Полный текст (863 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ترك المشتبهات مراعاة لحال المجتمع
ذكرنا أن لكل ملك حمى، وقلنا: إن الملك قد يحمي بعض المواطن لرعي دوابه، وقد يحمي بعض المواطن لمواقف سياراته، وقد يحمي بعض المواطن لموارد مستودعاته، وكل هذا من الحمى الذي يكون للمصالح العامة.
وقوله ﵊: (استبرأ) أي: طلب البراءة، مثل: (استغفر) طلب المغفرة، وقوله: (واستبرأ لعرضه) هذا واجب على كل مسلم كما لا ينبغي أن تخالف عادات مجتمعك بأمر فيه شبهة وإن كان على حقيقته ليس منظوراً، ولكن فيه شبهة، فينبغي أن تتقي تلك الشبهة، وإن كانت في حقيقتها ليس فيها محظور، يفسر لنا ذلك ما جاء عنه ﷺ (أنه كان معتكفاً، وجاءت صفية رضي الله تعالى عنها لتزوره، ومكثت عنده، ثم قام معها ليلاً ليقلبها إلى بيتها -وكان بيتها شمالي المسجد، فحجرات رسول الله كانت تحيط بالمسجد من القبلة فالشرق فالشمال- فمشى معها من محل معتكفه في المسجد إلى بيتها، فأحس برجلين يمشيان وراءه، فقاصر الخطوات حتى لحقا به ثم التفت إليهما، فقال: إنها صفية، -بين لهم حقيقة الأمر وأنها زوجه، وليس في الأمر أي لبس ولا اشتباه، ولكن الناس عندهم فيها شبهة، إذا رءوا امرأة ورجلاً يمشيان في الليل! - فقالا: سبحان الله، يا رسول الله! فقال: لا، أنا خفت عليكما أن يطرأ عليكما شبهة فتهلكا) ، فعلى كل إنسان أن يستبرئ لعرضة، فمثلاً مشي الرجال مع النساء في منتصف الليل فيه شبهة، فلو أخذت زوجتك تتمشى في ذلك الوقت ويدك في يدها، وهي زوجتك ويحل لك أن تضع يدك في يدها أو على كتفها لكن أمام الناس هل تستسيغه العامة؟! هل يستسيغه الناس؟! هل يجوز مروءة؟! لا، فمن حق هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يوقفوك، ويسألوك: من هذه المرأة التي معك؟ تقول: زوجتي، فيقولون: هات البطاقة، من حقهم هذا؛ لأنك أوقفت نفسك في موقف الشبهة، فلا ينبغي لك أن تفعل ذلك، ويجب عليك أن تبتعد عن مواطن الشبهة، إذا كان مثلاً في بلد من البلدان سوق العسل وسوق السمن وسوق الخمر، فجاء إنسان مسلم وقال: أتفرج على سوق الخمر! معلوم عند الناس أنه لا يمر بهذا السوق إلا زبون هذه المحلات، فهل من حقك أن تمر بها وتقول: أنا -والله- أريد أن اتعظ بهؤلاء المبتلين، الذين عافانا الله مما ابتلاهم به! نقول لك: لا، هذا موقع فيه شبهة، ولا يجوز لك أن تمشي فيه.
كان هناك جماعة يسمون الملاتية، يأتون أفعالاً يلام عليها الشخص، فقيل: لم تفعلون ذلك وقد نهيتم عنه؟ قالوا: حتى يقع الناس في أعراضنا بالغيبة فتكون لنا حسناتهم، لكن هذا تغرير بالناس، ولماذا تضيعون على الناس حسناتهم؟ فلا ينبغي هذا.
إذاً: من ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ولو كان الأمر الذي تركه ليس حراماً.
ولذا يتوسع مالك ﵀ في سد الذرائع، وسد الذريعة هو أن تترك من الحلال جزءاً ابتعاداً عن الحرام، وتترك بعض المباح ابتعاداً عما ليس بمباح، وهكذا يستبرئ الإنسان لدينه وعرضه، لدينه فيما حقيقته مشتبه، ولعرضه حتى لو كان في حقيقته حلال ولكن صورته صورة الشبهة، والله تعالى أعلم.
стр. 177
الأسئلة
стр. 178
نقل قلب كافر إلى مسلم هل يؤثر في الإيمان ؟
السؤال
في عمليات زراعة القلب، كيف يكون الحال إذا نقل قلب كافر إلى مسلم؟
الجواب
هذا -والله- سؤال وجيه ووارد، فإذا كان صلاح المسلم بصلاح قلبه، فكيف بما جاءنا به العلم الحديث أو التكنولوجيا الحديثة من نقل لقلب المسلم إلى غير مسلم، أو بنقل قلب الكافر إلى المسلم، فهل يصبح الكافر مسلماً أو المسلم كافراً بنقل هذا القلب أم لا؟ وما أثر نقل القلبين من مكانهما؟ سئل عن هذا والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في أوائل هذه العمليات، فقال: يفسر هذه القضية قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] قال: فالقلب إنما هو وعاء يجعل فيه نور الإيمان أو معصية الكفر، ويمكن أن نستشهد لهذا بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور:٣٥] ، فالمصباح يضيء بالزيت الذي يوجد فيه، ولذا نقول: الإيمان كالزيت النقي، فإذا جاء العمل الصالح وجاء اليقين اشتعل ذلك الزيت، وأضاء القلب، والمعصية تنكت في القلب نكتة سوداء حتى تغطي النور الداخلي، كزجاجة الفانوس إذا كثر عليها الدخان حجبت النور داخله، إذاً: لو نقل قلب المؤمن فإنما تنقل البضعة، وينقل اللحم والدم، أما حقيقة النور وحقيقة الإيمان فتبقى لصاحبها، وهكذا قلب الكافر ينقل السراج فقط أما الزيت فيبقى في محله، ولهذا لا تأثير لنقل قلب مسلم لكافر ولا لنقل قلب كافر لمسلم، والله تعالى أعلم.
стр. 179
حكم نقل القلب
السؤال
ما حكم نقل القلوب وزراعتها طبياً؟ وهل هذا واقع فعلاً؟
الجواب
مسألة يجوز أو لا يجوز، أو صح أو لا يصح، أو عاش أحد بعده أو لم يعش أحد بعده، سبق بحث هذا في مؤتمر ماليزيا عام أربعة وثمانين، وقلنا: هذا من الترف العلمي، ولا يتأتى عملياً، والذين نقلت لهم قلوب وعاشوا أياماً إنما هي حالات قليلة، والله تعالى أعلم، ومن ناحية حكمه شرعاً فقد صدر بحث عن هيئة الإفتاء في مجلة البحوث العلمية فيما يتعلق بنقل الأعضاء، ومن شاء فليرجع إليه.
стр. 180
إدراك الإمام راكعاً
السؤال
هل يشترط لمن أدرك الإمام راكعاً أن يدرك الطمأنينة مع الإمام حالة الركوع؟
الجواب
لا يعتد بتلك الركعة، إنما يعتد بالركعة لمن أدرك الإمام راكعاً، وركع معه، وأدرك معه طمأنينة، أما إذا جاء وركع، والإمام رافع ولم يشترك معه في الركوع، فلا يعتد بتلك الركعة.
стр. 181
القراءة للأموات
السؤال
هل ثبت أن الرسول ﷺ قرأ للأموات؟
الجواب
لا، ولكنه أجاز قراءة القرآن على الأموات عند الاحتضار بسورة (يس) ؛ لأنها تسهل خروج الروح، أما بعد ذلك فالعلماء لهم كلام كثير في ذلك، فمن شاء فليرجع إلى المجموع للإمام ابن تيمية ﵀، فقد أطال الكلام فيها في كتاب الجنائز من مجموع الفتاوى.
стр. 182
شرح الأربعين النووية - الحديث السابع [١]
стр. 183
تميم بن أوس الداري وحديثه في الجساسة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: قال رحمه الله تعالى في الحديث السابع من الأحاديث الأربعين النووية: [الدين النصيحة.
عن أبي رقية تميم بن أوس الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الدين النصيحة.
قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم] .
هذا الحديث -السابع من الأربعين النووية- يعده بعض العلماء ربع الدين، ومنهم من يعده نصف الدين، وآخرون يعدونه ثلاثة أرباع الدين، ولو قال قائل: إنه الدين كله -كما قال ﷺ لكان حقاً، وقول رسول الله ﷺ أولى من الجميع.
وقبل الكلام على الحديث نقول: جرت العادة على التنبيه على بعض النوادر أو بعض الأشياء الغريبة فيما يتعلق ببعض الرواة، ومن هذا القبيل: فإنه من المعلوم عند علماء التاريخ وعلماء الحديث أنه إذا ذكر تميم الداري ذكر معه حالاً خبر الجساسة، وخبر الجساسة -كما رواه مسلم مطولاً- عن فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها، أنه دخل عليها بعض التابعين وقال: حدثينا حديثاً سمعته عن رسول الله ﷺ لا تسندينه إلى أحد غيره -يعني: لا تجيئن بواسطة بينك وبين الرسول ﷺ ، بل بحديث تقولين: إنك سمعتيه مشافهةً عن رسول الله ﷺ فقالت: تزوجت فلاناً وطلقني، وفلاناً ثم في يوم نادى المنادي: الصلاة جامعة، فحضر الناس المسجد وكنت في صف النسوة خلف القوم، فصعد ﷺ المنبر وتبسم، وقال: (أتدرون لِمَ جمعتكم؟ ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة؛ ولكن حدثني تميم الداري بشيء كنتُ حدثتكم بمثله، فأحببت أن تسمعوا.
