← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7719

شرح الأربعين النووية لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (863 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ترجمة راوي الحديث أبي هريرة هذا الحديث يرويه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وكنيته، واسمه: عبد الرحمن بن صخر كما ذكر النووي وللعلماء خلاف في حقيقة اسمه وكنيته: فقيل: كان اسمه عبد شمس في الجاهلية، فلما أسلم سمّاه الرسول ﷺ عبد الرحمن، وكناه بـ أبي هريرة، وهريرة: تصغير هرة، قيل: كان في الجاهلية كان يرعى غنماً، فوجد هرة برية فاحتملها معه، وكان في الليل يضعها على غصن شجرة لتبيت عليه، فإذا جاء الصباح أخذها واصطحبها معه؛ مخافة عليها من الوحوش، فقيل له: أبو هريرة. وقيل: إن الكنية كناه بها رسول الله ﷺ حين رآه يحمل هرة صغيرة في كُمّه، فقال: (ما هذا يا عبد الرحمن؟! قال: هرة، قال: يا أبا هريرة) ! وقالوا: إن حمله إياها بعد الإسلام شفقة بها، بينما حمله إياها في الجاهلية تسلية، وإشفاقه على الهرة ناتج عن استشعاره للواجب الشرعي الداعي إلى الرفق بالحيوان؛ إذ أنه صاحب حديث: (دخلت امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) ، ومهما يكن من شيء فإن كنيته أصبحت أشهر وأعرف من اسمه عبد الرحمن. وذكروا أ، هـ أسلم وهاجر سنة سبع من الهجرة، ووصل إلى المدينة والنبي ﷺ في خيبر وقت غزوة خيبر، فلحق به، وصحب النبي ﷺ ثلاث سنوات. وترجمة أبي هريرة رضي الله تعالى عنه تعتبر من أهم التراجم لكل طالب علم؛ لأنه رسم منهجاً لطلبة العلم المتفرغين.

стр. 247

حب أبي هريرة وأمه من علامات الإيمان قال أبو هريرة في حقه وحق أمه: (ما من مؤمن يسمع بي أو يراني إلا أحبني، قالوا: ولم يا أبا هريرة؟! قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتمتنع، وفي يوم أسمعتني كلاماً شديداً في رسول الله ﷺ أحزنني، فذهبت أبكي إلى رسول الله ﷺ وقلت له: إن أمي أسمعتني كلاماً فيك أبكاني، فادع الله لها بالهداية، فدعا رسول الله ﷺ لها أن يهديها الله للإسلام، فرجع أبو هريرة قال: فوجدت الباب مجافياً، وسمعت صوت الماء، فإذا بأمي تخرج، وقد لبست درعها، ولبست خمارها، وبادرتني قائلة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فرجعت إلى رسول الله أبكي من شدة الفرح، ثم قلت: يا رسول الله! إنا غريبان فادع الله لنا، فقال: اللهم! حبب أبا هريرة وأمه للناس) ، فلذا يقول أبو هريرة: (إن من رآني أو سمع بي أحبني) ، وهنا نلفت النظر إلى أولئك الذين لا يحبون أبا هريرة، ولا يترضون عنه، فيوجد أشخاص بل طوائف وجماعات تبنت هذا الفكر السقيم، وألفت في ذلك الكتب، وقد سخر الله من دافع عن أبي هريرة ﵁.

стр. 248

صبر أبي هريرة ﵁ على طلب للعلم بعض الناس استكثروا على أبي هريرة، وربما ردوا آحاده التي تخالف القياس على زعمهم، وقد ذكر أبو هريرة رضي الله تعالى عنه سبب كثرة أحاديثه، ودافع عن نفسه فيما انتُقد عليه، وذلك عندما قالوا له: (يا أبا هريرة! تسمعنا أحاديث لم نسمعها من غيرك من أصحاب رسول الله ﷺ ! فقال: إن إخواني من المهاجرين كانت تشغلهم الأسواق، والضرب في التجارة، وإخواني من الأنصار كان يشغلهم العمل في بساتينهم وزراعاتهم، أما أنا فكنت أصحب رسول الله ﷺ على شبع بطني، وقد كنت أصرع ما بين المنبر وحجرة رسول الله ﷺ ، حتى يأتي الرجل فيجلس على رأسي أو على صدري يظن بي الجنون، وما بي إلا الجوع، ولقد خرجت يوماً ولقيت أبا بكر فسألته عن معنى آية، وإني -والله- لأعرف ذلك ولكن بغية أن يصحبني إلى بيته، ولقيت عمر فسألته ومشيت معه حتى وصل إلى باب بيته، فأسند ظهره إلى باب البيت وتبسم، وقال: يا أبا هريرة! لو كان عندنا شيء لاستضفناك) . ويذكر لنا: (أنه ﵁ وجماعة من أهل الصفة جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، فرأى في وجوههم الجوع، فأتي بطبق فيه تمر، فأعطى كل واحد تمرتين، وقال: كلوا هاتين التمرتين واشربوا عليهما الماء فإنهما يجزيانكم يومكم، فأكل أبو هريرة تمرة، وأبقى أخرى! فقال له ﷺ : لم أبقيت الأخرى يا أبا هريرة؟! قال: لأمي) يعني: كان هو وأمه ليس عندهما شيء، فيقتات بتمرة، ويحمل تمرة لأمه. ويقول: (خرجت فلقيني عمر فسلم ومضى، ولقيني أبو بكر فسلم ومضى، ولقيني رسول الله فعرف ما في نفسي، فتبسم وقال: يا أبا هريرة! ما أخرجك؟ قلت: الجوع، قال: اتبعني، فدخل رسول الله ﷺ بيته، واستأذنت ودخلت، فأتي بقدح فيه لبن، فسأل: من أين هذا؟ قالوا: أُهدي إلينا من بيت فلان) ، وكان ﷺ إذا تُصدق عليه بشيء أرسله إلى أهل الصفة، وإذا أهدي إليه شيء أخذ منه وأعطى أهل الصفة، وكان أهل الصفة ضيوفاً على الإسلام، ليس لهم بيت يأوون إليه، ولا تجارة، ولا زراعة، منقطعون ومتفرغون للعبادة، وتلقي العلم، وإذا دعا داعي الجهاد كانوا هم الأوائل، قال: (يا أبا هريرة! ادع أهل الصفة، يقول أبو هريرة: فساءني ذلك في نفسي، وودت لو أخذت جرعات من هذا اللبن، ولكن طاعةً لله وطاعة لرسوله، ذهبت ودعوتهم، فلما جاءوا وجلسوا في البيت قال: يا أبا هريرة! خذ فاسق القوم، فأخذت أعطي الرجل يشرب، ثم أعطي الآخر حتى شربوا جميعهم، ورددت القدح إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله: يا أبا هريرة! لم يبق إلا أنا وأنت) . انظروا هذه الكرامة يا إخوان! (لم يبق إلا أنا وأنت) ، وفيها مساواة أبي هريرة لرسول الله ﷺ في الفضلة الباقية، فقال: (اشرب يا أبا هريرة! قال: فشربت، قال: اشرب يا أبا هريرة! قال: فشربت، ثم قال: اشرب قال: فشربت، ثم قال: اشرب، فقلت: والله! لا أجد له مسلكاً) ، وفي بعض الروايات: (فرويت حتى رأيت الري بين أظفاري، وبقي في القدح بقية، فشرب ﷺ من تلك الفضلة) ! معجزة عظيمة، قدح يسقي أهل الصفة حتى يفيض، ويشرب أبو هريرة حتى لا يجد له مسلكاً، ولو كان انفرد بالقدح لشرب كل ما فيه، ولكن معجزات رسول الله ﷺ أكثر من أن تحصى، والذي يهمنا أن أبا هريرة صحب رسول الله ﷺ كما قال عن نفسه: (على شبع بطني) .

стр. 249

بركة دعاء النبي ﷺ لأبي هريرة يقول صحابي: (كنا في المسجد ندعو، فجاء رسول الله ﷺ فأمسكْنا، فقال: عودوا إلى ما كنتم عليه، فأخذنا ندعو: اللهم! اغفر لنا، اللهم! ارحمنا، اللهم! ارزقنا، فقام أبو هريرة وقال: اللهم! إني أسألك بمثل ما سألك به صاحبي هذان، وأسألك أن تعلمني ما لم أعلم، فقال ﷺ : آمين) ، فدعا أبو هريرة أن يعلمه الله، وأمّن على ذلك رسول الله ﷺ . ومن هنا نرد على أولئك الذين يقولون: أبو هريرة راوٍ وليس بفقيه، فنقول: بل هو فقيه، وقد قال الإمام الذهبي في ترجمة أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: الإمام الثقة الحافظ الفقيه، وإذا لم يكن أبو هريرة فقيهاً فمن يكون الفقيه إذاً؟! ولما أكثروا عليه، قال: تقولون: أكثر أبو هريرة! أكثر أبو هريرة! وفي يوم وقف عند باب المسجد، فكلما رأى رجلاً خارجاً قال: قف! ماذا قرأ الإمام في صلاة العشاء؟ فيلتبس على البعض منهم، فيقول: الآن صليت مع الإمام ونسيت ماذا قرأ، وتريد أن تكون مثلي فيما حفظت عن رسول الله؟! وامتاز أبو هريرة بخصيصة لم يمتز بها أحد من الصحابة، ففي الحديث: (جاء إلى النبي ﷺ ، وشكى إليه النسيان) ، وفي بعض الروايات: (جلس ﷺ ، فأخذ شملة لي عن كتفي وبسطها) ، وفي بعض الروايات: (فأخذت ردائي فبسطته) ، وفي بعض الروايات: أنه ﷺ قال: (من أراد أن يحفظ فليبسط رداءه، فبسطت ردائي، فلما قضى حديثه ﷺ قال: ضم إليك رداءك يا أبا هريرة! فضممته إلى صدري، فما نسيت حرفاً سمعته من رسول الله ﷺ !) .

стр. 250

اختبار قوة حفظ أبي هريرة ﵁ يذكرون أن مروان بن الحكم لما كان أميراً للمدينة طلب أبا هريرة، فاحتال عليه ليكتب حديثه، وأجلس الكاتب وراء حجاب، وأخذ يسأله، وأبو هريرة يحدث، والكاتب يكتب، حتى انتهى المجلس فقال: يا أبا هريرة! كتبنا حديثك، فقال: أوفعلتم؟! أسمعوني، فأسمعوه، ثم بعد سنة دعا أبا هريرة، وطلبه أن يحدثهم بما كتبوا عنه، فحدثهم، فما أخطأ في حرف واحد! ونحو هذا وقع للبخاري ﵀ حينما جاء إلى بغداد، وقد سمع الناس بحفظه، فجعلوا له مجلساً وجاءوا بعشرة رجال، وأعطوا كل واحد عشرة أحاديث، ثم قلبوا الأسانيد، ثم سأله كل رجل منهم، ويقول: حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ أنه قال كذا فيقول: لا أعرفه بهذا السند، ثم الثاني إلى العاشر، مائة حديث ويقول في كل حديث: لا أعرفه بهذا السند، فكيف يكون حافظاً؟ وكيف يكون طالب علم؟ مائة حديث لا يعرف منها حديثاً واحداً بذلك السند! لكنه واثق من نفسه، وقبل أن ينصرفوا قال: على رسلكم، أما أحاديث فلان الأول فإن حديثه الأول سنده كذا وكذا أن رسول الله ﷺ قال كذا، وحديثه الثاني: كذا وكذا أن رسول الله ﷺ قال كذا، وأعاد المائة حديث إلى أسانيدها الصحيحة، فحينئذٍ سلموا له بالإمامة والحفظ.

