Полный текст (1 195 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
حب قوم لوط لفاحشتهم
هذا لوط ﵇ يصيب قومه داءٌ عظيم، أتعرف ما هذا الداء؟
داء إتيان الذكور: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٦٥] يأتون فاحشة ما سبقهم بها من أحد من العالمين، يأتون الذكران أجلكم الله، وهذا حادث في بعض الدول في هذه الأيام للأسف!
فإذا به يأمر قومه وينهاهم ولكن للأسف لا مجيب ولا مستجيب.
فتأتي الملائكة في صورة ضيوف -واسمع لهذا الخبر فلكأنه يحكي واقعاً قريباً من واقعنا- فيسمع القوم بأن هناك ذكوراً ورجالاً قد دخلوا؛ فارتفعت الشهوة، وعَمِي البصر، وذهب العقل، وانمسخت الفطرة؛ فجاءوا إليه يهرعون ويركضون ويسرعون، قرعوا الباب على لوط، ففزع منهم: ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:٧٧ - ٧٨].
وتَخَيَّلْ نفسك يا عبد الله! وأنت في مثل هذه الحالة التي فيها لوط، قوم لا يعرفون الزواج، ولا يعرفون نكاح النساء، لا يعرفون -أجلكم الله- إلا نكاح الرجال بعضهم بعضاً، حتى لما طرقوا عليه الباب قال لهم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨] اتقوا الله، ألا رجل واحد رشيد؟!
يتبعون الشهوات، بل يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فإذا جاءت مواطن الشهوات أتى الجميع يطلبون شهوتهم وتكالبوا وتآلبوا وتآمروا؛ وكادوا لأجل ذلك أن ينشروا الفاحشة في المجتمع.
ولأجل أن يقضوا الشهوات ويتمتعوا بشهواتهم جاءوا من بعيد يهرعون ويركضون، طرقوا الباب وقالوا للوط: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ * قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود:٧٧ - ٧٨] هؤلاء بناتي إي: تزوجوا بناتي، اتركوا هذه القذارة والنجاسة، فقد أعطاكم الله الحلال، أما ترضون إلا بالحرام؟!
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨] لا والله يا لوط! ليس هناك في القوم رشيد للأسف!
للأسف بعضهم يحصل على أرفع الشهادات، وأعلى المناصب وأكبر المنابر يركبها ويعتليها ثم هو ليس برشيد ليتكلم عن نفسه فكيف يتكلم عن غيره؟! ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨].
أتعرف بِمَ ردوا عليه؟!
﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ [هود:٧٩] تعلم يا لوط أننا لا نقبل بالزواج، ولا نرضى بالحلال، ولا نرضى إلا بالحرام والشهوات: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود:٧٩].
التفت لوطٌ ﵇ إلى الضيوف، فحزن وضاق صدره، فضيحة! فهم ضيوفه! ثم قال: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ [هود:٨٠] لو أن لي في هذه الظروف قوة أتَقَوَّى بها على رد هؤلاء الأعداء: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠] رحم الله لوطاً! لقد آوى إلى ركن شديد، أتعرف أي ركن هذا أيها الداعية؟!
آوى إلى ركن الله، ليست هناك أسباب مادية، ضاعت القوة، جُوْبِهَ من جميع الجهات: مِن فوقه، ومِن أسفل منه، ومِن أمامه، ومن خلفه، أغلقوا كل الأبواب في وجهه، أرغموه على الفساد، وقالوا اقتحِموا بيته بالفساد؛ ولكنه آوى إلى ركن شديد.
стр. 947
أليس الصبح بقريب
هنا تكلمت الملائكة ونطقت بإذن الله: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ﴾ [هود:٨١] من هنا بدأ الفرج وبدأت البشائر: ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ [هود:٨١] تدخلت القوة من السماء، وأذن الله بالانفراج، وبدأت البشائر: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْك﴾ [هود:١].
أيها الداعية إلى الله: لا تنظر ولا تقرأ الأخبار والإحصائيات والتقارير: كم عندهم من الصواريخ! ومن الأسلحة! ومن الجيوش الجرارة! ومن الأموال الهائلة! والدعاة إلى الله لا يملكون إلا ألسنتهم، وبعض الأقلام! لا تظن أنه لا مقارنة ولا سبيل للنصر، فإن النصر من عند الله وحده.
﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود:٨١] وبدأت الآن خطة النصر: يا لوط اخرج في الليل.
ولربما يعمل الدعاة إلى الله أحياناً في الليل، ولا يملكون إلا العمل في الظلام بعض الأحيان، وبعض الأحيان يدعون إلى الله بالسر، بل بعضهم في روسيا الاتحادية والجمهوريات الشيوعية كانوا يعملون في السراديب.
فإذا بلوط ﵇ يؤمر بالخروج ليلاً، قال: لِمَ؟
قالت الملائكة: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود:٨١] سوف يأتي الفجر أيها النبي الكريم -أيها الداعية إلى الله! سوف يأتي الفجر- فإذا بلوط ﵇ يستبطئ الفجر الفجر بعيد والليل طويل ولكن الملائكة ترد على لوط فتقول له: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١].
стр. 948
بشائر من العهد المكي
أيها الداعية إلى الله! مهما طال الليل فإن نهايته الفجر، وقد آذن الفجر بالقدوم، وسوف تأتي الشمس بعد الفجر.
أيها الداعية إلى الله! أبشر بالنصر من الله جل وعلا، وابذل ما تستطيع، فإذا أيست وبذلت جهدك وقصارى طاقتك فاعلم أن الله سوف يأتيك بالنصر: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠].
стр. 949
بشارة الرسول ﷺ لأصحابه بالنصر
شاب في العهد المكي لم يتجاوز عمره العشرين سنة يرى محمداً ﷺ -وتَخَيَّلْ هذه الصورة- أفضل الخلق وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فيأتيه هذا الشاب الصغير وقد أنهكه التعب، وآلمه الأسى واستبطأ النصر، فقال: (يا رسول الله! ادعُ لنا، استنصر لنا) ضاقت بهم الأمور، وتَخَيَّلْ صورتهم: هذا يُجَرُّ في الرمضاء في شدة الحر، وذلك يُضْرَب، وذاك يُطْفأ الجمر بجلده، وتلك يُطْعَن في فرجها برمح فتخرج روحها أمام ولدها، وذلك يُعَذَّب وتُعَذَّب أمُّه أمامه، وهذا يُضْرَب بالأسواق، وهذا هو وبناته الصغار يتضاغون من الجوع، وما يجد إلا أوراق الشجر يأكلها هو وبناته، عذاب وأي عذاب!
فإذا بمحمد ﷺ يتغير لون وجهه، ثم يقول له مغضباً: (إنه كان فيمن كان قبلكم، يؤتي بالرجل فتُحفر له الحفرة، فيُوضع فيها، ويُنشر بالمنشار على مفرق رأسه) تَخَيَّلْ أنك هذا الرجل في حفرة والمنشار على مفرق الرأس، ثم قال: (فينشر).
هل هو مخدر؟!
هل هو غائب عن الدنيا؟! لا يا عبد الله! الدم يسيل، والجسد يتعذب، والروح لم تخرج، قال: (فينشر حتى يفلق فلقتين، ويؤتى بأمشاط الحديد، فيمشط ما بين لحمه وعظمه، لا يرده ذلك عن دينه؛ ولكنكم قوم تستعجلون) تستعجلون، اصبروا فما هي إلا سنوات.
стр. 950
بشارة الرسول ﷺ لقريش بهزيمتهم
كان محمد ﵊ في العهد المكي -واسمع لهذا الخبر- يطوف حول البيت، فإذا بالمشركين يغمزونه، فإذا به يستغفلهم ويمضي، فيأتي في الشوط الثاني يطوف حول الكعبة -وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً- فإذا بهم يغمزونه فيستغفلهم، ثم في الشوط الثالث يغمزونه ويضحكون عليه، فإذا به يستغفلهم، ثم يأتيهم وهم يضحكون، فيقول: (تسمعون معشر قريش؟! فسكتوا، قال: أما والذي نفس محمد بيده! لقد جئتكم بالذَّبح -عندي القتل والموت، أُمِرْت أن أقاتل الناس- يقول الصحابي الراوي: والله لكأن على رءوسهم الطير) عزة المؤمن.
أبْشِر يا عبد الله! فإنك مهما كنتَ وحيداً فإن في قلبك هيبة، وإن في قلبك رحمة، وإنك إن مَشَيت في تلك المجتمعات الفاسدة والضالة وبين الضالين المجرمين فإن الله يوقع في قلوبهم منك الخوف والرهبة.
فإذا بأشقى القوم، من كان قبل قليل يسبه ويشتمه، يقول له: (انصرف أبا القاسم راشداً -وانظر إليه حين قال: أبا القاسم ولم يقل: محمد- فوالله ما كنت جهولاً) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
ألا تسمع يا عبد الله! أن الآلاف المؤلفة من الناس بعد أكثر من أربعين سنة من الشيوعية الحمراء التي تقول: إن القرآن جريمة، والأذان عقوبته لا تعد ولا تحصى، وإظهار دين الإسلام وشعائره جريمة يعاقِب عليها القانون، حفظوا دينهم، كيف حفظوه؟! وكيف أمِنوا من هذه الفتن وهذا الفساد بعد أن انكسرت الشيوعية؟!
يَخْرُجُ مِن موسكو - الشيوعية بلدِ الحديد والنار- آلاف مؤلفة كلهم يكبرون ويهللون ويقولون: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) يخرجون يحجون إلى بيت الله الحرام.
والشاهد رآهم بأم عينيه في سيارات لا يتحمل أحدٌ أن يدخل فيها ولا ليوم واحد، وهم يأتون أشهراً طويلة وأياماً عديدة مديدة ليحجون إلى بيت الله الحرام، رأيت أحدهم -أيها الأخ الكريم- يحمل أمه العجوز وبيده شيخاً كبيراً وهو كبير في السن، ويحمل أمه على ظهره يطوف قرابة ساعة، بكل نشاط وبكل حب ورغبة في دين الله، يطوف بها حول البيت في وسط الزحام، وهو متشوق إلى جنة الرحمن، إنه نَصْر الله يا عبد الله، وَعَدَ اللهُ : ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١].
هذا محمد ﵊ وصل إلى وضع لم نصل إلى ربعه يسجد عند الكعبة فيقول أحد المشركين: " من يذهب إلى سلى جزور بني فلان فيرميه على محمد " فيقوم أشقى القوم -والمسلمون حوله لا يظهرون إسلامهم، لا يستطيع أحدهم أن يلتفت نحو الرسول- ويأتي بسلى الجزور -قذارة- ويرميها على ظهر محمد ﷺ وهو ساجد، ولم يستطع ﵊ أن يرفع رأسه من السجود، والصحابة ينظرون ولا أحد يتحرك وانظر يا عبد الله! إلى الضعف الذي مر به المسلمون.
وتنطلق فاطمة وهي بنت صغيرة تركض إلى أبيها ﵂، فإذا بأبيها ساجد عند الكعبة وعلى ظهره النجاسات والقذارات، فإذا بها تزيل القذر عن ظهر أبيها وهي تبكي، فأتم ﵊ صلاته والمشركون ينظرون، والبنت تبكي، والصحابة مستخفون بإسلامهم، لا يستطيع أحد منهم أن يحرك ساكناً، فإذا به يلتفت إلى القوم ويستقبلهم، ثم يرفع يديه إلى السماء وهو يقول: (اللهم عليك بـ عمرو بن هشام، اللهم عليك بـ عتبة بن ربيعة، اللهم عليك بـ الوليد بن ربيعة، اللهم عليك بفلان وفلان -عدَّدهم واحداً واحداً، فسكت القوم- قال الراوي: والله لقد رأيتهم كلهم صرعى يوم بدر) ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥] سيأتي يوم يُهزمون فيه، دعهم يتكلمون، ويغمزون، ويسخرون، دعهم يكيدون لك المكائد فإنما هم يحاربون الله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق:١٥ - ١٧].
стр. 951
بشارة لأهل الأعمال الصالحة
أبشر أيها العبد الصالح!
أبشر يا من تصلي الفجر!
أبشر يا من تشهد الشهادتين وتأتي بشروطها وأركانها وتحقِّقُها في قلبك قبل أن تقولها بلسانك!
أبشر يا عبد الله، يا من تصوم رمضان! يا من تؤدي زكاة مالك! يا من حججت إلى بيت الله!
أبشروا يا أهل القرآن!
أبشروا يا أهل الإسلام! بِمَ؟!
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] أبشر يا من استقمت على دين الله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا﴾ [فصلت:٣٠] أتعرف متى؟
إنها ساعة الوفاة وساعة الاحتضار: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ ملائكة بيض الوجوه، تقول: ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ أي: لا تخف مما سوف يأتيك ويَقْدُم عليك.
أتعرف ما الذي ستقدم عليه؟!
حفرة ضيقة مظلمة، لا أنيس فيها ولا جليس، ثم يأتي يومٌ مقداره خمسون ألف سنة، الشمس فيه على رءوس الخلائق، يوم فيه حساب ونقاش وعذاب، ومن هناك إما إلى جنة وإما إلى نار، فتقول الملائكة: ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾.
ثم يتذكر ما مضى وما خلَّف من الدنيا فتقول الملائكة له: ﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾ لا يصيبنك الحزن على أولادك وأهل بيتك الذين خلفتهم وتركتهم، فالله يتولى الصالحين، ثم تبشرهم الملائكة: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأبشروا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠].
أبشر بالجنة إن كنت صادقاً! فإن النبي ﷺ يوماً من الأيام مر على الصحابة وأخبرهم: (أن بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فخاف الصحابة، فقال لهم يبشرهم ﵊: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبر الصحابة -الله أكبر! الله أكبر! كل الأمم السابقة ثلاثة أرباع، وهذه الأمة لوحدها تأخذ ربع الجنة، بشارة عظيمة وأي بشارة! - ثم قال لهم: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فكبر الصحابة: الله أكبر! الله أكبر! ثم جاءت البشارة الثالثة قال: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة) ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].
نعم.
خير أمة، ولهذا كان نصف الجنة من هذه الأمة، والنصف الآخر من الأمم السابقة جميعاً، بشارة وأي بشارة! ﴿وَأبشروا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠].
ومن بعض نعيمها وبعض صفاتها، لمن؟
لمن التزم بأركان الإسلام، وترك الكبائر ولم يصر على الصغائر، لمن إذا وقع في الذنب تاب ورجع إلى الله جل وعلا.
أبشر يا عبد الله! فكلما توضأت وشهدت الشهادتين، فُتِحَت لك أبواب الجنة في السماء.
الصحابة يوماً من الأيام يأتون بحرير -حرير طبيعي- فإذا بهم يتفكرون بالنظر إليه ويرغبون به، فيقول النبي ﷺ : (والله إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذه) المناديل التي ترمى والتي لا يكون لها في الدنيا قيمة خير من هذه؟!