تميم الداري أن يتكلم فقام وقال: ركبنا سفينة بحرية في ثلاثين رجلاً -وكلمة بحرية قيد ليبين أنها سفينة كبيرة تبحر في البحار وليست سفينة نهرية صغيرة تمشي في النهر-.
قال في بعض الروايات: ركبنا البحر حينما اغتلم علينا، فهاج بنا شهراً، حتى أرفأْنا -يعني: رست السفينة- إلى جزيرة، فجئنا وركبنا في قُرُب السفينة -القُرُب: جمع قارب، ومن المعروف الآن أن مع البواخر الكبيرة: قوارب نجاة، وتكون تلك القوارب متصلة بالسفينة الكبيرة حتى وقت الحاجة الطارئة إذا أرادوا أن يذهبوا إلى ماء خفيف إلى الشاطئ، والعمق لا يحتمل السفينة الكبيرة فينزلونها لتكون أخف في الحركة وأسرع- فجلسنا في قُرُب السفينة ثم نزلنا إلى الجزيرة.
وفي بعض رواياته: فطلبنا الماء.
وبعض رواياته: فانكسرت السفينة فركب البعض منا على لوح منها.
كل تلك الروايات: فجئنا تلك الجزيرة، فلقيَنا دابةٌ أهلب كثيفة الشعر لا يُعرَف قُبُلها من دبرها -لايعرف مؤخرها من مقدمها من كثرة الشعر فيها- فقلنا: من أنتِ؟ قالت: أنا الجساسة.
قالت: ومن أنتم؟ وما خبركم؟ فذكرت لنا رجلاً وقالت: ائتوا ذلك الرجل في هذا الدير.
فلما ذكرت لنا رجلاً خفنا منها، وظننا أنها من الجن، فأسرعنا إلى الدير، فوجدنا رجلاً أشد وأكبر ما يكون، موثوقة يداه إلى رجليه ما بين الركبتين إلى القدمين في الحديد، فقال: من أنتم؟ فأخبرناه أمر الجساسة وقلنا: وجدنا دابة صفتها كذا وكذا، ثم قالت: هلموا إلى هذا الرجل في هذا الدير، فخشينا منها، فمن أنت؟ فقال: أنا المسيح، ومن أنتم؟ قلنا: قوم من العرب هاج بنا البحر وأرفأنا إلى هذه جزيرتك، فنزلنا فيها.
فقال: أما وقد علمتم مكاني، فإني أنا المسيح، أسألكم عن نخل بيسان.
قلنا: وعن أي شيء تسأل؟ قال: هل يثمر إلى الآن؟ قلنا: نعم يثمر.
قال: يوشك ألَّا يثمر.
ثم قال: أسألكم عن بحيرة طبرية: أفيها ماء؟ قلنا: نعم، مليئة بالماء.
قال: أسألكم عن عين كذا -وهي عين في أقصى الشام- هل تسيل؟ وهل يزرع أهلها؟ قلنا: ماؤها يفيض، ويزرع أهلها على مائها.
قال: يوشك ألَّا تجري، وألَّا يزرع أهلها.
ثم قال: أسألكم عن النبي الأمي: أظهر؟ قلنا: نعم، ظهر في مكة وهاجر إلى طيبة.
قال: ماذا فعل مع العرب، هل قاتلوه وقاتلهم؟ قلنا: نعم، قاتلوه وقاتلهم.
قال: ماذا فعل معهم؟ قلنا: لقد نصره الله عليهم وأظهره على كل من لقي وأطاعه العرب.
قال: هذا خير لهم.
ثم قال: إنه المسيح، ويوشك أن تُحلَّ قيوده وأن يظهر.
قال: فإذا خرجت فلن أترك قرية في الأرض إلا وطئتها إلا مكة وطيبة.
وبعض الروايات: ويثرب.
ورواية مسلم: وطيبة.
فإن على أنقابها ملائكة بأيديهم سيوف مصلتة.
وبعض الرويات: ملك يحرسها بيده سيف مصلت، فإذا جئت إلى أحد أبوابها ردني بسيفه.
ثم يقول تميم: أخبر الرسول ﷺ بذلك، فقال رسول الله: هل كنتُ حدثتكم بمثل ذلك من قبل؟ قالوا: نعم.
قال: أحببت أن أخبركم بخبر تميم يطابق ما كنت أخبرتكم به) .
هذه نبذة عن قصة الجساسة، وسميت جساسة؛ لأنها تتجسس الأخبار للدجال عما يحدث عند الناس، أوردنا هذا على غير العادة لأن اسم تميم الداري دائماً يصحبه خبر الجساسة.
وتميم الداري رضي الله تعالى عنه كان نصرانياً وكان راهباً متعبداً، قالوا: ولما أسلم جاء إبان عودة رسول الله ﷺ من خيبر، وأسلم ومكث على الاجتهاد في عبادته، وكان يقوم الليل وربما قرأ القرآن كله في ليلة، وربما قضى الليلة في آية واحدة، فكان متعبداً رضي الله تعالى عنه، ثم خرج بعد مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه إلى الشام ومات بفلسطين.
стр. 184
موافقة الواقع للخبر يزيد في اليقين
وهنا يقول العلماء: ما الحاجة إلى عرض الرسول ﷺ خبراً عن تميم مع أنه كان يخبر أصحابه بمثل ذلك؟ نقول إن مثل هذه الأخبار، وتلك القضايا التي يأتي الواقع يصدقها تزيد في يقين المؤمن وتزيد في إيمانه، فهذا الخليل إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أول من يؤمن بكل ما أخبره الله به، وكان للمتقين إماماً، وكان أمة وحده، ومع ذلك يقول: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة:٢٦٠] ألستَ مصدقاً؟ ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] ، فالخبر حينما يأتي سماعاً ليس كالخبر حينما يأتي حساً مشاهداً، (ليس الخبر كالعيان) .
ولهذا إذا جاء المحسوس الواقع مطابقاً ومصادقاً للخبر السماعي زاده قوة.
فالرسول ﷺ حينما يجمع الناس ويخبرهم بما سبق أن حدثهم به هل كان الرسول في شك من أمره؟ لا والله؛ ولكن أراد أن يعلن للناس واقعية ما كان قد أخبرهم به، وهذا يزيد في يقين الناس بما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ .
стр. 185
يقين أبي بكر وعمر فيما يأتي عن النبي ﷺ
وإن كان بعض المؤمنين بمجرد أن يسمع الخبر لَكأنه رأى بعينه، ونذكر من ذلك ما جاء عند ابن كثير في البداية أن الرسول ﷺ ذات يوم قال: (إن رجلاً كان فيمن قبلكم ركب بقرة فضربها فقالت: يا هذا! لم أخلق لذلك، فقال الناس: واعجبا! بقرة تتكلم؟! فقال ﷺ : نعم.
وأنا أؤمن بذلك ومعي عليه أبو بكر وعمر - أبو بكر وعمر ليسا حاضرَين-، وما هما ثمة، ورجل كانت له غنم، فجاء ذئب وخطف شاةً فأدركه وخلصها منه، فالتفت إليه الذئب وقال: أنت خلصتها مني، من لها حينما لا يكون لها راعٍ غيري! قالوا: سبحان الله! ذئب يتكلم؟! قال: نعم.
وأنا أؤمن بذلك ومعي أبو بكر وعمر، وما هما ثمة) وهنا يتجلى اليقين بمجرد سماعِ الخبرِ.
والصديق رضي الله تعالى عنه لما أصبح النبي ﷺ يخبر بأمر الإسراء والمعراج وقام أهل مكة يصفقون ويصفرون وذهبوا سراعاً إلى أبي بكر وقالوا: (اسمع ماذا يقول صاحبك! قال: ما يقول؟ قالوا: يقول: إنه ذهب البارحة وأتى إلى بيت المقدس، وأسري به إلى السماوات، ثم نزل إلى الأرض وجاء في ليلة، ونحن نضرب أكباد الإبل شهراً ذهاباً وشهراً إياباً.
قال: أقال ذلك؟ قالوا: نعم.
قال: لَإن قاله فهو صادق.
قالوا: كيف تصدقه على مثل ذلك.
قال: أنا أصدقه على ما هو أبعد من هذا، أصدقه على خبر السماء، فكيف لا أصدقه على بيت المقدس؟! إذاً: بعض الناس يكون اليقين والإيمان عنده بمجرد سماع الخبر ولا يعتريه أدنى شك.
стр. 186
يقين علي والزبير فيما يأتي عن النبي ﷺ
وعلي رضي الله تعالى عنه لما كتب حاطب كتابه لأهل مكة فيما يتعلق بتهيؤ رسول الله ﷺ لفتح مكة، وسبق أنه ﷺ دعا الله قائلاً: (اللهم عمِّ عليهم الأخبار) ، ودعوته ﷺ غالباً مستجابة، وأعطى حاطب الكتاب لضعينة -أي امرأة مسافرة- وقال لها: إن أوصلتِه إلى أهل مكة فلك كذا وكذا، فجاء جبريل ﵇ وأخبر رسول الله ﷺ ، فهذا قال الله في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] وذاك قال فيه سبحانه: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:٢١] لا شك في هذا ولا يحتاج الأمر إلى تثبت.