стр. 251

منهجية أبي هريرة ﵁ في نشر العلم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه مناقبه كثيرة، ومنهجه في العلم يعد قدوة، فقد كان منقطعاً لطلب العلم والحفظ عن رسول الله ﷺ ، إذاً: أبو هريرة لا يُطعن في شخصيته، ولا يُشك في أحاديثه، وقد ردها طائفة من أهل البدع، وطعنوا في كل ما روى، وشكك فيه بعض الناس، وقال بعضهم: إذا وافقت روايته القياس أخذنا بها، وإذا لم توافق قدمنا القياس عليها، وكل هذا انتقاص له، وطعن في مرجعية إسلامية كبرى. وبعضهم يأخذ عليه قوله: (إن عندي جرابين من أحاديث رسول الله ﷺ : جراب بثثته لكم، وجراب لو بثثته لقطع هذا -وأشار إلى حلقه-) ، فقالوا: لماذا يخفيه؟ والجواب أنه لم يبثه على جميع الناس، ولكن لم يعدم أن يذكره لبعض الآحاد والأفراد وإلا لما وصلنا، وفي هذا الجراب الذي أمسكه أحاديث الفتن، وكان يمشي في السوق ويقول: (اللهم! إني أعوذ بك من سنة الستين، وإمارة الصبيان) ، وكان يذكر أشياء ويدع أخرى، وله سلف، فأمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه كان يقول: (حدثوا الناس بما يعقلون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!) ، ويقول الذهبي: لو أن أبا هريرة حدثهم بأن البيت يهدم أو يحرق، سيقولون: من يصدق أبا هريرة في هذا؟! ومن كان يخطر في باله أن الكعبة ستهاجم؟ فكان يحفظ أشياء عن رسول الله ﷺ ولا يحدث بها؛ لأن عقول الناس آنذاك لا تتحملها.

стр. 252

ولاية أبي هريرة ﵁ للمدينة من عدالة أبي هريرة: أنه ولي الإمارة في المدينة، فكان معاوية تارة يوليه، وتارة يولي مروان، وعمر رضي الله تعالى عنه استعمله على البحرين أو أرسله مع العلاء، فقد ولي الإمارة لعدالته، وكان آخر أمره أنه لازم بستانه في العقيق، ومات بالمدينة رضي الله تعالى عنه عن ثمانين سنة، بعد أن خلف لنا آلاف الأحاديث عن النبي ﷺ .

стр. 253

الحث على الصبر في طلب العلم أطلنا في ترجمة أبي هريرة لتعلقها: بمنهجه في تحصيل العلم عن رسول الله، ومن ينقطع للعلم يحصل على بعض ثمرته، والعلماء يقولون: أعطه كلك يعطك بعضه، إن أعطيت العلم كلك، وتفرغت له ليلاً ونهاراً، أعطاك بعضه ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] ، فإذا أعطيته كلك ويعطيك بعضه؛ فكيف إذا كنت تعطيه البعض الأقل؟! كيف إذا كان يزاحمه في قلبك الشيء الكثير؟ ورحم الله الشاعر الشنقيطي الذي يقول: جرع النفس على تحصيله مضض المرين ذل وسغب ذل: أي تواضع لمن تأخذ عنه، تواضع لمن كان أكبر منك، وارحم من كان دونك، وابن عباس ابن عم رسول الله ﷺ يترجم لنا هذا عملياً، يقول: كنت غلاماً عند أن توفي رسول الله ﷺ ، فقلت لشاب: هلمّ نجمع حديث رسول الله ﷺ وأصحابه كثر، فقال: أتظن أن الناس يأتيهم يوم يحتاجون فيه إليك؟ قال: فقمت أنا، وقعد هو، فكنت أسمع بالحديث عند الرجل ولو آذنته لجاءني، فأتبعه من المسجد وأمشي خلفه، إلى أن يأتي إلى بيته، وأريد أن يلتفت عند دخوله البيت فيراني فيكلمني، فيدخل البيت ولا يتلفت، فأجلس على باب بيته حتى يخرج إلى الصلاة المقبلة، أضع ردائي على وجهي وتسفي الرياح على التراب، فيخرج الرجل فيقول: ابن عم رسول الله ﷺ ! لو أعلمتني لجئتك، فأقول: العلم يؤتى إليه. وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنه يمشي مع زيد بن ثابت، وهو راكب، وابن عباس يمشي، فيقول: يا ابن عم رسول الله! إما أن تركب أو أنزل؟ فيقول: لا أركب ولا تنزل، هكذا أمرنا أن نكون مع علمائنا جرع النفس على تحصيله مضض المرين ذل وسغب ليس ذل الصغار ولا الهوان، ولكن التواضع في طلب العلم. لقد رسم لنا جبريل ﵇ صورة طلب العلم، كما في حديث عمر بن الخطاب ﵁ المشهور: (دخل علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد منا، فجلس إلى النبي ﷺ ، فوضع يديه على ركبتيه وقال: أخبرني عن الإسلام؟ ... ) وهذه جلسة المتعلم المؤدب، جلسة من يطلب العلم، ويوقر من يأخذ عنه. وسغب في البيت المذكور هو الجوع، ويقولون: الإنسان إذا ملأ بطنه، وأعطى نفسه كل مطلوبها تبلد الذهن، ويقل الذكاء مع كثرة الشبع، ومن عادة العلماء في طريقة التعليم أنهم يلزمون الطالب في بداية النهار أن يحفظ قبل أن يفطر، وبعد أن يحفظ ويُسمّع ورده، يؤذن له بأن يتناول الإفطار بعد ارتفاع الشمس، ولذا يقولون: إذا أردت أن تحفظ أو تذاكر مسألة عويصة عليك؛ فلا تأتها وأنت على شبع، وإنما وأنت خالي المعدة، وقوله في هذا البيت: (ذل وسغب) ، أي: لا تشغلك الدنيا وملذاتها عن طلب العلم. ومن هنا أقول: إن فترة الدراسة بالمنحة الدراسية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة هي الفرصة الذهبية في حياة طالب العلم؛ لأنه يقضي -على أقل تقدير- سبع سنوات، ثلاثاً في الثانوية، وأربعاً في الجامعة، وإن قدر له دراسات عليا أربع أو خمس سنوات كان مجموعها عشر سنوات، يقضيها منقطعاً للدراسة، ليس كالمهاجرين يشتغلون بالأسواق لطلب المعيشة، وليس كالأنصار يشتغلون في البساتين لإصلاح أموالهم، ولكن تجارته ومزرعته وكل شيء -في هذه الفترة- هو درسه وطلبه للعلم ما بين الجامعة والمسجد النبوي الشريف الذي جعل الله فيه البركة لكل طالب علم، وأخبر رسول الله ﷺ أن الآتي إليه معلماً كان أو متعلماً كالغازي في سبيل الله. ولو تتبعنا ترجمة أبي هريرة لخرجنا عن موضوع الحديث، ويكفينا هذا القدر، ونرجع إلى ما رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ .

стр. 254

وجوب اجتناب ما نهى عنه الشرع يقول أبو هريرة: (سمعت) وإذا ذكر السماع فمعناها: التلقي بواسطة السمع مباشرة من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) (ما نهيتكم عنه) : شيء عام، ويقول علماء اللغة: أعم العموم لفظة شيء، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] فشملت كل كائن. وما نهى عنه رسول الله ﷺ يشمل ما كان في السنة ابتداءً أو كان في كتاب الله، فهو المبلغ عن الله، فكل ما نهى عنه رسول الله ﷺ فقد نهى عنه الله، وما حكم النهي؟ اجتناب المنهي عنه، ولذا قال العلماء: النهي يقتضي الفساد، والنهي إما أن يكون في العقود وإما في العبادات، إما في عبادة أو معاملة، فالنهي في المعاملات يقتضي: الفساد، والنهي في العبادات يقتضي: التحريم والبطلان. وإذا تتبعنا النواهي سنجد أنها شرعت لحفظ الكليات الخمس وهي: الدين، والدماء، والنفوس، والأموال، والأنساب. وقال ﷺ : (فاجتنبوه) بدلاً من (فاتركوه) ؛ لأن الترك قد يكون بعد فعل، وقد يكون بمجرد الكف، أما (اجتنبوه) فمعناها: أن تكون أنت في جانب والمنهي عنه في جانب آخر، وبينكما مسافة بعيدة. إذاً: (فاجتنبوه) أبلغ من (فاتركوه) أو (فلا تفعلوه) .

стр. 255

شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع [٢]

стр. 256

معنى قوله: (فائتوا منه ما استطعتم) بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال ﵊: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) ، الأمر مبني على الاستطاعة، بخلاف النهي فهو للاجتناب، ولِمَ لا يكون الأمر بدون قيد الاستطاعة؟ ولِمَ لا يكون النهي مقيداً بالاستطاعة؟ قالوا: لأن الترك عدمي: اتركه، يعني: كف عنه وابتعد عنه، بدون قيد ولا شرط، أما المأمور به فقد يكون ذا شروط، وذا جزئيات، وقد تتوافر الشروط كلها، وقد لا تتوافر كلها، فإذا لم تتوافر كل الشروط فيؤتى منه قدر المستطاع، ولا يترك بالمرة. فمثلاً: الصلاة مأمور بها، ولها شروط مثل: الطهارة، استقبال القبلة، ستر العورة. وكل هذه من شروط صحة الصلاة، فإذا لم يستطع توفير كل شروط الصلاة، فهل يترك الصلاة أو يفعل من شروطها ما استطاع؟ يفعل ما استطاع. وإذا عُدِم الماء انتقل إلى التيمم، وإذا فَقَدَ الطهورين، فيصلي صلاة عادم الطهورين. وإذا لم يكن لديه ما يستر كامل العورة، وعنده ما يستر السوأتين فقط، فهل يترك الستر مرة واحدة أو يستتر بالموجود؟ يستتر بالموجود، حتى قال بعض العلماء: لو أن إنساناً سرقت ثيابه، وليس عنده ثوب يصلي به بالكلية، وبجواره نهر، فليدخل في النهر حتى يستر به عورته، ويقول: ويذكر بعض العلماء كـ النووي وغيره: إذا لم يكن هناك ماء، وهناك طين في الأرض، فهل يدهن نفسه بالطين حتى يستر عورته أم لا؟ لسنا بصدد هذا، وإنما أردنا الإشارة إلى أن الفقهاء ذهبوا إلى اعتبار الاستطاعة. وإذا عجز الإنسان عن الصلاة قائماً فليصل قاعداً، وإن عجز عن الجلوس اضطجع، لقوله: (فأتوا منه ما استطعتم) ، ولا تسقط الصلاة بالكلية. وفي ساحات المعارك عند احتدام القتال لا تسقط الصلاة، بل يصلون بقدر المستطاع، إما جماعة وإما وهم يكرون ويفرون، ولهم أن يصلوا بقلوبهم وألسنتهم، ولا يتقيدون باستقبال القبلة؛ لأنهم ما استطاعوا، والآية الكريمة تقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ، وأيضاً: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، فكل العبادات والأوامر في الشرع مبناها على الاستطاعة، وهذه أمثلة في الصلاة. نأتي إلى الزكاة: ليس بلازم على كل شخص أن يعمل ويكتسب ليبلغ عنده النصاب فيزكي، ولكن بحسب استطاعته إن ملك نصاباً وحال عليه الحول زكى، وهل الحكم مبني على الاستطاعة أو على الإلزام؟ على الاستطاعة. وفي الصيام: إذا عجز عن الصيام لسفر أو مرض ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] . وفي الحج: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] . وفي الجهاد: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح:١٧] . وهكذا جميع العبادات والتكاليف مبناها على الاستطاعة. وقوله: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه) ، كل النواهي مقدور على تركها، وهناك بعض الجزئيات من النواهي لا يتأتى تركها، وجاءت النصوص بالرخصة فيها، مثل الرخصة في أكل الميتة المنهي عنها، وهكذا الرخصة في ارتكاب أخف الضررين، فإذا غص أحد بطعام وليس عنده ما يسيغ به اللقمة إلا الخمر، وقد يموت بسبب حبس الهواء عن رئتيه بسبب اللقمة التي سدت البلعوم، قال الفقهاء: له أن يزيل الغصة عن نفسه ولو بجرعة خمر، لكن لا يشربها للعطش؛ لأن الخمر لا تذهب العطش بل تزيده. إذاً: جميع المحرمات مقدور على تركها ﴿لا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] ، ﴿لا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾ [الأنعام:١٥١] ، ﴿لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ [الأنعام:١٥١] كل هذه يمكن للإنسان أن يكف عنها، ولا يقع فيها إلا بنوازع الشر، وكان في مقدوره الإنساني وطاقته البشرية أن يكف عنها. إذاً: جميع المنهيات مقدور على تركها، وليست جميع الأوامر مقدور على إتيانها؛ لأن لها شروطاً قد يعجز عنها فخفف الشرع فيها، وجعلها بقدر المستطاع. انتهى شرح قوله ﷺ :. (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) ، ولوالدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه كلام جميل جداً على كلمة (فاجتنبوه) عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] ، فمن أراد أن يتوسع في معنى الاجتناب فليرجع إلى أضواء البيان عند تفسير هذه الآية الكريمة.

