه يتمثل قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [السجدة:١٦] لا يستطيع النوم، بل لا يهنأ له بال، خوفاً من الله. انظروا إلى كثير من المسلمين قطعٌ للأرحام، وعقوقٌ للوالدين وهي من الكبائر، وربا، ونظر، واستماع للحرام، ثم سل عنهم في بيوت الله لا ترى منهم إلا القليل، ثم بعد هذا إن حادثته قال: إن ربي غفور رحيم، غفلة وأي غفلة، ويخبر الله عن الناس إذا لقوا ربهم جل وعلا، قال: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ [ق:٢٢] يوم القيامة ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]. يا عبد الله! كن صادقاً مع نفسك، حاسبها قبل أن تحاسب، لا تنظر إلى من حولك فأكثر الناس في غفلة، لا تنظر يمنة ويسرة، حاسب نفسك قبل أن تحاسب، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨]. إن الله خبير بتلك الليلة عندما أذنبت ثم بكيت، وقلت: يا رب! أستغفر الله، يا رب! تبت إليك، يا رب! عاهدتك، إن الله خبير بتلك اللحظة عندما أصبت بالمصيبة، فقلت: يا رب! يا رب! لئن كشفت عني الضر لأومنن لك، ولأستجيبن لك، ولأعملن وأعملن، أين أنت الآن؟ تظن أن الله ينسى؟ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥٢] تظن أن الله غافل؟ لا والله، ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢] إذاً ما الذي جرأك على الله؟ ما الذي جرأك على عقوبة الله؟ كن صادقاً، وحاسب نفسك قبل أن يحاسبك الله جل وعلا، واعلم أن الله تعالى بعد التوبة غفارٌ لمن آمن وعمل صالحاً ثم اهتدى. أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 875

سبب الخوف من الله الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: تقول لي -يا عبد الله- مم أخاف؟ ولم أخاف؟ أقول لك: يا عبد الله! لأن وراءك أياماً طويلة، لم تستعد لها، فالويل شديد، والكرب عظيم. سأل أحدهم أحد الصالحين قبل الوفاة فقال له: كيف تجدك؟ قال: كأن السماء قد أطبقت على الأرض وأنا بينهما، وكأن نفسي يخرج من ثقب إبرة. وأحد الصالحين يقول: كأني أنشر بالمناشير. وبعضهم يقول: كأن شوكاً يمر من أخمص قدمي إلى أعلى رأسي. وكان بعضهم يبكي قبل الوفاة وهو يقول: لا أدري إلى أين يلقى بي. بكى أبو هريرة قبل الوفاة فقيل له: وما يبكيك؟ فقال: [قلة الزاد، وبعد السفر، وضعف اليقين، وخوف الوقوع من الصراط في النار]. عبد الله! وراءك لحظة سوف تجلس فيها ولا شك، إلا إن كان الله قد استثناك في القبر وحدك لا أنيس ولا جليس، فيقول لك الملكان: من ربك؟ هل حقاً تنام على ذكر الله؟ وتستيقظ لله؟ وتقوم لله؟ وتصلي لله؟ وتركع لله؟ وتسجد لله؟ فيسأله الملك: من ربك؟ فيقول الغافل: هاه هاه لا أدري، ما دينك؟ هاه هاه لا أدري، ماذا تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقال له: أن كذب عبدي، فافرشوا له فرشاً من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، تظن الأمر يوماً أو يومين، أو سنة أو مائة سنة، لا يا عبد الله! لعل الأمر إلى قيام الساعة يفرش له فراش من النار، ويأتيه من ريح النار وسمومها. يا عبد الله! تقول لي: لم أخاف؟ أراك تجترئ على النظر إلى النساء، ثم بعدها لا تعلم أن بينك وبين الله موقفاً سوف تقف بين يديه، وأنه سائلك عما فعلت، فيقول: عبدي! تذكر ذنب كذا عبدي! تذكر تلك الخطبة تذكر ذلك الشريط تذكر ذلك الموقف تذكر تلك الدمعة، ما أراك قد استقمت على ما أردت يا عبدي! ما أراك قد استجبت لما أمرتك، ولا انتهيت بأمثالك عما نهيتك. ثم يا عبد الله سوف تسمع -إن كنت من الغافلين- يوماً من الأيام النار تجر لها سبعون ألف زمام، مع كل زمامٍ سبعون ألف ملكٍ يجرونها، فهلا أعددت لذلك اليوم؟ النار ترمي بشررٍ كالقصر -شرارتها بحجم القصر- ما بالك بها؛ أما هي فهي مظلمة، وأما حرها فشديد، ضعفت عن نار الدنيا سبعين مرة. يا من يفتح التلفاز ولا يبالي، وينظر إلى النساء والمسلسلات والأغاني، ضع إصبعك على النار هل أراك تتحمل؟ إن النار التي أعدها الله تَعْدل سبعين ضعفاً عن نار الدنيا. يا من لا تتحمل إصبعاً في النار كيف تتحمل أن يشوى الجسد كله؟ ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المعارج:١٥ - ١٧] تعرف ما معنى نزاعة للشوى؟ أي: ينفصل اللحم والعظم من شدة حرها. عبد الله! يجوعون فيها ويعطشون، فيقرب إليهم الغساق والغسلين والحميم والضريع وغيرها من طعام أهل النار أتعرف ما هي؟ صديدهم وقيحهم وما يسيل من فروج الزواني والزانيات، وما يخرج من قيحهم وصديدهم وما يسيل من جلودهم يأكلونه من شدة الجوع. عبد الله! الحياة واحدة، والأمر لا ثاني له، والفرصة واحدة، والموت يأتي بغتة، وملك الموت لا يستأذن، حتى لا تأتي يوم القيامة فتقول: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦] لا تبكي يوم القيامة وتعض على كلتا يديك من الندم وتقول: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان:٢٨ - ٢٩] حتى لا تأتي فتقول: ليتني كنت تراباً، ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ [النبأ:٤٠]. يا عبد الله! كن صادقاً مع نفسك، ولا تخرجن من هذا المسجد إلا وقد حاسبت نفسك، فتتوب من المعاصي والذنوب، ولعل هذه هي الفرصة الأخيرة، ولعل هذه هي الخطبة الأخيرة وأنت لا تدري، ولعل الشمس لن تغرب عليك، ولعلك لن ترى أهلك بعد هذه اللحظة. ما يدريك -يا عبد الله- فالموت يأتي بغتة، والنفس تخرج فلتة، وملك الموت لا يستأذن، والعمر واحد، والله لا يضل ولا ينسى. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اللهم أعداء الدين. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. أقول هذا القول وأستغفر الله.