فقال لـ علي والزبير: (أدركا الضعينة في روضة خاخ، وخذا منها الكتاب) فأسرعا وأدركا الضعينة في الروضة التي أخبرهم بها رسول الله ﷺ ، فقال علي: أخرجي الكتاب.
قالت: ما عندي كتاب.
ففتشا الزاد والرحل ولم يجدا شيئاً، فكادا أن يرجعا، فاستل علي سيفه، وقال: والله ما كذبنا رسول الله ﷺ ، وإنه لصادق، ولابد أن تخرجي الكتاب، وإلا فتشنا الثياب.
فلم يكن علي رضي الله تعالى عنه في شك من إخبار رسول الله ﵌؟! وقد هددها بالقتل وجزم بأن الكتاب موجود؛ لأن الرسول صادق، ما توقف حتى يفتش ويتيقن أهو موجود أم لا؟! لا.
وإنما قال قبل أن يفتشها: (لتخرجن الكتاب أو لأفتشن تحت الثياب -وتحت الثياب ممنوع- فأخرجته من عقاص شعرها) .
فيقين علي رضي الله تعالى عنه بصدق الخبر ومطابقته للواقع من رسول الله ﷺ جعله كأنه يشاهد الكتاب، فما حمله على أن جزم بوجوده وهدد المرأة حتى أخرجت الكتاب.
стр. 187
مراتب الناس في اليقين
الناس في اليقين على مراتب، إذ يتفاوتون بقدر صدق الإيمان وقوته، وبعض الناس يحتاج إلى تأليف قلبه حتى بالمادة، إلى أن يستقر الإيمان في قلبه.
وجاء أيضاً في باب طاعة رسول الله ﷺ -كما يذكره العلماء- عند قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ [النساء:٦٦] ، هذا في سياق المنافقين.
وقبلها قال جل شأنه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:٦٠] إلى قوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً * وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء:٦٥-٦٦] .
فلو أن الله كتب عليهم القتل كما كتب على اليهود من قبل في توبتهم أو الخروج من ديارهم كما خرج المهاجرون من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، ما فعل هذا القتل أو الخروج إلا قليل منهم.
جاء بعض اليهود إلى بعض المسلمين -قيل: جاءوا إلى أبي بكر، وقيل: إلى عمر، وقيل: إلى بلال، وقيل: إلى فلان، فقالوا: (واعجباً! نحن كلفنا بأن نقتل أنفسنا توبةً لله ففعلنا، وأنتم يأتيكم رسول منكم تعرفونه وتؤمنون به وتتبعونه ولا تحكمونه فيما بينكم؟! فقال عمر ﵁: والله لو أمرني رسول الله ﷺ بقتل نفسي لفعلت، والحمد لله لم يأمرنا -قالها يقيناً وامتثالاً- فلما بلغ رسول الله ﷺ ما قاله اليهود رد عليهم بمقالتهم، فقال: إن هذا الإيمان لهو في قلوب بعض الناس كأمثال الجبال) .
أيحتاج إلى شواهد مادية؟! لا.
ولكن الرسول ﷺ جمع الناس لأنه يحدثهم بأمر غيب وبأمر بعيد وو إلى آخره.
فلما جاءت قصة تميم الداري وسمع منه رسول الله ﷺ جمع الناس وأخبرهم بما رأى تميم.
وهنا يقول بعض العلماء: الرسول يروي عمن؟ يقولون: هذا من رواية الأكابر عن الأصاغر، فقد يأتي إمام كبير جليل ويأتي أحد طلابه ويسمع حديثاً من جهة ما عن بعض الشيوخ بسند أطول ويسمعه شيخه منه ويكون الطالب عدلاً ثقة عنده، فيروي الشيخ عن تلميذه، وقد يروي الشيخ حديثاً ويسمعه طلابُه وينسى الشيخ ما حدث به، فيأتي الطلاب فيظلون يذكرونه: أنت حدثتنا كذا، فيقول: أنا نسيت، فيروي الشيخ مرة أخرى: حدثني فلان عني أني حدثتهم عن فلان عن فلان، فيجعل نفسه أحد الرواة بعد أن كان هو الشيخ الذي روى ذلك، وهذا باب في علم مصطلح الحديث، وهو يشف عن مدى التحري والصدق والأمانة في النقل.
وفي هذا الحديث لما ذكره تميم؛ قال ﷺ : (إلا مكة وطيبة.
تقول فاطمة في بعض رواياتها: لكأني أنظر رسول الله ﷺ يخمش في المنبر بإصبعه: طيبة هذه، طيبة هذه) أي: المدينة المنورة، ومن أسمائها: طيبة، وطابة وذكر لها بعض العلماء في كتب التاريخ فوق الأربعين اسماً.
стр. 188
شرح حديث: (الدين النصيحة ... )
стр. 189
عموم النصيحة
قوله ﷺ : (الدين النصيحة) : تجد في بعض النسخ: قال ﷺ : (الدين النصيحة.
ثلاثاً) ، فهل كلمة (ثلاثاً) اختصار في الكتابة، متعلقة بـ (قال) ، أو هي متعلقة بـ (النصيحة) .
الصحيح في الأسلوب أنها متعلقة بالنصيحة، وبهذا يكون السياق سليماً، مع احتمال أنه أراد الاختصار؛ ولكن صحت الرواية: (الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة) فرجح هذا أن (ثلاثاً) متعلقة بـ (قال) لاختصار الكتابة.
وهذا التكرار والتأكيد لبيان أن الدين بكامله من أول أركان الإسلام إلى أركان الإيمان إلى الإحسان إلى العقائد إلى كل ذلك، يجمعه كلمة (الدين) لقوله ﵌ في حديث جبريل بعد أن أجابه عن أسئلته (هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم) ، وجبريل سأل عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة، وفصل الجواب عنها، كل ذلك جمعه ﷺ تحت عنوان: (الدين) .
إذاً: (الدين) في كلمة هو يحتاج إلى تقوية هذا الإخبار للسامعين.
وإذا كان هذا الحديث بهذه المثابة وهو من أبلغ كلمات رسول الله ﷺ ، فما هي النصيحة؟ النصحية لغةً: يقولون: الإخلاص أو التخليص.
والأصل في النصح: يقال: نصح العسل إذا صفاه عن الشمع.
وتقول أنت: نَقَح الحبّ -أو نَقَّح الحبّ- إذا صفى الحب من التبن.
وبهذا يجتمع كل تعريف النصيحة في الإخلاص والإصلاح، أو ما استخدم للإصلاح ولذا قالوا: النَّصْح، الإبرة نصاح، الخيط نصاح، الخياط ناصح؛ لأن الإبرة بالخيط في يد الخياط تصلح شق الثوب، أو تصلح الثوب لصاحبه.
فقالوا: النصح هو: الإخلاص.
وإذا كان النصح أو النصيحة هي الإخلاص، فالإخلاص لمن؟ قال: (لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم) : ماذا بقي بعد هذا؟ لم يبق شيء؛ حتى الحيوان تنصح له امتثالاً لأمر الله، كما قال ﵌: (في كل ذي كبد رطبة أجر) ، وقوله ﵊: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء ... ) الحديث.
стр. 190
شرح الأربعين النووية - الحديث السابع [٢]
стр. 191
تابع شرح حديث: (الدين النصيحة ... )
стр. 192
حصر الدين في النصيحة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: قوله صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله: (الدين النصيحة) هل هو على سبيل المبالغة، أو الحقيقة، أو الأغلبية؟ هذا يسمى عند البلاغيين: القصر، (الدين النصيحة) بمعنى: قصرت الدين في النصيحة.
قالوا: هذا على سبيل التغليب، كما جاء عنه ﷺ : (الحج عرفة) ، ففي الحج السعي والرمي والنحر.
كل هذا من الحج؛ ولكن يأتي (الحج عرفة) ، وبقية الأركان والأعمال الأخرى أليست من الحج؟ قالوا: أعظم أركان الحج عرفة، وإن كان السعي ركناً، والطواف كذلك، لكن كل عمل قد يُدرك في غير وقته إلا عرفة؛ لأنه إن فات عرفة فات الحج، والطواف والسعي الذي باسم الحج ينقلب إلى عمرة، وإذا فاته الوقوف بعرفة فلا رمي ولا شيء بعده، ولا اعتداد بالطواف والسعي الذي كان باسم الحج من قبل، فلو جاء وطاف طواف القدوم وسعى سعي الحج ثم فاته الوقوف بعرفة انقلب السعي من حج إلى عمرة، ويتحلل بعمرة.
إذاً: (الحج عرفة) و (الدين النصيحة) من باب التغليب والتنبيه على الأهم.
فإذا قلنا: ذلك كان أهم ما في أمور الدين النصيحة.
وإن جئنا إلى الشمول وأخذ اللفظ على ظاهر مدلوله فإن النصيحة بعمومها تشمل المسميات التي جاءت في هذا الحديث.
وعلى هذه فلمن تكون النصيحة؟
стр. 193
النصيحة لله
تكون النصيحة لله أولاً.
قالوا: إذا كانت النصيحة هي تخليص الشيء، فنصيحتك لله: هي إخلاصك نيتك مع الله، ومحبتك لله.
ومن نصحك لله: أن تحببه إلى خلقه، وتحبب خلقه فيه.
ولذا جاء عن بعض العلماء: أعبد الناس إلى الله من حبب إليهم عبادته؛ لأنك إذا حببت العبادة إلى الناس جمعتهم على الله، وحببت الله لعباده، فصاروا يحبون الله.
