← Джавами‘

Джавами‘ · id 7717

دروس للشيخ نبيل العوضي

نبيل العوضي

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

أصحاب الكهف لقد ذكر الله تعالى في كتابه الحكيم العديد من القصص والحوادث، ولم يذكرها للتسلية أو للقضاء على الفراغ، إنما ذكرها لتكون لنا عبرة وعظة. ومن هذه القصص: قصة أصحاب الكهف، الذين رفضوا العيش مع قوم لا يؤمنون بالله، فتركوهم وذهبوا إلى كهف ليسكنوا فيه، وهناك بدأت معجزتهم التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم.

стр. 877

قصة أصحاب الكهف إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أيها الإخوة المسلمون: معنا في هذه الخطبة قصة من قصص القرآن، ذكرها الله في كتابه، واستحب رسوله ﷺ قراءتها في كل أسبوع، وقد سمى الله تعالى السورة بها إنها قصة من أعظم القصص، فيها عبر وفوائد، وفيها ثمرات لمن أيقن بها يجدها في قلبه، فاسمعها يا رعاك الله إنها قصة أصحاب الكهف، هذه القصة العظيمة التي ذكرها الله من أجل سؤال سأله النبي ﷺ عنهم، فلم يجبهم إلا بعد أن أنزلها الله ، فاسمعها ولنقرأها عليك، وتصور -يا عبد الله- هذه القصة، وتخيل أنك أحد هؤلاء الفتية الذين قص الله علينا قصتهم! قال الله في بداية هذه القصة، مادحاً نفسه، ومثنياً عليها بأنه يقص هذه القصة بالحق، وليس بالهزل، أو الكذب، أو الافتراء؛ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف:١٣] وقد ابتدأت هذه القصة بالثناء على أصحابها وأبطالها: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الكهف:١٣] لم يكونوا شيوخاً - كباراً في السن- إنما كانوا فتية صغاراً في السن، ولكن الله خلد ذكرهم. ما شأنهم يا رب! وما قصتهم؟ إنهم آمنوا بالله جل وعلا رأوا قومهم يعبدون الأصنام والكواكب يعبدون غير الله جل وعلا، ويشركون به ، لكنهم آمنوا بالله، فاستجابوا لهذه الفطرة، واستجابوا لله جل وعلا؛ فكانت أعظم فضيلة لهم أنهم آمنوا بالله: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الكهف:١٣] هل تركهم الله لوحدهم؟ لا ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ [الكهف:١٣] ولكن الله زادهم إيماناً وتقوى وهدى، ولم يكن هذا فقط؛ بل قال: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف:١٤] ثبتهم الله جل وعلا، وزادهم إيماناً وثباتاً.

стр. 878

إنكار أصحاب الكهف لما عليه قومهم من الشرك بالله هل جلسوا بين قومهم؟ هل رضوا بهذا الشرك؟ هل رضوا بهذه الأصنام التي تعبد من دون الله؟ لا. بل قاموا من مكانهم، ولم يتحمل أحدهم أن يجلس بين قومه ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ [الكهف:١٤]. نظروا إلى قومهم فأنكروا، ونظروا إلى شركهم فاستنكروا: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ [الكهف:١٥] ليس الأمر بالادعاء ولا بالكلام، من يصف الله بأنه يشرك به شيئاً يشرك به في الألوهية، أو في أسمائه وصفاته، أو بالربوبية، أو يشرك به في الحكم الذي تفرد الله به؛ فليأت بسلطان بين فليأت بدليل يثبت ما ادعاه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ [العنكبوت:٦٨]. لم يتحملوا الوضع، ولم يتحملوا الشرك، وتلك الأصنام، ولا هذه الطواغيت، فقاموا من مكانهم، وهربوا من مجتمعهم، واعتزلوا الناس إلى أين؟ ذهبوا كلهم إلى أحد الكهوف المظلمة خرجوا من القصور إلى أحد الكهوف خرجوا من الترف والنعيم وزينة الدنيا إلى كهفٍ من الكهوف، يجتمعون فيه. نعم! إنه الإيمان الذي لا يسمح لذلك المؤمن أن يجلس بين الشرك، إنه الإيمان الذي لا يرضى لصاحبه أن يرضى بهذا المنكر، وتلك المنكرات ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف:١٦] إنه الكهف المظلم إنه المكان الموحش، لكن الله جعله مفاجأة لهم؛ إن الكهف المظلم قد أصبح كهفاً فسيحاً، ذلك الكهف المظلم ألقى الله فيه النور، فأصبح من الإيمان جنة من الجنان فأصبح من الإيمان الذي دخل في القلوب جنة يعيشون ويتقلبون فيها، أخرجهم الله من القصور ليدخلوا تلك الكهوف، ومن رحمته أن جعل هذه الكهوف أفضل وأجمل وأسعد لهم من تلك القصور ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً﴾ [الكهف:١٦].

стр. 879

وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود دخلوا ذلك الكهف، فجلسوا، وإذا بالتعب يصيبهم، والنعاس يرهقهم، فاضطجعوا في ذلك الكهف، فأرسل الله عليهم النعاس والنوم، وتخيل هذا المنظر! هل ينامون يوماً أو يومين أو ثلاثة؟ تطلع عليهم الشمس فتبدي عليهم من نورها، ثم تغرب عليهم وينتهي ذلك اليوم وهم نيام ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف:١٨]. الأعين مفتوحة وهم نيام، ليسوا بثابتين ولا ساكنين، بل يتقلبون يمنة ويسرة، والشمس تطلع عليهم وتغرب، ولهم كلب نائم عند الباب بالوصيد، حتى يرعب من يدخل عليهم؛ حماية من الله جل وعلا، وإذا رأيت منظرهم أصابك الخوف، ولو اطلعت عليهم لملئت منهم رعباً ما هذا المنظر العجيب؟ وما هذا الموقف الرهيب؟ الشمس تطلع عليهم وتغرب، وإذا رأيت إلى منظرهم كأنهم أيقاظ لكنهم رقود، قال الله جل وعلا واصفاً ذلك المنظر: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ [الكهف:١٧ - ١٨].

стр. 880

ظهور أمر أصحاب الكهف واختلاف الناس فيهم إنها آية من آيات الله، وعلامة من علامات قدرة الله جل وعلا؛ أن ترى رجلاً نائماً وليس بنائم، وتراه يقظاناً وليس بيقظان، والكلب عند الباب، والشمس تطلع عليهم وتغرب، وفي لحظة من اللحظات يأذن الله جل وعلا، للأرواح أن ترجع، فإذا الأجساد تتحرك مرة أخرى، فتهتز من بعد موتها: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾ [الكهف:١٩]. فإذا بهم يقومون يتساءلون بينهم! يقول أحدهم: كم يوماً نمنا؟ وكم ساعة لبثنا؟ فيرد عليه الآخر فيقول: نمنا يوماً كاملاً نمنا يوماً طويلاً، فرد الآخر فقال: لا. بل نمنا بضع يوم عشية أو ضحاها، قال لله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩] فإذا الجدال عقيم، وإذا النقاش لا ينفع، وإذا الكلام لا يفيد، فردوا أمرهم إلى الله ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩] هذا أمر لا ينفعنا، لقد أهلكنا الجوع والعطش، ونريد طعاماً؛ فأخرجوا قطعاً من فضة ليشتروا بها طعاماً، وقالوا لأحدهم: اذهب بهذا المال إلى أسواق المدينة، وادخل مخفياً متلطفاً برفق لكي لا يشعر بك أحد؛ فإنهم إن شعروا بك وقبضوا عليك فسوف يرجموننا ويقتلوننا، إلا أن تعود في دينهم. وهذه هي حال الطغاة، وتلك هي أحوال الظلمة، وهذه هي المجتمعات الظالمة، لا ترضى أن يبقى على دينهم، ولا ترضى أن يبقى الصالحون على منهجهم، بل إما الرجم أو أن يعودوا في ملتهم ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ [الكهف:٢٠]. واسمع إلى سياق القرآن كيف يصف الله جل وعلا خبره، ويقص علينا قصصه! ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾ [الكهف:١٩] إياكم إياكم أن يظهروا عليكم! ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ [الكهف:٢٠] أتعرف ما هو الرجم يا عبد الله؟ إنه الرمي بالحجارة؛ أن تحفر لهم الحفر، فيرموا بالحجارة حتى الموت، لماذا؟ لأنهم آمنوا بالله يُسجنون ويُقتلون ويُعذبون؛ لأنهم آمنوا بالله جل وعلا، لأنهم ما رضوا إلا عبادة الله، ولأنهم أبوا إلا توحيد الله، ولأنهم رفضوا كل شيء إلا عبادة الله جل وعلا، وحكمه . لكن الذي خرج منهم ما كان يعلم أنهم قد ناموا في كهفهم أكثر من ثلاثمائة سنة إنها آية من آيات الله! فخرج وإذا بالمدينة قد تغيرت، والناس قد تبدلوا، والقصور قد اختلفت، وإذا بالناس يقصون هذه القصة عبر الأجيال والأزمان يقصون قصة فتية خرجوا من قصورهم إلى كهف من الكهوف، فما علم الناس عنهم وما شعروا بهم، وإذا بهذا الرجل يخرج بينهم، شكله يختلف عنهم، وهيئته كأنها هيئة أصحاب الكهف، وإذا به يأتي بمالٍ من العصور القديمة والأجيال السالفة، فيخرجها ليشتري بها طعاماً، فقال له البائع: من أين لك هذه النقود؟ قال: إنها نقودي. قال: من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان، قال: أين أنتم؟ فإذا بهم يكتشفون الخبر ويعرفون القصة، فقدموا عليهم، وقد آمن القوم بالله، ورضوا به جل وعلا، فرأوا هؤلاء الفتية الذين قص الناس قصتهم، وذكروا روايات عنهم، فعظموهم، وأعلوا شأنهم ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ [الكهف:٢١]. تبعه أهل المدينة فإذا به يهرب ويدخل الكهف، فقبض الله أرواحهم جميعاً يموت أصحاب الكهف كما كانوا آية من آيات الله أطلعها الله للناس، فإذا بهم يختلفون ويتنازعون ويتجادلون بينهم، فإذا بالضعفة المساكين يقولون: لنتخذن عليهم مسجداً (قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) إنهم أولياء وصالحون ومتقون، لنجعلن عليهم مسجداً، نأتي ونصلي ونعبد الله جل وعلا في هذا المكان ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ [الكهف:٢١]. وهكذا حال السذج والضعفة من الناس، يشركون بالله جل وعلا؛ لأنهم وجدوا قبراً من قبور الأولياء، أو مكاناً من أماكن الصالحين، وإذا رأوا صالحاً تمسحوا به وتقربوا به إلى الله ، وإذا رأوا قبراً لأحد الأولياء، قالوا: نعبد الله عنده، وندعوه بجواره، ونتوسل إلى الله بهذا الولي وبذلك الصالح غلبوا على أمرهم، وتسلطوا على رقابهم أبناء السلاطين، فقالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ [الكهف:٢١]. وقد اختلف الناس في عددهم، فقال البعض: ثلاثة رابعهم كلبهم، وقال بعضهم: خمسة سادسهم كلبهم، وقال الآخرون: سبعة وثامنهم كلبهم، ولا يعلم عدتهم إلا الله جل وعلا، وقد نهى الله نبيه أن يجادل في أمرهم أو يخوض في شأنهم. إنها قصة وأي قصة، وعبرة وأي عبرة، نرجي بعض العبر فيها إلى الخطبة الثانية أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 881