стр. 952
آخر أهل الجنة دخولاً
أريدك يا عبد الله في هذه الجلسة أن تتَخَيَّلْ وأن تستبشر بوعود الله جل وعلا، يقول ﵊: (لو أن ظفراً مما في الجنة بدا -لو حملنا من الجنة شيئاً بالظفر أتعرف ماذا يحصل؟ - لتزخرفت طوابق السموات والأرض).
إذا بموسى يسأل عن أدنى أهل الجنة منزلة -كما في صحيح مسلم - وهي قصة عجيبة! وخبرها عجيب! أريدك أن تستبشر يا عبد الله فهذا أدنى أهل الجنة: (يخرج من النار يكبو مرة، ويمشي مرة، وتصفعه النار مرة، حتى إذا نجا منها التفت إليها وقال: تبارك الذي نجاني منك) فإذا به يظن أنه لم يعطَ أحد أفضل مما أعطي هو، يظن أنه أفضل أهل الدنيا عطاءً؛ لأنه تخلص من النار: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز﴾ [آل عمران:١٨] ووالله ليس الفوز بالملايين ولا بالعمارات ولا بالعقارات ولا بالسفر إلى دول الكفر والإباحيات، لا يا عبد الله ليس الفوز بهذا، ولن تنجو بالحصول على أعلى الشهادات وأعلى المناصب والمراكز، بل الفوز: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
(فإذا به يرى شجرة من بعيد -اسمع القصة- فيسأل ربه يقول: يا ربِّ! أدنني من هذه الشجرة، أستظل بظلها -أنهكه الحر، ظِلُّ جهنم يا عبد الله لا بارد ولا كريم، ظِلٌّ مِن يحموم- وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها، فيقول الله: عبدي! هل عسيتَ إذا أعطيتكها أن لا تسألني غيرها؟ فيقول: يا ربِّ! أعاهدك أن لا أسألك غيرها -نجا من جهنم، وجلس تحت ظل شجرة، ويشرب من الماء! ماذا يريد أكثر من هذا؟! - فإذا بربنا جل وعلا برحمته يقربه من هذه الشجرة.
فإذا به ينظر إلى شجرة أخرى أجمل منها وأفضل وأحسن فيقول: يا ربِّ! أدنني من هذه الشجرة، أستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول له: عبدي! ألم تعاهدني أنك لا تسألني غيرها؟ ما أغدرك -ما أغدر ابن آدم، كلما رأى نعمة أكبر نسي عهده الذي بينه وبين الله- فإذا بالرب جل وعلا يقول: هل عسيت إن أعطيتكها ألا تسألني غيرها؟ فيقول: أعاهدك يا ربِّ! وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه.
يا إخوان: الشجرة خارج الجنة، وليس له صبر عليها فكيف إذا دخل، فإذا به يقربه من الشجرة الثانية، فينظر إلى شجرة ثالثة -أين الثالثة؟ - عند باب الجنة فيقول: يا ربِّ! أدنني من هذه الشجرة، أستظل بظلها، وأشرب من مائها فيقول له: عبدي! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ فيقول: أعاهدك ربِّ أن لا أسألك غيرها، فيقربه الله من الشجرة الثالثة، فلما يجلس يسمع أصوات أهل الجنة) الله أكبر! أصوات ماذا يا عبد الله؟
﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ [يس:٥٥] ما شغلهم وما حديثهم؟
﴿الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ [يس:٥٥] مع مَن؟
﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ [يس:٥٦] مع الحور العين يا عبد الله! ﴿حُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ﴾ [الواقعة:٢٢ - ٢٣] الواحدة كاللؤلؤة.
عبد الله! هذه اللؤلؤة لو عانقتها -كما في بعض الروايات- أربعين سنة ما تشبع، من جمالها وحسنها (على رأسها التاج، الياقوتة الواحدة فيه خير من الدنيا وما فيها، لو اطلعَت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بين السماء والأرض، ولملأته ريحاً، ولنصيفها -خمارها- على رأسها خير من الدنيا وما فيها).
أما النساء الصالحات فهن السيدات للحور العين، وهن أجمل من الحور العين في الجنة، تَخَيَّلْ إلى منظرهن يا عبد الله: (يُرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم) ما أجملها! وما ألطفها! وما أنعمها! عبد الله! حور عين: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس:٥٦].
(يسمع أصواتهم فيقول: ربِّ أدخلني إياها، وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه) ما هناك صبر يا أخي، صبر على ماذا؟! على أصوات أهل الجنة؟! أم على رائحتها التي تشم من على بعد أربعين سنة! أم على أنهارها التي تتفجر؟! تَخَيَّلْ! نهر من لبن؟! أم نهر من خمر؟! أم نهر من عسل؟!
تَخَيَّلْ نهر العسل هل تتصوره يا عبد الله؟!
أم هل تتصور نهر اللبن؟!
أم هل تتصور الكوثر الذي ماؤه أحلى من العسل وأبيض من اللبن؟! الآن تصور نهر أبيض من اللبن يجري، هل رأيت شيئاً أبيض من اللبن، أم هل ذقت شيئاً أحلى من العسل؟ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] هذا النهر يجري في الجنة.
والكوثر نهر يجري في الجنة (حافتاه قباب اللؤلؤ، وحصباؤه اللؤلؤ والياقوت) تَخَيَّلْ أنك تجلس على ضفاف هذا النهر مع زوجتك من الحور العين أو زوجتك الصالحة في الدنيا، تَخَيَّلْ يا عبد الله! وأنت على أرض الجنة البيضاء، كقرص نقي من المسك الأذفر.
هذه الجنة يا عبد الله ليس فيها شمس، كيف يرون؟! أم كيف ينظرون؟!
قال شيخ الإسلام: "الضوء والنور يأتيان من قِبَل عرش الرحمن" لأنه سقف الجنة.
(يقول: يا ربِّ! أدخلنيها -هذا آخر أهل الجنة دخولاً- فيقول الله جل وعلا: ادخل الجنة، فيقول: يا ربِّ! وكيف وقد أخذ الناس مآخذهم ونزلوا منازلهم؟! -أين أدخل؟! ماذا لي في الجنة يا ربِّ؟! كل شيء أخذوه في الجنة- فيقول الرب جل وعلا: تمنَّ يا عبدي، فيتمنى، والله يذكره الله: سَل كذا، فيسأل، سَل كذا، فيسأل -ويذكره الرب بكل شيء، فيسأل كل ما ذكره الله به- فيقول الله جل وعلا: لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، فيقول: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين -أدخل آخر الناس دخولاً الجنة ولي عشرة أمثال الدنيا؟! - فيضحك ﵊، فيقول الصحابة: مِمَّ تضحك يا رسول الله؟! قال: مِن ضَحِك الله جل وعلا في عبده) ضَحِكَ الله له، ولم يُعْدَم خيراً من ربه إن ضحك.
ويضحك ربنا ضحكاً يليق بجلاله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] لا كضحكنا؛ لكنه ضحك يليق به جل وعلا.
(فضحك الرب جل وعلا وقال: إني لا أسخر منك، ولا أستهزئ منك؛ ولكني على ما أشاء قادر، فيدخله الرب جل وعلا فيأتي بيته فتستقبله زوجتان من الحور العين، فتقولان له: الحمد لله الذي أحياك لنا، وأحيانا لك) هذا أدنى أهل الجنة منزلة وله مثل الدنيا عشر مرات.
يا من يتكالب على الدنيا وينسى صلاة الفجر، يا من يلهث وراء الشهوات والملذات ويترك صلاة العصر، اتركوا الدنيا (فما الدنيا في الآخرة إلاَّ كما يضع أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بِمَ يرجع) خذ من الدنيا على قدر حالك، وعلى قدر ما يوصلك إلى الله جل وعلا.
أبشر يا من تخرج من بيتك لصلاة الفجر: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) نور تام يوم القيامة.
أبشر يا عبد الله، هذا أدنى أهل الجنة منزلة، كيف بمن هو أعلاها؟! (قال موسى: يا ربَِّ! -اسمع الآن إلى أعلى أهل الجنة منزلة- فأعلاهم منزلةً) أعلى أهل الجنة منزلة.
وهل تظن يا عبد الله أنك تستطيع أن تتصور كيف يكون أعلى أهل الجنة منزلة؟!
فالرب جل وعلا لم يجب موسى على هذا السؤال، وكيف يتصور موسى أعلى أهل الجنة منزلة؟ لن يستطيع.
قال: (أولئك الذين غرسْتُ كرامتهم بيدي -ما غرسَتْ كرامتهم الملائكة ولا الأنبياء، بل الله جل وعلا هو من غرس كرامتهم قال: وختمْتُ عليها، فلم تَرَ عين، ولم تسمع أذن، وما خطر على قلب بشر) ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] ما تعلم النفس ولا يخطر على القلب.
أبشر يا عبد الله، يا من حافظت على أركان الإسلام، يا من اتقيت الله جل وعلا أبشر بهذه الجنة إن كنت مستقيماً، ومت على لا إله إلا الله.
النبي ﷺ يقول لأحد الصحابة: (من قال (لا إله إلا الله) مخلصاً من قلبه إلا حرمه الله على النار) أي: جاء بشروطها وأركانها، لا يقول (لا إله إلا الله) وهو يأتي المشعوذين والكهان والسحرة والكفرة، ويعتقد أن غير الله جل وعلا يعلم الغيب، ويعتقد النفع والضر في غير الله جل وعلا، أو في غير ما جعله الله سبباً للضر والنفع، فإذا به يقول (لا إله إلا الله)! فلا تنفعه (لا إله إلا الله).
قال: (أفلا أبشر الناس؟! قال: لا.
فيتكلوا) وكأن النبي ﷺ يخبر عن حالنا وعن حال كثير من الناس:
لم لا تصلي؟!
قال: أقول: (لا إله إلا الله).
كَذَبَ بقوله: (لا إله إلا الله).
وإذا بالحديث الآخر يقول: (مَن قال (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) وأقام الصلاة، وصام رمضان؛ أدخله الله الجنة) فإذا بالصحابة يتعجبون! -يكفي هذا الأمر- فإذا بالنبي ﷺ يقول: (إن للمجاهد مائة درجة -للمجاهد في سبيل الله- ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض).
وكان يحث أصحابه ويقول: (إذا سألتم الله -لا تسألوا أدنى أهل الجنة منزلة- فسلوه الفردوس الأعلى، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفه عرش الرحمن).
وإذا بالصحابي يقول له النبي ﷺ : (سلني -ماذا تريد؟ - قال: أسألك مرافقتك في الجنة) أعلى منزلة في الجنة.
أبشروا يا عباد الله! أبشروا برحمة الله جل وعلا! وأبشروا أيها الدعاة إلى الله بنصر من الله جل وعلا فإنه قادم لا محالة.
نصر الله قادم قادم، ومهما طال الليل فإن الفجر قريب، وكما قال الله جل علا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١].
أقول هذا القول.
وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 953
الأسئلة
стр. 954
من بشائر نصرة هذا الدين
السؤال
لو تذكُر لنا بعض البشارات التي بشر بها الرسول ﷺ بنصرة هذا الدين؟
الجواب
أخبر النبي ﷺ أن من الفتوح التي سوف تفتح مدينتا روميا والقسطنطينية، وقد فُتحت إحداهما، بل وهذا الخبر لعله يكون فيه شيء من عدم التأكد والثبوت، ومن الروايات التي جاءت في التبشير بالنصر أن النبي ﷺ أخبر أنه سوف يُظهر الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، ثم انظر ماذا قال! قال: (عزاً يعز به الله الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر وأهله) مَن الذي يعز؟ الله جل وعلا، لا أنت، ولا قوتك، ولا أموالك، ولا كلامك، هذه أسباب فقط، فإذا كتب الله أن ينتصر هذا الدين فسوف ينتصر.
ثم انظر إلى تاريخ الإسلام، وانظر أيضاً إلى واقعنا الآن وقبل سنوات.
قبل أيام جاءني رجل بصور لكاريكاتيرات قبل أكثر من ثلاثين سنة في إحدى الجرائد الكويتية، هذه الكاريكاتيرات كانت في بداية الستينات كلها بأقبح الأساليب، وأسوأ الألفاظ، وبرسومات -يا إخوة- لا يستطيع أحد أن يراها فضلاً عن أن يذكرها، كلها تصوِّر الاستهزاء بالملتزمين في ذلك الزمن، وكان الاسم الذي يطلق على الملتزمين أيام الستينات في الكويت: (المُلاَّ مُصْلِح) وبأنه عنده بار للمسكرات -أجلَّكم الله- وبأنه في بعض الرسومات أمام التلفاز ينهى أهله عن النظر وهو ينظر، وأمور لا أستطيع أن أذكرها احتراماً لبيت الله جل وعلا، أساليب قذرة ووقحة كانت تُنشر في الجرائد على الملتزمين أيام الستينات في هذا البلد.
كان الملتحي إذا دخل الجامعة يصوَّر في الجريدة: القِرَدة تغزو الجامعة!
ولما انتقبت امرأة الجامعة رُسِمَت صورتُها في كاريكاتير إحدى الصحف وعليها شَعرة، وأمامها متبرجة تخاطبها فتقول لها: هذه الشعرة مِن لحية مَن؟ انظر! ألفاظ وقحة قبيحة فيها سب للدين، وشتم للملتزمين.
كان الملتزم إذا قصر ثيابه أمام الناس إلى سنوات يُستهزأ به في المجالس، ويُسخر منه في الطرقات.
وكان إذا التحى بعضهم لا يُزَوج.
بل والله أدركتُ شاباً كان يشتكي لي في أوائل الثمانينات وأواخر السبعينات يقول: إن أبي هددني إذا أطلقت اللحية أن يطردني من البيت.
كان هذا في زمنٍ في هذا المجتمع.
بل كانت المتبرجة التي تصل كامل ثيابها إلى فخذيها تدخل إلى بيت الله مع أبيها، كان هذا هو الحال الموجود في هذه البلد.
الآن انظر إلى الحال كيف تبدل بفضل الله جل وعلا، انظر إلى المدارس والنقابات والانتخابات في كل مكان يحوز على الأصوات الأكثر الملتزمون.
بل الآن أصبح كل من أراد أن يحصل على منصب أو سمعة جميلة يلتحي ويسبل إزاره ويتظاهر بالدين، وبعضهم يتظاهروا، وبعضهم صادق، بل أكثرهم صادقون، لكن بعضهم يتظاهر بالدين لأجل أن يحصل على المناصب وينجح في الانتخابات، أليس هذا دليل أيها الإخوة على نصرة دين الله جل وعلا.
لا يغرنك أيها الأخ الكريم! بعض ما تراه من انتشار المخدرات وهذه الستلايتات التي تغزو البيوت والصحون الهوائية وبعض الأفلام الداعرة وبعض المقالات في الجرائد من العلمانيين الذين يجحدون الحكم بالله جل وعلا، وبما أنزل الله جل وعلا، لا تغرنك هذه الهجمات فإن الساحة لدين الله وإن بشارات النصر في هذا المجتمع وغيره من المجتمعات تبشر بخير.