стр. 257

كراهة الإكثار من السؤال ثم قال ﷺ : (فإنما أهلك من كان قبلكم: كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم) ، ما مناسبة قوله: (أهلك من كان قبلكم ... ) مع قوله: (اجتنبوه وافعلوا ما استطعتم) ؟ يقولون: سبب ورود الحديث: أنه ﷺ خطب الناس وقال: (إن الله فرض عليكم الحج فحجوا، فقام رجل فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟! فسكت عنه، فأعادها الرجل مرة ثانية، ثم أعادها ثالثة، فقال: لا، في العمر مرة، ولو قلت: نعم، لوجبت ولما استطعتم فكفرتم، دعوني ما أمرتكم) ، أي: الذي أسكت عنه اتركوه (فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم) ، إذاً: الحديث له سبب، ولذا ذكر ما يتعلق بالسؤال عقب الكلام على الأمر والنهي؛ لأن جواب السؤال سيكون أمراً أو نهياً. وقوله: (فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم) ، هل كثرة سؤالهم وحدها أو اختلافهم على أنبيائهم مرتبط بكثرة أسئلتهم؟ يعني: هل نأخذ كثرة أسئلتهم وحدها ونفصلها عما بعدها أم أنها مرتبطة بما بعدها وهو (واختلافهم) ؟ الجملتان مرتبطتان؛ ولذا لا تؤخذ الجزئيات كلمة كلمة، لكن تؤخذ الجملة في إطار كامل. إذاً: السؤال إما أن يكون مؤدياً لاختلاف أو يؤدي إلى علم. وبمعنى آخر: السؤال إما يكون استفتساراً للعلم والمعرفة، وإما يكون تعنتاً وتعجيزاً. فالأسئلة التعنتية والتعجيزية ليست من شأن أهل الدين، وليست من شأن طلبة العلم، بل كانت سبباً في إهلاك الأمم؛ لأنها أدت إلى اختلاف الأمة مع أنبيائها، أما الأسئلة الإيضاحية لأجل الفتوى أو لأجل التعليم، فهي من منهج التعليم الصحيح.

стр. 258

السؤال والجواب في القرآن قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (إن هذه الأمة أقل الأمم سؤالاً، ما سألت إلا اثني عشر سؤالاً، وكلها جاء الجواب عنها) . والأسئلة تنقسم إلى قسمين: أسئلة تعنت وتعجيز، وأسئلة استفهام لبيان الفتوى في الواقع. أما أسئلة التعنت والتحدي فكما بيّن لنا سبحانه أسئلة الأمم مع أنبيائهم، مثل قوم صالح حين سألوه أن يخرج لهم من الجبل ناقة، وهذا السؤال فيه تحدٍ، إذ كيف لجبل أصم أن ينتج ناقة فيها حياة؟! ولو طلبوها من البحر لكان يمكن أن تخرج ناقة من البحر، إذ فيه حيتان وحيوانات، أو من السماء لكان يمكن أن تنزل من السماء، فالله أعلم بخزائنه، لكن طلبوا ناقة من هذا الجبل الأصم! فهذا تحدٍ، ولذا كان هذا التحدي سبب إهلاكهم؛ لأنهم ما صبروا على الناقة فعقروها ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس:١٤] . بنو إسرائيل قالوا لعيسى -وانظر إلى صيغة السؤال الذي يشف على عدم الحياء-: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ﴾ [المائدة:١١٢] حسبنا الله ونعم الوكيل! من قال لهم: إن الله لا يستطيع ذلك؟! هو على كل شيء قدير، ولكن انظر إلى السؤال! فهو محض تحدٍ، والصيغة تدل على عدم الحياء وغياب الأدب، ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة:١١٢] ، خافوا ربكم! قالوا: لا، نريد أن نأكل، وهذا يشير إلى أنهم لا يؤمنون إلا ببطونهم!! والمشركون طلبوا من الرسول ﷺ أن يفجر لهم عيوناً، وأن يسير الجبال، وأن يجعل لهم جنات وأنهاراً، ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه﴾ [الإسراء:٩٠-٩٣] ، يا سبحان الله! إلى هذا الحد! فأسئلة التحدي كانت سبباً للإهلاك، ورحم الله هذه الأمة فلم يهلكها بسبب تعنتهم في أسئلتهم؛ وذلك لمقام رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] . وقد أشار القرآن إلى ثلاثة أسئلة تعجيزية، وذلك أن المشركين قالوا لليهود: أنتم أهل كتاب، فأعطونا شيئاً نورده على هذا الرجل نسكته به، فقالوا: سلوه عن ثلاثة أشياء، فإن أجابكم عن بعضها وترك بعضها فهو صادق، وإن أجابكم عنها كلها، أو ترك الإجابة عنها كلها فاعرفوا أنه كاذب، وشأنكم به. قالوا: سلوه عن فتية في غابر الزمن كان لهم شأن، وسلوه عن الرجل الذي طاف الأرض إلى المشرق والمغرب وكان له شأن، وسلوه عن الروح، فرجعوا فرحين، وسألوا رسول الله ﷺ ، فأمسك حتى جاء الوحي، وأخبره عن الفتية أصحاب الكهف: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف:٩] إلى آخره القصة، وقال الله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] ، وذو القرنين هو الذي له شأن في التاريخ الماضي، ولم يقل: يسألونك عن رجل طاف الأرض، ولا: يسألونك عن رجل صفته كذا، لا، وإنما قال جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٨٣] ، انظر كيف الجواب! وكل الأسئلة التي جاء في القرآن جوابها، فجوابها مباشر دون تمهل، ولكن هنا قال: ﴿قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ﴾ [الكهف:٨٤] ، فأول الجواب من قوله: (إنا مكنا) ، ولكن قل لهم وأسمعهم: (سأتلوا عليكم منه ذكراً) ، والتلاوة والذكر لشيء واحد، ولكن المتلو يكون ذكراً للعالمين، وأخبرهم ﷺ بالوحي عن ذي القرنين بتفصيل ربما لم يكن عند اليهود تفصيله. وهذه الأسئلة تبين لنا حقيقة الحكمة في نزول القرآن منجماً ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان:٣٢] ، فالكتب الأولى كلها نزلت جملة، فموسى جاء بالألواح وهي مكتوبة كلها، ثم عرضها على بني إسرائيل فامتنعوا من العمل بها حتى نتق الله فوقهم الجبل، قال الله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٧١] ، ولولا التهديد بالجبل فوق رءوسهم لما آمنوا، ولكن القرآن يأتي آية آية، يساير حياتهم ويعايشهم في كل ما يطرأ لهم، وكل مشكلة جاءت ينزل بحلها، وكل قضية واجهتهم يأتيهم بتوجيهها، فكانوا يأخذون القرآن آية آية، وحكماً حكماً، فما انتهت فترة الوحي إلا وقد استوعبوا الوحي كله.

стр. 259

أسئلة الصحابة المذكورة في القرآن قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] ، والسؤال عن المحيض ليس فيه تعنت، فهو أمر يحتاجون إلى معرفة أحكامه في بيوتهم ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] ، فهذا تعليم لأمور تتعلق بكل زوجين؛ ولذا جاء الجواب مفصلاً، وبعد ذلك لا ينسى أحد من الصحابة حكم المحيض. وهكذا في أي أمر اختلفوا فيه أو التبس عليهم يسألون عنه، ويأتي الجواب كقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:٢١٥] ، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة:٢١٩] ، سؤالان كلاهما عن الإنفاق، أجابهم مرة عن الجزء الذي ينفقونه وهو: العفو، أي: الزائد، وأجابهم مرة عن جهة الإنفاق، وأن أولى من تنفق عليه الوالدين والأقربين إلى آخره. وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ [طه:١٠٥] ، هذا مظهر من مظاهر الكون، وآية من الآيات المشاهدة الدالة على قدرة الخالق جل وعلا، فبين قدرته سبحانه فقال: ﴿فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه:١٠٥] . وقوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٧] ، وذلك قد وقع بالفعل، وانتهزها المشركون فرصة في الطعن على المسلمين، فقالوا: محمد ﷺ يدعي أنه يعظم حرمات الله، وهو وأصحابه يقتلون الناس في الأشهر الحرم! ﴿قُلْ﴾ [البقرة:٢١٧] على واقع الحال، واعتراف بالواقع، ولكن بمقارنة ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:٢١٧] ، ولكن ماذا فعلتم أنتم؟! كفرتم بالله، وصددتم عن سبيل الله، ففعلكم أنتم أشد من خطأ هؤلاء الذين شكوا في كون الشهر دخل أم لا. وقوله ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة:٢١٩] ، هي من المعاملات، كانوا يشربون الخمر، ويقامرون، ومن فاز بالميسر لا يأخذه ويتصدق به على المساكين، وأخذه إياه ليس على وجه حق، وإنما هو أكل لأموال الناس بالباطل عن غير طيب نفس، فالسؤال عن معاملات وأشياء واقعية يعاشرونها وتعايشهم، فجاء الجواب في القرآن عن هذا التساؤل.

стр. 260

أسئلة الصحابة المذكورة في السنة كانت الأسئلة التي سأل عنها صدر هذه الأمة أسئلة فقهية واستيضاحية وتعليمية، فتعلموا بالأسئلة، أما الأشياء التي لا جدوى من السؤال عنها فكانوا يجتنبون الخوض فيها امتثالاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١] ، ولم يسألوا عن شيء لم يقع، فلم يسألوا إلا في الواقع، ولكن هل هناك مانع من السؤال عما وقوعه محتمل؟ لا مانع إذا كانت المسألة محتملة الوقوع، ومثال ذلك لما أخبر ﷺ أن الأمة ستبتلى بأمراء جور وفساد (قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة) . مثال آخر: أرسل رسول الله ﵌ يرسل هدياً إلى الكعبة وهو في المدينة، فسأله سائق الهدي لما أراد أن يتوجه إلى مكة فقال: (يا رسول الله! لو عطب الهدي ماذا أفعل به؟) هل نهاه عن سؤاله وقال: (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم) ؟ لم يقل ذلك ﷺ ؛ لأن عطب هدي في طريق طويل من المدينة إلى مكة محتمل، وهذا من فقه صاحب الهدي، فأجاب بقوله: (انحره واغمس قلادته في دمه، وخل بينه وبين الناس) . مثال ثالث: في غزوة خيبر أرسل ﷺ إلى علي رضي الله تعالى عنه ليعطيه الراية، وكان قد قال في اليوم السابق: (لأعطين الراية غداً) إلى آخره، فلما حمل الراية قال له: (انفذ على رسلك، ولا تلتفت، وقاتلهم) فمشى علي قليلاً ثم وقف، ولم يلتفت، ونادى بصوت عالٍ: (يا رسول الله! علام أقاتل القوم؟ قال: على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ... ) إلى آخره، فسأل ليتبين، فالسؤال الذي يكون عن معرفة واستفسار حسن، أما التعنت واللجاج في المسألة -حتى ولو كان حقاً- فهو منهي عنه، وتتضح كراهة ذلك في مسألة وقعت للصحابة ﵂، فإنهم اجتمعوا رضي الله تعالى عنهم وسألوا رسول الله عن ليلة القدر، ودخل البيت، فتلاحى رجلان منهم، وكانوا يريدون أن يعلموا بليلة القدر، والسؤال عنها مطلوب، ومعرفتها بغية كل إنسان، لكن رفع علمها لما حصلت الملاحاة -ولو كانت في الحق-، فخرج عليهم ﷺ وقال: (كنت أردت أن أنبئكم فتلاحى رجلان؛ فرفعت) أي: رفع تعيينها. ومن هنا يقول العلماء: لا ينبغي لطلبة العلم الملاحاة في المسائل الفقهية ولو كانت حقاً، يروى عن مالك ﵀ أنه قال: (إن من تتبع شواذ المسائل حرم نور العلم) ، ويقول عمر بن عبد العزيز - كما نقله عنه ابن عبد البر -: (من أراد الله حرمانه من العلم شغله بشواذ المسائل) ، وعمر رضي الله تعالى عنه يقول: (أحرج على كل مسلم أن يحدث بحديث ليس عليه العمل) ، ومالك لما أراد هارون الرشيد أن يعلق الموطأ على الكعبة، ويحمل المسلمين جميعاً عليه قال: (لا تفعل؛ إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في الأمصار، ونقلوا من سنة رسول الله ﷺ ، وأخذ كل بما وصل إليه، فلا تغير على الناس) ، والإسكندري جلس عنده طلابه فتلاحوا عنده فقال: (درنت قلوبكم! قوموا إلى خالد بن حماد فاجلوا قلوبكم عنده، وتعلموا منه الرغائب ونوافل العبادات؛ فإنها ترقق القلب، وتورث المحبة، وتبعد الضغينة) . ويقولون: إن المناقشة في العلم -ولو في الحق- قد تؤدي إلى التعالي والحرص على حظ النفس، وكل يريد أن ينتصر لنفسه، فتقع الفرقة والشحناء. إذاً: السؤال إن كان للاستفتاء فلا بأس بذلك، أما أن يكون للمناقشة والجدال والتعالي فهذا هو الذي يفرق بين المسلمين، ولقد أدى تعصب بعض أتباع المذاهب إلى تسابهم وتخاصمهم وتهاجرهم، كما دوّن ذلك بعض المتأخرين، ولك أن تعجب من سؤال يتردد عند بعضهم: هل يجوز أن يتزوج شافعي بحنفية؟! إلى هذا الحد! مع أن الأئمة رضوان الله عليهم جميعاً ليسوا متعصبين، قالوا لـ أحمد: أتصلي خلف الشافعي وهو لا يتوضأ من لحم الإبل؟ قال: وماذا تراني؟! أأمتنع من الصلاة خلف مالك وخلف أبي ثور وخلف فلان وفلان؟! يعني: إذا اختلفنا في رأي أو في مسألة هل يكون ذلك سبباً لفرقتنا؟! لا. والله!