стр. 876

أصحاب الكهف لقد ذكر الله تعالى في كتابه الحكيم العديد من القصص والحوادث، ولم يذكرها للتسلية أو للقضاء على الفراغ، إنما ذكرها لتكون لنا عبرة وعظة. ومن هذه القصص: قصة أصحاب الكهف، الذين رفضوا العيش مع قوم لا يؤمنون بالله، فتركوهم وذهبوا إلى كهف ليسكنوا فيه، وهناك بدأت معجزتهم التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم.

стр. 877

قصة أصحاب الكهف إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أيها الإخوة المسلمون: معنا في هذه الخطبة قصة من قصص القرآن، ذكرها الله في كتابه، واستحب رسوله ﷺ قراءتها في كل أسبوع، وقد سمى الله تعالى السورة بها إنها قصة من أعظم القصص، فيها عبر وفوائد، وفيها ثمرات لمن أيقن بها يجدها في قلبه، فاسمعها يا رعاك الله إنها قصة أصحاب الكهف، هذه القصة العظيمة التي ذكرها الله من أجل سؤال سأله النبي ﷺ عنهم، فلم يجبهم إلا بعد أن أنزلها الله ، فاسمعها ولنقرأها عليك، وتصور -يا عبد الله- هذه القصة، وتخيل أنك أحد هؤلاء الفتية الذين قص الله علينا قصتهم! قال الله في بداية هذه القصة، مادحاً نفسه، ومثنياً عليها بأنه يقص هذه القصة بالحق، وليس بالهزل، أو الكذب، أو الافتراء؛ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف:١٣] وقد ابتدأت هذه القصة بالثناء على أصحابها وأبطالها: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الكهف:١٣] لم يكونوا شيوخاً - كباراً في السن- إنما كانوا فتية صغاراً في السن، ولكن الله خلد ذكرهم. ما شأنهم يا رب! وما قصتهم؟ إنهم آمنوا بالله جل وعلا رأوا قومهم يعبدون الأصنام والكواكب يعبدون غير الله جل وعلا، ويشركون به ، لكنهم آمنوا بالله، فاستجابوا لهذه الفطرة، واستجابوا لله جل وعلا؛ فكانت أعظم فضيلة لهم أنهم آمنوا بالله: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الكهف:١٣] هل تركهم الله لوحدهم؟ لا ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ [الكهف:١٣] ولكن الله زادهم إيماناً وتقوى وهدى، ولم يكن هذا فقط؛ بل قال: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف:١٤] ثبتهم الله جل وعلا، وزادهم إيماناً وثباتاً.

