Полный текст (863 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
قصة تاجر من أهل المدينة
يشبه قصة صاحب الكنز ما ذكره بعض العلماء أن رجلاً في صدر هذه الأمة، كان تاجراً بالمدينة، وله غلام بالبصرة، فكتب إليه الغلام: إن قصب السكر قد فسد فانظر ما عندك من السكر فاشتره، فقام: واشترى السكر من تاجر كبير، وبعد أن فسد قصب السكر نقص الإنتاج، فارتفع السعر، فباع بربح كثير، فتأمل في نفسه ووجد أنه لم يخبر الذي اشترى منه السكر، فذهب إليه وقال: يا فلان! لقد اشتريت منك السكر، ولم أخبرك بما أخبرني غلامي، وإني لا أراني إلا قد خدعتك، فخذ ثمن السكر وخذ ربحه، فقال البائع: ها أنت الآن أعلمتني، وقد أبحتك ما ربحت، فما زال يلح عليه به حتى قبل منه الربح.
فننصح التجار الذين يستغلون الفرص فإذا عرف واحد منهم موجبات رفع السلعة، قام وجمع ما في السوق، ولا يخبر أصحاب السلع بما دفعه إلى ذلك، فلا ينبغي هذا، ومن يفعل ذلك فهو مخادع لم ينصح، ومن واجب النصح لعامة المسلمين أن يخبر التاجر بأن السلعة سيرد عليها كذا، ليكون على علم فإن شاء تعجل بالبيع، وإن شاء انتظر حتى ارتفاع السعر لينتفع هو أيضاً.
وبهذه المناسبة ننبه أن كل ذي سلعة يعلم من أمرها ما يمكن أن يسبب في ارتفاع الأسعار، ثم جمع ما يوجد بأيدي الناس دون أن يخبرهم؛ فهو غاش مخادع وليس بناصح، مثلاً: علم تاجر بأن مصنعاً من مصانع سلعة تعطل أو توقف لمشكلة، وسيقل الإنتاج، ويقل العرض، ويكثر الطلب، فترتفع السلعة، فيذهب ويجمع نوعها من الأسواق دون أن يعلمهم بما وصل إليه الخبر؛ فهو غاش لهم ومخادع وليس بناصح.
стр. 282
الأربعين النووية - الحديث الحادي عشر [٢]
стр. 283
نصيحة للتجار
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: نحذر التجار وننبهم نصحاً لله ولكتاب الله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فنقول: قد يأتي مشروع في البلد، مثل مرور شارع أو غيره بأراضٍ شاسعة، وأصحاب الأراضي لا يعلمون بذلك، ولكن الذين عندهم التخطيط يعلمون، لهم أصدقاء أو اطلعوا على ذلك من مرجعه، فيذهب التاجر وكأنه لا يعلم شيئاً، فيشتري ما يعلم بأن المشروع سيمر من عنده؛ لأنه يعلم أن الدولة ستعوض بأضعاف القيمة، ويخفي هذا الأمر على أصحاب الأراضي ويشتري منهم، وبعد فترة يظهر المشروع، ويعوض المشتري أضعاف أضعاف ما دفع، فهل هذا ناصح؟! لا، وكيف يستحل هذا التعويض المضاعف ويحرم صاحبه منه؟! وقد ذكرنا ورع سلف هذه الأمة، اشترى أحدهم السكر لما علم أن الإنتاج سيقل، ثم تورع عن الربح، وهو بيع وشراء صحيح، لكن في المستقبل ربما يعوض بشيء آخر، ولكن مع ذلك تأسف وأحس بالحرج، وأحس بالريبة، فترك ذلك، ورجع إلى صاحب السكر، ودفع إليه الربح!! ويذكر العلماء أن رجلاً أرسل بضاعته إلى البصرة، وقال لغلامه: بعه بالسعر الذي وجدته يوم وصوله، فوجد الغلام السعر نازلاً، فأمسك عن البيع، وبعد فترة ارتفع السعر، وباع البضاعة بربح كثير، وأرسل لصاحبه، فكتب إليه: لقد خنتنا، لقد أمرتك أن تبيع بسعر اليوم الذي وصلت فيه، فأمسكت حتى ارتفع السعر، فتصدق بكل القيمة على فقراء البصرة، ولعلنا ننجو بذلك!! ماذا نقول -يا جماعة- في هذه النماذج؟! وبالنسبة في الوقت الحاضر لا تكاد تجد مثلها إلا ما شاء الله، فيستغرب الإنسان على هذه الصور، وهو ليس بغريب.
стр. 284
عبد الرحمن بن عوف مثال التاجر التقي
عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قدم إلى المدينة بلا شيء، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين رجل من الأنصار، وأخوه الأنصاري عنده زوجتان، فقال له: هلم إلى زوجتي فاختر أيهما شئت، فأطلقها وتعتد وتتزوجها، وهلم أقاسمك مالي، سبحان الله العظيم! فقال: أمسك عليك زوجك، وبارك الله لك في مالك وفي زوجك، دلني على السوق، فذهب إلى السوق، وأخذ يبيع ويشتري، يأتي يوم بأقط، ويوم بسمن، ويوم بكذا وكذا، حتى اتسعت تجارته، وأصبحت القوافل تأتي إليه من الشام إلى المدينة، ومرة في يوم جمعة، والرسول ﷺ قائم يخطب، فإذا بطبول القافلة تدق، فخرج الناس إليها، ونزلت الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة:١١] ، فما بقي في المسجد إلا إثنا عشر رجلاً، فقال ﵊: (لو خرجوا جميعاً عن بكرة أبيهم لسال عليهم الوادي ناراً) ، فعلم عبد الرحمن أن تجارته هي سبب انصراف الناس، وجاءه التجار وأعطوه في المائة ربح درهم، ودرهمين وخمسة وعشرة وهو يقول: عندي زيادة، فأعطوه في المائة عشرين ثم خمسين ثم في المائة مائة فقال: عندي زيادة! فقالوا: يا ابن عوف! ليس في المدينة تاجر إلا وقد حضر، فمن يدفع لك أكثر من ذلك؟ فقال: ربي، هي صدقة في سبيل الله، القافلة كلها بعيرها وعبيدها وتجارتها في سبيل الله! لماذا؟ لأنه علم أنها سبب خروج الناس عن رسول الله، وقد رأى رؤيا بأن القيامة قامت، وعرض ونوقش حتى ظن أنه هالك، وقال: ما أنجاني إلا صحبتي لك يا رسول الله! هذه هي النفوس المطمئنة، والقلوب الخاشعة.
стр. 285
حكم الاحتكار
احتكار السلعة قسمان: جمع السلعة في إبّانها عند وفرتها، فيضعها في مخازنه حتى إذا انقطع من الأسواق إنتاجها، أخرجها وباع، فهذا تاجر يحتكر ليتحكم في المسلمين، وهو ظالم؛ لأنه يتحكم في قوت الناس، أما إذا كان يجمع ليبيع، ولا يقصد وقت الغلاء، فلا مانع من ذلك، مثلاً: حين الحصاد يجمع القمح ويبيع، وحين الجذاذ يجمع التمر ويبيع، ولكنه لو احتكر ذلك إلى الشتاء مثلاً، ليبيع التمر عندما تنفذ السلعة، ولم تبق إلا عنده، فيتحكم في السلعة عند البيع للناس، فهذا هو الخاطئ المذكور في حديث: (لا يحتكر إلا خاطئ) ، بمعنى: ظالم، ويقول علماء الحسبة: للإمام أن يتدخل ويجبره على البيع بما لا ضرر ولا ضرار، وما يجعلونه من أخذ امتياز السلعة، والتحكم بها في السوق داخل في هذا الباب، أما حرية البيع والشراء فلا شيء فيه، فإذا كان يجمع الحبّ في وقته، ثم يأتي بعد انتهاء الحصاد وينزل السلعة إلى السوق، والدكاكين مفتوحة، والمستودعات مفتوحة، والبيع والشراء قائم، فلا مانع في ذلك؛ لأنه لم تتوقف حاجة الناس إلى ما في يده.
ذكروا أن رجلاً احتكر طعاماً، ثم رأى في الخريف سحابة، فخشي أن تمطر، ويزرع الناس، ويكثر الطعام، فيضيع عليه ما احتكر، فقال: أكرهت الخير للمسلمين؟! فأخرج ما احتكره، وباعه برأس ماله، دون أن يربح شيئاً.
لماذا المحتكر خاطئ؟ يبينه قصة هذا الرجل، فحينما احتكر الطعام تمنى ارتفاع السعر، وارتفاع السعر يأتي نتيجة قلة السلعة، وقلة السلعة شدة على الناس، فإذا جاء المطر، وأنبتت الأرض، وتوافرت السلعة؛ كره ذلك، فهو لا يحب المطر، بل يكرهه لما يترتب عليه من الخير للمسلمين.
والمرابي يكره أن يستغني الناس عنه، فهو يحب للفقراء الفقر والحاجة والاضطرار، فإذا سمع بأن عميله استغنى كره ذلك؛ لأنه يريده دائماً متعاملاً معه، فإذا جاء الخصب وجاء الغنى كره ذلك المرابي؛ ولهذا فإن المرابي عدو المجتمع.
стр. 286
محاسبة النفس
ذكرنا قصة التاجر الذي احتكر السلعة، ثم رأى سحابة فكره في نفسه أن يأتي المطر، ويكثر الزرع، وتضيع عليه ثمرة احتكاره، لكنه تنبه، وارتاب في نفسه أنه لا يحب الخير للمسلمين من أجل منفعته الخاصة، وحمله على ذلك الرغبة في الربح، فإذا به يخرج ما احتكره، ويبيعه في الأسواق بدون ربح، فما الذي حمله على زهده هذا؟ محاسبته نفسه، ولما كان عمله يؤدي إلى ألا يحب الخير للناس، ارتاب في عمله.
فمن الناس من تكون عنده شفافية في معرفة الحلال والحرام، يرى الريبة في الشيء فيعافه، ويذكرون عن بعض السلف كـ ابن سيرين وغيره، أن منهم من يترك أربعين ألفاً، ومنهم من يترك خمسمائة ألف من ميراثه من أبيه؛ لأن أباه كان يعمل في عمل فيه ريبة، وأحمد بن حنبل ﵀ أبى أن يأكل خبزاً في بيت رجل في كسبه ريبة.
стр. 287
متى يكون الورع ؟
يقول العلماء: التحرز من الريبة يجب أن يكون بعد اجتناب كل محرم، لا أن يكون يتعامل بالربا الصريح، ثم يتورع عن كسب ما فيه ريبة! فهذا متناقض، وذكر بعض العلماء عن أحمد ﵀ أن رجلاً قال له: أتأذن لي أن أكتب من دواتك؟ فنظر إليه وقال: هذا ورع مظلم، يعني: تتورع من الكتابة من الدواة، فهل قد تجنبت كل ما فيه شبهة أخرى؟ وسئل عن رجل طلبته أمه أن يطلق زوجته: أيطلقها براً بأمه؟ فقال: إذا كان قد بر أمه في كل شيء، ولم يبق إلا هذا فليفعل، أما أن يبرها في طلاق زوجته ثم يضربها، فليس هذا ببر.
