← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7719

شرح الأربعين النووية لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (863 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

على أي شيء يعود اسم الإشارة في قوله: (فإن فعلوا ذلك) قال: (فإذا فعلوا ذلك) هنا ناحية لغوية ينبه عليها علماء الحديث في أن: السياق يأتي في مقتضى صورة الشرط وجزائه (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا فإن فعلوا ذلك) ، ولكن جيء بـ (إذا) وهي لما يستقبل فقالوا: (إن) من باب التفاؤل، والحرص، والشفقة على الناس، قال: (فإذا فعلوا ذلك) أي: قبل القتال أو بعد القتال أو عند القتال، و (ذلك) : اسم إشارة للبعيد، يقول أهل اللغة: ذلك وذا وهذا كلها أسماء إشارة، ذا: للقريب جداً، هذا: للمتوسط، ذلك: للبعيد جداً، فقالوا: (إذا فعلوا ذلك) قد يكون المشار إليه حسياً في البعد والقرب والتوسط، وقد يكون المشار إليه معنوياً، وتستعمل (ذلك) للإشارة للبعيد لعلو مكانته وبعد منزلته، كما جاء في قوله سبحانه: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:١-٢] مع أن (الم) جزء من الكتاب، فهو قريب جداً تنطق به، ولكن جاء لفظ الإشارة للبعيد لبعد المنزلة وعظم قدر القرآن الكريم. فقوله: (فإذا فعلوا ذلك) اسم الإشارة (ذلك) راجعة على ماذا؟ على كل ما تقدم (حتى يشهدوا، وحتى يقيموا، وحتى يؤتوا) فمجموع ذلك إذا فعلوه (عصموا مني) وعصموا بمعنى: حفظوا، والعصمة الحفظ، والعصمة من الخطأ، والعصمة من القتل. فإذاً: (عصموا) أي: حفظوا وصانوا وامتنع علي منهم دماؤهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، (عصموا مني) : منه وحده، أو من جميع المسلمين، أو من المقاتلين؟ لأن الأمر يرجع إليه هو ﷺ ، فمن قُتل قتل بأمره، ومن عُصم عصم بأمره ﷺ ؛ لأنه يوجه السرايا ويتوجه بنفسه بالجيوش، أو يكفها ويوقفها ويمنعها، بصفته المسئول عن الأمة والمتكلم باسمها ﷺ وهو المأمور بذلك.

стр. 212

الأصناف التي تستثنى من العصمة بالإسلام قال: (عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام) ، وما هو حق الإسلام الذي يفك العصمة ويرفعها عن الدماء والأنفس؟ قالوا: ترفع العصمة عن ثلاثة: قاتل النفس غير معصوم الدم؛ لأن فيه القصاص، والمرتد عن دينه عياذاً بالله غير معصوم النفس، والثيب الزاني لأنه يرجم، عصمت الدماء جميعاً إلا بواحدة من تلك الثلاث: الثيب الزاني؛ لأنه يرجم، وقاتل النفس؛ لأنه يقتل قصاصاً، والمرتد عن دينه المفارق للجماعة، وحق الإسلام في هذه الثلاث. قال: (وحسابهم على الله) أقبل وأكف وأعصم الدماء والأموال بتلك الأمور الظاهرة، والتي هي نطق يسمع، وصلاة تشاهد، وزكاة تدفع، فهذه كلها أمور ظاهرية ظاهرة واضحة والكل يشهدها. (حسابهم على الله) في أي شيء؟ في نطقهم بالشهادتين، أكانت عن يقين واعتقاد واستسلام، أم عن نفاق، فهذا حسابه على الله، ولذلك فإن أسامة بن زيد حينما قتل رجلاً بعد أن قال لا إله إلا الله وقال: (إنما قالها خشية السيف أو تحت السيف، فغضب ﷺ وقال: أشققت عن قلبه) . إذاً: أنت لست مسئولاً عما يكنه في داخله ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ [البقرة:٩] ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] هذا أمر معاملة بينهم وبين الله لا تقوى أنت على تصفيتها، كالذي يأتي المسجد ليصلي، هل كانت صلاته حقيقة خالصة لله، أو جاء لشيء؟ صلى وصام لشيء كان يطلبه فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صام إذاً: (من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) . عندما يدفع المزكي زكاته هل يدفعها على أنها مغرم ويسلمها ليسلم، أو يدفعها معتقداً بأن الله سيخلفها عليه، وأنه يقرض الله قرضاً حسناً؟ مرد كل ذلك إلى الله. وهنا يقف كثير من العلماء -وهو محل وقوف حقاً- فيقولون: إن ولي أمر المسلمين له ظواهر أحوالهم، ولا يحق لأحد أن ينقب ليكشف عما يبطنون أو يخفون، وليكل أمرهم إلى الله، ولذا كان معاوية رضي الله تعالى عنه يقول: من تتبع أحوال الأمة أفسدها. ولذا نقول لأولئك الإخوة الذين يتتبعون عثرات الناس، وهفواتهم ليكشفوها: احذروا أن يكشف الله الستر عنكم، وقد جاء عن الإمام أحمد ﵀ أنه سئل عن رجل يفعل منكراً: ماذا يصنع معه؟ قال: عظه ومره بالمعروف، وانهه عن المنكر، فإذا لم يمتثل لا ترفع أمره للسلطان لتستعديه عليه.

стр. 213

علة عدم ذكر الصوم والحج في الحديث مع أنهما من أركان الدين وهنا مسألة يجب أن نتوقف عندها: ذكر ﷺ أنهم إن شهدوا الشهادتين وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، عصموا الحديث، لماذا لم يذكر بقية أركان الإسلام والتي هي الصوم والحج؟ إن جميع شراح الحديث وخاصة أصحاب الأربعين يقولون: أن الرسول ﷺ لم يذكر الصوم ولم يذكر الحج لاحتمال أن يكون هذا الحديث قبل مشروعية الصوم، وقبل مشروعية الحج، والآخرون يقولون: هو إنما ذكر الأصلين لقسمي التكليف؛ لأن العبادات إما بدنية محضة وهي الصلاة والصوم، وإما مالية محضة وهي الزكاة، وإما تجمع بينهما كما في الحج والجهاد، فاكتفى ﷺ بذكر الصلاة ويتبعها الصيام؛ لأنه عبادة بدنية، وذكر الزكاة ويتبعها الحج؛ لأن فيه عنصر المال، وهذه خلاصة أقوال شراح الحديث. وهنا قول ثالث: إن الحديث جاء بأن أمر أن يقاتل الناس جميعاً حتى يعلنوا ما يمكن إعلانه، أما ما خفي فحسابهم على الله، والذي يمكن أن يظهر ويعلن ويشهد عليه: هو ما نص عليه في الحديث بأن يشهدوا فنسمع، ويصلوا فنشاهد، ويؤتوا فنقبض، أما الصوم فأمر خفي وأما الحج فعلى من استطاع إليه سبيلاً، والاستطاعة أمر خفي، فلذا نقول -والله تعالى أعلم-: لم يذكر ﷺ الصوم؛ لأنه أمر خفي، وجاء في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي) لا من أجلكم أنتم، فلا يستطيع أحد أن يقول: نقاتل فلاناً؛ لأنه لم يصم، إلا إذا رأيناه يأكل بأعيننا، هذا شيء آخر، لكن بدون أن نراه يأكل أنستطيع أن نقاتله بدعوى أنه صائم، أو غير صائم؟ كما لا نستطيع، لا نستطيع أن نقاتل إنساناً لأنه لم يحج؛ لأن الحج مبناه على الاستطاعة، وقال ﷺ في الاستطاعة (الزاد والراحلة) ونحن لا ندري حاله فيهما. والخلاصة أن الأقرب في عدم التنصيص على الصوم وعلى الحج؛ لأن الصوم والحج عملان خفيان لا يطلع عليهما إلا الله وليسا بظاهرين. ويقول بعض العلماء المتأخرين: نحن نكتفي من الناس بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فنحكم بالإسلام، فإذا التزموا بلا إله إلا الله محمد رسول الله حكمنا بإسلامهم، ومن ثم نطالبهم بالصلاة، ونطالبهم بالزكاة، ونكلفهم بالصوم، وبكل أركان الإسلام؛ لأنه إذا نطق بالشهادتين فمعنى ذلك أنه نفى كل الآلهة إلا الله واعترف بالله وحده، فإذا عبد غير الله ناقض شهادته، وناقض التزامه، وإذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله، وعبد الله بغير ما جاء به محمد الرسول، فيكون بذلك قد رفض شيئاً مما جاء به رسول الله ﷺ ، ومعنى ذلك أنه رد شريعة محمد ﵊، والله يقول: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥] قالوا: إذا نطق بالشهادتين حكمنا بإسلامه، ثم بعد ذلك نطالبه ببقية أركان الإسلام، فإن امتثل وأطاع وإلا اعتبرناه مرتداً وقتلناه، وليس قاتلناه، فإن لم قد تعلم بعد، نعلمه حتى يتعلم أركان الإسلام، ولهذا قالوا: أركان الإسلام وتعاليم الإسلام إذا قصر فيها حديث عهد بالإسلام سواء كان في الجاهلية أو اليوم نعذره ونمهله حتى يتعلمها وحتى نبينها له، فإذا التزم بها فبها ونعمت، وإلا كان مصيره آخر. إذاً: عدم ذكر الصوم، وعدم ذكر الحج لا لأنهما غير مشروعين بل لما قد علمتم، وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه يروي هذا الحديث وإنما أسلم في العام السابع من الهجرة، وقدم على رسول الله ﷺ بعد خيبر، ومشروعية القتال والجهاد كانت موجودة قبل ذلك. والصوم شرع في السنة الثانية من الهجرة في شعبان، إذاً: كان الصوم مشروعاً من قبل، وكذلك الزكاة في السنة الثالثة، إذاً: الصيام والزكاة كانا مشروعين فلا يقول إنسان: كان الحديث قبل مشروعية الصيام، ولكن الأولى أن يقال: إنه إذا التزم بالصلاة والتزم بالزكاة فحينئذ يكون الأمر على هذا، ويُلحق به البقية كما يقول البعض، ويستشهدون بحديث معاذ رضي الله تعالى عنه لما أرسله النبي إلى اليمن وقال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) ولم يذكر صوماً ولا حجاً، ومعاذ إنما ذهب إلى اليمن في أخريات حياة رسول الله ﷺ . إذاً: ترك ذكر الصيام الحج إما لأنه أمر خفي، وإما لأن الأمر يأتي بالتدرج، فإذا التزم بالصلاة وهي عبادة بدنية أُلحق بها الصيام وهو كذلك عبادة بدنية. والكلام عن الحديث بصفة عامة يرجع إلى حقيقة القتال، وعلى ما يكون القتال؟ فالرسول ﷺ يقول هنا: (أمرت) فما دلالة الأمر هنا؟ وهل الحكم في ذلك يشمل من يأتي بعده؟ ثم يمكن أخذ موقف الصديق رضي الله تعالى عنه شاهداً على ذلك، مع بيان من الذين قاتلهم الصديق؟ وعلى أي شيء؟ ثم حكم الجهاد على الأمة أهو فرض عين، أم فرض كفائي؟ ومتى يسقط الجهاد عن الأفراد؟ ومتى يتعين؟ وعلى أي شيء يكون؟ وأحكام الحهاد وآدابه، وثمرة الجهاد وثوابه، وكل هذا يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.