عبر ومواعظ من قصة أصحاب الكهف الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: أيها الإخوة المسلمون: لم يخبر الله بهذه القصص للتسلية ولا لقضاء الوقت والفراغ، إنما هي للعبرة، فما قص الله علينا قصة في القرآن إلا وفيها عبر وفوائد، فاسمعها حفظك الله: أول ما بدأ الله القصة أنه أخبر أنهم فتية شباب صغار في السن، كما أخبر الله عن إبراهيم بقوله: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠] إن هذا الدين لا فرق فيه بين الصغار والكبار، ولا بين الشباب والشيوخ، أو الرجال والنساء، لكن يحمل لواءه الشباب في عز قوتهم، وعنفوان شبابهم -يحملون هذا الدين- فلا يأتي الرجل في وقت الشباب ويستغله في الفتن والشهوات والملهيات، ثم إذا اقتربت وفاته قال: آمنت بالله آمنت أنه لا إله إلا الله. إن هذا الدين يرفع لواءه الشباب قبل الشيوخ، والشيوخ يجلسون في بيوت الله يرفعون أياديهم يدعون الله جل وعلا أن يعز دينه، ويعلي كلمته. إن الشباب في هذه الأمة مطالبون أن يقوموا كما قام أصحاب الكهف، وألا يجلسوا في بيوتهم وقصورهم، ولا يرضوا بهذا الترف وبذلك النعيم، بل يقومون من ذلك الترف، ويدعون إلى الله جل وعلا، وينكرون تلك المنكرات، ولا يرضوا للناس أن يجلسوا بين هذه المنكرات، أو يأتونها. إن الشباب في هذا الزمان مطالبون بأن يصدعوا بالحق، ويجهروا به، وينكروا المنكرات، كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. عبد الله: هل رأيت أولئك الفتية وقد هجروا القصور والنعيم، والدنيا بأكملها إلى أين يا عبد الله؟ إنهم جلسوا في كهف من الكهوف المظلمة، ورضوا بهذا الكهف بديلاً عن تلك القصور، لإرضاء الله وعبادته جل وعلا، خرجوا من هذه الدنيا والواحد منهم لا يرضى أن يجلس في هذا النعيم بين المنكرات، أو يأخذ الأموال، أو يرضى بهذه الفتنة وذلك الترف وهو يأتي المنكرات. أسمعت -يا عبد الله- ببعض أصحاب النبي ﷺ ، إنه خباب بن الأرت ﵁، كان عمره عشرين سنة، فجلد وضرب وافتتن في دينه، حتى أتى إلى النبي ﷺ يقول له: (يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟). أسمعت بـ حبيب الزيات عليه رحمة الله، حين استدعاه الحجاج ذلك الظالم الطاغية، فقال له: سمعنا أنك تتكلم فيّ؟ فقال: نعم! أنت أحد الظلمة الطواغيت، وسوف تلقى الله بكل نفس قتلتها ظلماً. قال: فما تقول في مروان بن عبد الملك؟ قال: أنت خطيئة من خطاياه، هو أظلم منك وأطغى، وأفجر منك وأعتى. قال: أتقول هذا؟ قال: نعم. فصلبه وأمر الجلاد أن يقطع لحمه قطعة قطعة، ويسفك دمه، حتى اقتربت روحه على الوفاة، فقال: لا تقتلوه، اذهبوا به إلى الأسواق لتزهق نفسه والناس ينظرون إليه وهو يعذب: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ [الكهف:٢٠]. فصلب أمام الناس والدم يسيل، واللحم يتقطع، والنفس تخرج، فأتاه أحد الناس الصالحين، وقال: أتريد شيئاً؟ فقال: أما دنياكم فلا، لا أريد شيئاً من الدنيا إلا شربة من ماء -يريد أن يشرب شربة من الماء لتخرج نفسه- فشرب شربة من ماء، ثم خرجت روحه إلى الله جل وعلا. أتعرف كم كان عمر حبيب في ذلك الوقت؟ لقد كان عمره سبعة عشر سنة، ومع ذلك يواجه أكبر ظالم وطاغية على وجه الأرض. إن الفتية الذين خلد الله ذكرهم لم ينقطع تاريخهم، بل إن في هذه الأمة من الفتية والشباب الذين يقفون في وجه الظلم والطغيان، وفي وجه الشرك والكفر بالله جل وعلا: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين إلى قيام الساعة، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك). اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات. والحمد لله رب العالمين.

стр. 882

وإذا قلتم فاعدلوا حث الإسلام على العدل والإنصاف، والعدل لا يكون مع أهل السنة فقط، بل ويشمل الأعداء، ومما يدل على ذلك ما ورد في الكتاب والسنة، وفي صفحات تاريخنا الإسلامي من صور العدل والإنصاف مما يبرهن على ذلك.

стр. 883

خُلق العدل والإنصاف إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المسلمون: يقول ﵊: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وفي رواية: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) فغاية دعوته ﵊ أن يتمم الأخلاق؛ أخلاق الناس بينهم وبين الله، أخلاق الناس بينهم وبين أنفسهم، وبينهم وبين بعضهم البعض، يتمم صالح الأخلاق ومكارمها وأحسنها، فكان أفضل الناس خلقاً ﵊. ومعنا في هذه الخطبة خلق من أخلاق الإسلام التي ضاعت عند كثير من الناس، وهذا الخلق -أيها الإخوة الكرام- ذكرناه مراراً وتكرراً، ولكنني أحببت أن أفصل له خطبة كاملة، وأجعل له حديثاً مفصلاً، فاسمع أخي الكريم إلى هذا الخلق، ثم تفحص نفسك أولاً، وتفحص من حولك، وانظر أين هم من هذا الخلق القويم؟ في هذه الأيام بين الرجل وزوجاته، وبين الرجل وأولاده، وبين الرجل وجيرانه، وبين الأخ وإخوانه، وبين الدعاة إلى الله، وبين طلاب العلم، وبين أهل التجارات، وبين أهل الصناعات، ما يحدث هذه الأيام إن دل فإنما يدل على فقدان هذا الخلق العظيم، ألا وهو الخلق الذي قامت عليه السماوات والأرض؛ وهو خلق العدل والإنصاف العدل بين الناس العدل الذي أصبح بين الناس عزيزاً، حتى إنك لا تجده في كثير من الصالحين فضلاً عن عوام الناس. فاسمع أخي الكريم! كيف يحثنا الله على هذا الخلق، فيقول جل وعلا: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام:١٥] إذا تكلمت، بل إذا حكمت بين الناس، قال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء:٥٨] هذا الذي يعظكم به هو العدل والإنصاف.

стр. 884

العدل والإنصاف عزيز بين الناس تجد الرجل الصالح المصلي الراكع الساجد إذا حكم على بعض الناس لا يحكم إلا بالظلم والإجحاف، أما الإنصاف فهو عزيز بين الناس، وهذا الأمر مفطور عليه أكثر الناس إلا من خالف هواه، فاسمع إلى الشعبي -عليه رحمة الله- ماذا يقول، وكأنه قد عرف الناس واختبرهم، فعرف معادنهم وحقيقتها، قال: [والله لو أصبت تسعاً وتسعين مرة وأخطأت مرة واحدة لعدوا عليَّ خطئي] ينسون تلك المحاسن، وسوف ينسون (٩٩%) من المحاسن والفضائل لخطأ واحد: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] فطبيعة الإنسان أنه ميال للظلم، ومحبٌ للجهل، هذه الطبيعة من أصل خلقته إلا إن خالف هواه ونفسه وزكى هذه النفس. واسمع إلى حاتم الأصم كيف بلغ به المقام من حسن خلقه أنه يقول: ثلاث أظهر بها على خصمي: أفرح إذا أصاب فرحاً من منا عنده هذا الخلق إذا أصاب خصمه فرح؟ قال: وأحزن إذا أخطأ إذا وقع خصمي في الخطأ أحزن، وهذا هو حزن القلب وليس فرحه يا عبد الله! فإن من الظلمة من يفرحون إذا أخطأ خصومهم. قال: وأحفظ نفسي كي لا تتجاهل عليه. ذهب أحدهم إلى الإمام أحمد فقال له: أسمعت ماذا قال حاتم الأصم؟ قال: ماذا يقول؟ قال: يقول كذا وكذا، قال: سبحان الله! ما أعقله من رجل! من منا يصل إلى مستوىً من العقل والعدل والإنصاف مثله؟ قال سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ [المائدة:٨] لا تنتصر لنفسك، ولا لحزبك، ولا تنتصر لقبيلتك، ولا لشهواتك، بل لله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ [المائدة:٨] فإذا تكلمت: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة:٨] أي: بالعدل والإنصاف: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة:٨] إذا كان بينك وبين فلان من الناس عداوة وخصومة، فإياك ثم إياك! أن تحملك هذه الخصومة على الظلم: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨].