ويذكرون عن عبد الله بن عمر أنه جاءه أهل العراق يستفتونه في دم البعوض، فقال: واعجباً لكم! تستفتونني في دم البعوض، وقد قتلتم الحسين بن علي! والورع قسمان: - ورع من أهله، فهو من أهل الورع.
- وورع مصطنع مظلم، فهذا بينه وبين الله.
وهذا الحديث -أيها الإخوة- لو تدبره الإنسان وعمل به، فإنه يرسم له منهج حياته: فيما يدع، وفيما يأخذ، وفيما يتناول من طعامه وشرابه ولباسه، وفيما يتقي الله في كسبه، وقد قال العلماء في الحديث الذي قبله: لو أن إنساناً اشترى ثوباً بعشرة دراهم، وفيه درهم واحد حرام؛ ما قبل الله صلاته في ذلك الثوب!
стр. 288
ورع أبي حنيفة ﵀
ذكروا عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه كان يبيع البز، وكان عنده ثوب فيه عيب، فركنه في جانب، فجاء خادمه وغلامه في غيبته وباع هذا الثوب بقيمته لو كان سليماً، فلما جاء الإمام إلى الدكان فلم يجد ذاك الثوب سأل عنه: أين هو؟ قال: بعته، قال: بكم؟ قال: بكذا.
بسعره الأصلي، قال: هل أطلعت المشتري على العيب الذي فيه؟ قال: لا، فتصدق بقيمة الثوب كله! ما الذي حمله على ذلك؟ إنه الورع، وكان يمكن أن يتصدق بقيمة العيب الذي في الثوب، ولكن حمله الورع وتقوى الله على أن يتصدق بكامل قيمة الثوب.
وذكرنا قصة الذي أمر غلامه أن يبيع السلعة بسعر يومه، فانتظر ولم يبع حتى ارتفع السعر، فكان يكفيه أن يأمره أن يتصدق بفارق السعر، ولكنه أمره أن يتصدق بالثمن كله، وقال فيما كتبه إليه: لعلنا ننجو بذلك! هذا الحديث وإن كان موجزاً في عبارته (دع ما يريبك إلا مالا يريبك) إلا أنه يأتي على كل تصرفات الإنسان، والناس في هذا الحديث طبقات ودرجات، والله أسأل أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه.
стр. 289
الأسئلة
стр. 290
المسافر الذي تستجاب دعوته
السؤال
من المسافر الذي تستجاب دعوته؟
الجواب
الحديث السابق كان فيه أبحاث عديدة، ولكن خشينا أن نبدأ بها فيضيع علينا الوقت على هذا الحديث، فمن أبحاث الحديث الأول: - آداب الدعاء.
- الزمن الذي يتحرى فيه الدعاء.
- المكان الذي يختار.
- نوع الدعاء.
وكل هذه يذكرها العلماء في مقدمات كتب الأذكار والأدعية، وهي مطروقة، وأوسع من ساق ذلك صاحب نزل الأبرار: السيد صديق خان.
ومن الذين يستجاب دعاؤهم؟ جاءت أحاديث عامة، وجاءت أحاديث خاصة، فمن الخصوص المريض والمسافر والصائم، والمسافر المراد به من سافر مطلق سفر إما سفر طاعة وإما سفراً مباحاً، وإذا كان سفر معصية فبعض العلماء يقول: ليس له حق أن يترخص برخص المسافر، فمن باب أولى أنه لا يستجاب له الدعاء، وليعلم أن المضطر مسافراً كان أو مقيماً مضمونة له إجابة الدعوة، وكذلك المظلوم براً كان أو فاجراً، حتى الكافر كما في الحديث القدسي: (إني لأنصر المظلوم، ولو كان كافراً، علم أن له رباً فدعاه) ، وقال الله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] ولم يقل: باراً أو فاجراً؛ لأن المضطر عند الشدة يقلع عن اعتقاده وتعلقه بكل شيء إلا بالله سبحانه وحده، وحينئذٍ يكون مؤمناً مخلصاً في دعائه.
ومن أسباب إجابة الدعاء الإخلاص، فالإخلاص سر استجابة الدعاء، والمضطر أشد الناس إخلاصاً، هذا ما يتعلق بسؤال: من المسافر الذي تستجاب دعوته؟
стр. 291
الدعاء في مسجد قباء
السؤال
هل يستجاب الدعاء عند زيارة مسجد قباء؟
الجواب
زيارة مسجد قباء ليس فيه نص على استجابة الدعاء عنده، ولكن وردت بعض الآثار فيما بين الركن والمقام، فهناك تستجاب الدعوات، وجاء في الحديث الصحيح (أن الرسول ﷺ وقف بالملتزم ما بين الركن والباب، ملصقاً صدره إلى جدار الكعبة وهو يبكي، فقال له عمر: أتبكي هنا يا رسول الله؟! قال: نعم يا عمر! ها هنا تسكب العبرات) ، فلا تسكب العبرات في لعب ولهو، ولكن في ذكر الله ودعائه.
ومن أسباب استجابة الدعوة: الخضوع والتذلل بين يدي الله، حتى ذكر بعض العلماء أن من آداب الدعاء أن يجثوا الإنسان على ركبتيه، وقد جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه عندما كثرت الأسئلة على رسول الله فغضب وقال: (لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم عنه) وعلم عمر أنهم أغضبوا رسول الله، فقام وجثا على ركبتيه وقال: يا رسول الله! نستغفر الله ونتوب إليه، رضينا بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً.
يا رسول الله! كنا في الجاهلية فلا تكشف أستارنا، فسري عن رسول الله ﷺ ، وقال الله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥] أي: بخشوع بين يدي الله، وهذا من آداب الدعاء.
أما الذهاب إلى قباء للصلاة فيه، فقد قال ﷺ : (من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه ركعتين، كان له كأجر عمرة) ، وكان ﷺ يقصده ويذهب إليه كل أسبوع، وكان يصادف ذلك يوم السبت، وليس ذلك لذات السبت، ولكن كان يترقب أخواله بني النجار أن يصلوا الجمعة في المسجد النبوي، فإذا صلى وغاب بعضهم أو لم ير شخصاً كان يريد أن يراه، فمن الغد يوم السبت يذهب إلى قباء ليراهم هناك، وقال أنس: هذا المسجد لو لم يكن عندنا لاستحق أن تضرب إليه أكباد الإبل.
ومسجد قباء نزل فيه القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨] ، فكفى بهذا شرفاً لقباء، وقد ورد أن المسجد الذي أسس على التقوى هو هذا المسجد النبوي، وقد أشرنا أن الأولوية إنما هي نسبية، فكل مسجد بني من أول يوم بنائه على التقوى خالصاً لله، بخلاف المسجد الذي يبنى مباهاة ومضارة لقوم آخرين، والله أعلم.
نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، ونسأله من فضله، وأن يغنينا وإياكم بالحلال عن الحرام، اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 292
الأربعين النووية - الحديث الثاني عشر
стр. 293
شرح حديث: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: هذا الحديث الثاني عشر من أحاديث الأربعين النووية، وهو حديث أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) ، وهذا الحديث على وجازة ألفاظه يعده بعض العلماء نصف الإسلام، وبعضهم يقول: هو الإسلام، وبعضهم يقول: ربع الإسلام؛ لأنه من جوامع الكلم التي خص بها النبي ﷺ ؛ فمع قصر ألفاظه، وقلة كلماته، اشتمل على آداب الإسلام.
وقوله ﷺ : (من حسن) (من) للتبعيض، و (حسن) الحسن في الشيء زيادة في جماله وكماله وتحسينه.
إذاً: هناك محسنات لغيرها، وورد فيما يتعلق بعنصر الإحسان حديث جبريل ﵇، حينما جاء إلى النبي ﷺ وسأله عن الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان، وكان الجواب النبوي الكريم عن الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه) ، فالعبادة أصل، وإحسانها: أن تراقب الله حال عبادتك إياه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فيوجد عبادة، وإحسان تلك العبادة.
وهكذا الإنسان إذا بنى بيته، وأقام أركانه، يأتي بمحسنات، ويأتي بوسائل التجميل لهذا البيت.
إذاً: (من حسن إسلام المرء) ، يعمل بهذا الحديث من اكتمل إسلامه بأركانه، ثم هو يأخذ في المحسنات، ومن هنا قالوا: محسنات الإسلام، قد تندرج تحت هذا الحديث وقد لا تندرج، كما جاء عنه ﷺ : (البر حسن الخلق) ، وحسن الخلق من محسنات الإسلام، وهنا أيضاً: (من حسن إسلام المرء) ، و (المرء) هنا مذكر، ويؤنث بامرأة، والأصل في الأسماء الذكورة، ثم تأتي الأنوثة لها علامة زائدة، فتقول: امرؤ وامرأة، والتاء للتأنيث تكون زائدة عن لفظ المذكر، وقد يطلق (المرء وامرؤ) ويشمل الجميع بالتبع، كقوله هنا: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) ، وهذا الحديث يتعلق بجوانب الترك، والترك هو الكف، وفي عرف الشرع واللغة: الكف فعل، ومن كف عن سيئة فله حسنة، وكما قال القائل عند بناء المسجد النبوي، والرسول ﷺ يشارك معهم: لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل فجعل قعودهم عن العمل عملاً، إذاً: الكف فعل على الصحيح من أقوال العلماء.
إذاًَ: ترك ما لا يعني فعل، ومن هنا كان هذا الترك من محسنات الإسلام.
стр. 294
ما يعني المرء وما لا يعنيه
ما الذي يعني المسلم وما الذي لا يعنيه؟ (يعنيه) أي: تتعلق العناية به، وتتعلق مصلحته بعين ذلك الشيء، فهذا الفعل يعنيه، وهذا الفعل لا يعنيه، ولذا قسم العلماء الأعمال بالنسبة لهذا الحديث أربعة أقسام: أمر يعنيك فعله، وأمر لا يعنيك فعله، وأمر يعنيك تركه، وأمر لا يعنيك تركه.
فإذا فعلت ما يعنيك وتركت ما لا يعنيك فقد جمعت الحسنيين، أما إذا تركت فعل ما يعنيك فهذا تقصير، وإذا فعلت ما لا يعنيك فهذا فضول، والكمال في فعل ما يعنيك وترك ما لا يعنيك، ولم يبق في عمل الإنسان وحياته قسم خامس بعد هذا.
والعاقل لا يضيع وقته عن أمر يعنيه ولا يفعله، فهذا تفريط في حقه وضياع، والعاقل لا يترك الأمر الذي يعنيه، ولا يتبع ما لا يعنيه ويفعله، وقد ذكر العلماء أن من علامة سخط الله على العبد أن يشغله بما لا يعنيه خذلاناً له.
وما اشتغل إنسان بما لا يعنيه إلا ضيع ما يعنيه؛ لأن العمل إما يكون في الحق وإما الباطل، وليس بعد الحق إلا الضلال، فإن شغلت وقتك في الحق وما يعنيك لم يبق عندك وقت لما لا يعنيك، وإن ذهبت إلى ما لا يعنيك فوت وضيعت ما يعنيك.
قال العلماء: أهم ما يعنيك فعل الواجبات، وأهم ما لا يعنيك فعل المحرمات، فمن حسن إسلام المسلم تركه ما لا يجوز له فعله؛ لأنه لا يعنيه، فترك المحرمات والمكروهات، وترك الكبائر والصغائر مما يعني الإنسان تركه، والشخص إذا ترك المحرمات والشبهات والمكروهات يسلم ولو قصر في الواجبات، لكن إذا أخذ من هنا، ومن هنا، فقد خلط عملاً سيئاً وآخر صالحاً.