إذاً: دللتهم على طريق محبته.
ولذا ينقلون عن القاضي عياض: المحبة أشد تعبداً من الخوف.
وقالوا: عن ابن المبارك وغيره: لو أن لك عبدين، أحدهما يحبك، والآخر يخاف منك، أيهما يكون أقرب إليك؟ الذي يحبك؛ لأنه يطيعك في حضورك، وينصح لك في غيبتك، وتأتمنه فيؤدي إليك أماناتك؛ لكن الذي يخافك، إن كنت حاضراً ربما استقام، وإن غبت عنه فلا خوف، فربما قصر في واجبك أو لم يؤد ما ائتمنته عليه.
إذاً: المحبة أشد من الخوف.
والنصح لله إما فرض وإما نافلة.
أما النصح لله الذي هو فرض على كل عبد فهو: إخلاص العبادة لله وعدم اتخاذ شريك، بمعنى ألا يشرك معه غيره في أي جانب من الجوانب، وأن يصف الله بما وصف به نفسه على سبيل الجلال والكمال، وأن ينفي عنه ما لا يليق بجلاله وكماله.
وأما النافلة فهو: أن يكون حبه لله، وما فيه مرضاة الله، أشد من حبه لنفسه.
ثم بعد ذلك يكون داعيةً إلى الله، فيكون ناصحاً فيما بينه وبين الله.
стр. 194
النصيحة لكتاب الله
والنصح لكتاب الله: هو خدمة كتاب الله بكل ما أوتي من قوة، وذلك بحسن النية في اتباع الكتاب، وهذا عام في الجميع، وبمداومة تلاوته وتفهم معانيه، وكذلك اتباع أوامره واجتناب نواهيه.
ويندرج تحت النصح لكتاب الله ما قام به العلماء من بيان طريقة تفسيره وبيان طرق ومناهج معرفته وبيان مدلوله، فكل ما كتب في علوم القرآن وتفسير القرآن وتجويد القرآن، وما كان من كتابة القرآن وحفظ خط القرآن، وكل ما دوِّن من حرف في سبيل حفظ القرآن فهو نصح لكتاب الله.
ولهذا عمر رضي الله تعالى عنه لما رأى القتل يستشري بين القراء قال لـ أبي بكر: (أدرك كتاب الله من الضياع) .
إذاً: عمر لما جاء إلى أبي بكر يستحثه على جمع القرآن كان بدافع النصح لكتاب الله وحفظه من الضياع.
وهكذا كل ما يتعلق بالقرآن من حفظ وعلم وتعليم وتأمل وما يتعلق بهذا من جميع الجوانب.
стр. 195
النصيحة لرسول الله ﷺ
(ولرسوله) ﷺ في حياته صلوات الله وسلامه عليه، وقد رأينا النماذج من أصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين أنهم كانوا يفدونه بأنفسهم وبأموالهم وبأولادهم وبالعالم كله، فامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومحبته في قلوبهم، ما هو إلا من شدة نصحهم له.
ونحن نعلم قضية خبيب بن عدي حينما أخذ أسيراً، ولما أرادوا أن يقتلوه أخرجوه إلى الحل وقالوا له: (هلم يا خبيب! أتود أن يكون محمد مكانك هنا ونخلي سبيلك) السيف مصلت على عنقه ويقولون: تمنَّ فقط، (أتتمنى أن يكون محمد -الذي هو سبب أخذك وأسرك- محلك هنا، تضرب عنقه وتسلم أنت، ونخلي سبيلك فماذا كان جوابه؟ لم يبال بسيوفهم ولم يبال بجمعهم ولم يبال بالحياة كلها بل قال: لا والله لا أرضى له ذلك، بل ولا أن يُشاك بشوكة وهو في مكانه بالمدينة.
فما الدافع لقوله هذا؟ الدافع هو شدة النصح لرسول الله ﷺ .
وهكذا امتثال الأوامر فيما ينفذه العبد أمره رسول الله ﷺ .
وكثيرة هي تلك النماذج في ذلك، ومنها أيضاً: موقف علي رضي الله تعالى عنه لما نام في فراش النبي وهو خارج للهجرة، أيضاً كان سببه النصح لله ولرسوله.
وأبو بكر حينما مشى يوم الهجرة تارةً أمامه وتارةً خلفه، ولما قال له: (انتظر يا رسول الله! حتى أستبرئ لك الغار) ، كل ذلك من باب النصح لرسول الله ﷺ .
والسنة كلها وتاريخ سلف الأمة من أصحاب رسول الله ومن بعدهم؛ يوضح جلياً مدى نصحهم لرسول الله ﷺ .
وتقدم لنا بأن التحاكم إلى كتاب الله وإلى رسوله ﷺ يعتبر من النصح لله ولرسوله، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩] فالرد إلى الله رد إلى كتاب الله دائماً وأبداً، والرد إلى رسول الله في حياته إلى شخصه ﷺ ، وإلى سنته بعد مماته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى.
وكذلك الآن، من النصح لرسول الله في شخصيته صلوات الله وسلامه عليه النصح لسنته من بعده؛ لأنه قال: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي) .
فمن النصح لرسول الله ﷺ النصح للسنة بنصرتها، وتدوينها، وحفظها، وبيانها، وعلم المصطلح الذي يبين صحيح الأحاديث من حسنها من ضعيفها، ومباحث الرجال وكل ما دون في علم الرجال وما يتعلق ببيان حال الرواة؛ فهذا الرجل ثقة نقبل حديثه، وذاك ضعيف نتوثق ونبحث له عن مستند وشواهد، وهذا كذاب، وهذا منكر الحديث، كل ذلك نصح للسنة، حتى لا نجمع بين الغث والسمين، ونتبين حقيقة سنة رسول الله ﷺ .
إذاً: هؤلاء الرجال الأعلام أيدهم الله لإخلاصهم لسنة رسول الله ﷺ نصحاً لله ولرسوله، فبينوا لنا الصحيح من السقيم، والمقبول من المرفوض في حق سنة رسول الله ﷺ .
ثم يأتي بعد هذا العمل كان يأتيك حديث عن رسول الله ﷺ -آمراً إياك بأمر ما- ونفسك فيها شيء، وأنت بين أحد أمرين: · تنصح لسنة رسول الله ﷺ وتنصرها وتعمل بها وتترك رغبات نفسك؟! · أو تترك السنة وتأخذ رغبات نفسك؟! هنا يأتي النصح.
وكما سيأتي في باب الإجارات من حديث جابر رضي الله تعالى عنه لما جاء إلى أهل العالية قال: (جئتكم بأمر نهى عنه ﷺ ، كان لكم فيه خير؛ ولكن طاعة رسول الله خير لكم.
نهى ﷺ عن تأجير الأرض بما يكون على رءوس الجداول والماذيانات) ؛ لأنهم كانوا يؤجرون الأرض على قسمين: قسم لصاحب الأرض، وقسم بين للذي يزرعها.
يقول صاحب الأرض: الذي يطلع على القنوات والذي في رأس الجدول أو رأس الحوض هذا لي، والباقي في أرض الحوض هذا لك أيها الزارع.
فقد يصح هذا ويموت ذاك أو يضعف، فيحصل عندها الغبن، فنهى ﷺ عن هذا النوع من التأجير وقال: (بذهب أو فضة أو جزء مشاع مما يخرج من الجميع) .
أخرجت -مثلاً- عشرة أوسق فيعطي صاحبها النصف أو الثلث أو الربع -بعد أن يُجمع (الماذيانات) ورءوس الجداول وأوساط الجداول، بنسبة مئوية مطّردة، فقال: (نهى عن أمر كان لكم فيه خير -أي: مصلحة- ولكن طاعة رسول الله خير لكم) .
هناك في آية أخرى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] يا سبحان الله! هنا والله تتجسد حقيقة الإيمان، وهنا يظهر المقياس الحقيقي للإيمان.
فـ زينب بنت عمة رسول الله ﷺ جاء رسول الله ﷺ لـ زيد بن حارثة، ومن زيد بن حارثة؟ كان زيد قد أخذ أسيراً، فاشتراه حكيم بن حزام ثم أهداه إلى خديجة رضي الله تعالى عنها، فوهبته لرسول الله ﷺ يخدمه، فجاء أبوه وعمه بالفداء، وقال: (يا محمد! بلغنا أن ابننا زيداً عندك، وهذا فداؤه، قال: هل لك بخير من ذلك؟ قالوا: وما هو؟ قال: أناديه وأسأله إن كان يريدكم أخذتموه بغير فداء، وإن كان يريدني فما أنا بمفادٍ شخصاً يريدني.
قالوا: والله لقد أنصفتنا.
قال: تعال يا زيد! أتعرف الرجلين؟ قال: نعم.
هذا أبي، وهذا عمي.
قال: جاءوا بفدائك وأخبرتهم إن أردت أهلك فاذهب معهم بدون فداء، وإن اخترتني فما أنا بمستغنٍ عنك.
ماذا قال زيد؟ قال: والله! لا أختار أحداً عليك أبداً.
وهذا قبل أن يكون رسولاً، لما رآه من مكارم أخلاقه ﷺ قبل البعثة.
قال أبوه: ويحك يا زيد! أتختار الرق والعبودية على الحرية؟ قال: وما لي لا أختاره؟! والله! ما قال لي لشيء فعلتُه قط: لم فعلتَه؟ ولا لشيء لم أفعله: لِمَ لم تفعله؟) .
