← Джавами‘

Джавами‘ · id 7717

دروس للشيخ نبيل العوضي

نبيل العوضي

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

شدة خوف السلف من الموت أخي الكريم: هل رأيت مصرعاً كهذا؟ هل رأيت رجلاً كهذا الرجل؟ كان يأمل ويحلم، ويخطط، ولكن الأجل كان أقرب من حلمه. الحسن البصري رأى رجلاً يصرع فيموت، فرجع إلى البيت، فقيل له: يا أبا سعيد العشاء! فلم يجبهم، ثم قالوا له: يا أبا سعيد العشاء! فلم يجبهم، ثم قالوا له: يا أبا سعيد العشاء رحمك الله! قال: [كلوا عشاءكم؛ فإني رأيت مصرعاً لا أزال أعمل له حتى ألقاه] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٥]. تخيل نفسك -يا عبد الله- على الفراش، تتنازع الروح! بل تخيل بحادث سيارة، لعلك قلت للأهل: سوف أذهب وأشتري لكم الأغراض ثم آتي إلى البيت، ولكنه الحادث الأخير، تخيل وأنت ذاهبٌ وخلفت الصلاة خلفك، وتركتها وضيعتها، ذاهبٌ إلى أين؟ لتشتري الحرام، أو لتجلس مع أصحاب السوء، أو لتذهب إلى الملاعب والملاهي، تاركاً خلفك الصلاة والمؤذن ينادي، فإذا بملك الموت ينتظرك: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥]. عمر بن عبد العزيز، كان في كل ليلة يجلس ويجمع حوله الفقهاء والعلماء، فيتذاكرون الموت والدار الآخرة، فيبكي ويبكون وكأنما جنازة مرت بينهم، أوكأنهم شيعوا جنازة. الموت، هادم اللذات -يا عبد الله- لا يستأذنك ولا يخبرك، بل يأتيك بغتة، بل وتخرج نفسك فلتة. عبد الله! لن تدرك أن تتوب إلا إذا وفقك الله، لا تقل: غداً أتوب، ولا تقل: في العام القادم، ولا تقل: إذا اعتمرت، ولا تقل: إن شاء الله إذا حججت، ولا تقل: إذا تزوجت، ولا تقل: إذا فعلت كذا وكذا أتوب إلى الله، وما يدريك أنك سوف تدرك هذه الأيام. تفكر في مشيبك والمآبِ ودفنك بعد عزك بالتراب إذا وافيت قبراً أنت فيه تقيم به إلى يوم الحسابِ وفي أوصال جسمك حين تبقى مقطعة ممزقة الإهابِ فلولا القبر صار عليك ستراً لأنتنت الأباطح والروابي خلقت من التراب فصرت حيا وعلمت الفصيح من الخطابِ فطلق هذه الدنيا ثلاثاً وبادر قبل موتك بالمتابِ نصحتك فاستمع قولي ونصحي فمثلك قد يبل على الصوابِ خلقنا للممات ولو تركنا لضاق بنا الفسيح من الرحابِ ينادى في صبيحة كل يومٍ لدول الموت وابنوا للخرابِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥] كم من الناس من فضحه الله؛ كان يتظاهر أمام الناس بالصلاح، وسيماه سيماء المتدين، ولكنه للأسف بينه وبين نفسه معصية يصر عليها! كان إذا جاء إلى البيت يغلق على نفسه البيت ويطفئ الأضواء ويرتكبها، وإذا خاطبته نفسه قال: الله غفور رحيم، والمسكين ما كان يدري أن ملك الموت قد دخل عليه في تلك اللحظة وقبض روحه واستل نفسه من بين جنبيه.

стр. 912

قرناء السوء وخطرهم اسمعوا إلى هذا الرجل الذي كان يصلي، وكان مع الصالحين، ولكن ضعفت نفسه، وفتر إيمانه، وقل دينه، فصار لا يحافظ إلا على الصلاة، ويرتكب كثيراً من المعاصي والذنوب، انظر كيف مكر فمكر الله به، جلس يوماً مع أصحابه أصحاب السوء، فقالوا له: يا فلان! ما رأيك أن نذهب إلى بلاد كذا؟ قال: معاذ الله! ولا زال في القلب دينٌ وإيمان، قال: معاذ الله لا أذهب معكم، فلا زالوا به يراودونه، يا فلان! تعال معنا ولا تفعل شيئاً من الحرام، تعال وتمتع ولا ترتكب شيئاً من الإثم، قال: لا لن أذهب معكم، فلا زالوا به -أصحاب السوء- حتى أقنعوه بأن يسافر معهم. ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣] غره بالله الشيطان، فسافر إلى تلك البلاد، فكان في كل ليلة يذهب أصحابه يسهرون على الحرام والخمر والنساء، ومعاقرة الحرام، وكان يمكث في غرفته لوحده، ولا يخرج معهم، ولا يرتكب الحرام معهم، فتقاسموا بينهم، ومكروا مكراً، وقالوا: فلان لا يرتكب الحرام معنا لا بد أن نوقعه معنا في الحرام. كيف؟ سوف نأتيه بعاهرة داعرة إلى غرفته؛ انظر لأصحاب السوء؛ قال الله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] الله يقول لك: لا تطع أولئك النفر الذين همهم الدنيا، وغايتهم الحرام، ويجلسون على الحرام، ويمسون عليه، ويقومون عليه، مجالسهم التلفاز والستلايت، والأفلام والمسلسلات، أحاديثهم عن النساء، وعن الفحش والبذاءة، غايتهم في الدنيا الحرام والمعاصي والذنوب، لا تطعهم ولا تجالسهم ولا تصاحبهم، لا تصاحب إلا مؤمناً، لكنه -للأسف- استرسل معهم. جاءوه في تلك الليلة الحمراء، في ذلك اليوم المشئوم، فدخلوا عليه، وأدخلوا عليه العاهرة الداعرة، وأغروها بمال أن تراوده على نفسها، ثم أغلقوا الباب عليه، فلا زال يردها وتراوده، ويدفعها وتغريه، ويمتنع وتشهيه، فإذا به في لحظة ضعف ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٤ - ٤٥] وفي لحظة ضعف وقع عليها فزنى بها، فلما زنى فإذا بالطارق يدخل غرفته واستل روحه، وقبض الله روحه، يبعث على ما مات عليه ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت:٥٧].

стр. 913

احذر أن تموت على معصية عبد الله! لا تقل: لا أحد يراني، وسوف أفعلها وإن شاء الله أصلي الفجر وينتهي الأمر، وما يدريك أنك تدرك وقت الفجر؟ وما يدريك -يا عبد الله- أن الله سوف يؤخرك بالتوبة؟ اسمع -يا عبد الله- إلى حالك بعد أن تموت، وبعد أن تخرج الروح! فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حيٍ ولكنا إذا متنا بعثنا ونُسأل بعدها عن كل شيء نعم. ترى جسداً لا حراك فيه، ولكن الروح اسمع ما الذي سوف يحدث لها؟ من الذي يدفنه؟ إنه أحب الناس إليه، بل أقربهم إليه من يسرع في دفنه، ومن يسرع في حثو التراب على وجهه، بل يتقرب الناس بدفنك في التراب، ثم بعد دقائق لا أحد يمكث على قبرك، وبعدها بلحظات نُسيت يا عبد الله! زوجتك بعد أيام أو بعد شهور تتزوج غيرك، وأولادك لا يسألون إلا عن الميراث، وأبوك رضى بقدر الله، هي الدنيا لقد جرب غيرها من المصائب، نسيك بعد أيام، أتظن -يا عبد الله- أنهم سوف يعكفون على قبرك يؤنسونك ويلاطفونك ويحادثونك؟! لا يا عبد الله، اسمع ما الذي سوف يجري عليك؟ وما الذي سوف يحدث لك؟ اسمع إن كنت غافلاً أو لاهياً؛ صاداً عن ذكر الله. ذنوبك يا مغرور تحصى وتحسبُ وتجمع في لوحٍ حفيظٍ وتكتبُ وقلبك في سهوٍ ولهوٍ وغفلة وأنت على الدنيا حريصٌ معذبُ تباهي بجمع المال من غير حله وتسعى حثيثاً في المعاصي وتذنبُ أما تذكر الموت المفاجيك في غدٍ أما أنت من بعد السلامة تعطبُ أما تذكر القبر الوحيش ولحده به الجسم من بعد العمارة يخربُ لعلك الليلة تدخله، لعلك لن ترى شمس الغد، لعلك -يا عبد الله- لن ترجع إلى البيت الآن، لعل هذه الكلمات الأخيرة التي تسمعها الآن، ما يدريك؟ لعل الملك الآن يطرق هذه الغرفة.

стр. 914

قصيدة عن الموت عبد الله! لا تقل: لما أرجع سوف أتوب، لا تقل: بعد نهاية هذه المحاضرة، الآن الآن تب واندم، ولتدمع العين، وما يدريك لعلها اللحظات الأخيرة أما تذكر القبر الوحيش ولحده به الجسم من بعد العمارة يخربُ الجسم الجميل الذي كان يقف أمام المرآة الساعات الطوال يحسنه ويجمله، وكان يتطيب ويغتسل، ولا يرضى بقذارة على جسمه، بعد أيام وبعد لحظات إذا بالدود ينهشه، إذا به ينتن، بعد أيام لو نبشت القبر لا تتحمل رائحته. يقول أحد الصالحين: أما تذكر اليوم الطويل وهوله وميزان قسط للوفاء سينصب تروح وتغدو في مراحك لاهياً وسوف بأشراك المنية تنشبُ تعالج نزع الروح من كل مفصلٍ فلا راحمٍ ينجي ولا ثم مهربُ أرجو منك -يا عبد الله- وأنت تسمعني أن تتخيل نفسك! وأن تتمثل أنك أنت الموصوف. تعالج نزع الروح من كل مفصلٍ فلا راحمٍ ينجي ولا ثم مهربُ وغمضت العينان بعد خروجها وبسطت الرجلان والرأس يعصبُ وقاموا سراعاً في جهازك يحضروا حنوطاً وأكفاناً وللماء قربوا وغاسلك المحزون لعله أخ ولعله أبوك ولعله خليلك وغاسلك المحزون تبكي عيونه بدمعٍ غزيرٍ واكفٍ يتصببُ وكل حبيبٍ لبه متحرقٌ يحرك كفينِ عليك ويندبُ وقد نشروا الأكفان من بعد طيها وقد بخروا منشورهن وطيبوا وألقوك فيما بينهن وأدرجوا عليك مثاني طيهن وعصّبوا وفي حفرةٍ ألقوك حيران مفردا تضمك بيداءٌ من الأرض سبسبُ إذا كان هذا حالنا بعد موتنا فكيف يطيب اليوم أكلٌ ومشربُ وكيف يطيب العيش والقبر مسكنٌ به ظلماتٌ غيهبٌ ثم غيهبُ وهولٌ وديدانٌ وروعٌ ووحشة وكل جديدٍ سوف يبلى ويذهبُ فيا نفس خافي الله وارجي ثوابه فهادم لذات الفتى سوف يقربُ وقولي إلهي أولني منك رحمة وعفواً فإن الله للذنب يذهبُ ولا تحرقن جسمي بنارك سيدي فجسمي ضعيفٌ والرجا منك أقربُ فما لي إلا أنت يا خالق الورى عليك اتكالي أنت للخلق مهربُ وصلِّ إلهي كلما بر شارقٌ على أحمد المختار ما لاح كوكبُ

стр. 915

أقوال في الموت يقول ابن عباس ﵄ عندما قرأ قول الله وبكى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٨٤]: [آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخول قبرك] ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٨٤]. عبد الله! قبل أن أختم حديثي معك، إياك إياك أن تحسن الظن بنفسك، وإياك إياك أن تقول: أصبت الفردوس الأعلى، أو نجوت من النار. فهذا عمر كان يخاف على نفسه النفاق، وهذا عمر بن عبد العزيز كان يبكي عندما يمر بالقبور وينظر إليها. وهذا أبو بكر لما رأى الطير قال: [يا ليتني كنت طيراً مثل هذا، يموت ولا حساب ولا عذاب]. وهذا عثمان الذي اشترى الجنة ثلاث مرات بماله، يقول: [والله لو كنت بين الجنة والنار ولا أدري إلى أيهما أصير لتمنيت أن أكون رماداً]. أما أبو عبد الله محمد بن المنكدر فقد بكى حتى أشفق عليه أهله فقالوا له: لمَ تبكي يا أبا عبد الله؛ أمات عليك أحد؟ أقتلت نفساً؟ بكى، ولم يجبهم بسبب بكائه فأرسلوا إلى صاحبه أبي حازم، فقالوا له: إن صاحبك أهلك نفسه بالبكاء؛ فأتِ إليه وخفف عنه، فجاءه وقال له: يا أبا عبد الله! ما الذي يبكيك؟! قال له: يا أبا حازم! يبكيني قول الله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] كان يحتسب أنه من أهل الخير، ولكن للأسف؛ رياءٌ في رياء، ولكن للأسف؛ ملئ القلب بالنفاق، ولكن للأسف كانت عنده معاص يصر عليها، فختم الله له حياته بها. نعم ارج الله ولا تيأس من رحمته، ولكن اندم على ما مضى، واعزم على ألا تعود إلى حياتك الماضية، وقل: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] اقدم إلى الله جل وعلا، وتب إليه ولتدمع العينان. عبد الله! إلى متى وأنت تصر على المعاصي والذنوب؟ إلى متى وأنت تقول: إن ربي غفورٌ رحيم ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦]. إلى متى -يا أخي الكريم- تسمع الأذان وتولي؟ إلى متى -يا عبد الله- تقوم من الفراش وتعلم أن الفجر قد أذن وحل، ثم ترجع إلى الفراش وتنام؟! إلى متى -يا عبد الله- تتظاهر بالصلاح، ثم إذا خلوت بمحارم الله انتهكتها، وتصر ولا تندم، ولا ترجع إلى الله جل وعلا. إلى متى يا عبد الله؟ إلى متى تتساهل بالصغائر حتى وقعت في الكبائر؟ إلى متى يا عبد الله؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].