إذاً: هذا الحديث كما يقول العلماء: ربع الإسلام، أو نصفه، أو كله: (من حسن إسلامه تركه ما لا يعنيه) ، هذا منطوقه، ومفهومه المقابل: (فعله ما يعنيه) ، وكأن هذا الحديث يضع المقياس للإنسان المسلم في حياته، ليعلم: ماذا يفعل، وماذا يترك؟
стр. 295
أمثلة من الواقع لترك ما لا يعني
لو نظرنا إلى حياة الناس في كل زمان ومكان، نجد الأمثلة على ذلك، فإذا كنت طالباً تمشي في الطريق، ووجدت اثنين يتحادثان، وجلست تتسمع لهما، فهل هذا يعنيك؟ هذا لا يعنيك، وقد أضعت وقتاً، وارتكبت إثماً، ونظر الناس إليك بما لا يليق، وتركت ما لا يعنيك، فلا تتجسس على أحد، ولا تتبع عورات الناس.
ولو تزوج إنسان ثم سئل: كم دفع صداقاً؟ ومن هي المرأة؟ وكيف خطب؟ وكيف؟ وكيف؟ فهذا لا يعنينا.
أو إنسان مات، فتأتي تسأل: كم عنده من الأولاد؟ وكم؟ وكم؟ والعوام يقولون: أردب ما هو لك، لا تحضر كيله، ما ينوبك إلا شيله، وهذا مثل عاصي يحذر من التدخل فيما لا يعني.
وإذا رأيت مزارعاً في أرضه يحرثها أو يعمل فيها، فنقول: كيف تحرثها؟ ولأي شيء تحرثها؟ وماذا ستزرع فيها؟ فهذا لا يعنيك، وإذا كنت تريد أن تشتري أرضاً، وتريد زراعتها، فعند ذلك لك أن تسأل.
وقد أكثر العلماء من الأمثلة على ترك ما لا يعني، والقاعدة العامة: أن تنظر ماذا سيعود عليك هذا العمل من نفع؟ فإن كان سيعود عليك نفع منه فهذا يعنيك، وإن كان لن يعود عليك منه نفع فهو لا يعنيك، ونفع المسلم قد يكون في دينه، يتعلم علماً ويعمل به، وقد يكون في بدنه يحفظه ويصونه ويغذيه، أو يستر عورته وقد يكون في ماله يحفظه ويصونه وينميه، وقد يكون عرضه يصونه عما يدنسه.
في دينك: كأن تتعلم شيئاً تجهله، وأن تعمل بشيء أنت تاركه، وفي بدنك: أن تعالجه وتحافظ عليه وتطعمه وتكسوه، وفي مالك: بأن تنميه وتحفظه عن الحرام وغير ذلك، وفي عرضك: بأن تحفظه وتصونه من مواقف السوء كما علمنا ﷺ ، فقد ورد (أنه كان معتكفاً في رمضان، وجاءت زوجه صفية رضي الله تعالى عنها، فتحدثت عنده ساعة، ثم أرادت أن ترجع، فقام معها ليقلبها إلى بيتها، فرأى رجلين يسرعان الخطى، فوقف ووقفت معه وقال: على رسلكما! إنها صفية، فقالا: سبحان الله! يا رسول الله! فقال: إني خشيت أن يقذف الشيطان بشيء في نفوسكما فتهلكا) .
فيجب على المسلم ألا يقف في موقف شبهة.
стр. 296
الإحسان قاعدة عامة في الإسلام
الإحسان في الإسلام قاعدة عامة في جميع الأعمال، (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) ، فإذا كان المولى سبحانه كتب الإحسان على كل شيء فلأن تحسن إسلامك من باب أولى، وكيف تحسن إسلامك؟ تصون أعمالك وأقوالك مما ليس منه، ويقول العلماء: لا تحسد أحداً على ما هو فيه، ولا تحقد على أحد في شيء فعله، ولا تسيء الظن بإنسان لكلام تكلمه، ويقولون: (إن رجُلاً جاء إلى لقمان الحكيم، وهو في مجلسه، والناس يأخذون عنه الحكمة، فقال للقمان: ألست كنت عبداً لبني فلان؟ قال: نعم، قال: ألست كنت ترعى الغنم في جبل كذا؟ قال: نعم، قال: ماذا بلغ بك ما أرى الآن؟ قال: قدر الله، وصدق الحديث، وعدم دخولي فيما لا يعنيني) ، كان عبداً مملوكاً يرعى الغنم، تخلق بهذه الأخلاق، فوصل إلى ما وصل إليه، وأوتي الحكمة!! : ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة:٢٦٩] .
وهكذا على الإنسان في نفسه، وفي مجتمعه، فإن كان موظفاً في دائرة، وله اختصاص في عمله، فلا يأتي بفضوله يتتبع عمل الرئيس أو المدير أو الزملاء الآخرين، ويقول: أنتم فعلتم كذا وكذا، فهذا لا يعنيك، وليس من اختصاصك، فلماذا تترك عملك وتنتقل إلى دائرة أخرى؟! لو أن رجلاً يعمل في مستشفى، وفيه عدة أقسام بالنسبة للأطباء، وجاء طبيب أسنان يعترض على طبيب جراح، ويقول له: أنت فعلت كذا وكذا، فنقول له: مهمتك هي في الضرس والسن، فلماذا تتدخل في أمر الجراحة؟ فهل هذا يعنيك؟ وبالعكس: طبيب جراح يسمع عن أعمال طبيب الأسنان، فيأتي ويقول له: يا أخي! أنت تكسر الضروس، فهل هذا مما يعنيه؟ لا.
ولو ترك كل إنسان ما لا يعنيه ما وقع حسد، ولا وقعت خصومة، ولا وقع غل في صدر أحد، ولا تعطلت أعمال الناس، فإذا انقطع كلٌ لما يعنيه لتوفرت كل الأعمال.
مثلاً: مصنع نسيج القطن، فيه مكينة تغزله، ومكينة تنسجه، فلو جئنا بمكينة الغزل لتعمل مكان مكينة النسيج، أو مكينة النسيج لتعمل عملية الغزل، فهل يمكن هذا؟ لا يمكن هذا، فقد أشغلت جهازاً فيما لا يعنيه، وهو لا يصلح له، وكذلك الإنسان إذا تدخل فيما لا يعنيه أفسده، وإذا لزم ما يعنيه قام بواجبه وبعمله، وكان كل شيء على ما يرام.
стр. 297
صلاح الناس في ترك ما لا يعني
لو طبق كل مسلم هذا الحديث في نفسه، وبيته، وسوقه، وعمله، والتزم حدوده؛ لصار دولاب الحياة منتظماً، ولو ترك كل إنسان ما يعنيه وتدخل فيما لا يعنيه لتعطلت الحياة، وصار هذا يتجسس على هذا، وهذا يتدخل في شئون هذا، وهذا يفسد أمر هذا.
وأخطر ما يكون ما نراه اليوم، تجد الفتاة تتزوج، وتعيش مع زوجها في أحسن ما يكون، فتأتي أمها لتزورها وتقول: ما هذا العفش يا بنت؟! أهذه حياة؟! لماذا لا تكلمي زوجكِ؟! أنتِ ما عندكِ نظر! ما عندكِ لسان! كذا كذا والبنت كانت راضية بمعيشتها مع زوجها، فالأم ما يعنيها في حياة الزوجة مع زوجها؟ ثم تخرج الأم من البيت، ويأتي الزوج، وكان قد ترك زوجته في أحسن ما يكون من البشاشة والسرور، فيرجع وإذا الدنيا متغيرة، وتخاصمه: أنت ما فعلت لي كذا، وما فعلت لي كذا! وكل هذا بسبب الأم.
وكم من مفاسد تقع في البيوت بسبب ذلك، ومن العجب! أن الإمام أحمد ﵀ يقول: إذا رأى والد المرأة زوجها يضربها فلا يسأله: لماذا يضربها؟ ولا يتدخل فيما لا يعنيه، فهذا أمر بين الزوجين.
ولهذا -يا إخوان- من حكمة التشريع الإسلامي ومحاسنه: أنه جعل الخلافات الزوجية مستترة خفية في غرفة النوم بين الزوجين إلى أن يعجزا عنها، فقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤] ، وقال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] ، هل قال: أحضروا أمها وأباها؟! لا والله! هل قال: نادوا الجيران؟! لا، وإنما قال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ﴾ [النساء:٣٤] قبل أن يقع النشوز، ماذا نفعل؟ قال تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء:٣٤] ، فإذا رأى منها بوادر النشوز، يبدأ يعظها بالموعظة الحسنة؛ لأن من مبادئ الإسلام اختيار الزوجة على مبدأ الدين، (تنكح المرأة لأربع: لحسبها، ولمالها، ولجمالها، وادينها، فاظفر بذات الدين) ، ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١] ، فإذا كانت الزوجة -على مبدأ الاختيار الإسلامي- ذات دين، وحصلت هفوات ولا أحد يسلم، فتكون الموعظة، والموعظة أول ما تؤثر في ذات الدين، فالموعظة ستجد طريقها، وإذا كانت المشكلة أكبر، فاهجروهن، وأشد ما يكون ثقلاً على المرأة أن يهجرها زوجها في الفراش: ﴿فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء:٣٤] ، وكأنه يقول لها: سلاحكِ الذي تتسلطين به عليَّ باطل ملغي لا تأثير له، ويعطيها ظهره.
وإذا افتقدت المرأة سلاح أنوثتها، فلم يبق عندها إلا البكاء أو المكيدة، وإذا كانت مؤمنة فالمكيدة منسية، فإن نفع هذا الهجر فبها ونعمت وإلا ضربها، لا للتشفي، ولكن للتهذيب، والتوجيه، والتنبيه، والإنابة، فإذا عمل بهذه المراحل الثلاث بأقصى جهده، وعجز عن حل الخلاف، فكما قال الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥] ، لا تذهبوا بعيداً، وتشنعوا عليهم في الحارة كلها! ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥] ؛ لأن أهلهما أحرص على المصلحة، ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] .
إذاً: لا يتدخل الأبوان في شئون الزوجية إلا إذا عجز الزوجان، ولا تأتِ الأم لأول وهلة وتتدخل في شئونها، وفي لبسها، وأكلها، وفراشها، وفي معاملة زوجها لها، فمن الخير أن تترك الأم ابنتها مع زوجها، ولو سمعت بخلاف بينهما وتركتهما يعالجان القضية؛ لأن البنت قد تتحمل على نفسها فيما بينها وبين الزوج ما لا تتحمله في حضور أمها، وقد تأخذها الحمية لأهلها.
إذاً: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) ، وكم من امرأة طلقت من زوجها بسبب أهلها أو أمها أو أخيها! يكون الأخ بينه وبين الزوج مخاصمة ومحاكمة، فيتدخل في شأنهما.
لو طبق هذا الحديث في أي مجال من مجالات الحياة؛ لسلم المجتمع من كل فضول، ولصار كلٌ في طريقه يؤدي ما عليه، ويأخذ ما له، وإذا أخذ ما له ووقف عند حقه، وأدى ما عليه ولم يقصر في واجبه؛ كان المجتمع كله مجتمعاً سليماً سعيداً.