стр. 214

شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن [٣]

стр. 215

تابع شرح حديث: (أمرت أن أقاتل الناس ... ) بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فلا زلنا عند حديث النبي: (أمرت أن أقاتل ... ) . والكلام على هذا الحديث من عدة جوانب:

стр. 216

هل الأمر في قوله ﵊: (أمرت) خاص به أم أن الولاة داخلون فيه ؟ أولاً: في قوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس) ، في هذه الجزئية يتكلم بعض الناس بأن هذا الأمر خاص بالنبي ﷺ ، وليس لمن جاء بعده أن يقاتل الناس، وأجيب عن هذا الادعاء بأنه باطل؛ لأن الله سبحانه قد يخاطب النبي ﷺ ويكون المقصود في هذا الخطاب أحد ثلاثة أمور: فإما أن يكون الخطاب موجهاً للنبي ﵊ ولا يراد به إلا شخصه فقط. وإما أن يراد به النبي ﵊ والأمة داخلة معه في ذلك الخطاب. وإما أن يخاطب النبي ﵊ ويراد به أمته وحدها والنبي غير داخل في ذلك الخطاب. فمن خطاب الله لرسوله ﷺ الذي اختص به لا يشاركه فيه أحد: ما جاء في أمر الواهبة نفسها للنبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠] ، فليس لأحد من الأمة أن يطأ امرأة بمجرد أن تهب نفسها له؛ لأن هذا خاص برسول الله ﷺ ؛ لأن رسول الله ﵊ هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو ولي من لا ولي له. والخطاب الذي خوطب به النبي ﵊ والمقصود به أمته وهو غير داخل فيه ما جاء في حق الأبوين: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء:٢٣] ولم يقل: (ربكم) قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] ، العبادة عامة للجميع ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] ، بعد عبادة الله قال: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ﴾ [الإسراء:٢٣] لم يقل: (عندكم) ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:٢٣] لم يقل: (فلا تقولوا لهما أف) ﴿وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:٢٣] ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:٢٣] ، وهناك الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥] ، أين كان أبوا رسول الله ﷺ عند نزول الآية؟ هل يمكن لرسول الله أن يصاحب أبويه في الدنيا معروفاً؟ لقد مات أبوه وهو حمل في بطن أمه، وماتت أمه وهو ابن سبع سنوات، فأين يصاحبهما في الدنيا معروفاً؟! فلا يدخل رسول الله ﷺ تحت هذا الخطاب أبداً، ولكن خوطبت الأمة في شخصية رسول الله ﵊ تعظيماً لهذا الحق؛ لأن الأبوين هما صاحبا الحق الثاني على الإنسان بعد الله، فخوطب رسول الله ﷺ بهذا الحق والمراد به الأمة. ويأتي الخطاب الخاص به أو الموجه إليه والمراد به الأمة بكاملها كما في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود:١١٤] ، قوله: (أَقِمِ الصَّلاةَ) هل هذا خاص به، أو عام للأمة؟ عام للأمة، ولهذا جاء في سورة التحريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم:١] ، خطاب خاص لرسول الله ﷺ مع أزواجه، ثم يأتي: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢] ، قال: لكم ولم يقل: لك، فهنا الخطاب موجه لرسول الله ﷺ ، ثم بيّن بأن الأمة كلها داخلة معه ﷺ . إذاً: (أمرت أن أقاتل الناس) وكل من يأتي بعده ويلي أمر المسلمين يقوم بهذا الأمر ويكون الأمر موجه إليه. نظير هذا الخطاب قوله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] ، فهم بعض الناس الجهال الذين كانوا، حدثاء عهد بالإسلام بأن الزكاة إنما تدفع لرسول الله ﷺ فقط؛ لأن الله قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣] ولم يقل: (خذوا) وقال: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] ، وسيأتي زيادة تنبيه على هذه الجزئية عند قوله: (وآتوا الزكاة) .

стр. 217

جهاد الطلب وجهاد الدفع إذا كان كل من جاء بعد رسول الله ﷺ من الخلفاء الراشدين، وولاة أمور الأمة الإسلامية مخاطبون بذلك، ومأمورون به، فما هو حكم قتال الكفار؟ ما حكم قتال الناس حتى يشهدوا شهادة الحق ويؤدوا ما عليهم من واجبات الإسلام؟ نجد الأمة مجمعة في القرون الأولى على وجوب مقاتلتهم، إلى أن اختلط المسلمون بغيرهم، وجاءت المدارس الغربية والشرقية، ونشأت أفكار جديدة باسم المقاربة بين المسلمين والمشركين، أو الكفار أو الكتابيين، ونادى بعض المتأخرين: بأن النصرانية انتشرت بالأخوة والتراحم والتعاطف، أما أنتم أيها المسلمون فنشرتم الإسلام بالسيف، فقام من هو مخدوع أو مخادع وقال: نحن كذلك، ليس عندنا سيف إلا دفاعاً عن النفس، ونشأت الفكرة الضالة، وأصبحت المعركة بين القديم والجديد: ما غاية الجهاد وقتال الناس؟ أهو الدفع عن الحوزة، والدفع عن البيضة، والدفع عن الإسلام والمسلمين، أم هو: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك فقد عصموا ... ) الحديث؟ فالمدرسة الجديدة تقول: إن كفوا كُفوا عنهم، شهدوا أو لم يشهدوا، صلوا أو لم يصلوا، زكوا أو لم يزكوا، ولا دخل لكم بهم، وقام الجدل وكتبت الكتب، ومن يقرأ في هذا الباب لبعض الكتاب في حدود المائة سنة الماضية، أو السبعين سنة، أو أقل -بل إن بعض الكتاب قد يكون معاصراً إلى عشرات السنين- يرى هذا المنهج الفكري واضحاً.

стр. 218

أدلة القائلين بأن الجهاد لم يشرع إلا للدفع ونشأت هذه الأفكار أول ما نشأت وبقوة في الهند، ثم انتقلت إلى المسلمين في عقر دارهم، حتى الذي يقرأ تاريخ الطوائف الجديدة وبالأخص القاديانية: أنهم حرّجوا على المسلمين قتال المستعمر، وينادون بالسمع والطاعة، وألا قتال بعد ذلك، وفي بعض البلاد في أفريقيا يتركون دراسة باب الجهاد في الفقه ويقولون: لم يبق قتال لماذا؟ قالوا: ما بقي جهاد! ما شبهة هؤلاء؟ شبهة أولئك حدثت أولاً: غزو فكري إلى المسلمين فوجدت طائفة تقارب بين الفريقين وتسد الفجوة، والحق والباطل خطان متوازيات لا يلتقيات أبداً، ولبّسوا على الناس بآيات ظاهرها ما ذهبوا إليه لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال:٦١] ، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة:١٩٠] لا تعتدوا بأي شيء؟ ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦] وقال: لا يكره أحد، والآن إلى عهد قريب بعض الكتب تدرس في بعض الجامعات في مقدمتها ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ، ولكن ما معنى ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ ؟ معناها: نكف عنهم، إذا لم يقاتلون، ما معنى: (لا تَعْتَدُوا) ؟ ما معنى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ؟ وتركوا أول سورة براءة، وآخر ما أرسل به رسول الله ﷺ سنة تسع من الهجرة حينما أرسل أبا بكر رضي الله تعالى عنه يحج بالناس وجلس ﷺ ؛ لأن فتح مكة كان في العام الثامن من الهجرة، وكان المشركون في عهود مع النبي ﷺ ، وكان من عادة المشركين في الجاهلية أن يطوفوا بالبيت عرايا رجالاً ونساءً، وما كان لرسول الله أن يشهد هذا المشهد، فأرسل علياً رضي الله تعالى عنه، وأدرك أبا بكر في الطريق، فقال له أبو بكر كما يروي القرطبي: أمير أم مأمور؟ قال: بل مأمور، قال: ما مهمتك؟ قال: أبلغ عن رسول الله ﷺ سورة براءة، فلماذا لم يأمر الرسول أبا بكر أن يبلغها عنه؟ قالوا: كان من عادة العرب أنه لا يبلغ عن الشخص إلا من عصبته وذويه، وعلي رضي الله تعالى عنه كان أقرب إلى رسول الله ﷺ من أبي بكر فقد كان ابن عم النبي ﵊، فذهب وقرأ على الناس في يوم الحج الأكبر ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١] ، ثم جعل لهم مهلة ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة:٢] ثم بين ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥] .

стр. 219

رد أهل العلم من السلف والخلف على من قال بأن الجهاد إنما شرع للدفع ومن هنا يأتي الناظر الآن في هذا الباب ويجد من يحتج ببعض نصوص القرآن على أن الجهاد إنما هو دفاع عن النفس، ويجد سلف الأمة وأئمة المذاهب الأربعة، وعلماء التفسير، قد أجابوا عن ذلك وبينوه الناس، فيما يلي: الوجه الأول: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة:١٩٠] كلمة (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) إغراء على المقاتلة؛ لأنه لو لم يكن جهاداً في سبيل الله لكان قتالاً للمقاتلين (وَلا تَعْتَدُوا) ليس معناها: لا تعتدوا على الناس المسالمين، ولكن لا تعتدوا في قتالكم بقتل الصغير والمرأة والشيخ الكبير، هذا وجه. الوجه الثاني: كانت تلك الآية وهي في البقرة سابقة لبراءة في النزول، والقتال في الإسلام أخذ طور التدرج، وقد جاء في السنة وفي السيرة: أن الأنصار رضي الله تعالى عنهم لما أتوا رسول الله ﷺ وبايعوا بيعة العقبة وكانوا سبعين رجلاً قالوا: (يا رسول الله! لو أذنت لنا أن نميل على أهل الموسم بأسيافنا، فقال ﷺ : لا؛ إنا لم نؤمر بقتال بعد) تحمل وصبر ثلاث عشرة سنة في مكة لم يؤمر بقتال، وكلنا يعلم ما لقي رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام من أذى المشركين ولم يؤذوا واحداً، لقد خرج ﷺ إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام، فكيف كان موقفهم منه ﷺ ؟ سلطوا عليه السفهاء، ورموه بالحجارة، وأدموا قدميه، ويصبر، وينزل ملك الجبال مع جبريل يقول له جبريل ﵇: (هذا ملك الجبال إن أردت أن يطبق عليهم الأخشبين فعل، يقول: لا، إني لأصبر وأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يقول: لا إله إلا الله) . ولذا جاء في آخر سورة النحل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٥-١٢٦] . وقد سلّى رسوله ﷺ بقوله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٧-١٢٨] لا تكن في ضيق من مكرهم، واصبر وما صبرك إلا بالله وقد صبر، ولذلك لما جاء إلى مكة وأراد أن يدخل مكة منعوه، حتى دخل في جوار رجل مشرك، كل ذلك ويصبر ويحتسب، ولم يعاقب أحداً، ولم يأت في السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي أن رسول الله ﷺ عاقب شخصاً واحداً في مكة قبل الهجرة، مع شدة إيذائهم له ﵊ ولأصحابه، لذا أذن لأصحابه بالهجرة الأولى إلى الحبشة، ثم أذن لمن شاء أن يهاجر إلى المدينة، وأخيراً هاجر ﷺ إلى المدينة، ونعلم كيف كانت ظروف الهجرة. إذاً: (لم نؤمر بقتال بعد) ثم جاء إلى المدينة، وشُرعت الأحكام، وأُذن في القتال فهل كان دفاعاً عن النفس، أو كان لإعلاء كلمة الله (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) لم يقل: من قاتل ليرد الناس، أو ليحمي البلاد أو الأوطان أو غير ذلك، هنا كذلك: (أمرت أن أقاتل الناس) . إذاً: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة:١٩٠] في بادئ الأمر حينما كانوا في أوائل أمرهم وقلة عددهم كانوا مسالمين، ثم بعد ذلك لما قويت شوكة المسلمين، وأصبحوا أمة ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣] ثم كان بعد ذلك النهاية، وخاتمة المطاف أن تنزل سورة براءة ويرسل علياً بها رضي الله تعالى عنه لينبذ العهود إلى المشركين جميعاً، ويجعل لهم المهلة أربعة أشهر ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة:٢] فإذا انسلخ الأشهر الحرم ماذا تكون النتيجة؟ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥] قاتلوهم حيث كانوا. إذاً: كانت النهاية الأمر بالقتال العام، وقاتلوهم حتى يكفوا عنكم! أو حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. وكذلك أيضاً: كيف يجيب العلماء على تلك الدعوة الجديدة الزائفة؟ قالوا: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة:١٩٠] قالوا على أهل الكتاب؛ لأن الله قبل منهم الجزية، أما المشركون فإما الإسلام وإما السيف، قالوا: إنها كانت متقدمة فجاءت براءة ونسختها، يقول بعض العلماء في مبحث الناسخ والمنسوخ: كل آية فيها موادعة فقد نسختها آية السيف.

стр. 220

شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن [٤]

стр. 221

تابع شرح حديث: (أمرت أن أقاتل الناس ... ) بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فلا زلنا في مسألة هل الجهاد شرع للطلب أم للدفع، وقد ذكرت لكم قاعدة ذكرها العلماء، مفادها: أن كل آية فيها موادعة للمشركين، أو مسالمة للأعداء، فقد جاءت آية السيف ونسختها: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥] ، هل هذا يكون من باب الدفاع عن النفس؟! لا والله.

стр. 222

الرد على المستدلين بقوله تعالى: (لا إكراه في الدين) على منع جهاد الطلب تأتي الشبهة الكبرى التي قال بها أصحاب هذه الدعوى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] ، فإذا كان لا إكراه في الدين، فكيف تقاتلونهم وترغمونهم على الإسلام؟ وبرجوعنا إلى كتب التفسير عند السلف، نجد أن القرطبي يقول: فيها ستة أوجه للعلماء: الوجه الأول: أن الآية كانت في بادئ الأمر من باب المسالمة، ثم نسختها آية السيف على القاعدة العامة عند المفسرين. الوجه الثاني: كان الأوس والخزرج قبل الهجرة وقبل الإسلام في عهود مع اليهود، فكانت المرأة المقلاة، -أي: التي لا يعيش لها ولد- تنذر إن عاش لها ولد أن تجعله يهودياً؛ لأنهم كانوا يرون أن دين اليهود خير مما هم عليه من الوثنية. والوجه الثالث: أن المرأة من الأوس والخزرج ربما أرضعت ولدها من يهودية، أي: وجد ترابط بين الأوس والخزرج واليهود، فلما أجلى رسول الله ﷺ اليهود من المدينة، أراد اليهود أن يأخذوا أولئك معهم، وأراد آباؤهم الأصليون أن يمسكوهم عندهم، فجاءت الآية بالتخيير وليس بالإكراه. وجاءت أوجه عديدة غير ذلك، ولكن خير ما يقال: القاعدة الأولى: (كل آية موادعة نسختها آية السيف) ولو أننا عملنا بآية: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] اليوم لفسد العالم، بمعنى: أن الدين جنسية وانتماء، فالإنسان إذا انتمى إلى الإسلام أصبح له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، وبالنسبة لغير المسلمين فهو متميز عنهم ولا ينتمي إليهم، يشبه ما فيه العالم اليوم من التمايز إلى دول وتابعيات، فلو أن شخصاً الآن جاء من موسكو إلى واشنطن وأخذ جنسية أمريكية، وأصبح له ما للأمريكان في بلادهم، ثم انقلب إلى روسيا وجاء أمريكي إلى روسيا، ثم انتقل إلى غيرها، وأخذ من كل بلد ما يريد وينتقل فيها حيثما شاء، لضاعت جنسيات الأمم، وضاعت مصالحها فيما بينها، ولو أنه أجرم هنا، ثم انتقل هناك، وأجرم هناك، ثم انتقل إلى هنا، وكان تبعاً لدولة من الدول، بعيداً عن أن ينال عقاب على جريمته، وهنا في الإسلام وغير الإسلام أحكام شرعية وحقوق دينية، فلو أن غير مسلم أسلم، أو جاء وقال: إنه مسلم، فتزوج امرأة مسلمة، وورث من أقارب مسلمين، ثم انتقل إلى النصرانية، أين تذهب الزوجة المسلمة؟ ولو ذهب إلى النصارى وصار نصرانياً وتزاوج منهم، وورث منهم، ثم انتقل إلى اليهودية، لو حدث مثل هذا الأمر، مع عشرة أشخاص من كل جيل في كل شهر لماعت الحقوق وضاعت. إذاً: كون الإنسان حر في اعتقاده هذا ليس صحيحاً، والدين لله ولا يترك للأفراد أن يتلاعبوا به، إذا شهد أن لا إله إلا الله وشهد أن محمداً رسول الله، أصبح ملتزماً بهذا العهد المنصوص في هاتين الشهادتين، فإن نكث قُتل.

стр. 223

أدلة القائلين بأن الجهاد شرع إعلاءً لكلمة الله إذاً: ليست هناك حرية في الأديان كما يقولون، وإذا جئنا إلى هذه القضية في هذا النص عملياً، نأتي ونقول: الرسول ﷺ لما جاء إلى المدينة شُرع القتال، وخرج إلى بدر، فهل كان خروج النبي ﷺ دفاعاً عن النفس، أم إلى عير وتجارة لقريش؟ وهل كان خروجه اختياراً أم اضطراراً؟ لقد كان خروجه اختياراً وابتداءً: قال لهم: (هذه عير لقريش اخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها) فخرجوا إليها، وفي الطريق علم ﷺ أن العير قد نجت، وأن النفير قد أقبل، -قبل أن يصل إلى بدر- فكان بوسعه أن يرجع، ولكن يعلن ويقول: (إن الله قد وعدني إحدى الطائفتين: إما العير، وإما النفير) ثم ما وقع في تلك الغزوة من أمور فوق طاقة البشر تخطيط من المولى سبحانه ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ [الأنفال:٤٢] في الجبهة، الناحية نفسية كما يقولون: التعبئة يقلل هؤلاء في أعين أولئك، ويقلل أولئك في أعين هؤلاء، ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ﴾ [الأنفال:٤٣] لأنهم ذليلون ما لهم شيء، لو رأوهم على حقيقتهم ربما خافوا، فالمولى سبحانه يخطط لالتقاء الفريقين على غير موعد، ثم هو سبحانه يري هؤلاء أعداءهم أقل منهم، وبالعكس مع أننا عرفنا حقيقة الموازنة بأن هؤلاء: ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً، وأولئك: ما بين التسعمائة والألف، كل ذلك ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال:٤٢] ، وقد بين سبحانه سير المعركة فقال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] جاءت الملائكة. إذاً: هذا أول شيء يجابه به أولئك الذين يقولون: القتال دفاع عن النفس. لو تجاوزنا ذلك كله، وجئنا إلى غزوة تبوك، وهي على تخوم الشام، هل جاء الروم يقاتلون المسلمين؟ ما جاءوا، يقول: سمع بتجمعهم وتواعد معهم، ألم يكن من الممكن أن ينتظرهم عند خيبر، فلماذا ذهب إلى حدود الشام، وأوغل فيها وهو أصلاً لم ينته مما حوله بعد؟ وبعد رسول الله ﷺ يأتي موقف أبي بكر مع أهل الردة، وعمر رضي الله تعالى عنه حينما يسير الجيوش إلى الشام، وإلى مصر، وتذهب إلى أفريقيا هل كان هناك عدو يقاتل المسلمين فيدفعونه عن أنفسهم؟ هل سمعنا بأن مصر قاتلت المسلمين في جزيرة العرب؟ بينما الجيش يذهب إليهم ويغزوهم ويفتح تلك البلاد، هل أفريقيا جهزت جيوشها لتقاتل المسلمين فيذهبون يدفعون عن أنفسهم؟ وتذكرون كلمة القائد المظفر الذي وصل إلى المحيط الأطلسي وخاض بفرسه البحر وقال: (والله لو كنت أعلم أن وراءك من المشركين من يقاتل لخضت هذا البحر إليه) ، الذين وراء البحر هل اعتدوا حتى يدفعهم عن نفسه؟ لا والله. نرجع مرة أخرى ونقول: إن من يقول: إن الجهاد في الإسلام دفاع عن النفس، قتلوا روح الجهاد في سبيل الله، وصرفوا الناس عن التعبئة للجهاد في سبيل الله، وأصبحت كل دولة في موطنها تحافظ على حدودها، وتكون سعيدة إذا سلمت من غيرها، ودخلت السياسة في أمور الناس، وأصبح الوضع على ما هو عليه، بصرف النظر رفعت راية الجهاد أو لم ترفع، فإن القتال في سبيل الله مشروع وكتاب الله ينادي بذلك، وهذا حديث رسول الله ﷺ (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ... ) . بقي من الذي سيقاتِل؟ ونقاتل من؟ إن وضع الأمة الحاضر بنظمها السياسية، وارتباط العالم بعضه ببعض على هذا الوضع، لا يمكن لأمة وحدها، أو: لدولة وحدها أن ترفع راية الجهاد لتقاتل جميع المشركين، ليس في وسعها ذلك، ولا نريد أن نتعرض إلى قرارات هيئة الأمم، وميثاق وحقوق الإنسان، والتزامات الدول وو إلى آخره, ولكن يهمنا من حيث البحث العلمي أن نعلن ونؤكد ونقول: إن باب الجهاد مفتوح، لإعلاء كلمة الله، وليشهد الناس أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عُصموا، وفي آية براءة ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] ، والأخرى ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] فإذا أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، وإذا لم يفعلوا ذلك فالمعنى: أننا نقاتلهم، ولذا يجب أن تتوحد الأمة الإسلامية تحت راية واحدة راية: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعندها يجب ويتعين تسيير الجيوش إلى المشركين. ولذا بعض العلماء يقول: من واجب إمام المسلمين أن يغزو سنة ويحج سنة، يقول: إعلان الجهاد كأداء مناسك الحج، كما كان هارون الرشيد رضي الله تعالى عنه يفعل ذلك، كان يحج سنة ويغزو سنة.