انظر الآن إلى الشباب في كل عطلة بإذن الله جل وعلا بفضل الله أين يتوجهون؟! إلى حلقات القرآن.
قبل ثلاث أو أربع سنوات لم نسمع في المساجد بحلقات لكتاب الله، أما اليوم أولياء الأمور حتى الذي لا يصلي يجبر ابنه على حفظ كتاب الله، تعال إلى هؤلاء؛ لأنهم جربوا فما وجدوا آمَن على أولادهم من هؤلاء الملتزمين.
إنه نصر لدين الله جل وعلا: (حتى لا يدع الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخل الله فيه هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل).
قبل سنوات مصلَّيات النساء في رمضان -إذا حضرن- صف أو صفين، الآن كل المساجد تشتكي من ضيق في مصليات النساء، ألا يدل على أن هناك من تعمل في وسط النساء بالدعوة إلى الله، بل مِنْهن كما أعلم مَن تحفظ كتاب الله كاملاً وطالبة للعلم وداعية إلى الله تفوق كثيراً من الرجال، أليس هذا نصر لدين الله جل وعلا؟!
أبشر يا عبد الله! إن الصحوة اليوم تتفجر في جميع الدول وفي جميع البلاد، اقرأ الجرائد، كل الدول الآن تنادي بالعودة إلى دين الله جل وعلا، جرَّبوا القومية، جرَّبوا الديمقراطية، جرَّبوا الماركسية، جرَّبوا جميع الدعوات والنعرات، فعلِموا أنها كلها خائبة ولا تحقق السعادة في الدنيا والآخرة، فإذا بهم يطالبون -حتى بعض غير الملتزمين ترى صورهم في الجرائد- بالحكم بما أنزل الله وبالعودة إلى دين الله.
من كان يظن يوماً من الأيام أن تركيا يحكمها رجل إسلامي كما يقولون، دعك مما عليه من سلبيات وغيرها؛ ولكن من كان يظن أن تركيا تصل إلى هذه الحال، تركيا التي تحارب فيها اللغة العربية، ويمنع فيها الأذان وليس فيها حلقة للقرآن، الآن تتفجر حلقات القرآن في كل مكان بفضل الله جل وعلا.
إنه دين الله يا عبد الله، لا تظن أن الدبابات والصواريخ النووية والكيماوية والسياسات والجيوش تقف أمام دين الله.
إذا كتب الله أن ينصر الدين ينصره: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١] بل إذا شاء الله يجبر على الاستقامة.
بل الله لما نصر عبده الذي جاء يدعو قومه إلى الله من أقصى المدينة قتلوه، أتعرف ماذا قال الله جل وعلا لهذا الشاب الذي كان يدعو قومه إلى الخير فقتلوه، بعثه الله في الجنة فإذا به يقول: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧] وقال الله جل وعلا في نصرته: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ [يس:٢٨] ما أنزل الله لأجله ملَكاً، لِمَ يا ربِّ؟! أليس هو عبدك؟! ألم يُقْتَل في سبيلك؟! ألم تذهب روحه لأجلك يا ربِّ؟! لِمَ لَمْ تنزل له ملائكة تقاتل؟! قال: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس:٢٨ - ٢٩] صيحة واحدة، فالأمر لا يحتاج إلى ملائكة ولا إلى جند تنزل من السماء، لا.
ما هي إلا صيحة واحدة فإذا بالقوم كلهم خامدون، ولا تسمع منهم صوتاً ولا حراكاً وهمساً.
فهي قوة الله جل وعلا، فاستعن بالله، وتوكل على الله، وابذل الأسباب.
لابد أن نحقق كلام الله جل وعلا، وندعو إلى الله بالتي هي أحسن، نأمر الناس بالمعروف، ننهى عن المنكر، ننشر كلام الله وأحاديث محمد ﷺ بين الناس، نعظ الناس بالتي هي أحسن، أما النصر فهذا ليس من عندك ولا من عند أحد من الناس: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦] والله أعلم.
стр. 955
وسائل دفع ضعف الإيمان
السؤال
أحس بضعف الإيمان، وزوجي رجل ملتزم بالدين، ودائماً يحثني على الالتزام، وعلى أن أحافظ على الصلاة؛ ولكني لا أهتم بكلامه، وخصوصاً عند صلاة الفجر يوقظني فأرده بعنف، فبماذا تنصحني جزاك الله خيراً؟
الجواب
اتقي الله، اتقي الله، فإن النبي ﷺ يقول: (والله لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا) ما هناك جنة بدون إيمان.
هذا عمر بن الخطاب ﵁ الذي بُشر بالجنة كان يسأل حذيفة: [أسَمَّاني رسول الله ﷺ بين المنافقين؟!] هل أنا اسمي موجود في سِجِل المنافقين؟!
عثمان ﵁ يقول: [والله لو كنتُ بين الجنة والنار، ولا أدري إلى أيهما أصير، لتمنيت أن أكون رماداً] رماداً وهو مبشر بالجنة، اشترى الجنة ثلاث مرات، كان عثمان يبكي إذا ذُكِر له الموت والقبر.
هل تأمن هذه المرأة من النفاق؟! هل تأمن أن تُسْلَبَ الإيمان قبل الموت؟! هل تأمن لَمَّا تنام عن صلاة الفجر وتطلع الشمس ألا يقبض الله روحها؟!
من يأمن يا عباد الله؟! أليس هناك من الناس مَن قَبَض الله روحه وقد نام عن الصلاة؟! كثيرون، بل منهم مَن يموت هذه الأيام والأيام السابقة -كما ذكروا في الجرائد وتسمعون من أحاديث الناس- بسبب تعاطى جرعات زائدة من المخدرات! كيف يلقى الله جل وعلا؟!
هل يأمن هذا الإنسان وهذه المرأة هل تأمن أنها إذا فتحت التلفاز أن يقبض الله روحها وهي على هذه الحال؟! وما مات إنسان إلا بعث على ما مات عليه.
إذاً: فلتتقي الله جل وعلا، ولترجعي إلى كلام الله جل وعلا، ولتفتحي المصحف، فإن أفضل علاج لضعف الإيمان وأولى وأول علاج وأنجع علاج: كلام الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [الأنفال:٢] لكن أي تلاوة؟ تلاوة التدبر، والفهم، والتعقل والاستشعار.
لَمَّا يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَان﴾ [الانفطار:٦] مَن يُخاطب الربُّ؟! يُخاطبك أنت: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦] ما الذي غرك بربك؟! ما الذي غرك به يا عبد الله؟!
عندما يقرأ الإنسان: (يا أيها الذين آمنوا) يقف! ينتبه! ويستعد للرجوع إلى كتاب الله!
وكما قرأ الشيخ الفاضل قول الله جل وعلا: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠] متى يذكرونه؟!
يوم القيامة، أو إذا مات له ميت، أو إذا مرض له مريض، يقول: نذهب للشيخ يقرأ عليه، أما هل له ورد في الليل يقرأه، أو يقوم به آخر الليل، (مَن قام بعشر آيات لم يُكتب من الغافلين).
إذاً: علينا الرجوع إلى كتاب الله جل وعلا، وإحيائه في قلوبنا وفي بيوتنا.
والله أعلم.
стр. 956
حكم استخدام السحر
السؤال
ما حكم الزوجة التي تهدد زوجها بالسحر، وأيضاً تقطع الرحم؟
الجواب
أما السحر فهو كفر، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْر﴾ [البقرة:١٠٢].
وقال الله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢].
فالسحر كفر، فإذا شاءت المرأة أن تكفر بالله العظيم فالله جل وعلا يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩].
جئت إلى رجل يصلي معنا حتى الفجر، يريد أن يذهب بابنه إلى ساحر دجال، قلت: ما الذي يدعوك لهذا؟! قال: لكل شيء سبب، وهذا هو علاج مرض ولدي، قلت: اتق الله.
وللأسف أنه يصلي معنا حتى الفجر.
بل كثير ممن يقرأ القرآن يغلق المصحف، ثم يذهب إلى هؤلاء المشعوذين والكهنة، للأسف.
وكما قال ﵊: (مَن أتى كاهناً أو عرافاً فسأله عن شيء، لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً) أربعون يوماً وهو يُصلي كل يوم خمس صلوات، يعني: (٤٠×٥) = (٢٠٠) صلاة، كلها تذهب في لمح البصر؛ لأنه سأله وقال: (فإن صدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) نسأل الله العافية.
إذاً: السحر كفر، بل هذه المرأة لعل الله يعاقبها في الدنيا قبل الآخرة! وكم رأينا من الناس ممن يتعاطى السحر، ابتلاه الله بالسحر، بل يقول كثير من أهل العلم: إن بيوت السحرة من أحقر البيوت، وحال الساحرين من أسوأ الأحوال.
لا تظن أنه -يا أخي الكريم- عندما يؤدي له الجن مطلبه أنه يرضى الجني بهذا الأمر، لا ليسو خدماً عنده، ولا يستعبدهم هو، ولكنه هو الذي يستجيب لهم قبل أن يستجيبوا له.
بعض الجن يجبر الساحر -أجلَّكم الله- أن يكتب آياتٍ تحت نعاله، ويدخل بها في الحمام.
وبعضهم يكتب القرآن بالنجاسات.
وبعضهم يقرأها بالمقلوب، استهزاءً بكلام الله.
وبعضهم يذبح لغير الله.
وبعض السحرة يأتي محارمه، بطلب منهم، نسأل الله العافية.
يا إخوة: السحرة حالهم لا يعلم به إلا الله جل وعلا، بل بعض من يحدثني ممن دخل إلى بيوت السحرة يقول: والله تجد الرائحة المنتنة من خارج البيت، يعيشون في قذر ووسخ، أتعرف لِمَه؟ لأنهم يتعاملون مع سفلة الجن، وسفلة الجن لا طعام لهم ولا شراب ولا ملذة إلا في هذه النجاسات والوساخات، ولهذا بعض السحرة يُروى عنه أنه لا يستنجي -أجلَّكم الله- ولا يغتسل من الجنابة أعاذنا الله.
إذاً: هذه حالهم، كيف نذهب إلى هؤلاء ونستنجد بهم؟!
ولم أر في حياتي أعظم فرية طبيب يداوي الناس وهو عليلُ
هو يريد من ينجيه من هذه الوساخات والنجاسات، والكفر بالله جل وعلا.
فلتتقي الله هذه المرأة، فهي في الحقيقة لا تهدد زوجها، وإنما هي تهدد دينها وإيمانها بالله جل وعلا، ولربما كتب الله عليها هذا الوزر وإن لم تسحر.
والله أعلم.
стр. 957
حكم تارك الصلاة
السؤال
ما الحكم في من يخشون على أنفسهم المرض وهم يصلون، ولكن يصلون في البيت، وأيضاً ما حكم بعض الشباب الذين يتركون الصلوات تركاً كلياً؟
الجواب
يا أيها الأخ الكريم: الموضوع كان (البشارة العظيمة) انتبه! وقف معي! كم سنة سوف نعيش في الدنيا؟
متوسط الناس: الستين أو السبعين، أكثرهم ستين سنة.
أخي الكريم: أول عشر سنوات ذهبت من عمرك طفولة، ما تدري عنها شيئاً.
وآخر عشر سنوات شيخوخة، تنتقل من مستشفى إلى آخر، هذا أغلب الناس.
يبقى لك أربعون سنة يا عبد الله! إن كنت من أقل الناس نوماً فإنك ربع اليوم تنام، ست ساعات في اليوم الواحد.
فعشر سنوات ذهبت في النوم.
بقيت لك ثلاثون سنة، الثلاثون سنة هذه يا عبد الله بين نعيم وبؤس، وبين سعادة وشقاء.
هذه الدنيا يا عبد الله! ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] الصالح وغير الصالح، كل الناس في كبد، كل الناس يغدو، حتى ولو كان جالساً في البيت ويأتيه المال، لا بد أن يتعس، حتى أهل الملايين يشقَون في هذه الدنيا.
عبد الله! هذه الثلاثون سنة التي سوف تعيشها -بعد أن حسبناها- هل تقدَّر بوقوفك عند الله خمسين ألف سنة؟! ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ﴾ [المعارج:٤] اضربها في ألف! لو تعيش ألف سنة فما لها من قيمة أمام خمسون ألفاً ستقفها!
وكيف تقف؟! تقف حافي القدمين، والشمس على الرأس قدر ميل، والعرق يتصبب، ومنهم من يصل العرق إلى فمه، ومنهم من يلجمه العرق، هل تتَخَيَّلْ هذا يا عبد الله؟! هذا الرجل الذي وقف هذه الوقفة خمسين ألف سنة ماذا بعدها؟!
يذهبون إلى الأنبياء يشفعون لهم، حتى إن الكفار يقولون: يقضي بيننا الله بأي شيء! مللنا من الوقوف خمسين ألف سنة! فيقضي بهم الله جل وعلا، ولكن إلى أين؟ يأتي به الرب فينظر إليه، فأول ما يحاسَب به الصلاة، وهذا للمصلين، أما غير المصلين فقد انتهى أمرهم، فإنهم يحشرون مع فرعون وهامان وأمية بن خلف وصناديد الكفر.
هذا الذي لا يصلي؛ لأنه كافر بالله العظيم، هذا لا يحشر مع المؤمنين أصلاً.
أما المؤمنون فإنهم يأتون إلى الله جل وعلا، فأول ما يحاسب الله المؤمنين عن صلاتهم، ينظر كيف هي، خشوع، خضوع، أوقاتها، أركانها، واجباتها، فإن صَلُحَت الصلاة -أتَمَّها- صلح سائر العمل، أبشر! أبشر! يُتجاوز عنك فيما هو غير الصلاة.
وإن فَسَدَت صلاته -أعوذ بالله- مثل أن يصلي الفجر بعد شروق الشمس، والعصر ينقرها قبل المغرب، والمغرب ما يتذكر إلا قبل العشاء، ويجمع فيها صلاتان أو ثلاث، وإن فَسَدَت صلاته فَسَدَ سائر عمله، حتى قال ﵊ -اسمع إلى هذا الحديث-: (فمن سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له -كيف تلقى الله جل وعلا بهذا الحديث- فلا صلاة له إلا بعذر من خوف أو مرض) حربٌ لا يستطيع أحد أن يخرج من البيت، أو مرض، ورجلٌ كبير في السن أُسْقِط في الفراش، أو مريض لا يستطيع الذهاب إلى المسجد، هذا معذور، أما غيره فلا يُعذر.
أراك تذهب إلى العمل وتسرع إلى المطاعم والمشارب، بل بعضهم يركض كل ليلة، ولكن يسمع النداء فلا يجيب، والله جل وعلا يقول: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣].
ثانياً: تَخَيَّلْ يا عبد الله! أنك تصلي في البيت سبعاً وعشرين سنة وحالك كمن صلى في المسجد سنة واحدة؛ لأنها بسبع وعشرين درجة.
عبد الله! الأمر ليس فيه مقارنة.