стр. 885

العدل والإنصاف في الكتاب والسنة عبد الله: أين أنت من هذا الخلق الذي لولاه ما قامت السماوات ولا استقرت الأرض؟! فهذا وصف اتصف الله به فكان من أعظم الأوصاف: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) إياك والظلم! أخوك صاحبك فلان من الناس داعية إلى الله طالب علم رجل مصلح زل زلة أو أخطأ خطأً، فلا تحملك الخصومة على أن تنشر خطأه بين الناس وتنسى محاسنة. عبد الله: إياك إياك والظلم! واسمع لـ ابن القيم ماذا يقول: وتحلَّ بالإنصاف أفخر حلة زينت بها الأعطاف والكتفان تحلَّ بالإنصاف: أي: بالعدل، وهو أن تزن الناس بميزان العدل والقسط، تضع حسناتهم في كفة وسيئاتهم في كفة، ثم زنه يا عبد الله! وإياك أن تنظر بعين واحدة، وكن كقول القائل: وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع إذا جاء بذنب تذكرت محاسنه، وهذا الخلق يؤدبنا به ﵊ حتى مع الزوجات، قال: (لا يفرك مؤمن مؤمنة) أي: لا يطلقها ولا يفارقها على خطأ واحد، قال: (إن كره منها خلقاً) إذا جاءت بسيئة أو بخطأ أو ساء خلقها، قال: (إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر) تأتي بحسنة فتهدم هذه السيئة.

стр. 886

العدل والإنصاف مع أهل الكتاب يا عبد الله: كن منصفاً مع الناس، وإياك أن تتكلم إلا بالعدل: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام:١٥٢] واسمع إلى ربنا جل وعلا في كتابه كيف يعلمنا هذا الأدب، يقول الله جل وعلا عن أهل الكتاب وهو يلعنهم ويذمهم: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران:١١٢] انظر إلى الذنب! ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١١٢] انظر إلى كل هذه الجرائم! ولكن الله أنصفهم، فقد أخبر بأن هناك طوائف لا تقرهم على هذا الفعل، وأن هناك بقايا من أهل الكتاب ما زالوا في عهد النبي ﷺ على الإيمان والتوحيد، فلما جاء ﵊ آمنوا به، انظر الإنصاف بعد كل ذلك الذنب، قال الله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران:١١٣] نعم. انتبه يا محمد! انتبهوا أيها الصحابة! احذروا أيها المؤمنون! أن تعمموا الحكم على الناس؛ فهؤلاء وإن كانوا مغضوباً عليهم فإنهم ليسوا سواء، منهم أمة قائمة مؤمنة موحدة، لما جاء رسول الله ﷺ آمنت به واستجابت له، آناء الليل يتلون آيات الله وهم يسجدون، أي إنصاف أعظم من هذا؟! بل أي عدل في الحكم أبلغ من هذا العدل؟!

стр. 887

قصة حاطب بن أبي بلتعة اسمع يا عبد الله إلى أحد أصحاب النبي ﷺ وهو حاطب بن أبي بلتعة؛ صحابي جليل، ارتكب في الإسلام جريمة عظيمة وخطأ كبيراً، أتعرف ما هذا الخطأ؟ لما قرر ﵊ أن يذهب إلى مكة ليفتحها ويقاتل المشركين، أرسل هذا الرجل رسالة مع امرأة ليبلغ المشركين، أن يحذروا فإن رسول الله ﷺ قادم إليكم ليقاتلكم، هل تظن أن هناك جريمة أعظم من هذه؟! وهل يبلغ الحال بإنسان في هذا الزمن أن يرتكب إثماً أعظم من هذا الإثم فيكشف خطة رسول الله ﷺ للمشركين؟ فإذا بـ حاطب ماثل أمام النبي ﷺ ، فيأتيه رسول الله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] لم يستعجل في الحكم، انظروا إلى التثبت، والتأني والروية، قال: (ما حملك على هذا يا حاطب؟ قال: يا رسول الله! أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفعون بها عن أهلي ومالي). يد: أي: فضل ونعمة، يدفعون بها عن أهلي ومالي. انظر إلى العذر، عذر غير مقبول، ولكن: وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع (قال عمر: يا رسول الله! إنه منافق دعني أضرب عنقه، فقد خان الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ : يا عمر! ألم يشهد بدراً؟ قال: نعم. قال: وما يدريك -يا عمر - لعل الله اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم) يا عمر! زن الحسنات والسيئات. يا عمر! عنده حسنات عظيمة في الإسلام تهدم ما بعدها وما تحتها. يا عمر! أتى بذنب لكن محاسنه أعظم، وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة:٨].

стр. 888

قصص في العدل والإنصاف اسمع يا عبد الله إلى هذه الأخبار والقصص التي ملئت بها صفحات تاريخنا الإسلامي من العدل والإنصاف، والتي إذا أردت أن تبحث عنها في هذا الزمن، فإنك تسمع عنها نادراً، وتبحث عنها فلا تكاد تجدها. اسمع -يا عبد الله- إلى عبد الرحمن بن شماتة؛ وهو تابعي ثقة، جاء إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها يسألها عن بعض أمور الدين، فقالت له بعد أن أجابته وهي الفقيهة العالمة: من أين أنت؟ قال: من مصر، قالت: ما فعل صاحبكم؟ أي: أميركم وواليكم، قال: أما إنه إذا كان معنا في غزوة أو سرية فمات لأحدنا بعير أعطاه بعيراً، وإذا مات له عبد أعطاه عبداً، وإذا نقصت أحدنا نفقته أعطاه نفقة، فقالت عائشة: أما إنه لا يمنعني ما فعل في أخي محمد بن أبي بكر أتعرف ما فعل؟ كان هو السبب في قتله، انظروا إلى الخصومة! رجل كان هو السبب في قتل أخيك، هل تنصفه؟ هل تعدل معه؟ هل تذكر محاسنه؟ قالت: أما إنه لا يمنعني ما فعل في أخي محمد بن أبي بكر أن أقول فيه ما قال رسول الله ﷺ : (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه) أي: كأنها تقول: صدق فيه دعاء رسول الله ﷺ فارفق به؛ لأنه كان رفيقاً بقومه، وبجنده. أي عدل وأي إنصاف وقسط أعظم من هذا؟!! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨] ثم تجد سفيهاً من الناس، أو جاهلاً من بينهم، أو متعصباً لبعض الأقوال، فيعرض عليه محاسن الناس وفضائلهم وجهادهم، وهم إخوانه من أهل السنة، فيقول: والله لا خير فيهم، سبحان الله! انظر إلى الظلم، أو يقول لك: هم والله شر من اليهود والنصارى هل هذا من العدل يا عباد الله؟! ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام:١٥]. والله إن بعض الظلم يخرج من أفواه بعض الناس، ولو مزج بماء البحر لعكر ماءه ولأفسده، ولكنك تتعجب أن يخرج الظلم من أناس يدعون العلم والدعوة والعدل بين الناس. انظر يا عبد الله! إلى ابن عباس كيف اختلف مع عائشة على أمر عظيم، ولكنه صاحب عدل وإنصاف، جاءه رجل -وهو حبر الأمة- يسأله عن وتر رسول الله، فالرجل يسأل عن مسألة فقهية، وهو أحرى أن يجيبه، وبينه وبين عائشة خصومة وخلاف في الرأي، فقال له: أسألك عن وتر رسول الله؟ فقال ابن عباس لهذا الرجل: ألا أخبرك عن أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: عائشة ﵂، (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا). من أسباب الظلم يا عبد الله: ما يكون في النفس من الحقد والحسد، ثم ما يكون في العقل من التعصب لبعض الآراء ولبعض الناس، ثم ما يكون بالتصرف من عدم التثبت وعدم التأني والاستعجال في الأحكام. عبد الله: كن متنبهاً ومتيقظاً، واعلم أنه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]. أقول هذا القول وأستغفر الله.

стр. 889

العدل والإنصاف مع الأعداء الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: عبد الله: العدل والإنصاف حتى مع الكفار: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة:٨] أي: لا يحملنكم بغض الكفار ﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] هذا إذا كان مع الكفار، فكيف إذا كان مع المسلمين من أهل البدع؟! بل كيف إذا كان مع المسلمين من أهل السنة؟! كيف يجب العدل والإنصاف؟ اسمع إلى عمرو بن العاص أحد أصحاب النبي ﷺ لما سمع رجلاً يقول: (تقوم الساعة والروم أكثر الناس) فقال: ماذا تقول؟ قال: أقول ما سمعت من رسول الله ﷺ ، فقال: أما إنه إن كان حقاً ما تقول، فإن فيهم لخصالاً أربعاً اسمع كيف يثني على الكفار وإن كانوا كفاراً، كيف يذكر محاسنهم ولم يتلفظ بعيوبهم؛ لأن الأمر فيه حكمة وعدل وإنصاف، قد تحتاج بعض الأحيان إلى ذكر العيوب دون المحاسن، وفي بعض الأحيان إلى ذكر المحاسن دون العيوب، وفي بعض الأحيان توازن بين الحسنات والسيئات. قال: [فإن فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم أحلم الناس عند الفتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اللهم أعداء الدين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. أقول هذا القول وأستغفر الله.