стр. 224

هل الجهاد فرض عين أم فرض كفاية ؟ إذا كان الأمر كذلك: فما حكم الجهاد على الأمة أو على الفرد؟ اتفق السلف -أما الخلف لا كلام لهم في هذا؛ لأنهم أسقطوه بالكلية- على أن الأصل في الجهاد أنه فرض كفائي، والفرض الكفائي المراد منه: وقوع المطلوب، ولا ينظر إلى من يقوم به، كما في أمور الجنائز، من تغسيل الميت، وتكفينه ودفنه، قصد الشارع إيواء جثة المسلم بتغسيلها وتكفينها ودفنها، من الذي يقوم بذلك؟ الأمة كلها مخاطبة بهذا، فإذا قام واحد من الأمة أسقط الواجب عن الجميع. فكذلك قتال المشركين فرض كفائي، إذا قامت به جماعة من المسلمين سقط عن الباقين. وأما من هو المطالب بهذا الأمر؟ فنحن نعلم جميعاً أنه في زمن رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، كان المسلمون كلهم مجندون، كانوا في الجاهلية أهل حرب وقتال، كل ينشأ على الفروسية، ولا يحتاجون إلى ميادين تدريب، ولا إلى كليات يتعلمون فيها، صحراؤهم هي ميادينهم، فيأتي الأعرابي بفرسه ودرعه ورمحه وسيفه جندي مقاتل، وكل كان يجهز نفسه، وعندما رجعوا من تبوك ومروا بمدائن صالح، وعجنوا خبزهم من مياه مدائن صالح، أمر الرسول أن يعلفوا العجين للدواب، فقد كان المجاهد بنفسه يجهز ويمون نفسه ويأخذ طعامه معه، فهو يصنع طعامه ويحمل زاده، ويأتي بسلاحه. أما بعد ذلك، حينما أصبح للمسلمين مردود، جاء عمر رضي الله تعالى عنه ودون الدواوين، أي: كتب الجنود في دواوين، وأصبح بعض الناس متخصصاً للقتال وله ديوان سنوي أو شهري، وأعطى المهاجرين والأنصار ورتب لهم، فكان هناك أشخاص مسجلون للقتال في أي وقت، يشبه في الوقت الحاضر الذي يسمونه: الجيش الاحتياطي: هم جماعة دربوا سواءً دربوا من الخارج للجيش، أو أحيلوا على التقاعد من الجيش، أو سُرحوا من الجيش، عند الضرورة يجمعون، فكان هؤلاء مدونون في الدواوين وعند أية غزوة إذا جاء النفير اجتمعوا. ففي ذاك الوقت كان أشخاص يقومون بهذا الواجب، بعد ذلك دُولت الدول، وخصصت الطوائف، وأصبحت الجيوش رسمية، وأوجد جيش في كل دولة، إذاً: الفرض الكفائي يقوم به: الجيش النظامي، وهو القائم بالفرض الكفائي عن الأمة المسلمة الآن، ولذا المواطنون، أو القاعدة الشعبية لا تتدخل إلا عند استنفار الإمام لها، وعلى هذا: إذا دخلت الدولة في حرب مع العدو، من الذي يقوم بفرضها الكفائي؟ الجيش؛ لأن الجيش معد لذلك، وخاصة في تلك الآونة؛ لأن الحرب لم تعد سيفاً ورمحاً، بل أصبحت حرب آليات، تستخدم فيها التكنلوجيا العلمية، والأسلحة الكيميائية، والذرية. إذاً: أصبحت الحرب الآن تقوم على علم وصارت إنتاجاً عسكرياً خاصاً، ولا يتعامل مع تلك الآليات إلا الدارس لها، إذاً: الفرض الكفائي اليوم يقوم به من؟ الجيش النظامي، كل في ميدانه، وأصبح هناك سلاح جوي، ومدرعات، وسفن، وغواصات، وكل ذلك مقابل سلاح يماثله لدى العدو. إذاً: لا يتدخل في الفرض الكفائي شخص أعزل، لا أقول أعزل من السلاح، بل أعزل من العلم العسكري، أعزل من التدريب والتمرين العسكري، أعزل من معرفة التعامل مع تلك الآليات، وإلا كان تعريضاً لضياع نفسه، وكان فقداناً لنفسه بدون مقابل.

стр. 225

متى يكون الجهاد فرض عين ؟ إذاً: الفرض الكفائي يقوم به الجيش النظامي اليوم، ولكن قد يرتقي هذا الفرض الكفائي إلى فرض عين، ومعنى فرض عين: يجب على كل فرد، ويكون ذلك في حالتين فقط: الحالة الأولى: إذا لم يكن الجيش النظامي يكفي لصد العدو، واستنفر الإمام القوة الشعبية. إذاً: يكون الجهاد فرضاً عينياً حينما يستنفر الإمام الأمة، حينما تقل إمكانيات الجيش النظامي، بقلة عدده أو بكثرة عدوه، ويحتاج إلى مساعدة، وليعلم الجميع بأن القتال ليس مجرد سلاح وإراقة دم العدو، بل أسلحة القتال متعددة: قد تكون بالكلمة كما جاء عن حسان رضي الله تعالى عنه حينما تكلم عن المشركين، فقال له ﷺ : (كيف تهجوهم وأنا منهم؟ قال: أسلك كما تسل الشعرة من العجين، فأخذ يهجو المشركين ويثبط أمرهم، ويعلي من شأن المسلمين، حتى نصب له رسول الله كرسياً في هذا المسجد وقال: اهجهم وروح القدس يؤيدك) . قد تكون المساهمة في الحرب بكلمة في الإذاعة، وقد تكون بكلمة في صحيفة، وقد تكون بأي نوع من الأنواع ولذا قال العسكريون الجدد: إن كل جندي في الميدان يتبعه سبعة جنود خارج الميدان، فالذي يزرع ويحصد ويقدم الحب لمخابز الجيش ليمون الجنود، جندي أم لا؟ الذي يجز الصوف ويقدم الغزل للمصنع لينسج البطانية للجندي ليتغطى بها، أو البدلة أو الحذاء ليلبسها، جندي أم لا؟ العامل الذي في مصانع الذخيرة، الذي يعد الذخيرة للجندي ليرمي بها، (إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة: الذي يريشه، والذي يناوله، والذي يرمي به) وبعض المدافع تحتاج إلى ثلاثة أشخاص، وبعضها إلى أربعة، فليس المقاتل هو الذي يقذف بالقذيفة فحسب، بل الذي يقدمها إليه، والذي يعبد الطريق للآليات، والذي يمد الأسلاك للاتصالات، والذي يهيئ الماء ليشربوا، كل أولئك جنود يعملون في المعارك، ولكنهم جنود خلف الصفوف، ولذا قال العلماء: الزراعة والصناعة والتعليم فرض كفائي؛ لأن الأمة لا تستغني عنها، ويقول النووي رحمه الله تعالى في المقدمة: (إن تعلم الصناعات فرض على الأمة) فرض كفائي حتى الإبرة، ارجعوا إلى مقدمة المجموع للنووي. ويقول: إذا قصرت الأمة الإسلامية في صناعة الإبرة فهي محتاجة إلى عدوها يتحكم فيها بقدر حاجة الإبرة. ولو لم يكن عندنا إبر لصرنا عراة، لا نستطيع أن نخيط ثوباً. إذاً: جعل العلماء الزراعة والصناعة من باب الجهاد أيضاً. الحالة الثانية: إذا -لا قدر الله- دوهمت البلدة أو القرية التي أنت فيها من العدو، وجب على الصغير والكبير، ولا يُستأذن في ذلك أحد، حتى الولد لا يستأذن أبويه، ويخرج الرجال والنساء يدافعون عن قريتهم وعن أعراضهم وأموالهم، أما ما عدا ذلك وفي المرحلة الأولى: الفرض الكفائي، لو أراد إنسان أن يتطوع، هل أحد يمنع المتطوعين؟ لا، ولكن حينما يريد شخص الجهاد في سبيل الله في حال كونه فرض كفاية يكون بين أمرين: بين فرض كفاية وهو الجهاد، وبين فرض عين وهو طاعة وبر الوالدين، فيقدم فرض العين هنا على فرض الكفاية، وجهاده في بر الوالدين. إذاً: حينما يكون القتال في المرحلة الأولى وهو: الفرض الكفائي، وأراد إنسان أن يتطوع، ويذهب للجهاد في سبيل الله، فلينظر: هل هذا التطوع يضيع واجباً عليه كفائياً أو عينياً، أم لا؟ إنسان عنده زوجة وأولاد، حقوق الزوجة والأولاد فرض كفائي، أو فرض عيني؟ فرض عيني، هل يترك زوجته، وأولاده في ضياع، ويقول: أذهب أقاتل في سبيل الله! لا والله، ولا ننسى الرجل الذي جاء من اليمن إلى النبي ﷺ في المدينة وقال: (جئت لأقاتل معك في سبيل الله) قال له رسول الله ﷺ : (ألك أبوان؟ قال: نعم، قال: اذهب ففيهما فجاهد) لماذا؟ لأن قتاله مع رسول الله تطوع، والجهاد في بر أبويه واجب، فلا نهدم واجباً من أجل تطوع، والعاقل لا يهدم مصراً ليقيم قصراً. والرواية الأخرى: (نعم، تركتهما يبكيان على خروجي، قال: ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما) . وأعرف أنا قد نكون أطلنا في هذا الموقف، ولكن لضرورة الحال؛ لأننا سمعنا من سنوات عديدة من شباب ناشئ متحمس قد يغرر عليه، ويذهب ليقاتل في سبيل الله تاركاً أبويه تاركاً دراسته تاركاً أهله، كل ذلك بدافع الحماس، يغرر عليه عندما يقرأ لأشخاص مجهولين يقولون: القتال فرض عين على كل مسلم، وهذا لم يقله عالم مسلم قط، بل إن أهل أفغانستان يقولون: نحن في حاجة إلى المال والسلاح أكثر من الرجال، والواقع يصدق ذلك؛ لأنه كما قلنا: يذهب الواحد إلى بلد لا يعرف تضاريسه، ولا يقوى على تحمل طبيعته، فيحتاج إلى مران عسكري يجابه به تلك الحالة، فيكون عندها عالة عليهم حتى يتدرب. أقول لأمثال أولئك: إنك إذا أردت مساعدة المجاهدين، فإنه لابد أن يكون وراء الجندي في الميدان سبعة جنود، فاعمل واكتسب وتبرع وأرسل إليهم قيمة السلاح، أو قيمة اللباس، أو قيمة الدواء، أو قيمة الطعام، ويكون ذلك جهاداً، ولذا فقد قسم ﷺ أجر الجهاد بين اثنين: (من خلف غازياً في أهله بخير كُتب له نصف أجره، ومن جهز غازياً في سبيل الله، كان له مثل أجره) لأي شيء له مثل أجره؟ بتجهيزه؛ لأن التجهيز نوع من الجهاد.