стр. 878

إنكار أصحاب الكهف لما عليه قومهم من الشرك بالله هل جلسوا بين قومهم؟ هل رضوا بهذا الشرك؟ هل رضوا بهذه الأصنام التي تعبد من دون الله؟ لا. بل قاموا من مكانهم، ولم يتحمل أحدهم أن يجلس بين قومه ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ [الكهف:١٤]. نظروا إلى قومهم فأنكروا، ونظروا إلى شركهم فاستنكروا: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ [الكهف:١٥] ليس الأمر بالادعاء ولا بالكلام، من يصف الله بأنه يشرك به شيئاً يشرك به في الألوهية، أو في أسمائه وصفاته، أو بالربوبية، أو يشرك به في الحكم الذي تفرد الله به؛ فليأت بسلطان بين فليأت بدليل يثبت ما ادعاه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ [العنكبوت:٦٨]. لم يتحملوا الوضع، ولم يتحملوا الشرك، وتلك الأصنام، ولا هذه الطواغيت، فقاموا من مكانهم، وهربوا من مجتمعهم، واعتزلوا الناس إلى أين؟ ذهبوا كلهم إلى أحد الكهوف المظلمة خرجوا من القصور إلى أحد الكهوف خرجوا من الترف والنعيم وزينة الدنيا إلى كهفٍ من الكهوف، يجتمعون فيه. نعم! إنه الإيمان الذي لا يسمح لذلك المؤمن أن يجلس بين الشرك، إنه الإيمان الذي لا يرضى لصاحبه أن يرضى بهذا المنكر، وتلك المنكرات ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف:١٦] إنه الكهف المظلم إنه المكان الموحش، لكن الله جعله مفاجأة لهم؛ إن الكهف المظلم قد أصبح كهفاً فسيحاً، ذلك الكهف المظلم ألقى الله فيه النور، فأصبح من الإيمان جنة من الجنان فأصبح من الإيمان الذي دخل في القلوب جنة يعيشون ويتقلبون فيها، أخرجهم الله من القصور ليدخلوا تلك الكهوف، ومن رحمته أن جعل هذه الكهوف أفضل وأجمل وأسعد لهم من تلك القصور ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً﴾ [الكهف:١٦].

стр. 879

وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود دخلوا ذلك الكهف، فجلسوا، وإذا بالتعب يصيبهم، والنعاس يرهقهم، فاضطجعوا في ذلك الكهف، فأرسل الله عليهم النعاس والنوم، وتخيل هذا المنظر! هل ينامون يوماً أو يومين أو ثلاثة؟ تطلع عليهم الشمس فتبدي عليهم من نورها، ثم تغرب عليهم وينتهي ذلك اليوم وهم نيام ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف:١٨]. الأعين مفتوحة وهم نيام، ليسوا بثابتين ولا ساكنين، بل يتقلبون يمنة ويسرة، والشمس تطلع عليهم وتغرب، ولهم كلب نائم عند الباب بالوصيد، حتى يرعب من يدخل عليهم؛ حماية من الله جل وعلا، وإذا رأيت منظرهم أصابك الخوف، ولو اطلعت عليهم لملئت منهم رعباً ما هذا المنظر العجيب؟ وما هذا الموقف الرهيب؟ الشمس تطلع عليهم وتغرب، وإذا رأيت إلى منظرهم كأنهم أيقاظ لكنهم رقود، قال الله جل وعلا واصفاً ذلك المنظر: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ [الكهف:١٧ - ١٨].