стр. 916

عليكم بالدعاء في السَّحر قبل أن أختم حديثي أقول: يا عبد الله! عليك بالثلث الأخير من الليل، الله الله بالسحر! الله الله بدموع قيام الليل؛ فإن سلفك كانوا من أعبد الناس، ومن أتقى الناس، فإذا حل الليل: عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابدٍ دمعه بالخد أجراهُ وأسد غابٍ إذا نادى الجهاد بهم لبوا إلى الموت يستجدون رؤياهُ عبد الله! عليك بالثلث الأخير من الليل، إن كنت صاحب ذنب، صاحب معصية، فالله الله بالثلث الأخير؛ فإن الرب ينزل، ويبسط الرب يده جل وعلا ويقول: (هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه)! الله الله في الثلث الأخير ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] * ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨]. الله الله بقيام الليل؛ فإنه مكفرةٌ للذنوب! الله الله بالدعاء آخر الليل، وباستغفار السحر! الله الله بآخر الليل! أنصحك ونفسي المقصرة -وكلنا مقصرون- وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 917

الأسئلة

стр. 918

نصائح لمن يريد التوبة السؤال أنا شابٌ أول مرة أصلي وأدخل المسجد وأحضر المحاضرة، فما نصيحتك لي؟ وآخرٌ يقول: شابٌ يرغب في الالتزام والتوبة، ولكن يخاف الانتكاسة، فما نصيحتك لهذا الشخص مع العلم أنه موجود؟ الجواب أيها الأخ الكريم خذ هذه النصيحة واحفظها وطبقها: أولاً: حيلة الشيطان ألا تلتزم حتى لا تنتكس مفضوحة من بدايتها، وواضح لكل ذي عينين أنها خدعة إبليسية، وليست محكمة، فإنك -يا عبد الله- عاقل! وأنا أربأ بك أن تنخدع وراء هذه الشبهة، (لا تهتد حتى لا تضل) وهل الآن أنت في هداية؟! وهل تضمن نفسك -يا عبد الله- أن يؤخرك ملك الموت حتى تهتدي هداية لا ضلالة بعدها؟! وما أدراك أنك إذا اهتديت سوف تضل؟! ومن أخبرك بهذا؟ بل قال الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت:٦٩] إذا دخلت في دين الله ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] ما يدريك لعل الله يفتح عليك، بل لعل الله يشرح صدرك، ما يدريك يا عبد الله؟ بل لعل هذه اللحظة وهذه الجلسة يكتب الله لك بها السعادة الأبدية السرمدية. واسمع إلى هذا الشاب، اسمع ولعلك أنت مثله، ولعل الله يريد بك الخير: كان في يوم من الأيام من أهل الفتيات والنساء والمعاصي والذنوب وكان يجاهر بالمعصية، وفي يوم من الأيام كان في إحدى الطرقات يكلم فتاة، فجاءه رجلٌ يدعوه إلى الله وينصحه لله، ولعل حال ذلك الشاب كحالك فاسمع وانتبه ولك فيها عبرة. يقول الشيخ: لما اقتربت إذا بالفتاة تهرب، يقول: فجئت إلى هذا الشاب يقول: فوعظته نصف ساعة يقول: فلما انتهيت إذا عيناه تذرفان ويبكي، يقول: فأخذت رقم هاتفه، يقول: وبعد أسبوعين تذكرته فرفعت سماعة الهاتف في الصباح فقلت له: فلان قال: نعم. تذكرني؟ قال: وكيف أنسى الصوت الذي كان سبباً لهدايتي، الله أكبر! اهتديت من كلمة؟ من موعظة؟ نعم. فتح الله عليَّ فلا أفارق المسجد ولا القرآن، ولا ذكر الله جل وعلا، قال: اليوم سوف أزورك وسوف آتيك في المنزل، قال: حياك الله، يقول: فلما صليت العصر وكان موعدي معه بعد صلاة العصر قال: جاءني ضيوف -يقول الشيخ- فأخروني عن الموعد، فلما حل الليل قلت: لا بد أن أزوره فجئته في الليل، فطرقت الباب فخرج لي شيخٌ كبير، فقلت له: أين فلان؟ قال: أنت فلان؟ قال: نعم. أين فلان؟ يقول: وكان حزيناً، فقال لي: دفناه قبل ساعة، قلت: لا يمكن؛ اليوم كلمته بالهاتف ووعدته العصر قال: نعم لم يكن به بأس، صلى الظهر ثم تغدى وقال: أيقظوني لصلاة العصر، يقول: فجئنا نوقظه فإذا هو قد فارق الدنيا. عبد الله! انظر كيف أراد الله به الخير، إنها الأيام الأخيرة، إنها آخر ساعات الحياة، إذا به يلتزم ويهتدي ويقبل على القرآن، فقبض الله روحه، والأعمال بالخواتيم، فقال له: من أنت؟ قال: أنا أبوه، قال: ومن أنت أيها الشيخ؟ قال له: تعرفت على ابنك قبل أسبوعين، قال: دعني أقبل رأسك، قال: ولم؟ قال: أنقذت ابني من النار. لعل هذه المحاضرة وهذه الجلسة -يا عبد الله- بها يبدل الله سيئاتك حسنات، وتنقلب الصحائف السود إلى صحائف بيض، والسيئات تنقلب الآن في هذه الجلسة بندم وصدق وتوبة صادقة، لا تخرج من هذا المجلس إلا وقد قيل لك: قم قد بدلت سيئاتك حسنات. ما يدريك -يا عبد الله- لعلك بعد أيام تصبح عابداً، بل داعية إلى الله جل وعلا؟! وكم من المغنين المطربين اليوم أصبحوا من الدعاة إلى الله جل وعلا، بل كم من النصارى عباد الصليب أصبحوا اليوم يدعون إلى توحيد الله جل وعلا، كم وكم؟ ما يدريك -يا عبد الله- لعله يكون لك في أمة محمد شأن، ويكون لك دور؟ كما ضللت وأضللت، فإنك تهتدي، ويهدي الله على يديك خلقاً كثيراً. عبد الله أهدي لك هذه النصائح فاسمعها: أولاً: إياك إياك أن تفارق القرآن: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان:٣٢] القرآن يثبت فؤادك، فاجعل لك ورداً كل يوم للقراءة وورداً للحفظ، إياك أن تخلط بين هذا وهذا، وإياك أن تهجر القرآن، فإنه حبلٌ بينك وبين الله، كل يوم لا بد أن تقرأ القرآن، بعد الفجر، أو آخر الليل، أو بين الصلوات، اعكف على كتاب الله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] فكلما دعتك نفسك للرجوع، اقرأ آيات العذاب، ووصف جهنم: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤]. كلما مللت من العبادة اقرأ عن أوصاف الجنة (فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. كلما استهزأ بك أصحاب السوء وأهل الباطل والفساد، وسخروا منك؛ فاقرأ القرآن: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود:٣٨] من هو؟ أول رسول على وجه الأرض، إنه نوح ﵇: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [هود:٣٨] مِن قومه، ومِنْ أبناء عمِّه ومن أقربائه ﴿سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود:٣٨] ثبات الداعية إلى الله، ثبات العابد المستسلم لله جل وعلا، أنا الذي أسخر منكم، وأنا الذي أستهزئ بكم حقاً، أنتم في ضلال وغواية. اقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٠]. عبد الله! القرآن فيه شفاء لكل داء، كل مرضٍ من أمراض الشهوة علاجه في كتاب الله. ثانياً: يا عبد الله! (لعلك بأرض سوء فاخرج منها إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها قوماً يعبدون الله فاعبد الله معهم) هذا شطرٌ حديث الذي قتل مائة نفس، فجاءه الناصح العالم فقال له: اهجر هذه المجالس، واهجر تلك المجموعة، واهجر هذه الرفقة، بل اهجر البلد كلها. أقول لك يا عبد الله: ذلك المجلس الذي دلك على الحرام، وذلك الصاحب الذي عرفك بالحرام، وتلك الديوانية التي كنت تجلس فيها على الحرام قاطعها لله جل وعلا، اهجرهم لله جل وعلا: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً * وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف:٢٨ - ٢٩] اهجرهم لله جل وعلا، غادرهم وودعهم وداعاً لا رجعة فيه، لا ترجع إلا داعياً لهم إلى الله جل وعلا، لا ترجع إلا متسلحاً بسلاح العلم والعبادة والإيمان؛ برفقة صالحة تقتحم تلك المجالس، تقول لهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] تأتيهم لتدعوهم إلى الله جل وعلا، تخرجهم من عبادة الشهوات والفتن والملذات إلى عبادة رب الأرض والسماوات. عبد الله النصيحة الثانية: الرفقة الصالحة، واهجر كل رفقة سيئة. ثالثاً: يا عبد الله! عليك بالدعاء، ادع الله جل وعلا من قلبك، ولتدمع العينان وقل: اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك، اللهم يا مصرف القلوب والأبصار! صرف قلبي إلى طاعتك. ادع الله وأنت موقن بالإجابة. ادع الله بخوفٍ ووجل، هذا نبيك ﵊ كان يدعو بهذا الدعاء ويكثر منه، بل أبو الأنبياء وإمام التوحيد الذي كسر الأصنام، إبراهيم ﵇، هل يرد في قلبك شك أنه سوف يضل؟ لا. لا يرد في قلوبنا شك، كان يدعو الله فيقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥] هو الذي كسر الأصنام حتى جعلها فتاتاً وجذاذاً، يقول: يا رب! اجنبني وبني أن نعبد الأصنام، انظر الاستكانة لله، انظر التعلق بالله جل وعلا، انظر التبرؤ من الحول ومن القوة إلا بالله جل وعلا وحده. ادع الله بهذه الصورة، وبهذا التعلق بالله جل وعلا: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ثم اترك الكبار من المعاصي، واهجر الصغار منها، واعلم أن الصغيرة على الصغيرة على الصغيرة تجتمع حتى تملك القلب. خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.

стр. 919

اللؤلؤة كيف تحفظ نفسها ؟ إن السعادة كل السعادة في طاعة الله ورضوانه، والشقاوة والضياع في مخالفة أمره وعصيانه، وذلك لما لهذه الذنوب والمعاصي من أضرار في الدنيا والآخرة، وقد ذكر الشيخ حفظه الله بعضها ثم تحدث إلى المرأة، وذكر بعض الأمور التي تحفظ بها نفسها من الذنوب والمعاصي، كخوف الله تعالى ومراقبته، ومحاسبة النفس، ومجالسة الصالحات وغيرها.

стр. 920

أضرار الذنوب والمعاصي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: كيف تحفظ المؤمنة نفسها من الذنوب والمعاصي؟ من منا لا يذنب؟! ومن منا لا يعصي الله جل وعلا؟! بل لقد قال ﵊: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم)؛ بل قال ﵊: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) بل حتى التقية الورعة؛ بل أتقى النساء لا بد أن تقع في الذنوب والمعاصي، والله جل وعلا لما وصف المؤمنين الأتقياء الورعين، ذكر أن من صفاتهم أنهم يقعون في الفواحش، أو ظلم النفس، وأقل الأمر أنهم يقعون في الظلم وهي الصغائر. يا أمة الله! اسمعي إلى المتقين لله جل وعلا إذا وقعوا في الذنوب والمعاصي ماذا يفعلون؟ قال الله جل وعلا في وصفهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥] لكن هناك علامة للمتقين أنهم إذا وقعوا في الذنب: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] بل إن الفرق -بين المؤمنة التي تذنب والفاجرة التي تذنب- كبير، يقول ابن مسعود: [المؤمن يرى ذنبه كأصل جبل يوشك أن يقع عليه، والمنافق الفاجر يرى ذنبه كذبابٍ وقع على أنفه، فقال به هكذا] أرأيت إلى الفرق بين هذه وتلك؟! كلاهما تعصي الله جل وعلا، لكن الأولى إذا عصت خافت، وندمت، ووجل القلب، واستغفرت، وعملت الصالحات؛ لتكفر ما عملت من ذنوب، أما تلك فإنها ترتكب المعاصي والذنوب، والفواحش والظلم، ولكنها تبتهج وتفرح وتسر بتلك المعاصي. أختي الكريمة: اعلمي أن لهذه الذنوب والمعاصي أضراراً وسواداً في الوجه وظلمة في القلب. لقد وصف الله أولئك الذين ابتعدوا عن شرعه، وانتهكوا محارمه، ووقعوا في الذنوب وأسرفوا فيها، يصف الله حياتهم، ومعيشتهم في هذه الدنيا، فيقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] تجدينها من الصباح إلى المساء وهي تسمع الأغاني إذا ركبت السيارة لا تسمع إلا الأغاني، وكلما رأت الرجال تلتفت وتنظر إليهم يمنة ويسرة، لا تحب أن تخرج من بيتها إلا متعطرة متبرجة كاشفة عن شعرها وذراعيها؛ لتقول للناس: انظروا إليّ إذا خرجت من بيتها ورجعت لا تعرف ذكراً، ولا تتذكر صلاةً، ولا ترعى لله حرمه كيف تعيش أم كيف تحيا؟ إذا جاءت إلى البيت نامت ولم تستيقظ إلا في الليل، لا تعرف صلاة العصر ولا صلاة المغرب، ثم إذا استيقظت من نومها جلست أمام التلفاز إلى منتصف الليل، أو كلمت فلانة، أو تجولت في السيارة، تسألينها: لمَ كل هذا يا أمة الله؟! تقول: عندي ملل، وضيقٌ في الصدر، ولا أحس بلذة في الحياة، أتعلمين ما هو السبب؟ قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]. وهذا رجل كافر بحث عن السعادة في الدنيا، وبحث عن أسبابها، فألف كتاباً أسماه: دع القلق وابدأ الحياة، هذا الرجل الكافر ألف هذا الكتاب ليبين فيه أسباب السعادة في الدنيا، فيقول: دع القلق،! اترك الهم اترك الغم، وإذا به بعد أن ألف الكتاب يربط حبلاً في غرفته فيشنق نفسه ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] يعيش كما يعيش الناس تأكل وتشرب وتلبس أحسن الملابس، وتسكن أحسن القصور، وتركب أفخر السيارات، إذا مشت لا تتكلم إلا في الدنيا ومتاعها تضحك ملء فمها ولكن القلب حزين، والصدر قد ضاق بالمعاصي، وضاقت عليها الدنيا بما رحبت ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤]. أمة الله: سلي أصحاب المعاصي والذنوب: هل أنتن في سعادة؟ ائتِ إليها واجلسي معها، وقولي لها: تسافرين إلى أي مكان تشائين، وتنظرين إلى أي فيلمٍ تحبين، وتستمعين إلى أي أغنية لا صلاة ولا زكاة، ولا قرآن ولا التزام بشرع الله، فهل أنت الآن في سعادة؟ تخبرك وتقول لك: لا والله! قد ضاقت علي الدنيا بما رحبت، بحثت عنها فلم أجدها، لا أدري أين هذه السعادة واجلسي مع أمة الله الصالحة اجلسي مع تلك المحجبة، التي إن قامت فإنها تقوم لصلاة الفجر، وإن ذكرت في نومها فإنما تذكر الله جل وعلا، تنام على ذكر الله، وتستيقظ على ذكر الله، تغض بصرها عن الحرام، سليها: هل أنتِ في راحة وسعادة؟ لا أراك تضحكين، ولا تلهين في الدنيا كما تلهو غيرك، هل أنت في سعادة؟ تقول لك: إي والله! لو كان أهل الجنة في مثل ما نحن فيه والله إنهم لفي عيش طيب!! ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. أمة الله: هذه بعض أضرار المعاصي والذنوب، ناهيك عن الأضرار التي تأتي يوم القيامة، وفي القبر والمحشر، وسوف نعرج عليها إن شاء الله.