стр. 890

شهر الرحمة والغفران رمضان شهر محبب إلى القلوب، فكل الناس يفرحون بقدومه، لكن الفرحة تتفاوت من شخص لآخر، ورمضان له فضائل كثيرة وخصائص جليلة، ذكر بعضها الشيخ في محاضرته، متكلماً عن حال السلف في رمضان، ثم قارن بين حالهم وحالنا في هذا الزمان، موضحاً أن شهر رمضان شهر إطعام الطعام، وشهر المحبة والوئام، وشهر التوبة والإنابة إلى الله تعالى، ثم ذكر أن الناس يستعدون لرمضان كلٌ بحسب ما سيعمل فيه، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

стр. 891

استقبال شهر رمضان وبعض فضائله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني وما لي حيلة إلا رجائي وعفوك إن عفوت وحسن ظني يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني أيها الإخوة الكرام: موضوع حديثنا في هذه الليلة المباركة -إن شاء الله- ونحن نستقبل بفارغ الصبر هذا الشهر العظيم، ونحن نستقبل أياماً كان سلفنا ﵏ ينتظرونها ستة أشهر، وكانوا يدعون الله أن يبلغهم هذه الأيام، وإذا فارقوه ظلوا أشهراً عديدة يدعون الله أن يتقبل منهم الصيام والقيام هذه الأيام التي غفل عنها كثيرٌ من المسلمين، حتى صاروا لا يشعرون بها إلا عندما تدخل، تدخل وتخرج وما شعر بها كثيرٌ من المسلمين وللأسف! هذه الأيام كان ينتظرها الصالحون أياماً وشهوراً وليالي كم وكم من إخواننا كان معنا في رمضان الماضي؟ أتذكر ذلك الذي كان يقوم معنا الليل؟ أتذكر فلاناً الذي كان يصوم ويفطر معنا، وكنا نزوره، وكنا نصله؟ أين هو الآن؟ تحت الثرى، يلقى جزاءه عند الله جل وعلا، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

стр. 892

نزول القرآن الكريم في رمضان أخي الكريم: إن الله جل وعلا وصف هذه الأيام فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] أعظم كلام أنزل! وهو الخلاص للبشرية، وهو النور لهذه الأمة متى نزل؟ نزل في رمضان لعظم هذا الشهر الذي غفل عنه كثيرٌ من الناس، ولماذا أنزل القرآن؟ ﴿هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] ولهذا كان هذا الشهر وهذا القرآن الذي أنزل فيه هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان كم من ضال تائهٍ عاقٍ مذنب عندما تقرأ عليه بعض الآيات، يتذكر ربه، فتدمع عينه، ويخشع قلبه، لم؟ لأنه كلام الله، وكان جديراً أن ينزل بهذا الشهر؛ لأنه أعظم شهر، وفي أي ليلة بالخصوص؟ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١] من عظم هذا الشهر أن فيه ليلة أنزل فيها القرآن إلى السماء الدنيا.

стр. 893

الحكمة من الصيام أخي الكريم: لماذا أوجب الله الصيام في هذا الشهر؟ حتى نجوع ونعطش؟ حتى نتعب ونهلك؟ حتى نظمأ؟ يا رب! لم هذا العذاب؟ أتظن أن الأمر يقتصر عند هذا؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] ونحن نستعد لهذا الشهر ونستقبل ليلته وأيامه؛ اعلم أن الله يريد منك أن تخافه، وتخشاه، وأن تحصل التقوى في القلوب، فليست القضية أكل وشرب والجماع، الأمر أعظم من هذا بكثير، الأمر هل تحصل التقوى في قلبك في هذا الشهر؟ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣].

стр. 894

فتح أبواب الجنان وغلق أبواب النيران في رمضان أخي الكريم: إذا جاء هذا الشهر -من فضيلته ومن عظمه- تفتح أبواب الجنان، ألا هل من مشمر لهذه الجنان؟ تفتح! كم من مقبول في هذا الشهر! وكم من مسجل أنه من أهل الجنة في هذا الشهر! والناس بين لاهٍ وغافل، وأبواب النيران توصد وتغلق كلها هل رأيت فرصة أعظم من هذه الفرصة؟ أبواب الجنان الثمانية، وتسألني وتقول: ما هي أوصاف هذه الأبواب؟ أقول لك: ما بين المصراعين مسيرة أربعين سنة، تمشي أربعين عاماً ثم تصل إلى طرف الباب الثاني، هذا الباب يفتح، وكم يخرج من هذا الباب! تخرج من رحمات وأنوار، وروائح طيبة وكم يقبل إنسان في هذا الشهر! قال ﷺ : (رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه! من أدرك رمضان ولم يغفر له) تعس! إي والله، دخل رمضان وخرج وما دمعت عينه وما تاب من معصيته دخل رمضان وخرج ولا زالت أمواله في بنوك الربا دخل رمضان وخرج وهو لا يزال مصراً على ذلك الذنب وتلك المعصية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران:١٣٥] لا تقل: إنك لا تذنب، ولا تخدع نفسك بأنك لا ترتكب معصية، كل بني آدم خطاء، فهذه فرصتك أيها الخطاء، وفرصتك أيها المذنب، أبواب الجنان تفتح! وأبواب النيران تغلق! ومردة شياطين الجن تصفد! أي فرصة أعظم من هذه، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل! ويا باغي الشر أقصر! أتعرف ما هذه الأيام؟ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]. كان النبي ﷺ يبشر أصحابه بهذا الشهر، وإذا رأى هلاله، قال: (الله أكبر، الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام) كان يدعو الله أن يهله عليه وهو على دين الله جل وعلا، إنه شهرٌ عظيمٌ، فأين المشمرون؟ أين المسارعون؟

стр. 895

تفاوت فرحة الناس برمضان من الناس من يسارع في هذا الشهر لبضاعته ليروجها، ويفرح بقدومه لأن البضاعة تروج، ولأن السوق يزدحم، يفرح بهذا الشهر لهذه المقاصد، ومنهم من يفرح لأجل المسلسلات ولأجل الأفلام، ولأجل الإعلام الماجن في هذا الشهر وغيره، ومنهم من يفرح بهذا الشهر غايته ومناه الملاعب والكرة وغيرها، أما القيام فلا قيام، وبعض الناس يفرح بهذا الشهر للمعاكسات ومن الناس من يتمنى هذا الشهر ويرجوه يوماً بعد يوم لتدمع عينه من ذلك الذنب الذي ارتكبه، ليقوم الليل، وهو يعلم أنه قد يدرك رمضان وقد لا يدركه يذكر أناساً وأصحاباً وأصدقاء كانوا في العام الماضي يصلون معه، أما اليوم فلا نعرف عنهم إلا ذكرى وأماني اسمع ماذا يقول الشاعر -يا عبد الله- وانتبه: يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب حتى عصى ربه في شهر شعبان لقد أظلك شهر الصوم بعدهما فلا تصيره أيضاً شهر عصيان واتل القرآن وسبح فيه مجتهداً فإنه شهر تسبيح وقرآن كم كنت تعرف ممن صام في سلفٍ من بين أهلٍ وجيران وإخوان أفناهم الموت واستبقاك بعدهمُ حياً فما أقرب القاصي من الداني فرصة قد تدركها وقد لا تدركها قد لا تعوض يا عبد الله.

стр. 896

العتق من النار ومضاعفة الأجور في رمضان لله في كل ليلة عتقاء من النار، فاجعل نفسك في أول ليلة عتيقاً من النار ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] يقول الرب: (كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم) فإياك وعدّه، إياك وحسابه، فلن تستطيع! (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) أتعرف لم؟ لأنه سر بين العبد وربه، من يمنعك إذا خلوت بريبة في ظلام الليل، أو في قعر النهار، أو في شارعٍ، أو بيتٍ أو غرفة، من يمنعك أن تعصي ربك، فتأكل طعاماً، أو تشرب شراباً؟ من يمنعك؟ إنه خوفك من الله جل وعلا صبرك على هذا أتعرف ما أجرك؟ ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ﴾ [الزمر:١٠] متى يا رب؟ (للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره) كم يفرح الصائمون! كم يفرح المخلصون! كم يفرح الصادقون حين يفطرون فيقول: (اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت) والفرحة الأعظم والأكبر (وإذا لقي ربه، فرح بصومه) ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]. هذه بعض فضائل رمضان، فهل أنت مستعد الآن يا عبد الله؟ هل أنت مشمر أن تتعب وتعطش في سبيل الله؟ أن تتعب هذه الرجلان وتتفطر القدمان من أجل الله ﵎؟

стр. 897

الصالحون وحالهم مع قيام الليل كان الصالحون يصومون ويقومون الليل في غير رمضان، فإذا جاء رمضان خف عليهم.

стр. 898

الإمام أحمد بن حنبل وقيامه الليل هذا الإمام أحمد، يقول ابنه عبد الله: كان يقوم كل ليلة بثلاثمائة ركعة يصلي ثلاثمائة ركعة يا عبد الله! فلما فتن وضرب وجلد ورمي في السجن في ليلة قارصة باردة شديدة البرودة، يقول عن نفسه بعد مائة وستين جلدة، يقول: دخلت أتحسس- في ظلام دامس وبرد قارس- أتحسس فوقعت يدي على ماءٍ بارد، يقول: فأخذت وتوضأت، وأخذت أصلي حتى الفجر ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [السجدة:١٦] الليل دعاء وبكاء وتضرع، هكذا الصائمون الصادقون ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] قالوا: يا إمام! قلها وتخلص. قال: لا، القرآن كلام الله. فمكث في السجن ثمانية وعشرين شهراً، لم يفطر فيها يوماً واحداً، سرد الصوم كله ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤] نعم، الصوم ما أحلاه! وما أعظمه! بعضهم عند الاحتضار قيل له: لم تبكي؟ قال: لا أبكي إلا على ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل، أبكي لأنني فارقت أيام حَرٍّ كنت أصومها لله أين هي الآن؟ فقدتها ما ألذها! وما أحلاها! أحلى أيام حياته، والآخر يقول: على مكابدة الليل. كان الإمام أحمد يقوم قبل السجن بثلاثمائة ركعة، فلما تعب بعد السجن كان يقوم في الليلة الواحدة مائة وخمسين ركعة، وكان عمره قد تجاوز الثمانين عاماً. كانوا يتلذذون بقيام الليل، فيا من يقبل عليهم شهر رمضان لِمَ تعدون لياليه؟ ولمَ تترقبونه؟ ولمَ تتأهبون للقائه؟ إن لم يكن لهذا، فبئس الاستعداد والترقب!!