إن الإنسان لا يصبر على هذا مع ولده، بل حتى على نفسه أحياناً، فقد يتضايق لأنه فعل هذا، ولم يفعل ذاك أما الرسول ﷺ فإنه لا يؤنب خادمه على عدم فعله لأمر فضلاً عن أن يعاقبه.
بعض العلماء يبتلى بأن يكون له بعض الأولاد سيئي الأخلاق، فيقال له: يا أخي! أنت عالم وفاضل وهذا ولدك كذا لماذا لم تؤدبه؟ قال: لا أفسد أخلاقي بإصلاح أخلاق غيري.
قلت: إن هذا فيه تقصير؛ ولكن إلى هذا الحد بلغ به الخوف من أن تفسد أخلاقه؛ لأنه لو أخذ يعنف ويصيح ويعمل، فهذه صورة قد يأباها بعض الناس، ويكون بذلك يفسد أخلاقه من أجل أن يصلح غيره.
الذي يهمنا بأن مكارم أخلاقه ﷺ عظيمة من قبل البعثة؛ لأنه كان في عهدة ربه، يتعهده من قبل أن يولد، وصانه من السفاح وو، ولما كان رضيعاً شُق صدره، وأُخذ حظ الشيطان منه، إلى آخره.
ولما رضي زيد واختار جوار رسول الله ﷺ وصحبته رأى النبي أن يكافئه على ذلك كما جاء في الحديث: (فأخذه وطاف به حول الكعبة، وقال: أشهدكم يا معشر قريش! أن زيداً ابني) يعني: زيد ابنه بالتبني، وكان التبني قاعدة معروفة عند العرب، من تبنى أحداً كان بمثابة ولده لصلبه، يرث عنه ويرثه ويعقل عنه، كأنه واحد منهم وكفى.
وعلى هذا فإذا تزوج الابن بالتبني من امرأة صارت حليلته، وحليلة الولد لا تُنكح، فأراد الله أن يبطل التبني، ويبطل حرمة زوجة الابن على جهة التبني؛ ولكن ذلك كان درساً شديداً، فقد أبطل الله هذا التبني في شخصية رسول الله ﷺ ، وفيمن تبناه، وفي ابنة عم رسول الله ﵌.
فيأتي رسول الله ويخطب زينب لـ زيد بن الحارثة، فنريد أن نبين في معرض هذه القصة أن المؤمنين يسلبون الخيرة من أمرهم.
لكن وهذه القضية ليست عادية، فليس الأمر متعلقاً بثوب يلبسه ويخلعه، أو طعام يأكله وينتهي منه، أو بيت يسكنه ويخرج منه، لا.
بل هي قضية لها أبعاد بعيدة جداً في ذلك المجتمع: فـ زينب القرشية تعد في الذروة من حيث النسب، وزيد -مهما كان أصله- قد جرى عليه الرق، فهل هناك تقارب وتكافؤ في النسب بين زيد وزينب؟ ليس هناك تقارب إلا في حرف الزاي والياء فقط؛ لكن من ناحية النسب فهما بعيدين جداً.
فـ زيد جرى عليه رق، وزينب في القمة من النسب.
فكيف تواجه زينب المجتمع؟! كيف ترضى أن تتزوج برجل جرى عليه رق وهي في القمة من قريش؟! فهذه زيجة وعشرة وفراش ومعاشرة، فماذا سيقول الناس؟! وقد أجبرت على الزواج بشخص لا رغبة لها فيه، فـ زينب كانت تواجه المشكلة من جانبين: · جانب مواجهة المجتمع للفارق البعيد بينهما، إذ ليس هناك تكافؤ بينهما.
· وزينب تواجه أيضاً إباء في شخصيتها، أن تكون فراشاً لمولىً سبق عليه الرق، وأخوها يأبى ذلك.
ولكن ينزل قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] .
إذاً: الخيرة لمن؟ لله .
أليس الخلق كلهم عبيداً لله؟! هل يُمنع الخالق من أن يتصرف في خلقه؟! إذاً: من حق المولى سبحانه أن يحكم بما يريد، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١] .
إذاً: حكم الله مقدم على رغبات الناس، وعلى اختياراتهم، ولذا جاء الحديث: (والله! لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) هواه ورغباته تكون تبعاً لما جاء به سيد الخلق ﷺ ، لا أن تكون السنة والكتاب تبعاً لأهواء الناس، وكل يجرها إلى حيث شاء، بل الأهواء
стр. 196
الأسئلة
стр. 197
الدعوة ببصيرة وحكمة من النصيحة لدين الله
السؤال
هل من النصيحة لله ولكتابه ولرسوله: الدعوة إلى الله بالحكمة؟
الجواب
أشرنا بأن من النصيحة لله: أن تحبب الله إلى الخلق، ويصبح العبد يحب ربه أكثر مما يخافه.
والنصيحة لكتاب الله: أن تتعلم القرآن وتعلمه غيرك.
والنصيحة لرسول الله ﷺ : يكون موقفك من السنة كموقفك من كتاب الله.
أما كون الدعوة إلى الله نصحاً لله بأسلوب ما، فهذا محله: (ولأئمة المسلمين وعامتهم) ؛ ولكن فعلاً الدعوة إلى الله بما أمر الله: نصيحةٌ لله.
الله جعل للدعوة إليه قواعد وإطارات: · أولاً: يجب أن يكون الداعية قبل أن يتعرض للدعوة عالماً بما يأمر وبما ينهى.
· وأن يكون حكيماً في أسلوب أمره وفي أسلوب نهيه، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] والبصيرة: العلم، وكما يقول البخاري: (بابُ: العلم قبل العمل) ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] .
· وبعد البصيرة ورؤية الأمور وتوقع نتائج الأمر والنهي: أنه لا يأتي بأشد من الموجود، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] ، فتبصرت أولاً وعرفت، فجئت للتنفيذ العملي: ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ﴾ [النحل:١٢٥] لم يقل: (والموعظة) فقط، وإنما ﴿الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] .
إذاً: يفهم من ذلك الموعظة قد تكون حسنة، وقد تكون غير حسنة.
وهذا الذي سيأتي التنبيه عليه إن شاء الله ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] ، وإن أدى الأمر إلى جدال أو نقاش: فـ ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] .
وسيأتي زيادةُ تنبيه عليه إن شاء الله.
وبالله تعالى التوفيق.
стр. 198
شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن [١]
стр. 199
شرح حديث: (أمرت أن أقاتل الناس ... )
стр. 200
مشروعية الجهاد والدعوة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه في الدارين آمين: [عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى) رواه البخاري ومسلم] .
هذا الحديث الذي اختاره الإمام النووي ﵀ ضمن هذه الأربعين الحديث المختارة، يبين فيه ﷺ حقيقة القتال في سبيل الله مع بيان حرمة المسلم وبما يعصم الإنسان دمه وماله.
فعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأنفسهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله) .
في هذا الحديث يبين النبي ﷺ أنه أُمر، ومن الآمر لرسول الله ﷺ ؟ ليس أحد من الخلق له حق توجيه الأمر إلى رسول الله ﷺ ، وإنما الآمر لرسول الله هو رب العالمين، وهناك في علم الحديث حينما يقول الصحابي: أُمرنا بكذا، قالوا: إن له حكم الرفع إلى رسول الله ﷺ ؛ لأنه لا يتأتى أن يأمر صحابي صاحبياً آخر لمساواتهم في الصحبة، فيكون الآمر للصحابي هو رسول الله ﷺ ، وهنا إذا قال ﷺ بنفسه: (أمرت) فلا يكون الآمر لرسول الله إلا رب العالمين.
فبماذا أمر ﷺ ؟ قال: (أمرت أن أقاتل الناس) ، وإذا كان الأمر موجهاً من الله إلى رسوله ﷺ كان مقتضى ذلك الوجوب، وليس عندنا في هذا المقام صارف يصرفه عن ذلك الحكم.
وبأي شيء أقاتل؟ المقاتلة: مفاعلة، وتكون دائماً بين طرفين، والمقاتلة هنا: أسندها ﷺ لنفسه (أن أقاتل) ، وهل يقاتل وحده ﷺ ، أم أن أصحابه أمروا بقتال من أُمر ﷺ بقتاله؟ هذا الأمر للنبي ﵊، وأمته داخلون معه فيه.
وقد بيّن الله في الجملة موقف أصحابه رضي الله تعالى عنهم: فمن جانب المهاجرين يقول الله : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] .
ثم بيّن موقف الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾ [الحشر:٩-١٠] ، فهذا هو سبيل المؤمنين مع رسول الله ﷺ .
стр. 201
أقسام الناس مع الجهاد
إنما سمي الجهاد جهاداً لبذل الإنسان جهده وهو أقصى طاقته في قتال العدو، والنص الصريح هنا (أمرت أن أقاتل الناس) الناس: عامة، وكما يقولون: ناس ينوس إذا تحرك أو صوّت، وتشمل جميع الطوائف من غير المسلمين، فتشمل اليهود والنصارى وأصحاب الأوثان والصابئين وغير ذلك، ولكن جاءت النصوص الأخرى وخصت هذا العموم فأخرجت منه أهل الكتاب؛ لأنه يكتفى منهم بالجزية، فإما أن يسلموا، أو يؤتوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وإما أن يقاتلوا.
أما بقية الناس من المشركين ومن لا كتاب لهم فإنهم ليس لهم إلا أحد أمرين: إما الإسلام، وإما القتال.