عبد الله! أنت إذا صليت في الجماعة اسمع إلى ما يكتب لك من أجر: (كل خطوة تأتيها من البيت إلى المسجد يكتب الله لك بها حسنة أو يحط بها عنك خطيئة) أما الذي يصلي في البيت أيُّ فضل؟ وأيُّ أجر؟ وأيُّ فضيلة يحصل عليها؟
فالله الله بالصلاة على وقتها، والله جل علا يقول: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩].
حافظ يا أخي الكريم على الصلوات، فهي عمود الإسلام، اجتهد في أمر صلاتك، لا تترخص فيها، حتى قال عمر: [أيها الناس لا حَظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة] هذا لا ينتمي إلى الإسلام هذا ولا يجب أن يَنْتَمي للمسلمين.
بل قال ابن مسعود: [لقد رأيتُنا -أي: في صلاة الجماعة- وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق] كان عندهم الذي يتخلف عن صلاة الجماعة منافق معلوم النفاق.
فالله الله في صلاة الجماعة يا عباد الله؛ حتى يُنال بها سنة نبيكم ﵊.
стр. 958
حكم الدراسة للنساء
السؤال
يريد والداي أن يدرسا أختي -لعله يقصد جامعة أو نحو ذلك- وبعد ذلك يوظفانها، وأنا أعترض على ذلك، مع العلم أني خائف من كلامي وجدالي معهم؛ لأني لا أريد أن أغضبهم، فماذا أفعل؟
الجواب
هذا الكلام يحتاج إلى تفصيل:
فإن كانت الدراسة لا بأس بها، مثل: الثانوية المدارس ليس فيها منكر، وهذه الطالبة عندما تخرج متحجبة وملتزمة بدينها فإن شاء الله لا حرج؛ لأنه من بر الوالدين إذا كان في الدراسة خير.
أما العمل: فكل بحسبه: فإن كان العمل الذي سوف تدخل فيه شر وفسادً أو يؤدي إلى ما هو منكر محرم مثل: اختلاط بعض الموظفات في بعض اللجان، أو مقابلتهن لبعض المراجعين من الرجال، أو خروجهن من بيوتهن بغير إذن، أو تبرجهن في بعض الأماكن، أو غيرها من الأمور؛ إذا كانت وظيفتها تؤدي إلى منكر، فَسَدُّ الذرائع بعدم توظيفها.
والله والله بالنصيحة، انصح أختك، انصح والديك، فكم من الرجال اليوم يبكي الدم لأنه فرط في ابنته وعرضه.
كم من الرجال اليوم عندما يُتَّصل عليه ويقال له: قبضنا على ابنتك أو أختك في الشقة أو في ذلك المكان تسود الدنيا في وجهه، تَخَيَّلْ كيف يعيش على وجه الأرض! أم كيف يخفي رأسه! أم كيف يجلس مع الناس!
والله أيها الإخوة الكرام هذا الرجل الموت خير له من الحياة، وباطن الأرض خير له من ظاهرها لو سمع يوماً من الأيام أن ابنته قبض عليها مع فلان الفلاني.
بل نعلم أن بعض المصلين الغافلين مَن يترك ابنته ليس فقط تذهب للدوام والعمل، بل تذهب في بعض الكليات المختلطة من الصباح إلى آخر الليل، ومع مَن تذهب؟! لا يدري، مع مَن ترجع؟! لا يدري، أين تذهب هناك؟! لا يدري!
وأخبرني بعض شهود العيان، يقول: ينزلها أباها من السيارة عند الكلية ويذهب، ثم تركب مع واحد آخر.
وهذه أحاديث منتشرة وأخبار كثيرة.
أنت الآن أيها الأخ الكريم في مجتمع فيه شهوات، والبنت فيها شهوة، أما أنك تترك الحبل على الغارب وتترك الأمور هكذا ثقةً ببنتك فلا، وليست هذه ثقة بل هي غفلة أيها الإخوة.
هذه البنت الشابة التي رؤيت في إحدى المزارع عندما قُبِض عليها في الليل مع فتيات وشباب في منطقة قريبة عندنا، وأخبرني الضابط الذي كان يحقق في الأمر قال: سألناها: كيف خرجتِ من البيت؟ قالت: إن والدي يظنان أنني من أفضل النساء التزاماً وعفة وشرفاً.
يعني: كيف خرجتِ؟! قالت: قلت لهم: سوف أذهب إلى عرس لإحدى صديقاتي، وإذا بها تضحك على والديها، وتذهب إلى مكان آخر.
والله لا لوم عليها، ولكن اللوم الأكبر على والدها الغافل، وعلى أخيها الساذج.
تخرج البنت إلى عرس إلى آخر الليل، مع من؟! لوحدها؟! مصيبة! وماذا تلبس؟! المصيبة أعظم!
بعض الناس -للأسف- كما سمعنا عن بعض الرجال، وما أدري هل بقي شيء من رجولتهم؟! يسمح لبنته أن تسافر إلى بلاد أخرى غربية كافرة بدون محرم بحجة الدراسة، ويقول: هذه مهنة شريفة، وهن نساء شريفات، تذهب لتدرس هناك، وأنا أعرف بنتي، وأنا واثق منها، لن تفعل شيئاً -إن شاء الله- ولن يصيبها شيء، الله أكبر! وهل بنتك أشرف من الصحابيات؟! قال: (يا رسول الله! إني كنت أريد أن أذهب معك في غزو كذا وكذا، وزوجتي ذهبت حَاجَّةً، وليس معها محرم، قال: اذهب فحج معها) اترك الجهاد، اذهب فحج معها، وهل تأمَنْ عليها أكثر من الصحابيات؟!
انتبه! الأمر خطير، والمرأة إذا خرجت استشرفها الشيطان، فاحرص على حجابها وسترها، وإن كان ستراً لك.
فالله الله بالنصيحة، والله الله بالإكثار منها والانتباه لهذه الأمور، وليس عليك إلا التذكير، فهي مسئولية الوالد، ولعل الله أن ينفع بنصيحتك ودعائك.
стр. 959
أدنى أهل النار عذاباً
السؤال
يا شيخ: ما هي أدنى منزلة لأهل النار؟
الجواب
ذكرنا أدنى أهل الجنة منزلة، واسمع الآن إلى أدنى أهل النار منزلة، واترك أعلى أهل النار.
أما أدنى أهل النار منزلة فهو رجل توضع في رجليه جمرة واحدة من النار.
وتَخَيَّلْ الآن الجمرة وقد وضعت في رجلك! تحرقك، لكن تعرف ما الذي يحصل؟
انظر! الجمرة توضع في الرِّجل، أعلى مكان أو أبعد مكان عن هذه الجمرة ما هو في الجسم؟ الرأس، فعندما توضع في رجله يغلي دماغه، أرأيت الماء كيف يغلي داخل القدر، فإن الدماغ يغلي مثله، هذا والجمرة أبعد ما تكون عن الرأس، ما الذي تتَخَيَّلْ حصوله لبطنه؟! وماذا تتَخَيَّلْ أن يحصل لقدمه؟!
الأمر شديد! وهو يظن أنه أشد أهل النار عذاباً، وما يظن أن أحداً يتعذب أكثر منه.
هذا أدنى أهل النار عذاباً يا عبد الله!
ومساكين بعض الناس يقول: يا أخي أجلس قليلاً، ثم أخرج، ومن يضمن لك يا عبد الله؟! إذا كان مَن يقذف في النار يصل إلى قعرها بعد سبعون سنة: (وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً).
نعم.
أبشر واحذر عقوبة الله جل وعلا! فلا تقل: الأمر بسيط، المهم أنني أدخل الجنة، لا يا عبد الله، اطلب من الله النجاة من النار، ومن سأل الله أو استعاذ بالله من النار كل يوم ثلاثاً، قالت النار: اللهم أجره مني، اللهم أجره مني، اللهم أجره مني.
стр. 960
للنساء قصص وعبر
هناك من النساء من يضرب بهن المثل في الصبر والجهاد والطاعة، وفي العصر الأول في الإسلام أمثلة كثيرة على ذلك، وهذا العصر أيضاً لا يخلو من إشراقات مضيئة لنساء حملن راية الإسلام، وقمن بدورهن خير قيام.
стр. 961
قصة لعائشة أم المؤمنين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيتها الأخوات الكريمات: هذه سلسلة من الرسائل النسائية، أبدأها بالرسالة الأولى بعنوان: "قصص وعبر" وأسأل الله أن يكون لنا في هذه القصص عبرة، فإن من النساء، بل من الناس عموماً من تمر عليه القصص فلا يعتبر، والسعيد من اتعظ بغيره، نبدأ هذه القصص لا للتسلية، ولا لقضاء الأوقات، ولا للطرف، ولا للهزل، إنما نقص هذه القصص عبرة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١] ويقول تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦].
فالله جلَّ وعلا قد ملأ القرآن بالقصص، لِمَ هذه القصص؟ قال الله جلَّ وعلا: ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١] نبدأ هذه القصص، قصة قصة، ولعل في كل قصة فائدة وعبرة عظيمة، لكن تكفينا في بعضها الإشارة، وبعض التلميحات لها.
القصة الأولى:
إنها قصة عائشة، الصديقة بنت الصديق ﵂، قال القاسم: كنت إذا غدوت بدأت ببيت عائشة فأسلم عليها، يقول: فدخلت عليها يوماً وهي تصلي وتقرأ قول الله وتبكي: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] قال: فنظرت إليها وانتظرت، فأعادت الآية: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] قال: فانتظرت مرة ومرتين، فإذا بها تردد الآية وتبكي، قال: فطال عليّ المقام، فذهبت إلى السوق لأقضي حاجة لي، قال: فرجعت فإذا هي قائمة كما هي تبكي وتصلي وتقرأ القرآن.
تقول عائشة ﵂: [إنكم لن تلقوا الله بشيء خير لكم من قلة الذنوب].
عند احتضارها، تلك الفقيهة العالمة العابدة، جاءها ابن عباس، وكان عندها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال لها: [إن ابن عباس يستأذن عليك، يريد الدخول -وتعلمن ما الذي حدث بينها وبين ابن عباس - فقالت: ما لي ولـ ابن عباس -وهي تحتضر- فاستأذن مرة أخرى فأذنت له فدخل، فلما دخل أثنى عليها خيراً وأخذ يطريها، ويكيل لها المدائح، فقالت: دعك عني يـ ابن عباس، دعك عني يـ ابن عباس، فوالذي نفسي بيده لوددت أني كنت نسياً منسياً] ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠].
زوجات النبي ﷺ كانت إحداهن تربط حبلاً تتعلق فيه في قيام الليل، إذا تعبت تعلقت بالحبل، فرآه النبي ﷺ ، وقال: (ما هذا؟ فأخبروه الخبر، قال: حلوه، ليصلِ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد، فإن الله لا يمل حتى تملوا).
أمة الله! سلي نفسك أين أنت من قيام الليل؟ أين أنتِ من قراءة القرآن؟ من العبادة، من الصيام والصدقة، من النوافل والطاعات، أين أنتِ من هذه كلها؟ ثم ماذا تقول عائشة: [لوددت أني كنت نسياً منسياً].
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦].
سوف نقتصر في القصص -يا أمة الله- على النساء، ولما فتحت وقلبت الصفحات، واستمعت إلى العلماء والمشايخ رأيت أن في النساء أمثلة عجيبة، وأمثلة كثيرة غريبة، تفوق بعضها أمثلة الرجال.
стр. 962
قصة أم سليم
إنها أم سليم، الرميصاء سهلة بن ملحان ﵂، خطبها أبو طلحة، فقالت له: [أما إني فيك لراغبة، ومثلك لا يرد، ولكنك كافر وأنا مسلمة]-الله أكبر! مَن مِن النساء تقول هذا الكلام أو مثله في هذا الزمان- قالت: [ولكنك كافر وأنا مسلمة، فإن تسلم فإسلامك مهري، ولا أريد منك مهراً].
في يوم حنين خرجت مع الرجال تداوي الجرحى -نحن من منا تسافر هذه السفرات؟ لا أريد منكِ أن تخرجي للجهاد يا أمة الله! إلا بضوابط الشرع، ولكن انظري إلى هذه المرأة أين تخرج؟ - تخرج تداوي الجرحى، وقد وضعت في بطنها خنجراً، وزوجها ينظر إليها ويبتسم، فقال للنبي ﷺ : (ألا ترى يا رسول الله إلى أم سليم، وقد وضعت في بطنها خنجراً، فيبتسم ويتعجب منها، فقال النبي ﷺ : يا أم سليم! ما تفعلين بهذا الخنجر؟ قالت: يا رسول الله! إن دنا مني أحد، أقد به بطنه).
انظرن إلى الشجاعة! انظرن إلى قوة الإيمان! انظرن إلى التضحية في سبيل الله!
مرض لها ولد صغير، ويوماً من الأيام خرج زوجها للعمل، ولما كان خارجاً نظرت إلى ولدها وقد اشتد مرضه؛ فإذا به تفيض روحه، فهل ناحت؟ هل شقت جيباً؟ هل نتفت شعراً؟ هل دعت بدعوى الجاهلية؟ هل اعترضت على قدر الله؟ لا.
بل أخذته فغسلته وحنطته وكفنته ووضعته في جانب البيت، جاء زوجها في الليل، فجلس وتعشى، ثم قال لزوجته: كيف حال الصبي؟ قالت: هو بأهدأ حال، وما كذبت، فهي الصادقة ﵂، نعم هو بأهدأ حال لأنه ميت، ثم تزينت لزوجها وتطيبت، وجاءته في الليل، ونام معها، فلما أصبحت في الصباح أخبرته بالخبر، فغضب عليها ووجد عليها فذهب إلى النبي ﷺ يذكر له الخبر، قال له: إن زوجتي فعلت كذا وكذا، فقال النبي ﷺ له: (أعرستم البارحة؟ أي: جامعتها، قال: نعم.
قال: اللهم بارك لهما في ليلتهما) فكان أن رزقه الله من الولد ما بارك الله فيهم.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ﴾ [البقرة:١٥٥] ولد يموت، أخ يموت، الأب يموت، الزوج يموت، الأم تموت، لكن ماذا نفعل: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥] يقول الله تعالى: (ليس لعبدي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة) إذا مات الولد، فماذا تفعلين يا أمة الله؟ البكاء لا بد منه، لكن هل تنوحين، أم تكونين كـ أم سليم التي صبرت، وَرَضيت بقدر الله، ولم تجزع، ولم ترد أمر الله ، أم تفعلين كما تفعل الجاهليات؟!
стр. 963
قصة امرأة فقدت ابنها
اسمعي إلى هذه العجوز وهي التي حدث لها مثل ما حدث لـ أم سليم:
يقول الأصمعي: أنه خرج وصديقه في البادية -وهذه قصة عجيبة غريبة- قال: فضللنا الطريق، فبحثنا عن مكان نأوي إليه، فرأينا ناراً من بعيد، فاتجهنا إلى هذه النار، فإذا امرأة عجوز، فقالت لنا: من أنتما؟ فقال الأصمعي ومن معه: ضللنا الطريق وأهلكنا الجوع، فرأينا النار فأقبلنا إليها، فبينما هم كذلك، إذ أقبل بعير عليه راكب، فنظرت هذه العجوز إلى هذا البعير، إنه بعير ابنها، أما الراكب فليس هو ابنها، فخافت، وأوجست في نفسها خيفة، فلما أقبل البعير عليه الرجل، قال: يا أم عقيل! السلام عليكِ، أعظم الله أجركِ في ولدكِ، فقالت: ويحك! أومات عقيل؟! فقال: نعم.