стр. 899

عثمان بن عفان ﵁ وقيامه الليل كان عثمان يقوم الليل كله بالقرآن، يختم القرآن كله في ليلة، حتى قال ابن عمر: [فيه نزل قول الله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]] وفيهم قال الشاعر واسمع وتدبر يا عبد الله، اسمع إلى صفات عباد الله: امنع جفونك أن تذوق مناما وذر الدموع على الخدود سجاما عجيب! تقول: وهل أحد ينام في رمضان؟! أقول لك: حدث ولا حرج عمن يضيع نهار رمضان ولياليه بالنوم والكسل، والتواني، ينام في شهر رمضان أكثر من عشر ساعات، هل سمعت بهذا؟ مسكين من ضيع نهار وليالي رمضان في لهوٍ ولغوٍ ونوم!! امنع جفونك أن تذوق مناما وذر الدموع على الخدود سجاما واعلم بأنك ميت ومحاسب يا من على سخط الجليل أقاما لله قومٌ أخلصوا في حبه ورضا بهم واختصهم خداما قومٌ إذا جن الظلام عليهم أبصرت قوماً سجداً وقياما فسيغنمون عرائساً بعرائسٍ ويبرءون إلى الجنان خياما وتقر أعينهم بما أخفي لهم وسيسمعون من الجليل سلاما يتلذذون بذكره في ليلهم ويكابدون لدى النهار صياما نعم! نهارهم قرآن، وذكر، وعبادة، ودعاء، فإذا جاء الليل عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه وفي النهار: وأسد غابٍ إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه

стр. 900

حال بعض الناس في رمضان عباد لله: بعض الناس في ليالي رمضان ورمضان هم كالتالي: إذا جاء للدوام في العمل فهو كسول، لا يبالي بالمراجعين، ولا يبالي بأحد، حجته (إني امرؤ صائم) وهل الصيام يؤدي بك إلى هذا؟! كم فُتحت الفتوح في نهار رمضان؟ وكم انتصر المسلمون في شهر رمضان؟ وهذا الصائم نائمٌ في عمله، لا يأتي إلا في منتصف الدوام، إن سئل؟ قال: إني امرؤ صائم، عطل المراجعين وساءت نفسه وخبثت، والحجة (إني امرؤ صائم) قد أشقيت نفسك وغيرك، وكنت قدوة سيئة للناس. وإذا جاء الليل بعد أن شبع وملأ بطنه، إن جاء يصلي، قال: يا إمام! أرحنا من هذه الصلاة، ما أطولها! أزعجتنا بها، مللنا هذه الصلاة الطويلة! أزعج الناس بثقل الصلاة عليه أتعرف لماذا هي ثقيلة؟ لأن الله جل وعلا سماها عنه وعن أمثاله ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة:٤٥] الصلاة ثقيلة عليهم إلا على من يا رب؟ ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] لم يخشع فيها ولا تلذذ بها، يقول للإمام: لا تطل الصلاة، ثم لم يصلي إلى أين؟ أتظنه يجلس في بيت الله؟

стр. 901

حال السلف في رمضان كان الإمام مالك ﵀ يغلق كتب العلم في رمضان يغلق مجالس الحديث والإفتاء، ويعتكف على القرآن، وكان الإمام الشافعي ﵀ في النهار يختم القرآن كله، وفي الليل يختم القرآن مرةً ثانية، فلا ينقضي رمضان إلا وقد ختم القرآن ستين مرة. أتظنه ينام كما ينام الناس في هذا الزمان؟ أم تظنه يجلس مجالس لغو وغيبة ونميمة ولعب ومسلسلات وأفلام كما يفعل الناس في هذا الزمن؟ لا والله! هذا الإمام عرف قدر القرآن في هذا الشهر، لأن الله أنزل القرآن فيه ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:٣] بارك الله في هذه الليلة لم؛ لأن القرآن أنزل فيها. كان النبي ﷺ يجلس في خباه لا يكلم أحداً ولا يكلمه أحد، يعتكف للقاء الله جل وعلا، وكان جبريل يدارسه القرآن، وكان السلف من بعده أحدهم في المسجد لا يخرج إلا للوضوء ويرجع، بين مصحفٍ وقرآن أي قراءة نريد؟ هل نريد قرآناً هذاً كهذِّ الشعر؟ أو كقراءة جرائد؟ أو أن تفتخر بين أصحابك أنك قرأت القرآن مرتين أو ثلاث! لا، نريد قرآناً كما قرأه السلف كيف قرءوه؟ هذا أفضل الخلق يقول لصاحبه ابن مسعود: (اقرأ علي القرآن. قال ابن مسعود: أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال ﷺ : إني أحب أن أسمعه من غيري، قال ابن مسعود: فقرأت حتى وصلت إلى قوله جل وعلا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] فسمعته يقول: حسبك. فنظرت فإذا عيناه تذرفان) ﵊، ويدخل عليه بلال وهو يبكي فيقول: (يا رسول الله! لم تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: قد أنزل علي الليلة آيات ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]). يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه خاشعاً، يوشك أن يخطئ الإمام ولم يدر به أحد، يوشك أن تسأل المصلين بعد الصلاة ماذا قرأ الإمام؟ فلا يجيبك أحد، يوشك أن يأتي هذا اليوم أن يقول الناس بعد الصلاة: ماذا قرأت أيها الإمام؟ لم نعقل إلا التكبير والسلام، لم نعقل شيئاً آخر. الفضيل بن عياض قرأ آية واحدة ورددها حتى بكى، وهي قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٨ - ٩]. وكان أبو حنيفة يقوم الليل كله بآية واحدة، وعائشة تصلي الضحى بآية واحدة، ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧].

стр. 902

رمضان شهر إطعام الطعام يقول الزهري ﵀: شهر رمضان شهر قرآن وإطعام طعام. لا ثالث لهما، إما أن تقرأ القرآن أو تطعم المساكين، وكان السلف في ليالي رمضان يطعمون المساكين، والفقراء، والجياع، ويتقربون إلى الله بهذا ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الإنسان:٨ - ٩] رمضان شهر إطعام الطعام. أتعلم أن هناك من المسلمين من يمر عليه رمضان وغير رمضان ولا يفرق؛ لأنه لا يأكل شيئاً؟ هو صائمٌ طوال العام، إن حصل على وجبة واحدة في اليوم والليلة، فهنيئاً له في ذلك اليوم أسمعت بمسلمين يبحثون عن الطعام في القمامات؟! أسمعت بمسلمين تنظر الأم إلى رضيعها ليس في ثديها قطرة لبن ترضعه، ويموت بين يديها ولا تستطيع أن تفعل شيئاً؟! أسمعت بمسلمين الآن في هذا الزمن يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، ليس عندهم رطبات يسدون بها جوعهم؟! أسمعت بهذا يا من فرشت لك الولائم! ويا من غضبت إذا نقص شيءٌ من أصناف الطعام! ويا من تشتكي من التخمة ومن كثرة الطعام! ويا من ألهتك تلك الملذات والشهوات عن إخوانك المسلمين؟! إنه شهر إطعام الطعام (من فطّر صائماً فله مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجره شيئاً) ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]. لا تبخل يا عبد الله! تذكر إخواناً لك في الأرض جوعى ومرضى لا يملكون شفاءً للشتاء، ولا غطاءً للصيف، ولا يملكون دواءً لمرضاهم، يموت الولد من مرض، وتموت الأم من جوع، ولا يستطيع أحدٌ أن يفعل شيئاً، وقد قرأت يوماً خبراً -إن كان صحيحاً، فإننا نعيش في زمن التعاسة- قرأت يوماً في إحدى البلاد الإسلامية أن أماً مع أولادها ما كانت تملك شيئاً، حتى جاعوا، وبحثوا عن طعام فلم يجدوا حتى ماتت الأم بين أيدي الأولاد، الأم ثم جاع الأولاد فلم يجدوا طعاماً؛ فما وجدوا إلا شيئاً من اللحم بقي على عظام أمهم، فأخذوا يقطعون بعض اللحم ويأكلونه ليسدوا به جوعهم قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٨ - ٩] شهر رمضان يذكرك إذا جعت وإذا عطشت بالفقراء والمساكين كم ستصوم؟! اثنا عشر ساعة، ومن المسلمين من يصوم أربعاً وعشرين ساعة، بل يصوم يومين وثلاثة ولا يجد طعاماً يأكله، فإذا جعت تذكر إخوانك.

стр. 903

رمضان شهر المحبة والوئام شهر رمضان -يا عبد الله- شهر محبةٍ ووئام، إن كان بينك وبين إخوانٍ لك شحناء وبغضاء وغل وحسد فلا يأتي هذا الشهر إلا وقد رفعته عن قلبك، فإن الله لا يغفر لعبدين متشحانين، ترفع الأعمال إلى الله كل اثنين وخميس؛ فيغفر الله لكل عبدٍ لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلين بينهما شحناء، إن كان بينك وبين أخيك نزاعٌ وخصام وخلاف وبغضاء وشحناء، فالله الله في هذا الشهر أن تصلح ما بينك وبينه ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] كيف يقوم الليل من قام وفي قلبه لأخيه شحناء؟ كيف يتلذذ من يقرأ القرآن وفي قلبه على أخيه شحناء وبغضاء؟ كيف يهنأ بفطره ويتلذذ بصومه من بات ومن أصبح وأمسى وفي قلبه غلٌ على إخوانه المسلمين؟ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠].

стр. 904

رمضان شهر التوبة عباد الله: هذا الشهر شهر التائبين، شهر المقبلين على الله هل رأيت أرحم من الله؟ هل رأيت أكرم من الله جل وعلا؟ هل سمعت بكرمٍ أعظم من كرم الله جل وعلا؟ إنه شهرٌ يفتح الله فيه أنواع الرحمات، بل وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. هذا رجل من بني إسرائيل عبد الله أربعين سنة، كان صالحاً تقياً ثم انتكس، فعصى الله جل وعلا أربعين سنة أخرى، أربعين سنة يطيع الله، ثم أربعين سنة يعصي الله ويجاهر بالمعصية، ثم أراد أن يتوب، فقال: يارب! أطعتك أربعين عاماً، وعصيتك أربعين عاماً، فهل لي من توبةٍ إن أنا تبت وأنبت إليك يا رب؟ فإذا به يسمع منادٍ يناديه: عبدي! أطعتنا فقربناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإن رجعت إلينا قبلناك قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠]. إن لم يُغفر لك في رمضان فمتى؟! إن لم يرحمك الله في رمضان فمتى؟! إن لم يعتقك الله في رمضان فمتى يا أخي الكريم؟! الشياطين صفدت، والرحمات تنزل، والجنة فتحت أبوابها، وزينت لك يا عبد الله! فإن لم تقبل في رمضان فمتى؟! يا كثير العفو عمن كثر الذنب لديه جاءك المذنب يرجو الصفح عن جرمٍ لديه أنا ضيف وجزاء الضيف إحسانٌ إليه عبد الله! هل أنت مقبلٌ على الله؟ يبسط يده كل ليلة ليتوب مسيء النهار، وكل نهارٍ ليتوب مسيء الليل، قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر:٤٩] أخبرهم أني أنا الغفور الرحيم، بل قال في الآية الأخرى: إنه غفار، أي: كثير المغفرة: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه:٨٢] هل أنت تنوي أن تتوب في هذا الشهر من ذلك الصحن وهذا البث المباشر الذي أدخلته إلى بيتك؟ هل عزمت أن تخرجه في شهر رمضان توبة إلى الله جل وعلا؟ ورصيدك الذي لا زلت تحارب الله به سنوات، ودعيت إلى الله فازددت منه ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] هل أنت عازم على التوبة في هذا الشهر؟ ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]. أيتها المتبرجة! يا من أصررت على هذا الفعل! هل عزمت في هذا الشهر أن تتوبي إلى الله جل وعلا؟ أدعو كل امرأة في هذا الشهر أن تقبل على الله كيف تذهبين إلى الصلاة وتدمع عينك وتخشعين وتبكين من خشية الله، ثم ما أن ينتهي رمضان إلا وقد حسر الرأس والذراعان والساقان، ثم ظهرت الضحكات مرةً أخرى، ورجع الاختلاط مع الرجال والخلوة بهم؟! إلى متى لا نتوب إلى الله جل وعلا؟ ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر:٥٤].