стр. 261

خلاف التضاد شر وخلاف الأفهام رحمة قوله ﵊: (فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم) أي: الأسئلة التي تؤذي إلى الخلاف؛ ولذا لما حج عثمان رضي الله تعالى عنه وأتم الصلاة في منى، جاء ابن الزبير إلى ابن مسعود وقال: (أرأيت ما فعل الرجل؟! قال: يا ابن أخي! إن صليت في رحلك فاقصر الصلاة، وإن صليت خلفه فأتم الصلاة، ولا تخالفنه فالخلاف شر كله) ، وفرق بين مخالفة واختلاف، الاختلاف في الرأي في المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها، أو فيها نصوص متعارضة، أو فيها مجال سائغ للنظر، فهذا لا يمكن لإنسان أن يرده، والرسول ﷺ أقر المختلفين في قضية واحدة في صلاة العصر في بني قريظة، أما مخالفة النص الصحيح الصريح الذي لا معارض له، فهذا مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله. إذاً: في هذا الحديث بيان موقف المسلم من الأمر والنهي، والأصوليون يأخذون من هذا الحديث قاعدة للجمع بين المتعارضين، وهي: أيهما نقدم؟ ويتفق العلماء على تقديم جانب الحظر كما ذكر ابن دقيق العيد في قضية تحية المسجد بعد العصر، وأطال النقاش في ذلك، وأورد الأدلة ثم قال: تعارضت الأدلة في الجانبين، وليس لدينا مرجح من تلك النصوص، فنأتي بمرجح من الخارج ألا وهو: إذا تعارض مبيح وحاظر قدمنا جانب الحاظر على المبيح؛ لأن مقتضى الحظر: أن تقع في محظور أقله الكراهية، ومقتضى الطلب: إن لم يكن واجباً فهو مندوب، فلأن تترك مندوباً وتسلم من مكروه أولى من أن ترتكب مكروهاً من أجل تطبيق مندوب، والأصوليون يستدلون بهذا الحديث على هذه المسألة. وننصح طلبة العلم خاصة بترك الملاحاة في السؤال، وقد جاء عنه ﷺ أنه قال: (من ترك المراء وهو محق بنى الله له بيتاً في الجنة) .

стр. 262

لا تكليف بما لا يستطاع قوله ﵊: (وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) ، مأخوذ من قوله سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن:١٦] . وهل يوجد تعارض بين الآيتين: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن:١٦] والآية الأخرى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢] ؟ وهل قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢] منسوخة أم لا؟ يذكر بعض علماء التفسير أن آية ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢] منسوخة، وقالوا: لما نزلت: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢] ذهب الصحابة يبكون إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وقالوا: من الذي يستطيع أن يتقي الله حق تقاته؟! فذهب إلى رسول الله ﷺ وأخبره بذلك فنزلت: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [آل عمران:١٠٢] ، فما فرحوا بشيء مثل فرحهم بهذه الآية، وقالوا: إنها نسخت: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ . وآخرون يقولون: ما نسخت، وبيان حق تقاته يشير إليه آخر الآية: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ، والإسلام أعم من حقيقة التقوى؛ لأن الإسلام أعمال ظاهرية تأتي بعده رتبة أعلى منه وهي: الإيمان، ثم تأتي رتبة أعلى من الإيمان وهي: الإحسان، والتقوى هي رأس مال المسلم، وهي نهاية كل شيء. فقالوا: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢] هي: امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والدوام على هذا الالتزام حتى الموت، كما جاء في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] وقال الصديق رضي الله تعالى عنه: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] أي: التزموا واستمروا على ذلك حتى ماتوا عليه. إذاً: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢] القول فيها يدور بين النسخ وبين عدم النسخ، وتفسير حق تقاته بما جاء في آخرها: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] . وبهذه المناسبة يقولون: إن ترك المعاصي كلها لا يقوى عليه إلا الصديق، وفعل المأمور به قد يقدر عليه كل الناس بقدر الطاقة؛ ولذا جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: (عجب ربنا لشاب ليست له صبوة!) لأن ترك المعاصي ليس بالأمر الهين. ولما سئل أيهما خير: شخص تراوده نفسه لعمل المعاصي فيكف أو شخص لا تراوده نفسه أبداً؟ فأيهما أقوى وأفضل عند الله؟ قال: الشخص الذي تراوده نفسه ويمنعها أفضل من الشخص الذي لا تراوده نفسه. وبهذا نعلم تفسير قوله تعالى:: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف:٢٤] ونعلم وجه الرج على من قال: كيف يهم بها وهو نبي؟! وقد أجاب العلماء بأن الهم الموجود عند يوسف ﵇ هو الدواعي الجبلية في الإنسان، فأي إنسان كان جائعاً ورأى طعاماً، فالنفس بطبيعتها تشتهي هذا الطعام، ولكن يأتي بعد ذلك النظر: هل هو حلال فيأكل منه أو هو حرام -كأن يكون ملكاً لغيره أو محرماً لذاته- فيكف عنه؟ لكن رغبة النفس موجودة، فالقدرة هنا والعفة والتقى أن يكف يده عما ليس له فيه حق. ولو كان مريضاً سقيماً ولم يأكل منه لتلك العلة، وقال: أتعفف عن الحرام، وليس الأمر كذلك، وإنما الذي منعه المرض، أما نبي الله يوسف فلو لم يكن لديه ميل فطري، وغريزة الجنس؛ لما كان مكتملاً من الناحية الإنسانية، قال الله: ﴿لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] إذاً: هو كف الهم الجبلي الذي يراود النفس، ولكن عصمه الله، فكف عن الحرام مع وجود الدوافع؛ وهنا تكمن قيمة العفاف وفضله، لا ذلك العجز الذي يريد البعض أن يصفوا به نبي الله يوسف ﵊. إذاً: المرأة كانت حريصة غاية الحرص على أن يحصل ما همت به، فغلقت الأبواب، وقالت: هيت لك، ولكن هو ما هم، ولا حرص أن يفعل، وإنما عرضت عليه خطرات النفس البشرية، ولكنه كف مع وجود الدوافع، والحرص على الفعل قد يكون له حكم الفعل كما في الحديث: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه) ، ففرق بين من هم وكان همه مجرد خطرات تتردد في النفس، وبين من هم هماً جازماً مؤكداً وما رده إلا العجز والتقصير. إذاً: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] على بابها، و ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢] أي: التزام الأوامر واجتناب النواهي، ولا يقوى عليه إلا الصديقون -كما قيل- والله تعالى أعلم. وأظن أن والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى عليه وعلينا تناول هاتين الآيتين فيما في كتابه: دفع إيهام الاضطراب، وهي من مواضع قصيدة (نظم السيوطي) فيما يتعلق بالناسخ والمنسوخ، وللشيخ ﵀ شرح على هذه القصيدة أملاه عليّ. والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يجعل طلبنا للعلم خالصاً لوجه الله، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

стр. 263

شرح الأربعين النووية - الحديث العاشر [١]

стр. 264

أهمية الحفظ في طلب العلم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: [الحديث العاشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون:٥١] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢] ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟) رواه مسلم] . يقال: من حفظ المتون حاز الفنون، ونحن في الواقع ضيعنا المتون بينما كان طلبة العلم في السابق لا يقرءون فناً إلا بعد حفظ متن فيه، مثل الزاد في الفقه، والألفية في النحو، فلابد لطالب العلم في أي فن يقرأه، أن يكون حافظاً لمتن فيه. ولكن -وهذا من المؤسف- كثرة المشاغل، وحشو القلب بكثير من الأشياء أضعف ذاكرة الحفظ، ومهما يكن من شيء فينبغي لطالب إذا استطاع أن يحفظ متناً ولو لم يفهمه، ثم سيأتي وقت يفهمه. ولذا نجد في نظام الكتاتيب، اعتناؤهم بتحفيظ الأطفال القرآن الكريم مع أن أحدهم لا يفهم معناه، ولا يستطيع أن يرتقي إلى مستوى الفهم، لكن بعد أن يكبر يكون الحفظ موجوداً، فإذا قرأ فهم، أو رجع إلى التفسير كان أيسر عليه، والله المستعان. وهذا الحديث العاشر من الأربعين النووية المباركة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وتقدم الكلام عن ترجمة أبي هريرة، وفيها ما يهم طالب العلم من الحرص والانقطاع والتفرغ للعلم.

стр. 265

معنى قوله ﷺ : (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) يقول: قال رسول الله ﷺ : (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون:٥١] ، وتمام الآية: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١] ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢] ) . قوله: (الآية) عقب ذكر جزء منها، اصطلاح، وهو يعني: إلى آخر هذه الآية، ويأتي الطابع أو يأتي الكاتب ولا يكمل الآية، وقد يقتصر على جزء من الآية وهو محل الشاهد، وقد يكون المعنى كاملاً في تمام الآية، وقد جاء عنه ﷺ أنه حينما جاء يوقظ علياً رضي الله تعالى عنه وفاطمة لقيام الليل، فقالا: أرواحنا بيد الله يرسلها متى شاء، فخرج ﷺ وهو يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤] ، وجعل يرددها، وهي جزء من آية ينطق ويستدل بها. وتتمة هذا الحديث: (وذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! يا رب!) في بعض النسخ أو الطبعات يعني: يقول: يا رب! ثلاث مرات، (ومطعمه حرام، وملبسه حرام، ومشربه حرام، وغُذِيَ -أو غُذِّيَ- بالحرام، فأنّى يستجاب له؟) .