قالت: ما سبب موته؟ قال: ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر، فقالت هذا المرأة العجوز: أيها الرجل! انزل، فنزل، فقربت إليه كبشاً، قالت: اذبحه، فذبحه ثم طبخت الطعام، وقربت إلى الأصمعي وصاحبه الطعام، يقول الأصمعي: فعجبنا منها! فلما فرغنا من الطعام قالت لنا، هل فيكم أحد يقرأ القرآن؟ قلنا: نعم.
قالت: اقرءوا عليّ آيات أتعزى بها بابني، فأخذا يقرءان عليها: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥] * ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦] * ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧] قالت العجوز: آلله قال هذا في كتابه؟ قال: نعم.
قالت: آلله قال هذا؟ قال: نعم.
قالت: صبراً جميلاً، وعند الله أحتسب عقيلاً، اللهم إني فعلت ما أمرتني به، فأنجز لي ما وعدتني.
ولو بقي أحد لأحد لبقي محمد لأمته.
نعم أيتها الأخوات و (إنما الصبر عند الصدمة الأولى) كيف حالكِ لو مات لكِ عزيز؟ أو مات لكِ قريب، أو كان الابن الوحيد لك ثم فارق الدنيا، ماذا تفعلين؟ نعم.
لا بأس من البكاء، ولكن إياك والنياحة! يقول ﵊: (إن الله رأى، أو علم وهو العليم الحكيم أن رجلاً مات له عزيز، فقال لملائكته وهو أعلم به: ماذا قال عبدي؟ قالوا: يا رب! حمدك واسترجع، فقال للملائكة: ابنوا له بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد).
دع الأيام تفعل ما تشاء وطب نفساً إذا حكم القضاء
ولا تجزع لحادثة الليالي فما لحوادث الدنيا بقاء
ومن نزلت بساحته المنايا فلا أرض تقيه ولا سماء
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحديد:٢٢] موت ولد، أو موت قريب، أو عزيز، أو مرض، أو مصيبة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد:٢٢ - ٢٣] تذكري أم سليم، وتذكري هذه العجوز: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٣].
стр. 964
قصة أول شهيدة في الإسلام
إنها سمية بنت خياط - أم عمار - ما أظن أن امرأة تجهلها، إنها أول شهيدة في الإسلام، أسلمت فعلم بها أبو جهل فضربها، وصفعها، وجرها في الطرقات، وجاء بها وبزوجها وابنها عمار، أمام الناس يضربها العبيد - عبيد أبي جهل، يضربونهم ويعذبونهم، يأتي إليهم النبي ﷺ ينظر إليهم- انظرن إلى المرأة كيف صبرت وجلدت، وكيف تحملت، تنظر إلى زوجها وابنها يعذبان، رآها النبي ﷺ هي وزوجها وابنها، فقال لهم: (صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة) يخرج أبو جهل عليهم وهم يعذبون، ينظر إليها وهي تعذب، وتجلد، وتضرب وهي صابرة، ولا تقول إلا: أحد أحد، ربي الله وحده، ديني الإسلام، نبيي محمد، وهي تعذب أمام الناس، فجاء أبو جهل فاغتاظ من منظرها، وزمجر لما رآها، وأخذ رمحاً من عبيده وهي تعذب، فمر عليها، فانتزع الحربة ورماها في فرجها، فماتت فكانت أول شهيدة في الإسلام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].
بعض النساء تفتح الجريدة، فترى استهزاءً بالحجاب، أو سخرية من النقاب، أو ضحكاً على الملتزمات، قالت: وأنا لماذا أتعب نفسي؟ أرجع كما كنت أفضل لي، بعض النساء لا تتحمل كلمة من قريبة، أو استهزاءً من صديقة، أو بعض السخرية من النساء، ما إن تسمع كلمة استهزاءٍ إلا وتترك الحجاب والملتزمات، تقول: أعيش في راحة وهدوء أفضل لي من هذا التعب كله.
أيتها الأخوات: إن في هذا الزمان حرب وأي حرب على المرأة المسلمة؟! حرب على حجابها، حرب على عفتها، وعلى كرامتها.
رجل خبيث يصور في الجريدة في كاريكاتير له، صورة منقبة محجبة عفيفة طاهرة، يرسمها وعلى صدرها شعرة، وبجانبها امرأة سافرة، تقول هذه السافرة لهذه المحجبة، تقول: هذه الشعرة من لحية من؟ قاتلهم الله أنى يؤفكون!
أمة الله: هذا دور الصبر، هذا دور التحمل، هذا دور أن تتأسي بـ سمية ﵂، أول شهيدة في الإسلام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] هي سنة الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩].
هذا نوح يمر عليه الفجار الكفار: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود:٣٨].
أمة الله: لا تغرنك تلك الكلمات، وتلك الاستهزاءات، وهذه الصرخات، وذلك النعيق والعواء، لا تغرنك هذه الزفرات، فإنما هي حرب لله ورسوله، واصبري واثبتي، ولتكن قدوتك هي أم عمار.
стр. 965
قصة زوجة جليبيب
واسمعن إلى هذه القصة، التي لا أظن أن من النساء من تتحمل هذا الموقف في هذا الزمان: رجل صالح، لكنه دميم الخلقة، قبيح المنظر، يمر على النساء في أيام الصحابيات فلا أحد من النساء تقبل به، الرجل دميم، الناس يردونه، أتى إلى النبي ﷺ وعنده أصحابه فقال: يا رسول الله! إن الناس قد رفضوني، يا رسول الله زوجني، فقال النبي ﷺ : اذهب إلى بيت فلان، واطرق عليهم الباب، وقل لهم: إن رسول الله يريد أن يزوج ابنتكم لي، فذهب وطرق الباب، ففتح الباب فقال: إن رسول الله يريد أن يزوج ابنتكم، ففرحوا، قالوا: رسول الله يريد أن يتزوج ابنتنا؟ -ظنوا أن النبي ﷺ يريد أن يتزوج بها- فقال لهم: يريد أن يزوج البنت لي، فترددوا، فقالت الأم: أما كان أبو بكر؟ أما كان عمر؟ أما كان فلان؟ ما وجد إلا هذا؟ كأنها ترددت، وكأنها تلكأت، فسمعت البنت بالخبر، الآن هي في أمرين، وبين موقفين: أمر رسول الله ﷺ ، وذلك المنظر القبيح الذي لا تتحمله، فقالت البنت: ما الخبر؟ فأخبرت أمها بالخبر، فقالت البنت لأمها ولأبيها: أتردان أمر رسول الله ﷺ ؟ أين تذهبان من قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]؟ ادفعوني إليه فإن الله لن يضيعني، سمع النبي ﷺ بالخبر، فسر ودعا لهذه البنت، وفي ليلة الزفاف، قبل أن يدخل عليها سمع بمنادي الجهاد: يا خيل الله اركبي، حي على الجهاد، ففزع إلى الجهاد في سبيل الله، وفي أثناء المعركة، أخذ النبي ﷺ يقول لأصحابه: أتفتقدون أحداً، قالوا: لا يا رسول الله، بحثوا عن القتلى، فقال لهم أتفتقدون أحداً؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: ولكني أفقد أخي جليبيباً، قال: فبحث عنه النبي ﷺ بين القتلى، فوجده قد قتل سبعة من المشركين وقتلوه، فأخذه ووضعه بين ذراعيه، ثم مسح التراب والدم عن وجهه ثم قال: قتل سبعة من المشركين وقتلوه هذا مني وأنا منه هذا مني وأنا منه.
قال ﵊: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) من النساء في هذا الزمان من لا ترضى إلا بالزوج ذو المنظر الغربي، الذي شكله شكل الكفار، وقد يكون متساهلاً في المحرمات، يرضى بالتلفاز، ويرضى بالأغاني والمسلسلات، ويسمح لها بالذهاب يمنة ويسرة، وأن تعمل بين الرجال، وتفعل ما تريد سبحان الله! لا تريد زوجاً ملتزماً، وتقول: هذا سوف يضيق عليّ، ويمنعني من الخروج من البيت، وكل شيء عنده حرام.
فهذه المرأة تريد زوجاً بخيلاً إلا عليها، تريد رجلاً شجاعاً إلا عليها، تريد رجلاً إن قالت له: نعم؛ قال: نعم.
وإن قالت له: لا.
قال: لا.
لا تريد إلا هذا.
من منا ترضى بالزوج الصالح ولو كان فقيراً؟ من منا ترضى بزوج صالح مجاهد، لا يمكث معها إلا بضعة أشهر، وبقية العام في الجهاد، من منا ترضى بهذا الزوج: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال:٢٤].
انظرن ماذا قالت؟! قالت: كيف تردان أمر رسول الله؟ أين تذهبان من قول الله؟ لأنها كانت مستجيبة لله ولرسوله.
стр. 966
قصة الخنساء واستشهاد أبنائها
وهذه القصة فيها من العبر ما فيها، وهي قصة الخنساء تلك الشاعرة، التي مات أخوها في الجاهلية فظلت سنوات تبكي عليه وترثيه بشعرها، لكن لما أسلمت تغيرت، ففي القادسية، وانظرن وتعجبن من هذه الموقف، وتخيلي أمة الله! أنك في هذا الموقف التي هي فيه! لو قال لك ابن في هذا الزمان: يا أماه! بعت نفسي لله، أريد أن أذهب إلى الجهاد، أريد الجنة يا أماه! كيف تردين عليه؟ أما هذه الأم فلها أربعة أبناء فقالت لهم: يا أبنائي! أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، وتعلمون ما أعده الله من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]، فيا أبنائي، اذهبوا إلى الجهاد.
وذهب أبناؤها الأربعة إلى الجهاد، فانتظرت الخبر، فإذا بالخبر يأتيها، قيل لها: إن أبناءك الأربعة كلهم قتلوا في سبيل الله، كلهم قد استشهدوا في سبيل الله، فماذا ستقول هذه المرأة؟ التي بكت على أخيها سنوات، ماذا تقول في أبنائها؟ قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من الله أن يجمعني وإياهم في مستقر رحمته.
يا أمة الله! هل تربين أبناءك على الجهاد أم على الدعوة وطلب العلم، وعلى طاعة الله، ومراقبته جلَّ وعلا؟ أم ما الذي ربيت أبناءك عليه؟ في الصغر على أفلام الكرتون، وعلى الأغاني والمسلسلات، وعلى الأفلام والرقص، ثم إذا كبر شيئاً ما، على الملاهي، وعلى أماكن التبرج والاختلاط، ثم إذا كبر فعلى المطاعم والوجبات السريعة، يمكث ليله كله هناك.
وأي شيء يلبس؟ انظر إلى لباسهم، العجيب أن أمه محجبة ملتزمة، وأبوه لا يفارق المسجد، وهو يعطى من الأموال ما شاء، ويسهر الليالي أين شاء، ويسافر كيف يشاء، ويجلس مع من يشاء!
اسألي نفسك هل أرضعته حب طاعة الله؟ وهل عودته على حب الصلاة؟ وهل قرأ القرآن؟ أم ماذا يا أمة الله؟
إنها أم حرام، تستقبل بعد غزوة أحد الناس وقد شاع في الناس أن محمداً ﵊ قد قتل، فجاءت تستقبل الناس، فلما استقبلت الناس قيل لها: إن أخاك قد قتل، وإن أباك قد قتل، وإن زوجك قد قتل، وإن ابنك قد قتل، كلهم قتلوا في غزوة أحد، فلم ترد عليهم، وقالت: وماذا فعل رسول الله ﷺ ؟ أربعة من أقرب الأقربين قد قتلوا، وهي تقول: ماذا فعل رسول الله ﷺ ؟ فدلت عليه، فأخذت بناحية ثوبه، فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذا سلمت من العطب، لا أبالي إذا سلمت من العطب.
نعم إن المرأة هي مربية الأجيال، إن المرأة هي حاضنة الرجال.
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
أولئك الرجال الذين تربوا بحضن من؟ الإمام أحمد من ربته ومن علمته؟ إنها أمه رحمها الله كانت تذهب به إلى المسجد، فصار ابنها إمام أهل السنة والجماعة، شيخ الإسلام من ربته؟ الأئمة الأعلام من الذين ربوهم؟ يا أمة الله! اعقلي، إن عليك وبيديك أن تربي الرجال ليكونوا مجاهدين، وليكونوا علماء، وليكونوا دعاة إلى الله .
إن العلمانيين والمنافقين يثبطونك، خسئوا وتعسوا، يقولون: دورك الآن أن تكوني عضواً في مجلس الأمة، دورك الآن أن تخوضي مع الرجال، دورك الآن أن تخرجي من البيت، من هذا السجن، من هذه القيود، انفضي عنك الغبار، اقطعي هذا الحجاب، أحرقيه واخرجي بين الرجال، حتى قالت إحداهن: لمَ هذه القيود؟ لِمَ هذه القيود على المرأة؟ هل لأن الله ذكر وليس أنثى؟! نعوذ بالله من هذه الكلمات، وإلى آخر هذه المقولات من الفاجرات، من تلك النساء الغافلات.
أمة الله! لا تغرنكِ هذه الحرب الشعواء، فإنما أنت مربية الأجيال، وصانعة الرجال.
стр. 967
قصة امرأة مراقبة لله جل وعلا في غياب زوجها
امرأة سافر زوجها للجهاد، وغاب عنها شهوراً طويلة، انتظرته فلم تتحمل -المرأة فيها شهوة وفيها رغبة للرجال- وانتظرت أياماً وشهوراً وطال عليها المقام، يتجول عمر في الليل ويتفقد الرعية، فإذا به يقترب من بيتها وكانت بيوتهم صغيرة، فسمع هذه المرأة تحدث نفسها لوحدها، فتقول شعراً -واسمعن إلى هذا الشعر-:
تطاول هذا الليل واسوَّد جانبه وأرقني ألا حبيب ألاعبه
فوالله لولا الله رباً أراقبه لحرك من هذا السرير جوانبه
﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد:١٠].
الجهر بالقول والإسرار به في علم الله سواء، يا أمة الله! لا تظنين إذا خرج زوجك أنه لا يراقبك أحد، الإمام أحمد كان يحدث الناس يوماً فإذا به يغلق الكتاب ويدخل الغرفة، انتظروه ما خرج، أطال المقام، فاقترب أحد التلاميذ عند الباب فسمع الإمام أحمد يبكي، ويقول في نفسه شعراً:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن عليّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أنما تُخفي عليه يغيب
أمة الله: لا تظنين أن الزوج إذا غاب، فإن الله يغيب عنك: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧].