стр. 905

نماذج للتائبين عبد الله! اسمع إلى أولئك التائبين، كيف تابوا؟ هذا شاب يقول: كنت مولعاً بالأغاني والطرب، كان يعشق مطربة وللأسف! شباب المسلمين الذين كانوا يعشقون السيوف، ولا يتلذذون إلا بالجهاد، وكان الواحد منهم يقف على أصابعه ليؤذن له في الموت، وكان ينادي معاذ ومعوذ ابني عفراء أحد الصحابة: يا عم! يا عم! أين أبو جهل؟ فيقول: ماذا تريدان؟ ما شأنكما وشأنه؟ قال: يا عم! سمعت أنه يسب رسول الله، فوالله لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. الله أكبر! هكذا الشباب. أما الشباب في هذا الزمن -إلا ما رحم ربك- فيبكي لأنها فارقته، يعتصر قلبه ألماً لأنها لم تلتفت إليه، يتقلب على الفراش بذكراها، تبكي عينه لفراقها تباً لأولئك الشباب! هكذا استبدلوا الأمجاد بهذه الأحوال هذا الشاب يقول: كنت مولعاً بمطربة وكنت أطرب بأغانيها، وأستمع إليها كل يوم من الصباح إلى المساء حتى في رمضان، صفدت الشياطين وبقي هو، لا يحتاج إلى شيطان، من الصباح إلى المساء على الأغاني والطرب، لا يصوم ولا يذكر الله، وكان يأتيه كل يوم رجل داعية يدعوه إلى الله جل وعلا، ولكنه يقول: كنت أتأثر ولكن عندما أذهب إلى البيت أرجع كما كنت، كل يوم على هذه الحالة، وكان الشيخ يدعوه، وهو يصر على الذنوب وعلى المعاصي يقول: وفي يوم من الأيام أغلظ علي في الموعظة، فذهبت إلى البيت ونمت؛ فرأيت فيما يرى النائم- اسمع ماذا رأى في المنام- يقول: كنت أمشي على شاطئ البحر، فإذا بي أسمع المطربة الفلانية تغني في النوم، وجاءني رجل، وقال: إن مطربتك المفضلة تغني فأسرع إليها، يقول: فأخذت أركض نحو الصوت على البحر؛ فإذا برجل يمسك بكتفي، فالتفت فإذا هو شيخ وقور كبير، فقلت له: ماذا تريد؟ قال: قف، قلت له: دعني أذهب إلى هذا الصوت، يقول: فإذا به يمسك بي ولا يسمح لي بالذهاب، وأنا أحاول أن أتركه ولكن لا فائدة، وإذا به يقرأ آية من كتاب الله: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢] ويردد الآية بترتيل، يقول: فاستيقظت من النوم وأنا أردد الآية وأبكي، لا أدري عن نفسي، حتى دخلت أمي وفزعت: مالك يا بني ما الذي جرى؟ وأنا أردد الآية وأبكي حتى بكت أمي معي، ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢] يقول: ومنذ تلك الليلة، ومنذ تلك اللحظات كسرت جميع الأشرطة، وأحرقت الصور، وبدأت بداية جديدة بيني وبين الله جل وعلا. يا من يعد غداً لتوبته أَعلَى يقينٍ من بلوغ غدِ المرء في زلل على أملٍ ومنية الإنسان بالرصدِ أيام عمرك كلها عدد ولعل يومك آخر العددِ لعل هذا اليوم هو آخر يوم، ولعل هذه اللحظة التي تسمعني الآن آخر لحظة، ولعلك -أيها العاصي المذنب- يختم الله لك على ذنبك وعلى معصيتك. رمضان شهر التوبة، رمضان شهر الإقبال على الله، كل ليلة يعتق الله فيه قوماً من النار ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] كان السابقون في قيام ليل وصيام نهار، ويخافون ألا يقبل الله منهم، ومن الناس في هذا الزمن على أفلام ومسلسلات وأغاني وطرب ومجون، وفي النهار نوم، وفي الليل لهوٌ ولعبٌ وعربدةٌ وطرب، هذا حال بعض المسلمين حتى في شهر رمضان، ثم بعدها يرجون رحمة الله، وأي رحمة ترجون؟! الفضيل بن عياض، عابد الحرمين، كان له ابن مات من القرآن، وهو علي بن الفضيل ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:٣٤] قرأ آية فبكى منها حتى مات، أما الفضيل بن عياض فقرأ يوماً قول الله جل وعلا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] فتوقف وبكى، وقال: يا رب! إن بلوت أخبارنا افتضحنا. إنا لله وإنا إليه راجعون! الصالحون يقولون هذا، فماذا يقول المذنبون؟! ماذا يقول من أمسى وأصبح عاصياً لله جل وعلا؟!

стр. 906

الاستعداد لشهر رمضان أيها الإخوة الكرام: نحن نعد العدة لاستقبال هذا الشهر، ونحن -أيها الإخوة الكرام- نتجهز لقدومه، منا من يتجهز بالطعام والشراب، وبالموائد والولائم، وبالسهرات، وبالرحلات، ومنا من يعد العدة ألا يخرج عليه هذا الشهر إلا وقد غفر الله له ذنوبه كلها، فمن أي الفريقين أنت؟ من الناس من يعد العدة لبرامج التلفاز، وأنا أقول هذه الكلمات وأرجو أن تصل للقائمين على الإعلام: أن يتقوا الله جل وعلا في المسلمين، أن يخافوا الله جل وعلا، ولعل واحداً منهم يسمعني، ولعل هذا الصوت يصل إلى أحدهم، أقول له: اتق الله جل وعلا، شهر رمضان شهر قرآن وذكر وقيام وصيام وعبادة للرحمن جل وعلا، لا شهر طرب ولهو وأفلام ومسلسلات، تقول لي: إذاً ماذا أفعل؟ أقول لك: تب إلى الله جل وعلا، تب مما جنيت وأنت حي، وارجع إلى ربك جل وعلا، واهجر ذلك العمل، واترك فإن الرزق عند الله جل وعلا، وأقول لهم: اتقوا الله جل وعلا، وحافظوا على دين الناس وعلى عبادة الناس، فكم من الناس من يجلس أمام التلفاز للأسف! أقول لك: سل نفسك: هل تنتظر بفارغ الصبر تلك الليالي وهذه الأيام وهذه اللحظات للبكاء من خشية الله، أم تنتظر تلك السهرات والأفلام؟ ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]. وفي نهاية الحديث أسال الله ﵎ أن يبلغني وإياكم هذا الشهر أيامه ولياليه، وأن يتقبل منا صيامنا وقيامنا، هذا وصلِّ اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 907

من الطارق ؟ الموت هو الزائر بلا استئذان، فهو يأتي بلا موعد، فيسلبك الروح دون رضاك، خاف منه الصغير والكبير، القوي والضعيف، الغني والفقير، خاف منه السلف، ولم يعتبر منه الخلف.

стр. 908

تذكير بالموت الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة الكرام: من الطارق؟! هذه الكلمات أسأل الله ﵎ أن يفتح لها القلوب، وأسأل الله جل وعلا أن لا يفرق هذا الجمع إلا بذنبٍ مغفور، وأسأله ﵎ كما جمعنا في هذا الجمع الكريم أن يجمعنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأن يجمعني وإياكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