стр. 226

الحكم فيما إذا أقر بالشهادتين بغير الصيغة المعروفة نواصل الكلام عن الحديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ... ) إذاً: الغاية من قتال رسول الله للناس ما هي؟ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، لا أن يفكوا عن المسلمين قتالهم، لا وكلا. بقي الحديث عن (يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة) يبحث العلماء في منطوق الشهادتين من باب البحث العلمي: لو أن إنساناً جاء وقال: أشهد أن لا إله إلا الرحمن الرحيم، أشهد أن لا إله إلا السميع العليم، ولم يقل إلا الله، فهل يجزئه ذلك أم لا؟ أو قال: أشهد أن أحمد رسول الله، ولم يقل: محمداً رسول الله، هل يجزئه ذلك أم لا؟ الجمهور يقولون: لا، وبعض من أهل المذاهب يقول: نعم تجزئ؛ لأن المطلوب الإقرار، ولكن الرسول ﷺ يقول لعمه: (قل كلمة أحاج لك بها عند الله) إذاً هي كلمة مقصودة وهي: لا إله إلا الله، ثم لفظ الجلالة: الله، علم على الذات، ولا يشاركه سبحانه في هذا العلم أحد، بخلاف (الرحمن) فإن هناك رحمان اليمامة، فلما أمر النبي ﷺ كاتبه في صلح الحديبية أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، قالوا: لا نعلم رحماناً إلا رحمن اليمامة، اكتب: باسمك اللهم) . وكذلك (الرحيم) ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] سمي بها ﷺ ، كل صفات الله قد يشاركه فيها المخلوق ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وكل حيوان يأكل ويشرب سميع بصير، ما عدا لفظ الجلالة: الله، كلمة: (إله) يمكن أن تطلق على معبود بغير حق، لكن: (الله) لا تطلق إلا على رب العزة سبحانه، إذاً: لا يغني ولا يجزئ عنها غيرها. كذلك: محمد رسول الله، عيسى ﵇ قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦] إن قال: أشهد أن أحمد كما سماه القرآن يجزئ، وما عداه من الأسماء كالماحي والعاقب والحاشر إلى آخره لا يجزئ. بصرف النظر عن هذا نقول: إذا كان يريد أن يقر بالإسلام لا يضيره أن يلتزم بما قاله ﷺ ويقول: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) . (ويقيموا الصلاة) إقام الصلاة جزء من الشرط على كف اليد عنهم أو على عصمة المال للمشركين، أن يشهدوا وأن يقميوا، فإذا لم يقيموا الصلاة، نكف عنهم، أو نقاتلهم عليها؟ يقول الجمهور: بأنهم إذا نطقوا بالشهادتين ولم يصلوا قاتلناهم عليها، وليس قتلناهم.

стр. 227

شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن [٥]

стр. 228

تابع شرح حديث: (أمرت أن أقاتل الناس ... ) بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فلا زلنا عند قول النبي ﵊: (أمرت أن أقاتل ... ) .

стр. 229

الحكمة في الأمر بقتل تارك الصلاة دون تارك الزكاة وتعرض لنا هنا مسألة: لماذا فرق بين الصلاة والزكاة عند الامتناع عنهما، فالصلاة يقتل تاركها، والزكاة بخلاف ذلك؟ أما الفرق بين القتل على الصلاة، وعدم القتل على الزكاة لمن منعها؛ لأن الصلاة أمر فيه اعتقاد وفيه عمل بدني محض، لا تؤدى بإكراه، بخلاف الزكاة، تؤخذ بالقوة كما جاء في الحديث: (من أداها فبها ونعمت، ومن منعها أخذناها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، ليس لمحمد ولا لآل محمد منها شيء) ، ولكون الزكاة يمكن أن تؤخذ عنوة وقوة لا يقتل صاحبها، إنما تؤخذ منه ويخلى سبيله. وهنا سأل بعض الإخوان: من كان ترك الصلاة مدة، ثم أراد أن يصلي، هل يلزمه قضاء ما مضى؟

стр. 230

حكم تارك الصلاة وما يلزمه من قضاء الفوائت بعد التوبة أما من ترك الصلاة جحوداً لوجوبها، فهذا مرتد عن الدين -عياذاً بالله-، كمن جحد أي شيء معلوم من الدين بالضرورة، والكلام عندهم فيمن كان تركها تكاسلاً وتهاوناً، ثم هداه الله وتاب ورجع إلى الله، وحافظ على الصلاة، ما حكم تلك الصلوات التي مضت؟ جمهور الأئمة الأربعة ﵏ على أنها دين في ذمته عليه أداؤها. ويرى بعض المتأخرين: بأنه تكفيه التوبة، والإسلام يجب ما قبله. إذاً: من قال بكفر تارك الصلاة يتعارض قوله مع إلزامه بأداء ما ترك منها حال كفره بعد توبته، وفي هذا الحكم تناقض؛ لأنهم إن حكموا عليه بالردة، لماذا لم يقتل ردة؟ ولماذا لم يحرموا عليه زوجته؟ ولماذا لم يعاملوه معاملة المرتدين؟ يتركونه في كل شيء، ولو مات لماذا يرثون ماله؟ وإذا مات مورثّه لماذا يرث منه، مع أنه لا ميراث بين مسلم وكافر، إذاً: يتناقضون في هذا الحكم.

стр. 231

اعتراض ابن عباس على من أسقط قضاء الفوائت من الصلوات وابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: (يا سبحان الله! إذا كان الترك بسبب النسيان أو النوم وقد أوجب عليهما النبي ﵊ القضاء مع رفع القلم عنهما، فكيف لا نوجب القضاء على من تركها عمداً ( ﴿فليصلها إذا ذكرها، فإنه لا وقت لها إلا ذلك) ، وقد ثبت أن المصطفى ﷺ وجمع الصحابة في عودتهم من بعض الأسفار في غزوة نزلوا وعرّسوا، فقال النبي: (من يكلأ لنا الفجر، فانتدب بلالاً، فأسند بلال ظهره إلى راحلته، واستقبل المشرق بوجهه، ينتظر الفجر ليخبر ويوقظ النائم، فنام كما نام غيره، ولم يوقظهم إلا حر الشمس، بعد أن خرج الوقت) ، هل أسقطها رسول الله ﷺ ؟ حتى إنه ليروى في ذلك: (بأن الرسول ﷺ لما استيقظ وجاء أبو بكر آسفاً، قال: يا أبا بكر! لكأني بـ بلال قد جاءه الشيطان يهدهده كما تهدهد الأم طفلها حتى نام، ثم ناداه: تعال يا بلال! أين كنت؟ قال: أخذ بروحي الذي أخذ بأرواحكم) ، يعني: أنا مثلكم، فاعتذر بأمر واقع، قال: (والله يا رسول الله لقد أنخت راحلتي وأسندت إليها ظهري، واستقبلت المشرق أنتظر الفجر، فإذا بالشيطان يأتي ويهدهدني كما تهدهد الأم طفلها حتى نمت، فقال أبو بكر: أشهد إنك لرسول الله) ، هنا ماذا فعل رسول الله؟ هل قال: ما عليكم! خرج الوقت وانتهينا! لا؛ قال: (اجتازوا هذا الوادي فإن فيه شيطاناً، واجتاز الوادي، وتوضئوا، وأمر المؤذن فأذن، وصلوا سنة الفجر، ثم أمره فأقام وصلوا الفريضة) . فـ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: (حينما تفوته بعذر مقبول شرعاً نوماً أو نسياناً تكلفونه بالأداء، وحينما يتعمد تركها تخففون عنه وتتركونه!) يعني: أمر متناقض. إذاً: من ترك الصلاة متساهلاً، ثم هداه الله ورجع، يعلم بأن ما فات من الصلوات دين عليه، ولكن لا ينبغي أن نأتي ونقول: قم الآن وأد ما عليك قضاء السنوات الماضية، فيقعد سنة أو سنتين، أو شهر أو شهرين وهو معتكف يؤدي الذي عليه، وإنما عليه أن يكثر من قضاء الفوائت حسب الترتيب، وكما يقول الفقهاء من باب التخفيف عليه: يصلي مع كل فريضة مثلها إلى أن يقضي زمناً يعادل الزمن الذي ترك فيه الصلاة، وإن قُدر ومات في أثناء ذلك قبل أن يوفي فهو على نيته، والله أولى به. ويقتل من ترك الصلاة، بعد رفع أمره إلى ولي أمر المسلمين المسلم، وحبسه وأمره بالصلاة؛ لكن كم ننتظر له؟ الإمام أحمد ﵀ يقول: إلى أن يخرج وقت الصلاة التي جيء به فيها، ويقول البعض: يوم وليلة، وقول ويقول آخرون: ثلاثة أيام لأنها أكثر الجمع، فإن أصر على عدم الصلاة فيقتل، وهل يقتل ردة أم حداً، الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي يقولون: حداً وأحمد يقول: ردة وكفراً. وإذا تواطأ جماعة على تركها قوتلوا حتى يؤدوها، حتى قال بعض المالكية والأحناف: لو تركت قرية إعلان الأذان، قالوا: نصلي بلا أذان، قاتلهم الإمام على ذلك؛ لأن الأذان من شعائر الإسلام.

стр. 232

علة عدم ذكر الصوم والحج في الحديث وفي قوله ﷺ : (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة) ، وأشرنا إلى أن العلة في على عدم ذكر الصيام والحج؛ لأن العبادات قسمين: بدنية ومالية، والعبادات البدنية هي: الصلاة والصوم، فإذا كانوا يقاتلون حتى يصلوا، فكذلك حتى يصوموا، والعبادة المالية هي: الزكاة، فيلحق الحج بالزكاة، وقد جاء عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه في حق الحج أنه قال: (لقد هممت أن أبعث برجال لقبائل العرب ينظرون من يستطيع الحج ولم يحج فليفرضوا عليهم الجزية ما هم بمؤمنين ما هم بمؤمنين) ، ولكن ما قال: أقاتل، قال: أفرض الجزية؛ لأن استطاعة الإنسان للحج ليست قطعية، قد يكون في ظاهر الأمر مستطيعاً، وفي حقيقته غير مستطيع، ولكن يؤيد ما ذهب إليه عمر رضي الله تعالى عنه نص القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] فمن استطاع ولم يحج قال عنه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] لم يقل: ومن لم يحج؛ لأن السياق ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧] ومن لم يحج، هل قال: هذا شأنه والله غني عنه! لا؛ بل قال: (وَمَنْ كَفَرَ) فأطلق الكفر على من لم يحج وهو مستطيع، وهذه خطورة كبيرة.