ويختلفون في بعض الطوائف كالمجوس وغيرهم، هل يُلحقون بأهل الكتاب لقوله ﵊: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) ؟ وهل ذلك يشمل الجزية؟ والذي يهمنا أن الرسول ﷺ أخبر بأنه أُمر بقتال الناس، واستثنى منهم الشيخ والمرأة والطفل، فقد كان ﷺ إذا غزى أو جهز جيشاً أو بعث سرية، قال: (لا تقتلوا امرأة ولا طفلاً ولا شيخاً هرماً) أي: ما اجتنبوا القتال، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون رضي الله تعالى عنهم، وقد جاء أيضاً: (ستجدون أقواماً عكفوا في صوامعهم فدعوهم وما اعتكفوا عليه) .
إذاًَ: (أمرت أن أقاتل الناس) عام وخصص منه أهل الكتاب، ثم الذين يقاتَلون والباقي بعد التخصيص أفراد منهم وطوائف لا تقاتل إلا إذا شاركوا في القتال، فالمرأة لا تقتل إلا إذا شاركت في القتال، والطفل لا يقتل، والشيخ الكبير لا يقتل إلا إذا شارك برأي أو بفكر أو بتخطيط أو مكيدة أو غير ذلك.
стр. 202
عصمة الدم بالنطق بالشهادتين
قال ﷺ : (حتى يشهدوا) يتفق علماء اللسان على أن حتى: حرف غاية، وأن ما بعدها يغاير ما قبلها (أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) فإذا شهدوا هل يستمر القتال، أم يتوقف؟ يتوقف، إذاً: (أقاتل) حتى يأتي ما بعد حتى، وهو: أن يشهدوا، والشهادة من المشاهدة، كما قال سبحانه ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ﴾ [الطلاق:٢] والشاهد سمي شاهداً: لأنه يشاهد ويعاين الحادثة التي يشهد عليها، سواءً كان برؤية أو بسماع، ومن هنا قال سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] أي: دخل عليه الشهر وهو حاضر، سواءً كان شهده بعينه، أو شُهد وأُخبر فسمع وعلم بدخول الشهر.
والشهادة بأن لا إله إلا الله يقر بمعناها، وينطق بمبناها، وتقدم في حديث جبريل ﵇ حينما جاء إلى النبي ﷺ وسأله: (أخبرني عن الإسلام ... ) وذكر له أول ما ذكر: (أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) .
ونلاحظ هنا في الحديث: (أن يشهدوا) ولم يقل: أن يقروا، فقد يقر الإنسان بشيء لم يشهده، فالشهادة أخص وآكد من الإقرار، ومن هنا كان قول المسلم: أشهد أن لا إله إلا الله، كأنه يقر بأمر مشهود محسوس عنده بيقين، ولذا أجمع العلماء على أن العقائد لا يكفي فيها غلبة الظن كما هو في أمور العبادات والمعاملات، بل لا بد أن تكون على يقين وقطع جازم.
وهنا يبحث علماء الكلام: هل يكفي في إثبات العقائد أحاديث الآحاد وهي ظنية الدلالة، أو لا يدخل في باب العقائد إلا قطعي الدلالة من نص آية أو حديث متواتر؟ تجدون في كتب الأصول الخلاف في هذا، ومما بينه أو سجله والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في مبحث نسخ الكتاب بالسنة هل وقع أو لم يقع؟ وجائز عقلاً ولم يقع شرعاً إلى غير ذلك، نص على أنه بناءً على أن الحديث وإن كان آحاداً إذا صح سنده، ثبتت به أمور العقائد، ولهذا كثير من الأسماء والصفات إنما جاءت بأخبار الآحاد، وتلقاها المسلمون بالقبول، والسنة وحي كما قال تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] .
قال: (يشهدوا أن لا إله إلا الله) فالعقيدة لابد فيها من جزم، ولابد فيها من قطع، كما تقر بمشاهد محسوس تراه بعينك أو تسمعه بأذنك أو تلمسه بيدك.
стр. 203
معنى شهادة أن لا إله إلا الله
وقد جرى الاتفاق على أن شهادة أن لا إله إلا الله تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: نفي.
والقسم الثاني: إثبات، فـ (لا إله) نفي لجميع الآلهة، والإله بمعنى: المألوه، والمألوه: المتعلق به المحبوب، ومنه: الوله، ومنه: الولهان شديد الحب لما يحبه، والعبد متعلق بربه ولهان به، يجأر إليه ويلجأ إليه في كل أموره، ولهذا قالوا: إن القسم الأول نفي لكل مألوه أياً كان نوعه مما تألهه الخلق في جاهلية وغيرها من حجر أو شجر أو ملك أو فلك أو أي شيء، (لا إله) نفي لجميع المألوهين، و (إلا الله) إثبات الألوهية لله ، فلا يؤله ولا يرجى ولا يحب ولا يرغب إلى الله ، ولهذا فإن في قولك: (لا إله إلا الله) إثبات إفراد الله بالألوهية وهو غاية التوحيد.
والقسم الثاني من الشهادة: (وأن محمداً رسول الله) هنا في الشهادة كما قلنا: لابد أن ينطق بها قولاً، ويعتقدها قلباً، ويعمل بمقتضاها، فإذا قال: (لا إله إلا الله) بلسانه واعتقدها بقلبه ثم ناقض ذلك بفعله يكون فعله ناقضاً لقوله، فإذا قالها وتأله وعبد غير الله فلا ينفعه ذلك، وقد جاء أن رسول الله ﷺ سأل حصيناً والد عمران بن الحصين فقال: (كم إلهاً تعبد؟ قال: سبعة، قال: أين هم؟ قال: ستة في الأرض وواحداً في السماء، قال: من الذي تلجأ إليه عند الشدة، وتسأله عند الحاجة؟ قال: الذي في السماء) فهل هذا يكفي ليكون موحداً؟ لا، بل لابد أن ينفي جميع الآلهة.
стр. 204
الاعتقاد بالشهادتين لا يكفي دون النطق بهما
وهنا ترد مسألة: هل الاعتقاد بالقلب يكفي عن النطق؟ فمثلاً: لو أن إنساناً يعتقد في قلبه أنه لا إله بحق أو لا معبود بحق إلا الله، فهل يكفي ذلك ليكون مسلماً؟ الاتفاق بأن ذلك لا يكفي.
ودليل ذلك أن عم النبي ﷺ كان عنده يقين في قلبه بصدق رسالة محمد ﵊ لكن هذا اليقين الذي لم يتبعه الشهادة على ذلك باللسان والعمل لم ينفعه عند الله، ونجد هذا في قول عمه أبي طالب: والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفيناً لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً إذاً: الاعتقاد موجود، ولكن بقيت الكلمة -الشهادة- لكنه لم يقلها.
إذاً: مجرد الاعتقاد لا يكفي، والذين يقولون: الإيمان اعتقاد بالقلب وحسب، ويرد عليهم بهذا الحديث، وبهذه المحادثة بين رسول الله ﷺ وبين عمه، ولهذا أجمع علماء أهل السنة على أن: الإيمان قول واعتقاد وعمل، وبعضهم يقول: الإسلام: وهو العمل الظاهر، فالنطق بالشهادتين أقرب إلى مسمى الإسلام؛ لأنه استسلام، ولذا كان المنافقون في عداد المسلمين بقولهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكانوا مع الكفار باعتقادهم الداخلي.
إذاً: لابد من هذا النطق بـ (لا إله إلا الله) .
وقوله ﷺ : (وأن محمداً رسول الله) لماذا لم يقل: (وأني رسول الله) جاء في بعض الروايات عن أبي هريرة: (وأني رسول الله) ، ولكن هنا في هذا الحديث: (وأن محمداً) فهل يتكلم عن شخص آخر، أم عن شخصيته ﷺ ؟ لكأنه يجرد من نفسه نفسه، ومن شخصه شخصه، هو الرسول محمد الذي أرسل، ويبعد حظ نفسه من ذلك؛ لأنه مبلغ عن الله، وهو بنفسه ﷺ قد أعلن عن إيمانه بأنه في ذاته رسول: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٢٨٥] .
إذاً: هو يعلن عن إيمانه برسالته وبوحي الله الذي أنزل عليه، وبهذه المناسبة ومثالها في باب التجريد -كما يقولون-: لما جاءت المرأة المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده ثم سرقته، ثم أمر ﷺ بقطع يدها، فعز على الناس أن امرأة مخزومية من بني مخزوم -من علية القوم- تقطع يدها في إناء سرقته، قالوا: من يكلم فيها رسول الله ﵊؟ قالوا: أسامة حب رسول الله ﷺ وابن حبه، فكلم فيها رسول الله ﷺ فقال: (ويحك يا أسامة! أتشفع في حد من حدود الله؟ والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) لم يقل فاطمة بنتي، فيكون الموضوع شخصياً يخصه ﷺ ، بل الأمر والقضية هي أنه مبلغ شرع، قال: (لو أن فاطمة بنت محمد) ومن هو محمد هذا؟ جاء في القرآن: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] ، فالقرآن يسجل بأن محمداً هو الذي أرسله الله ليبلغ الرسالة للناس، فمحمد هذا يبلغ وينفذ الأحكام ولو على فاطمة، ولم يقل: فاطمة بنتي، بل قال: لو أن فاطمة بنت محمد، وأنتم تعلمون من محمد.
وهنا يقول: (وأن يشهدوا أن محمداً رسول الله) ﷺ .