стр. 909

الموت يزورك بلا موعد أيها الإخوة الكرام: كم من الناس من يعيش في هذه الدنيا يلهو ويلعب، ينام ويستيقظ، يأكل ويشرب، ينكح النساء وينجب الأبناء، ويظن هذا المسكين أنه في هذه الدنيا مخلد، يظن أنه لما يجمع المال ويبني القصور ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة:٣] يظن أنه سوف يعيش أبداً في هذه الدنيا، والمسكين لا يدري أنه في تلك الليلة الموعودة، أو في ذلك اليوم الأخير لعله كان جالساً مع أولاده وبناته الصغار يداعبهم ويلاعبهم، المسكين ما صلى ظهراً ولا عصراً، ما صلى لله ، ولعله قضى ليلته في الحرام، أو بالنظر إلى النساء، أو باستماع الأغاني، ثم داعب أهله وأولاده ثم ذهب إلى الفراش بعد أن قال لهم: أيقظوني للعمل، ولا يفكر في صلاة الفجر، ولا في قيام الليل، بل لربما نام على جنابة، فإذا به أثناء النوم يأتيه شيءٌ غريب فيقول له: من أنت؟! قال: أنا ملك الموت -ما الذي جاء بك؟! طرق البيت ودخل بغير استئذان، إنه الطارق، ما الذي جاء بك؟! - جئت أنتزع الروح، وأقبض الأمانة، الأمر سريع، والخطب فضيع، وهذا المسكين يقول للملك: أمهلني دقائق، حتى أصلي ركعتين أتوب بها إلى الله، ما اغتسلت من جنابة، عندي أموال لا زالت من الربا لم أرجعها، ولم أنفقها في الحلال، عندي بعض المظالم لم أرجعها إلى أصحابها. أمهلني دقائق، أرجع فأصلي لله ركعات، أسجد لله سجدة أتوب بها: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩]. ما الذي حدث؟ إن الروح بدأت تخرج، وبدأ ينزعها ملك الموت، فخرجت من رجليه؛ ما بال الرجلين بدأتا تبردان يصيح جاءت الزوجة فقالت له: ما بالك يا فلان؟ ما الذي جرى؟ ما الذي حدث؟ ينظر إليها ولا يستطيع أن يجيب، حشرجت نفسه في صدره، وبدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة بكت الزوجة، ونادت الأولاد، ونادت من في البيت، جاء الأولاد الصغار، بدأت البنت تبكي وتنطرح على صدره وتقول: أبتِ! ما لك لا تجيب؟ وجاء الولد وهو يقول: يا أبتِ قبل قليل كنت تداعبنا، كنت تلاعبنا، كنت تضاحكنا، ما لك الآن لا تجيب؟ ينظر بعينين دامعتين، وهو لا يستطيع حراكاً. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] من هؤلاء؟ إنهم ملائكة سود الوجوه؛ لسود صحائفه، وسود أعماله، وسواد قلبه جاء الله بملائكة سود، من أنتم؟! إنهم من سوف يشيعونه إلى الملأ الأعلى، بدأت الروح تخرج، بدأت تتوزع في الجسد، وبدأ ملك الموت ينتزع ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً﴾ [النازعات:١] * ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً﴾ [النازعات:٢]. بدأ ينزع الروح وهي تتقطع وتقطع معها المفاصل والعروق، وهو يصيح ويبكي ولكن جاء الأب، جاء الحبيب، جاء الخل، جاء الأخ، جاء الأولاد، جاءت البنات انطرحوا على صدره، بكوا حوله، جاء الأب بالطبيب لعل الطبيب يسعفه وهو في اللحظات الأخيرة، تظنه بم يفكر؟ يفكر في دنياه، يسمع القلب يضرب الضربات الأخيرة. دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائقٌ وثواني إن الحياة دقائق ذهبت، وثوانٍ مضت، وأعوامٌ ذهبت وانصرمت، ماذا فعلت فيها يا عبد الله؟ مسكين قبل قليل كان يضحك ويلعب، وكان يلهو ويفرح. وعد أهله وأولاده بالسفر هذه السنة، كان يقول لهم قبل قليل: سوف نسافر إلى بلد كذا وكذا، وكان يجمع الأموال ويعد العدة للسفر، وكان يوعد الزوجة بتأثيث هذه الغرفة، وبشراء ذلك البيت، بل كان يحسب الرصيد حتى يأتيه بمال ليتزوج الزوجة الثانية، أو ليشتري سيارة أخرى أو يبني قصراً، أو يؤثث بيتاً، ولكن مسكين كل هذا ذهب بلمح البصر.

стр. 910

لا أحد ينفعك عند سكرات الموت ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة:٢٦] وصلت الروح إلى الترقوة والعينان تبصران، ولكنه لا يستطيع حراكاً ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة:٢٦] * ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٧]. من يداويه؟ من يعالجه؟ من يطببه؟ ما بال هذا الطارق لم يستأذني؟ ما باله جاءني بغتة؟ ما باله لم يخبرني حتى أرجع المظالم إلى أهلها؟ لِمَ لم يحدثني قبلها بفترة حتى أتوب؟ وقد كان كلما نصح وكلما وعظ: يا فلان! اتق الله، يا فلان! استقم على أمر الله، يقول: إن شاء الله قبل أن أموت. ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة:٢٦] * ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٧] * ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة:٢٨] المسكين تأكد أن الأمر انتهى، وعلم أن الدنيا قد انقضت، حياة الزوجة والبيت والأثاث، والسيارات والمراكب، الجلوس في الدواوين إلى آخر الليل، الأفلام والمسلسلات، المباريات على الأرصفة، الأرصدة الضخمة، كلها ذهبت وولت بلمح البصر، وصارت أغلى أمنية له أن يرجع للدنيا ليركع ركعة، وغاية ما يتمنى أن يؤخر لحظات ليتوب إلى الله، ولكن ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:١٠٠] كلمة يقولها كما كان يقولها في الدنيا، كلما وقع بمصيبة قال: ربي لئن كشفت عني المصيبة تبت، فلما انكشفت رجع على حاله، كذب على الله جل وعلا مرات ومرات، كلما ضاقت به الأمور قال: رب لئن فرجتها عني لأرجعن إليك ولأتوبن، فلما انفردت الأمور رجع إلى ذنوبه ومعاصيه ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]. يسمع الزوجة تقول له: لمن تتركنا؟! ولمن تخلفنا يا فلان؟ تذهب وتتركني مع أولادك الصغار، فمن يربيهم؟ من يطعمهم؟ من يسقيهم؟ يا فلان! أجبني، والبنت الصغيرة تقول له: يا أبتِ لِمَ لا تجيب؟ يا أبتِ من يوصلني إلى المدرسة؟ يا أبت! من يشتري لي اللعبة التي وعدتني إياها؟ والابن يقول له: يا أبتِ! ألم تعدني قبل ساعاتٍ وقبل لحظات بسفرٍ إلى بلد كذا؟ ألم تخبرني أنك سوف تأخذني غداً إلى هذا المكان؟ يا أبتِ لم لا تجيب؟ وهو جثة هامدة، لم يبق فيه إلا عينان تبصران، ولا يستطيع أن يحرك ساكناً: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة:٢٨]. ثم غسل وكفن ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٩] * ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَسَاق﴾ [القيامة:٣٠] ثم صلي عليه وحمل على الأعناق، فإن كان فاجراً، يقول وهو محمول على الأعناق: يا ويلها، يا ويلها، أين تذهبون بها؟ يا ويلها ما صلت! يا ويلها ما خشعت! يا ويلها ما تابت! يا ويلها ما ندمت! يا ويلها كانت تصر على المعاصي والذنوب! كانت تقلب بصرها في الحرام، يا ويلها طالما مشت إلى الفجور، وإلى المعاصي، وإلى الحرام والخنا والزنا! يا ويلها كانت تخطط للذنوب والحرام، يا ويلها أين تذهبون بها؟ ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَسَاق﴾ [القيامة:٣٠]. فإذا به يوضع وتخيل -عبد الله- فلعل هذه الليلة التي تسمعني بها هي الأخيرة! [[إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء]].

стр. 911

شدة خوف السلف من الموت أخي الكريم: هل رأيت مصرعاً كهذا؟ هل رأيت رجلاً كهذا الرجل؟ كان يأمل ويحلم، ويخطط، ولكن الأجل كان أقرب من حلمه. الحسن البصري رأى رجلاً يصرع فيموت، فرجع إلى البيت، فقيل له: يا أبا سعيد العشاء! فلم يجبهم، ثم قالوا له: يا أبا سعيد العشاء! فلم يجبهم، ثم قالوا له: يا أبا سعيد العشاء رحمك الله! قال: [كلوا عشاءكم؛ فإني رأيت مصرعاً لا أزال أعمل له حتى ألقاه] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٥]. تخيل نفسك -يا عبد الله- على الفراش، تتنازع الروح! بل تخيل بحادث سيارة، لعلك قلت للأهل: سوف أذهب وأشتري لكم الأغراض ثم آتي إلى البيت، ولكنه الحادث الأخير، تخيل وأنت ذاهبٌ وخلفت الصلاة خلفك، وتركتها وضيعتها، ذاهبٌ إلى أين؟ لتشتري الحرام، أو لتجلس مع أصحاب السوء، أو لتذهب إلى الملاعب والملاهي، تاركاً خلفك الصلاة والمؤذن ينادي، فإذا بملك الموت ينتظرك: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥]. عمر بن عبد العزيز، كان في كل ليلة يجلس ويجمع حوله الفقهاء والعلماء، فيتذاكرون الموت والدار الآخرة، فيبكي ويبكون وكأنما جنازة مرت بينهم، أوكأنهم شيعوا جنازة. الموت، هادم اللذات -يا عبد الله- لا يستأذنك ولا يخبرك، بل يأتيك بغتة، بل وتخرج نفسك فلتة. عبد الله! لن تدرك أن تتوب إلا إذا وفقك الله، لا تقل: غداً أتوب، ولا تقل: في العام القادم، ولا تقل: إذا اعتمرت، ولا تقل: إن شاء الله إذا حججت، ولا تقل: إذا تزوجت، ولا تقل: إذا فعلت كذا وكذا أتوب إلى الله، وما يدريك أنك سوف تدرك هذه الأيام. تفكر في مشيبك والمآبِ ودفنك بعد عزك بالتراب إذا وافيت قبراً أنت فيه تقيم به إلى يوم الحسابِ وفي أوصال جسمك حين تبقى مقطعة ممزقة الإهابِ فلولا القبر صار عليك ستراً لأنتنت الأباطح والروابي خلقت من التراب فصرت حيا وعلمت الفصيح من الخطابِ فطلق هذه الدنيا ثلاثاً وبادر قبل موتك بالمتابِ نصحتك فاستمع قولي ونصحي فمثلك قد يبل على الصوابِ خلقنا للممات ولو تركنا لضاق بنا الفسيح من الرحابِ ينادى في صبيحة كل يومٍ لدول الموت وابنوا للخرابِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥] كم من الناس من فضحه الله؛ كان يتظاهر أمام الناس بالصلاح، وسيماه سيماء المتدين، ولكنه للأسف بينه وبين نفسه معصية يصر عليها! كان إذا جاء إلى البيت يغلق على نفسه البيت ويطفئ الأضواء ويرتكبها، وإذا خاطبته نفسه قال: الله غفور رحيم، والمسكين ما كان يدري أن ملك الموت قد دخل عليه في تلك اللحظة وقبض روحه واستل نفسه من بين جنبيه.