стр. 921

كيف تحفظ المؤمنة نفسها أمة الله: كيف تحفظ المؤمنة نفسها من الذنوب والمعاصي؟ كيف تبتعد عن الذنوب والمعاصي؟ كيف تحصن نفسها إذا أقبلت الذنوب والمعاصي إليها؟ لقد أخبر ﵊ أنه (سوف يأتي على الناس زمان، القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر) تصبح الواحدة لا تتحمل أن تتمسك بدينها، وكأنها تقبض على الجمر، بل قال ﵊: (بادروا بالأعمال الصالحة! فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً، ويمسي كافراً) في الصباح تجدينها مصلية ذاكرة ساجدة راكعة تعرف دينها وربها، ثم إذا أقبل الليل وغربت الشمس، فإذا بها تجحد أوامر الله، وتستهزئ بدين الله، هذه الفاجرة الكافرة الفاسقة التي ترد أوامر الله جل وعلا، وتستحل محارمه ما الذي جرى؟ ما الذي حدث؟ قال: (يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا).

стр. 922

من أسباب حفظ المرأة نفسها: غض البصر كم وكم من النساء كن صالحات، وإذا بفتنة وشهوة ومعصية ترديهن على أعقابهن. اسمعي إلى هذا الرجل الذي كان صالحاً طوال حياته، بل كان مؤذناً يؤذن للناس ويدعوهم إلى الصلاة، فيقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح! وفي يومٍ من الأيام وهو يؤذن نظر إلى فتاة وأدمن النظر إليها، ولم يغض بصره وأسرف في المعصية، فإذا بقلبه يتعلق بها، فنزل بعد الأذان -واسمعن يا إماء الله إلى هذه القصة الغريبة، وبعدها لا أظن أن واحدة منكن سوف تأمن على نفسها، وتثق أنها سوف تظل على الدين إلى أن تموت إلا بتوفيق الله جل وعلا -فطرق الباب على ذلك البيت، فخرجت تلك النصرانية، فعانقها، فقالت له: سبحان الله -وهي كافرة- مؤتمنٌ ويخون! أي: أنت أمينٌ للناس تؤذن لهم وتخون الأمانة! فقال: إني أريدك. قالت له: إذاً فتزوجني، قال: نعم، قالت: بشرطٍ واحد. قال: وما هو الشرط؟ قالت: أن تتنصر، أن تكفر بالله العظيم، أن تبدل دينك إنها الشهوة ومرض القلب فإذا به يقول: إذاً أتنصر. سبحان الله! لا إله إلا الله! إذا دخلت الذنوب والمعاصي القلوب، كيف تبدلها وتقلبها؟ ثم دخلت البيت وقالت له: اشرب من هذا الكأس، فإذا به يشرب من الخمر، ويأكل من لحم الخنزير، ثم قالت له: اصعد وارق على سطح المنزل، فإذا جاء والدي سوف أخبره بالخبر، فإذا به يصعد على سطح المنزل، ثم يتجول في السطح وهو سكران، ثم سقط من على المنزل، فإذا به يفارق الدنيا على نصرانيته!! يقول الله جل وعلا: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. إذاً: الأمر خطير يا أمة الله! كيف تحفظ المسلمة نفسها من الذنوب والمعاصي؟ ألا تذكرين فلانة؟ كانت مصلية راكعة ساجدة، بل كانت يوماً من الأيام تحفظ كتاب الله، بل كانت تدعو إلى الله جل وعلا، كانت تتصل على فلانة فتدعوها إلى ذلك المجلس، وكانت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر أين هي الآن؟ هي الآن في مواطن الشهوات والشبهات، هي تحتاج إلى من يدعوها إلى الله جل وعلا ما الذي جرى؟ (إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء).

стр. 923

من أسباب حفظ المرأة نفسها: المحاسبة والمراقبة يا أمة الله! من الأمور التي تحفظين بها نفسك من الذنوب والمعاصي: المحاسبة والمراقبة. أن تراقبي الله جل وعلا في كل مكان، فإذا كنتِ في الليل في غرفتك لوحدك، وفتحت التلفاز، اعلمي أن هناك من يراكِ ويطلع عليك ويراقبك أتعلمين من هو؟ إنه الواحد الأحد إنه الفرد الصمد إنه الذي خلقك فسواك. فيا من تتجولين في السيارة، وتستمعين إلى الأغاني، وتقولين: الحمد لله! لا أحد يراني، ولا أحد يستمع إليَّ، فإذا بك تضعين ذلك الشريط، وتقلبين الإذاعة، فتسمعين تلك الأغنية أتظنين أنه لا أحد يسمعك؟! اسمعي من الذي ينظر إليك ويحسب عليك كل نفس وكل خاطرة وكل نظرة، وكل أغنية، وكل كلمة يقول الله جل وعلا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد:٩]. من هو؟ إنه الله جل وعلا، عالم الغيب عالم السر عالم كل شيء ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد:٩ - ١٠] سواءً في علم الله التي تتكلم بالسر، وترفع سماعة الهاتف، وتكلم فلاناً، ويكلمها فلان، وتأتي إلى الغرفة وتغلق الباب على نفسها، وتخفض صوتها وتتكلم. ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد:١٠] أي: الذي يستخفي في الليل، ويخفي نفسه في الظلام، وتخفي نفسها وتغلق الباب على نفسها، إن الله يراها يقول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]. فهذا الإمام أحمد، الذي كان من ورعه وتقواه وزهده أنه كان يترك المباح خشية أن يقع في الحرام هذا الرجل أتاه أحد التلاميذ، فقال له: يا إمام! أسمعت إلى ذلك الشعر؟ قال: ما هو؟ فإذا به يردد بيتاً وشعراً، فما كان من الإمام أحمد إلا أن تأثر، ثم خرج من مكانه في مجلسه ووضع الكتاب، ودخل إلى غرفةٍ، وأغلق على نفسه الباب، ويردد هذه الأبيات وهو يبكي: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيبُ ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيبُ ألم تر أن اليوم أسرع ذاهبٍ وأن غداً للناظرين قريبُ لهونا لعمر الله حتى تتابعت ذنوبٌ على آثارهن ذنوبُ فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ويأذن في توباتنا فنتوبُ لا تقل: لا أحد في الغرفة، ولا تقل وأنت في السوق: الحمد لله! لا أحد يراني في هذا المكان: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]. يا أمة الله! إذا أتيت إلى الله جل وعلا يوم القيامة، فإن الله سوف يعرض عليك كتاباً لا يغادر صغيرةً ولا كبيرة إلا أحصاها ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠] بل سوف تجدين كل كلمة، وابتسامة، ونظرة، وكل أغنية، وفيلم، ومسلسل، سوف تجدينه مسجلاً عند الله جل وعلا يوم القيامة، فلا تظنين أن الله ينسى، ولا تظنين أن الله جل وعلا تخفى عليه خافية. أمة الله: إن الله -جل وعلا- لا ينظر إليك فقط، بل يعلم ما تتحدثين به في نفسك، وما توسوس به النفوس، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٣٥]. ولا تقولي: لا أحداً في الغرفة يسمعنيويراني. أمة الله: هذه المرأة هجرها زوجها إلى الجهاد في سبيل الله، وظلت أشهراً على هذه الحال، والشهوة تصارعها، والفتنة تراودها، وهي تستطيع أن ترتكب المعاصي كلها؛ لأنها بمفردها في البيت، فإذا بـ عمر بن الخطاب يستمع إليها من وراء الجدار، وهي تردد هذه الأبيات وتقول: تطاول هذا الليل واسود جانبه وأرقني ألا خليل ألاعبه فوالله لولا الله رباً أراقبه لحرك من هذا السرير جوانبه لولا أن الله ينظر إليَّ، ويراقبني، وأن الله ﵎ يسمع كل شيء، بل يعلم ما توسوس به نفسي، لحرك من هذا السرير جوانبه.

стр. 924

من أسباب حفظ المرأة نفسها: الخوف من الله وهذا أمر آخر، به تحفظين نفسك من الذنوب والمعاصي: إنه الخوف من الله جل وعلا. أمة الله! لا تظني أنها معصية ثم تذهب، أو نظرة ثم تضيع، أو كلمة ثم تذهب إن شاء الله، ولا تظني أنه الفيلم الأخير ثم التوبة بعده إن شاء الله. أمة الله: إن الله جل وعلا يحذر الناس من نفسه، فيقول جل وعلا: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]. ألا تخافين من الله وأنت تتجرئين على معصيته جل وعلا؟ ألا تخافين وأنت ترتكبين المعصية أن يأخذك الله جل وعلا ويقبض روحك؟ اسمعي إلى السابقين الصالحين كيف كانوا يخافون من ربهم جل وعلا؟ فهذا إبراهيم ﵇ أبو الأنبياء، يروى عنه: أنه كان يسمع لصدره إذا قام إلى الصلاة أزيز من عظم الخوفٌ من الله جل وعلا ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]. وهذا داود ﵇ كان الناس يعودونه ويظنون أنه مريض، وما كان به شيء إلا شدة الخوف من الله جل وعلا. هل كانوا عصاة؟ هل كانوا فجرة؟ هل كانوا زناة؟ هل شربوا الخمور؟ هل استمعوا للأغاني؟ هل تركوا الصلاة؟ لا والله. لقد كانوا أعبد الناس، وأصلح الناس، ولكنهم يخافون من الله جل وعلا، بل إن الصالحين يصلون ويصومون ويتصدقون، ويخافون ألاَّ يتقبل الله منهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠] من هم؟ إنهم الراكعون الساجدون، إنها التي تقوم الليل وتصوم النهار، وتقرأ القرآن، وتذكر ربها جل وعلا، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠] لمَ يا رب؟ ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] تخاف ألاَّ يتقبل الله منها فكيف بالفاجرة التي لا تصلي؟ كيف بالتي لا تركع لله ركعة؟ كيف بالتي هجرت القرآن، وهجرت ذكر الله جل وعلا؟ كيف بالتي تتجرأ على المعاصي صباح مساء؟! اسمعي يا أمة الله: إلى نبينا ﵊، وهو أعبد وأصلح الناس، كيف كان يخاف من الله، تقول عائشة ﵂: (كان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه، وتقول: يا رسول الله! الناس إذا رأوا الغيم فرحوا، رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت الكراهة في وجهك. فقال: يا عائشة! ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟!) قد عذب قومٌ بالريح، وقد رآها قومٌ، فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:٢٤] ما الذي جرى؟ ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف:٢٤] كان ﵊ يخاف إذا رأى ريحاً أو غيماً، أما الآن -وللأسف- فإن الواحدة ترتكب المعاصي، وتنتهك الحرمات، وهي تضحك ولا تبالي، وتقلب رأسها على الفراش في معصية الله جل وعلا، وتتفكر في المعاصي والذنوب ولا تبالي، وتفوم فرحةً مبتهجةً وهي لم تصل الفجر حتى تطلع الشمس. أمة الله: لماذا قست قلوبنا؟! إن الواحدة ترتكب الذنوب والمعاصي ولا تبالي! اسمعي إلى أبي بكر الصديق، وهو أصلح هذه الأمة ﵁ بعد نبيها، يُروى عنه أنه كان يقول: [يا ليتني كنت شجرة تعضد ثم تُؤكل] وهو مبشرٌ بالجنة، ويتمنى أنه شجرة تقطع، ثم تُؤكل، فيفنى ويذهب، أي: لا حساب ولا عقاب عند الله جل وعلا. أما عمر وما أدراك ما عمر ﵁، كان إذا سمع آية فيها بعض العذاب مرض، فيجلس في البيت أياماً يعوده الناس، يظنونه مريضاً وليس به مرض، وأخذ يوماً سدنة من الأرض -أي: حشيشاً- أخذه وقال: يا ليتني كنت هذه السدنة، يا ليتني لم أك شيئاً مذكوراً، يا ليت أمي لم تلدنِ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] كانوا أصلح الناس، وأتقى الناس، بل كان عمر ﵁ في وجهه خطان أسودان من البكاء، ومع هذا يقول: يا ليتني كنت نسياً منسياً! يا ليتني لم أك شيئاً مذكوراً! أمة الله: قبل أن تتجرئي على المعصية، وقبل أن تقدمي عليها، وقبل أن تنظري لتلك الصور، وقبل أن تضعي ذلك الفيلم، وقبل أن تستمعي لتلك الأغنية، فكري هل تتحملين عذاب الله جل وعلا وعقابه؟ يروى أن أبا عبيدة بن الجراح ﵁ قال: [وددت أني كنت كبشاً فذبحني أهلي، فأكلوا لحمي، وحسوا مرقي]. وكانت عائشة ﵂ تقول: [يا ليتني كنت نسياً منسياً]. والله تعالى يقول: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤] اخشي الله جل وعلا قبل أن تتجرئي على معصيته. أمة الله: أما تخافين من سوء الخاتمة وأنت تقعين في المعصية، وأنت تكلمين فلاناً وتخاطبينه في الهاتف، أو وتنظرين إلى ذلك الفيلم، أو تنامين عن الصلاة أما تخافين من سوء الخاتمة؟! اسمعي إلى أولئك الأربعة الذين سافروا إلى الخارج للزنا والخنا والمعاصي، فدخلوا إلى مرقصٍ من المراقص، فإذا بهم يتمتعون بشرب الخمور في تلك الليلة، وفي ذلك المرقص، والرب جل وعلا قد نزل إلى السماء الدنيا يقول: (هل من سائلٍ فأعطيه؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟) نزل إلى السماء الدنيا وينظر إلى عباده أين ذهبوا؟ ذهبوا إلى ذلك المرقص، وماذا شربوا؟ شربوا الخمور، ومع من؟ كل واحدٍ معه راقصة داعرة، يرافقها في ذلك الليل وفي أثناء الرقص إذا بأحد الأربعة يسقط على الأرض مغشياً عليه، فتدافع الثلاثة إليه، وفزعوا، وقالوا: يا فلان! ما الذي جرى لك؟ يا فلان! ما الذي حدث؟ فإذا به يحتضر، ويلفظ أنفاسه الأخيرة، فقال له أحدهم: يا فلان! قل: لا إله إلا الله. فنظر إليه وقال: زدني كأساً وتعالي يا فلانة، زدني كأساً وتعالي يا فلانة، زدني كأساً وتعالي يا فلانة. وهم يقولون له: قل: لا إله إلا الله، قل: لا إله إلا الله، وهو يردد: زدني كأساً وتعالي يا فلانة! ثم خرجت روحه وهو على هذه الحال، وسوف يبعث عند الله جل وعلا وهو على هذه الحال ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. أما تخافين -يا أمة الله- أن تكون تلك الليلة مع ذلك الفيلم، وتلك السهرة أن تكون هي الأخيرة؟! أما تخافين وأنتِ في السيارة تستمعين إلى الأغاني أن يختم الله لك بحادث سوء؟! أما تخافين وأنت تنامين وقد وضعت الساعة للدوام والعمل وأنت قد نسيت صلاة الفجر، ثم يقبض الله تلك الروح، ويأخذ الأمانة وأنت نائمة على الفراش؟! ألا تخشين ذلك يا أمة الله؟! أما تخافين من سوء الخاتمة؟! هذا رجل ذهب إلى بلاد الكفر والزنا، والمسكين يظن أن الدنيا لعب ولهو، ويظن أن الدنيا متاع وشهوات يتمتع منها بما يشاء، ثم يتوب قبل الموت، ثم يرجع في اللحظات الأخيرة! كما هي تلك المرأة المسكينة التي تفعل كل المعاصي والذنوب، وتقول في نفسها: إذا حانت ساعة الوفاة سوف أتوب وأرجع إلى الله جل وعلا! هذا الرجل ذهب إلى تلك الدول ليرتكب المعاصي والذنوب، فإذا به يتصل على معشوقته وحبيبته، فقال لها: تعالي إلي في هذه الغرفة في مكان كذا، فقالت له: سوف آتي الآن، فانتظرها وتجمل لها، وترقبها على أحر من الجمر، ثم بعد لحظات يرن الهاتف فيرفع السماعة، فإذا بها تعتذر إليه وتتأسف له! فيقول لها: إنني منتظرٌ، وهو في أشد الحسرة والضيق والانتظار والشوق واللهف لها، فتقول له: لا أستطيع أن آتي إليك في هذه الليلة وتغلق السماعة، وهو متألم متحسرٌ لفراقها ولبعدها عنه، وفي لحظات الألم والحسرة يطرق الباب، فيفتح فإذا بها فلانة عشيقته وحبيبته، فإذا به من شدة الفرح ومن شدة الشوق يخر على الأرض ساجداً لها، وإذا بها السجدة الأخيرة، واللحظة الأخيرة، والنفس الأخير، ولم يستطع أن يرفع رأسه بعد تلك السجدة، وسوف يلقى الله جل وعلا على هذه السجدة، وسوف يلقى الله جل وعلا ويكلمه وهو على هذه الحال. أما تخافين يا أمة الله؟ أما تخشين الله جل وعلا؟! يقول ﵊ كما في حديث ابن مسعود: (فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها). يقال عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه كان إذا ذكر الموت انتفض انتفاض الطير، ويبكي حتى تجري دموعه على لحيته، وبكى ليلة فبكى أهل الدار، فلما تنحت عنهم العبرة قالت فاطمة: بأبي أنت يا أمير المؤمنين لم بكيت؟ قال: ذكرت منصرف القوم من بين يدي الله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] ثم صرخ وغشي عليه.