ونكتفي بهذا القدر من التوضيح لهذا الحديث النبوي الشريف، وهو يشمل حتى الراعي مع الرعية، كما قال معاوية: (لو تتبع الأمير الرعية لأفسدهم) أي: لو كان يتتبعهم في كل صغيرة وكبيرة، لفسدوا، لكن لو ظهر هناك مخالفة وإفساد، فلا مانع، لكن لا يتتبعهم في كل صغيرة وكبيرة، سواءً أساءوا أو أحسنوا، فلا ينبغي ذلك.
وبالله تعالى التوفيق.
стр. 298
الأربعين النووية - الحديث الثالث عشر
стр. 299
شرح حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: [عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) متفق عليه] .
هذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ ، والحديث الذي قبله يبين حسن الإسلام، والإسلام هو: النطق بالشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، من محاسنه: ترك ما لا يعني، والبر، وحسن الخلق، وأشياء أخرى متعددة.
стр. 300
معنى: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ... )
وإذا كان الحديث السابق يبين حسن الإسلام، فهذا الحديث يبين كمال الإيمان، وقد جاء في هذا المعنى أحاديث عديدة، وقوله: (لا يؤمن أحدكم) (لا) نافية، تنفي الإيمان عن أحد، وأحد نكرة أضيفت للمخاطب، فتعم جميع آحاد الناس، والإيمان كما جاء في حديث جبريل ﵇: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره) ، وهذا الحديث ينفي كل أركان الإيمان الستة، وهل يكون قد خرج عن عداد المؤمنين أو المعنى: لا يؤمن إيماناً كاملاً؟ لا يؤمن إيماناً كاملاً كما جاء في سورة الحجرات: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] ، وعند علماء اللغة أن (لما) تشترك مع (ما) في النفي، إلا أن (لما) تدل على أن المنفي هو في سبيل إتمامه، تقول: أثمرت النخلة ولما ترطب، أثمرت الشجرة ولما تينع، أي: ينضج ثمرتها، أي: أنها في طريق النمو، وفي طريق اكتمال النضج، وكذلك الأعراب، أسلموا، وبوادر الإيمان في طريق اكتمالها، فقوله: (لم تؤمنوا) أي: لم يكتمل إيمانكم، وبقي مراحل حتى يكتمل، ولذا حملوا النصوص التي ترد بهذا المعنى على نفي كمال الإيمان كقوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) ، وليس المراد أنه انتفى عنه الإيمان وخرج عن مسمى المسلمين، لا، بل جاء في الحديث الآخر: (يكون الإيمان عليه كالظلة حتى يرجع عن ذلك أو ينتهي منه) ، فالإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
هذا الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) نقيسه بالشمول وعموم الإسلام كله، (حتى يحب لأخيه) ، وليس المراد بأخيه ابن أمه وأبيه أو أخوه من الرضاع أو أخوه لأب أو لأم، بل المراد أخوة الإسلام ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] ، وقال بعض العلماء: الأخوة في الإنسانية أعم من الأخوة في الإسلام؛ لأن الواجب عليك لو رأيت كافراً مشركاً -وتعلم أن نهاية الكفر والشرك إلى النار وأنت تكره ذلك- أن تحب له الإسلام لينجو من النار كما تحب ذلك لنفسك، فبعض العلماء وسع نطاق الأخوة، وجعلها في الجنس البشري، وبعضهم يقصرها على الأخوة الإسلامية.
стр. 301
أهمية الأخوة في الله
ينبغي إشعار المسلم بالأخوة مع المسلمين، ولو أراد إنسان أن يوفيها حقها، فعليه أن يرجع إلى أصل دعوة الإسلام وأولها، والهجرة هي أعظم حدث في الإسلام بعد النبوة، فقد هيأت المجال للإسلام أن ينطلق وينتشر، بعد أن كان محدوداً في مكة، ومحصوراً فيها، ومحاطاً من جميع الجهات، ولا يسمح له بالتحرك، فهاجر ﷺ إلى المدينة، وعند خروجه ﷺ من بيته إلى الغار كان الصديق تارة يمشي أمامه، وتارة يمشي وراءه، فالتفت إليه ﷺ وقال: (يا أبا بكر! ما بالك تارة تمشي أمامي وتارة ورائي؟! أتود لو كان شيئاً أن يكون فيك يا أبا بكر؟! قال: نعم، إن أهلك أهلك أنا وحدي، أما أنت -يا رسول الله- فإن معك الرسالة) ، فمجيء الرسول ﷺ إلى المدينة معناه مجيء رسالة الإسلام، وليس ذاته ﷺ فقط، بل ما يحمله من رسالة ربه إلى خلقه، وكان في المدينة الذين بايعوا عند جمرة العقبة من الأنصار، والذين خرجوا قبل رسول الله مهاجرين، مثل مصعب بن عمير الذي كان يعلم الناس الإسلام، فكان فيها بوادر الإسلام، وبجانب هذه القلة كان هناك عباد أصنام، وكان عمرو بن الجموح له صنم في بيته، وكان ولده ممن حضر بيعة العقبة شاباً يافعاً، فلم يستمع لولده، وكان من سادة قومه، وكان كلما أصبح الصباح يأتي إلى صنمه ويطيبه ويمسحه ويؤدي له حقوقه في زعمه! فجاء الولد ونكس الصنم في الليل، فجاء الأب ووجد الصنم منكساً، فعدله، ثم جاء الولد ووضع عليه بعض القاذورات، فأخذه الأب وغسله وطيبه وعدله، ثم ربط الولد صنم أبيه مع كلب ميت في حفرة خارج البيت، وألقاهما معاً، وأصبح الأب يبحث عن معبوده فلم يجده، فأخذ يبحث عنه حتى وجده مع الكلب في حفرة، فلما وجده تعجب من ذلك! وأبعد عنه الكلب، وطيبه ووضعه في محله، وجاء بالسيف ووضعه بجواره، وقال: انتقم لنفسك، فإذا مرة أخرى يأخذه الولد ويجعله بتلك الصورة، فتنبه الأب وقال: عجباً! والله! لو كنت إلهاً حقاً لما كنت مع كلب في قرن، أف لك من إله، وتركه في مكانه وأسلم.
إذاً: كان في المدينة حينئذٍ أقلية مسلمة، ومشركون يعبدون أصناماً، ومنافقون أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، ويهود يعادون الدعوة بصراحة.
إذاً: المجتمع المدني كان مؤلفاً من عدة طوائف، أما مجتمع مكة فكان طائفتين فقط، إسلام وشرك، والكفار صرحاء، ولم يكن نفاق في مكة أبداً، إما مسلم واضح وإمام كافر ظاهر، لكن المجتمع في المدينة كان على أربعة أقسام، فكيف للإسلام أن ينتشر وأن يمضي في هذا المجتمع الخليط؟ ومع أن هذه بلدة صغيرة، وفيها هذه الطوائف، إلا إن الإسلام وقضى على تلك المظاهر كلها، وانطلق خارج المدينة، ولو وقف الساسة ورجال الاجتماع لعجزوا عن تعليل هذا، لكن ذلك كان بوسيلة الأخوة بين المسلمين، فأول ما قدم ﷺ المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار، وكتب الصحيفة العالمية المشهورة بينه وبين اليهود، وبين المشركين، وكان منها: ما كان من أمر في المدينة فمرجعه إلى رسول الله ﷺ ، وفي أول الإسلام كانوا يتوارثون بالإخوة، فإذا مات رجل من الأنصار وله أخٌ في الله من المهاجرين ورثه كما يرث الأخ أخاه والولد أباه، حتى نزلت آية المواريث: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٧٥] .
стр. 302
من مظاهر الأخوة في الله
مظاهر الأخوة في عصر النبوة يعجز إنسان أن يصورها، فمن تلك المظاهر: عندما رجع ﷺ من بني المصطلق تلاحى غلامان: غلام من الأنصار، وغلام من المهاجرين، وضرب غلام المهاجرين غلام الأنصار، فبلغ الأمر إلى عبد الله بن سلول رئيس المنافقين، فقال: قد قلت لكم من قبل: ما نحن وهم إلا كمثل القائل: سمّن كلبك يأكلك، آويناهم في المدينة، وأطعمناهم، والآن يضربونا، ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] ، فبلغت مقالته رسول الله ﷺ ، وكاد المهاجرون والأنصار أن يفتتنوا، فأمرهم بالمسير وقت الظهيرة ليشغلهم، وجاء الوحي وبين مقالة ابن أُبي، فقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] .
ويقول علماء الأصول وعلماء البلاغة: إن ابن أُبي حكم حكماً صحيحاً، فالأعز يخرج الأذل، لكن من هو الأعز ومن هو الأذل؟ هذه هي نقطة الخلاف، فالحكم صحيح، ولكن من هو الأعز، ومن هو الأذل؟ ابن أُبي يزعم بأنه العزيز في بلده، والقرآن قد رد على ابن أُبي حكمه، وبين أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ولكنك لا تفقه يا ابن أُبي!! فلما وصل الناس إلى المدينة، ظهرت ثمرة الأخوة في الله، جاء عبد الله بن عبد الله بن أُبي - وهو صحابي جليل، وكان من أبر الناس بأبيه رئيس المنافقين- فأمسك بزمام راحلة أبيه عند باب المدينة، واستلّ سيفه وقال: والله! لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله، وتعلم أنك أنت الأذل، وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين! فما أعجب هذا الارتباط بين الولد وبين المسلمين، وفصل العرى التي بينه وبين أبيه، فرابطة النسب ضاعت؛ لأنها رابطة ماء وطين، أو رابطة زوجية، أما رابطته برسول الله فهي من الله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران:١٠٣] ، وأي نعمة؟ إنها نعمة الإسلام: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران:١٠٣] ، والذي لم يدخل في الإسلام لا يزال واقفاً على شفا حفرة من النار.
وهكذا وقف الأب أمام الولد ولم يستطع أن يدخل المدينة! من الذي منعه؟ هل هو الرسول؟ لا، هل هو أبو بكر أو عمر؟ لا.
بل منعه ولده! ثم بلغ الخبر رسول الله ﷺ فأرسل إليه: دعه يدخل، فدخل المدينة ذليلاً حقيراً! وأمثال هذه المواقف كثير، ويهمنا أن الأخوة الإسلامية ربطت بين أفراد الأمة الإسلامية، وهي أقوى من النسب والقرابة والرحم، ويظهر أثرها أكثر من هذا في الغزوات، فمثلاً: بعد أن انتهت معركة القادسية، خرج رجل يطلب ابن عم له في القتلى، وقال: لعلي أجده في رمق يحتاج إلى ماء، وحمل معه قدحاً من الماء، ثم وجده في النزع، فقال: ألك حاجة في الماء؟ قال: نعم، فقدّم إليه الماء في القدح، فلما أخذ القدح وأهوى به إلى فيه إذا به يسمع جريحاً يئن، فرفع الماء وقال: اذهب به إليه لعله أحوج إليه مني، فذهب به إليه، وعندما أراد أن يرفع القدح إلى فيه سمع أنيناً ثالثاً فأرسله إليه، فذهب إلى الثالث فوجده قد مات، فرجع إلى الثاني فوجده قد مات، فرجع إلى ابن عمه فوجده قد مات، فمات الثلاثة وكل يؤثر أخاه على نفسه، والماء يبقى في القدح!! روى البخاري ﵀ عن ابن عمر قال: (كنا في زمن لا يعرف أحد منا فضل درهم على أخيه، ونحن في زمان الدرهم عند الرجل أعز من أخيه وأبيه!) ، فإذا كان ابن عمر يقول هذا في وقته، وهو صحابي جليل، فكيف بنا اليوم؟! تجد أن الفلس عند الرجل أعز من الدنيا كلها!