стр. 912

قرناء السوء وخطرهم اسمعوا إلى هذا الرجل الذي كان يصلي، وكان مع الصالحين، ولكن ضعفت نفسه، وفتر إيمانه، وقل دينه، فصار لا يحافظ إلا على الصلاة، ويرتكب كثيراً من المعاصي والذنوب، انظر كيف مكر فمكر الله به، جلس يوماً مع أصحابه أصحاب السوء، فقالوا له: يا فلان! ما رأيك أن نذهب إلى بلاد كذا؟ قال: معاذ الله! ولا زال في القلب دينٌ وإيمان، قال: معاذ الله لا أذهب معكم، فلا زالوا به يراودونه، يا فلان! تعال معنا ولا تفعل شيئاً من الحرام، تعال وتمتع ولا ترتكب شيئاً من الإثم، قال: لا لن أذهب معكم، فلا زالوا به -أصحاب السوء- حتى أقنعوه بأن يسافر معهم. ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣] غره بالله الشيطان، فسافر إلى تلك البلاد، فكان في كل ليلة يذهب أصحابه يسهرون على الحرام والخمر والنساء، ومعاقرة الحرام، وكان يمكث في غرفته لوحده، ولا يخرج معهم، ولا يرتكب الحرام معهم، فتقاسموا بينهم، ومكروا مكراً، وقالوا: فلان لا يرتكب الحرام معنا لا بد أن نوقعه معنا في الحرام. كيف؟ سوف نأتيه بعاهرة داعرة إلى غرفته؛ انظر لأصحاب السوء؛ قال الله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] الله يقول لك: لا تطع أولئك النفر الذين همهم الدنيا، وغايتهم الحرام، ويجلسون على الحرام، ويمسون عليه، ويقومون عليه، مجالسهم التلفاز والستلايت، والأفلام والمسلسلات، أحاديثهم عن النساء، وعن الفحش والبذاءة، غايتهم في الدنيا الحرام والمعاصي والذنوب، لا تطعهم ولا تجالسهم ولا تصاحبهم، لا تصاحب إلا مؤمناً، لكنه -للأسف- استرسل معهم. جاءوه في تلك الليلة الحمراء، في ذلك اليوم المشئوم، فدخلوا عليه، وأدخلوا عليه العاهرة الداعرة، وأغروها بمال أن تراوده على نفسها، ثم أغلقوا الباب عليه، فلا زال يردها وتراوده، ويدفعها وتغريه، ويمتنع وتشهيه، فإذا به في لحظة ضعف ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٤ - ٤٥] وفي لحظة ضعف وقع عليها فزنى بها، فلما زنى فإذا بالطارق يدخل غرفته واستل روحه، وقبض الله روحه، يبعث على ما مات عليه ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت:٥٧].

стр. 913

احذر أن تموت على معصية عبد الله! لا تقل: لا أحد يراني، وسوف أفعلها وإن شاء الله أصلي الفجر وينتهي الأمر، وما يدريك أنك تدرك وقت الفجر؟ وما يدريك -يا عبد الله- أن الله سوف يؤخرك بالتوبة؟ اسمع -يا عبد الله- إلى حالك بعد أن تموت، وبعد أن تخرج الروح! فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حيٍ ولكنا إذا متنا بعثنا ونُسأل بعدها عن كل شيء نعم. ترى جسداً لا حراك فيه، ولكن الروح اسمع ما الذي سوف يحدث لها؟ من الذي يدفنه؟ إنه أحب الناس إليه، بل أقربهم إليه من يسرع في دفنه، ومن يسرع في حثو التراب على وجهه، بل يتقرب الناس بدفنك في التراب، ثم بعد دقائق لا أحد يمكث على قبرك، وبعدها بلحظات نُسيت يا عبد الله! زوجتك بعد أيام أو بعد شهور تتزوج غيرك، وأولادك لا يسألون إلا عن الميراث، وأبوك رضى بقدر الله، هي الدنيا لقد جرب غيرها من المصائب، نسيك بعد أيام، أتظن -يا عبد الله- أنهم سوف يعكفون على قبرك يؤنسونك ويلاطفونك ويحادثونك؟! لا يا عبد الله، اسمع ما الذي سوف يجري عليك؟ وما الذي سوف يحدث لك؟ اسمع إن كنت غافلاً أو لاهياً؛ صاداً عن ذكر الله. ذنوبك يا مغرور تحصى وتحسبُ وتجمع في لوحٍ حفيظٍ وتكتبُ وقلبك في سهوٍ ولهوٍ وغفلة وأنت على الدنيا حريصٌ معذبُ تباهي بجمع المال من غير حله وتسعى حثيثاً في المعاصي وتذنبُ أما تذكر الموت المفاجيك في غدٍ أما أنت من بعد السلامة تعطبُ أما تذكر القبر الوحيش ولحده به الجسم من بعد العمارة يخربُ لعلك الليلة تدخله، لعلك لن ترى شمس الغد، لعلك -يا عبد الله- لن ترجع إلى البيت الآن، لعل هذه الكلمات الأخيرة التي تسمعها الآن، ما يدريك؟ لعل الملك الآن يطرق هذه الغرفة.

стр. 914

قصيدة عن الموت عبد الله! لا تقل: لما أرجع سوف أتوب، لا تقل: بعد نهاية هذه المحاضرة، الآن الآن تب واندم، ولتدمع العين، وما يدريك لعلها اللحظات الأخيرة أما تذكر القبر الوحيش ولحده به الجسم من بعد العمارة يخربُ الجسم الجميل الذي كان يقف أمام المرآة الساعات الطوال يحسنه ويجمله، وكان يتطيب ويغتسل، ولا يرضى بقذارة على جسمه، بعد أيام وبعد لحظات إذا بالدود ينهشه، إذا به ينتن، بعد أيام لو نبشت القبر لا تتحمل رائحته. يقول أحد الصالحين: أما تذكر اليوم الطويل وهوله وميزان قسط للوفاء سينصب تروح وتغدو في مراحك لاهياً وسوف بأشراك المنية تنشبُ تعالج نزع الروح من كل مفصلٍ فلا راحمٍ ينجي ولا ثم مهربُ أرجو منك -يا عبد الله- وأنت تسمعني أن تتخيل نفسك! وأن تتمثل أنك أنت الموصوف. تعالج نزع الروح من كل مفصلٍ فلا راحمٍ ينجي ولا ثم مهربُ وغمضت العينان بعد خروجها وبسطت الرجلان والرأس يعصبُ وقاموا سراعاً في جهازك يحضروا حنوطاً وأكفاناً وللماء قربوا وغاسلك المحزون لعله أخ ولعله أبوك ولعله خليلك وغاسلك المحزون تبكي عيونه بدمعٍ غزيرٍ واكفٍ يتصببُ وكل حبيبٍ لبه متحرقٌ يحرك كفينِ عليك ويندبُ وقد نشروا الأكفان من بعد طيها وقد بخروا منشورهن وطيبوا وألقوك فيما بينهن وأدرجوا عليك مثاني طيهن وعصّبوا وفي حفرةٍ ألقوك حيران مفردا تضمك بيداءٌ من الأرض سبسبُ إذا كان هذا حالنا بعد موتنا فكيف يطيب اليوم أكلٌ ومشربُ وكيف يطيب العيش والقبر مسكنٌ به ظلماتٌ غيهبٌ ثم غيهبُ وهولٌ وديدانٌ وروعٌ ووحشة وكل جديدٍ سوف يبلى ويذهبُ فيا نفس خافي الله وارجي ثوابه فهادم لذات الفتى سوف يقربُ وقولي إلهي أولني منك رحمة وعفواً فإن الله للذنب يذهبُ ولا تحرقن جسمي بنارك سيدي فجسمي ضعيفٌ والرجا منك أقربُ فما لي إلا أنت يا خالق الورى عليك اتكالي أنت للخلق مهربُ وصلِّ إلهي كلما بر شارقٌ على أحمد المختار ما لاح كوكبُ

стр. 915

أقوال في الموت يقول ابن عباس ﵄ عندما قرأ قول الله وبكى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٨٤]: [آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخول قبرك] ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٨٤]. عبد الله! قبل أن أختم حديثي معك، إياك إياك أن تحسن الظن بنفسك، وإياك إياك أن تقول: أصبت الفردوس الأعلى، أو نجوت من النار. فهذا عمر كان يخاف على نفسه النفاق، وهذا عمر بن عبد العزيز كان يبكي عندما يمر بالقبور وينظر إليها. وهذا أبو بكر لما رأى الطير قال: [يا ليتني كنت طيراً مثل هذا، يموت ولا حساب ولا عذاب]. وهذا عثمان الذي اشترى الجنة ثلاث مرات بماله، يقول: [والله لو كنت بين الجنة والنار ولا أدري إلى أيهما أصير لتمنيت أن أكون رماداً]. أما أبو عبد الله محمد بن المنكدر فقد بكى حتى أشفق عليه أهله فقالوا له: لمَ تبكي يا أبا عبد الله؛ أمات عليك أحد؟ أقتلت نفساً؟ بكى، ولم يجبهم بسبب بكائه فأرسلوا إلى صاحبه أبي حازم، فقالوا له: إن صاحبك أهلك نفسه بالبكاء؛ فأتِ إليه وخفف عنه، فجاءه وقال له: يا أبا عبد الله! ما الذي يبكيك؟! قال له: يا أبا حازم! يبكيني قول الله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] كان يحتسب أنه من أهل الخير، ولكن للأسف؛ رياءٌ في رياء، ولكن للأسف؛ ملئ القلب بالنفاق، ولكن للأسف كانت عنده معاص يصر عليها، فختم الله له حياته بها. نعم ارج الله ولا تيأس من رحمته، ولكن اندم على ما مضى، واعزم على ألا تعود إلى حياتك الماضية، وقل: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] اقدم إلى الله جل وعلا، وتب إليه ولتدمع العينان. عبد الله! إلى متى وأنت تصر على المعاصي والذنوب؟ إلى متى وأنت تقول: إن ربي غفورٌ رحيم ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦]. إلى متى -يا أخي الكريم- تسمع الأذان وتولي؟ إلى متى -يا عبد الله- تقوم من الفراش وتعلم أن الفجر قد أذن وحل، ثم ترجع إلى الفراش وتنام؟! إلى متى -يا عبد الله- تتظاهر بالصلاح، ثم إذا خلوت بمحارم الله انتهكتها، وتصر ولا تندم، ولا ترجع إلى الله جل وعلا. إلى متى يا عبد الله؟ إلى متى تتساهل بالصغائر حتى وقعت في الكبائر؟ إلى متى يا عبد الله؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
следующие страницы →