стр. 880

ظهور أمر أصحاب الكهف واختلاف الناس فيهم إنها آية من آيات الله، وعلامة من علامات قدرة الله جل وعلا؛ أن ترى رجلاً نائماً وليس بنائم، وتراه يقظاناً وليس بيقظان، والكلب عند الباب، والشمس تطلع عليهم وتغرب، وفي لحظة من اللحظات يأذن الله جل وعلا، للأرواح أن ترجع، فإذا الأجساد تتحرك مرة أخرى، فتهتز من بعد موتها: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾ [الكهف:١٩]. فإذا بهم يقومون يتساءلون بينهم! يقول أحدهم: كم يوماً نمنا؟ وكم ساعة لبثنا؟ فيرد عليه الآخر فيقول: نمنا يوماً كاملاً نمنا يوماً طويلاً، فرد الآخر فقال: لا. بل نمنا بضع يوم عشية أو ضحاها، قال لله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩] فإذا الجدال عقيم، وإذا النقاش لا ينفع، وإذا الكلام لا يفيد، فردوا أمرهم إلى الله ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩] هذا أمر لا ينفعنا، لقد أهلكنا الجوع والعطش، ونريد طعاماً؛ فأخرجوا قطعاً من فضة ليشتروا بها طعاماً، وقالوا لأحدهم: اذهب بهذا المال إلى أسواق المدينة، وادخل مخفياً متلطفاً برفق لكي لا يشعر بك أحد؛ فإنهم إن شعروا بك وقبضوا عليك فسوف يرجموننا ويقتلوننا، إلا أن تعود في دينهم. وهذه هي حال الطغاة، وتلك هي أحوال الظلمة، وهذه هي المجتمعات الظالمة، لا ترضى أن يبقى على دينهم، ولا ترضى أن يبقى الصالحون على منهجهم، بل إما الرجم أو أن يعودوا في ملتهم ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ [الكهف:٢٠]. واسمع إلى سياق القرآن كيف يصف الله جل وعلا خبره، ويقص علينا قصصه! ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾ [الكهف:١٩] إياكم إياكم أن يظهروا عليكم! ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ [الكهف:٢٠] أتعرف ما هو الرجم يا عبد الله؟ إنه الرمي بالحجارة؛ أن تحفر لهم الحفر، فيرموا بالحجارة حتى الموت، لماذا؟ لأنهم آمنوا بالله يُسجنون ويُقتلون ويُعذبون؛ لأنهم آمنوا بالله جل وعلا، لأنهم ما رضوا إلا عبادة الله، ولأنهم أبوا إلا توحيد الله، ولأنهم رفضوا كل شيء إلا عبادة الله جل وعلا، وحكمه . لكن الذي خرج منهم ما كان يعلم أنهم قد ناموا في كهفهم أكثر من ثلاثمائة سنة إنها آية من آيات الله! فخرج وإذا بالمدينة قد تغيرت، والناس قد تبدلوا، والقصور قد اختلفت، وإذا بالناس يقصون هذه القصة عبر الأجيال والأزمان يقصون قصة فتية خرجوا من قصورهم إلى كهف من الكهوف، فما علم الناس عنهم وما شعروا بهم، وإذا بهذا الرجل يخرج بينهم، شكله يختلف عنهم، وهيئته كأنها هيئة أصحاب الكهف، وإذا به يأتي بمالٍ من العصور القديمة والأجيال السالفة، فيخرجها ليشتري بها طعاماً، فقال له البائع: من أين لك هذه النقود؟ قال: إنها نقودي. قال: من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان، قال: أين أنتم؟ فإذا بهم يكتشفون الخبر ويعرفون القصة، فقدموا عليهم، وقد آمن القوم بالله، ورضوا به جل وعلا، فرأوا هؤلاء الفتية الذين قص الناس قصتهم، وذكروا روايات عنهم، فعظموهم، وأعلوا شأنهم ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ [الكهف:٢١]. تبعه أهل المدينة فإذا به يهرب ويدخل الكهف، فقبض الله أرواحهم جميعاً يموت أصحاب الكهف كما كانوا آية من آيات الله أطلعها الله للناس، فإذا بهم يختلفون ويتنازعون ويتجادلون بينهم، فإذا بالضعفة المساكين يقولون: لنتخذن عليهم مسجداً (قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) إنهم أولياء وصالحون ومتقون، لنجعلن عليهم مسجداً، نأتي ونصلي ونعبد الله جل وعلا في هذا المكان ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ [الكهف:٢١]. وهكذا حال السذج والضعفة من الناس، يشركون بالله جل وعلا؛ لأنهم وجدوا قبراً من قبور الأولياء، أو مكاناً من أماكن الصالحين، وإذا رأوا صالحاً تمسحوا به وتقربوا به إلى الله ، وإذا رأوا قبراً لأحد الأولياء، قالوا: نعبد الله عنده، وندعوه بجواره، ونتوسل إلى الله بهذا الولي وبذلك الصالح غلبوا على أمرهم، وتسلطوا على رقابهم أبناء السلاطين، فقالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ [الكهف:٢١]. وقد اختلف الناس في عددهم، فقال البعض: ثلاثة رابعهم كلبهم، وقال بعضهم: خمسة سادسهم كلبهم، وقال الآخرون: سبعة وثامنهم كلبهم، ولا يعلم عدتهم إلا الله جل وعلا، وقد نهى الله نبيه أن يجادل في أمرهم أو يخوض في شأنهم. إنها قصة وأي قصة، وعبرة وأي عبرة، نرجي بعض العبر فيها إلى الخطبة الثانية أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
следующие страницы →