стр. 266

عظمة الله وطيب ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله هذا الحديث في بدايته، وفي آخره، والتئام وتناسق، وبين أوله وآخره ومناسبة، وهذا موضع البحث، فقوله ﷺ : (إن الله طيب) يرتب عليه (لا يقبل إلا طيباً) ، وهذا تجانس، فالطيب لا يتناسب معه إلا الطيب ﴿الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦] ، ويتناول العلماء هذا اللفظ من هذا الحديث (إن الله طيب) ففي أي شيء هو طيب؟ طيب: في كل شيء: طيب في ذاته، طيب في أسمائه، طيب في صفاته، طيب في أفعاله. فهو طيب في ذاته، أي: منزه عن أي نقص أو شائبة عيب، وهو متصف بكل مجامع الحمد، وكما يقولون: كملت صفات المولى سبحانه، فهو الكامل في ذاته، فلا يعتريه سبحانه -ولا يجوز في حقه- أي نقص، ولا شبه بمخلوق، ومن طيبه في ذاته وفي أفعاله؛ أنه لا يكون منه إلا الطيب، ولا يليق بجلاله إلا الطيب، فهو خلق الكون، وكل خلقه طيب في نظامه، وفي وضعه، وفي تسييره، إن نظرت إلى السماء، رأيت عالماً طيباً في إحكامه، ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك:٣] ، وإذا نظرت إلى الأرض، وجدت عليها مكونات الحياة، في بحارها، في أنهارها، في جبالها، في نباتاتها، في تنظيم الخلق، في خلق الإنسان خلقاً سوياً، وكل ذلك من الله طيب؛ لأنه طيب.

стр. 267

أفعال الله طيبة وإن كان بعضها في نظر بعض الناس على غير ذلك إذا وجدت شيئاً من مخلوقات الله ليس طيباً في نظرك، فهو طيب عند الله؛ لأن وراءها من الحكم ما هو طيب. فالإنسان في الأصل أنه سوي، وخلقه الله في أحسن صورة (في أحسن تقويم) ، فإذا وجدت إنساناً ذا عاهة وعيب، فأنت تشفق عليه، وترى أنه ناقص عن غيره، ولكن الله قد جعل لهذا الشيء حكمة، وفيها من الطيب ما لا تدركه أنت، ففي الآخرة يكرمه ويعوضه، ويعطيه الشيء الكثير، بل يجعله موجباً لشكر نعمته على غيره من الأصحاء، فأنت إذا رأيت إنساناً مريضاً، فمرض هذا المريض يجعلك تشعر بالصحة، كما قالوا: (وبضدها تتميز الأشياء) ، وإذا وجدت إنساناً فقيراً فقراً مدقعاً، فاعلم أن هذا الوضع عند الله طيب، وقد جاء في الحديث القدسي، (إن من عبادي من لا يصلحهم إلا الفقر، ولو أغنيتهم لفسد حالهم) . -كما قال الله: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧]- (وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لفسد حاله) ، مع أن الله قال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] . إذاً: كل وضع في الخلق فهو من الخالق طيب، لماذا؟ لأنه من الله، ومن هنا: كان من أركان الإيمان: الإيمان والرضا بالقدر فيما وقع بك، وفيما نزل بك، فتعلم أنه طيب؛ لأنه من الله، وتعلم بأن الله عالم وقادر وغني، فإذا أمسك عنك شيئاً؛ فليس ذلك لفقر، ولا لعجز، ولا لجهل، ولكن لمصلحتك، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥] ، فكل شيء ابتلاء من الله. إذاً: معنى (إن الله طيب) : أي: طيب في ذاته، فلا يعتريه نقص سبحانه، طيب في أفعاله فلا يصدر عنه إلا الطيب، فارضَ بما كتب الله لك. إذا علمت هذا، لوجدت أن كل إنعام المولى على العالم، وكل فضله على الخلق مندرجاً تحت قوله: (إن الله طيب) ، يعلم ذلك من يعلم، ويغفل عن ذلك من يغفل، ولا يستطيع إنسان أن يدرك كل معاني: (إن الله طيب) ، واعلم أن أسماءه الحسنى كلها طيبة ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠] . وهذا المجال يكفي فيه مجرد الإشارة والتنبيه، ولا نستطيع أن نوفيه حقه.

стр. 268

طيب العمل شرط في قبوله الله سبحانه لا يقبل إلا ما كان طيباً، وهذا أمر معقول، فما دام أنه سبحانه طيب، وأفعاله طيبة، فكيف تتقرب إليه بغير الطيب؟ هو في ذاته طيب، فلا يليق به غير الطيب، وهو في أفعاله معك ومع غيرك طيب، فكيف يقدم له غير الطيب؟! هو ما فعل بك إلا الطيب، فكيف تقدم له غير الطيب؟! (لا يقبل إلا طيباً) من جميع تصرفات العباد: في عباداتهم، وفي معاملاته، فمثلاً الطهارة للصلاة، أمر ﷺ بإسباغ الوضوء؛ لأن الوضوء غير المسبغ غير طيب، والله لا يقبله؛ لأنه طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن لم تقدم له الشيء الطيب رده عليك. وكذا الصلاة، جاء في الحديث أنه إذا أحسنها العبد وأداها كما أمر الله صعدت ولها ريح طيبة، وإذا نقرها أو فرط فيها لفت كما يلف الثوب الخلِق وردت عليه! إذاً: إخلاص النية شرط في طيب العمل، قال الله تعالى في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) . والعمل الطيب يشترط فيه أيضاً أن يكون موافقاً لما جاء به ﷺ ، وقد أرسل الله لنا الرسول ﷺ حتى يبين لنا ما يريده الله منا؛ لأن العبادة حق لله، ومن حق الله أن يبينها إذ فرضها علينا، فبين العبادات التي يريدها منا، فليس لأحد من الخلق أن يخترع عبادة لله، وما دام أنها عبادة لله فيجب أن تكون من عند الله؛ لأنه هو الذي أمرنا بالعبادة، وبينها لنا، أما أن تخترع عبادة من تلقاء نفسك فلا!!

стр. 269

لا يستوي الخبيث والطيب إخلاص العمل لله شرط لطيبه، فإذا لم يكن العمل خالصاً فهو خبيث، وإذا نظرنا إلى الأشياء نجد أن الطيب يقابله الخبيث، ومن صفات النبي ﷺ في التوراة والإنجيل أنه كما قال الله: ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] ، وهذا هو الذي يليق بمقام المولى سبحانه، وبرسالات الرسل، ولأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. هذا، والكلمة تقسيمها ثنائي، إما طيبة أو خبيثة، قال الله:: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ [إبراهيم:٢٤] ، ثم قال: ﴿كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ﴾ [إبراهيم:٢٦] ، وكذا الأرض: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ﴾ [الأعراف:٥٨] ، وقال سبحانه: ﴿الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور:٢٦] . وقال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور:٢٦] ، وهكذا كل ما أوجده الله تجد فيه الطيب وتجد أنه يقابله الخبيث. وهكذا في جميع العبادات، لا يقبل الله سبحانه عبادة من إنسان إلا إذا كانت طيبة، ومتى تكون طيبة؟ إذا كانت وفق ما جاء به رسول الله ﷺ ، أي: في التشريع، وقصد فاعلها وجه الله، وهذا ما أمر الله به، وأوجبه على عباده، قال الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] ، وعلى هذا قس جميع الأعمال. وفي بعض الآثار مما يتعلق بالحج: (من حج بمال حلال، وزاد حلال، وراحلة حلال، فوضع رجله في الغرز وقال: ليبك اللهم لبيك، نودي من السماء: لبيك وسعديك، وإذا كان حراماً، وقال: لبيك، نودي: لا لبيك ولا سعديك، ارجع مأزوراً لا مأجوراً!) . ويقول بعض العقلاء: عجباً لهذا الشخص الذي يحمل زاداً حراماً ليحج به! وهذا حق، فكيف تكون قاصداً بيت الله لتحج وتؤدي المناسك وتعظم الشعائر والمشاعر؛ وأنت تحارب الله عند بيت الله بما حرم الله عليك؟! فكونك بعيداً عن بيت الله أخف، وتكون مثل السارق الذي يختفي، لكن المجاهرة بالمنكر لا تُحتمل، فلو أن إنساناً سرق ثوب جاره، ثم جاره دعاه لوليمة لديه، فهل يذهب بالثوب المسروق أم بغيره؟! فإذا ذهب بالثوب المسروق الذي يعرفه الجار جيداً، فإن هذا يعتبر تحدياً لصاحب الثوب، مع أنه دعاه ليكرمه!! أما لو كان بعيداً عنه، ولم يدر عن هذا الثوب شيئاً؛ فالأمر أهون، أما أن يتحدى صاحب الثوب، ويأتيه وهو يكرمه، فالعقل والواقع يرفض ذلك تماماً. وكذلك ربك دعاك لتحج بيته، ولتقف المواقف، ولتشهد المشاهد، وتذكر الله في تلك المواطن كلها، فكيف تأتيه متبجحاً بهذه الحال، ولسان حالك: يا رب! أنا سرقت من مال فلان، ونهبت مال فلان، واغتصبت مال فلان، وجئت لأحج بيتك بمال مسروق! فبأي شيء تفسر هذا التصرف المشين؟! (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) ، ومن هنا بيّن ﷺ أن الله لا يقبل الصدقة إلا إذا كانت طيبة، ويقول بعض السلف: لأن أكف عن كسب درهم حرام، أحبُّ إليّ من أن أنفق مائة ألف ومائة ألف ومائة ألف وهي حرام، وما قيمة ذلك؟! فلأن تكف عن درهم واحد حرام أولى من أن تنفق مئات الآلاف من الدراهم إن كان كسبها حراماً؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. وهكذا العقود، ومعاملات الناس، فإذا غش أو دلس في السلعة، فهل هذا طيب؟ الواقع يقول: لا، فكيف يكون طيباً عند الله؟! فالله لا يقبل ذلك العمل، ويعاقب عليه، فالإسلام في جميع تعاليمه تحت عنوان (طيب) . وهكذا القتال، لابد فيه من الإخلاص، قال ﷺ : (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) ، لو أن إنساناً أراد أن يطبق جميع التشريعات في الإسلام الجزئية والكلية على هذا اللفظ: (لا يقبل إلا طيباً) ؛ لما شذت جزئية واحدة في التشريع. ففي باب الطهارة لا يقل الله إلا طيباً، وقد بينت مسألة إسباغ الوضوء، ومثله يجب إسباغ الغسل على جميع البدن؛ لأن تحت كل شعرة جنابة. وفي الصلاة: الطمأنينة والخشوع واستكمال شروطها. وفي الصوم يكف عما حرم الله، فتصوم معه جميع الجوارح. وفي الزكاة: (لا يقبل الله صدقة من غلول) ، لا يقبل الله صدقة من مال حرام: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣] ، فالقول المعروف طيب يقبله الله، والأذى يفسد ذاك المعروف، قال الله: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤] ، فالأذى ليس بطيب، والله لا يقبله، فكونك تتصدق وتمنّ على المسكين بالصدقة هذا يبطل أجرها، فاتق الله! في صدقتك ولا تبطلها، فكما أعطاك الله يعطي غيرك، وكما حرم هذا قد يحرمك. وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل أنت ما تدري متى الغنى والفقر، فكون المال جُعل في يدك هو ابتلاء لك، ومنعه من يد الآخر ابتلاء له: أتشكر النعمة أم لا؟ أيصبر على الفقر أم لا؟ وكله ابتلاء، والابتلاء أنواع. إنسان يبتلى بمرض، يبتلى بمال، يبتلى بفقر، يبتلى بشخص يؤذيه، وقد يكون من أقرب الناس إليه. ومن نكد الدنيا على الحر أن يجد عدواً له ما من صداقته بد إذاً: كونك تمنّ على المسكين لا يجوز لك ذلك عند الله ، وقد أوجب الله عليك حفظ ماء وجه الفقير عند استلام حقه، فقال: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤-٢٥] ، ومن الذي يتولى أخذ هذا الحق من الغني وإعطاءه الفقير؟ رسول الله ﷺ وولاة أمور المسلمين من بعده؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] ، وقال ﷺ : (من أداها طيبة بها نفسه فبها ونعمت، ومن امتنع أخذناها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا، ليس لمحمد ولا لآل محمد منها شيء) ، وما دام أنه ليس له منها شيء فلماذا يتحمل مسئوليتها؟ ليحفظ ماء وجه الفقير، وإذا جاء فقير إلى باب الغني وقال: أعطني حقي في الزكاة، فقد يماطله الغني، وكيف يكون حال المسكين؟! أليس فيه امتهان له؟! أما عندما يأخذها ولي الأمر منه، ثم يقول للمسكين: خذ حقك، فحفظ بذلك ماء وجهه من سوء المسألة. والإسلام طيب؛ لأنه دين المولى سبحانه، فهو طيب لا يقبل إلا طيباً، ففي الكلام لا يقبل منك إلا كلمة طيبة؛ وفي الدعاء إذا سألت ربك لا تتنطع في الدعاء، ولا تدعو بمعصية، فهذا ليس طيباً، وحينئذ لا يقبلها. وأقول لطلبة العلم خاصة ولكل مسلم عامة: لو تأمل أحد جميع ما أمر به أو نهي عنه لوجده داخلاً تحت هاتين الجملتين: (إن الله طيب، لا يقبل إلا طيباً) ، وأظن أن هذا التنبيه كافٍ.