стр. 303
رابطة الإيمان مع الملائكة
إذا تجلت الأخوة بين المسلمين كان المجتمع مثالياً، وكان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول: إن رابطة الأخوة الإيمانية لم تقف عند سطح الأرض، بل امتدت إلى السماء، وإلى حملة عرش الرحمن، وربطت بينهم وبين المؤمنين، وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧] ، فما هي الرابطة هنا؟ إنها رابطة الإيمان، ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٧-٩] ، أي دعاء أبلغ وأعظم وأشمل من هذا الدعاء الذي تدعو به الملائكة حملة العرش للمؤمنين؟! وهذا بسبب رابطة الإيمان.
ونقول أيضاً: إن تلك الرابطة لم تقف عند حد الدعاء بل كانت عملياً، قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [فصلت:٣٠-٣١] ، فهم أولياؤهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فمثلاً: في يوم بدر، نزلت الملائكة وقاتلت مع المسلمين.
إذاً: ربطت الأخوة الإيمانية بين المؤمنين وبين حملة العرش.
стр. 304
رابطة الإيمان مع الجماد
وربط الإيمان بين مؤمني هذه الأمة وبين الجماد.
فهذا العلاء بن الحضرمي حينما ذهب إلى البحرين، علم به مشركو المجوس، فرجعوا إلى الجزيرة وأخذوا السفن، وجاء العلاء ومن معه من المسلمين والبحر أمامهم، فماذا يفعلون؟ توجه العلاء إلى من معه من المؤمنين وقال: أيها الناس! إني عزمت على أمر، إن الله قد أراكم آية في البر، وهو قادر على أن يريكم آية في البحر.
وما هي الآية التي أراهم الله إياها في البر؟ لما كانوا في الطريق، نفذ عليهم الماء، وكادوا يموتون عطشاً، فنزلوا منزلاً ينتظرون الموت، وفي الظهيرة جاءت سحابة صغيرة من بعيد، ووقفت على مساحتهم ثم أمطرت! مدد من الله، أليس هذا من جنود ربك؟! بلى، جند من جند الله، فشربوا وسقوا دوابهم وتزودوا منه.
فقال العلاء: إن الذي أراكم تلك الآية في البر قادر على أن يريكم آية في البحر، قالوا: وماذا تريد؟ قال: عزمت أن أخوض هذا البحر، فتقدم إلى البحر، وهو جماد لا يدري، فقال: أيها البحر! إنك تجري بأمر الله، ونحن جند في سبيل الله، عزمت عليك لتجمدن حتى نعبر لنقاتل عدو الله، ثم عبر البحر بجيشه!! قرار في ثلاث كلمات (توجه إلى الله) ، والرابطة الكبرى التي تجمع بين الجميع هي الإيمان.
يقول ابن كثير في ذكر هذه القصة: (فما ترجل الفارس، ولا احتفى المتنعل، واجتازوا وقاتلوا وانتصروا) .
بأي أمر استطاع العلاء أن يعبر على الماء؟ هل بشخصيته أو بقوته وجيشه؟ لا.
بل لأنه في سبيل الله، وهذا يجري بأمر الله، والكل من خلق الله.
стр. 305
رابطة الإيمان مع الحيوان
ذكروا عن سفينة خادم رسول الله، أنه رجع من الغزو، فإذا بالأسد يعترض الناس في الطريق، فما استطاع أحد أن يجاوزه، فتقدم إلى الأسد وقال: أيها الأسد! أنا سفينة صاحب رسول الله، عزمت عليك لتخلين الطريق لنمضي، فإذا بالأسد يذهب بعيداً، ويخلي الطريق! بماذا طرد سفينة الأسد؟! هل طرده بسيفه ورمحه؟ لا والله! إنما طرده بإيمانه وصحبته لرسول الله ﷺ .
إذاً: لو قال قائل: إن إخوة الإيمان تربط بين جميع خلق الله فلا يستبعد عن ذلك أبداً،: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه) ، فالأخوة الإسلامية ذللت كل شيء لهؤلاء المسلمين.
وهذه الآثار تبين لنا معنى نفي الإيمان في هذا الحديث، وأنه نفي كمال وتمام الإيمان، كما جاء في نظير ذلك: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) ، قالوا: يسمى مسلماً ولا يسمى مؤمناً، فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
وتقدم الكلام على أن الأخوة هنا: (أن يحب لأخيه) هي أخوة الإيمان، وليست أخوة النسب، بل أخوة الجنس البشري، كما في رواية: (يحب للناس ما يحب لنفسه، ويكره للناس ما يكره لنفسه) ، وأشرنا إلى مدى آثار الأخوة في الله، وذكرنا قضية ابن أُبي وولده عبد الله، وما قاله عند الرجوع من غزوة بني المصطلق، ووقوف ولده أمامه عند باب المدينة ليمنعه من دخولها حتى يأذن له رسول الله ﷺ ، وهذه تبين لنا كيف ألقى الرابطة بينه وبين أبيه من جانب النسب، وقوى الرابطة بينه وبين رسول الله ﷺ والمؤمنين بعلاقة الإيمان.
стр. 306
موقف أبي بكر ﵁ من ولده في غزوة أحد
في غزوة أحد حينما اصطف الفريقان، خرج من المشركين من يطلب المبارزة، وكان منهم ابن أبي بكر الكبير رضي الله تعالى عنه، فقال: من يبارز؟ فأول من نهض ليبارزه أبوه: أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فأمسك به رسول الله وقال: (أبق علينا نفسك يا أبا بكر!) .
وأشرنا إلى ما كان في معركة القادسية، عندما ذهب رجل يطلب ابن عمه في الجرحى ومعه الماء، فلما وجده دفع إليه قدح الماء ليشرب، فسمع الجريح أنيناً، فقال: اذهب بالماء إليه لعله أحوج إليه مني، فذهب إليه فسمع أنين شخص ثالث، فقال: اذهب بالماء إليه لعله أحوج إليه مني، فلما وصل إلى الثالث وجده قد مات، ثم رجع إلى الثاني ووجده قد مات، ثم رجع إلى ابن عمه فوجده أيضاً قد مات، يموت الثلاثة وكل يؤثر صاحبه على نفسه، ويبقى الماء في القدح! هذه حقيقة الأخوة في الله، وأشرنا إلى أثر الإيمان بين الجماد والمؤمن في قصة العلاء بن الحضرمي، حين أقسم على البحر أن يجمد ليعبر عليه حتى يقاتل العدو، فجمد الماء وقاتل الأعداء وانتصر، إلى غير ذلك من آثار الأخوة في الله.
وأشرنا إلى أن النبي ﷺ أول ما قدم المدينة كان فيها تيارات مختلفة، وعقائد متنوعة، ما بين قلة مؤمنة، وكثرة مشركة، وبعض المنافقين واليهود، واستطاع النبي ﷺ بنور النبوة وحكمتها أن يشق طريق الإسلام بين تلك الطوائف الأربع.
стр. 307
الأخوة من أسس بناء الدولة الإسلامية
أول خطوة عملها ﵊ عند بناء الدولة الإسلامية هي: المؤاخاة بين المهاجرين أنفسهم، وبين المهاجرين والأنصار، وكتب الاتفاقية العامة بينه وبين اليهود، وقد أعطت رسول الله ﷺ حق الحل والعقد فيما يتعلق بالمدينة، وكل ما شجر فيها فمرجعه إلى رسول الله ﷺ .
وقد استطاع النبي ﵊ أن يؤاخي بين المسلمين، حتى صار في فجر الإسلام يستظل بمظلة الإسلام الكبرى شتى الجنسيات المختلفة، فهنا سلمان الفارسي، وهنا بلال الحبشي، وهنا صهيب الرومي، والكل يعيش في ظل راية الإسلام، وتحت مظلة: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
أما العالم اليوم فقد دمر بالحروب وبالتفرقة العنصرية، وتمزق بالتعصب الشخصي أو الحيدة والمصلحة الخاصة، ولكن الإسلام بتعاليمه يذيب الفوارق بين تلك الجنسيات فيعيش الحبشي والرومي والفارسي والعربي والعجمي جميعاً تحت مظلة الإسلام، قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ، ويقول الإمام علي رضي الله تعالى عنه: الناس من جهة التكوين أكفاء أبوهمُ آدم والأم حواء فإن يكن لهم من أصلهم نسب يفاخرون به فالطين والماء إذاً: الإسلام يذيب الفوارق ويجمع الشتات، ويربط الجميع بأخوة واحدة، ويصبح هذا التآخي بمثابة التلاحم، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] ، ويقول ﷺ : (المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً) ، ويقول: (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ، كيف فعل الإسلام ذلك؟ أشرنا إلى عنصرين أساسيين هما: - الروح.
- الجسد.
يقولون: الإنسان حيوان ناطق، والحيوانية مبناها على الحياة بالأكل والشرب، فهو حيوان كسائر الحيوانات: يأكل ويشرب، ويجوع وينام، والنطق هي الملكة التي بها تميز عن غيره، كالصهيل للفرس، والنهيق للحمار، إذاً: هذا الفصل عن الجنس، والله كرم الإنسان بالقوة المخيلة، والذاكرة، والعقل الذي به يدرك خطاب الله لخلقه.
إذاً: الإنسان جسدٌ وروح، والجسد بدون الروح لا قيمة له، يكون جثة هامدة، والروح بدون الجسد ناقصة؛ لأنها ساكنة في الجسم، ولابد للساكن من بيت يسكن فيه، وإذا انهدم هذا البيت صعدت الروح إلى بارئها.
إذاً: الإنسان من مادة وروح، (جسم وروح) ، فالإسلام آخى بين المسلمين على هذين العنصرين: أما العنصر المادي فهو -كما أشرنا-: رد الإنسان إلى أصله الأول: ﴿خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات:١٣] ، وكما قال علي رضي الله تعالى عنه: (من ماء وطين) ، هذه هي الناحية المادية: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح:١٧] .
أما الناحية المعنوية، وهي الروح والعقل والإيمان، فهي نعمة من الله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران:١٠٣] ، ولما أوجد الله هذا الكيان الإنساني، جاء الإسلام بروافد تغذي تلك النبتة القوية التي أصلها ثابت وفرعها في السماء.
فمنع وحرم كل إيذاء بين بني البشر: من القتل، والسرق، والضرب، بل منع من السخرية والهمز واللمز، وأوجب روافد الخير: من التآخي، والتزاور، والهدايا، وصلة الأرحام، وو إلخ، وكف عنها آفات الفرقة بالاعتداء والخصومة، وسلط عليها روافد النمو من الأخوة والمحبة والموالاة والزيارة إلى غير ذلك.
والخلاصة: منع الإسلام من كل آفة تعيق نمو المحبة، وشرع روافد الخير التي تغذيها حتى تنميها وتؤتي ثمارها في كل حين.