стр. 233

الجهاد وسيلة وليس غاية قال ﷺ : (فإذا فعلوا ذلك) اسم الإشارة (ذلك) راجع إلى كل ما سبق من النطق بالشهادتين معاً، -ولا تجزئ إحداهما عن الأخرى- وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والصوم والحج كما قدمنا. قال ﷺ : (فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم) ويتفق علماء اللغة على أن (حتى) : حرف غاية، وما بعدها مغاير لما قبلها، من هنا يجب أن يقف المسلم وكل كاتب وخطيب وأديب وكل من يتعاطى الدعوة إلى الله ليعلن للعالم كله أن القتال في الإسلام ليس غاية لذاته، ولكنه وسيلة للوصول إلى غاية وهي: أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة) ، أي: يعبدوا ربهم الذي خلقهم، فإذا فعلوا ذلك: كانوا معصومي الدم. إذاً: القتال من حيث هو، والجهاد من حيث هو في شرع الإسلام، ليس غاية لذاته، إذاً: لماذا يعيب أولئك على المسلمين حينما يعلنون القتال، وحينما يجاهدون في سبيل الله، لا في سبيل أنفسهم، ولا في سبيل مغنم يغتنمونه، ولا سلطان يقيمونه، كلا: إنما هو في سبيل الله، لكي يعبد الخلق خالقهم. إذاً: القتال للمشركين ليس غاية في ذاته، ولهذا كان القتال في الإسلام هو آخر ما يمكن أن يعالج به المسلمون عقول وأفكار الكفار، وقد جاء عنه ﷺ عندما أرسل معاذاً إلى اليمن أنه قال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم) والمسلمون الذين يجاهدون عشرات السنين، إذا جاءوا إلى أمة ووقفت أمامهم، ودخلوا معها في قتال، واستشهد من المسلمين من استشهد، فإذا قال العدو: لا إله إلا الله، كفوا عنه. والذين قتلوا في سبيل ذلك من المسلمين ماذا بشأنهم؟ هؤلاء أجرهم عند الله، لا يتحمل المشركون دية الذين استشهدوا من المسلمين على أيديهم، مع أنه لو كان قتالاً بين المسلمين أنفسهم لتحملت كل طائفة ديات القتلى من الطائفة الأخرى، لكن هنا هم يستشهدون إلى ربهم؛ لأن الله قد عقد معهم صفقة ربح ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [التوبة:١١١] أجر المجاهد عند الله، لا يرجع المسلمون على الكفار بعوض ما فات على المسلمين من رجال وأموال لا؛ لأنهم خرجوا في سبيل الله، فكيف يعاب على المسلمين إذاً؟!. قال: (فإن أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد كتب عليهم) فقال هنا: الله، ليس الرسول أو أي أحد، بل الله؛ لأن هذا هو حق الله، خمس صلوات في اليوم والليلة، يقف المصلي يقول: الله أكبر، يسجد ويقول: سبحان ربي الأعلى، يركع ويقول: سبحان ربي العظيم، فهي حق لله، (فإن أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) وليست الزكاة ضريبة، ولا غنيمة للمسلمين، وكما جاء عن بعض السلف: أرسل عاملاً للزكاة فجاء وقال: أين الزكاة؟ قال: أرسلتني مزكياً أو جابياً؟ قال: مزكياً، قال: أخذتها من حيث كنا نأخذها زمن رسول الله ﷺ وأنفقتها حيث كنا نصرفها في زمن رسول الله ﷺ ، أخذتها من الأغنياء ورددتها إلى الفقراء، وهكذا فهي منهم ولهم، وهذا يجسد التعاون الاجتماعي بين الغني والفقير، وهو أمر إنساني، ولو لم يأت الإسلام به لتعين على كل مجتمع التضامن الاجتماعي. إذاًَ: ما حظ المسلمين من ذلك؟ حظهم الشهادة في سبيل الله، وقد بين ﷺ في قوله: (عصموا مني دماءهم وأموالهم) بأي شيء؟ بمجرد القيام بحق الله، ولذا غضب ﷺ غضباً شديداً على أسامة في بعض المعارك حينما قتل رجلاً مشركاً في المعركة وهو في الميدان بعد أن قال: (لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلما أخبر بذلك رسول الله قال: (قتلته بعد أن قالها! ماذا تفعل بلا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله! قالها تحت شعاع السيف -أي: قالها خوفاً من السيف- قال: هل شققت عن قلبه؟ -بمعنى: هل أتدري ما في قلبه؟ - إني لم أؤمر أن أفتش عن بطونهم) . وهكذا يبين ﷺ أن من نطق بالشهادتين ولو تحت ظلال السيف فإنه يكف عنه، وتقدم لنا في الموطأ قول عمر رضي الله تعالى عنه: (لأن يسند العلج في الجبل فيقول: مترس، فيقتله إنسان، إلا جعلته مثلة لغيره) مترس بمعنى: مأمن أو أمان أو أمني إلى آخره، فيعيب عمر رضي الله تعالى عنه على من يقتل أعجمياً أو كافراً في الميدان بعد أن يطلب الأمان. إذاً: القتال ليس غاية للمسلمين، وليس تشفياً من أعداء المسلمين، ولكنه كما يقول بعض الإخوان المسلمون في موقف الجهاد مثلهم كمثل إنسان نظر إلى شخص يعيش في دياجير الظلام يتخبط، لا يدري أيطأ شوكاً أو ورداً أيمسك حية أو حوتاً، لا يدري ماذا يفعل؟ في ظلام وجهالة وضلال، فأتاه وفي يده مشعل يضيء الطريق، فجاء وطرق الباب على هذا الضال الضائع، وقال: يا هذا! خذ هذا المشعل واستنر به.

стр. 234

شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن [٦]

стр. 235

تابع شرح حديث: (أمرت أن أقاتل الناس ... ) بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد:

стр. 236

معنى قوله ﵊: (إلا بحق الإسلام) فالحق هنا حق الإسلام الذي هو دين الله، ولم يقل: بحق المسلمين، أو بحق الرسول (إلا بحق الإسلام) أي: الحق الذي جاء به الإسلام من عند الله، وهنا يرد السؤال ما هو حق الإسلام؟. جاء في الحديث أن النبي ﵊ قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: ثيب زان، والنفس بالنفس -أو قاتل النفس- والتارك لدينه المفارق للجماعة) .

стр. 237

ثبوت القتل بالرجم من سنة النبي ﵊ ويهمنا هنا أن هذا الحديث الصحيح يثبت وجود الرجم، وقد أنكر بعض الناس الرجم، وجاء عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه خطب الناس على المنبر وقال: (أيها الناس! لا يطولنّ الزمان بالناس فيقولون: أين الرجم لم نجده في كتاب الله؟ لقد نزلت آية الرجم، ورجم رسول الله ﷺ ، ورجمنا معه، ولولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها) ، وقد أجمع أنه كان فيما أنزل من القرآن: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله وكان الله عزيزاً حكيماً) ، ونُسخت وبقي حكمها، وكل علماء الأصول يعلمون أن النسخ: إما نسخ اللفظ وبقاء الحكم، أو نسخ الحكم وبقاء اللفظ. وقد يرد السؤال ما الحكمة من النسخ بهذه الكيفية؟ قالوا: نسخ الحكم وبقاء اللفظ للتعبد، ليتذكر الناس تخفيف الله عليهم، ونسخ اللفظ وبقاء الحكم: للابتلاء والامتحان، هل يتركون العمل به بمجرد عدم وجوده، أم يظلون ممتثلين أمر الله ولو رُفع اللفظ؟ ثم إن بعض العلماء يقول: ما نسخ لفظ الرجم، بل إنه موجود كما في قصة اليهود، ففي حديث عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: (جيء بيهودي ويهودية قد زنيا، فقال ﷺ : ائتوني بأعلم رجلين، فجاءوا بابني صورية، فقال لهما: ما حكم ذلك في كتابكما؟ قالا: إن رهباننا قد غيّروا وجعلوا التحميم -تسويد الوجه- وتنكيس الوجوه في الركوب، فقال عبد الله بن سلام: مرهم فليأتوا بالتوراة فليقرءوها، فجاءوا بالتوراة وقرءوها، ولم يقرءوا آية الرجم، فقال ابن سلام: مره فليرفع يده -أي: القارئ- فرفع يده فإذا آية الرجم موجودة في التوراة) ، فقالوا: إن وجود آية الرجم في التوراة، وطلب الرسول الله ﷺ أن تقرأ على الحاضرين، علاوة على دلالة القرآن الكريم عليها والإحالة إلى موضعها في التوراة، لهو إثبات للرجم. وهنا مبحث: هل شرع من قبلنا شرع لنا، أم لا؟ الجمهور: على أنه شرع لنا ما لم يأت في شرعنا ما ينسخه أو يدل على منعه. ويكفي في إثبات الرجم الأحاديث المتواترة في ذلك، وقضية ماعز وقضية الغامدية وكل منهما قد رجم في زمن النبي ﷺ . ووقعت بعض الوقائع في زمن عمر ولم يكن نصاب الشهود كاملاً، فلم يطبق هذا الحد. وهنا يبحثون أيضاً: لماذا يشترطون أربعة شهود في حد الزنا؟ بينما في القتل لو شهد اثنان على قتل أربعة لواحد لقتل الأربعة؟ قالوا: لأن كل جريمة شهادة على جانب واحد، لو أن إنساناً قتل إنساناً، نحن في حاجة إلى شهادة على القاتل أنه قتل، ولكن في الزنا هناك زان ومزني بها، فهناك طرفان، قالوا: وشهادة الأربعة لا تخص واحداً من الطرفين في الزنا، هذا فيه وجه آخر؛ لأن الرسول ﷺ لا يطلب الأربعة الشهود إلا أن يكون الطرفان موجودان، وما جاءت قضية يقر صاحبها وفتش عن الطرف الثاني. فحينما جاء ماعز، ما قال له: بمن زنيت؟ وحينما جاءت الغامدية ما قال لها: من الذي زنى بك؟ لأن ذلك تفتيش وتنقيب عن الفواحش، والأمر مبني على الستر، فلما جاءت الغامدية اكتفى بمجيئها، ولما جاء ماعز اكتفى بمجيئه، لأنه: لو قال ماعز: زنيت بفلانة، وجيء بفلانة وقالت: يكذب، هل قوله: يسري عليها، لا وكذلك لو جاءت الغامدية وسئلت: من صاحبك، وقالت: فلان، وجيء بفلان، وقال: كذبت علي، هل يؤخذ بادعائها عليه، لا يؤخذ، إذاً ما الفائدة من المجيء، ولكن في قضية العسيف كما تقدم في الموطأ: (جاء رجل إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله! إن ابني كان عسيفاً عند هذا فزنى بامرأته، فأفتيت بأن على ابني الرجم فافتديت ولدي بوليدة ومائة شاة، فاقض بيننا بكتاب الله، فقال ﷺ : نعم، أقضي بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم يردان عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام) . إذاً: هذا هو الحكم بكتاب الله؛ لأن ولده بكر ليس بمحض، والتغريب من كتاب الله، لا كما تقول بعض المذاهب: زيادة على النص فهو ساقط، وعليه تغريب عام، ثم قال النبي ﷺ : (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) لماذا أرسل إلى امرأة هذا؟ الاعتراف جاء من المرأة والأجير من قبل، ولكن اختلفوا في الحكم، فأُفتي ممن لم يعلم الحكم، فقام الرجل وافتدى ولده، والحدود لا يفتدى فيها، فصحح النبي ﷺ الحكم، وذهب أنيس إلى المرأة فاعترفت فرجمها.