стр. 925

من أسباب حفظ المرأة نفسها: تذكر الموت أمة الله: وأنت في زهرة الدنيا وملذاتها، وفي غمرة شهواتها، ألا تتذكرين يوماً سوف تحملين فيه على الأعناق؟! سبحان الله! تقلبين على تلك المغسلة، ثم تغسلين ولا حراك، ولا تستطيعين أن تنجي نفسك بنفسك فأين ذلك الوجه الحسن؟ وأين تلك الملابس؟ وأين تلك العطور؟ وأين تلك القصور؟ وأين تلك الشهوات؟ سوف تغسلين ثم تلفين بخرقة، ثم تحملين على الأعناق، فيا ويلك إن كنت فاجرة! ويا ويلك إن كنت بعيدة عن ذكر الله، وإن كنت قد هجرت القرآن ومجالس الصالحات! سوف تحملين على الأعناق، وسوف يحملك الأب الحنون، والأخ الحميم، والزوج الحبيب، بل لعله الابن، يسرع في حملك إلى تلك المقبرة، وإلى تلك الحفرة، وحيدة غريبة، في حفرة موحشة، وأنت تقولين للأحباب والأصحاب: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يا ويلها أين تذهبون بها؟ ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٩] أي: لفت الساق بالساق في الكفن، ولا تستطيعين الحراك إلى أين؟ أين تذهبون بها؟ ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣٠ - ٣٢] ثم توضعين في حفرة، وأرجو منك -يا أمة الله- في هذه اللحظة أن تتخيلي وتتفكري في تلك الحفرة، هل هناك ضوء؟ هل هناك نور؟ لا والله! إنها ظلمة موحشة، إنه ظلامٌ دامس، ظلامٌ في ظلام، لا تستطيعين الحركة في تلك الحفرة الضيقة، لا يمنة ولا يسرة، وأحب الناس وأعز الناس وأقرب الناس من يُسرع في دفنك، ومن يحثو على وجهك التراب، ثم ماذا؟ ثم تفتحين العينين، وتسمعين قرع النعال نعال الأحباب والأصحاب، قد فارقوك وهجروك، وتركوك في تلك الحفرة. ثم يأتيك منكرٌ ونكير يسألانك: من ربك؟ على ماذا كنت تعيشين؟ تنامين على ذكر من؟ وتستيقظين على ذكر من؟ وتتلهفين على ذكر من؟ من كان أحب من لديك في الدنيا؟ هل هو الله جل وعلا حقاً أم فلان؟ هل هو ذكر الله جل وعلا حقاً، أم هي ذكر الأغاني؟ فإذا كنت لاهية غافلة فإنك سوف تقولينها: هاه هاه لا أدري! وسوف يضيق عليك القبر حتى تختلف الأضلاع، ثم تضربين على رأسك بمطرقة لو ضرب بها جبلٌ لصار تراباً. أمة الله: ألا تخافين من ذلك المصير؟! مالي أراك تتجرئين على الذنوب والمعاصي وكأن الأمر لا يعنيكِ؟ ثم بعد لحظات يأتيك صاحب في القبر فتقولين: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث أنا الأغاني، أنا الأفلام والمسلسلات، أنا النظر للرجال بشهوة، أنا سماعة الهاتف التي كانت في آخر الليل، أنا التجول في الأسواق لمعصية الله جل وعلا، أنا النوم عن الصلاة، أنا معصية الله جل وعلا، أنا عملك الخبيث، فوالله ما علمتك إلا سريعة في معصية الله بطيئة في طاعته، للصلاة بطيئة متثاقلة كسلانة، أما للشهوات والمعاصي فأنت السريعة المستجيبة. يا أمة الله! ألا تخافين من ذلك المصير؟! ألا تخافين من ذلك اليوم؟! ألا تخافين إذا وقفت بين يديه جل وعلا وأنتِ عارية حافية، لعل الشعر قد شاب من شدة الخوف؟! أما تخافين أن يسألك الله جل وعلا، فيقول لك: ألم أسقك من الماء البارد؟ ألم أنعم عليك بكذا وكذا؟ أما تخشين إذا سألك الله جل وعلا فقال لك: ما الذي جرأك علي؟ وما الذي حملك على المعاصي؟ قال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢].

стр. 926

من أسباب حفظ المرأة نفسها: رجاء ما عند الله أمة الله! إن مما يحفظك من الذنوب والمعاصي رجاء الله -جل وعلا- فترجين رحمته جل وعلا، إنك إذا نظرت للمعصية ثم صددت عنها فإن الله جل وعلا سوف يعقبك حلاوة الإيمان في الصدر، ثم هي صحيفة بيضاء تلقين الله جل وعلا بها يوم القيامة، وإذا بها ذنوب تعرضت لك لكنك صددت عنها، إنها معاصي كانت سهلة بين يديك لكنك تركتيها خوفاً من الله. أمة الله! إذا تركتي المعاصي فإن الله سوف يعقبك لذة في الدنيا، وسروراً في القلب، وحلاوة في الصدر، ثم إذا لقيتي الله جل وعلا فقال لك: ألا تذكرين ذنب كذا؟ ألا تذكرين تلك المعصية؟ ألا تذكرين تلك الزلة؟ ثم يقول الله جل وعلا لك يوم القيامة: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، أما ترجين ذلك الموقف؟ ألا تتمنين أنك تلقين الله جل وعلا في ذلك المكان فيقول الله جل وعلا: خذي كتابك بيمينك، ثم تساقين إلى الجنة ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ [الزمر:٧٣] نعم! إنها ستون أو سبعون سنة تقضينها في طاعة الله جل وعلا، وإن عصيت الله جل وعلا بغير إصرار فإنك تتوبين، وترجعين، هذه هي حياتك في الدنيا مع القرآن والذكر والصلاة، ومع الصالحات، ومع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لقيت الله جل وعلا إذا بك تساقين إلى جنة عرضها السماوات والأرض، ريحها على بعد أربعين سنة هذه ريحها فكيف ستكون هي؟! فإذا كنت مؤمنة فإنك سوف تساقين إلى الجنة مع الصالحات المؤمنات، ولك أن تتخيلي ما صفة الجنة؟ أما صفة أرضها فإنها بيضاء عفراء كقرصة نقي أرض بيضاء من زعفران، ومن لؤلؤ، ومن ياقوت، للمؤمن فيها خيمة طولها ستون ميلاً، من لؤلؤة مجوفة. أمة الله: إن لك في الجنة ما تشائين من الثمار، وما تتخيرين من اللحوم، تجلسين على نهر من لبن، وتشربين من نهر من عسل، وتجلسين على نهر من خمر، قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد:١٥] تخيلي يا أمة الله! نهر من لبن، أغلقي عينيك الآن وتصوري كيف يكون نهر من لبن؟ لا يتغير طعمه أبداً، لا سنة ولا سنتين، ولا ألف سنة ولا مليون سنة، أو تخيلي نهراً من عسل! أو تصوري نهراً من خمر! يقول الله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف:٧١] في تلك الجنان ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، يقول ﵊: (موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها)؛ بل قال: (لو أن مما يُقَلُّ بظفر في الجنة فرج) أي: لو أن في الجنة شيئاً نحمله بأظفارنا فرج من الدنيا، أتعرفين ما الذي سوف يحصل؟ (لتزخرفت ما بين خوافق السماوات والأرض) بل لو أن امرأة واحدة من الحور العين اطلعت على أهل الأرض لأضاءت ما بين السماء والأرض، ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها هذه الحور العين، أما الصالحة في الدنيا إذا دخلت الجنة فإنها سوف تكون سيدةً من سيدات الحور العين؛ بل أفضل وأجمل منهن، بل هي سيدة لهن في الجنة. أمة الله: ألا تتمنين ذلك المصير؟! إنه بصبرٍ قليلٍ عن تلك المعصية، سنوات قليلة نصبر فيها عن المعصية نصبر فيها عن النظر إلى الرجال نصبر فيها عن الاستماع للأغاني نصبر فيها عن الأفلام، والمسلسلات، والشهوات، والملذات، فيكون الجزاء ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:١٢]. أمة الله: ألا تتمنين ذلك المصير؟! ما الطريق؟! ما السبيل؟! إنه صبرٌ قليلٌ عن المعاصي، وسوف يعقبك الله جل وعلا سعادة في الدنيا ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود:١٠٨] الله أكبر! إن الجزاء من جنس العمل. سل الصالحات -كما ذكرنا قبل قليل- ما هي أسعد أيامكن؟ ما هي أسعد لحظاتكن؟ تقول لك: إنها لحظات قيام الليل في رمضان. بل تقول: إنها ساعة الإفطار، أو رطبات في حرم الله جل وعلا، أو إنها تلك المجالس مجالس الذكر، ومجالس الطاعة، أو تقول لك: وأنا أقوم في آخر الليل وقد دمعت عيناي إنها أسعد اللحظات في هذه الدنيا، سعادة تغمر القلوب، ثم خروج روحٍ كما تخرج القطرة من فيِّ السقا، ثم قبرٌ يفرش لها من الجنة مد بصرها، ثم تؤمن من الفزع الأكبر، وتمكث كما بين الظهر والعصر تحت ظل عرش الرحمن، ثم تسافر إلى جنة الرحمن جل وعلا. ألا تريدين ذلك المصير يا أمة الله؟!

стр. 927

من أسباب حفظ المرأة نفسها: مجالسة الصالحات ومما يحفظك عن الذنوب والمعاصي -يا أمة الله- مجالسة الصالحات، اهجري تلك اللواتي عرفنك على الذنوب، وأعطينك تلك الصور، وتلك الأفلام والأشرطة، انصحيهن ثم اهجريهن لله جل وعلا: (إنك في أرض سوء فاتركها إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها قوماً يعبدون الله فاعبد الله معهم). أمة الله: ما الذي تعلمتيه من تلك المجالس مجالس السوء؟ لم تتعلمي إلا الغيبة والكذب، وقد رجعت إلى البيت وأمرك زوجك بطاعة الله فإذا بك تتجرئين عليه، وتقولين له: لا طاعة لك علي، ومن الذي سلطك عليَّ؟ أنا وأنت سواء سبحان الله! علَّمنك على الفجور والعصيان، ثم تدمرت تلك البيوت وفسدت، ثم لما رجعت إليهن فإذا بهن يتركونك وأنت في أحوج اللحظات إليهن. أمة الله: ضعي يدك في يد أولئك الصالحات، واجلسي معهن وقولي لهن: إني قد تبت إلى الله، إني أريد أن أجلس معكن، وأذهب معكن، وأسافر معكن، فإنهن لا يسافرن إلا إلى العمرات، وإلى حرم الله جل وعلا، وإذا جلسن لا يجلسن إلا على طاعة الله، وذكره جل وعلا، ولا يقرأن إلا القرآن إنهن يجلسن في المباح، ويضحكن، ويلعبن ويرمين، ولكنهن يلعبن ويلهين في المباح، أما في حدود الله فلا ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨]. ولا تقولي: هذه معقدة، أو متزمتة، أو هذه ما أظنها تضحك اجلسي معهن وجربي ولو يوماً من الأيام، جربي مجالسهن، فوالله إنها أسعد المجالس، وأفضل الجلسات، وأحلى الكلمات تخرج من أفواههن. يا أمة الله! ضعي يدك في أيديهن، فوالله إنك لو صافحتيهن وجلستي معهن، فإن هذا هو الطريق إلى جنات الله جل وعلا، وإن حلقات مجالسهن رياض الجنة، قال ﷺ : (إذا رأيتم رياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: حلق الذكر). أمة الله! راقبي الله جل وعلا، واعلمي أنك إذا تجرأت على المعاصي فإن لك رباً يراقبك، ويحسب عليك النفس، والكلمات والخواطر، واعلمي أنك لن تقوي على عقوبة الله جل وعلا، ولن تتحملي عذابه، وأنه إذا أخذتك الملائكة -زبانية العذاب- فإنك لن تستطيعي لهم رداً. ثم إذا تركت الذنوب والمعاصي، فارجي رحمة الله جل وعلا: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣] فيها الأنهار تجري من غير أخاديد، وفيها الخيام من لؤلؤة مجوفة، وفيها الظلال ممتدة، يسير الراكب الجواد المضمر مائة عامٍ لا يقطعها. ثم تمسكي بالصالحات، واجلسي معهن، واعلمي في النهاية أن: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون). يا نفس توبي فإن الموت قد حانا واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا أما ترين المنايا كيف تلقطنا لقطاً فتلحق أخرانا بأولانا في كل يومٍ لنا ميتٌ نشيعه نرى بمصرعه آثار موتانا يا نفس مالي وللأموال أتركها خلفي وأخرج من دنياي عريانا أبعد خمسين قد قضّيتها لعباً قد آن أن تقصري قد آن قد آنا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 928

الإمام أحمد بن حنبل إن على كل مؤمن أن يدرس تاريخ أمته ورجالاتها الأفذاذ، وإن أول من ينبغي أن ندرس سيرته هو نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، ثم الصحابة الكرام، ثم التابعين لهم بإحسان من الأئمة الأربعة وغيرهم، وإن هذا الدرس قد تضمن الحديث عن علم من أعلام أهل السنة، وهو الإمام أحمد بن حنبل من أول نشأته حتى وفاته.