ثم قال: (ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة) لم يقل: (ويؤدوا الصلاة) بل قال: (يقيموا) لأن الإقامة من القيام، والقيام فيه عزيمة، وفيه ملازمة ومصابرة وقوة، ومنه قوامة الرجال على النساء، ومنه القوم تطلق على الرجال ولا تطلق على النساء، لوجود القوة والقوامة والإصلاح.
стр. 205
شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن [٢]
стр. 206
تابع شرح حديث: (أمرت أن أقاتل الناس ... )
стр. 207
عصمة الدم بإقامة الصلاة
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: إقامة الصلاة: هو أداؤها والحفاظ عليها بجميع شروطها في أوقاتها بصفة جماعية، تقول: قامت السوق على ساقها، إذا كانت السوق نشيطة، والحركة فيها دائمة وقوية، وهكذا: (يقيموا الصلاة) أي: يؤدونها ويحافظون عليها بكل لوازمها.
(ويؤتوا الزكاة) الصلاة كما قالوا: حق البدن، وهي محض عبادة لله، وأمرها تعبدي توقيفي، وليس لأحد في باب الصلاة اجتهاد، ولا يدخل في أمر الصلاة قياس ولا اجتهاد، فقد علم رسول الله ﷺ أصحابه الصلاة كما تلقاها عن جبريل ﵍؛ لأنه ثبت في ليلة الإسراء والمعراج أنه لما جاء ﷺ إلى مكة في ظهر يومها، جاء جبريل ﵇ وصلى بالنبي ﷺ الظهر في أول وقتها، ثم نزل فصلى العصر في أول وقتها وهكذا الأوقات كلها، فعلمه كيف يركع، وكيف يسجد، وكيف يفعل بقية أفعال الصلاة حتى تلقاها رسول الله ﷺ .
وفي اليوم الثاني نزل جبريل ﵇ في آخر وقت كل صلاة إلا المغرب حيث نزل من الغد في الوقت الذي نزل فيه بالأمس، ثم قال: (يا محمد! ما بين هذين الوقتين وقت) ، وهكذا ما كان من النبي ﷺ بعد الهجرة إذا جاءه أعرابي ونادى: (يا رسول الله كيف الصلاة؟ قال: صل معنا، فصلى الأعرابي معهم أول يوم، فصلاها ﷺ في أوائل أوقاتها، وصلى بهم في اليوم الثاني في آخر وقت كل صلاة إلا المغرب صلاها في اليومين في الوقت الأول، ثم قال: أين السائل عن أوقات الصلاة؟ قال: هأنذا يا رسول الله! قال: ما بين هذين وقت) .
стр. 208
اهتمام النبي ﷺ بتعليم الصلاة
أما الكيفية في ذاتها وأدائها: (فقد صعد ﷺ منبر مسجده في المدينة واستقبل القبلة وكبّر وقرأ وركع، ثم رفع من الركوع، ثم نزل القهقرى من المنبر -وكان ثلاث درجات- وسجد عند آخر درجة من درجات المنبر التي هي الأولى ورفع من السجود وجلس بين السجدتين، ثم سجد الثانية، ثم قام للركعة الثانية وصعد المنبر مستقبلاً القبلة وركع ثم رفع من الركوع، ثم نزل القهقرى ولم يستدبر القبلة محافظاً على استقبال القبلة حتى نزل إلى الأرض وسجد السجدتين، ثم تشهد وسلم، وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي) .
والسنة مليئة بأحاديث تعليم الصلاة من أول النداء إليها إلى السلام منها وتوابعها: من تسبيح وتحميد وتعليم للفرائض والنوافل، كل ذلك مبين موضح في كتب الحديث وفي كتب السنة.
(وإقام الصلاة) المقصود هنا الفريضة.
وقد جاء في حديث عن النبي ﷺ أن رجلاً جاء من قبل نجد وقال: (يا رسول الله! ما افترض الله علي من الصلوات؟ قال: خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال: ما افترض الله علي من الصيام؟ قال: شهر رمضان، قال: هل علي غيره، -إلى آخره- ثم قال: والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص، فلما أدبر، قال رسول الله ﷺ : أفلح وأبيه إن صدق) .
وجاء الحديث الآخر يبين معنى إقامة الصلاة عندما قال ﵊: (خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة، من حفظها وحافظ عليها كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يحفظها ولم يحافظ عليها لم يكن له عند الله عهد) إلى آخر الحديث.
إذاً (إقام الصلاة) أداؤها بالحفاظ على كل شروطها ومستلزماتها وأداؤها في الجماعات، ولهذا عبّر ﷺ بإقام الصلاة بدلاً من أداء الصلاة، أما حكم القتال عليها فسيأتي بعد إن شاء الله.
стр. 209
عصمة الدم بإيتاء الزكاة
(ويؤتوا الزكاة) ، الزكاة هي فريضة المال، والأموال الزكوية في الجملة تحت عنوان واحد: الأموال النامية.
إذاً: الأموال الجامدة الصامتة التي لا نماء لها فلا زكاة فيها، وهذا في الجملة.
ما هي الأموال النامية؟ جرى الاتفاق على أن بهيمة الأنعام، وما يحصد من الزروع والثمرة، والذهب والفضة أنها أموال نامية ففيها الزكاة.
وبقي أنواع من الزروع اختلفوا فيها، كما اختلفوا في بعض الحيوانات فمن الأنواع النامية الموجودة: ما كان نماؤها مؤقت، مثل: الخضروات، فالأصل أنها نامية، ولكن ليست دائمة، ولهذا يتفقون على أن الزكاة في الحبوب الموسقة -من الوسق- والمقتاتة التي تقتنى، والخضروات لا تقتنى، فلو مضى عليها أربع وعشرون ساعة لذبلت وتلفت، والزكاة في قيمتها.
فاتفق على أصول الأموال الزكوية النامية من بهيمة الأنعام ومن الحرث والثمار المقتاتة والنقدين وما يتصرف منهما، وللزكاة فروع ولها تفصيلات أخرى فيما يتعلق بالركاز والمعادن وما شابه ذلك، وكذلك في العسل وفيما يؤخذ من البحر إلى غير ذلك، وهذه كلها فرعية في هذا الباب.
стр. 210
لمن تؤدى الزكاة ؟
قال: (ويؤتوا الزكاة) يؤتونها لمن؟ أيؤتونها للإمام، أم يؤتونها للمستحقين؟ جاء في قصة أبي بكر مع عمر رضي الله تعالى عنهم أجمعين حينما امتنع قوم عن أداء الزكاة، وقالوا: لا نؤديها لـ أبي بكر فقد كنا نؤديها إلى رسول الله ﷺ ، وكان يدعو لنا ويصلي علينا، والله تعالى قال لرسوله ولم يقل لـ أبي بكر: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] والرسول انتقل إلى الرفيق الأعلى، وجاء غيره وهو ليس مثله فلا نعطيها لأحد بعده، فمنهم من جحدها بالكلية، ومنهم من امتنع عن أدائها، ومنهم من كان يؤديها بنفسه ولا يسلمها إلى الخليفة، وسيأتي تفصيل ذلك.
стр. 211
على أي شيء يعود اسم الإشارة في قوله: (فإن فعلوا ذلك)
قال: (فإذا فعلوا ذلك) هنا ناحية لغوية ينبه عليها علماء الحديث في أن: السياق يأتي في مقتضى صورة الشرط وجزائه (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا فإن فعلوا ذلك) ، ولكن جيء بـ (إذا) وهي لما يستقبل فقالوا: (إن) من باب التفاؤل، والحرص، والشفقة على الناس، قال: (فإذا فعلوا ذلك) أي: قبل القتال أو بعد القتال أو عند القتال، و (ذلك) : اسم إشارة للبعيد، يقول أهل اللغة: ذلك وذا وهذا كلها أسماء إشارة، ذا: للقريب جداً، هذا: للمتوسط، ذلك: للبعيد جداً، فقالوا: (إذا فعلوا ذلك) قد يكون المشار إليه حسياً في البعد والقرب والتوسط، وقد يكون المشار إليه معنوياً، وتستعمل (ذلك) للإشارة للبعيد لعلو مكانته وبعد منزلته، كما جاء في قوله سبحانه: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:١-٢] مع أن (الم) جزء من الكتاب، فهو قريب جداً تنطق به، ولكن جاء لفظ الإشارة للبعيد لبعد المنزلة وعظم قدر القرآن الكريم.
فقوله: (فإذا فعلوا ذلك) اسم الإشارة (ذلك) راجعة على ماذا؟ على كل ما تقدم (حتى يشهدوا، وحتى يقيموا، وحتى يؤتوا) فمجموع ذلك إذا فعلوه (عصموا مني) وعصموا بمعنى: حفظوا، والعصمة الحفظ، والعصمة من الخطأ، والعصمة من القتل.
فإذاً: (عصموا) أي: حفظوا وصانوا وامتنع علي منهم دماؤهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، (عصموا مني) : منه وحده، أو من جميع المسلمين، أو من المقاتلين؟ لأن الأمر يرجع إليه هو ﷺ ، فمن قُتل قتل بأمره، ومن عُصم عصم بأمره ﷺ ؛ لأنه يوجه السرايا ويتوجه بنفسه بالجيوش، أو يكفها ويوقفها ويمنعها، بصفته المسئول عن الأمة والمتكلم باسمها ﷺ وهو المأمور بذلك.