стр. 308
ثمرات العمل بحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه)
قوله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم) أي: لا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يتصف بهذه الصفة، وهذه صفة لو طبقت لألغيت المحاكم والسجون؛ لأنه إذا أصبح كل إنسان يحب لأخيه ما يحب لنفسه فلن يحصل اعتداء، ولا ظلم، ولا بغي، ولا حسد، ولا حقد، ولا غل، ولا سخرية.
إلى آخر الشرور، وقد طبق النبي ﷺ هذا الحديث في الشاب الذي جاءه وأعلن إسلامه وقال: (يا رسول الله! أريد أن تأذن لي في شيء واحد، قال: ما هو؟ قال: في الزنا، فنهره أصحاب رسول الله وزجروه، فقال ﵊: هلم! ادن، فدنا الشاب وأجلسه بين يديه، وسأله فقال: أترضى ذلك في أختك؟ قال: لا والله! قال: أترضاه في ابنتك؟ قال: لا، أبداً.
قال: أترضاه في أمك؟ قال: لا، أبداً، قال: كذلك الناس لا يرضونه في محارمهم) ، وهذا من تطبيق الحديث: أن تحب للناس ما تحبه لنفسك، وأن تكره للناس ما تكره لنفسك.
وهذا تطبيق عملي من الرسول ﷺ مع هذا الشاب في موضوع خطير جداً، فالشاب كان يجب شيئاً محرماً، ولكن بصره رسول الله ﷺ بشره فانتهى، فكما أن لك محارم فللناس محارم، فإن كنت ترضاه لنفسك فهذه نقيصة، وإن كنت لا ترضاه لنفسك فكيف ترضاه للناس؟ ومن هنا كف الشاب عن ذلك، وأبغض الزنا! ولو أن كل شاب طبق هذا الحديث في نزواته لما زنى أحد؛ لأنه لا يرضى ذلك في محارمه.
وكذلك المال، قال ﷺ -فيما معناه- (لا يحلب أحد ماشية أحد، فإنما هي تحزن طعامهم) أرأيت لو أن إنساناً جاء إلى مخزنك وأخذ منه طعامك وشرابك! وكأنه يقول: تلك الإبل المحفلة بالحليب تحمل غذاء أهلها، فإذا أخذت هذا الحليب، أترضى أن يخلفك إنسان إلى مخزن بيتك ويأخذ رزقك وطعامك من هناك؟!
الجواب
لا، إذاً: دع أرزاق الناس مكانها، فلو طبق هذا أيضاً من جهة المال لما سرق سارق؛ لأنه لا يرغب إنسان أن يسرق ماله، ولما ظلم ظالم ولا اغتصب غاصب؛ لأنه لا يرضى إنسان أن يظلمه أحد أو يبغي عليه أحد، وهكذا.
стр. 309
عامل الناس كما تحب أن يعاملوك
المولى يقول: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً﴾ [النساء:٩] ، مذا؟ ﴿ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:٩] ، أي: خافوا عليهم من الناس.
إذاً: أنت في حياتك لك ذرية ضعيفة، وأمامك وبين يديك ذرية الآخرين، فإذا أحسنت إليهم سخر الله من يحسن إلى ذريتك الضعاف، وإن أسأت إلى ذرية الآخرين الضعاف فخف على ذريتك من بعدك، فالأمر مبادلة، فأحب لذرية الأجانب الآخرين ما تجب لذريتك، وافعل لهم من الخير، وكف عنهم من الشر ما تحب أن يفعل لذريتك الضعاف من بعدك.
ويقول الله في الآية الأخرى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة:٢٦٦] ، يعني: أنت في كبر السن، ولك ذرية ضعاف، ولك يستان وحديقة، ثم يأتي إعصار فيه نار فيحرق تلك الحديقة، فأين تذهب ذريتك الضعيفة؟ وهذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٣] ، سبحان الله! كيف تعامل المساكين؟ ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [البقرة:٢٦٣] ، باللسان، ﴿خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة:٢٦٣] ، بالمال مهما كانت ﴿يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣] ، لماذا تؤذي الفقراء؟ هل ترضى أن تكون فقيراً ويؤذيك الأغنياء؟! لا والله! وبعدها قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤] ، لما تؤذي المسكين وتمن عليه؟! هل هذا من جهدك ومالك أنت؟ المال مال الله، وهو في يدك ابتلاء، ومنع منه المسكين ابتلاء، كلٌ يبتلى لينظر أيشكر الغني ويصبر الفقير أم لا؟
стр. 310
النصح للمسلمين
الله يريدك أن تكون مسلماً حقاً، تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وتعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، وتنصح لهم كما في الحديث: (الدين النصيحة) ، فينبغي أن يكون كل مسلم ناصحاً لكل إخوانه.
ويذكر بعض العلماء أن رجلاً جاء ليبيع دابة، فجاءه شخص وقال: أسألك: أتصلح لي هذه الدابة؟ قال: لو كانت تصلح ما بعتها، ما الذي حمله على هذا؟ إنها الأخوة في الله.
وذكروا قصة عن نبي الله سليمان ﵇، وهي أنه عندما أراد أن يبني بيت المقدس، أوحى الله إليه: (أن ابن لي بيتاً) قال: يا رب! وأين أبني ذلك البيت؟ قال: حيث ترى الفارس المعلم شاهراً سيفه، فرآه، فسأل عن صاحب هذه الأرض، فقالوا: لرجل من بني إسرائيل، فقال: أحضروه، فجاء، فقال: ثامني على أرضك هذه، فقال: بألف، قال: اشتريت، فقال: يا نبي الله! أستنصحك: الأرض خير أم الألف؟ قال: الأرض، قال: أقلني، قال: أقلتك، ثم قال: بألفين، قال: بعتك، ثم قال: يا نبي الله! أستنصحك الأرض خير أم الألفين؟ قال: الأرض، قال: أقلني، قال: أقلتك، وهكذا خمس مرات حتى وصلت إلى خمسة آلاف، وأخيراً قال له نبي الله: كم تريد فيها وأعطيك؟ سم أنت الذي ترضى! فقال: تملؤها عليَّ نعماً، إبلاً وبقراً وغنماً فأمر بني إسرائيل أن يملئوها له بما طلب! والشاهد قوله: (أستنصحك: الأرض خير أم الثمن؟ فقال: الأرض خير، فما الذي حمله على ذلك؟ إنه النصح.
ومن الإيمان: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنك إذا رأيت إنساناً على منكر لا ترضاه لنفسك، فلابد ألا ترضاه لهذا الشخص، وأن تخلصه منه، ولكن كيف تخلصه؟ هل تخلصه بالسوط والعصا؟ لا، إنما بما تحبه لنفسك، فلو كنت مثله، ورآك آخر، فبأي طريقة تريد أن ينهاك أو يأمرك؟ أتحب أن يزجرك ويسبك ويعنفك أمام الناس؟! أتحب أن يقبحك ويخرجك من الإسلام ومن الإيمان؟! لا والله! وكما يقول بعض السلف الصالح: إن الأتقياء الصالحين ينظرون بنور الله، يرون العبد على المعصية، فيكرهون العمل ويشفقون على العامل، وينصحونه بالرحمة والرفق؛ ولذا الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر كالطبيب الحاذق الحليم؛ حينما يرى إنساناً مريضاً لا يربطه بالحبال، ولا يقيده بالقيود، ولكن يتلطف معه، ويبدأ بما يخفف إحساسه، وبما يلطف الطريق إليه، فيعطيه منوم، أو مسكن، ثم يفعل ما يشاء في علاجه، والمريض ربما يسبه وربما يتطاول عليه، ولكنه يتحمل ذلك في سبيل علاجه، والآمر بالمعروف أولى بالصبر من الطبيب: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] .
وبالتناصح سنجد الصدق، والأمانات ستؤدى إلى أهلها.
يقول العقلاء: إن مطامع العقلاء في الدنيا لأحد أمرين: إما لجلب نفع، وإما لدفع ضر.
لمنافع يسعى اللبيب فلا تكن بشيء دهرك ساعياً إذا أنت لم تنفع فضر فإنما يرجى الفتى كما يضر وينفعا تضر الخصم والعدو، وتنفع نفسك والصديق، فالإنسان العاقل ما دام يتصف بالعقل لا يسعى سعياً إلا لأحد أمرين: إما ليجلب نفعاً إليه، وإما ليدفع شراً عنه، وجاء الإسلام بهذين المبدأين، وزاد مبدأً ثالثاً ألا وهو: الحث على مكارم الأخلاق، فإذا كان لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فبالتالي يكره لغيره ما يكره لنفسه.
إذاً: كلما فيه جلب نفع أحبه للغير، وكلما فيه دفع ضر أحبه للغير، وقد اتفق العلماء والأصوليون والعقلاء من كل الملل على أن أهم ما يحافظ عليه الإنسان، ويسعى للحفاظ عليه، الكليات الخمس: الدين، والعقل، والجسم، والمال، والعرض، ويدخل فيه النسب.
فإذا أحببت أن تحفظ دينك: فأمرت بالمعروف، وانه عن المنكر؛ لتسعد بإنقاذ إنسان مما هو فيه، وإذا وجدت إنساناً في دينه أعلى منك اجتهدت أن تصل إليه، وإذا وجدت إنساناً أقل منك ساعدته حتى يصل إليك، وهذا من حفظ الدين، أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتجاهد نفسك لتؤدي حق الله عليك.
وحفظ العقل بأن تجتنب كل ما فيه مضرة على العقل، وكذلك تجنب غيرك أن يقع في مثل ذلك.
وكذلك حفظ البدن فكما تحب أن يحفظ بدنك من ضرب أو من جرح أو من إساءة بدنية فكذلك كف هذا عن غيرك.
وحفظ العرض: كما لا تحب أن يعتدى على عرضك، فلا تسمح لنفسك أن تعتدي على أعراض الآخرين.
وحفظ المال كما تحب أن تحفظ مالك من أي اعتداء، وتكره أن يغصبك أحد، فكذلك أحب الخير لغيرك في ماله.
ولو طبق هذا الحديث، فلا حاجة للمحاكم، إذا كان كل إنسان يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويكره لأخيه ما يكره لنفسه، فلن تكون هناك خصومة.
عمر رضي الله تعالى عنه طلب منه أبو بكر رضي الله تعالى عنه أن يلي أمر القضاء، ويكفيه مئونته، فمكث عمر سنة ثم جاء إلى أبي بكر ﵁ وقال: أغفني من القضاء، فقال له: لماذا؟ قال: لم يأت إليّ أحد! وليت على أمة كلٌ قد عرف ما له وما عليه، عرف ما له فلم يتجاوزه، وعرف ما عليه فلم يقصر فيه.
وما دام كل إنسان يمضي في خطه المرسوم له، فلن يعتدي على أحد، ولن يعتدي عليه، فلماذا المحاكم؟ ولماذا الشرطة؟! إذا: لو طبق الناس هذا الحديث وحده، لكان المجتمع الإنساني مجتمعاً مثالياً، فما أعظم قوله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) .
ولعل في هذا القدر الكفاية لبيان معنى الحديث النبوي الشريف، وبالله تعالى التوفيق.
وصلى الله وبارك على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 311
شرح الأربعين النووية - الحديث الرابع عشر [١]
стр. 312
شرح حديث: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: [عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﵌ قال: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه] .