стр. 929

سيرة الإمام أحمد بن حنبل إن الحمد لله، نحمَده تعالى، ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله. أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وإنما جئت لأقرأ على إخواني في الله، وأحبابي الحاضرين؛ أحداثاً ومواقف وعبراً من سيرة علم من أعلام الإسلام، من سيرة رجل له فضل كبير على المسلمين، من سيرة رجل هو محدث وفقيه وزاهد، وورع وعامل ومجاهد، وصابر في سبيل الله، من سيرة رجل دائماً نردد اسمه على ألسنتنا، ونقرأ اسمه في كتب الفقه والحديث. ويجب علينا -أيها الإخوة- أن نتكلم عن حياة هؤلاء العلماء، وأن نذكر بهم، وننشر حياتهم، ونجعل منهم قدوة لنا في العمل والعلم، ونعرف تاريخنا، وعمن تلقينا العلم والفقه والتفسير، فيجب علينا أن نقرأ في تراجم هؤلاء، والقراءة سهلة في تراجمهم، فالكتب ميسرة في المكتبات العامة، ومكتبات المساجد والأوقاف، فيجب على المسلم أن يبادر بالقراءة، حتى يبرز هذه الثروة العظيمة للمسلمين الغافلين، السادلين النائمين اللاعبين، لعل وعسى أن يفيقوا من رقادهم، ويستيقظوا من نومهم. اخترت لكم سيرة الإمام المبجل أحمد بن حنبل ﵀، الإمام العالم العامل.

стр. 930

مولده ونشأته وطلبه للعلم أما اسمه: فهو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، وهو عربي، والأئمة الأربعة عرب إلا الإمام أبا حنيفة فهو من بلاد فارس. الإمام أحمد ولد في بغداد سنة (١٦٤هـ) وتوفى سنة (٢٤١هـ) كذلك في بغداد. تلقى علمه في بغداد على يد الإمام أبي يوسف الفقيه المشهور، ثم بعد ذلك انتقل منه إلى علماء الحديث، فطلب الحديث، ثم بعد ذلك أخذ يتنقل في بلاد المسلمين من قطر إلى قطر، ومن بلد إلى بلد، يتعبد الله بطلب العلم -وهو أشرف العبادات بعد الفرائض- فسافر إلى مكة والبصرة والمدينة واليمن، وكثير من بلاد الإسلام يطلب الحديث، ويدون العلم، ويزاحم العلماء بالركب، ويجثو بين أيديهم يأخذ منهم العلم، ويصبر على طلب العلم والفقه والدين، حتى يعبد الله على بصيرة وفهم، لا على جهل كما حصل لكثير من المسلمين، فكثير من المسلمين لا يعرفون الصلاة، ولا الوضوء، والذي ذهب إلى الحج يعرف ذلك بالمشاهدة والمعاينة، واحد من عشرة آلاف يدخل في دينه بعلم والبقية جهلة لا يعرفون شيئاً، والإنسان لا يعذر بجهله، يجب أن يتعلم على الأقل الفرائض التي هي فرض على كل مسلم: الصلاة الوضوء الصيام التيمم الغسل من الجنابة الطهارة كل هذه الأمور أساسية، ويجب على الإنسان أن يعرفها بالتفصيل، حتى يعبد الله على بصيرة.

стр. 931

ثناء العلماء عليه ابن كثير في البداية والنهاية في المجلد التاسع يترجم لهذا الرجل الجليل عشر صفحات أو خمس عشرة صفحة، ثم يكتب صفحة كاملة بثناء العلماء عليه، فمن أراد أن يقرأ ثناء العلماء عليه فليرجع إلى تلك الصفحة، يقرأ ماذا قال العلماء في الإمام أحمد بن حنبل، ونكتفي بقول شيخه وهو الإمام الشافعي ﵁، الذي كان كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن كما وصفه الإمام أحمد ﵁، فالإمام الشافعي يقول في الإمام أحمد: كان أحمد بن حنبل إماماً في ثمانية أشياء لا يصل إليها أحد من أقرانه: كان إماماً في القرآن، إماماً في الحديث، إماماً في السنة، إماماً في الفقه، إماماً في اللغة، إماماً في الفقر، إماماً في الورع، إماماً في الزهد. فهو إمام ليس فقط في الفقه والحديث والقرآن وإنما كذلك في اللغة، وكذلك في علم الحال، وهي أمور الدين والقلب والورع، فهو إمام في الفقر والزهد والورع، وفي خوف الله ، وفي التجرد، كل هذه كان فيها إماماً، أي بلغ مرتبة عالية في التعبد، وفي الفقه، وفي الزهد، وفي الانكسار بين يدي الله . وقال الشافعي ﵀: خرجت من بغداد وما تركت فيها أعلم من أحمد بن حنبل. وقال الشافعي وهو يكلم أحمد بن حنبل؛ لأن أحمد من تلاميذ الشافعي، يقول له: يا أحمد! أنتم أعلم منا في الحديث، فإذا صح الحديث عندكم فأخبرونا، حتى نذهب إليه. هذا يدل على الإنصاف، ويدل على اتباعهم للحق، ويدل على أن الرجال كانوا لا يتباهون في العلم، ولا يكتفون بالقليل منه ويعفون عن باقيه، بل أنى وُجِد الحق وحيثما وجد فهم وراءه، فـ الشافعي يكلم تلميذه ويقول: إذا صح عندك الحديث فأخبرنا عنه، فإننا نذهب إليه، لا كما يفعل كثير من المسلمين في هذه الأيام: أنا على الحق وغيري على الغلط، ومن أراد أن يقرأ لـ أبي زهرة، حيث يتكلم عن كثير من علماء نجد، يقول: لا يرون الحق إلا عندهم أما سواهم فهو باطل مهما بلغ، ما يقولون لعل الأمر فيه احتمال، لنا رأينا ولهم رأيهم، لنا اجتهادنا ولهم اجتهادهم، لا، نحن على الحق والباقي كلهم غلط، لكن العاقل والرزين الذي يسمع من هنا ومن هنا، فيعلم الحق مع من، كل إنسان يخطئ ويصيب، كل إنسان له وعليه، فيجب أن ننتبه لهذا، ولا نتعصب إلى بلدة معينة، ولا إلى رجال معينين، إنما نتبع الحق أينما كان. أنا أقول كلاماً علمياً أختصره بتصرف يسير من محاضرة ألقاها محمد عبد الغفار بعنوان: الأئمة الأربعة، وهذه سلسلة أشرطة علمية شرعية، حبذا أنكم تحصلون عليها، وهي عشرة أشرطة في العلم الشرعي، ليست في السيرة ولا التاريخ ولا الرقائق، لكن في العلم الشرعي، أحد المحاضرات عنوانها: كيف تطلب العلم الشرعي، المحاضرة الثانية: أقسام العلم الشرعي، المحاضرة الثالثة: تاريخ التشريع الإسلامي، المحاضرة الرابعة: الأئمة الأربعة، المحاضرة الخامسة: البدعة أحكامها وأنواعها، المحاضرة السادسة: الاجتهاد والتقليد، المحاضرة السابعة: الفتيا، سلسلة علمية شرعية، يحرص عليها الإنسان المسلم، وسوف يستفيد منها، ومن أرادها يطلبها من مؤسسة تسجيلات الأذكار.

стр. 932

أصول الإمام أحمد كل إمام له أصول وقواعد يبني عليها الأحكام التي يستنبطها من كتاب الله ومن سنة رسوله، بل إن بعض هذه الأصول وضع للاستنباط، فكلهم مجتمعون على الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وبعد ذلك يختلفون في اجتهاداتهم، وفي القواعد التي أصلوها لدينهم، هذه نبذة قبل أن ندخل على الإمام ﵁. فنجد أن الإمام أحمد بن حنبل يوافق الشافعي في الأخذ بالاستصحاب، ويوافق أبا حنيفة بالأخذ بالاستحسان، ويوافق مالكاً في الأخذ بالمصالح المرسلة وسد الذرائع، ويأخذ بقول الصحابي ويقدمه على القياس، ويأخذ بالحديث الضعيف لشيوخه طبعاً ويقدمه على القياس، وكذلك يأخذ بالحديث المرسل؛ والحديث المرسل هو ما يرفعه التابعي إلى الرسول مباشرة دون أن يذكر الصحابي.

стр. 933

أصحاب الإمام أحمد كل إمام يلتف حوله كوكبة من طلبة العلم، يدونون علمه، وينشرون مذهبه، وفي الوقت نفسه يخالفونه في بعض الأشياء، إذا صحت عندهم أمور أو اجتهادات، فـ الشافعي له أصحاب، ومالك له أصحاب، وأبو حنيفة له أصحاب، كل واحد له تلاميذ وعلماء، فنجد أن من أصحاب الإمام أحمد، ومن أوثق الناس به، هو الإمام أبو داود السجستاني صاحب السنن، الذي عنده كتاب: مسائل الإمام أحمد، وكذلك ابنه عبد الله، وكذلك الأثرم، والخلال، وابن القيم الجوزية، وابن الجوزي، وابن قدامة صاحب: المغني، وابن تيمية، وابن رجب الحنبلي، وابن مفلح، وكثير من العلماء كلهم من تلاميذ الإمام أحمد، ليس شرط أن يكونوا كلهم من تلاميذه، بل من تلاميذه ومن تلاميذ تلاميذه الذين تتلمذوا على أصوله وعلى فقه الإمام أحمد ﵀.

стр. 934

قوة فقه أحمد بن حنبل وغزارته ونقرأ من هذا الكتاب القيم الذي هو بعنوان: مناقب الإمام أحمد بن حنبل للإمام ابن الجوزي الحنبلي. فيقول: قال إسحاق بن راهويه، يقول: كنت أجالس بـ العراق أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وأصحابنا، فكنا نتذاكر الحديث من طريق وطريقين وثلاثة، نتذاكر طرق الحديث، حتى يقوونه بكثرة الطرق، فيقول يحيى بن معين من بينهم: وطريق كذا، فأقول: أليس هذا قد صح بإجماع منا؟ فيقولون: نعم. فأقول: ما مراده؟ ما معنى الحديث؟ يتوقفون كلهم، والذي يعرف معنى الحديث، ويفك العبارة، ويعرف مرامي الألفاظ، ودقة العبارات، هو الإمام أحمد بن حنبل ﵁؛ لأنه ما كان محدثاً فقط، وإنما كان فقيهاً، وكان محدثاً، ولذلك يجب على الإنسان أن يكون عالماً باللغة والعبارات، وما يأخذ العلم عن الكتب فقط، بل عن الفقهاء حتى يفكوا له العبارة، ومن هنا يحضرني هذا الموقف، كل من تعلم عن طريق القراءة من الكتب يزيد خطؤه كثيراً؛ لأن الكتب فيها أخطاء لغوية وتصحيف، لكن على الإنسان أن يأخذ العلم بدراسة الكتب على العلماء، لذلك دخل أحد العلماء في إحدى قرى العراق، فوجدهم عندما يذهبون إلى الصلاة، يعلقون قفة، وداخل القفة فأر وسكينة ومغرفة في كل صلاة تقام، يعلق الناس القفة وداخل القفة مغرفة وفأر وسكينة، فرآهم هذا الإمام وأظنه الإمام المزني تلميذ الشافعي، فلما رآهم تعجب وقال: لماذا تفعلون هذا الفعل؟ قالوا: يوجد نص ودليل على ذلك، ففتحوا كتاب: الرسالة للشافعي، أو الأم، فقالوا: تعال يا إمام (لا صلاة إلا بقفة) قال: لا. ما هو بقفة ولكن "إلا بفقه" أنتم غيرتم النقطتين من هنا إلى هنا (ولا صلاة إلا بسكِّينة) قال: يا أحبابنا (إلا بسكَينْة) (لا صلاة إلا بفأر) قال لهم: لا. (بوقار) نقصتم نقطة، لا صلاة إلا بمغرفة، قال لهم: بمعرفة ليس بمغرفة، انتبهوا لا تلخبطوا الدين وتغيروا الكلام. من الأشياء التي ذكرها ابن الجوزي في كتابه: أخبار الحمقى والمغفلين، يذكر جانباً من حمقى القراء والفقهاء، أن أناساً ذهبوا للحج فلما أتوا إلى الجمرات يرمونها، أخذ أحدهم حماره وجعل يغسل خفَّاه؛ لأنه وجد نص في كتب الفقه (ويسن لرامي الجمرات أن يغسل خطى حماره) فأتاه أحد العلماء قال: ماذا تعمل؟ قال: أتبع الدليل، أي دليل هذا؟ قال: تعال انظر، وفتح الكتاب فقال له: ليس المراد (خطى حماره) وإنما المراد (حصى جماره) وكثير من الأخطاء التي يقع فيها الناس من هذا الباب، يقرءون الكتب دون الرجوع إلى العلماء، ودون الرجوع إلى الفقهاء، ولذلك قال وهب: الحديث مضلة إلا للعلماء، ومثاله حديث: (نهى الرسول ﷺ أن ينتعل الرجل واقفاً) فهل معناه أن الرجل لا يلبس نعاله وهو واقف؟ والحديث رواه أبو داود، ويقول الأرناءوط في تحقيقه: حسن. أولاً يا أخي أنت تتبع الحديث لا تلبس النعال وأنت واقف، لكن يأتيك أحد الأئمة ويقول لك: هذا نهي إرشاد لأن النهي ثلاثة وعشرون أو خمسة وعشرون نوعاً ذكرها الشيخ حسن هيتو في كتابه. ما هو المقصود من النهي العادي؟ وحتى في كتاب: شرح رياض الصالحين لـ صديق الشافعي قال: إن النهي يكون مكروهاً، فنهى أن ينتعل الرجل واقفاً نهي إرشاد وليس محرماً. يقول إسحاق: فنقول: ما معنى الحديث؟ فيقفون كلهم إلا أحمد بن حنبل ﵀. وهناك فرية تقال عن الإمام أحمد بن حنبل: أنه ليس بفقيه لكنه محدث، لذلك روى ابن الجوزي قال: قال أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي ﵀: ومن عجيب ما تسمعه من هؤلاء الأحداث الجهال أنهم يقولون: أحمد ليس بفقيه لكنه محدث، وهذا غاية الجهل، وذكر صفحة في الاستدلال على علمه، راجع صفحة (٩١) مناقب الإمام أحمد بن حنبل.