أمة الله: لا تظنين أنك إذا ذهبت إلى المطاعم، والحدائق، ودخلت عند الخياط يفصل الجسد، وينظر إليك وأنتِ تختلين به، أن الله لا يراكِ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤].
إن من أعظم الإيمان أن المرأة تراقب الله في السر والعلن، يقول ﵊: (يأتي أقوام من أمتي يوم القيامة، لهم أعمال كـ جبال تهامة بيضاً، يجعلها الله هباء منثوراً، قال ثوبان: صفهم لنا يا رسول الله! جلِّهم لنا، قال: هم قوم يصلون كما تصلون، ويقومون كما تقومون، لكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها).
إذا غاب الزوج، إذا غاب الأب، إذا غاب الأخ، ترفع الهاتف وتتكلم، مع من يا أمة الله؟! تظنين أن الله لا يسمع؟! تظنين أن الله لا يرى؟! تظنين أنك لوحدك مع هذا الرجل تكلمينه؟! أو تنظرين إلى الأفلام والمسلسلات.
يا أمة الله! المراقبة المراقبة!
стр. 968
قصة امرأة من بني إسرائيل
اسمعي إلى هذه القصة، قصة امرأة كانت من بغايا بني إسرائيل؛ هذه البغي كانت لا تمكن رجلاً إلا بمائة دينار، مرت يوماً من الأيام على عابد زاهد في صومعته فافتتن بها، فجاءها يطلبها، فأبت عليه، ومنعته إلا بمائة دينار، فترك الصومعة والعبادة، وأخذ يجمع المائة دينار، فلما جمع المائة طرق الباب عليها، فتح الباب فدخل، فتزينت له، وجلست على السرير، فلما اقترب منها قالت: هلم إليّ، هلم إليّ، فسقط جالساً وأخذ يبكي، قالت: مالك؟ ما بالك؟ هلم إليّ، فقال ذلك الرجل: ذكرت وقوفي بين يدي الله، فلم تحملني أعضائي لأقف، فأخذ يبكي، وأراد الخروج من البيت، وقالت له: قف، أطلب منك أن تتزوجني، قال: لا.
ولكن خذي المال، فخرج نادماً فجلست هذه المرأة وبكت، وأصلحت ما بينها وبين الله ، ثم رجعت إلى الله وتابت، ثم أخذت تبحث عن هذا الرجل، بحثت عنه فدلت عليه، فلما جاءت إلى بيته طرقت الباب، فلما فتح الباب، تذكر تلك الليلة الكئيبة، وذلك الموقف المشئوم، فشهق شهقة فمات منها وسقط على الأرض، فأخذت تبكي، فبحثت عن قريب له تتذكره به، فوجدت أخاه وكان رجلاً فقيراً عابداً زاهداً فتزوجته، وأنجبت منه سبعة من الأولاد الصالحين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [التحريم:٨].
إلى متى يا أمة الله تسمعين تلك الأغاني؟! إلى متى يا أمة الله تشاهدين تلك الأفلام والمسلسلات؟! إلى متى وهذه الصور الخليعات؟! إلى متى هذه الأماكن التي فيها الأغاني والاختلاط والسفور والتبرج والمنكرات؟! إلى متى هذه الأعراس التي فيها المنكرات؟! إلى متى يا أمة الله؟! إلى متى لا تستيقظين لصلاة الفجر إلا بعد طلوع الشمس؟! قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠].
стр. 969
الربا ومحقه للحياة الزوجية
اسمعن لهذا الموقف، وأطلب منكن أن تتخَيَّلْنَهُ، زوجة معها زوجها وابنتها الصغيرة التي تبلغ من العمر خمس سنوات تقول: كنا معاً في أطيب حال، وأهنأ بال، كنا زوجين سعيدين متعاونين على طاعة الله، تقول: عندنا القناعة والرضا، طفلتنا مصباح الدار، ضحكاتها تفتق الأزهار، إنها ريحانة تهتز، فإذا جن علينا الليل ونامت الصغيرة، قمت معه نسبح الله، يؤمني ويرتل القرآن ترتيلاً، وتصلي معنا الدموع في سكينة وخشوع، كأني أسمعها وهي تفيض قائلة: أنا إيمان فلان وفلانة، وذات يوم أردنا أن تكثر الفلوس التي معنا، اقترحت على زوجي أن نشتري أسهماً ربوية، لتكثر منها الأموال وندخرها للعيال، ووضعنا فيها كل ما نملك، حتى حلي الشبكة، ثم انخفضت أسهم السوق وأحسسنا بالهلكة، فشربنا من الهموم كأساً، وكثرت علينا الديون والتبعات، فعلمنا أن الله يمحق الربا ويربي الصدقات، وفي ليلة حزينة خلت فيها الخزينة، تشاجرت مع زوجي، فطلبت منه الطلاق، فصاح: أنتِ طالق، أنتِ طالق، تقول: فبكيت، وبكت الصغيرة، وعبر الدموع الجارية، تذكرت جيداً يوم أن جمعتنا الطاعة وفرقتنا المعصية: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].
ما أحلاها -يا أمة الله- أن تقومي الليل مع زوجك! ما أجملها -يا أمة الله- أن يضج البيت فجراً بالأصوات! هذا يقوم، وهذا يسبح، وهذا يبكي، وهذا يسجد، وهذا يركع!
ما أجملها -يا أمة الله- أن تجتمعي مع الزوج على قراءة القرآن! وعلى ذكر الله جلَّ وعلا، ما أجملها يا أمة الله!
انظرن إلى النساء في هذه الأزمنة، تقول لزوجها: انظر إلى فلان كيف أثث بيته، انظر إلى فلان ماذا اشترى لزوجته، انظر إلى فلان أين يسافر مع زوجته، يذهب بها إلى بلدة كذا، ودولة كذا، يسافرون كل سنة مرتين، لم لا تذهب بي إلى هذا المكان؟ إلى المسارح، إلى السينمات، إلى الملاهي، ماذا تريدين يا أمة الله؟! ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء:٧٧].
تريدين الدنيا يا أمة الله! أم تريدين أن تجلسي مع زوجك على البساط، وعلى فراش واحد، تتقاسمين معه اللقمة، ثم تحفظينه في غيبته، ثم يأتيك وقد جاء بلقمة العيش، تجلسين معه لا ينظر إلى غيرك، ولا يعرف سواك، وأنت لا تعرفين إلا ذكر الله وطاعته، تجلسين معه على ذكر الله، وتنامين معه على طاعة الله، وتستيقظين معه على ذكر الله، يا أمة الله! اختاري لنفسك ما تشائين.
стр. 970
قصص أخرى فيها عظة وعبرة
لمحات سريعة في هذا العصر، كم في هذا العصر من نساء صالحات، قانتات تائبات، عابدات، مصليات صائمات، سمعنا بنساء قد حفظن القرآن كله، وبنساء قد قرأن الصحاح من الكتب، وبنساء طالبات للعلم، وأخريات داعيات لله ، وسمعنا بنساء قد أصلح الله بهن بيوتاً كاملة.
هذه امرأة، قد تزوجت رجلاً فكان عقيماً، صبرت معه، لم تطلب منه الطلاق حتى كبر في السن، وعجزت وشاب زوجها، فعمي بصره -تعرفن ماذا تفعل في هذا العصر؟ - هذه المرأة كانت تقوم كل ليلة مع زوجها، فإذا اقترب الفجر، تأخذ بيد زوجها وتسوقه إلى المسجد.
أمة الله: في هذا العصر امرأة أخرى يجرى لها عملية في عينها ثم تبكي، فيقال لها: لمَ تبكين وقد نجحت العملية؟ قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون! إنا لله وإنا إليه راجعون! بعد هذه السنين الطويلة يكشف وجهي رجل غريب، إنا لله وإنا إليه راجعون!
من النساء في هذه الأزمنة، لأجل جرح في إصبعها تكشف وجهها، ولأجل مرض لا يحتاج إلى كشف تكشف ما تشاء، وتتساهل في هذا.
أفغانية تجلس في كوخ مع زوجها وأولادها، يذهب إلى الجهاد شهراً طويلة، ثم يرجع أياماً يعطيهم قوت أشهرهم، ثم يرجع إلى الجهاد، وفي يوم من الأيام عندما رجع قالت له: أطلت المقام، لمَ لا تذهب إلى الجهاد؟ قال: لقد طال الجهاد، لقد سئمت الجهاد، لقد طال الأمر عليّ، سوف أجلس، فقالت له زوجته الصالحة: إذاً أعطني السلاح، وأعطني ملابسك، وخذ ملابسي، وسوف أذهب مكانك إلى الجهاد، واجلس أنت مكاني في البيت، لا مكان للرجال في هذه البيوت، اذهب إلى الجهاد في سبيل الله ولا تجلس مثل النساء في هذه البيوت.
إن حلقات القرآن للنساء قد امتلأت، وإن الدروس قد اكتظت بالنساء، وإن المصليات لتشتكي من ازدحام النساء، فالله أكبر أيتها النساء! إنه دينكن، إنه دوركن، إنه يومكن يا أيتها النساء، لما تكتب هذه الداعرة العاهرة العلمانية تستهزئ بالحجاب، أين قلمك؟ لِمَ تتكلم هذه في المجالس، أين لسانك؟ لم تدعو هذه إلى السفور وإلى التبرج، وإلى الفسق والفجور، أين دورك يا أمة الله؟ لمَ لا تدعين النساء إلى حلقات الذكر وقراءة القرآن؟ لم لا تعطيهن الشريط والكتيب الإسلامي، وتدعينهن إلى الله .
نعم يا أمة الله! إن هذه قصص لعل فيها بعض العبر، والله جعل القصص للعبرة، والسعيد من اتعظ بغيره.
أقول قولي هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 971
رسالة إلى مدمن
هذه رسالة موجهة إلى كل مدمن وقع في حبائل المخدرات، إلى شباب الأمة الذين كثر فيهم الإدمان وأصبح ظاهرة تطغى عليهم.
وفي هذه الرسالة بيان لهذه الظاهرة وعاقبتها وقصص وأخبار المدمنين.
стр. 972
ظاهرة الإدمان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
أيها الإخوة الكرام: هذه رسالة موجهة إلى مدمن، ولعلكم تجدون في الحديث أسلوباً غير مباشر للحاضرين، لكن لعل السامع منكم أن يستفيد من كلماتي.
أيها الأخ الكريم: أوجه إليك هذه الكلمات يا من وقعت في حبائل المخدرات يا من بدأت تتعاطى؛ بل أصبحت مدمناً، أوجه إليك هذا الحديث، فارع لي سمعك، وتوقف معي دقائق، واستمع لي ولن تخسر شيئاً إن لم تستفد أمراً من كلامي.
لو سألت أكثر المدمنين في هذا الزمن، وأكثر المتعاطين للمخدرات: لِمَ تتعاطون المخدرات؟ ولِمَ أدمنتم عليها؟ ولِمَ وقعتم في حبالها؟ لأجابك أكثرهم: أبحث عن السعادة، أبحث عن الراحة، أريد الطمأنينة.
فلو سألته: هل وجدتها؟ أظن وأجزم بأن أكثر من تعمق في المخدرات وأدمن عليها سوف يجبك بهذه الإجابة ويقول: كلا، كلا والله لا زلت أبحث عنها.
عمَّ تبحث؟ أبحث عن هذه السعادة الموهومة.
جلست يوماًَ من الأيام أنصح شاباً سلم نفسه بجريمة قَتْل -قَتْل عمداً- قَتَل رجلاً ثم سلم نفسه، فلما جلستُ معه وأخذت أحدثه عن التوبة، وأخوفه بالله جل وعلا فيما فعل، قال لي: يا شيخ! ماذا تقول؟ أنا سبع سنوات مدمن للمخدرات، قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! سبع سنوات وأنت مدمن للمخدرات؟ وانظر للنهاية قال: نعم يا شيخ! سبع سنوات وأنا مدمن لهذه المخدرات، قلت له: ماذا كنت تحس؟ قال: يا شيخ! وأنا أدمن وأتعاطى المخدرات أحس كأنني أطير في الهواء، قلت له: ثم ماذا؟ قال: ثم عذاب وألم وحسرة، يقول: وهكذا سبع سنوات لم تنته إلا بالقتل، وسلم نفسه ينتظر القصاص، أتعرف لماذا؟ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً﴾ [طه:١٢٤] نعم يعيش، يأكل ويشرب ويلبس، ينام ويستيقظ، يمشي ويتحرك، يعيش، لكن انظر إلى عيشته: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] * ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ [طه:١٢٥] السماء تفطرت، والأرض تزلزلت، والجبال نسفت، والبحار احترقت وسجرت، والقبور بعثرت، والوحوش حشرت، والولدان قد صارت رءوسهم شيباً، ويمشي هذا الرجل المسكين على صراط أدق من الشعر وأحد من السيف، وجهنم تلهب تحته، يقول: ربِّ إني أعمى، ويجوز الصراط وهو أعمى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾ [طه:١٢٥] يعني في الدنيا، انظر للسبب: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ [طه:١٢٦] أتذكر ذلك المجلس الذي سمعتَ فيه بعض الآيات؟ أتذكر ذلك الشريط الذي أهدي إليك فاستمعت إليه لكنك نسيت: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٦].
стр. 973
عاقبة مدمن الخمر
أخي الكريم: تذكر وأنت تقدم على تعاطي تلك المخدرات، وتقدم على استقائها وعلى تجرعها تذكر يا أخي العزيز أنت تتعرض لغضب الرب جل وعلا، واعلم أنك لو مت وأنت على هذه الحال ما دخلت الجنة: (ثلاثة حرم الله عليهم الجنة منهم: مدمن الخمر) الخمر الذي يذهب العقل، ويتفرع عليه المخدر هذا الزمن.
تذكر يا أخي العزيز! وأنت تتجرع هذه المخدرات أن المصير في النهاية والخاتمة أنك تتجرع من ماءٍ صديد، قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم:١٥ - ١٦] نهاية المخدرات والإدمان عذاب في الدنيا، ثم حسرة، ثم موت، ثم جهنم، قال تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٦] قيح وصديد، تتشقق الجلود فتخرج قيحاً يتسابق أهل النار إليه ليأكلوه وليشربوه، قال تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٧].
بل جاء في الحديث الصحيح: (أن شارب الخمر يُسقى من ردغة الخبال) عصارة أهل النار، يخرج بعضها من الجلود، ويخرج بعضها من الفروج، ويخرج بعضها من الأفواه، عصارة أهل النار يتسابق إليها شربة الخمر والمسكر والمخدر ليأكلوها وليشربوها، تذكر إن كنت من المتعاطين هذا المصير، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤] ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان:٤٥] لما يأكلون منه تغلي البطون.
أرأيت القدر كيف يغلي بالماء؟ هكذا البطن يغلي ويفور من ذلك الطعام، قطرة من الزقوم لو سقطت على الدنيا لأفسدت الدنيا بما فيها، كيف بمن تكون طعامه؟! تذكر وأنت تقدم على هذه المعصية وذلك الإثم هذا المصير، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٧] يدفع دفعاً، الملائكة تدفعه إلى قعر جهنم: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٤٧] إلى قعر جهنم، ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٨] صبوا على رأسه عذاب الحميم، إذا صُبَّ على الرأس يدخل إلى المعدة ويقطع الأمعاء، إنا لله وإنا إليه راجعون! هل تعدل تلك الجلسات، وهذه الهلوسة، وتلك السهرات، وهذه الحبوب، ذلك العذاب؟!