стр. 212
الأصناف التي تستثنى من العصمة بالإسلام
قال: (عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام) ، وما هو حق الإسلام الذي يفك العصمة ويرفعها عن الدماء والأنفس؟ قالوا: ترفع العصمة عن ثلاثة: قاتل النفس غير معصوم الدم؛ لأن فيه القصاص، والمرتد عن دينه عياذاً بالله غير معصوم النفس، والثيب الزاني لأنه يرجم، عصمت الدماء جميعاً إلا بواحدة من تلك الثلاث: الثيب الزاني؛ لأنه يرجم، وقاتل النفس؛ لأنه يقتل قصاصاً، والمرتد عن دينه المفارق للجماعة، وحق الإسلام في هذه الثلاث.
قال: (وحسابهم على الله) أقبل وأكف وأعصم الدماء والأموال بتلك الأمور الظاهرة، والتي هي نطق يسمع، وصلاة تشاهد، وزكاة تدفع، فهذه كلها أمور ظاهرية ظاهرة واضحة والكل يشهدها.
(حسابهم على الله) في أي شيء؟ في نطقهم بالشهادتين، أكانت عن يقين واعتقاد واستسلام، أم عن نفاق، فهذا حسابه على الله، ولذلك فإن أسامة بن زيد حينما قتل رجلاً بعد أن قال لا إله إلا الله وقال: (إنما قالها خشية السيف أو تحت السيف، فغضب ﷺ وقال: أشققت عن قلبه) .
إذاً: أنت لست مسئولاً عما يكنه في داخله ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ [البقرة:٩] ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] هذا أمر معاملة بينهم وبين الله لا تقوى أنت على تصفيتها، كالذي يأتي المسجد ليصلي، هل كانت صلاته حقيقة خالصة لله، أو جاء لشيء؟ صلى وصام لشيء كان يطلبه فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صام إذاً: (من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) .
عندما يدفع المزكي زكاته هل يدفعها على أنها مغرم ويسلمها ليسلم، أو يدفعها معتقداً بأن الله سيخلفها عليه، وأنه يقرض الله قرضاً حسناً؟ مرد كل ذلك إلى الله.
وهنا يقف كثير من العلماء -وهو محل وقوف حقاً- فيقولون: إن ولي أمر المسلمين له ظواهر أحوالهم، ولا يحق لأحد أن ينقب ليكشف عما يبطنون أو يخفون، وليكل أمرهم إلى الله، ولذا كان معاوية رضي الله تعالى عنه يقول: من تتبع أحوال الأمة أفسدها.
ولذا نقول لأولئك الإخوة الذين يتتبعون عثرات الناس، وهفواتهم ليكشفوها: احذروا أن يكشف الله الستر عنكم، وقد جاء عن الإمام أحمد ﵀ أنه سئل عن رجل يفعل منكراً: ماذا يصنع معه؟ قال: عظه ومره بالمعروف، وانهه عن المنكر، فإذا لم يمتثل لا ترفع أمره للسلطان لتستعديه عليه.
стр. 213
علة عدم ذكر الصوم والحج في الحديث مع أنهما من أركان الدين
وهنا مسألة يجب أن نتوقف عندها: ذكر ﷺ أنهم إن شهدوا الشهادتين وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، عصموا الحديث، لماذا لم يذكر بقية أركان الإسلام والتي هي الصوم والحج؟ إن جميع شراح الحديث وخاصة أصحاب الأربعين يقولون: أن الرسول ﷺ لم يذكر الصوم ولم يذكر الحج لاحتمال أن يكون هذا الحديث قبل مشروعية الصوم، وقبل مشروعية الحج، والآخرون يقولون: هو إنما ذكر الأصلين لقسمي التكليف؛ لأن العبادات إما بدنية محضة وهي الصلاة والصوم، وإما مالية محضة وهي الزكاة، وإما تجمع بينهما كما في الحج والجهاد، فاكتفى ﷺ بذكر الصلاة ويتبعها الصيام؛ لأنه عبادة بدنية، وذكر الزكاة ويتبعها الحج؛ لأن فيه عنصر المال، وهذه خلاصة أقوال شراح الحديث.
وهنا قول ثالث: إن الحديث جاء بأن أمر أن يقاتل الناس جميعاً حتى يعلنوا ما يمكن إعلانه، أما ما خفي فحسابهم على الله، والذي يمكن أن يظهر ويعلن ويشهد عليه: هو ما نص عليه في الحديث بأن يشهدوا فنسمع، ويصلوا فنشاهد، ويؤتوا فنقبض، أما الصوم فأمر خفي وأما الحج فعلى من استطاع إليه سبيلاً، والاستطاعة أمر خفي، فلذا نقول -والله تعالى أعلم-: لم يذكر ﷺ الصوم؛ لأنه أمر خفي، وجاء في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي) لا من أجلكم أنتم، فلا يستطيع أحد أن يقول: نقاتل فلاناً؛ لأنه لم يصم، إلا إذا رأيناه يأكل بأعيننا، هذا شيء آخر، لكن بدون أن نراه يأكل أنستطيع أن نقاتله بدعوى أنه صائم، أو غير صائم؟ كما لا نستطيع، لا نستطيع أن نقاتل إنساناً لأنه لم يحج؛ لأن الحج مبناه على الاستطاعة، وقال ﷺ في الاستطاعة (الزاد والراحلة) ونحن لا ندري حاله فيهما.
والخلاصة أن الأقرب في عدم التنصيص على الصوم وعلى الحج؛ لأن الصوم والحج عملان خفيان لا يطلع عليهما إلا الله وليسا بظاهرين.
ويقول بعض العلماء المتأخرين: نحن نكتفي من الناس بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فنحكم بالإسلام، فإذا التزموا بلا إله إلا الله محمد رسول الله حكمنا بإسلامهم، ومن ثم نطالبهم بالصلاة، ونطالبهم بالزكاة، ونكلفهم بالصوم، وبكل أركان الإسلام؛ لأنه إذا نطق بالشهادتين فمعنى ذلك أنه نفى كل الآلهة إلا الله واعترف بالله وحده، فإذا عبد غير الله ناقض شهادته، وناقض التزامه، وإذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله، وعبد الله بغير ما جاء به محمد الرسول، فيكون بذلك قد رفض شيئاً مما جاء به رسول الله ﷺ ، ومعنى ذلك أنه رد شريعة محمد ﵊، والله يقول: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥] قالوا: إذا نطق بالشهادتين حكمنا بإسلامه، ثم بعد ذلك نطالبه ببقية أركان الإسلام، فإن امتثل وأطاع وإلا اعتبرناه مرتداً وقتلناه، وليس قاتلناه، فإن لم قد تعلم بعد، نعلمه حتى يتعلم أركان الإسلام، ولهذا قالوا: أركان الإسلام وتعاليم الإسلام إذا قصر فيها حديث عهد بالإسلام سواء كان في الجاهلية أو اليوم نعذره ونمهله حتى يتعلمها وحتى نبينها له، فإذا التزم بها فبها ونعمت، وإلا كان مصيره آخر.
إذاً: عدم ذكر الصوم، وعدم ذكر الحج لا لأنهما غير مشروعين بل لما قد علمتم، وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه يروي هذا الحديث وإنما أسلم في العام السابع من الهجرة، وقدم على رسول الله ﷺ بعد خيبر، ومشروعية القتال والجهاد كانت موجودة قبل ذلك.
والصوم شرع في السنة الثانية من الهجرة في شعبان، إذاً: كان الصوم مشروعاً من قبل، وكذلك الزكاة في السنة الثالثة، إذاً: الصيام والزكاة كانا مشروعين فلا يقول إنسان: كان الحديث قبل مشروعية الصيام، ولكن الأولى أن يقال: إنه إذا التزم بالصلاة والتزم بالزكاة فحينئذ يكون الأمر على هذا، ويُلحق به البقية كما يقول البعض، ويستشهدون بحديث معاذ رضي الله تعالى عنه لما أرسله النبي إلى اليمن وقال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) ولم يذكر صوماً ولا حجاً، ومعاذ إنما ذهب إلى اليمن في أخريات حياة رسول الله ﷺ .
إذاً: ترك ذكر الصيام الحج إما لأنه أمر خفي، وإما لأن الأمر يأتي بالتدرج، فإذا التزم بالصلاة وهي عبادة بدنية أُلحق بها الصيام وهو كذلك عبادة بدنية.
والكلام عن الحديث بصفة عامة يرجع إلى حقيقة القتال، وعلى ما يكون القتال؟ فالرسول ﷺ يقول هنا: (أمرت) فما دلالة الأمر هنا؟ وهل الحكم في ذلك يشمل من يأتي بعده؟ ثم يمكن أخذ موقف الصديق رضي الله تعالى عنه شاهداً على ذلك، مع بيان من الذين قاتلهم الصديق؟ وعلى أي شيء؟ ثم حكم الجهاد على الأمة أهو فرض عين، أم فرض كفائي؟ ومتى يسقط الجهاد عن الأفراد؟ ومتى يتعين؟ وعلى أي شيء يكون؟ وأحكام الحهاد وآدابه، وثمرة الجهاد وثوابه، وكل هذا يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
стр. 214
شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن [٣]
стр. 215
تابع شرح حديث: (أمرت أن أقاتل الناس ... )
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فلا زلنا عند حديث النبي: (أمرت أن أقاتل ... ) .
والكلام على هذا الحديث من عدة جوانب:
следующие страницы →