ابن مسعود ﵁ صحابي جليل، وكان يقول: أنا سابع سبعة في الإسلام، وتاريخه مجيد، وفضله بين الصحابة عظيم، حينما سمع بالنبي ﷺ أرسل أخاه ليسمع خبره، ثم رجع إليه وقال: إنه يأمر بالمعروف، ويأمر بمكارم الأخلاق، وذكر أموراً مجملة، فقال: لم تغن عني شيئاً، فركب راحلته، وأخذ ماءه وزاده، ورحل إلى النبي ﷺ بمكة، وسمع منه، ثم رحل هو وأمه ونزل على خاله، ثم لازم النبي ﷺ ، وكان من خيرة أصحاب رسول الله ﷺ .
قوله: (لا يحل) حلّ يحل تأتي في اللغة متعدية ولازمة، تقول: حل يحِل، وحل يحُل، فإذا كانت من الفعل اللازم فهي من باب ضرب يضرب، وإذا كانت من الفعل المتعدي فهي من باب بطر يبطُر، تقول: حل العقدة يُحلُها؛ لأنه متعد إلى مفعول به، وتقول: حل بالمكان يحَل، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣] ؛ لأنه لازم، وكذلك حل الشيء يحِل، إذا كان حراماً.
ويقول ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) ، الإسلام يعصم دم الإنسان، كما تقدم في الحديث الصحيح: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا: أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) .
الإسلام هو المذكور في حديث جبريل ﵇ حينما قال للنبي ﷺ : (أخبرني عن الإسلام؟) ، فبين له الأركان الخمسة، ثم سأل عن الإيمان؟ فبيّن له الأركان الستة، ثم سأله عن الإحسان، فبيّن له ذلك، وهو مسك الختام، وأهم شيء فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، فهكذا بناء الإسلام، وقد بيّن ﷺ أن الإسلام بيت فسيح منيع يحمي أهله فقال: (بني الإسلام على خمس ... ) ، وتلك الدعائم هي التي يقوم عليها الإسلام، وجاء الحديث الآخر يبين آثار تلك الدعائم، وهو قوله ﷺ : (الحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) ، وهنا قال: (فقد عصموا مني أموالهم ودماءهم؛ إلا بحق الإسلام) ، فعصمة المال والدم تكون بالإسلام، وكل إنسان ينطق بالشهادتين فإنه قد عصم دمه وماله إلا بحق الإسلام، وما هو حق الإسلام؟ هذا الحديث يُبين ذلك: (لا يحل دم امرئ مسلم) ، والمسلم هو الذي التزم بالشهادتين، ومدلولهما، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، وحج إن استطاع، فهذا المسلم معصوم الدم والمال، لا يحل دمه أبداً، بأي حالة من الأحوال، إلا بنص جاء عنه ﷺ ، وهنا ذكر هذه الثلاث الحالات، ويوجد أحاديث أخرى أباحت القتل بسبب صفات وأعمال أخرى، ولكنها تندرج تحت قتل النفس، أو تحت (التارك لدينه، المفارق للجماعة) ، وجاءت أحاديث تجيز القتل بسبب شرب الخمر والسرقة، ولكنها -كما قيل- إما ضعيفة، وإما منسوخة، مثل حديث: (من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب في الرابعة فاقتلوه) ، ولكن ثبت أن رجلاً شرب الأولى وجلد، ثم الثانية، وجلد، ثم الثالثة وجلد، ثم الرابعة فجلد، فقال الصحابة ﵃: فعلمنا أن الحد قد وقع، وأن القتل قد رفع.
стр. 313
حرمة الدماء والأموال والأعراض
الدماء والأموال والأعراض أعلن النبي ﷺ تحريمها يوم الحج الأكبر، حينما خطب الناس بعرفات أو بمنى يوم العيد فقال: (أيها الناس! أي يوم هذا؟ قالوا: فسكتنا، حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس هو يوم الحج الأكبر؟ قالوا: بلى، قال: أي شهر هذا؟ قالوا: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس شهر ذي الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أي بلد هذا؟ قالوا: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس البلد الحرام؟ قلنا: بلى، قال: ألا -وهي أداة تنبيه، بعد تلك التساؤلات كلها- إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) ، وهذا الأسلوب من النبي ﷺ يُبين للمسلمين عظم حرمة الدماء، وعظم حرمة الأعراض، وعظم حرمة الأموال.
وقد بين سبحانه أن من قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً؛ لأنه اعتداء على حق الله، الله يبني هذه البنية، ويرزقها، وينشئها في أحسن تقويم، ثم تأتي أنت وتهدمها، لو أنك بنيت خُصاً أو عشة، وجاء أكبر إنسان واعتدى عليها وهدمها؛ لاشتطت غضباً، ولو استطعت قتله فلربما قتلته؛ لأنه هدم عشة بنيتها أنت، فكيف بمن يقتل نفساً خلقها الله في أحسن تقويم؟ وقد قال ﷺ في بيان حرمة المسلم: (إن حرمة المسلم عند الله، أعظم من حرمة الكعبة) ، والكعبة قد تنقض وتبنى على ما كانت عليه من قبل أو أحسن، ولكن هذه البنية إذا هدمت من الذي سيعيد بناءها؟ لا أحد غير الله، ولهذا كان من عدل الإسلام القصاص، فالعين بالعين، والسن بالسن، والجروح قصاص، ففي الإسلام مساواة الجميع في الدية، فلا يزيد إنسان على إنسان مثله بدرهم واحد؛ لأن الكل سواسية عند الله، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ، فالمفاضلة دينية، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ، وقد أعلنها ﷺ في حجة الوداع في تلك الخطبة العظيمة التي جمعت أركان وأطراف الإسلام، وبينت الحقوق التي بين الفرد مع أخيه، والزوج مع زوجه، والولد مع أبيه، والحاكم مع المحكوم، وكل أطراف الإسلام جمعت في تلك الخطبة، ولو تأملنا تحريم هذه الثلاث في قوله: (ألا إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم حرام ... ) ؛ لوجدنا اتفاق العالم كله، والديانات كلها، والأمم بأكملها، على أن هذه محرمة عند بني الإنسان، وكما يقول الأصوليون: لا يستقيم نظام أمة في العالم، أياً كان دينها، إلا بحفظ هذه الثلاث، ومعها العقل والدين، وهي: الضرورات الخمس: حفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ النفس، وحفظ المال، وحفظ العرض، ويدخل معه النسب، وكل أمة اتفقت على ذلك، والرسول ﷺ حمل حجاج بيت الله أمانة التبليغ عنه فقال: (ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب) ، فكان على كل حاج في تلك الحجة سمع الخطبة أن يبلغ من وراءه، فيشمل الحديث كل مسلم يأتي في هذا العالم.
ولو أن كل إنسان وقف عند هذه الحدود؛ لما سفك دم ظلماً، ولا انتهك عرض غصباً، ولا اختلس مال، ولا وقع سرق، ولا نهب، ولحفظت الحقوق، وسلم العالم من الظلم والشرور.
كانوا في الجاهلية يستبيحون القتل والسلب، فأبطل النبي ﷺ كل ذلك وحرمه، وعصمت دماء المسلمين بالإسلام، وهنا قال في هذا الحديث: (لا يحل) ، أي: لأي إنسان -كان من كان- أن يستبيح قطرة دم مسلم، ولا أن يستبيح عرض مسلم، ولا أن يستبيح جزءاً من مال مسلم.
стр. 314
أسباب قتل المسلم بحق
قال ﵊: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) ، وذكر أول هذه الأسباب الثلاثة: الزنا بعد إحصان، والزنا هو: إتيان الرجل المرأة بغير وجهٍ حلال، وفرق الحلال من الحرام كلمة الله، كما قال ﷺ في خطبة الوداع: (استوصوا بالنساء خيراً) ، انظروا إلى الأسلوب النبوي الكريم، فمن حكمته وبلاغته يتمدد وينتشر انتشار الأثير في الهواء، قال: (استوصوا) ، ولم يقل: أوصيكم بالنساء، فتكون الوصية مؤقتة منه فقط، ولكن قال: استوصوا، أي: ليوصي كل منكم الآخر، فتظل هذه الوصية تعمل، وتتفاعل، وتتكاثر، وتمتد إلى يوم القيامة، (استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عوان تحت أيديكم، استحللتموهن بكلمة الله) وليس بالصداق، إنما الصداق نحلة، كما قال الله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤] أي: هبة، وهدية، وكرامة من الرجل للمرأة، ولكن إباحة البضع حقاً إنما هو بكلمة الله، فزوجتك قبلت ذلك على كتاب الله وسنة رسوله، فهذا هو الفرق؛ ولهذا يشرع في النكاح أن يعلن ويضرب عليه بالدف، وأمر ﷺ بإقامة الوليمة؛ ليعلم الجميع بانضمام زوجين معاً، وإقامة لبنة وأسرة في بناء المجتمع الإسلامي، بخلاف الزنا -عياذاً بالله- فيختفي الزاني، ويستتر، ويتهرب.
стр. 315
حكم الزنا بعد الإحصان
ومعنى الزنا بعد إحصان أي: بعد وطء امرأة حرة بعقد نكاح، أما إذا وطء أمة بملك يمين فلا تحصنه، وهذا قول الجمهور، وإذا عقد على امرأة ولم يدخل بها فلا تحصنه، وإذا وقع في زناً قبل زواجه، فلا يحصنه هذا الزنا؛ لأنه باطل لا ينبني عليه حكم صحيح، فإذا تزوج ثم ارتكب تلك الرذيلة -عياذاً بالله- فحينئذٍ يكون عليه الرجم، ويحل دمه بعد أن كان معصوماً، وقد تكلم الفقهاء على جريمة الزنا، وعقوبتها، واتفق الجميع بلا نزاع على أن غير المحصن -وهو البكر- يجلد مائة جلدة، قال سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] ، ومن لطائف أسلوب القرآن -كما قال بعض العلماء- أنه في باب الزنا قدم المرأة فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور:٢] ، وفي باب السرقة قدم السارق فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] ، قالوا: إن للتقديم أثره كما بين ﷺ ذلك في أمر الصفا، فالسعي بين الصفا والمروة شوط مكتمل، ولكن من أين نبدأ؟ قال رسول الله ﷺ : (ابدءوا بما بدأ الله به) ، والله قد بدأ بالصفا، فقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة:١٥٨] ، قالوا: إن سبب الزنا أقوى من جانب المرأة؛ لأنها موضع الإغراء، ولو لم يجد الرجل منها ميولاً، أو ليونةً، أو إغراءً، لخاف وابتعد، أما في السرقة فالرجل أقوى؛ لأنه أجرؤ على اقتحام بيوت الناس، وانتهاك الحروز! لا إشكال عند جميع الناس أن البكر يجلد مائة، وأشكل على بعض الناس الثيب الذي أحصن، والإحصان، هو: الزواج والدخول بالزوجة، وليس بشرط أن تظل معه زوجه، بل لو دخل على زوجه ليلة واحدة، وكان بينهما ما يوجب الصداق، ويوجب العدة، ويلحق الولد، فهذا إحصان بلا نزاع، وعلى هذا؛ لو طلق زوجته، أو ماتت، ثم بعد ذلك وقع في هذه الرذيلة، فإنه يستحق الرجم.