стр. 974
قصص وأخبار عن المدمنين
أخي الكريم: مدمن الخمر والمخدرات حاله في الدنيا عذاب وألم، وأظن أنك تستمع إلي الآن وتقول لي: يا شيخ! من قال لك؟ نحن نفرح ونتمتع، نحن نسعد ونلهو، نحن نطير في الهواء، أقول لك: كذبت ولم تصدق نفسك؛ فإن السعادة موهومة، أذكرك بتلك اللحظات التي تتقلب فيها على الفراش، أذكرك بوقت تكون فيه أنت لوحدك في غرفة مظلمة، تحس أن الدنيا قد ضاقت عليك بما رحبت، أذكرك لما نقصت عليك المادة ولم تحصل على بعض الحبوب كيف تألمت وكيف تتعذب، أذكرك يا أخي! وأنت تحاسب نفسك وتعاتبها ماذا تفعلين إذا قدمتِ على الجبار.
стр. 975
قصة شاب أدمن المخدرات وصار يروجها
صليت المغرب يوماً فجاءني شاب قال لي: يا شيخ! أريد الحديث معك، قلت له: تفضل.
قال: لا.
عندي شخص آخر يريد أن يجلس معك، قلت: الآن؟ قال: لا بعد أن يخرج الناس، خرج الناس وبعد صلاة المغرب جلست معه في زاوية المسجد، جلست معه فإذا بالثاني يخرج لي هوية من جيبه نظرتُ إليها، قال لي: يا شيخ انظر إلى الصورة، نظرت إلى الصورة وأنا في المسجد، الصورة فيها وجه حسن، وجه جميل مضيء، والذي أمامي وجه مخيف مفزع، قبيح مظلم، قال لي: يا شيخ أنظرت إلى الصورة؟ قلت: نعم.
قال: هذا أنا، قلت: مستحيل.
قال: والله وأنا في بيت الله هذه الصورة صورتي.
قلت: يا أخي لا يوجد وجه للشبه أبداً، وما أحببتُ أن أخبرَه أن الصورة أجمل وأحسن بكثير من الوجه الذي أمامي، نور في الصورة وظلام أمامي، قلت له: حدثني عن خبرك.
قال لي: يا شيخ! كان لي رفقة عند بيتي، جئتهم يوماً من الأيام، أشرب معهم الشاي كالعادة، يقول: لكن الشاي لم يكن كالعادة، أحسست عند شربي للشاي بلذة، فجئتهم في اليوم الثاني أرجو أن أشرب نفس الشاي، وشربت منه في اليوم الثاني فأحسست بلذة أكبر، يقول: وكأن نفسي أصبحت خفيفة، وفي اليوم الثالث والرابع حتى أدمنت على شرب هذا الشاي، وأنا لا أدري ما الذي به.
وفي يوم من الأيام قدمتُ إليهم أسألهم عن هذا الشاي، قالوا لي: يا فلان! أتعرف ماذا بهذا الشاي؟ قلت: لا.
قالوا: به حبوب.
قلت: وما حبوب؟ قالوا: حبوب مخدرات.
قلت: الآن أنا لا أستطيع أن أتخلص منه؟!! ما الحل؟ قالوا: نعطيك منها، لا تخف فالحبوب متوفرة، قلت: أعطوني، قالوا: بالثمن -فأوقعوه الآن في حبالهم- قال لهم: ليس عندي أموال، قالوا: هذا ثمنها ابحث عن الأموال.
قلت له: من أين كنت تأتي بالمال؟ قال لي: يا شيخ! كنت أطلب من الوالدة والوالد وكانوا يعطوني في بادئ الأمر، ثم بدأت أسرق منهما، ثم بدأت أسرق من غيرهما، وأستدين وأسرق، قلت: إلى أي درجة؟ قال: قالوا لي يوماً من الأيام: إن أثقلتك الأموال فهناك طريقة أخرى.
قلت: وما هي هذه الطريقة؟ قالوا لي: تروج لنا المخدرات، أنت تروج ونحن نعطيك.
قال: كيف؟ قال: علموني الطريقة، يقول: بدأت أروج المخدرات وأنا لا أشعر، دخلت في وحل الترويج، قلت له: لم لا تتوب؟ قال: يا شيخ! جربت التوبة جربت أن أتوب، قلت: وما الذي منعك؟ قال: السلاح.
قلت: ماذا تقصد؟ قال: يهددوني بالقتل إن لم أستمر في هذا الترويج يقتلونني بالسلاح.
стр. 976
حال الرفقة السيئة في النار
هذا الرجل إن استمر على حاله يُبعث عند الله جل وعلا، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨] يا ليتني ما عرفتهم! يا ليتني ما جلست معهم! يا ليتني ما صاحبتهم! يا ليتني ما سلمت على فلان يوماً من الأيام! لكن ولات ساعة مندم! ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٨] يسميه عند الرب جل وعلا يقول: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٨] ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٩].
إذا دخل هذا الشاب وأمثاله إلى جهنم أتعرف ماذا يطلب من ربه؟ يقول يا رب لي طلب.
ما طلبه؟ ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ﴾ [فصلت:٢٩] أي: يا رب أريد أن أرى ذلك الرجل الذي أعطاني الحبة أول مرة، وسقاني ذلك الكأس، وعلمني طريق المخدر، يا رب أريد أن أراه، في المحشر، إما في المحشر أو في جهنم يتمنى أن يراه.
أنظن أن يتمنى رؤيته ليصافحه؟ ليصادقه؟ ليعانقه بعد فراق طويل؟ لا.
اسمع لما يطلب رؤيته يوم القيامة: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ [فصلت:٢٩] أطأ عليهما برجلي، لمه؟ ﴿لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩].
ولكن كل هذا لا ينفع، طالما جاءك الصالحون، وأعطوك الشريط، وأهدوك تلك الكلمات، ونصحوك تلك النصائح، ولكنك عصيتَ واستكبرتَ وأبيت إلا أن تستمر مع هؤلاء: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨] إلى أين؟ إلى جهنم كلما دخل رجل لعن صاحبه: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف:٣٨] يقول في جهنم: يا رب هؤلاء الذين دلوني على تلك المجالس، وهذه الأماكن، وتلك المستنقعات يا رب هؤلاء الذين أعطوني هذه الحبوب، وعرفوني ذلك الطريق يا رب: ﴿فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨] يا رب ضاعف لهم العذاب في النار، فيقول الرب: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨] أتظن أخي الكريم أن القضية تنتهي عند حبة وتقف، لا.
القضية أكبر وأدهى وأمر، الحبة هي الخطوة الأولى، وهي بداية الطريق إلى الإدمان، وإلا فالطريق مظلم وموحش.
стр. 977
قصة شاب مات من الإدمان حتى انفجر مخه
رأيتُ صورة من الصور عرضها أحد المشايخ الفضلاء لشاب مات أثناء إدمانه، ولعلك وأنت تسمعني تعرف هذه الحقيقة التي يحتاج إليها الإنسان كل يوم، يحتاج أن يزيد ويزيد حتى يصل إلى حد يقتُل الإنسان، وكم نسمع في الأخبار أن شاباً وُجِدت جثته في مزبلة، وآخر في محرقة، وثالث رمي في المسجد، ورابع عند المستشفى، وخامس قبل شهر مقتول ومرمي في الصحراء، وسادس وسابع، وإحصائيات القتلى تزداد يوماً بعد يوم، لا تقل: لا.
أنا أضمن نفسي.
لا تقل: لا.
أنا سوف أتوب قبل الموت، وما يدريك! يذهب عقلك ثم تسقط على الأرض وتفارق الدنيا.
أحدثكم عن الصورة التي رأيتُ، أتعرفون كيف مات هذا الشاب؟
هذا الشاب أيها الأخ العزيز! وهو يتعاطى المخدرات، وزاد في جرعة الإدمان والتعاطي سقط على الأرض وأحس بألم، وتأثَّر حتى انفجر مُخُّهُ وبدأ يسيل مخه من أنفه، ورأيته بالصورة، انظر كيف تعذب في الدنيا قبل الآخرة، إن رأيتَ المنظر لا تتحمل، إن رأيت شكله لعلك لا تطيق طعاماً بعده، أتعرف لماذا؟ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤].
стр. 978
قصة شاب مات في غرفته من المخدرات
وآخر رأيتُ صورته جالس في شقته في غرفته، وكان يتعاطى المخدرات حاله حال المتعاطين المدمنين، ولكنه زاد في الجرعة شيئاً ما، يريد أن يتلذذ وأن يشعر بتلك السعادة، فإذا به يتعاطى جرعة زائدة، فإذا به يموت في غرفته، ما شعر به أحد، ما صلى عليه أحد، ما دفنه أحد، ظل أياماً في غرفته ميتاً، أنتنت الجيفة، أتعرف كيف عرفوا قصته ودروا بخبره؟ وجدوا رائحة منتنة تخرج من الغرفة، والذباب قد تجمع على الباب، كسروا الباب، فإذا بهذه الجثة التي ظلت أياماً، النمل يأكلها من كل جانب، رأيت المنظر بعيني أيها الإخوة، منظر ما أقبحه، بهيئة الساجد على أدوات المخدر، والنمل يأكله من كل جانب، أعوذ بالله من تلك الميتة.
أرأيت إلى خاتمتهم! هل هذا عاش بسعادة كان يرجوها؟! أين السعادة؟! أين النعيم؟! يا مسكين يا من تبكي الليالي والأيام اجلس مع بعض الصالحين، حدث بعض الأخيار الذين يبكون في الصلاة، ويقرءون القرآن، ويذهبون للعمرة قل لهم: هل وجدتم تلك السعادة التي أبحث عنها؟! أتعرف ماذا يقولون لك؟ يقولون لك: لو كان أهل الجنة في مثل ما نحن فيه إنهم والله لفي عيش طيب، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] تقول أنا ضامن نفسي إن شاء الله لن أموت وأنا أتعاطى المخدر، اسمع لإحصائية وزارة الداخلية: أكثر من ألف وتسعين شخصاً ماتوا بسبب المخدرات في الكويت، فما الذي يضمن أنك لا تكون أحد الأرقام القادمة؟
стр. 979
تعاطي المخدرات يفقد العقل والصواب
أخي الكريم: إن كثيراً من المتعاطين يفقد عقله فيفعل ما لا يفعله أي عاقل، بل لو كان يدري عن نفسه لقتل نفسه قبل أن يفعل هذه الفعلة، وكم سمعنا مِن أخبار متعاطيي المخدرات مَن أتى محارمه.
стр. 980
قصة شاب أدمن المخدرات فتعرض لأمه يريد هتك عرضها
واسمع يا رعاك الله، واسمع فتح الله قلبك للإيمان، اسمع إلى قصة هذا المدمن الذي كان شاباً صغيراً لم يعرف شيئاً عن الإدمان يوماً من الأيام.
توفي أبوه فرعته أمه، وكانت تعطيه بعض المال ليبحث عن حرفة له ليشتغل بها، كانت تبحث له عن السعادة، هذا الشاب تعرف على رفقة سيئة، بدأ يدمن معهم التدخين ثم المخدرات؛ وقع في ذلك الوحل وأمه لا تدري، دخلت عليه يوماً من الأيام في الغرفة فإذا بها تجده في وضع غريب، يشرب دخاناً ليس كالدخان الذي تعرفه؛ عرفت الخبر ونصحته، وذكرته بالله وخوفته بيوم القيامة، وبالنار والقبر لكنه ما خاف من عذاب الله جل وعلا، جاءها يوماً من الأيام؛ طلب منها المال فأعطته المال، يوم ثانٍ قالت له: يا بني لا أعطيك المال وأنت على هذه الحال، تب إلى الله ثم أعطيك من المال، قال: تعطينني رغماً عنكِ، بدأ الآن، وأنتم تعرفون أن صاحب المخدرات المدمن إذا انقطع عن الإدمان لا يحس بنفسه، ويصبح كالوحش المفترس، جاءها يوماً من الأيام قال: أعطيني، قالت: لا أعطيك، ضربها وأخذ ذهبها وباعه واشترى به المخدر، بكت أمه عذاباً وحسرة وألماً.
أيها المدمن: تذكر هذه الأم المسكينة التي خلَّفتها في البيت وهي تبكي عليك، تذكر كم كانت ترعاك! وكم كانت تسهر على رعايتك! كم كانت تفرح وتتمنى أن تكون مثل فلان الطبيب! وفلان المهندس! وفلان الداعية! وفلان المصلي! وذلك الراكع الساجد! كانت تسمع أخبار جاراتها: هذا ولد لها حفظ القرآن! وآخر ذهب إلى العمرة! وثالث يدعو إلى الله! ورابع صار طبيباً! والآخر صار مهندساً! وهذا يدرس الناس في المدارس!
أما أنت تذكر واعلم أن أمك تبكي عليك دماً وأنت لا تدري.
جاءها يوماً من الأيام وقد فقد عقله، دخل على أمه في الغرفة، قال لها: تعطيني أموالاً أريد أن أشتري، قالت له: لا أعطيك، أخذ يضربها، قالت له: ماذا تريد؟ أتعرف ماذا كان يريد في تلك الحال؟ وأُجِلُّ المسجد من هذه الحكاية ولكن لا بد من إخبارك بها، فَقَدَ صوابه، أراد أن يهتك عرض أمه، واسمحوا لي في رواية القصة، فإن المجتمعات مليئة بهذه القصص، حاول أن يعتدي على أمه، مزق ثيابها، هربت أمه من البيت وهي تبكي ولا تدري أين تسير، توجهت إلى بيت ابنتها المتزوجة دخلت وثيابها ممزقة، ماذا أقول لابنتي؟ ماذا أقول لزوجها؟ دخلت وهي تقول لهم: دخل علينا لص البيت وأراد أن يسرق الأموال، فهربت ولجأت إليكما، كذبتْ عليهما.