стр. 270

شرح الأربعين النووية - الحديث العاشر [٢]

стр. 271

أمر الله للرسل والمؤمنين بتحري الطيبات بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال ﷺ : (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين) ، انظر المجانسة! المؤمنون: عامة الناس، والمرسلون: هم الخواص الذين اصطفاهم الله برسالاته، فيبين ﷺ أن هذا الأمر يشترك فيه الجميع، وذلك لأهميته: (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين) ، فمثلاً قوله تعالى: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) أمر الله المرسلين في جميع الأحوال بإقامة الصلاة, وأمر المؤمنين في جميع الأحوال بإقامة الصلاة، وهكذا جميع أركان الإسلام إذ أنها حق لله، وهي مطلوبة لذاتها. وهذا الأمر هنا ينبني عليه غيره، وهو أساس لما يذكر بعده في الحديث. الرسول ﷺ بين أن المؤمنين والرسل مكلفون بتكليف واحد من الله فقال: (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين) فبمَ أمرهم ؟ قال: (أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ)) ) ، ومتى اجتمع الرسل في وقت واحد حتى يخاطبهم الله بقوله: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ) ؟ هل خاطب الله الرسل جميعاً في وقت واحد كما في هذه الآية؟! يقول العلماء: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ) جاء بصيغة الجمع، والمقصود به الرسول ﷺ ، وقد تأتي صيغة الجمع في الجنس والمراد به الفرد، كما أنه قد يكون العكس، ومن الأول قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤] يتفق العلماء على أن كلمة (النَّاسَ) المراد بها هنا: رسول الله ﷺ ، ومثال آخر: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣] ، هل القائل جميع الناس أم فرد واحد؟! فرد واحد وهو نعيم بن مسعود، فأطلق عليه لقظ: (الناس) في قوله: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) ، فالأولى المراد بها فرد من الجنس، والثانية مراد بها الجنس كله، ولماذا هذا؟ لأن الفرد الذي استعمل في حقه اسم الجنس قام مقام جنس كامل، فقوله: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ) ، المراد بالناس النبي ﷺ ، فذكر بلفظ الناس؛ لأنه بما أعطاه الله يعادل الناس كلهم، وكما قال الله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] ، هو واحد لكن كان أمة؛ لأنه وحده الذي كان يعبد الله في ذلك الوقت، وأمَّة أي: إماماً قدوة، ويقول بعض العلماء: إن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ) المراد به رسول الله ﷺ الذي توجه إليه الخطاب. وبعضهم يقول: لا، بل قال الله لكل رسول في زمنه: كل من الطيبات واعمل صالحاً، فهو قال لكل رسول في وقته، وهنا جاءت الآية إخباراً بمجموع ما حدث وحصل من قول الله لرسله، ومهما يكن من شيء فالأمر عام لجميع رسل الله. ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢] ، مما يلفت النظر من الأساليب البلاغية، وبلاغة القرآن فوق كل بلاغة، أن الرسول قال: (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين) ، وجاءت صيغة الأمر في حق الرسل: (كُلُوا مِنْ الطَيِّبَاتِ) ، والطيبات هذه لم يذكرها مقيدة، بل قال: (كُلُوا) ويكفي؛ لأنهم رسل الله يأكلون من الطيبات ويعملون الصالحات، أما المؤمنون فقال لهم: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ، وأليست الطيبات التي يأكل منها الرسل مما رزقهم الله؟! بلى، ولكن هناك فرق، فلو أنك أعطيت ولدك أو صديقك مائة ريال، ثم قلت: يا فلان! اصرف مما أعطيتك، فقولك: (مما أعطيتك) تُعد مؤشراً في ذهنه بأنك تذكره بما أعطيته، ولكن لو قلت له: يا فلان! اصرف كيفما شئت، ولم تشر إلى (أعطيتك) ، فالوضع يختلف، وهكذا حينما يوجه الله سبحانه الخطاب إلى الرسل، وهم الذين يعلمون حقيقةً أن الرزق من عند الله، فهم رسل الله، فكأن الأسلوب يعفيهم من إشعار المنة في رزقه إياهم، (كُلُوا مِنْ الطَيِّبَاتِ) ، لكن المؤمنين يحتاجون إلى التنبيه، فيقال للمؤمن: كل من طيبات رزق الله التي لديك، ولذلك رتب عليه: (وَاشْكُرُوا لِلَّهِ) ، بينما الرسل ليسوا في حاجة إلى التنبيه أو إلى أن يكلفوا بالشكر؛ لأن من طبيعة رسالتهم أن يعرفوا أن تلك الطيبات من الله، وهم يقومون بجبلتهم بشكر نعم الله، فهم رسل الله، ومقامهم ومكانتهم عظيمة، وبالنور الذي يحملونه يعرفون حق المنعم فيشكرونه، فإذا قيل لهم هنا: واشكروه، فكأن فيه إشعاراً بتقصير منهم في الشكر، وهذا لا يليق بمقام الرسالة، أما عامة الناس فهم في حاجة إلى أن ينبهوا إلى أن هذه الطيبات من رزق الله، وأن عليهم شكر النعمة؛ لأن أفراد المؤمنين ليسوا كالرسل، فالرسل ليسوا في حاجة كالأفراد إلى التنبيه بأنها من زرق الله، ولا يطالبون بشكر النعمة؛ لأن مقام الرسالة يحملهم على شكرها ولو لم يأتِ هذا التنبيه، بخلاف أفراد الناس فهم بحاجة إلى أن تدعوهم وأن تذكرهم وأن تبين لهم أن هذه الطيبات مما رزق الله، من أجل أن تقابل النعمة والرزق الطيب بالشكر. ثم قال: ﴿إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢] ، وهذه أخص بعامة الناس دون المرسلين. إذاً: الرسول ﷺ يستدل بهاتين الآيتين على عموم التكليف، وأن الخطاب للمرسلين يتضمن تكليف المؤمنين، لكن هل تكليف الله للمرسلين وللمؤمنين خاص بهذا الباب؟ التكليف في هذا الحديث ورد في الطيبات، لكنه عام، فكما أمر الله المرسلين بالصلاة والزكاة والصيام. إلى آخره، كذلك أمر المؤمنين تبعاً لجميع المرسلين.

стр. 272

أثر أكل الحرام ذكر ﵊ أثر الأكل من الطيبات في حياة الإنسان وعلاقته بربه، والأصل مبدأ (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) ، سواءً في العبادات والمعاملات والمطعم والمشرب، واستدل بالآيتين على عموم التكليف بأكل الطيبات من الرزق وشكر النعمة، ثم كأنه قارن بين من يأكل الطيبات وبين من لا يتحرى أكل الطيبات، وما هي النتيجة من عدم تحري الحلال الطيب؟ انظر إلى رجل أشعث أغبر، يطيل السفر، وهذه الحالة بالنسبة للعبد مع الله حالة استعطاف، وطلب رحمة، وافتقار إلى مساعدة، لا حالة انقطاع وإعراض وترك، فالإنسان إذا كان أشعث أغبر يطيل السفر، في حاجة إلى الرحمة والشفقة والعطف عليه من الله ، وفي الحديث:: (ثلاث دعوات لا ترد) وذكر (المسافر) ، والمسافر موضع الرحمة، ويرخص له في الصلاة أن يقصر، وفي الصيام أن يفطر، وإن كان له ورد حال إقامته ثم عجز عنه بسبب سفره؛ أمر الله الملائكة أن تكتب له في سفره ما كان يعمله وقت إقامته، وهذا إكرام له؛ لأنه في حالة ضعف مع طول السفر والجهد، وفي الحديث: (السفر قطعة من العذاب) . (أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء) ، فيه مشروعية رفع اليدين في الدعاء، (يا رب!، يا رب!) يلح على ربه، ومع هذا لم يستجب له! لماذا؟ (مطعمه حرام، ومشربه حرام، وغُذِيَ أو غُذِّي بالحرام) غُذِّي: أي: غذّاه غيره، أي: في حالة طفولته نشأ على الحرام بين أبويه، وغذِي: أي: هو غذى نفسه واقتات من الكسب الحرام، (فأنى يستجاب له؟!) بمقتضى هذا، فهذه قضية منطقية أن من غذي بالحرام ومد يديه وألح في الدعاء لا يستجاب له، ويستبعد أن يستجاب له. لكن يجب أن نستثني المظلوم، فالمظلوم لا ترد دعوته ولو كان مأكله حراماً، المظلوم لا ترد دعوته ولو كان كافراً، كما في الأثر: (إني لأنصر المظلوم ولو كان كافراً، علم أن له رباً فدعاه) ، والمشركون لما كانوا يركبون البحر، وتأتيهم العواصف، يدفعهم الاضطرار إلى أن يدعوا الله وحده، فيستجيب لهم، لماذا؟ لأنهم في تلك اللحظة كفروا بتلك الآلهة واتجهوا إلى الله وحده، وهكذا المضطر المظلوم -ولو كان كافراً- حينما يتوجه إلى المولى وحده، فهو في تلك اللحظة ألغى جميع الآلهة من مفهومه، وعرف أنها لا تنفعه بشيء، وجاء في السير أن عكرمة بن أبي جهل هرب في عام الفتح، وركب في السفينة، فاضطرب بهم البحر فقال ملاحها: أخلصوا الدعاء لله وحده الآن، فإنه لا ينجي من هذا إلا الله، فقال: عجيب! إذا كان لا ينجي في البحر إلا الله فلا ينجي في البر إلا هو، لله عليّ إن أنجاني الله من هذه لآتين محمداً، ولأضعنّ يدي في يده، ولأجدنه رءوفاً رحيماً، مع أنه كان في جماعة مشركة تعبد الأصنام، واصطحبوه معهم، ومع ذلك فإنهم عند الشدة يلجئون إلى الله وحده لا شريك له سبحانه. وكذلك حصين والد عمران بن حصين، لما سأله ﷺ : (كم إلهاً تعبد؟ قال: ستة في الأرض، وواحداً في السماء! فقال: من الذي لضرائك وسرائك وشدائدك؟ قال: الذي في السماء) . وقوله هنا: (أنى) أنى للاستبعاد، أي: كيف يستجاب له؟ لأنه لم يأكل طيباً فيقبل على الله بقلب وبقول طيب، وإنما كما قال ﷺ : (غذي بالحرام) ، وهذا يؤكد قاعدة: (كل ما نشأ عن الحرام فهو حرام) ، وكما يقولون: (الفرع يتبع الأصل) وكقولهم: (ما كان أصله باطل فشرعه باطل) . ومن هنا يقول بعض العلماء: اللقمة الحرام إذا قذفها العبد في جوفه لا يقبل الله له صلاة أربعين يوماً! وقال أحمد ﵀: لو أن إنساناً اشترى ثوباً بعشرة دراهم، وفيها درهم واحد حرام، لا يقبل الله صلاته في هذا الثوب، وكل هذا تنفير من الحرام، وفي الحديث الصحيح: (كل جسم نبت من الحرام فالنار أولى به) ، وفي قوله ﷺ : (غذِّي بالحرام) مسئولية كبرى على الآباء للأبناء، فليتق الله كل أب في أسرته، في أبنائه، فلا يطعمهم الحرام؛ لأنه إذا غذِّي بالحرام، كان هذا الجسم نابتاً بالحرام، فإذا كبر ودعا فقد لا يستجاب له، فيجب وقايتهم من ذلك لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦] ، فالإنسان مسئول عن أبنائه، وعليه أن يطعمهم بكده وبتوكله على الله، ومن رزق الله الحلال. وقوله تعالى: ﴿طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢] ، يقف عندها العلماء، هل الطيب هنا هو المعنى الحسي أو المعنوي؟ هل الطيبات هنا مثل: الرطب الطيب، والعنب والموز واللحم المشوي؟ هل هذا هو الطيب أم غيره من الحلال ولو كان ملحاً وخلاً؟ حقيقة الطيب هو: الطيب في الشرع قبل كل شيء، فلو كان من أشهى ما خلق الله، عسلاً مصفاً، وزبداً لكنه مسروق فهل هو طيب؟ والله! ما هو بطيب؛ لأنه من الحرام، ومآله إلى النار. لكن لو أكل إنسان خلاً وملحاً وخبزاً حلالاً، وشرب الماء فهذا نِعْم الأكل، وهو طيب؛ لأنه يعين على طاعة الله، وسمعتم قضية الشافعي لما جاء عند أحمد، وأكل كثيراً، وبنت أحمد قالت: كيف تقول الشافعي صفته كذا وكذا وصفته ليس من صفات العلماء، فإنه أكل كثيراً، ومن أكل كثيراً نام طويلاً، وما تعبد، قالت: اسأله، فلما سأله قال: والله! لها حق، منذ أن خرجت من بيت أمي -وكان في غزة- ما ملأت بطني بطعام أبداً؛ أتقي الشبه، فلما جئت بيت أحمد بن حنبل علمت أنه يتحرى الحلال، فوجدت الحلال فأشبعت بطني. وهكذا -أيها الأخوة- الإنسان إذا تعود الحلال، فقدم له الحرام، فإنه يجد عنده حساسية منه، وتقلق نفسه، ولا يطمئن إليه قلبه، ويرتاب، وتعلمون قضية عمر لما أرسل غلامه ليأتيه بالحليب من أبله، فرجع فشرب فاستنكر عمر طعم الحليب، وقال: من أين جئتني بهذا الحليب؟! قال: والله! أرسلتني إلى أبلك فوجد الراعي قد أبعد بها، وأدركت إبل الصدقة في الطريق فحلبوا لي منها، إذاً: عمر يستنكر طعم حليب إبل الصدقة، ولو تعمد هذا ما تركه يستقر في جوفه، والذي يهمنا أنه استنكر. وكذلك الصديق، جاء غلام له -أي: عبد له- بطعام، فأكل، فاستنكر الطعام فسأل: من أين جئتني بهذا الطعام؟ قال: تكهنت في الجاهلية لرجل، وما أنا -والله- بكاهن، فلم آخذ منه شيئاً، فلقيني فأعطاني حلواني، فاشتريت لك به، وحلوان الكاهن لا يجوز، وكان هذا في الجاهلية، والإسلام يجب ما قبله، ولكنه أخذ شيئاً بغير مقابل، وهو محرم، وما أدرى الصديق بحرمة هذا الطعام؟ أنها حساسية وشفافية، فيحس هل هذا الطعام طيب أم لا؟ لأن الجسم كله طيب، فلما أكل غير الطيب لم يتلاءم معه، وهذا مثل جهاز كهربائي لو وصلت إليه تياراً بقوة مائتين وعشرين فلتاً، وهو مصمم ومعد ليستقبل مائة وعشرة (فلت) ، ماذا يصير فيه؟ يحرقه يحترق، ولو كان معداً لاستقبال تيار بقوة مائتين وعشرين، ووصلت إليه تياراً بقوة مائة وعشرة (فلت) ، فإنه لا يشتغل، فالجسم الذي نمى وترعرع على الطيب صار كله طيباً، ولا يقبل إلا ما كان من جنسه. إذاًَ: يبين ﷺ أن أكل الطيب يعين على طاعة الله، وقليل من الحلال خير من كثير مع الحرام، فالحرام لا خير فيه، وأكل الحرام يمنع إجابة الدعاء. إذاً: هذا الحديث في جملته يرسم لنا منهج الزهد والعفة والتعفف واتقاء الحرام واتقاء الشبهات؛ ليرد ذلك مفعوله علينا في عبادتنا، وفي أولادنا؛ لأن من غذِّي بالحرام وهو صغير فعاقبته تكون سيئة، وأنت المسئول عنه. والله أسأل أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 273