стр. 238

المقاصد الشرعية من تغليظ حد الثيب الزاني إذاً فممن يستحل دمه: الثيب الزاني، والثيب: هو الذي سبق أن تزوج، ودخل بامرأته في عقد لا بملك يمين، ووطأها وطئاً صحيحاً ولو مرة واحدة، بل كما يقول العلماء: ولو بمجرد مغيب الحشفة، ويرتبون على مغيب الحشفة نحواً من عشرين حكماً في الفقه، فإذا تزوج ودخل بالزوجة، ولو طلقها في الحال، أو ماتت أصبح ثيباً. الخلاصة أن البكر إذا زنت تجلد مائة جلدة، والثيب إذا زنت رجمت. الزنا واحد، والإيلاج واحد، وقضاء الوطر واحد فلماذا اختلف الحكم؟ ونجد البعض يقول: إن البكر لم يتذوق أمر النكاح، فهو لا يدري شيئاً عنه، ولذا فهو أقدر على الصبر عليه، أما الثيب فقد تذوق ولا يقوى على الصبر والعفة، فلماذا شدد في حكم الثيب دون البكر؟ أقول: إن الذي يتتبع مقاصد الشريعة يجد أن الحكمة فيما جاء به الشرع؛ لأن الثيب غالباً ما تكون ذات زوج، والبكر لا زوج لها، فإذا زنت البكر وحملت، وظهر حملها وجاء ولدها، هل يمكن أن يلصق بأحد؟ لا، متميز بذاته، ولكن الثيب إذا زنت وحملت من غير زوجها، فإنها تلحق بزوجها من ليس منه. إذاً جرم الثيب أكبر، وجرأة الثيب في التساهل أكثر؛ لأنها ترى عليها غطاءً يسترها ألا وهو زوجها، والبكر لا تجد ذلك، إذاً: القضية ليست محل اجتهاد، وإنما هو تخرص واستنتاج، ويكفي أن الرسول ﷺ قال: (الثيب الزاني) وتفاصيل هذا الأمر في كتب الفقه في باب الحدود.

стр. 239

أقوال العلماء في قتل النفس بالنفس قال ﵊: (والنفس بالنفس، أو القاتل ... ) أجمع العلماء على أن من قتل يقتل، لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] وبيّن في موضع آخر: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة:١٧٨] . فإن قتل حر عبداً، أو العكس، أو قتل ذكر أنثى أو العكس، ماذا يكون الحكم؟ بينه قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] فالذكر يُقتل بالأنثى، والأنثى تقتل بالذكر، ولكن بعض المذاهب يقول: إذا قتل رجل امرأة وطلب أهل المرأة القصاص من الرجل، دُفع لهم نصف الدية؛ لأن دية المرأة نصف دية الرجل، فيدفعون نصف الدية أو يقتلون الرجل، والجمهور يقولون: لا (النفس بالنفس) رجل بامرأة وامرأة برجل سواء، أما الحر بالعبد، فالجمهور يقولون: لا، الحر إذا قتل عبداً، العبد مال يقوّم، ويدفع لسيده قيمته مهما بلغت، ولو زادت عن دية الحر، وإذا قتل العبد حراً، ماذا يكون الحال؟ ليس على سيد العبد إلا تسليم العبد، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا امتلكوا، أو باعوا وأخذوا القيمة، ثم هناك القصاص في الجروح دون النفس وهذا له بحث خاص في موضعه.

стр. 240

كلام العلماء في قوله ﵊: (التارك لدينه المفارق للجماعة) قال ﷺ : (والتارك لدينه المفارق للجماعة) وهذا باب واسع يُبحث في باب الردة، ومن أراد أن يرجع إليه فليرجع، وفيه دقائق قد تخفى على كثير من العلماء، ومن تلك الدقائق: كل من سخر بعمل في الإسلام ولو كانت السخرية في سنة أو مندوب لكونه في الإسلام فهي ردة عن الإسلام، فإن رأى إنسان إنساناً بلحية طويلة فنظر إليه بسخرية وضحك منه لهذا الأمر، أو سخر إنسان من إنسان لأنه رآه يستاك، قال العلماء: كل من سخر من أي شيء ينسب إلى الإسلام أو استهان بشيء في الدين فإن الفقهاء يعتبرونها ردة. وقوله: (التارك لدينه المفارق للجماعة) ، لا يفارق الجماعة إلا إذا انعزل عنها، وترك تعاليمها، وأبى أن يكون ضمن الأمة بكاملها في أوامرها ونواهيها وتعاليم دينها.

стр. 241

معنى قوله ﵊: (وحسابهم على الله) قال ﵊: (وحسابهم على الله) هذا من القواعد العامة أن المسلم لا ينبغي له أن ينقب ويتجسس ويتتبع عورات الناس، وها هو ﷺ يؤكد هذا المعنى، وقد بيّن الله له حال المنافقين ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٧٣] فيكاد يسميهم القرآن واحداً واحداً، وكان حذيفة يعرفهم بأفرادهم، حتى يأتيه عمر ويقول: (هل سماني لك رسول الله ﷺ في المنافقين) ، عمر يخشى من ذلك، بينما ابن أُبي رئيس المنافقين حين هم بعض أصحاب النبي بقتله، منعه وقال له: (لا؛ حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) يتركهم لشأنهم، فحسابهم على الله.

стр. 242

النصيحة أولى من تتبع العورات إذاً: لا ينبغي لولي أمر المسلمين، ولا لطالب علم، ولا لمتقدم للدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يتتبع عورات الناس، وإنما يكلهم إلى الله. جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (أنه رأى رجلاً مسرعاً، فقال له: ما لك؟ قال: جاري يشرب الخمر في بيته، وأنا ذاهب إلى صاحب الشرط لأشتكيه، قال: هل نصحته، قال: لا، قال: اذهب إليه أولاً فانصحه) . وهكذا: يروى عن أحمد ﵀ أنه سئل: إذا نهيت جاري عن منكر يفعله فلم ينته، هل أستعدي عليه الحاكم؟ قال: لا. مهمتك أن تنصحه وتنهاه، ما دام مستتراً ليس لك عليه سبيل، دعه في شأنه، لعل الله يهديه، وحاول بنصحك له، والتلطف معه، لعل الله يرحمه، أما إذا جاهر صاحب المنكر وأظهر منكره، فهذا كان في ستر الله فهتك الستر عن نفسه، وأصبح مرتكباً جرمين: جرم المنكر الذي يفعله، وجرم الاستهانة بإحساس المجتمع، ونشر الرذيلة على غيره، فهو كمورد الرذائل للمجتمع، فهذا أصبح بؤرة فساد وإغواء، فلا يترك، وعلى كل فرد من الأفراد أن يرفع أمره إلى الحاكم، ولا ينتظر من هو معين أو مسئول عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا نُصح فلم ينتصح، ووُعظ فلم يتعظ، وأصبح يجاهر ويستهتر، ويفعل المنكر غير مبال، فهذا لا حرمة له. إذاً: (وحسابهم على الله) فيما هو بينهم وبين الله، أما إذا كشف صفحته فهذا شيء آخر، وقد جاء في الحديث: (من ابتلي منكم بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فمن كشف لنا صفحته أخذناه بفعله) إذاًَ ما دام يعصي الله سراً فلعل الله أن يتوب عليه.

стр. 243

الفرق بين الجهاد في سبيل الله وقتال الأمم الأخرى وهناك تتمة بسيطة: إذا قارنا بين الجهاد في سبيل الله، وقتال الأمم الأخرى، نجد الفرق عظيماً جداً، بين شناعة وفظاعة الأمم غير المسلمة إذا قدرت، فإنها -كما يقولون- تأتي على الأخضر واليابس، وتأتي بالأسلحة العامة الفتاكة التي تأخذ البريء والمذنب، والطفل والمرأة، والشاب والكبير، وكل إنسان، أما الإسلام: فإننا نجد فيه الآداب الحسنى: (لا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا شيخاً هرماً) أولئك كلهم لا يقتلون، ونهى عن استعمال السلاح في الدمار العام -كما في رواية الموطأ- أي: عن الغرق وإحراق النحل أو النخل والمرافق العامة، إلا إذا تترس بها الكفار، ولم نصل إليهم إلا عن طريقها. وإذا وضعت الحرب أوزارها، وجاء أسارى في أيدي المسلمين، فهل يقتلون؟ هل يمثل بهم؟ هل هل إلى آخره؟ لا والله، انظر إلى قول تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:٨] الأسير في أيدي المسلمين ليس مسلماً، وإنما هو كافر أخذ بحد السيف، ومع ذلك يطعمونه مع الأيتام ومساكين المسلمين، لأي شيء؟ ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان:٩-١٠] هكذا المسلم يعامل الأسير لوجه الله، ويتقي ويخاف الله فيه، بخلاف غير المسلمين، فهل بعد ذلك يعاب على المسلمين الجهاد في سبيل الله؟ لا والله. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 244

شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع [١]

стр. 245

شرح حديث: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه) بسم الله الرحمين الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال المصنف ﵀: [عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم) رواه البخاري ومسلم] .