وهل ثبت حد الرجم بالسنة أو بالكتاب؟ بعض العلماء يقول: إنما ثبت بالسنة، فإن رسول الله ﷺ أمر برجم ماعز والغامدية، ورجم أيضاً غيرهم، وآخرون يقولون: الرجم ثابت بكتاب الله، فقد ثبت أن من القرآن الذي نسخت تلاوته آية: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم) ، وهذه الآية نسخت لفظاً، وقال ابن عباس: (إن الرجم ثابت في كتاب الله، واستنبطه من قصة اليهوديين اللذين زنيا، فسأل اليهود رسول الله ﷺ ، فقال للحبرين منهما: (ماذا عندكم في التوراة؟) فقالا: أحبارنا الأولون غيروا الرجم، وارتضوا بالتفحيم، وتنكيس الزاني على دابة، وغير ذلك من التعزير، فقال: (وماذا في التوراة؟) قالا: فيها الرجم، فأمر ﷺ برجمهما، وفي بعض الروايات أنه قال: (فأتوا بالتوراة فاتلوها) ، فجاءوا بالتوراة، وغطى القارئ بيده على آية الرجم، فقال عبد الله بن سلام، وكان حاضراً: (ارفع يدك، فلما رفع يده، إذا بآية الرجم تحت يده، فأمر ﷺ برجمهما، قال ابن عباس: هذا يدل على أن الرجم ثابت في القرآن، والرسول ﷺ جاء ليبين لهم ما كانوا يخفون من الكتاب، كما أخبر الله؛ فمما أخفوه آية الرجم.
وثبت عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه أنه خطب الجمعة على منبر رسول الله ﷺ -كما في صحيح البخاري ﵀ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أيها الناس! إن الرجم قد أنزل في آية من كتاب الله قرأناها، ثم نسخت، ولولا أن يقول الناس: زاد عمر في القرآن، لكتبتها بيدي، ولقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا معه، فأخشى إن طال الزمان أن يقول أحد: لا يوجد الرجم في كتاب الله.
стр. 316
شرح الأربعين النووية - الحديث الرابع عشر [٢]
стр. 317
رجم الزاني المحصن
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: يقول علماء أصول التفسير: لماذا نسخ نص الحكم بالرجم؟ قالوا: تكريماً لهذه الأمة، فكأن الله سبحانه لم يرد أن يسجل عليها في كتابها زناً يقع من شيخ وشيخه، والمولى سبحانه ينهى الناس أن يشيعوا الفاحشة في المؤمنين، فكيف يسجله على الأمة في القرآن الذي يتلى في المساجد؟! فلما وقع الحكم بأمر النبي ﷺ وفعلوا ذلك، وعلم الجميع به؛ لم يعد هناك حاجة إلى بقاء النص بهذه الصفة في كتاب الله.
وهذا الحكم هل يكون معه جلد ثم رجم كما روي عن علي رضي الله تعالى عنه أو يكفي الرجم دون الجلد كما هو مذهب الجمهور؟ استدل الجمهور بأن النبي ﷺ جاءه رجلان، زنى ابن أحدهما بزوجة الآخر، فقال زوج المرأة: (يا رسول الله! اقض بيننا بكتاب الله، وكان الآخر أفقه، فقال: يا رسول الله! إن ابني كان عسيفاً عند هذا فزنى بامرأته، فافتديت ابني بمائة من الغنم وبأمة، وسألت العلماء فقالوا: إنما على ابنك الجلد، وعلى المرأة الرجم، فقال رسول الله: نعم، سأقضي بينكما بكتاب الله، أما غنمك والوليدة فرد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد -يا أُنيس - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) ، ولم يذكر جلداً قبل الرجم.
يهمنا هنا أن الإسلام يعصم دم الإنسان إلا بتلك الأمور الثلاثة، ولكن مسألة: لماذا يرجم؟ ومسألة: الفرق بين الرجم والجلد؟ تلك مسائل يجتهد فيها العلماء، وقد يصيبوا وقد يخطئوا.
стр. 318
قتل النفس بالنفس
والخصلة الثانية: (النفس بالنفس) ، وهذا دليل على المساواة بين المسلمين، فأكبر إنسان في أكبر مجتمع إذا قتله أدنى إنسان في أدنى مجتمع، وكلاهما يشهد أن لا إله إلا الله؛ فليس في دم هذا العظيم أكثر من دم هذا الوضيع، وكذلك العكس: لو أن أعظم إنسان في أعظم مجتمع قتل أضعف إنسان في أضعف مجتمع، فدم هذا العظيم مقابل دم هذا الحقير، ولذا قال الصديق رضي الله تعالى عنه في خطابه العام للأمة أول خلافته: أيها الناس! وليت عليكم ولست بأفضلكم، ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له الحق، وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه.
وليس كما يقولون: حكم النقض يسري على كل أحد، كالأمم التي تتحكم في العالم، فإذا كان قرار في غير مصلحتها تستعمل حق الفيتو وتنقض الحكم، لا وإنما هي المساواة بين الأنفس جميعاً، فالنفس بالنفس.
واختلف العلماء في الرجل إذا قتل امرأة، فالجمهور على أنه يقتل بها، أي: في العمد، وقال بعض العلماء -وهي رواية عن علي رضي الله تعالى عنه-: إن أولياء المرأة إذا أرادوا قتل الرجل فعليهم أن يدفعوا نصف الدية لأولياء الرجل؛ لأن دية المرأة على نصف دية الرجل، والجمهور يقولون: قال الله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] ، والمرأة نفس، والرجل نفس، فهما سواء.
واتفقوا على أنه إذا اجتمع جماعة على قتل شخص، واشتركوا جميعاً في قتله، فإنهم يقتلون جميعاً بهذا الواحد، كما قال عمر: والله! لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعاً، وذلك لحفظ الأمن؛ لأنه إذا لم تقتل الجماعة بالواحد؛ لاتفق القاتل مع آخرين، وقتلوا من أراد صاحبهم أن يقتله، لعلمهم أنهم لا يقتلون، فتسفك الدماء، ويقع الهرج في الناس، أما إذا تحقق أنهم اتفقوا وتواطئوا على قتله، فإنهم يقتلون به، ولا يوقف القتل إلا القتل كما قال الله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩] ، فإذا علم من أراد القتل أنه إن قتل يقتل، كف عن قتل خصمه، وسلم هو عن القتل، فيكون القصاص قد أحيا الشخصين معاً.
وهل يقتل الحر بالعبد؟ التحقيق -وهو قول الجمهور- أن الحر لا يقتل بعبد.
وهل يقتل المسلم بكافر؟ إن كان الكافر حربياً فلا يقتل به إجماعاً، وإن كان ذمياً أو مستأمناً أو له عهد وأمان من الإمام، فـ أبو حنيفة ﵀ قال: يقتل به المسلم؛ لأن من قتل المعاهد الذي له من الإمام عهد بالأمان فقد افتات على الإمام بنقض عهده مع هذا الذمي، والجمهور يقولون: لا يقتل به، وإنما لأوليائه الدية، فإن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
فهذا الحكم: النفس بالنفس؛ لو عمل به الناس، لحفظت الدماء، وكانت لهم الحياة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩] .
стр. 319
الردة
الخصلة الثالثة: (التارك لدينه، المفارق للجماعة) ، التارك لدينه، أي: للإسلام؛ لأن أول الحديث: (لا يحل دم امرئ مسلمٍ) ، فالضمير راجع إلى الإسلام.
يقول العلماء: كل من ارتد عن دينه قتل سواءً كان رجلاً أو امرأة، إلا الإمام أبا حنيفة ﵀ فيقول: المرأة إذا ارتدت لا تقتل، واستدل بأن الرسول ﷺ نهى عن قتل نساء المشركين، ونهى عن قتل الرهبان من أهل الكتاب، ونهى عن قتل الصبيان، وقال: (إنهم لم يقاتلوا، فلا تقتلوا إلا المقاتلة) ، فقال الإمام أبو حنيفة ﵀: فإذا ارتدت امرأة مسلمة، فهي لو كانت كافرة لا تقتل، فكيف تقتل إذا ارتدت؟ فترجع إلى ما كانت عليه قبل أن تسلم، وهو الحكم الأصلي، ولكن الجمهور يقولون: جاء في الحديث: (من بدل دينه فاقتلوه) ، و (مَنْ) من صيغ العموم، فيشمل كل مرتد، وقال الجمهور: إن المشركة التي على شركها جاهلة لا تعلم شيئاً، ولكن بعد أن أسلمت والتزمت بالإسلام فجرمها في ارتدادها عن الإسلام كبير وخطير؛ لأنها لو تركت على ردتها بعد إسلامها، كأننا نقرها على ذلك، والمرتد لا يرتد إلا وهو ساخط عن الدين، وغير راض به، فلو ترك فكأننا نقر الطعن في الدين، أو نقر الأعداء بأن الدين لا يصلح لهم، ولذا فمن ارتد بعد إسلامه فهو أعظم جرماً ممن لم يسلم بعد.
стр. 320
بم تكون الردة ؟
الردة تكون بأن يرجع إلى الشرك، أو يرجع إلى اليهودية، أو يرجع إلى النصرانية، وهناك أمور أخرى تلحق الفرد بالكفار: مثل سب الله أو سب رسوله، حتى قال بعض العلماء: من فعل هذا لا تقبل توبته؛ لأنها زندقة، والزندقة خفية، فلا يُعلم حقيقة توبته، وكذلك من سب المصحف، أو أهانه، أو ألقاه في مكان نجس غير لائق به، وهكذا من أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، كأن ينكر شيئاً من أركان الإسلام، فهو مرتد حتى لو نطق بالشهادتين، وهكذا لو قال: الصلاة غير واجبة، أو الصوم غير واجب، أو الحج لا حاجة إليه، أو الزكاة غير مفروضة، أو أنكر أي شيء معلوماً من الدين بالضرورة، أو قال: لا عدة على المرأة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها، فكل ذلك ردة عن الإسلام؛ لأنه يرد شرع الله الثابت بالضرورة عند المسلمين.
ومن الأسف أن بعض الناس قد يستخف ببعض السنن، وقد قال الحنابلة: من استخف بسنة من سنن رسول الله ﷺ ؛ لأنها سنة، فقد ارتد عن الإسلام عياذاً بالله! كمن رأى إنساناً قد وفر لحيته، وأكرمها، فهزأ به وقال: هذا رجعي، هذا متأخر، فإنها ردة عن الإسلام عياذاً بالله! فليحذر الإنسان أن يفعل شيئاً يوقعه في خطر لا يعلم مداه، أو يتكلم كلمة لا يلقي لها بالاً فيدخل بها جهنم، كما جاء في الحديث: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أربعين خريفاً) .
وقد كان الصحابة في غزوة، وكان منهم بعض ضعاف الإيمان، فأخذوا يتكلمون ويسخرون من أصحاب رسول الله، وقالوا: ما رأينا أكبر بطوناً، وأجبن عند اللقاء، من أصحاب محمد!! فجاء الوحي إلى رسول الله ﷺ بأنهم كفروا، فقال تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] ، فقالوا: كنا نتحدث حديث الركب، وما كنا جادين، فلم تقبل معذرتهم، فقد كفروا بالله عندما سخروا من رسول الله ﷺ وأصحابه.
وهكذا كل من فعل فعلاً يضر بالإسلام أو ينقض الإسلام فهو ردة والعياذ بالله!
следующие страницы →