стр. 935

كلام الإمام أحمد في الزهد والرقائق يقول الإمام ابن الجوزي ﵀: أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري عن عبد الله بن أحمد السمرقندي قال سمعت إبراهيم بن سفيان يقول: سمعت أبا عصمة بن عاصم البيهقي يقول: بت ليلةً عند أحمد بن حنبل، فجاء بالماء فوضعه -إذا رأى الإمام أحد طلبة العلم يأتي ينام عنده جاءه بالماء فوضعه عنده، حتى يقوم الليل؛ لأن قيام الليل عندهم أمر بديهي، ونحن عندنا صلاة الفجر صعبة وقد ننام عنها أو نؤخرها في بعض الأيام، ومع ذلك نلتمس الأعذار لأنفسنا- فلما أصبح نظر إلى الماء فإذا هو كما كان، فقال: -سبحان الله- رجل يطلب العلم لا يكون له ورد من الليل، كيف تطلب العلم، وتطلب دراسة الشريعة والفقه ولا يكون لك ورد في الليل؟ ويقول ابن المديني رحمه الله تعالى: ودعت أحمد بن حنبل فقلت له: توصيني بشيء يا أبا عبد الله؟ فقال: نعم، اجعل التقوى زادك، وانصب الآخرة أمامك. ولا يحتاج إلى كلام أكثر من العبارة هذه، سطر واحد فيه كل التقوى، والورع، والخوف، والزهد، وانقضاء الأمل، والدنيا. وقال يحيى الجلاب: سمعت أحمد بن حنبل يقول: عزيز عليَّ أن تذيب الدنيا أكباد رجال وعت قلوبهم القرآن. أناس حفظوا القرآن ثم يموتون، ما يخلفهم بعدهم أحد، وفعلاً كلنا يشعر بهذا، عندما أصبحت معارك الردة بين المسلمين والكفار ومات كثير من حفاظ القرآن، خاف المسلمون على القرآن فجمعوه، والآن كم واحد فينا في المسجد هنا يحفظ القرآن يا إخواني؟ قليل جداً، نحفظ قال فلان وحدثنا فلان، نحفظ مصطلح الحديث، وكلام الله نغفل عنه كثيراً، ويمكن أن الواحد فينا لا يحفظ في اليوم آية، كلنا يا إخواني كلنا مقصرين، لذلك قالوا: الذي يحفظ كل يوم ثلاثة آيات على مدار خمس سنوات يحفظ القرآن كله، والذي يحفظ ست آيات يومياً يحتاج إلى سنتين ونصف ليحفظ القرآن الكريم. انظروا يا إخواني المسألة سهلة؛ لكن بهمة ومصابرة ومتابعة، وعلى حسب نفسيات الناس. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي يوماً: أوصني يا أبي؟ فقال: يا بني انو الخير، فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير. انو إذا كان عندك ألف دينار أن تتبرع بها كلها للمسلمين وللفقراء وللمحتاجين، لكن اصدق النية لعلَّ الله برحمته أن يكتبها لك ويحسبها لك، ماذا خاسر أنت؟ وقال أبو بكر المروزي: سمعت أحمد بن حنبل وسئل: بم بلغ القوم حتى مدحوا؟ أي: العلماء الذين نتكلم عنهم لماذا يمدحهم الناس؟ فقال: الصدق مع الله، ويعني بالصدق هنا: الإخلاص لله رب العالمين. يقول: أبو بكر نفسه: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إن لكل شيء كرماً، وكرم القلب الرضا عن الله . وقال محمد بن إسماعيل بن العلاء: حدثني أبي قال: دعاني رزق الله الكلواني، فقدم إلينا طعاماً كثيراً، وذكر نوع الطعام، فقال أحد الجالسين -معهم يحيى بن معين وأبو خيثمة وجماعة، فقدم لهم طعاماً ثميناً، وأحمد بن حنبل جالس- فقال رجل من الجالسين: والله لقد أسرفت في الطعام، فقال أحمد بن حنبل: لا. والله، لو أن الدنيا جمعت حتى تكون في بغداد لقمة ثم أخذها امرئ مسلم فوضعها في فم أخيه المسلم لما كان مسرفاً، فقال له يحيى: صدقت يا أبا عبد الله. قوة العلاقة بالإخوة، لو أن الدنيا كلها جمعتها كأنها لقمة ووضعتها في فم أخيك المسلم ما أنت بمسرف، لأن حق المسلم على المسلم قوي، وللمسلم على المسلم حقوق وردت في أحاديث كثيرة جداً. أحمد بن حنبل مربٍ كبير يعلم الناس، اسمع هذه القصة كيف يربي ويوجه الناس: كان في جيران أبي عبد الله أحمد بن حنبل رجل، وكان ممن يمارس المعاصي والقاذورات، جاء يوماً إلى مجلس أحمد بن حنبل فسلم عليه، فكأن أحمد لم يرد عليه رداً تاماً وانقبض منه، يعني: أحمد بن حنبل ما رد عليه رد كامل ليحسسه بعيبه من عمل المعاصي، إنما هو ليس راض عليه أن يعمل هذه المعاصي وهذه القاذورات، فكأن أحمد لم يرد عليه رداً تاماً وانقبض منه، فقال له: يا أبا عبد الله لم تنقبض مني؟ فإني قد انتقلت عما كنت تحذره مني برؤيا رأيتها -يقول: أنا تركت المعصية، وتركت الشيء الذي كنت تحسبني مداوماً عليه في المعاصي برؤيا رأيتها في المنام، والآن يقص الرؤيا التي رآها الرجل في المنام اسمع معي- فقال الإمام أحمد ﵁: وأي شيء رأيت؟ والرسول ﵊ يقول: (من رآني في المنام فقد رآني حقاً فإن الشيطان لا يتمثل بي أو بصورتي). قال: رأيت النبي ﷺ في النوم كأنه على علو من الأرض، وناس كثير أسفل جلوس، قال: فيقوم رجل منهم إليه فيقول له: ادع لي، فيدعو له حتى لم يبق من القوم غيري، فأردت أن أقوم فاستحييت من قبيح ما كنت عليه، استحييت من النبي من المعاصي التي كنت أفعلها، فقال: يا فلان! لم لا تقوم إلي تسألني أن أدعو لك؟ قلت: يا رسول الله! يقطعني الحياء لقبيح ما أنا عليه، قال: إن كان يقطعك الحياء فقم فسلني أدعو لك، فإنك لا تسب أحداً من أصحابي، قال: فقمت فدعا لي، قال: فانتبهت وقد بغض الله إلي ما كنت عليه، قال: فقال الإمام أحمد بن حنبل: يا جعفر، يا فلان، يا فلان من طلبة العلم حدثوا بهذا واحفظوه فإنه ينفع. حادثة جميلة يستأنس بها وتثار بين الناس، لعل فيها عبرة.

стр. 936

أشعار كان ينشدها الإمام أحمد يصنف كذلك ابن الجوزي باباً تحت عنوان: في ذكر ما أنشده من الشعر أو نسب إليه. قال أحمد بن يحيى الثعلبي: كنت أحب أن أرى أحمد بن حنبل فصرت إليه، فلما دخلت عليه قال لي: فيم تنظر؟ فقلت: في النحو والعربية، فأنشدني أحمد بن حنبل يقول: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما نخفي عليه يغيب لهونا عن الأيام حتى تتابعت ذنوب على آثارهن ذنوب فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ويأذن في توباتنا فنتوب ويقول: بلغني عن علي بن خشرم أنه سمع أحمد بن حنبل يقول: -انظروا يا إخواني يبين أن اللذة والمعصية تذهب، لكن يبقى سواد وخيبة يوم القيامة- يقول أحمد بن حنبل: تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الاسم والعار تبقى عواقب سوء من مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار ويحضرني هنا الموقف الذي دائماً أستشهد به، يذكره ابن الجوزي في: تلبيس إبليس، أن رجلاً دخل على الإمام أحمد بن حنبل فقال له: يا أبا عبد الله ماذا تقول في قول الشاعر في القصائد الرقاق الحسان؟ قال أحمد: مثل ماذا؟ قال: يا أبا عبد الله! مثل ما قال الشاعر: فسكت الإمام أحمد، وقال لي: يا هذا أعد عليَّ ما قال الشاعر، فقال الرجل يا أبا عبد الله! يقول الشاعر: إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني وتخفي الذنب عن خلقي وبالعصيان تأتيني فقام أحمد بن حنبل ودخل بيته وأغلق الباب، يقول الراوي: سمعت نحيبه من وراء الباب وهو يبكي ويقول: إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني وتخفي الذنب عن خلقي وبالعصيان تأتيني كان رقيق القلب، يبكي لكل موعظة وإن كانت شعراً.

стр. 937

صفة الإمام أحمد وهيئته وسمته يصنف كذلك باباً تحت عنوان: صفته وهيئته وسمته. فيقول أحمد بن العباس بن الوليد النحوي يقول: سمعت أبي يقول: رأيت أحمد بن حنبل رجلاً حسن الوجه، يخضب بالحناء خضاباً ليس بالغالي، في لحيته شعرات سود، ورأيت ثيابه غلاظاً إلا أنها بيض، ورأيته معتماً وعليه إزار. والعمامة من السنة، لكن الناس حسب عاداتهم، قلت لأحد الإخوة: البس العلمامة، قال: يا أخي هذه سنة من السنن الجبلية، قلت: ما المراد بجبلية أمولود وعليه عمامة؟ الجبلية ما كان من طبيعة الرجل الذاتية مخلوقة فيه، وليست العمامة من هذا النوع، والعمامة فيها أحاديث راجعها في كتب الفقهاء والمحدثين، يقول: أنا ماذا أعمل بهذه السنة ما هي أمر ولا واجب، إنما هي سنن هيئة. وأبو داود السجستاني يقول: لم يكن أحمد بن حنبل يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أمر الدنيا، فإذا ذكر العلم تكلم، ما كان يتكلم في أمور الدنيا، لكن إذا جاء وقت العلم بالحلال والحرام، والمسائل الفقهية، وتفسير كتاب الله، ومعرفة حديث رسول الله تكلم، أما نحن فيقعد الواحد منا ساعة، والله الكابلت هذه موديل خمسة وسبعين، وساعة كاملة للكلام في ألوان السيارات، وساعة كاملة في أنواع التواير، وساعة كاملة والثوب هذا قطن وذاك حرير لكن أمور دينهم لا يسألون عنها؛ حتى في الأمور البسيطة، حتى الصلاة لا يسألون عنها أبداً، ولا يذهبون إلى العلماء، ولا يتصلون بهم. اسمع إلى هذا الحديث الجميل: أبو العباس يقول: سمعت الحسن بن إسماعيل يقول: سمعت أبي يقول: كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء خمسة آلاف أو يزيدون، أقل من خمسمائة يكتبون والباقون يتعلمون منه حسن الأدب وحسن السمت، خمسمائة فقط يكتبون الحديث، والباقي ينظرون إلى الخُلُق، ينظرون إلى التصرف، ينظرون إلى الورع، يتعلمون الأدب من شكله وهيئته. الأخ يسأل يقول: خمسة آلاف كيف يسمعون الحديث عن الإمام أحمد ونحن بعضنا قاعدون في الخلق ولا يسمعون؟ وكذلك ورد عن البخاري أنه كان يحضره عشرة آلاف؛ كيف يكون ذلك ولا توجد عندهم سماعات ولا ميكرفونات؟ الجواب أيها الإخوة! كانت طريقتهم التبليغ، يقوم المحدث يحدث ثم بعد مائة متر يختارون رجلاً صافي السمع يسمع المحدث ويقرأ الحديث ويبلغه كما هو، وبعضهم واقف على النخل يسمع الكلام والحديث فيبلغه، وهكذا أذان الحرم، المؤذن يقول: الله أكبر، وآخر يقول مثله فينتشر الأذان، ونتوقع في عشرة آلاف عندما يخلص الإمام الدرس يقول: وصلى الله وسلم على محمد، فينقلها الآخر، ويقوم أول الناس وآخرهم منتظر يسمع قوله: وصلى الله على محمد ثم يقومون، وهكذا تنتقل الكلمة شيئاً بعد شيء، نحن الآن ميكرفونات والناس يسمعون، وهذا الموقف يذكرني بالشيخ محمد الأشقر حفظه الله كان يلقي درساً عن البدعة، عند أناس عندهم كل شيء بدعة حتى البدعة بدعة عندهم، ما تركوا شيئاً، فيقول، كنت جالساً في بريدة فيقول أحد خطباء المساجد: هناك عالم لا يستخدم الميكرفون يقول: بدعة لم يفعلها النبي ﷺ ، فيقول الشيخ محمد الأشقر: يريد إقناعه، بعد يوم من الأيام كنت جالساً معه، وكان عنده كتاب، قلت له: اقرأ علي هذا الكتاب، فحمل نظارته يريد يلبسها يقرأ، قلت: لماذا تلبس النظارة، ما لبسها الرسول ﷺ فهي بدعة؟ قال: لا. تكبر الكلام، قلت: والميكرفون يكبر الصوت، فاقتنع بهذا.