الأربعين النووية - الحديث الحادي عشر [١]

стр. 274

شرح حديث: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. [عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ سبط رسول الله ﷺ وريحانته قال: حفظت من رسول الله ﵌: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) رواه النسائي والترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح] . أيها الإخوة! هذا الحديث على قصر عبارته، وقلة ألفاظه، أصل من أصول هذا الدين، ففيه بيان مسلك الأتقياء الزاهدين الورعين الذين يخافون الله ويقدرونه حق قدره.

стр. 275

فضل الحسن بن علي راوي الحديث راوي هذا الحديث هو: أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وأمه هي: فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وقد أضافه النبي ﷺ إلى نفسه بالبنوة تشريفاً وتكريماً حينما صعد ﷺ المنبر، فأخذه وحمله وقال: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين طائفتين من المسلمين) . وصفه النووي بأنه ريحانة رسول الله، والريحانة نبت معروف، وهو الريحان، وهو من أنواع النباتات العطرية، ومادة: روح مثل ريحان والارتياح تعطي الارتباط من ارتياح النفس إلى الطيب، وقد كان الحسن والحسين رضوان الله تعالى عليهما ريحانتي المصطفى، وهما سيدا شباب أهل الجنة، والريحانة استعملت هنا إما على سبيل الاستعارة، أو على سبيل الحقيقة، فالاستعارة لارتياح النبي ﷺ عند رؤيتهما، والحقيقة حينما يأخذهما ويشمهما فإنه يجد منهما انطلاقاً من العاطفة والرحمة- مثلما يجد من شم الريحانة بالفعل. ونحن نشاهد هذا بين الطفل وأمه، وبين الأم وطفلها، تجد الأم لو كانت مكتئبة وولدها غائب عنها، فإذا أخذته -وخاصة إذا كان صغيراً- فإنها تقبّله وتشم رائحته، وقد قال سبحانه في قصة يعقوب مع يوسف: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف:٩٤] ، إذاً: فهو ريحانة رسول الله إما على الحقيقة فيجد منه الريح الطيبة ويرتاح إليه، وإما على سبيل الاستعارة، فكما ترتاح النفس إلى شم الريحان فكذلك ترتاح إلى رؤيتهما، ومهما يكن من شيء فيكفي في مناقبهما رضوان الله تعالى عنهما أنهما سيدا شباب أهل الجنة. ومن معجزاته ﷺ أنه قال: (لعل الله أن يصلح به بين الطائفتين) ، وفعلاً بعد أن توفي علي رضي الله تعالى عنه، بويع الحسن خليفة، ومكث في الخلافة ستة أشهر، قال علماء التاريخ: وهي تتمة الثلاثين عاماً المذكورة في حديث: (الخلافة ثلاثون عاماً، ثم يكون بعد ذلك الملك العضوض) ، وهذا أمر تاريخي لا حاجة لنا في الخوض فيه، فبايعه أربعون ألفاً من أهل العراق، وذهب ليلتقي مع معاوية، فلما التقى الجيشان، رأى أنه إن كان غالباً أو مغلوباً فلابد من إراقة الدماء، ولابد من قتل الأنفس، ولابد من ضحايا من الجانبين، فرأى أن يترك الأمر لـ معاوية، ولم ينازعه حقناً للدماء، وكتب شروطه وقبلت بكاملها، وحقق الله ما قاله رسول الله ﷺ : (يصلح الله به بين طائفتين) وقالوا: إن يزيد بن معاوية بعد أن استتب الأمر لأبيه، أرسل إلى زوجة الحسن لتسمه، وكان من أمره ما كان، ونرجع إلى شرح الحديث، ولا ندخل في قضايا التاريخ. ووصف النووي هنا الحسن بن علي بأنه سبط رسول الله، والسبط ولد البنت، قال: حفظت، وهو رضي الله تعالى عنه ولد في السنة الثالثة من الهجرة، ومعنى ذلك أنه أدرك من حياة رسول الله سبع سنوات، وفي هذه الحالة إذا روى حديثاً فإنه يحتاج إلى التثبت وإلى التأكد؛ ولذا يقول: حفظت، ومن كان في سن السابعة يحفظ، ومن هنا قال: حفظت من رسول الله، وأحاديثه قليلة؛ لأنه -كما أشرنا- توفي رسول الله ﷺ وهو ابن سبع سنوات، فمما حفظ قوله ﷺ : (دع) بمعنى: اترك (ما يريبك إلى مالا يريبك) (ما) من صيغ العموم، وهي بمعنى: الذي، والريبة: الشك واللبس كما في قوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] أي: لا شك ولا لبس فيه، والشيء الذي فيه الريبة، والذي فيه الشك واللبس بخلاف ذلك، وقوله: (دع ما يريبك) أي: اترك الشكوك وما فيه الريبة في نفسك إلى ما لا ريبة ولا شك فيه، وعليك بما كان خالصاً واضحاً لا لبس فيه ولا شك فيه. وهذا الأمر (دع) فعل أمر بمعنى اترك؛ لأن (دع) ليس لها ماض، ولها مضارع (يدع) ، فدع فعل أمر أغفل ماضيه.

стр. 276

هل الأمر في هذا الحديث للاستحباب أم للوجوب ؟ هل الأمر بترك ما يريب على سبيل الاستحباب أو على سبيل الوجوب؟ المتأمل في أحاديث هذه الأربعين النووية المباركة، يجد حديثين سوى هذا في هذا الباب، تقدم حديث: (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه) ، إذاً: الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، والشبه تورث الريبة، فمن وقع في المشتبهات جره ذلك إلى الحرام، ومن ترك الشبهات كانت حمىً وحاجزاً ووقاية له عن الوصول إلى منطقة الحرام، فحديث: (دع ما يريبك) للتوجيه، ولكن الناس في ذلك ليسوا سواء، والحديث الثالث هو الحديث السابع والعشرون من هذه المجموعة، وهو حديث: (جئت تسأل عن البر؟ البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر، وكرهت أن يطلع عليه الناس) ، فالأمر المريب هو: الذي أحسست فيه بالإثم، وأحسست بأنه يحوك في صدرك، وخشيت أن يطلع عليه الناس، فهذه الأحاديث الثلاثة في هذا الموضوع تبين بمجموعها منهج الورع في الإسلام حقاً. وصور ترك الريبة في الإسلام كثيرة، ويذكر العلماء أموراً يجب على كل مسلم أن ينظر إليها، وأن يقف عندها، فترك الريبة استبراء للدين والعرض، وإذا نظرنا إلى الحديث السابق عرفنا مدى أثر هذا الحديث وتأثيره في حياة المسلم، ففي الحديث العاشر الذي قبل هذا قال ﵊: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) ، وقال: (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون:٥١] ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢] ) ، فأمر الرسل وأمر المؤمنين بالأكل من الطيبات، وعمل الصالحات، والحلال الطيب هو: الذي لا شبهة ولا ريبة فيه، ولذا ذكر بعده: (الرجل يطيل السفر، أشعث، أغبر، يمد يديه إلى السماء، يقول: يا رب! يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟) . وذكر الرجل الذي يطيل السفر أشعث أغبر؛ لأن المسافر تستجاب دعوته، كما قال ﷺ : (ثلاثة تستجاب دعوتهم: الصائم، والمسافر، والمظلوم) ، فالمسافر من ضمن الثلاثة الذين تستجاب دعوتهم، وهذا الرجل مع كونه ممن تستجاب دعوته ولكن لا يستجاب له، لوجود المانع القائم، ألا وهو أنه يأكل الحرام، ويشرب الحرام، ويلبس الحرام، وغذي بالحرام، فتناول الحرام مانع من استجابة الدعاء. وكيف تتجنب الحرام؟ أتى النووي بهذا الحديث هنا ليبين بأن من كمال تجنب الحرام حتى تستجاب الدعوة أن تدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وكأنه يقول: لا يتم اجتناب الحرام ولا يتم اكتمال الحلال إلا بترك ما فيه ريبة. ولذا يقولون: الورع هو: أن تترك مالا بأس به خشية مما فيه بأس، تترك الشيء الذي لا بأس فيه ولا شبهة فيه مخافة أن تقع فيما فيه بأس، فمن سد الذرائع: ترك المباح مخافة من الوقوع فيما ليس بمباح، وهذا هو الورع، فكل ما يحيك في صدر الإنسان فهو شبهة فليتركه.