وفي الصباح أخبرت ابنتها بالخبر الصحيح، ظلت أياماً في بيت ابنتها لم ترجع إلى البيت، بعد أيام قالت لابنتها: نرجع إلى البيت، رحمت ابنها، وعطفت على الولد، لأن الأم لا تنسى ولدها مهما كان، رجعت إلى البيت هي وابنتها، فإذا بالبيت قد بِيْع أثاثه وأجهزته كلها، باع الولد كل ما في البيت ليشتري بعض الحبوب، أرأيت نهاية التعاطي والإدمان؟
اسمع! لم تنتهِ القصة، هذه الأم دخلت وجلست تبكي على حال ابنها، وفي لحظة من اللحظات دخل الابن إلى الشقة فإذا به يجد أمه وأخته وابنة أخته الصغيرة، دخل على أمه يحاول أن يضربها على ما فعلت به، قال: أعطوني الآن من المال، قالت الأم: لا نعطيك شيئاً، قال: الآن أنا محتاج إلى المال أريد أن أشتري، قالت: والله لا نعطيك، فإذا به يحاول الاعتداء على أخته ويهدد أمه، إما أن تعطيني شيئاً من المال وإلا اعتديت عليها، بكت أمه، صاحت، استغاثت، استنجدت، وأخذ يضرب أخته حتى يواقعها، مزق ثيابها، والأم المسكينة لا تدري ماذا تفعل، ابنها أو ابنتها، أو العار أو الفضيحة، أخذت تتصارع الأم في قلبها، ماذا تفعل! والبنت الصغيرة تنظر إلى أمها وتبكي ماذا يفعل خالها؟ ماذا يفعل بأمها؟! فما كان من الأم إلا أن ذهبت إلى المطبخ وأخذت سكيناً وهي تصارع نفسها، والولد قد فقد وعيه لا يدري ماذا يفعل، فجاءت الأم إلى ابنها فلذة كبدها وطعنته عدة طعنات وأخته تنظر والبنت الصغيرة تنظر، ما الذي جرى بعد ثوان معدودة، والغرفة تسيل بالدماء، الرجل مات، أخته ممزقة الثياب، البنت الصغيرة تبكي، الأم منطرحة على الفراش، تبكي، مأساة وأي مأساة!
أيها المدمن: انتبه! انتبه! فإنك تضيع نفسك وأهلك، وكثير منهم باع عرضه وأرغم زوجته على وحل الدعارة؛ لتقبض بعض الأموال فيأتي بالمخدرات.
стр. 981
التوبة إلى الله هي الحل والنجاة من الإدمان
أيها الأخ الكريم: أتعرف ما النجاة؟ إنها في قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
أيها الأخ العزيز: أقبل على الله جل وعلا، لا تقل لا أستطيع ولا أتحمل.
في يومٍ من الأيام بعد محاضرة كانت لي جاءني شاب بعد المحاضرة حسن الوجه، مضيء الوجه، مطلق اللحية، مقصر الإزار عليه سِيما الصلاح، فقال لي: يا شيخ أريد أن تذهب معي إلى مكان.
قلت له: وأي مكان؟ قال: مكان فيه أهل مخدرات قلت: ولِمَ؟ ولِمَ؟ ولِمَ أنت الذي ترسلني إلى هذا المكان؟ قال لي: يا شيخ أنا الذي أمامك كنت يوماً من الأيام مدمناً للمخدرات، يقول: كنت يومياً أتعاطى المخدرات ولا أستطيع الخلاص منها، قلت له: الآن؟ قال: والآن الحمد لله أدعو إلى الله جل وعلا، أقرأ القرآن، أحضر حلق العلم، أحضر مع الصالحين، أجلس معهم، أبر والدي، قلت له: الآن أنت سعيد أم الماضي؟ قال: يا شيخ! ما أحسست بالسعادة إلا هذه الأيام التي توجهت فيها إلى الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] تريد الهداية؟ تريد التوبة؟ تريد صفحة جديدة بينك وبين الله؟ ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] قاطع تلك المجالس وفارق تلك الصحبة، أقبل على الصالحين واجلس معهم، قل لهم: إني أقبلت على الله جل وعلا فدلوني وخذوا بيدي، قم آخر الليل، وصلِّ ركعتين في السحر؛ فإن الرب ينزل ويقول: (هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟) صلِّ ركعتين في السحر وأقبل على الله واسجد بين يديه، ثم لتدمع تلك العينان؛ لعل الله أن يغسل ذنوبك.
يا نفس توبي فإن الموت قد حانا واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا
أما ترين المنايا كيف تلقطنا لقطاً فتُلْحِق أخرانا بأولانا
أما تذكر يوم رفعت سماعة الهاتف وقيل لك: أتعرف فلاناً؟ نعم فلان.
الذي كان معنا في الدواوين والشوارع، وفي الدراسة، أتذكره جيداً؟ نعم أذكره جيداً، قبل أيام كنتُ معه.
فيقول لك: مات في حادث سيارة، انقلب بها وفارق الدنيا، إنا لله وإنا إليه راجعون.
أما ترين المنايا كيف تلقطنا لقطاً فتُلْحِق أخرانا بأولانا
وفي كل يوم لنا ميْت نشيعه نرى بمصرعه آثار موتانا
أقبل على الله جل وعلا، تعرَّف على الصالحين، افتح كتاب الله ﵎ لتكن همتك عالية.
أما هذه الهمة، همة الحبوب والتعاطي والإدمان فأنت تعرفها، إنها همة ما أخسها! وما أقذرها! وما أنجسها!
لتكن همتك أن تضحي بهذا الجسد الذي طالما تعاطى ذلك المخدر في سبيل الله جل وعلا، همتك همتك -يا أخي العزيز- ألا تموت إلا شهيداً في سبيل الله.
стр. 982
قصة عبد الله بن حذافة السهمي مع ملك الروم
اسمع إلى هذا الشاب الذي ابتلي في دينه، وانظر إلى همته، إنه عبد الله بن حذافة؛ كان أميراً لسرية؛ وأنا أقص عليك هذه القصة لترفع همتك أيها الشاب، ولتترك هذا المرض المظلم، ولتقبل على الله جل وعلا بهمة تناطح الجبال.
هذا الشاب كان يقود سرية المسلمين، فقبض نصارى الروم على المسلمين وكان فيهم عبد الله قائدهم، وجاء ملك الروم إلى عبد الله بن حذافة وقال له: أتريد أن ترجع إلى أهلك؟ قال: نعم.
قال: أشاطرك نصف ملكي بشرط واحد.
قال: ما هو؟ قال: أن تتنصر وتغير دينك من الإسلام إلى النصرانية؛ فضحك عبد الله بن حذافة وقال: [والله لو أعطيتني الدنيا بما فيها على أن أترك هذا الدين طرفة عين ما تركته، قال الملك: ادخلوه السجن] ويدخلون عليه امرأة من أجمل النساء، وتجملت أمامه، وحاولت أن تفتنه، فإذا بها تخرج بعد زمن وتقول للملك: " لا أدري أأدخلوني على بشر أم حجر! لا أدري أأنا أنثى أم ذكر " تقول: لم يلتفت إليَّ طرفة عين، فغضب الملك.
انظر إلى الصبر على الدين، انظر إلى لذة الطاعة، جيء بالقدور وأحميت، ووضع فيها الزيت وتحته النار تشتعل، والزيت يغلي، فجيء بـ عبد الله بن حذافة وبصاحب له من أصحابه فإذا به ينزل حياً في قدر، في الزيت الذي يغلي، فاحترق حتى طفحت عظامه وشوي جلده، ونظر عبد الله، وقال الملك: الآن دورك، بكى عبد الله، فقال له الملك: خفتَ الآن قال: [لا.
والله ما خفت ولكن صاحبي هذا كان ينافسني دوماً في طاعة الله، أما الآن فقد سبقني إلى الجنة يا ليتني كنت مكانه، يا ليتني كنت مكانه، والله الذي لا إله غيره لو كان عندي أرواحاً بعدد شعرات جسمي لتمنيت أن تخرج كلها في سبيل الله] قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣].
أرأيت صاحب الهمة العالية يتقلب على الفراش، ويحلم أن هذه الرقبة تطير في سبيل الله.
ستقول لي: يا شيخ! هذا في الأزمان الماضية، أما اليوم فمستحيل.
أحدثك بقصة في هذا الزمن
стр. 983
قصة شاب أدمن وتاب ليكون من المجاهدين
شاب مولع بالأغاني والطرب، والنساء والمخدرات والخمور، كل معصية في الدنيا ارتكبها لا تخطر على باله معصية إلا وقد فعلها، يقول الشاب عن نفسه: ضاقت علي الأرض بما رحبت، مللت الحياة.
وتتعجب عندما تسمع أن أعلى نسبة انتحار في الدول المتقدمة، يشنق الواحد نفسه، يقطع شرايينه بالموس؛ لينزل الدم ثم يموت، يرمي نفسه من أعلى عمارة، يضع مسدساً على رأسه فيطلق طلقة يموت منها.
ما السبب؟
يقول الشاب: ضاقت علي الأرض بما رحبت، قال الله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] يقول: خرجت من البيت وسافرت لا أدري أين أذهب، فخطر على بالي أن أذهب لأخي في بلد أخرى، دخلت وطرقت الباب على أخي -وكان أخوه صالحاً- قال أخوه: ما الذي جاء بك؟ قال: يا أخي مللتُ الدنيا، مللتُ الحياة، جئتك أمتع نفسي، قال أخوه: تفضل في البيت، يقول أخوه: نام تلك الليلة، وفي الفجر جاء رجل يوقظهم للصلاة، وعادته كل يوم كان أن يوقظ أهل البيت؛ يا أهل البيت صلاة الفجر صلاة الفجر، فقام الشاب فزعاً قال: ماذا تريد؟ قال: صلاة الفجر، قال: دعني، فأنا لا أصلي أصلاً، قال: أعوذ بالله، قال: اتركني أنا لا أصلي، قال: لِمَ لا تصلي ألست بمسلم؟! جرِّبِ الصلاة مرة، يقول: فذهب الرجل، وجلس هذا يفكر على الفراش ويردد في ذهنه: جرِّبِ الصلاة مرة يقول: فقام الشاب واغتسل من جنابة، ثم ذهب إلى المسجد، فإذا به يصلي، ثم يرجع إلى البيت يقول لأخيه: يا أخي وجدتها، قال: ماذا وجدت؟ قال: وجدت السعادة، قال: أين؟ قال: وجدتها في الصلاة، وجدتها في السجود، وجدتها في الركوع، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢].
قال الشاب: بعد أيام جلستُ عند أخي وسوف أرجع إلى أمي، قال له: ارجع، يقول: ذهب إلى أمه وطرق الباب، قالت أمه: ما الذي جاء بك مسرعاً هذه المرة، قال: يا أماه وجدت السعادة في الصلاة، وفي القرآن، وفي العبادة، فرحت أمه، وظل أياماً مع أمه ثم قال: يا أماه أريد السفر، قالت له: إلى أين يا بني؟ قال لها: يا أماه أريد أن أذهب إلى الجهاد في سبيل الله، قالت أمه: لِمَه؟ قال: يا أماه! جسدي طالما عصى الله جل وعلا، وأريد أن أضحي بهذا الجسد لله ، قالت أمه: ما منعتك وأنت تسافر للمعصية أفأمنعك وأنت تسافر للطاعة، اذهب يا بني، فذهب للجهاد، وتدرب، ثم دخل في المعركة، وفي ذات اليوم حمل السلاح وبجنبه صاحب له، حميت المعركة واشتدت، فأصيب صاحبه بشظية، فحمَله ليسعفه لكنه استشهد في ذلك الموقع، فحَفَرَ القبر لصاحبه، وأنزل صاحبه في القبر، لم يغسله، ولم يكفنه، وهكذا الشهيد؛ يبعث عند الله وجرحه يَثْعُبُ دماً في المحشر، اللون لون الدم والريح ريح المسك، أنزل صاحبه في القبر ولم يدفنه، قال: اللهم إني أسألك أن لا تغرب شمس هذا اليوم إلا وقد قبلتني شهيداً في سبيلك، فلما أنزل صاحبه اشتدت المعركة مرة ثانية، وأسرع إلى سلاحه وتقدم في المعركة يخوضها ويقبل بصدره في القتال، وبعد لحظات، إذا به يفارق الحياة الدنيا ويُدفن في القبر الذي حفره مع صاحبه، قال الله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].
стр. 984
رسالة إلى مدمن
إني سائلك أن تفكر في هذه الكلمات، وأن تكثر التفكير فيها لا تنَمْ هذه الليلة إلا وأنت تفكر في كل كلمة قلتُها، إن الإدمان نهايته عذاب في الدنيا وخاتمة سوء، ثم عذاب في القبر، ثم وقوف بين يدي الجبار، ثم الزقوم والحميم.
وتذكر أنك إذا تبت إلى الله جل وعلا فسعادة في الدنيا، ثم قصور في الجنة، نهر من لبن، نهر من عسل، نهر من خمر، تقول لي: لا أتحمل، أقول لك: اصبر لله جل وعلا حتى تسمع تلك الكلمات عند أبواب الجنان، تقول لك الملائكة: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤] الصبر، الصبر يا أخي الكريم، فارق تلك الصحبة، أقبل على الله جل وعلا، اشغل فراغك بقراءة القرآن، بالدعوة إلى الله، بالعلم النافع، بصلة الأرحام، ببر الوالدين، اشغل وقتك بما ينفعك عند الله جل وعلا، واعلم أنك إذا تبت فإن النهاية: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:١٢] * ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ [الإنسان:١٣].
وقبل أن أختم حديثي لي وإياك لقاء ليس على هذه الأرض، قد تكون على هذه الأرض؛ ولكن أنا على يقين بأننا سوف نلتقي يوم القيامة، إما أن نتخاصم عند الله جل وعلا، وإما أن نكون تحت ظل عرش الرحمن ﵎، فاختر لنفسك أي الطريقين: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣] سوف نلتقي يوم القيامة، فإن تخاصمنا فلعلك تقول: يا رب ما جاءني من نذير، فأقبل على الله جل وعلا، فأقول: بلى يا رب سمع حديثي من ذلك الجهاز وبهذا الشريط، سمع كلامي وتلوتُ عليه آياتك وأحاديث رسولك، وحذرته من ذلك المصير لكنه أبى، أو تأتيني يوم القيامة تحت ظل عرش الرحمن فتقول لي: يا شيخ أتذكر تلك المحاضرة فأقول لك: وأي محاضرة؟ تقول لي: يا شيخ أتذكر محاضرة (رسالة إلى مدمن) أقول لك: لعلي أذكرها، تقول لي: يا شيخ والله ما إن سمعتها إلا وبدأت صفحة جديدة مع الله، كانت البداية صعبة لكن الله أعانني: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] يا شيخ! أقبلت على الله فإذا بالرب جل وعلا يُقبِل علي، أصبحت أقرأ القرآن، وحفظته في عدة شهور، صرت داعياً إلى الله ﵎، تعرفت على الصالحين، غيرت هذه الحياة كلها، شعرت بالسعادة التي كنت أبحث عنها، ثم ختم الله لي خاتمة حسنة، وهاأنذا اليوم يغفر الله لي ما مضى.
لعلنا نتعانق تحت ظل عرشه جل وعلا.
أسأل الله ﵎ أن يجمعني وإياك تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
هذا وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 985
رجال ومواقف
إن للرجال مواقف عظيمة، تظهر فيها قوتهم وشجاعتهم وصبرهم وثباتهم على دين الله، وعلى رأس هؤلاء الرجال: أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام.
وحسبك من تابعيهم صحابة رسول الله ﷺ ، الذين خلد التاريخ ذكرهم.
هذا ما تحدث عنه الشيخ، ذاكراً بعض النماذج لهؤلاء الرجال من الأنبياء والصحابة والتابعين.
следующие страницы →