стр. 938

زهد الإمام أحمد في ذكر زهده ﵁. قال سليمان بن الأشعث: ما رأيت أحمد بن حنبل ذكر الدنيا قط، إنسان منقطع للآخرة، لذلك منَّ الله عليهم بالعلم وبكل خير، لأنهم أناس كانوا للآخرة، خلقهم الله هكذا حتى يحفظون الدين، ولذلك لما قيل لـ ابن المبارك: إن الحديث كثر فيه الوضع والكذب، قال: استرح، فإنها تعيش له الجهابذة، والله يخلف من تعيش لهذا الحديث. ويقول أبو حفص عمر بن سليمان المؤدب: صليت مع أحمد بن حنبل التراويح، وكان يصلي به ابن عمير، فلما أوتر رفع يديه إلى ثدييه، وما سمعنا من دعائه شيئاً ولا ممن كان في المسجد، أي أنه كان يبكي، وكان من شدة البكاء ولا يسمع دعاؤه، وكان في المسجد فراش على الدرجة، لم يكن فيه قنديل ولا حصير ولا شيء، زهد وفقر، وكذلك خوف من الله . طبعاً: صلاة التراويح عند الإمام أحمد ﵀ كلها عشرين ركعة. كذلك يقول أبو بكر المروزي: سمعت أبا عبد الله يقول لـ شجاع بن مكنز العطار: يا أبا الفضل إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل، أي: فلاد داعي لكثرة الهم والاغتمام، فإنما هو عمر قصير ثم نرحل إلى الله ، وكلٌ قادم على عمله، وأول ما يحاسب المرء يوم القيامة عليه دينه وصلاته، ولكن مع ذلك فإن الله جميل يحب الجمال، وفي الوقت نفسه (البذاذة من الإيمان) كما قال ﷺ .

стр. 939

ورع الإمام أحمد ذكر ورعه وزهده ابن كثير ﵀ متسلسلة في صفحتين أو ثلاث في البداية والنهاية، وكتب قدر عشر صفحات للإمام أحمد بن حنبل وهي مختصرة وجيدة. من شدة ورعه ﵀ أنه كان معه طست، فجاء رجل فوضع طسته بجواره، ثم لم يعرف أيهما طست الإمام أحمد فقال: أيهما طستك؟ فاشتبه على الإمام ذلك فقال: هما لك. وقال أحمد بن القاسم الطوسي: كان أحمد بن حنبل إذا نظر إلى نصراني أغمض عينيه، فقيل له في ذلك، فقال: لا أقدر أن أنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه، لأنه يقول: إن لله ولداً، فكيف أنظر إليه! فمن شدة ورعه لا يطيق النظر إليهم حتى لا يتذكر الجرم في حق الله . وقال علي بن المديني: ليس في أصحابنا أحفظ من أحمد بن حنبل، وبلغني أنه لا يحدث إلا من كتاب، ولنا فيه أسوة حسنة، ما كان واحد أحفظ منه، ومع ذلك يفتح الكتاب ويقرأ ليتأكد أنه صحيح، لذلك يقول الشيخ محمد فوزي: كان مشايخنا الكبار ﵏ يعلموننا يقولون: إذا كنت حافظاً للمسألة، وسألك عنها أحد سواء كانت قضية إسلامية أو مسألة سهلة في الصلاة -مثلاً- في الحلال أو الحرام، فالأفضل أن ترجع إلى الكتاب، لأن الإنسان قد يسهو أو يشتبه عليه الأمر، فارجع إلى الكتاب لأن هذا دين. لذلك قيل: أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار. وأنتم تعرفون أن أحمد بن حنبل ممن تطرق إلى مسألة فتنة خلق القرآن، وتعذيب الأمراء له كـ المعتصم والمأمون وكيف جلد بالسياط، وكيف صبر ﵀، وكيف فتن المسلمون لولا ثبات أحمد بتثبيت الله له، فكان بعض أبنائه -له ابن اسمه: عبد الله وابن اسمه: صالح - فكان صالح يقبل الفلوس من الأمراء والحكام فكان الإمام لا يقبل منه طعاماً ولا شراباً، حتى وهو على فراش الموت قال: لا تغسلوني بماء ولدي صالح، ولا تكفنوني بكفن اشتريتموه من أموال صالح، لماذا؟ يخاف من هذه الأموال التي من الأمراء وفيها حرام وربا، وفيها ظلم، فهو يبتعد عنها تورعاً، ولذلك لما علم أن ولده صالحاً يأخذ الأموال من الأمراء ماذا فعل؟ قال أحمد بن محمد الدستري: ذكروا أن أحمد بن حنبل أتى عليه ثلاثة أيام ما طعم فيها ولا أكل شيئاً، فبعث إلى صديق له فطلب منه شيئاً من الدقيق، فعرفوا في البيت شدة حاجته إلى الطعام، فخبزوا له بعجلة وسرعة في التنور، فلما وضع بين يديه قال: كيف خبزتم بهذه السرعة؟ فقيل له: كان التنور في بيت صالح مسجوراً فخبزنا به، قال: ارفعوا الطعام، ولم يأكل، وأمر بسد بابه إلى دار صالح، انظروا شدة الحرص وشدة الورع من هذا الإمام الجليل ﵁.

стр. 940

تواضع الإمام أحمد قال أبو بكر أحمد بن محمد المروزي: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل وذكر أخلاق الورعين فقال: أسأل الله ألا يمقتنا، فقلت له: يا أبا عبد الله! ما أكثر الداعين لك، فهل قال: ما شاء الله أنا أحسن الناس، أنا من أهل الجنة، أنا ما شاء الله عالم، أغتر بنفسه، مع أنه حافظ ألف ألف حديث، وذكر أخلاق الورعين فقال: أسأل الله ألا يمقتنا أين نحن من هؤلاء؟ فقلت لأبي عبد الله: ما أكثر الداعين لك، فأغرقت عيناه بالدموع، ثم قال: أخاف أن يكون هذا استدراجاً، أسأل الله أن يجعلنا خيراً مما يظنون، ويغفر لنا ما لا يعلمون. هكذا الورع يا إخواني، وهكذا التقوى عند الأئمة الأعلام ﵃.

стр. 941

إجابة الإمام أحمد للدعوة تحت عنوان الباب الثالث والخمسون في إجابته للدعوة وخروجه لرؤية المنكر، قال علي بن أبي صالح السواق: كنا في وليمة، فجاء أحمد بن حنبل فلما دخل نظر إلى كرسي عليه فضة، فخرج، فلحقه صاحب الوليمة يركض وراءه، فنفض يده في وجهه، وقال: مثل المجوس، مثل المجوس؟! وخرج مولياً مدبراً ﵁. ويذكرون كذلك في باب تعبده وورعه ﵀ أن صالح بن أحمد بن حنبل ولده قال: كان أبي لا يجعل أحداً يستسقي له إناء لوضوئه، يعني: يجر الدلو من البئر، بل يخدم نفسه بنفسه لوضوئه، وكان إذا أخرج الدلو مدروساً ماء -ملئ بالماء- قال: الحمد لله، قلت: يا أبي! أي شيء في هذا؟ فقال: يا بني أما سمعت الله يقول: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٣٠] انظر كيف يستشعر الآيات، ويستشعر كلام الله . ويقول إبراهيم بن شماس: كنت أعرف أحمد بن حنبل وهو غلام وهو يحيي الليل، أما نحن فقد تركنا السنن وأهمها قيام الليل، وكأنا لم نعلم أن المرء إذا صلاها صغيراً ثم عجز عنها كتب له أجره عليها. وقال الخلال عن عبد الله بن أحمد قال: رأيت أبي لما كبر وأسن، اجتهد في قراءة القرآن، وكثرة الصلاة بين الظهر والعصر، فإذا دخلت عليه انفتل من الصلاة وربما تكلم، وربما سكت، فإذا رأيت ذلك خرجت فيعود لصلاته، ورأيته أكثر من ذلك يقرأ القرآن. فتأمل كيف يقرأ القرآن، فإذا حس بأن واحداً يدخل عليه في البيت وضع القرآن تحت البشت والعباءة حتى لا يكشف أمره للناس يقولون: كان يقرأ القرآن، ما شاء الله! فلان صوته حلو بالأذان، ما شاء الله فلان خطيب جيد، لا يحب هذه الكلمات أبداً، وإنما دائماً من الورع والتقوى يخفي أعماله بينه وبين الله .

стр. 942

كرامات الإمام أحمد ﵀ كراماته وإجابة الله لسؤاله. إثبات الكرامة عندنا من العقيدة الإسلامية كما قال: وأثبت للأولياء الكرامة ومن أنكرن فانبذن كلامه أي: أن الكرامة مبدأ من مبادئ العقيدة الإسلامية عند أهل السنة والجماعة. اسمع كرامات الإمام، وكيف يستجيب الله دعاءه مباشرة. قال محمد بن علي السمسار: رأيت أبا عبد الله جاء بالليل إلى منزل صالح، وابن صالح تسيل الدماء من منخريه، يعني: ولد ولده، وقد جمع له الطب وهم يعالجون بالكتل وغيرها، والدم يغلبهم، فقال له أبو عبد الله: أي شيء حالك يا بني؟ قال: يا جدي! هو ذا أموت، يعني: كأني أموت، ادع الله لي، فقال له: ليس عليك بأس، ثم جعل كأنه يحرك يده فانقطع الدم وقد كانوا يئسوا منه؛ لأنه كان يرعف دماً، بشدة. الحادثة الثانية المشهورة ويذكرها ابن الجوزي في صفة الصفوة كذلك، قال العباس بن محمد الدوري: حدثني علي بن أبي حرارة، أحد جيرانه، قال: كانت أمي مقعدة، أي: مشلولة نحو عشرين سنة، فقالت لي يوماً: اذهب إلى أحمد بن حنبل فسله أن يدعو الله لي، فسرت إليه فدققت عليه الباب وهو في دهليزه، فلم يفتح لي وقال: من هذا؟ فقلت: أنا رجل من أهل ذاك الجانب، سألتني أمي وهي زمنة مقعدة أن أسألك أن تدعو الله لها، فسمعت كلامه كلام رجل مغضب، يعني: غضبان، فقال: نحن أحوج أن تدعو الله لنا، يعني: اذهب حق على أمك أن تدعو الله لنا، أما نحن فأناس فقراء، فولى الولد منصرفاً، وفي رواية: ولى يبكي على أمه المسكينة، أحمد بن حنبل ما دعا لها، فخرجت عجوز من داره فقالت: أنت الذي كلمت أبا عبد الله أقبل، فقلت: نعم، فقالت قد تركته يدعو الله لها، يعني: أن هذه العجوز والظاهر أنها أم أحمد بن حنبل قد جعلته يدعو الله لها، قال: فجئت من فوري إلى البيت فدققت الباب، فخرجت أمي على رجلها تمشي حتى فتحت الباب، فقالت: قد وهب الله لي العافية، وهذه من كرامات الإمام أحمد بن حنبل ﵀. حدثني إبراهيم بن هانئ قال: حدثني النساج جار لـ أبي عبد الله قال: كنت أشتكي، فكنت أئن في الليل، فخرج أبو عبد الله في جوف الليل، فقال: من هذا عندكم يشتكي؟ فقيل له: فلان، فدعا له وقال: اللهم اشفه، ودخل فكأنه كان ناراً صب عليه ماء، محموم ويئن فصار بعد ذلك بارداً وصح مباشرة من دعاء الإمام أحمد بن حنبل، مطعمه حلال، ورَعٌ، ودعاءٌ، وقيامُ ليلٍ، وخوفٌ مِنَ الله، ونحن لماذا لا ندعو؟ ولماذا لا يستجيب الله لنا؟! الله أعلم.

стр. 943

وفاة الإمام أحمد في يوم وفاته حدثت زحمة، حتى أغلقت الطرقات، زاكتظ البيت بالناس، وخرج الأطفال والنساء والرجال، وكلهم يسألون عن أحمد، ويهتمون لإمام أهل السنة الذي صبر على التعذيب من المأمون والمعتصم، وحفظ الله به الدين. إن أحمد سوف يموت، إن أحمد سوف يفارق الدنيا، الناس في هم وكرب عظيم، حتى الطرقات احتشدت، والناس لم يعد يسعهم مكان، وتعطلت الباعة، يقول: دخل عليه شيخ فكلمه، في روايات كثيرة، وقال: اشكر وقوفك بين يدي الله يا أبا عبد الله! فشهق أحمد بن حنبل، وسالت الدموع على خديه، فلما كان قبيل وفاته بيوم أو يومين، قال: ادعوا الصبيان -أولاده وأولاد أولاده الصغار- ادعوا الصبيان الصغار، فجاءوا ينضمون إليه، وجعل يشمهم ويمسح بيده على رءوسهم، وعينه تذرف الدموع لمفارقتهم، فقال له رجل: لا تهتم لهم يا أبا عبد الله، فأشار بيده، فظننا أن معناه أني لم أرد هذا، وكان يصلي قاعداً، ويصلي وهو مضطجع لا يكاد يصبر، ويرفع يديه إيماء بالركوع أنه في الصلاة، وفي رواية: وأدخلت الصحفة تحته فرأيت بوله دماً في آخر أيامه، فيقول: فوضعته فقال: خلل الأصابع، فلما كانت ليلة الجمعة ثقلت، فظننت أنه قد قبض، وأردنا أن نمدده، فجعل يقبض قدميه وهو موجه، وجعلنا نلقنه لا إله إلا الله، ونردد ذلك عليه، وهو يهلل، وتوجه إلى القبلة واستقبلها بقدميه، فلما كان يوم الجمعة اجتمع الناس حتى ملئوا السكك والشوارع، فلما كان صدر النهار قبض ﵀، فصاح الناس، وعلت الأصوات بالبكاء، حتى كأن الدنيا قد ارتجت وقعد الناس، فخفنا أن ندع الجمعة، فأشرفت عليهم فأخبرتهم: إنا نخرجه بعد صلاة الجمعة، يعني: إلى الدفن، فخاف أن الناس لا تروح إلى الجمعة من شدة البكاء، وبعدها وضع على فراش الموت، تذكر أن له ثلاث شعرات من النبي ﷺ كان محتفظاً بها، فقال: إذا أنا مت فاجعلوا واحدة على عيني والأخرى على عيني الأخرى والثالثة على لساني، ثم أغلقوا فمي وادفنوني مع شعر النبي ﷺ ، كأنه يتبرك بآثار النبي ﷺ كما يذكر ذلك ابن حجر وكما يذكر ذلك القسطلاني وكل العلماء المعتبرين. هذه رواية تبين يا إخواني دور الشيطان في فتنة الإنسان: ابنه عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: لما حضرت أبي الوفاة جلست عنده واختصار القصة، أنهم كانوا يقولون: قل: لا إله إلا الله، فيقول: لا بعد، لا بعد، فلما أفاق قالوا: يا أبا عبد الله مالك كنت أقول لك: قل: لا إله إلا الله فكنت تمتنع؟ قال: نعم، رأيت الشيطان يقف في زاوية البيت وقد عظ على يديه وقال: لقد فتني يا أبا عبد الله ويريد أن يفتنه، ويقول لي: مت على دين آبائك وأجدادك من كفار قريش، فأقول: لا. لا، حتى لا أفتن في ديني، وما مات إلا بعد أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم، وبارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً.