стр. 277

قصص في الورع إذا أراد طالب العلم أن يتتبع ما مضى في الأمم السابقة واللاحقة مما يذكره العلماء من قصص أهل الورع من هذه الأمة، لجاء ذلك في سفر كبير.

стр. 278

قصة نبي الله سليمان ﵊ قد ذكر الله قصة سليمان ﵇ حينما استعرض الخيل، واشتغل بها حتى غربت الشمس: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ [ص:٣٢-٣٣] ، والصحيح في تفسيرها أنه استعرض الخيل التي يجاهد بها في سبيل الله، لكنه شغل بها حتى غربت الشمس، وضاعت عليه صلاة العصر، فوجد في نفسه ريبة وشكاً من الخيل، فردها وتصدق بها كلها.

стр. 279

قصة رجلين من بني إسرائيل قال ﷺ : (كان فيمن كان قبلكم رجل اشترى أرضاً، فوجد فيها كنزاً، فذهب إلى الذي باعه فقال: هلم خذ كنزك، قال: إني بعتك الأرض بما فيها، قال: إني اشتريت أرضاً ولم أشتر كنزاً، قال: وأنا بعت الأرض بما فيها، وتخاصما لمن يكون الكنز الذي كان مدفوناً ولا يعلم به أحد عند البيع!) فالبائع يتورع أن يأخذ شيئاً لم يكن في ذهنه، والمشتري يتورع أن يأخذ شيئاً لم يكن داخلاً في العقد، قال ﵊: (فجاء رجل صالح فاختصما إليه فقال لهذا: ألك ولد ذكر؟ قال: نعم. وقال لهذا: ألك ابنة؟ قال: نعم، قال: زوجا أحدهما بالآخر، وادفعا إليهما الكنز) ، وهذه قصة عجيبة، ولها نظير في هذه الأمة.

стр. 280

قصة أبي طلحة ﵁ كان أبو طلحة رضي الله تعالى عنه يصلي الضحى في بستان له متشابك الأغصان، فإذا بطائر الدبسي يريد أن يخرج من بين الأغصان وهي متشابكة، فأعجبه حسن بستانه، وأتبع الطائر بنظره وهو في صلاته حتى وجد الطائر فرجة فخرج منها، ثم رجع أبو طلحة إلى نفسه فوجد أنه انشغل عن الله بهذا الطائر الذي كان في بستانه، فقال: إني فتنت في مالي، فجاء إلى رسول الله ﷺ وأخبره وقال: ضعه في سبيل الله يا رسول الله! وهذه القصة تشبه قصة سليمان حينما انشغل بالخيل حتى غربت الشمس، وهذا شغل في صلاته بالطائر حتى خرج من بين الأغصان، وكلاهما قدم ذلك الذي شغله في سبيل الله.

стр. 281

قصة تاجر من أهل المدينة يشبه قصة صاحب الكنز ما ذكره بعض العلماء أن رجلاً في صدر هذه الأمة، كان تاجراً بالمدينة، وله غلام بالبصرة، فكتب إليه الغلام: إن قصب السكر قد فسد فانظر ما عندك من السكر فاشتره، فقام: واشترى السكر من تاجر كبير، وبعد أن فسد قصب السكر نقص الإنتاج، فارتفع السعر، فباع بربح كثير، فتأمل في نفسه ووجد أنه لم يخبر الذي اشترى منه السكر، فذهب إليه وقال: يا فلان! لقد اشتريت منك السكر، ولم أخبرك بما أخبرني غلامي، وإني لا أراني إلا قد خدعتك، فخذ ثمن السكر وخذ ربحه، فقال البائع: ها أنت الآن أعلمتني، وقد أبحتك ما ربحت، فما زال يلح عليه به حتى قبل منه الربح. فننصح التجار الذين يستغلون الفرص فإذا عرف واحد منهم موجبات رفع السلعة، قام وجمع ما في السوق، ولا يخبر أصحاب السلع بما دفعه إلى ذلك، فلا ينبغي هذا، ومن يفعل ذلك فهو مخادع لم ينصح، ومن واجب النصح لعامة المسلمين أن يخبر التاجر بأن السلعة سيرد عليها كذا، ليكون على علم فإن شاء تعجل بالبيع، وإن شاء انتظر حتى ارتفاع السعر لينتفع هو أيضاً. وبهذه المناسبة ننبه أن كل ذي سلعة يعلم من أمرها ما يمكن أن يسبب في ارتفاع الأسعار، ثم جمع ما يوجد بأيدي الناس دون أن يخبرهم؛ فهو غاش مخادع وليس بناصح، مثلاً: علم تاجر بأن مصنعاً من مصانع سلعة تعطل أو توقف لمشكلة، وسيقل الإنتاج، ويقل العرض، ويكثر الطلب، فترتفع السلعة، فيذهب ويجمع نوعها من الأسواق دون أن يعلمهم بما وصل إليه الخبر؛ فهو غاش لهم ومخادع وليس بناصح.

стр. 282

الأربعين النووية - الحديث الحادي عشر [٢]

стр. 283

نصيحة للتجار بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: نحذر التجار وننبهم نصحاً لله ولكتاب الله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فنقول: قد يأتي مشروع في البلد، مثل مرور شارع أو غيره بأراضٍ شاسعة، وأصحاب الأراضي لا يعلمون بذلك، ولكن الذين عندهم التخطيط يعلمون، لهم أصدقاء أو اطلعوا على ذلك من مرجعه، فيذهب التاجر وكأنه لا يعلم شيئاً، فيشتري ما يعلم بأن المشروع سيمر من عنده؛ لأنه يعلم أن الدولة ستعوض بأضعاف القيمة، ويخفي هذا الأمر على أصحاب الأراضي ويشتري منهم، وبعد فترة يظهر المشروع، ويعوض المشتري أضعاف أضعاف ما دفع، فهل هذا ناصح؟! لا، وكيف يستحل هذا التعويض المضاعف ويحرم صاحبه منه؟! وقد ذكرنا ورع سلف هذه الأمة، اشترى أحدهم السكر لما علم أن الإنتاج سيقل، ثم تورع عن الربح، وهو بيع وشراء صحيح، لكن في المستقبل ربما يعوض بشيء آخر، ولكن مع ذلك تأسف وأحس بالحرج، وأحس بالريبة، فترك ذلك، ورجع إلى صاحب السكر، ودفع إليه الربح!! ويذكر العلماء أن رجلاً أرسل بضاعته إلى البصرة، وقال لغلامه: بعه بالسعر الذي وجدته يوم وصوله، فوجد الغلام السعر نازلاً، فأمسك عن البيع، وبعد فترة ارتفع السعر، وباع البضاعة بربح كثير، وأرسل لصاحبه، فكتب إليه: لقد خنتنا، لقد أمرتك أن تبيع بسعر اليوم الذي وصلت فيه، فأمسكت حتى ارتفع السعر، فتصدق بكل القيمة على فقراء البصرة، ولعلنا ننجو بذلك!! ماذا نقول -يا جماعة- في هذه النماذج؟! وبالنسبة في الوقت الحاضر لا تكاد تجد مثلها إلا ما شاء الله، فيستغرب الإنسان على هذه الصور، وهو ليس بغريب.

стр. 284

عبد الرحمن بن عوف مثال التاجر التقي عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قدم إلى المدينة بلا شيء، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين رجل من الأنصار، وأخوه الأنصاري عنده زوجتان، فقال له: هلم إلى زوجتي فاختر أيهما شئت، فأطلقها وتعتد وتتزوجها، وهلم أقاسمك مالي، سبحان الله العظيم! فقال: أمسك عليك زوجك، وبارك الله لك في مالك وفي زوجك، دلني على السوق، فذهب إلى السوق، وأخذ يبيع ويشتري، يأتي يوم بأقط، ويوم بسمن، ويوم بكذا وكذا، حتى اتسعت تجارته، وأصبحت القوافل تأتي إليه من الشام إلى المدينة، ومرة في يوم جمعة، والرسول ﷺ قائم يخطب، فإذا بطبول القافلة تدق، فخرج الناس إليها، ونزلت الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة:١١] ، فما بقي في المسجد إلا إثنا عشر رجلاً، فقال ﵊: (لو خرجوا جميعاً عن بكرة أبيهم لسال عليهم الوادي ناراً) ، فعلم عبد الرحمن أن تجارته هي سبب انصراف الناس، وجاءه التجار وأعطوه في المائة ربح درهم، ودرهمين وخمسة وعشرة وهو يقول: عندي زيادة، فأعطوه في المائة عشرين ثم خمسين ثم في المائة مائة فقال: عندي زيادة! فقالوا: يا ابن عوف! ليس في المدينة تاجر إلا وقد حضر، فمن يدفع لك أكثر من ذلك؟ فقال: ربي، هي صدقة في سبيل الله، القافلة كلها بعيرها وعبيدها وتجارتها في سبيل الله! لماذا؟ لأنه علم أنها سبب خروج الناس عن رسول الله، وقد رأى رؤيا بأن القيامة قامت، وعرض ونوقش حتى ظن أنه هالك، وقال: ما أنجاني إلا صحبتي لك يا رسول الله! هذه هي النفوس المطمئنة، والقلوب الخاشعة.

стр. 285

حكم الاحتكار احتكار السلعة قسمان: جمع السلعة في إبّانها عند وفرتها، فيضعها في مخازنه حتى إذا انقطع من الأسواق إنتاجها، أخرجها وباع، فهذا تاجر يحتكر ليتحكم في المسلمين، وهو ظالم؛ لأنه يتحكم في قوت الناس، أما إذا كان يجمع ليبيع، ولا يقصد وقت الغلاء، فلا مانع من ذلك، مثلاً: حين الحصاد يجمع القمح ويبيع، وحين الجذاذ يجمع التمر ويبيع، ولكنه لو احتكر ذلك إلى الشتاء مثلاً، ليبيع التمر عندما تنفذ السلعة، ولم تبق إلا عنده، فيتحكم في السلعة عند البيع للناس، فهذا هو الخاطئ المذكور في حديث: (لا يحتكر إلا خاطئ) ، بمعنى: ظالم، ويقول علماء الحسبة: للإمام أن يتدخل ويجبره على البيع بما لا ضرر ولا ضرار، وما يجعلونه من أخذ امتياز السلعة، والتحكم بها في السوق داخل في هذا الباب، أما حرية البيع والشراء فلا شيء فيه، فإذا كان يجمع الحبّ في وقته، ثم يأتي بعد انتهاء الحصاد وينزل السلعة إلى السوق، والدكاكين مفتوحة، والمستودعات مفتوحة، والبيع والشراء قائم، فلا مانع في ذلك؛ لأنه لم تتوقف حاجة الناس إلى ما في يده. ذكروا أن رجلاً احتكر طعاماً، ثم رأى في الخريف سحابة، فخشي أن تمطر، ويزرع الناس، ويكثر الطعام، فيضيع عليه ما احتكر، فقال: أكرهت الخير للمسلمين؟! فأخرج ما احتكره، وباعه برأس ماله، دون أن يربح شيئاً. لماذا المحتكر خاطئ؟ يبينه قصة هذا الرجل، فحينما احتكر الطعام تمنى ارتفاع السعر، وارتفاع السعر يأتي نتيجة قلة السلعة، وقلة السلعة شدة على الناس، فإذا جاء المطر، وأنبتت الأرض، وتوافرت السلعة؛ كره ذلك، فهو لا يحب المطر، بل يكرهه لما يترتب عليه من الخير للمسلمين. والمرابي يكره أن يستغني الناس عنه، فهو يحب للفقراء الفقر والحاجة والاضطرار، فإذا سمع بأن عميله استغنى كره ذلك؛ لأنه يريده دائماً متعاملاً معه، فإذا جاء الخصب وجاء الغنى كره ذلك المرابي؛ ولهذا فإن المرابي عدو المجتمع.
следующие страницы →