стр. 246

ترجمة راوي الحديث أبي هريرة هذا الحديث يرويه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وكنيته، واسمه: عبد الرحمن بن صخر كما ذكر النووي وللعلماء خلاف في حقيقة اسمه وكنيته: فقيل: كان اسمه عبد شمس في الجاهلية، فلما أسلم سمّاه الرسول ﷺ عبد الرحمن، وكناه بـ أبي هريرة، وهريرة: تصغير هرة، قيل: كان في الجاهلية كان يرعى غنماً، فوجد هرة برية فاحتملها معه، وكان في الليل يضعها على غصن شجرة لتبيت عليه، فإذا جاء الصباح أخذها واصطحبها معه؛ مخافة عليها من الوحوش، فقيل له: أبو هريرة. وقيل: إن الكنية كناه بها رسول الله ﷺ حين رآه يحمل هرة صغيرة في كُمّه، فقال: (ما هذا يا عبد الرحمن؟! قال: هرة، قال: يا أبا هريرة) ! وقالوا: إن حمله إياها بعد الإسلام شفقة بها، بينما حمله إياها في الجاهلية تسلية، وإشفاقه على الهرة ناتج عن استشعاره للواجب الشرعي الداعي إلى الرفق بالحيوان؛ إذ أنه صاحب حديث: (دخلت امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) ، ومهما يكن من شيء فإن كنيته أصبحت أشهر وأعرف من اسمه عبد الرحمن. وذكروا أ، هـ أسلم وهاجر سنة سبع من الهجرة، ووصل إلى المدينة والنبي ﷺ في خيبر وقت غزوة خيبر، فلحق به، وصحب النبي ﷺ ثلاث سنوات. وترجمة أبي هريرة رضي الله تعالى عنه تعتبر من أهم التراجم لكل طالب علم؛ لأنه رسم منهجاً لطلبة العلم المتفرغين.

стр. 247

حب أبي هريرة وأمه من علامات الإيمان قال أبو هريرة في حقه وحق أمه: (ما من مؤمن يسمع بي أو يراني إلا أحبني، قالوا: ولم يا أبا هريرة؟! قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتمتنع، وفي يوم أسمعتني كلاماً شديداً في رسول الله ﷺ أحزنني، فذهبت أبكي إلى رسول الله ﷺ وقلت له: إن أمي أسمعتني كلاماً فيك أبكاني، فادع الله لها بالهداية، فدعا رسول الله ﷺ لها أن يهديها الله للإسلام، فرجع أبو هريرة قال: فوجدت الباب مجافياً، وسمعت صوت الماء، فإذا بأمي تخرج، وقد لبست درعها، ولبست خمارها، وبادرتني قائلة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فرجعت إلى رسول الله أبكي من شدة الفرح، ثم قلت: يا رسول الله! إنا غريبان فادع الله لنا، فقال: اللهم! حبب أبا هريرة وأمه للناس) ، فلذا يقول أبو هريرة: (إن من رآني أو سمع بي أحبني) ، وهنا نلفت النظر إلى أولئك الذين لا يحبون أبا هريرة، ولا يترضون عنه، فيوجد أشخاص بل طوائف وجماعات تبنت هذا الفكر السقيم، وألفت في ذلك الكتب، وقد سخر الله من دافع عن أبي هريرة ﵁.

стр. 248

صبر أبي هريرة ﵁ على طلب للعلم بعض الناس استكثروا على أبي هريرة، وربما ردوا آحاده التي تخالف القياس على زعمهم، وقد ذكر أبو هريرة رضي الله تعالى عنه سبب كثرة أحاديثه، ودافع عن نفسه فيما انتُقد عليه، وذلك عندما قالوا له: (يا أبا هريرة! تسمعنا أحاديث لم نسمعها من غيرك من أصحاب رسول الله ﷺ ! فقال: إن إخواني من المهاجرين كانت تشغلهم الأسواق، والضرب في التجارة، وإخواني من الأنصار كان يشغلهم العمل في بساتينهم وزراعاتهم، أما أنا فكنت أصحب رسول الله ﷺ على شبع بطني، وقد كنت أصرع ما بين المنبر وحجرة رسول الله ﷺ ، حتى يأتي الرجل فيجلس على رأسي أو على صدري يظن بي الجنون، وما بي إلا الجوع، ولقد خرجت يوماً ولقيت أبا بكر فسألته عن معنى آية، وإني -والله- لأعرف ذلك ولكن بغية أن يصحبني إلى بيته، ولقيت عمر فسألته ومشيت معه حتى وصل إلى باب بيته، فأسند ظهره إلى باب البيت وتبسم، وقال: يا أبا هريرة! لو كان عندنا شيء لاستضفناك) . ويذكر لنا: (أنه ﵁ وجماعة من أهل الصفة جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، فرأى في وجوههم الجوع، فأتي بطبق فيه تمر، فأعطى كل واحد تمرتين، وقال: كلوا هاتين التمرتين واشربوا عليهما الماء فإنهما يجزيانكم يومكم، فأكل أبو هريرة تمرة، وأبقى أخرى! فقال له ﷺ : لم أبقيت الأخرى يا أبا هريرة؟! قال: لأمي) يعني: كان هو وأمه ليس عندهما شيء، فيقتات بتمرة، ويحمل تمرة لأمه. ويقول: (خرجت فلقيني عمر فسلم ومضى، ولقيني أبو بكر فسلم ومضى، ولقيني رسول الله فعرف ما في نفسي، فتبسم وقال: يا أبا هريرة! ما أخرجك؟ قلت: الجوع، قال: اتبعني، فدخل رسول الله ﷺ بيته، واستأذنت ودخلت، فأتي بقدح فيه لبن، فسأل: من أين هذا؟ قالوا: أُهدي إلينا من بيت فلان) ، وكان ﷺ إذا تُصدق عليه بشيء أرسله إلى أهل الصفة، وإذا أهدي إليه شيء أخذ منه وأعطى أهل الصفة، وكان أهل الصفة ضيوفاً على الإسلام، ليس لهم بيت يأوون إليه، ولا تجارة، ولا زراعة، منقطعون ومتفرغون للعبادة، وتلقي العلم، وإذا دعا داعي الجهاد كانوا هم الأوائل، قال: (يا أبا هريرة! ادع أهل الصفة، يقول أبو هريرة: فساءني ذلك في نفسي، وودت لو أخذت جرعات من هذا اللبن، ولكن طاعةً لله وطاعة لرسوله، ذهبت ودعوتهم، فلما جاءوا وجلسوا في البيت قال: يا أبا هريرة! خذ فاسق القوم، فأخذت أعطي الرجل يشرب، ثم أعطي الآخر حتى شربوا جميعهم، ورددت القدح إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله: يا أبا هريرة! لم يبق إلا أنا وأنت) . انظروا هذه الكرامة يا إخوان! (لم يبق إلا أنا وأنت) ، وفيها مساواة أبي هريرة لرسول الله ﷺ في الفضلة الباقية، فقال: (اشرب يا أبا هريرة! قال: فشربت، قال: اشرب يا أبا هريرة! قال: فشربت، ثم قال: اشرب قال: فشربت، ثم قال: اشرب، فقلت: والله! لا أجد له مسلكاً) ، وفي بعض الروايات: (فرويت حتى رأيت الري بين أظفاري، وبقي في القدح بقية، فشرب ﷺ من تلك الفضلة) ! معجزة عظيمة، قدح يسقي أهل الصفة حتى يفيض، ويشرب أبو هريرة حتى لا يجد له مسلكاً، ولو كان انفرد بالقدح لشرب كل ما فيه، ولكن معجزات رسول الله ﷺ أكثر من أن تحصى، والذي يهمنا أن أبا هريرة صحب رسول الله ﷺ كما قال عن نفسه: (على شبع بطني) .

стр. 249

بركة دعاء النبي ﷺ لأبي هريرة يقول صحابي: (كنا في المسجد ندعو، فجاء رسول الله ﷺ فأمسكْنا، فقال: عودوا إلى ما كنتم عليه، فأخذنا ندعو: اللهم! اغفر لنا، اللهم! ارحمنا، اللهم! ارزقنا، فقام أبو هريرة وقال: اللهم! إني أسألك بمثل ما سألك به صاحبي هذان، وأسألك أن تعلمني ما لم أعلم، فقال ﷺ : آمين) ، فدعا أبو هريرة أن يعلمه الله، وأمّن على ذلك رسول الله ﷺ . ومن هنا نرد على أولئك الذين يقولون: أبو هريرة راوٍ وليس بفقيه، فنقول: بل هو فقيه، وقد قال الإمام الذهبي في ترجمة أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: الإمام الثقة الحافظ الفقيه، وإذا لم يكن أبو هريرة فقيهاً فمن يكون الفقيه إذاً؟! ولما أكثروا عليه، قال: تقولون: أكثر أبو هريرة! أكثر أبو هريرة! وفي يوم وقف عند باب المسجد، فكلما رأى رجلاً خارجاً قال: قف! ماذا قرأ الإمام في صلاة العشاء؟ فيلتبس على البعض منهم، فيقول: الآن صليت مع الإمام ونسيت ماذا قرأ، وتريد أن تكون مثلي فيما حفظت عن رسول الله؟! وامتاز أبو هريرة بخصيصة لم يمتز بها أحد من الصحابة، ففي الحديث: (جاء إلى النبي ﷺ ، وشكى إليه النسيان) ، وفي بعض الروايات: (جلس ﷺ ، فأخذ شملة لي عن كتفي وبسطها) ، وفي بعض الروايات: (فأخذت ردائي فبسطته) ، وفي بعض الروايات: أنه ﷺ قال: (من أراد أن يحفظ فليبسط رداءه، فبسطت ردائي، فلما قضى حديثه ﷺ قال: ضم إليك رداءك يا أبا هريرة! فضممته إلى صدري، فما نسيت حرفاً سمعته من رسول الله ﷺ !) .

стр. 250

اختبار قوة حفظ أبي هريرة ﵁ يذكرون أن مروان بن الحكم لما كان أميراً للمدينة طلب أبا هريرة، فاحتال عليه ليكتب حديثه، وأجلس الكاتب وراء حجاب، وأخذ يسأله، وأبو هريرة يحدث، والكاتب يكتب، حتى انتهى المجلس فقال: يا أبا هريرة! كتبنا حديثك، فقال: أوفعلتم؟! أسمعوني، فأسمعوه، ثم بعد سنة دعا أبا هريرة، وطلبه أن يحدثهم بما كتبوا عنه، فحدثهم، فما أخطأ في حرف واحد! ونحو هذا وقع للبخاري ﵀ حينما جاء إلى بغداد، وقد سمع الناس بحفظه، فجعلوا له مجلساً وجاءوا بعشرة رجال، وأعطوا كل واحد عشرة أحاديث، ثم قلبوا الأسانيد، ثم سأله كل رجل منهم، ويقول: حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ أنه قال كذا فيقول: لا أعرفه بهذا السند، ثم الثاني إلى العاشر، مائة حديث ويقول في كل حديث: لا أعرفه بهذا السند، فكيف يكون حافظاً؟ وكيف يكون طالب علم؟ مائة حديث لا يعرف منها حديثاً واحداً بذلك السند! لكنه واثق من نفسه، وقبل أن ينصرفوا قال: على رسلكم، أما أحاديث فلان الأول فإن حديثه الأول سنده كذا وكذا أن رسول الله ﷺ قال كذا، وحديثه الثاني: كذا وكذا أن رسول الله ﷺ قال كذا، وأعاد المائة حديث إلى أسانيدها الصحيحة، فحينئذٍ سلموا له بالإمامة والحفظ.
следующие страницы →