стр. 944

البشارة العظيمة إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وذلك عندما ينظر الناظر فيرى المنكرات قد انتشرت في الأرض، ولكنه يستبشر عندما يعلم أن الله ناصر دينه، ومُعْلٍ كلمته ولو كره الكافرون.

стр. 945

تبشير الملائكة للوط ﵇ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فهي ليست محاضرة كما ذكر المقدم، ولكنها كلمة إن شاء الله، وكما قيل: خير الكلام ما قلَّ ودلَّ، فإن أصبت فمن الله ، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان. أيها الإخوة الكرام: العنوان: (البشارة العظيمة) والله جلَّ وعلا يقول: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٢٣] والمؤمنون مبشَّرون من الله جل وعلا ومن النبي ﷺ ببشائر عظيمة، وهذه بعض منها وإلا فهي أكبر وأكثر وأعظم، وسوف تسمع بعضها أيها الأخ الكريم. أُبَشِّر كل داعية إلى الله، وكل مصلح، وكل آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر، وأبشر كل مُصْلِحَة، وكل آمِرَة بالمعروف وناهِيَةٍ عن المنكر، أبشركم جميعاً أيها الإخوة بأن هذا الدين منتصر، وأن الله مُعْلٍ دينه، وناصرٌ كتابه جل وعلا، وأن هذا الدين مهما حاولوا إطفاء نوره فلن يستطيعوا: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] بل قال ﵊: (لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإن الإنسان ليصيبه الحزن والكآبة عندما ينظر في الناس فيرى المنكرات، والفساد ينتشر في الأرض، ويرى فلاناً الذي كان يصلي الفجر في جماعة؛ اليوم لا يصلي حتى ولا في بيته، ونرى ذلك الذي كان ينادي للصلاة؛ اليوم يرفع صوته بالغناء، ويرى الذي كان يحفظ القرآن؛ قد ارتد عن سبيل الله، إن القلب ليحزن وإن الصدر ليضيق من هول ما يرى. بل عندما يدعو الإنسانُ الناسَ إلى الله جل علا، ولَمَّا يدعو الداعية إلى الله بالمعروف وينهى عن المنكر ويرى الصدود والإعراض؛ يصيبه بعض الحزن والكآبة، فإذا فتح الجرائد وسمع أخبار الناس: المسلمون يُذَبَّحون ويُقَتَّلون، وتستباح دماؤهم وتُسْلَب أراضيهم وأموالُهم؛ يصيب الإنسان منا الضيق والحزن والكآبة، ثم ماذا؟ ثم أبشر يا عبد الله! فإن نصر الله قريب.

стр. 946

حب قوم لوط لفاحشتهم هذا لوط ﵇ يصيب قومه داءٌ عظيم، أتعرف ما هذا الداء؟ داء إتيان الذكور: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٦٥] يأتون فاحشة ما سبقهم بها من أحد من العالمين، يأتون الذكران أجلكم الله، وهذا حادث في بعض الدول في هذه الأيام للأسف! فإذا به يأمر قومه وينهاهم ولكن للأسف لا مجيب ولا مستجيب. فتأتي الملائكة في صورة ضيوف -واسمع لهذا الخبر فلكأنه يحكي واقعاً قريباً من واقعنا- فيسمع القوم بأن هناك ذكوراً ورجالاً قد دخلوا؛ فارتفعت الشهوة، وعَمِي البصر، وذهب العقل، وانمسخت الفطرة؛ فجاءوا إليه يهرعون ويركضون ويسرعون، قرعوا الباب على لوط، ففزع منهم: ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:٧٧ - ٧٨]. وتَخَيَّلْ نفسك يا عبد الله! وأنت في مثل هذه الحالة التي فيها لوط، قوم لا يعرفون الزواج، ولا يعرفون نكاح النساء، لا يعرفون -أجلكم الله- إلا نكاح الرجال بعضهم بعضاً، حتى لما طرقوا عليه الباب قال لهم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨] اتقوا الله، ألا رجل واحد رشيد؟! يتبعون الشهوات، بل يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فإذا جاءت مواطن الشهوات أتى الجميع يطلبون شهوتهم وتكالبوا وتآلبوا وتآمروا؛ وكادوا لأجل ذلك أن ينشروا الفاحشة في المجتمع. ولأجل أن يقضوا الشهوات ويتمتعوا بشهواتهم جاءوا من بعيد يهرعون ويركضون، طرقوا الباب وقالوا للوط: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ * قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود:٧٧ - ٧٨] هؤلاء بناتي إي: تزوجوا بناتي، اتركوا هذه القذارة والنجاسة، فقد أعطاكم الله الحلال، أما ترضون إلا بالحرام؟! ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨] لا والله يا لوط! ليس هناك في القوم رشيد للأسف! للأسف بعضهم يحصل على أرفع الشهادات، وأعلى المناصب وأكبر المنابر يركبها ويعتليها ثم هو ليس برشيد ليتكلم عن نفسه فكيف يتكلم عن غيره؟! ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨]. أتعرف بِمَ ردوا عليه؟! ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ [هود:٧٩] تعلم يا لوط أننا لا نقبل بالزواج، ولا نرضى بالحلال، ولا نرضى إلا بالحرام والشهوات: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود:٧٩]. التفت لوطٌ ﵇ إلى الضيوف، فحزن وضاق صدره، فضيحة! فهم ضيوفه! ثم قال: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ [هود:٨٠] لو أن لي في هذه الظروف قوة أتَقَوَّى بها على رد هؤلاء الأعداء: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠] رحم الله لوطاً! لقد آوى إلى ركن شديد، أتعرف أي ركن هذا أيها الداعية؟! آوى إلى ركن الله، ليست هناك أسباب مادية، ضاعت القوة، جُوْبِهَ من جميع الجهات: مِن فوقه، ومِن أسفل منه، ومِن أمامه، ومن خلفه، أغلقوا كل الأبواب في وجهه، أرغموه على الفساد، وقالوا اقتحِموا بيته بالفساد؛ ولكنه آوى إلى ركن شديد.

стр. 947

أليس الصبح بقريب هنا تكلمت الملائكة ونطقت بإذن الله: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ﴾ [هود:٨١] من هنا بدأ الفرج وبدأت البشائر: ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ [هود:٨١] تدخلت القوة من السماء، وأذن الله بالانفراج، وبدأت البشائر: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْك﴾ [هود:١]. أيها الداعية إلى الله: لا تنظر ولا تقرأ الأخبار والإحصائيات والتقارير: كم عندهم من الصواريخ! ومن الأسلحة! ومن الجيوش الجرارة! ومن الأموال الهائلة! والدعاة إلى الله لا يملكون إلا ألسنتهم، وبعض الأقلام! لا تظن أنه لا مقارنة ولا سبيل للنصر، فإن النصر من عند الله وحده. ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود:٨١] وبدأت الآن خطة النصر: يا لوط اخرج في الليل. ولربما يعمل الدعاة إلى الله أحياناً في الليل، ولا يملكون إلا العمل في الظلام بعض الأحيان، وبعض الأحيان يدعون إلى الله بالسر، بل بعضهم في روسيا الاتحادية والجمهوريات الشيوعية كانوا يعملون في السراديب. فإذا بلوط ﵇ يؤمر بالخروج ليلاً، قال: لِمَ؟ قالت الملائكة: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود:٨١] سوف يأتي الفجر أيها النبي الكريم -أيها الداعية إلى الله! سوف يأتي الفجر- فإذا بلوط ﵇ يستبطئ الفجر الفجر بعيد والليل طويل ولكن الملائكة ترد على لوط فتقول له: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١].

стр. 948

بشائر من العهد المكي أيها الداعية إلى الله! مهما طال الليل فإن نهايته الفجر، وقد آذن الفجر بالقدوم، وسوف تأتي الشمس بعد الفجر. أيها الداعية إلى الله! أبشر بالنصر من الله جل وعلا، وابذل ما تستطيع، فإذا أيست وبذلت جهدك وقصارى طاقتك فاعلم أن الله سوف يأتيك بالنصر: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠].

стр. 949

بشارة الرسول ﷺ لأصحابه بالنصر شاب في العهد المكي لم يتجاوز عمره العشرين سنة يرى محمداً ﷺ -وتَخَيَّلْ هذه الصورة- أفضل الخلق وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فيأتيه هذا الشاب الصغير وقد أنهكه التعب، وآلمه الأسى واستبطأ النصر، فقال: (يا رسول الله! ادعُ لنا، استنصر لنا) ضاقت بهم الأمور، وتَخَيَّلْ صورتهم: هذا يُجَرُّ في الرمضاء في شدة الحر، وذلك يُضْرَب، وذاك يُطْفأ الجمر بجلده، وتلك يُطْعَن في فرجها برمح فتخرج روحها أمام ولدها، وذلك يُعَذَّب وتُعَذَّب أمُّه أمامه، وهذا يُضْرَب بالأسواق، وهذا هو وبناته الصغار يتضاغون من الجوع، وما يجد إلا أوراق الشجر يأكلها هو وبناته، عذاب وأي عذاب! فإذا بمحمد ﷺ يتغير لون وجهه، ثم يقول له مغضباً: (إنه كان فيمن كان قبلكم، يؤتي بالرجل فتُحفر له الحفرة، فيُوضع فيها، ويُنشر بالمنشار على مفرق رأسه) تَخَيَّلْ أنك هذا الرجل في حفرة والمنشار على مفرق الرأس، ثم قال: (فينشر). هل هو مخدر؟! هل هو غائب عن الدنيا؟! لا يا عبد الله! الدم يسيل، والجسد يتعذب، والروح لم تخرج، قال: (فينشر حتى يفلق فلقتين، ويؤتى بأمشاط الحديد، فيمشط ما بين لحمه وعظمه، لا يرده ذلك عن دينه؛ ولكنكم قوم تستعجلون) تستعجلون، اصبروا فما هي إلا سنوات.

стр. 950

بشارة الرسول ﷺ لقريش بهزيمتهم كان محمد ﵊ في العهد المكي -واسمع لهذا الخبر- يطوف حول البيت، فإذا بالمشركين يغمزونه، فإذا به يستغفلهم ويمضي، فيأتي في الشوط الثاني يطوف حول الكعبة -وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً- فإذا بهم يغمزونه فيستغفلهم، ثم في الشوط الثالث يغمزونه ويضحكون عليه، فإذا به يستغفلهم، ثم يأتيهم وهم يضحكون، فيقول: (تسمعون معشر قريش؟! فسكتوا، قال: أما والذي نفس محمد بيده! لقد جئتكم بالذَّبح -عندي القتل والموت، أُمِرْت أن أقاتل الناس- يقول الصحابي الراوي: والله لكأن على رءوسهم الطير) عزة المؤمن. أبْشِر يا عبد الله! فإنك مهما كنتَ وحيداً فإن في قلبك هيبة، وإن في قلبك رحمة، وإنك إن مَشَيت في تلك المجتمعات الفاسدة والضالة وبين الضالين المجرمين فإن الله يوقع في قلوبهم منك الخوف والرهبة. فإذا بأشقى القوم، من كان قبل قليل يسبه ويشتمه، يقول له: (انصرف أبا القاسم راشداً -وانظر إليه حين قال: أبا القاسم ولم يقل: محمد- فوالله ما كنت جهولاً) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. ألا تسمع يا عبد الله! أن الآلاف المؤلفة من الناس بعد أكثر من أربعين سنة من الشيوعية الحمراء التي تقول: إن القرآن جريمة، والأذان عقوبته لا تعد ولا تحصى، وإظهار دين الإسلام وشعائره جريمة يعاقِب عليها القانون، حفظوا دينهم، كيف حفظوه؟! وكيف أمِنوا من هذه الفتن وهذا الفساد بعد أن انكسرت الشيوعية؟! يَخْرُجُ مِن موسكو - الشيوعية بلدِ الحديد والنار- آلاف مؤلفة كلهم يكبرون ويهللون ويقولون: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) يخرجون يحجون إلى بيت الله الحرام. والشاهد رآهم بأم عينيه في سيارات لا يتحمل أحدٌ أن يدخل فيها ولا ليوم واحد، وهم يأتون أشهراً طويلة وأياماً عديدة مديدة ليحجون إلى بيت الله الحرام، رأيت أحدهم -أيها الأخ الكريم- يحمل أمه العجوز وبيده شيخاً كبيراً وهو كبير في السن، ويحمل أمه على ظهره يطوف قرابة ساعة، بكل نشاط وبكل حب ورغبة في دين الله، يطوف بها حول البيت في وسط الزحام، وهو متشوق إلى جنة الرحمن، إنه نَصْر الله يا عبد الله، وَعَدَ اللهُ : ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١]. هذا محمد ﵊ وصل إلى وضع لم نصل إلى ربعه يسجد عند الكعبة فيقول أحد المشركين: " من يذهب إلى سلى جزور بني فلان فيرميه على محمد " فيقوم أشقى القوم -والمسلمون حوله لا يظهرون إسلامهم، لا يستطيع أحدهم أن يلتفت نحو الرسول- ويأتي بسلى الجزور -قذارة- ويرميها على ظهر محمد ﷺ وهو ساجد، ولم يستطع ﵊ أن يرفع رأسه من السجود، والصحابة ينظرون ولا أحد يتحرك وانظر يا عبد الله! إلى الضعف الذي مر به المسلمون. وتنطلق فاطمة وهي بنت صغيرة تركض إلى أبيها ﵂، فإذا بأبيها ساجد عند الكعبة وعلى ظهره النجاسات والقذارات، فإذا بها تزيل القذر عن ظهر أبيها وهي تبكي، فأتم ﵊ صلاته والمشركون ينظرون، والبنت تبكي، والصحابة مستخفون بإسلامهم، لا يستطيع أحد منهم أن يحرك ساكناً، فإذا به يلتفت إلى القوم ويستقبلهم، ثم يرفع يديه إلى السماء وهو يقول: (اللهم عليك بـ عمرو بن هشام، اللهم عليك بـ عتبة بن ربيعة، اللهم عليك بـ الوليد بن ربيعة، اللهم عليك بفلان وفلان -عدَّدهم واحداً واحداً، فسكت القوم- قال الراوي: والله لقد رأيتهم كلهم صرعى يوم بدر) ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥] سيأتي يوم يُهزمون فيه، دعهم يتكلمون، ويغمزون، ويسخرون، دعهم يكيدون لك المكائد فإنما هم يحاربون الله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق:١٥ - ١٧].
следующие страницы →